أعمال الرسل حسب البشير لوقا مع تأملات تفسيرية وصلوات ومسابقات _ عبد المسيح وزملاؤه

الجزء الأوَّل:

تأسيس كنيسة المسيح

في أورشليم واليهودية والسامرة وسوريا

برعاية الرسول بطرس

(الأصحاح1: 1 –12: 25)

أولاً: نشأة ونموّ الكنيسة الأصليّة في أورشليم

(الأصحاح 1 – 7)

1افتتاحيّة السِفر وآخر مواعيد المسيح

(1:1 – 8)

1:1 اَلْكَلامُ الأَّوَلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ، 2إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ، بَعْدَ مَا أَوْصَى بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الرُّسُلَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ.

كَتب كثيرٌ مِن النّاس كتباً شتّى ولو رصفناها جميعاً لصارت جبلاً ضخماً كبيراً، يحترق ملتهباً في غضب الله، لأنّ كلّ كلام النّاس باطل مستكبر فارغ.

ولكنَّ الكتابين اللَّذَينِ كتبهما الطبيب لوقا، سيسطعان يومَ الدين ببهاءٍ يفوق بريقَ الشّمس ولا يزولان، بل يرتفعان عالياً أمام عرش الله، لأنّ البشير لوقا وصف في كتابه الأوّل أعمال وكلام المسيح، علماً أنّه ذكر عمله قبل أقواله، لأنّ المسيح ما جاء معلماً فقط، بل مخلّصِاً للعالم أجمع، فإيّاه أراد البشير أنْ يمجّد؛ وأرانا كيف تاب الخطاة قرب يسوع معترفين بخطاياهم، ومتبرّرين بإيمانهم في نعمة الرّبّ، كما اختبر اللصّ الّذي صُلِب مع يسوع، حين دخل مع يسوع مباشرة نعيم الفردوس. فإنجيل لوقا هو كتاب الفرح العظيم، مثلما بشّرنا الملاك عند ميلاد الطفل في المذود، لأنّ الرّبّ نفسه تجسّد إنساناً، ليطلب ويخلّص ما قد هلك. ونحن نشهد اليوم، شاكرين الله، أنّ كثيرين مِن النّاس قد خلصوا بواسطة إنجيل لوقا، وأنّ أحرفه السوداء هذه، تنبع منها قوّة الحياة الأزليّة إلى عقول وقلوب المؤمنين.

وقد اختبر ثاوفيلس، الموظّف الروماني العالي الشَّأْن، هذا الخلاصَ العجيبَ مِن المسيح، فَوكل إلى صديقه الطبيب لوقا اليوناني، أنْ يجمع كلّ التفاصيل عن حياة يسوع الناصري، ويدوّن تاريخ انتشار بشرى الخلاص في الإِمبراطوريّة الرومانيّة بدقّة، لأنّ الوالي الروماني لم يكتفِ بالشّعور العاطفي، بل أراد أسساً تاريخيّةً لإيمانه الحيّ؛ فكتب لوقا، الرَّجلُ المثقَّفُ كتابَيه لهذا الوالي ليثبّته في حياته الرّوحيّة، وليجهّزه كمؤمن لوظيفته كخادم مهمّ في الدّولة الرومانيّة؛ فشهد له ألاّ رجاء لعالمنا القلق إلاّ في المسيح يسوع الحيّ.

كلّ دول عالمنا تزول، وكلّ الفلاسفة باطلون، حتّى ولو قدّموا لنا أبنية فكريّة مِن عقولهم العبقريّة؛ فإنّ المسيح لم يبنِ مملكته على ذكاء مفكّرين بارزين، ولم يستند إلى قدرة جيوش جبّارة، بل اختار أناساً عاديين وصيّادين غير مثقّفين ودعاهم رسلاً؛ وهذا الاختيار للبسطاء يعني رفضَ كلّ ما هو كبيرٌ وقويٌ وذكيٌ في العالم، لأنّ الله يقاوم المستكبرين، وأَمَّا المتواضعون فيعطيهم نعمةً.

وهذا ينسجم تماماً مع مقاصد الرّوح القدس الّذي يقوّي غير المقتدرين ويحيي الفانين. ولم يحقّق المسيح كلّ أعماله مستقلاً، بل دائماً في الوحدة مع الرّوح القدس، ثابتاً في مشيئة أبيه؛ لأنّ الله الآب والرّوح القدس والمسيح يسوع وحدةٌ كاملةٌ أكثر مما نعرف ونعلم، والثَّالوث القدّوس قد عزم منذ الأزل أنْ يبني كنيسته وسط العالم الضال، وينشر السّماء بين أموات الأرض. وتاريخ خلاص الله هذا ابتدأ بدعوة الرسل حيث دعاهم المسيح ودرّبهم وفوّضهم لتبشير النّاس؛ والبشير لوقا هو الوحيد الّذي وصف حركة هؤلاء المنطلقين، لأنّه قد أدرك أنّ قوّة محبّة الله، الحالَّة في الصَّيَّادين البسطاء، هي المعجزة الجديدة في العالم، والرَّجاء الحقّ لمستقبل أفضل. 

والتمهيد لهذه المعجزة كان أنّ المسيح المُقام مِن بين الأموات لم يبقَ بين تلاميذه في العالم، ليدبّر كملك انتشار ملكوته بطريقة استراتيجيّة منظّمة، بل صعد إلى السّماء؛ فلم يخف الرّبّ ويضطرب خوفاً مِن خطأ يقع فيه الرسل، لأنّه عرف أنّ الرّوح القدس سيحلّ فيهم مكمّلاً عمله؛ وقد صعد إلى السّماء مطمئناً، وارتفع إلى أبيه، وجلس عن يمين المجد واحداً ومالكاً معه، وبانياً في العالم الشرّير كنيسته المقدّسة، غالباً كلّ القوى المضادة لله، ومخلّصاً ملايين النّاس؛ فبهت لوقا مِن أعجوبة نموّ ملكوت الله المستتر على الأرض، ووصف في كتابه الثاني هذه الحركة مِن نقطة انطلاقها أورشليم إلى هدفها روما.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح الحيّ، نسجد لك، ونبارك محبّتك ومجدك العامل مستتراً في كنيستك حتّى اليوم. نشكرك لأنّ لطفك قد وصلنا أيضاً. علّمنا أن ندرك أعمالك في أعمال الرسل الكرام، وأن نعظّمك في تنفيذ أفكارهم في حياتنا العمليّة تعظيماً كثيراً.

1: 3 اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضاً نَفْسَهُ حَيّاً بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللّهِ 4وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، 5لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ.

إنّ إشراق ملكوت الله ابتدأ بقيامة المسيح مِنْ بين الأموات! تصوّر إنساناً ميتاً يقوم مِن القبر، ويُري نفسه أربعين يوماً بين أصدقائه، ويجلس معهم هادئاً، ويأكل أمامهم، ويأتي بلا صوت مخترقاً الجدران، ويخرج هادئاً دون صفق الباب. فهذه الخوارق التي فعلها المسيح المُقام الحيّ فجّرت عقول التلاميذ، لأنّهم قد اختبروا سابقاً، كيف حُكم على يسوع بالظّلم والعار، فمات مسكيناً على الصّليب، مستهزءاً به مِن الرؤساء والعامّة، ودُفِن حقّاً في يوم الجمعة، وكأنّ في موته ودفنه نهاية لرجائهم.

ابتدأ اليوم الأوّل مشعلاً لعصر جديد، بدخول الأزليّة في الزّمن؛ وبرهن المسيح بحضوره أنّ مملكته ليست مِن هذا العالم، بل هي دولةٌ روحيَّةٌ، غير قابلة للفناء، مفعمةٌ بالفرح والبِرِّ والمحبَّة والحقِّ والتَّواضعِ والعِفَّة. فرسائل الرُّسل ممتلئة بوصف هذه الحقيقة السَّماويّة، وسط البغضة والنّجاسة والاستكبار والكذب والحروب والظلم، والمسيح فسّر لتلاميذه طيلة أربعين يوماً، مِنَ التَّوراة والمزامير والأنبياء، ما هو سرّ الحركة العجيبة الّّتي أشارت إليها النُّبوّة الحقَّة الصَّادرة مِن كُلِّ الأنبياء الصَّالحين، الّذين اشتاقوا إلى ملكوت الله وترقَّبوا إشراقه. أمّا الآن فقد حضرت الدَّولة السَّماويّة، وظهر الملك الأزلي واقفاً ملموساً بين أتباعه.

ابتدأ ملكوتُ الله هذا في أورشليم، قاتلة الأنبياء وساحقة ابن الله، فأخرج الرّبّ سلامه مِن مدينة السّلام، إِنَّما أمر الصيادين الجليليين، ألاّ يعودوا إلى مهنة الصيد في بحيرة طبريا، بل أن يبقوا مصلّين في المدينة العدائيّة، منتظرين تحقيق موعد الله فيهم.

والمسيح صرّح منذ البداية لتلاميذه معنى هذا الوعد الإلهي، أَنَّهم سيدركون الله كما هو، ولا يخافون بخساً ولا رهقاً مِن المهلك الجبّار والقاضي المجهول، بل أنّه يعلن لهم نفسه أباً يجعلهم أولاداً له آمنين. هذه هي رسالة المسيح الخصوصيّة أنّ الله القدّوس هو آبٌ حنون. فمِن هذا الإعلان تتغيّر حضاراتنا، ونفهم أنّ الملكوت الآتي هو ملكوت أبوي وأولاده هم أمراء خدّام، وقضاة مصلّون حسب قدوة يسوع الّذي مات لأجل الجميع، وفداهم مِن غضب الله العادل.

وبهذا سجّل لنا لوقا إحدى الكلمات الأخيرة مِن فم يسوع: قد سمعتم منّي موعد الآب. وهذه الجملة تعني خلاصة كلّ تعاليم ابن الله، أنّ القدّوس العظيم، يتبنَّانا ويملأنا بجوهره ويجعلنا أولاده. هذا بالصَّواب هو هدف موت يسوع على الصّليب.   فقد غفر لنا خطايانا وقدَّسَنا، لنجد الدّخول إلى الله، ونحبّ الآب، ويتقدّس اسمه بسلوكنا.

وقبل هذا كان يوحنّا المعمدان قد علم بالانقلاب الآتي المحرّك السماوات والأرض، ولكنّ الساعي للمسيح في البرّيّة علم أيضاً أنّ ملكوت الله لا يمكن أن يأتي إلى النّاس الأشرار والبشر الطَّبيعيين مباشرةً، بل ينبغي قبل ذلك فلح القلوب المتحجّرة وتغيير الأذهان المرفوضة؛ فعمّد التائبين في مياه نهر الأردن رمزاً لاستحقاقهم الموت؛ وقد دلّت إقامتهم مِن المياه على ظهورهم خليقةً جديدةً. ولكنّ يوحنّا علم واعترف جهراً أَنَّ معموديته لا تغيّر الإنسان حقّاً، وأَنَّ الغمر بالماء هو رمزٌ أَلاَّ إنسان يقدر أن يصلح نفسه، أو أن يُهذِّب غيره، أو أن يُنَقِّي ذاتَه متقشِّفاً، فكلّنا أشرار في طبيعتنا خبثاء.

وأشار النّبي في تلك البرّيّة إلى حمل الله، الّذي يعمّد التائبين بالرّوح القدس، لأنّه هو المولود مِن روح الله، وثبت بلا خطيئة، فبذل نفسه لله بهذا الرّوح بلا عيب، وصالح جميع المؤمنين مع أبيه، لننال نصيباً في هذا الرّوح المبارك اللطيف. هل أدركت موعد الآب؟ فإنّ الرّوح القدس يعزم أن يحلّ فيك، والمسيح نفسه يتمركز في قلبك ويصبح جسدك هيكلاً لله الحيّ؛ فهل أنت مستعدّ لاستقبال الله اليوم؟

تَواضَعْ مستعِدّاً لموعد الله، كما كان المسيح دائماً متواضعاً، فالمسيح لم يقل “أنا” أعمّدكم بالرّوح القدس، كما أنبأ المعمدان عنه، بل ترك هذا المجد لأبيه، وعلّم أنّ الرّوح القدس نفسه عزم أن يأتي إلينا هكذا ليهبنا الآب والابن والرّوح القدس ذاته بوحدة كاملة، لأنّ هذا الرّوح مِن الآب والابن ليس إلاّ المحبّة الإلهيّة. فهل أدركت مشيئة الله، وهل تستعّد مصَلِيّاً لقبوله، كما أمر المسيح رسله بالانتظار والصّلوات؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت القدّوس، يَا مَنْ تعمّد التائبين في اتِّحادك بالآب بروحك القدّوس، لكيلا نخاف فيما بعد مِن الله العظيم ودينونته، بل نحبّه كأبينا الحقّ ونطيعه بفرح، وننطق باسمه ونصحو في جوهرنا؛ نشكرك لأنّك سمحت لنا أن ننطق بهذا اللفظ الفريد: أبانا الّذي في السماوات، ليتقدّس اسمك الأبوي.

1: 6 أَمَّا هُمُ الْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ:يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟ 7فَقَالَ لَهُمْ:لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ، 8لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُّوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ.

ما كان التلاميذ قد حصلوا على الرّوح القدس بعد، لمّا تقدّموا بهذا السؤال الدنيوي السياسي إلى يسوع، حيث كانوا لا يزالون مفتكرين بقومّيتهم اليهوديّة، ومركزهم في القدس؛ فتصوّروا أنّ المسيح الملك المُقام مِن الأموات سيملك في مجد وبهاء، ويحكم مِن هناك الشّعوب كلّها. وللعجب فإنّ المسيح لم يرفض هذا السؤال مطلقاً، بل أثبت المملكة الإلهيّة الآتية بلا شكّ، ولكنّه أوضح لرسله أَنَّ إِنشاءَ هذه المملكة السَّماوية لا يتمّ حسب تصوّراتهم البشريّة، ولا في زمنهم الحاضر.

إنّ لله تخطيطاً خاصّاً، وهو قد أبصر منذ الأزل تاريخ الشّعوب أمامه، وأعطى كُلَّ قبيلة وأمة وقتاً للتوبة النصوح والإيمان الحيّ، وحدّد زمن صبره تحديداً. ولكنّ مسيرة التاريخ المعيّنة هذه لا تقف أمامنا كقضاء مهلك وقدر مخيف، لأنّنا عالمون أنَّ أبانا هو الّذي عيَّن مسيرة الأزمنة المكتوبة، فنعرف أنّ محبّته عملت وتعمل الخير للعالم، ولأنّ محبّته هي مالكة للأزمنة، لا نخاف شيئاً، فأبونا هو الحاكم والسُّلطان الحقّ، وكلّ الأعمال الثوريّة وجمع الأسلحة، لا تجدي فتيلاً، ولا تغيّر تنفيذ خطّته، لأنّ ملكوته سيأتي ليس روحيّاً مستتراً فقط، بل ظاهراً مجيداً قاهراً، وسلطان الله هذا مبني على المحبّة والحقّ، وليس على اللامبالاة والظّلم، فمَن يعرف الله أباً يفرح للمستقبل.

فقد حذف المسيح كلّ الأفكار السياسيّة مِن عقول تلاميذه، وأعدّ أتباعه لموعد الآب الجوهري، وسمّى تنفيذه نيلاً للقوّة. هل تعلم أنّك ضعيف وأنّك ستموت ككلّ النّاس، لأنّك فانٍ غبيٌّ قبيحٌ شرّيرٌ بالنسّبة إلى مجد الله وقداسته وحكمته؟  إِنَّ قدرته لا تحلّ على إنسان طبيعي، وأنت لا تستطيع إصلاح ذاتك بذاتك، لأنّك ضعيف ككلّ النّاس وعبد للخطيئة، إِنَّ عمل المسيح الأوّل لإنشاء مملكته المستترة، هو إعطاء قوّة لأتباعه. والكلمة اليونانيّة للقوّة تعني “ديناميت”، فقوّة الله تفجّر قلوبنا المتحجّرة، وتجعل فينا قلوباً رحيمة، وتغلب أذهاننا القاسية، لنفكّر أفكار الله. فهبة الله السماويّة لأجل المؤمنين بالمسيح، هي قوّته الخاصّة الّّتي خلق بها العوالم الظاهرة في يسوع.

فهل حصلت على قوّة الله، أم أنك لا تزال ميتاً في الخطيئة؟ هل تعيش في محبّة الآب، وتستطيع كلّ شيء في الّذي خلّصك؟ إنّ قوّته تكمل في ضعفك، وصلاة البارّ تقتدر كثيراً في فعلها.

وقوّة الله ليست سرّاً، بل إِنّها الرّوح القدس نفسه، الرّوح الّذي هو مِن الأزل وإلى الأبد، أحد الأقانيم الثلاثة في الله الواحد، المستحقّ سجودَنا وتسليمَنا. فنسجد لهذا الرّوح الإلهي بكلّ فرح وشكر، ونعظّم هذا النُّور مِن الآب والابن، لأنّه حلّ حقّاً فينا نحن المساكين، وأكّد لنا خلاصنا في المسيح، وفتح لنا أعيننا الباطنيّة على حقيقة الله، إنّه أبونا السماوي، فليس إنسانٌ طبيعيٌّ يحمل هذا الجوهرَ الإلهيَّ في ذاته تلقائيّاً، بل إنّه يأتي مِن خارج دنيانا، فينير أحبَّاءَ المسيح، ويملأهم بحياته ومحبّته وسلامه.

فليس أحد يقدر أن يسمّي المسيح ربّاً، إلاّ مَن يُرشده روح الحقّ، الّذي يؤسس فينا الإيمان الصحيح. وروح الابن يفتح لنا أفواهنا ويعلّمنا نطق اللّغة السماويّة، ويشجّعنا على أن نقول: أبانا الّذي في السماوات، ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السّماء كذلك على الأرض. فهل انفتحْت لهذا الرّوح الصّالح؟ إنّه حاضرٌ وعازمٌ أن يملأك.

والرّوح القدس هو الّذي أقدرَ الرسل غير القادرين أن يدركوا المسيح في ألوهيته وأنشأ الإيمان فيهم، وقادهم ليشهدوا بكلماتهم لحقيقته، وقوّاهم ليعملوا إرادته بتواضع. فالرّوح القدس يجعلنا شهوداً للمسيح؛ فليس ضروريّاً أن نتباهى بتجدّدنا، ونتبختر في ولادتنا الثانية، بل علينا أن ندلّ على مخلّصنا ومجدّدنا، فنعترف بفسادنا، ونشهد بسلطان يسوع لغفران خطايانا، وندل جميع النّاس على أنّ المولود مِن الرّوح القدس هو ابن الله الحقّ، الّذي قدّسنا بدمه ويقوّينا بروحه؛ ونعلم ونؤمن أنّ الرّبّ يسوع يغيّر اليوم كثيرين بروح إنجيله، ويخرج منهم الأرواح الشرّيرة بكلمته، ويبني ملكوته بقلوب منكسرة. ولا ننسَ أنّ كلمة “الشهود” مشتقَّة مِن كلمة “شهداء”؛ فلا نتعجّب إن قام روحُ هذا العالم ضدّنا، فهو قد صلب ربَّنا قبلاً.

إنّ بزوغ روح الله ابتدأ في أورشليم، وجرى كنار في اليهودية، ووصل إلى السامرة، وتقدّم إلى أنطاكية، وغطّى آسيا الصُّغرى وامتدّ في الوقت نفسه إلى أفريقيا الشماليّة، وأثيوبيا والعراق ودخل اليونان، وفتح العاصمة روما. وقد أدرك لوقا البشير مسيرة نار محبّة الله، وسجّلها لنا في كتابه؛ وها نحن اليوم نضع باسم المسيح مشعل الإنجيل في يدك ونقول لك: أنِر محيطك بمحبّة ابن الله، لأنّكم أنتم نور العالم.  ولكن امتحن نفسك أوَّلاً، فهل حصلت على قوّة الله ويسكن الرّوح القدس فيك؟ وإلاّ فانتظر موعد الآب، واطلبه مصليّاً في الإنجيل، حيث تجده موضوعاً مفتوحاً أمامك.

الصّلاة: أيّها الآب، نسجد لك ونحبّك، لأنّك جعلتنا بموت ابنك أولاداً لمجدك المتحقّق فينا بروحك القدّوس. احفظنا في محبّتك. أنت أبونا. نسلّم لك حياتنا شاكرين وطالبين امتلاءنا بروحك القدّوس، ليستنير محيطنا باسم المسيح.

2صعود المسيح إلى السّماء

(1: 9- 12)

1: 9 وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ 10وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ  11 وَقَالا:أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى السَّمَاءِ 12حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الّزَيْتُونِ، الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ.

أدرك التلاميذ أنّ المسيح حيّ، وله جسد روحيّ، غير خاضع للقوانين الطبيعيّة. لقد كان إنساناً حقّاً وإلهاً حقّاً، وقد أرشد أتباعه طيلة الأيام الأربعين، لينيرهم بمعاني النُّبوَّة مِن العهد القديم الدالّة على موته وقيامته، وكلّل تعليمه أخيراً بموعد انسكاب الرُّوح القريب عما قليل، ليمتلئ الرسل بقوّة الله.

كان هذا الإعلان آخر ما نطق به يسوع على الأرض وبعد ذلك مضى ولم تكن ثمّة ضرورة لأكثر مِن ذلك، فالرّوح القدس أتمّ وأكمل عمل المسيح الّذي كان قد مَضَى نهائيّاً، فليس كما اختفى مدّة الأربعين يوماً الماضية اختفاءً مفاجئاً ودخل عبر الجدران والأبواب المغلقة، كلاّ بل إِنَّ المقام مِن بين الأموات ارتفع ظاهراً رويداً رويداً، في هدوء وجلال، أمام أعين التلاميذ. لقد غلب جاذبية الأرض، وكان أخفّ مِن النّور، واجتُذب بقوّة المحبّة، إلى أبيه مصدره. والسحابة الّّتي تحيط الله المجيد القدّوس غطتّه بلطف. لقد أكمل المسيح عمله، فترك كونه الإنساني ودخل مجد الله أبينا غير المنظور.

إنّ الخالق الأزلي لا يسكن فوق في السّماء، لأنّ كرتنا الأرضيّة تدور حول نفسها، فتارةً يكون ما هو فوق تحت والعكس بالعكس. وحتّى الشّمس ليست فوق، لأنّها تصبح ككرة ناريّة هائلة في الفضاء بين مجموعات مِن الشموس، هاربة الى المجهول. فأين الله وأين المسيح؟ لقد أجاب ربّنا عن هذا السؤال إجابةً قاطعة قائلاً:”وها أنا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر”.

فليس الله فوق أو تحت، بل هو حاضر حولنا، وفي كلّ مكان، لأَنَّه غير مقيَّد بالزمان والمكان، فلا يستطيع إنسان إدراك عظمة مجد الله. استخدم المسيح طرق التفكير عند تلاميذه، وارتفع ظاهراً، لأنَّهم فكّروا أنّ السّماء فوق؛ وهكذا علّم المسيح أتباعه بهذه الصورة أَنَّهُ يتركهم الآن نهائيّاً، ويرجع إلى أبيه، ويجلس عن يمينه ويملك معه في وحدة أبديّة. إِنَّ المسيح والآب واحد، والابن في الآب، والآب في الابن؛ ومَن يرَ المسيح يرَ الله. فنؤمن بالثالوث القدّوس إلهاً واحداً، الآب والابن والرّوح القدس، ولا يقدر إنسان أن يوضح سرّ هذه الوحدة الذاتيّة على نحو كافٍ. أمّا الإنجيل فيعلّمنا أنّ المسيح قد انطلق بعد قيامته مِن بين الأموات بأربعين يوماً، وترك كياننا البشري، ودخل السّماء كابن الله، ويجلس الآن على عرش النّعمة مع أبيه ذي المجد الكامل والمحبّة العظمى والسلطان الأكبر.

شعر التلاميذ أنّ صعود يسوع إلى السّماء سبَّب تغييراً جذريّاً في حياتهم وفي تاريخ خلاصهم؛ فشخصوا إلى أعلى، حيث ارتفع ربّهم محجوباً بالسحاب. لذلك من الخير العميم لنا أن ننظر إلى فوق، ونرفع قلوبنا إلى المسيح، حيث يكون المسيح عند الآب؛ لأنّ سيرتنا في السّماء، ووطننا عند الله أبينا.

والرّبّ الحيّ ما أراد مِن تلاميذه، أنّ يتخيّلوا السماوات وأمور الآخرة، فيتخدّروا بسراب ديني، بل ثبّتهم على الأرض، وأَرسل لهم ملاكَين حقيقيَّين، وهذان الملاكان أقبلا فجأةً مِن خلف ستار العالم اللامنظور، وظهرا بطهارة عظيمة، وأثبتا للتلاميذ أنّ يسوع قد ارتفع حقّاً ونهائيّاً إلى السّماء. فصعوده لم يكن خداعاً للنظر، بل حقيقة ثابتة.

وفي الوقت نفسه شهد المرسلان مِن المسيح، أنّ رجاء المؤمنين لم ينته، بل أنّ الرّبّ سيأتي ثانيةً شخصيّاً ظاهراً في السحاب، كما انطلق، وبهذا الإِعلان تركّز هدف تاريخ العالم أنّ الرّبّ يسوع المسيح يأتي للمرّة الثانية. والمسيحيّة تتمسك بهذه العقيدة بلا تزعزع: ربّنا حيٌّ وآتٍ لأنّه يُحبّنا ويشتاق إلينا. لا نَعلم زمن مجيئه، ولكنّنا نعرف أنّه يأتي سريعاً وبكلّ تأكيد. فهل أنت تترقَّب يسوع؟ هل هو هدف أفكارك؟ هل تحبّ المسيح؟ كم مرّة يوميّاً تفكّر فيه؟ وكيف تنطلق صلواتك نحوه؟ أتنتظر مجيئه؟ ليس مَن يعيش واعياً بحقٍّ إلاّ منتظرو الرّبّ.

وبفرح عظيم مِن كُلِّ قلوبهم نزل التلاميذ إِلى وادي قدرون، ومَشَوا إلى أورشليم، لأنّهم كانوا واقفين مع ربّهم على جبل الزيتون، غير بعيدين عن بستان جثسيماني، حيث نام الكلّ، لمّا كافح ربّهم قبلَ إذٍ الموتَ وغضب الله، حتّى ألقى القبض عليه بالقيود. أمّا الآن، فهم ليسوا فزِعين مِن كابوس تلك الحادثة المرعبة، بل امتلأت قلوبهم بفرح انتصار المسيح، وبشرى الملاكين دَوَّتْ في عقولهم وقلوبهم كرنين أجراس كبيرة: الرّبّ يأتي،إِنّه يأتي، الرّبّ آتٍ عن قريب.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت حَيٌّ، وأعداؤك يعرفون صعودك. أنت المنتصر، والثَّابت في الله الآب. إِنَّك تأتي. علّمنا انتظارك في فرح، وَحَرِّكْ أَيدِيَنا وقلوبنا بواسطة كلمتك، لِنُعِدَّ عودتَك إِلى عالمنا.

3النُّخبة الّذين انتظروا انسكاب الرّوح القدس

(1: 13 – 14)

1: 13 وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ الْغَيُورُ وَيَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ 14هؤُلاءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّلاةِ وَالطِّلْبَةِ، مَعَ النِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ.

لقد أمر يسوع تلاميذه باكتساح العالم كلّه ولكنّ ما يدعو إلى العجب هو أَنَّهم لم ينطلقوا بقوّتهم الشخصيّة، ولم يتكلّموا كلاماً فارغاً مُزيَّناً ببلاغة بشريّة، بل اعتزلوا للصَّلاة، وأطاعوا أمر المسيح الثاني، وهو انتظار موعد الآب، فضيق العالم فظيع، وجماهير الأموات في الخطايا كطوفان؛ ولكن ويلٌ للمؤمنين الّذين يقصدون تبشير العالم بحكمتهم الشَّخصيَّة،لأنّهم يسقطون إلى تيّار زمننا، ويغرقون حتماً. أمّا مَن يصلّي فيثبت، ومَن ينتظر قوّة الله يغلب؛ فلا تَظُنَّنَّ أنَّك تستطيع إصلاح إنسان واحد، أو إرشاده إلى المسيح بفنّ قدرتك الشخصيّة، أو باحتيال ذكائك، بل اصمت وصلّ، منتظراً عمل الله، وأَدْرِك أنّ تاريخ أعمال الرسل ابتدأ بالصلوات، وليس بكلام جهوري منتفخ؛ فأوّل عمل قام به رسل المسيح هو الصّلاة والانتظار، لأنّهم قد أدركوا، ألاَّ نتيجة مِن قدرتنا، فنحن ضالون سريعاً. ولكن يكافح لأجلنا الرَّجُل الحقّ المختار مِن الله. هل تَسأل مَنْ هو المنتصر الوحيد؟ إنّ اسمه يسوع المسيح! وهو وحده الّذي يخلّص ويفدي ويغلب، أمّا نحن فنتبع خطواته، ونشهد بظفره.

لم ينعزل التلاميذ إلى مغارة أو صحراء، ولم يتأمّلوا في أسرار الكون، متشائمين ومحتقرين عالم البغضاء، بل اجتمعوا وصلَّوا في شركة، وواظبوا على الصَّلَوات معاً. فمضمون اجتماعاتهم كان الصلوات المشتركة. فسبّحوا الله على أعمال يسوع الّّتي اختبروها، وتابوا توبةً نصوحاً عن فشلهم الخاص، وجعلوا مِن اختباراتهم وآمالهم صلوات، وتكلّموا مع أبيهم السماوي عن كلّ أمور حياتهم، شاكرين معترفين طالبين ومبتهلين. فالصّلاة كانت عملهم ومهنتهم وجهدهم.

ولربّما كانت العلّيّة هي مقرّ الاجتماعات، المكان الّذي تناول يسوع فيه الفصح مع تلاميذه قائلاً، كما الخبزُ يدخل جوفهم، هكذا يحلّ هو فيهم، وكما الخمر تجري في عروقهم، هكذا ينقّي دمه دماءهم، ويطهّرهم تطهيراً كاملاً، حتّى يتجدّد كيانهم تَجدُّداً حقّاً بواسطة تمركزه فيهم.

ومَن هم الرجال الّذين اتّحدوا بالمسيح في هذه الغرفة بعهدٍ جديد، والّذين واظبوا على الاجتماعات في هذا المقرّ المقدَّس لهم؟ نميّز أوَّلاً بطرسَ الصيّاد النشيط المتسرّع، الّذي أنكر ربّه، وحصل على غفرانه بلقاءٍ شخصي مع المقام مِن بين الأموات، فهو مذكور أوَّلاً مِن بين أسماء الرسل، لأنّه كان المفوّض مِن ربّه، ليترأس على زملائه ويتكلّم عنهم. ونرى مقارباً له يوحنّا الوديع الهادئ اللطيف الفتي، الّذي كان يتّكئ على صدر يسوع. إنّه أبصر مجد الرّبّ وشهد به أكثر مِن أي إنسان آخر. وإلى جانبه صلّى أخوه يعقوب، الّذي رجا الجُلوسَ عن يمين ابن الله في ملكوته؛ وصار الشهيد الأوّل مِن بين هؤلاء الحضور، الّذي مجّد المسيح بموته؛ وقد كان صديقاً لأندراوس، ذلك الرجل الكبير، الّذي آمن بالمسيح قبل الجميع، وأرشد فوراً أخاه بطرس إلى المخلّص (يوحنّا 1: 40-41). وكان بين المصلّين فيلبس أحد التلاميذ الأوّلين، الّذي بحث يسوع عنه، ووجده، ودعاه بكلمة واحدة: اتبعني (يوحنّا 1: 43-45) فهو الّذي ذهب رأساً مفتّشاً عن صديقه نثنائيل، المسمّى أيضاً برتولماوس؛ وهذا كان جالساً تحت التينة، ساكباً قلبه لله، فرآه المسيح مِن بعيد، ودعاه إلى صلوات مستمرّة، ليرى هو وزملاؤه السّماء مفتوحة والملائكة نازلة وصاعدة آتية إلى ابن الإنسان وأتباعه.

نجد في هذه الحلقة مِن التلاميذ الستّة الأوائل الّذين مِن بيت صيدا الجليليّة، توما جالساً مطمئنّاً. هذا المشكّك السابق والنقّاد، الّذي حصل بأسئلته النَّفَّاذة على أعمق معرفة بالله مِن بين جميع التلاميذ، حتّى سجد ليسوع صارخاً “ربّي وإلهي”. ونرى من منتظري الرّوح القدس هؤلاء أيضاً، متّى العشّار المرابي التّاجر الجابي الحسابي والمترجم الماهر، الّذي لبّى دعوة المسيح مطيعاً، وجمع كلماته، ووصف أعماله، ومجّد المسيح بإنجيله المجيد؛ فنمتلئ مِن القوّة الموهوبة له حتّى اليوم. ولا نعرف كثيراً عن سيرة الرسل الثلاثة الأُخَر، فقد حصلوا كالبقيَّة على سُلطانٍ مِن يسوع ليشفوا الأمراض، ويُخرِجوا شياطين، وفرحوا لأنَّ أَسماءَهم كانت مكتوبة في السّماء؛ فمجّدوا يسوعَ ببشرى الخلاص في محيطهم. ولا نعلم تفاصيل كثيرةً عن حياتهم، ولكنَّ هذا ليس مهمّاً، لأنّ لوقا لم يُرِدْ وصفَ أعمال الرُّسل كُلِّها، بل أبرز عمل المسيح الحيّ في رُسُله الكرام، إِنَّهم فتحوا قلوبهم لهداه وصلَّوا معاً.

والعجب أنَّنا نجد في شركة المصلّين أيضاً مصلّيات اشتركن في سلسلة هذه الاجتماعات. لقد وقفنَ منفردات قرب الصَّليب، وهُنَّ اللَّواتي فوَّضَهُنَّ الرّبّ، ليبشّرنَ بقيامته في أوّل يوم مِن الأسبوع، وانتظرن مع الجميع حُلولَ قوَّة الرُّوح القدس، الّذي ليس مُعَدّاً للرِّجال فقط، بل وللنِّساء أيضاً على حدّ سواء.

ومريم أمّ يسوع كانت في شركة المنتظرين لموعد الآب. وهنا يرد اسمها لآخر مرّة في العهد الجديد وهي لم تَظْهَر كملكة السّماء، بل كمصَلِّية متواضعة محتاجة إلى قوّة الرّوح القدس.

ولوقا البشير، الّذي عَرف الأُمَّ شخصيّاً، واستفهمها عن ابنها، شهد أيضاً بوضوح أنَّ ليسوع إخوة، حاولوا في السابق منعه مِن تأدية عمله كمخلّص، لكيلا تُرفَض العائلة كلّها مِن الأُمَّة (متى 13: 55 ، مرقس 3: 21 و31-35 والأصحاح 6: 3 ويوحنّا 7: 3-8). ولكنّ يسوع بعد قيامته مِن الموت ظهر لأخيه يعقوب (1 كورنثوس 15: 7) فتزعزع هذا تزعزعاً فظيعاً مِن ألوهيّة يسوع، حتّى جلب كلّ إخوته الباقين إلى حلقة الرسل، فصلَّوا معاً، وتغيّروا في ذهنهم، وانتظروا موعد الآب؛ وامتلأ يعقوب بعدئذٍ مِن الرّوح القدس، فصار قُدوةَ المصلّين، وأحد الأركان في كنيسة المسيح، وأصبح مع بطرس ويوحنّا العَقل المُدَبِّر في الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 12: 17 و15: 13 وغلاطية 2: 9).

إنّ المُقام مِن بين الأموات وحَّدَ نخبة أتباعه، والنساء المؤمنات، وعائلته حسب الدم بكنيسة مُصلّية، فأَصبحوا جميعاً قلباً واحداً ونفساً واحدةً، واجتهدوا معاً في الصّلاة. فهل أنتَ مُصَلٍّ، طالبٌ شركةَ الإخوة بكلّ اشتياق وعزم، أم أنَّكَ تنعزل منفرداً؟ إنّ نخبة المصلّين هي نقطة الانطلاق لأعمال الرسل والكنيسة كلّها.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّ رسلك لم يبنوا ملكوتك بقوّتهم الشّخصية وحكمتهم الخاصّة، بل صلَّوا معاً، منتظِرين مَوعدَ الآب وقوَّة سلطانك. علّمنا الصّلاة والانتظار لقدرتك، مؤمنين خاضعين بعضاً لبعض.

4اختيار رسول بديل عن يهوذا الخائن

(1: 15 – 26)

1: 15 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسَطِ التَّلامِيذِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مَعاً نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ فَقَالَ: 16أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ، عَنْ يَهُوذَا الَّذِي صَارَ دَلِيلاً لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ، 17إِذْ كَانَ مَعْدُوداً بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هذِهِ الْخِدْمَةِ 18فَإِنَّ هذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ، فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا 19وَصَارَ ذلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، حتّى دُعِيَ ذلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ حَقْلَ دَمَا (أَيْ: حَقْلَ دَمٍ) 20لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ، وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ.

تزعزعت شركة تلاميذ يسوع الحيويّة، خلال أيام قليلة، بحادثتين مرعبتين، فقد انقضّ عليهم موت سيدهم على الصّليب، في سبيل الفداء لكلّ النّاس مؤلماً، وفي الوقت نفسه اهتزوا لانتحار يهوذا يأساً مِن خيانته، فالأوّل سكن فيه ملء اللاَّهوت جسَديّاً، والثاني حلّ الشيطان فيه ولبسه. فيا أيّها الأخ، اختَر طريقك. هل تريد التَّضحية بحياتك في سبيل روح الله لأجل خُطاةٍ كثيرين، أَم تريد أنْ تموت خاطئاً يائساً وخائفاً في دينونة الله الغاضبة؟

لقد شعر الرُّسُل أنَّ موت يهوذا أنقصَهم واحداً مِن العدد اللازم لأنّ الرّبّ دعاهم ليبشّروا الأسباط الاثني عشر لأمّتهم، وهو سيدينهم في اليوم الأخير إنْ لم يؤمنوا فاجتمعوا واختاروا، عوضاً عن ذلك الخائن، أحد أتباع يسوع الأمناء الّذين كانوا شهود عيان ليحلّ محلّه. وهكذا جمعوا قرابة المائة والعشرين رجلاً، الّذين كانوا يعرفون بعضهم بعضاً؛ فاجتمعوا للصلاة، وانتظروا موعد الآب. ما أروع ذلك الاجتماع!

ووقف بطرس في وسطهم لقيادة الاجتماع والكلّ عرفوه كمنكر المسيح، وبيّنوا إنكاره صراحة في الأناجيل الأربعة. ولكنَّهم عَرَفوا أيضاً أَنَّ يسوع غفر للتِّلميذ، الّذي انسحق بالتوبة، كُلَّ ذنوبه، وثبّته قائداً لهم بعد قيامته مِن الأموات. وإنّ في ذلك لدليلاً بارزاً على وجود روح الحقّ في الكنيسة الأولى. إنّهم لم يداهنوا إنكار كبيرهم، ويصمتوا عنه؛ وفي الوقت نفسه تجلّى روح المحبّة فيها، لأنّهم قبلوه كمسؤول عن الرعيّة. ويا للعجب! فها هوذا بطرس قائم وسط الاجتماع الكبير، بلا عقد نفسيّة؛ ولعلّه قال: أنا موقن بأنّ المسيح قبلني، وأنا أكبر خاطئ، وطهَّرني مِن كلّ ذنوبي، وفوَّضَنِي لخدمته، أنا الفاشل. فلم يتكلّم بطرس باسمه الشّخصّي فيما بعد، ولم يعمل لنفسه، بل كلّ ما عمله وقاله كان لتمجيد ربّه الحيّ.

لم يتكلّم بطرس كأسقف أو بابا، بل كشيخ أكبر مع شيوخ آخرين في الرُّتبة نفسِها؛ فسمّى الرجال المجتمعين إِخوةً، لأنّ اللهَ أبوهم، فليس لَقَبٌ أعظم، لا في السّماء ولا على الأرض، مِنْ هذا اللَّقَب الفريد “أخ” رمزاً للعلاقة في عائلة الله.

ولقد فكّر التلاميذ، مصلّين متأمّلين، بنهاية يهوذا الّذي أصبح قائد أعداء الله، فسلّم المسيح البارّ بحيلة إلى أيدي الظالمين. وتذكّر التلاميذ أيَّامهم، الّّتي قَضَوها في رفقة يهوذا ضمن شركة يسوع. وكان يهوذا مِن صميم ملكوت الله، وحصل مِن ربّه على دعوة ووظيفة وسلطة، وخدم الله مع بقيّة التلاميذ الآخرين مُدَّةً مِن الزَّمن.

ولكنّ يهوذا هذا أحبّ المال، وكما كتب لوقا عنه، لم يرفض رشوة الظلم، بل قبلها أخيراً وأراد ضمان نفسه المضطربة، فاشترى خارج المدينة حقلاً واسعاً ولكنّه ما اطمأنّ، بل شعر في ضميره بسياط ضربات الله، ويئس في وسوسات الشَّيطان المشتكية عليه، فركض وعلّق نفسه منتحراً. والحبل الّذي شنق نفسه به انشقّ، فسقط جسده نصف المشنوق مِن الشجرة على صخرة مروّسة فانشقَّ بطنه واندلقت أمعاؤه، وعلم الطَّبيب لوقا، مِن اختباراته، كيف يظهر مشهد مريع كهذا.

وسمع كلّ سكان أورشليم هذه القصّة، وشعروا بغضب الله على الخائن، وابتعدوا عن هذا الحقل، لأنّه كان مُلوَّثاً بالدّم الملعون.

كان اللهُ عالماً خطيئةَ الخيانةِ مِنْ قَبْل في نفس الشِّرّير، وحذَّره عدَّة مرَّات في عظاته، فلم يُجْدِ التَّحذيرُ نفعاً، لأنّ يهوذا فضّل قوّة المال لضمان حياته، على قدرة ربّه الحيّ؛ ففقدهما كليهما أمَّا حصّته السماويّة وحقله الأرضي ووظيفته أمام الله فانتقلت لآخر وبيته المشترى حديثاً أصبح خالياً ومهجوراً، فانهدَّت جدرانه، وصار للوطاويط مسكناً.

ارتعب التلاميذ ارتعاباً عميقاً، لأنّهم في العشاء الربّاني ما كانوا متأكّدين مِن أنفسهم، لمّا أعلن المسيح الخيانة الّّتي ستقع مِن أحدهم؛ فرأى كُلٌّ نفسَه بها جديراً. وأكثر مِن ذلك أنّهم، في صلواتهم المشترَكة، أدركوا أنّ روحَ الله أَبصرَ مِن زَمانٍ طريقَ الخائن؛   ولكنَّ القدُّوس لم يُرشد الخائن لخطيئته، لأنّه ليس إنسانٌ مُسيَّراً للخطيئة، وإنّما الرّبّ يخيّره. فيهوذا قسَّى قلبه تجاه محبّة المسيح، فمات في لعنة الله. هذا ما أنبأ به الرّوح القدس قبلَ ألفِ سنةٍ على فم داود بكلّ وضوح (مزمور 69: 26 و109: 8).

أيّها الأخ. لا تُقسِّ قلبك ضدّ جذب روح الله، بل إِقبل تحرير القدّوس لك مِن محبّة المال، وقيادته إيّاك للتضحية وخدمته. لا تطلب لنفسك ثروةً وغنىً وإكراماً وشرفاً وسلطة، بل اطلب التَّواضع والقناعة والوداعة والبساطة، كما عاش يسوع وتلاميذه فقراء بالمال وأغنياء بروح الله.

الصّلاة: يا ربّ اغفر لي محبّتي للمال وأنانيتي وطمعي. حرّرني لخدمة اسمك، فأتّكل على عنايتك بي، وليملأ روحك القدّوس نفسي وكلّ الإخوة، لنثبت في محبّتك غير ساقطين في لعنة أبداً، آمين.

1: 21 فَيَنْبَغِي أَنَّ الرِّجَالَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ الّزَمَانِ الَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا الرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، 22مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ  23فَأَقَامُوا اثْنَيْنِ: يُوسُفَ الَّذِي يُدْعَى بَارْسَابَا الْمُلَقَّبَ يُوسْتُسَ، وَمَتِّيَاسَ 24وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: أَيُّهَا الرَّبُّ الْعَارِفُ قُلُوبَ الْجَمِيعِ، عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ الاثْنَيْنِ أَيّاً اخْتَرْتَهُ، 25لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هذِهِ الْخِدْمَةِ وَالرِّسَالَةِ الَّتِي تَعَدَّاهَا يَهُوذَا لِيَذْهَبَ إِلَى مَكَانِهِ 26ثُمَّ أَلْقَوْا قُرْعَتَهُمْ، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَتِّيَاسَ، فَحُسِبَ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ رَسُولاً.

لم يتفلسف الرسل في السَّبب الّذي مِن أجله خان يهوذا سيّده يسوع، بل آمنوا بدينونة الله العادلة، ولم ينظروا طويلاً إلى الوراء، ولم يقفوا متزعزعين في شعورهم، بل اتّجهوا إلى الأمام، وفكَّروا بواجب تبشير العالم، وأرادوا بواسطة صلواتهم أنْ يطلبوا مِن يسوع العددَ الكاملَ لحلقتهم الرَّسوليَّة، حتّى لا ينقص هؤلاء المفوّضون عندما ينسكب عليهم الرّوح القدس.

وشرط الاختيار، لتسمية إنسان ما رسولاً، هو مصاحبته ليسوع مِن البداية، حتّى يكون شاهد عيان لأعماله وأَقواله، مختبراً المُقام مِن بين الأموات شخصيّاً. وبهذا بَانَ أنّ الاثني عشر تلميذاً لم يكونوا يجولون لوحدهم مع يسوع، بل كثيرون أيضاً مِن أتباعه. كما أنّ يسوع أرسل إلى الجليل سبعين تلميذاً وفوضهم للخدمة. فحدَّدوا الشُّروط للخدمة الرَّسوليَّة بتشدُّدٍ أكثر، حتَّى ينحصر التَّرشيح لهذه الخدمة بعدد قليل، ممن انضَوَوا تحت لواء التَّلمذة عند يوحنَّا المعمدان، وتابعوا عنده واعترفوا أمامه بخطاياهم، منتظرين إجراء ملكوت الله، وحقّاً فإِنَّ عَدداً وفيراً مِن تلاميذِ يوحنَّا، هم الّذين سمعوا نداءه القائل: هوذا حمل الله الّذي يرفع خطيئة العالم، فتركوا معلّمهم بمعموديّة الماء لغفران الخطايا، وتبعوا المعلّم الجديد الّذي سيعمّدهم بالرُّوح القدُس، ويثبِتُهم في أفراح العهد الجديد.

ولربّما نفكّر أنَّّ مَنْ تبع يسوع بلا انقطاع أصبح إنساناً أفضل وأحكم مِن بقيّة البشر؛ ولكنّ سيرة التلاميذ تبرهن العكس. ليس إنسانٌ يقوى على الإيمان الحقّ والمحبّة الحارّة والرَّجاء الممتَدّ بدون الرّوح القدس. سَمِعَ التلاميذ كلمات يسوع، ولكنّ قلوبهم بقيت مستكبرةً، وقد رأوا مجده بعد قيامته، ولكنّهم كانوا خالين مِن الحياة الأبديّة، لأنّ الرّوح القدس لم يحلّ فيهم بعد. ويَرى بعض المفسِّرين أنّ الاختيار عوض يهوذا كان عملاً متسرّعاً إنسانيّاً غير إلهي، لأنّ الرّبّ اختار في حينه بولس رسولاً، الّذي حصل على خدمة وسلطان يهوذا، ليبشّر الأمم.

ولكنّ التلاميذ الأَحدَ عشرَ، لم يفكّروا أوَّلاً بتبشير العالم، بل بتجديد قبائل شعبهم الاثني عشرة؛ فتصرّف بطرس في انسجام مع بقيَّة الرُّسُل، ودعا إلى اجتماع كبير لأتباع يسوع، طالباً مِن الجميع تسمية المرشَّحين، وبعدئذٍ وضعوا الاختيار النّهائي بين يدي الرّبّ الّذي سمَّوهُ عارف القلوب. فنرى أنّ بطرس لم يتصرّف كأُسقفٍ في سلطان مطلق، وكذلك لم يجر الاختيار في الاجتماع بطريقة ديموقراطيّة، حيث يقرّر الأكثريّة، بل تقدّم الجميعُ معاً إلى الله، طالبين منه الحُكمَ الإلهي وتَدخُّله المباشَر.

وللحصول على صوت الله، استخدموا قبل انسكاب الرُّوح القدس القُرعة. ولكن لمّا اختاروا بعدئذٍ الشَّمامسة السَّبعة، أعطى الرُّسلُ الكنيسةَ حقَّ الاختيارِ كلّه. وحصل في أنطاكية أنّ الرّوح القدس بنفسه اختارَ برنابا وبولس لخدمة التبشير، بينما كان الشُّيوخُ يُصَلُّون وهم صائمون طالبِينَ تَدخُّلَ المسيحِ وإِرشادَهُ. فتاريخ أعمال الرسل هو في الحقيقة تاريخُ المسيح المُقام مِن بين الأموات وأعماله تحقيقاً لانتشار ملكوت الله. فلا نعيش في الكنيسة تحت سلطة بابويّة، ولا في الديموقراطيّة السِّياسيّة، ولا في الدِّيكتاتوريّة الاشتراكيّة، بل تحت إشراف المسيح المتحقِّق بقوَّة الرُّوح القدس العامل في قلوب المؤمنين.

ليتنا لا نعتمد، في إسناد الخدمات الكنسيَّة للشَّمامسة والشُّيوخ والمعاونين، على عقلنا وإرادتنا وقدرتنا العائليّة فحسب، بل على الصّلاة أوَّلاً وأخيراً، لكي يختار يسوع هو بنفسه خدّامه، ليس حسب أموالهم ومواهبهم الطبيعيّة أو مستواهم الاجتماعي، ولكن حسب مسرّته وحدها. عندئذٍ يَجري عملُ الرّبّ، ويمتلئ خدّام الرّبّ مِن الرّوح القدس؛ فليست الشهادات اللاهوتيّة، ولا العلاقة بالأحزاب أو المدارس المذهبيّة، هي الّّتي تؤمِّن نجاح قسيس أو شيخ أو أسقف، بل التقاؤه بالمسيح المُقام مِن بين الأموات ودعوته مباشرةً مِن قبله. فالّذي يَخدمُ الرَّبَّ بدون هذه الدعوة مُعرَّضٌ لخطر السُّقوط في جهنّم حالاً.

لم يُرِد الرُّسل الأحدَ عشرَ أنْ يُوزِّعوا خَدَمات وتفويض المسيح مستقلِّين، عالمين أن ليس إِنسانٌ يعرف القلوبَ ولا المزاجَ ولا المواهبَ ولا الأمانةَ في القليل. فصلّى مائة وعشرون رجلاً معاً، ليختار الرَّبُّ واحداً مِن المرشَّحين لخدمة النِّعمة، وليؤهِّله بالقدرة على تنفيذ خدمته، لأنّه إنْ لم يتدخّل ابن الله في تعيين خادم الإنجيل، فكلّ خدمته تكون باطلة.

ورشّحوا لهذا المنصب اثنَين، لم يصلنا عنهما علمٌ مُفصّل، ولا عرفنا كيف أجريت

القرعة بينهما. لكنَّ هذه القُرعة لم تقع على الأوَّل المحترم، بل على متياس غير المعروف، الّذي دُعي بهذا الاختيار إلى مسؤوليته كعضو في النُّخبة الرَّسوليَّة، وقد ملأ المسيح هذا البديل، في ما تلا ذلك مِن الأيام، بروحه القدُّوس وأَثبت انضمامه إلى ملكوت الله؛ بَيْدَ أَنَّنا لا نعرف شيئاً آخَر عن متياس المختار.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، نشكرك لأنّك تدعو أناساً غير مقتدرين للخدمة، وتدرّبهم وتفوّضهم وتجهّزهم وترسلهم وترافقهم وتنجحهم، فإن وجدنا نعمةً قدّام عينيك، فلا ترفضنا، بل كسّر كبرياءنا وجدّدنا، لكي نخدمك، ونحن الأصاغر في قوّتك لتمجيد اسمك.آمين.

5انسكاب الرُّوح القدس في يوم الخمسين

(2: 1 – 13)

2: 1 وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 2وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، 3وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ 4وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.

ماذا يحدث في رأيك لو سقطت الشَّمس على الأرض؟ إِنَّ هذه الكُتلةَ النَّاريَّة الغازيَّة الضَّخمة، إنْ اقتربَتْ قليلاً مِنْ كرتنا الأرضيَّة الصَّغيرة، تحترق ومَن عليها. فكم بالحريِّ إذا سقطت، فإنّنا نتبخَّر في لمح البصر. لكن الآن لم تأت هذه الشّمس المخلوقة، بل قد جاء الخالق نفسه كعاصفة ناريّة على الأرض ولم يدن البشر، بل رحم المنتظرين.إنّ الله يأتي إلى النّاس ومَن يفهم يسجد. وأكثر من ذلك، إنّ اللهَ يحلّ في الإنسان.  لا يستطيع العقل إدراك هذه الحقيقة. فنطلب إليك أنْ تقرأ قصّة ولادة الكنيسة إنّ الله كلمة كلمة بتمهّل، فترى كيف أنّ محبّة الله وصبره ونعمته دخلت دنيانا الشرّيرة.

كان عيد الخمسين عيداً قديماً يحتفل به اليهود في اليوم الخمسين بعد عيد الفصح كعيد شكر لحصاد القمح. كان المسيح أشبه بحبّة القمح الّّتي سقطت إلى الأرض وماتت. وفي قيامته مِن بين الأموات كان كالغمر الأوّل المقدّم لله المرضي عنده. أمَّا التَّلاميذ المجتمعون المصَلُّون فكانوا كباكورة مِن حصاد الله الكامل. وهذا الحصاد الرّوحيّ ما زال جارياً، كُلُّنا نبتنا مِن حبّة القمح وهو المسيح، ونحصد اليوم ما زرعه الرّبّ، وتمنّى الأنبياء أنْ يروه، ولأنّ ابن الله مات فقد أتى الرّوح القدس إلى العالم.

لم يأت روح النّعمة ورحمة النّور لكلّ النّاس. كانت مدينة أورشليم عاصمة، ولكنّ عاصفة محبّة الله وصلت فقط إلى المصلّين الّذين أحبّوا المسيح، فلم تلامس قوّة الله الهيكل، وجيوشُ الرُّومان بقوا بدون حياة أبديّة، إلاّ الّذين انتظروا بقلبٍ واحد ونفسٍ واحدة، موعد الآب فهُم الّذين امتلأوا مِن روح القوّة.

في الأغلب أنّ أكثر مِن مائة رجل وامرأة مِن التلاميذ وعائلة يسوع كانوا في البداية مدهوشين وفزعين، لمّا سمعوا فجأةً مِن السّماء، الّّتي ارتفع يسوع إليها، ضجيجاً كعاصفة مشتدّة أكثر فأكثر وبدون أن تهتزَّ الشَّبابيك وتنخبط المصاريع الخشبيّة، وبدون أن تتحرَّك أوراق الأشجار، دخل الصَّوت العاصف إلى دارهم، وملأ البيت كلّه، بغرفه كلِّها ، حتّى الحوش؛ فجلسوا مدهوشين مفتوحي الأعين والآذان، لأنّهم لم يشعروا بالعاصفة، بل سمعوها بآذانهم واضحةً، ولمّا حدث هذا كانوا في صلاتهم، وفتحوا قلوبهم للرّبّ، فحلّت قوّته عليهم، فرأوا بَغتةً بعيونهم شيئاً كألسنة ناريّة تمطر مِن الهواء العاصف. ولكنّ هذه الألسنة لم تتراقص مضطربة في الجو، ولم تحرق البيت والأثاث ولا ملابسهم، بل استقرّت بهدوء عظيم على المؤمنين المصلّين، وهذه الألسنة الناريّة الغريبة العنصر تدلّنا على ما قصد يسوع بواسطتها، فكانت للتلاميذ ألسنة طبيعيّة مفعمة بالكذب والنّجاسة والحكم الإنسانيّة، وعليها أن تحترق وتزول، وعوضاً عنها يمنحهم الله ألسنة جديدة ناريّة قويّة، ناطقة بالمحبّة الإلهيّة. عندئذٍ شعر كلّ الممتلئين بروح الرّبّ بفرح عظيم وفرج عميق، فثقل خطاياهم سقط عنهم، وصدرهم انفتح، وكآبتهم زالت، وأعينهم المبهورة أصبحت لامعة، وأفواههم المتجمّدة انفتحت لحمد الله، فصرخوا: يا أبتاه، قد أصبحت بموت ابنك أبانا ودمه غفر ذنوبنا، وروحه حلّ فينا نحن غير المستحقّين، وهو يقدّسنا تماماً. لذلك نعظّمك ونسبّحك، لأنّك أحَييتنا لمجد نعمتك.

أسفرت عاصفةُ محبّة الله عن عاصفةٍ من الشُّكر، وأَجرَتْ كلماتٍ مُقدَّسةً وأفكاراً سماويّة غير معروفةٍ لديهم مِن شفاههم. فالرّوح القدس أرشد ألسنتهم، وملأ أفكارهم، وبارك إرادتهم؛ فلم يتحمّسوا بشريّاً، بل امتلأوا مِن الرّوح القدس الّذي يستخدم العقول ويضبط النَّفس أيضاً. فهكذا أصبح الجميع معاً هيكل روح الله، لأنّ قوّته وفضائله حضرت.

انتبه! لم يمتلئ بطرس ويوحنّا وحدهما مِن الرّوح القدس، بل الحضور كلّهم. ولم يشعروا بألم مِن العاصفة الإلهيّة الممطرة ألسنةً ناريّةً. بل قد أحاطتهم رحاب الله، فتحقّق موعد الآب، وأصبح المصلّون أولاد الله، متبنين وممتلئين مِن جوهر محبّته وحقّه ومسرّته. وبالحقّ نسمي عيد الخمسين عيد العنصرة أيضاً، لأنّ عنصراً جديداً إلهيّاً، مِن خارج العالم، قد دخل إلى عالمنا الميت، فابتدأ الرجاء والنهضة الرّوحيّة في هذا البيت في القدس، وفاق الحمد المشترك والتَّسبيحُ العامُّ شُكراً للثَّالوث القُدُّوس.

الصّلاة: أيّها الآب، نشكرك لأنّ ابنك الحبيب حمل ذنوبنا على الصّليب، وجعلنا أهلاً لحلول روحك القدّوس. املأنا وكنيستنا بحضورك، ليضمحلّ فسادنا نهائيّاً، ويُعبِّر حمدنا المشترك عن فرحنا وشكرنا العميق.

2: 5 وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ 6فَلَمَّا صَارَ هذَا الصَّوْتُ، اجْتَمَعَ الْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ 7فَبُهِتَ الْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:أَتُرَى ألَيْسَ جَمِيعُ هؤُلاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟ 8فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا: 9فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلامِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا 10وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ، وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاءُ، 11كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ، نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ اللّهِ؟ 12فَتَحَيَّرَ الْجَمِيعُ وَارْتَابُوا قَائلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟ 13وَكَانَ آخَرُونَ يَسْتَهْزِئُونَ قَائِلِينَ: إِنَّهُمْ قَدِ امْتَلأُوا سُلافَةً.

هل تريد أن تعرف ماذا تكلّم الرُّسل في قوّة الألسنة النَّاريَّة؟ اقرأ العدد 11 ، فتتعلّم أنّهم لم يتكلّموا إلاّ بعظائم الله، فشكروا خالقهم لخلقه، وحمدوا صبره على بني البشر المجرمين، وعظَّموا شريعته المقدّسة، وشكروه لإعلان مشيئته في الأنبياء. وقد سجدوا للآب القدّوس لأجل ولادة ابنه يسوع وتأنّسه، وابتهجوا بمحبّته المتجسّدة المعروفة لديهم الّّتي شاهدوها وسمعوها، فسبَّحوا الرّبَّ لأجل عجائبه، وأعادوا أقواله، وسجدوا له لأجل موته على الصّليب وقيامته مِن بين الأموات. إنّ التلاميذ عظّموا الله لأجل التقائهم بالمسيح الحيّ، وفرحوا لأجل صعوده، وتهلّلوا لأجل إِتمام النُّبوَّة المنتظَرة، وقد آمنوا بضرورة تبشير العالم، وامتلأوا بمشيئة الله، لينقلوا الخلاص للبشر. هل تنسجم بتسبيح عظائم الله؟ أين شكرك؟ هل تكرّم نفسك؟ أَم تعظّم الرّبّ؟ إِنسَ اسمك، وكرّم أباك في السّماء وحده.

إنّ ذلك الجو المنسجم مِن الحمد والهدوء في الصّلاة والقداسة لم يستمرّ طويلاً، إذ سمع كثيرون مِن منتظري الرّبّ صوت عاصفة المحبّة، فتراكضوا إلى المكان حيث نزلت العاصفة، ووقفوا ينظرون حيارى، لأنّهم سمعوا الجليليين يتكلّمون بلغات مختلفة، رغم أنّهم لم يسافروا خارج بلادهم، ولم يتعلّموا في مدرسة اللُّغات إِنَّ الرُّوح الخالق قد غلب في عيد العنصرة عواقب غضب الله، لمّا ضرب البشر وبلبل لغاتهم وقسمهم إلى شعوب، حتّى ما عادوا يفهمون بعضهم بعضاً. لقد حاولوا في استكبارهم أنْ يصلوا إلى مستوى الله، برمز بناء برج بابل، الّذي كان القصد منه أن يرتفع ويرتفع، حتّى يصل إلى الله. أمّا الآن، فقد غفر المسيح خطيئة استكبار أتباعه، فاستطاع روح وداعة المسيح وتواضعه أن يحلّ في قلوب المصلّين، فلم يفكّر أحد أنّه أفضل من الآخر، أو أذكى أو أعظم، بل القويُّ خضع للضَّعيف، والمحترم اعتبر نفسه أصغر الكلّ؛ فالرّوح القدس أعلن ذاته في المحبّة رباط الكمال، ووحّد النّاس المختلفين في جماعة الله. فاعلم أنّه منذ عيد العنصرة قد سقطت الحدود بين الشّعوب ولغاتهم وصفاتهم مبدئيّاً، ولا توجد درجات بين العبقرّي والمتخلّف، بل الكلّ واحدٌ في الله، لأنّ أعظم المواهب، وهي الرّوح القدس، قد رفعت الفانين إلى مستوى الآب الأزلي، وقدَّستهم بدم المسيح، ليصبحوا قدّيسين بلا لوم قدّامه في المحبّة.

وفي عيد العنصرة ذلك، كان ممثلو الشّعوب الكثيرة مجتمعين في أورشليم، ليحتفلوا في مسكن الله شكراً للحصاد؛ فتراكض يهودٌ مِن بلاد الفرس، ومِن بلاد ما بَين النَّهرَين، ومِن آسيا الصُّغرى، وأفريقيا الشِّماليَّة، ومِن إيطاليا، ومِن كريت وكلُّهم سمعوا مِن الكلمات الجليليّة صوت الله متكلّماً في لغتهم الوطنيّة. فكانت أعجوبة عيد العنصرة مُثلَّثة: أوَّلاً سماعُ العاصفة وثانيّاً رؤية ألسنة النِّيران ثالثاً فهم اللُّغة الجليليّة؛ فالله نفسُه كان مترجماً للألسنة في هذا العيد.

ونفرح خصوصاً لأنّ مِن بين المستمعين كان ممثِّلونَ لمصر ولأبناء العرب؛ فعبّر الرّوح القدس، منذ أوَّل ساعة ظهوره، عن الخلاص العظيم باللّغتين العربيّة والقبطيّة. فليست هاتان اللُّغتان عليه صعبَتين ولا غريبَتين. إِنّه يملأهما بمحبّته ويغلب معانيهما بقداسته.   فهل تسجد لله الثالوث في لغتك العربيّة؟ سلّم له لسانك وقلبك وعزمك وكلّ قدرتك فتثبت في فرح حمد الله.

ولكن يا للعجب! فالمتراكضون سُرعانَ ما انقسموا إلى فرقتين: متأمّلين ومستهزئين. الأوَّلون أرادوا اختبار سرّ الرّوح القدس. والآخَرون سمَّوا التَّكلُّمَ بفرح الله هذيان سكارى. ولربّما عرفوا هذه الحالة النَّجسة الّّتي اتّهموا بها الرسل مِن اختباراتهم الخاصّة بأنفسهم، ولكنّ حريّة فرح الله لم يعرفوها؛ فبقيت قوّة المحبّة الأزليّة مستترة عنهم وقلبهم تقسّى أكثر فأكثر إلى البغضة.

الصّلاة: باركي يا نفسي الرّبّ، وكلّ ما في باطني ليبارك اسمه القدّوس. باركي يا نفسي الرّبّ، ولا تنسي كلّ حسناته، الّذي غفر جميع ذنوبك، الّذي يشفي كلّ أمراضك، الّذي يفدي مِن الحفرة حياتك، الّذي يكلّلك بالرحمة والرأفة، الّذي يشبع بالخير عمرك فيتجدّد مثل النسر شبابك (مزمور 103: 1-5).

6عظة بطرس في عيد العنصرة

(2: 14 – 36)

2: 14 فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ لَهُمْ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الْيَهُودُ وَالسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ، لِيَكُنْ هذَا مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلامِي، 15لأَنَّ هؤُلاءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ، لأَنَّهَا السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنَ النَّهَارِ16بَلْ هذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ 17يَقُولُ اللّهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاماً 18وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضاً وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ 19وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ: دَماً وَنَاراً وَبُخَارَ دُخَانٍ 20تَتَحَّوَلُ الشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ وَالْقَمَرُ إِلَى دَمٍ، قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ الرَّبِّ الْعَظِيمُ الشَّهِيرُ 21وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ“.

التكلّم بالألسنة مهمّ. ولكنّ التَّنبُّؤ أهم مِنه، فالتّكلُّم بألسنة هو موهبة مِن الرّوح القدس، به يتّجه الإنسان كُلِّياً نحو الله شاكراً وحامداً ومصلِّياً، وهو عادة لا يفهم معنى كلماته الخاصّة أَمَّا التَّنبؤ الحقّ فهو الّذي يخترق قلوب المستمعين وعقولهم ويوقفهم في حضور الله.

بعدما سمع اليهود المتعجّبون الرُّسلَ المسبِّحين بألسنة الفرح والحمد، أصابتهم عظة الرّوح القدس على لسان بطرس فاخترقت أحشاءهم، لأنّ الرسول شهد لهم بكلّ وضوح، أَنَّ روح الله قد حضر جليّاً وبيّن سبب مجيئه وغايته.

ولم يقف بطرس أمام الجمهور منفرداً، ليتشدّق ببلاغة ويَسحر المستمعين، بل تقدّم الرسل الاثنا عشر معاً، وكانوا كفرقة المصلّين حول المتكلّم. وربّما شعر بطرس بالصعوبة، أن يتكلّم إلى الجمع بدون استعداد، ولكنّ روح الحقّ هدّأ أفكاره وشجّع قلبه، مع أنّه قبل هذا الموقف بعدّة أيام، عاش هو والتَّلاميذ وراء الأبواب المغلقة، خوفاً مِن اليهود. أمَّا الآن فقد دخلت قوّة الله فيهم، وأطلقت ألسنتهم، فأصابت كلمة الرّوح القدس القلوب وتكلَّم الله بواسطة رسله. لم يتدحرج بطرس بغيبوبة أمام المستمعين بل وقف قدّامهم متكلّماً هادئاً بوقار.

وردّ بطرس أوَّلاً على المستهزئين بقوله الموجز أنّه في مثل هذه المدينة التقيّة يستحيل أن يسكر إنسان في التَّاسعة صباحاً، لأنّ الجيران لا يتحمّلون ذلك، وفوق هذا يتعرّض السِّكّير للعقاب الصارم.

وبعد ذلك التفت صياد النّاس إلى المنفتحين لتبشيره، وطلب إليهم الاستماع وفتح الأذن، ليستطيع روح الله أن يدخل فيهم؛ وابتدأ بطرس بعدئذٍ بتبشير الجمهور، ليس بتأثير نفساني وعاطفي يُسيل الدموع، ولا بأوامر شديدة لإخضاع إرادة الانسان وتحريكه، بل أتى بالنُّبوَّات مِن العهد القديم مع إتمامها في زمنهم؛ فأوضح بكلمات مِن الكتاب المقدّس حالتهم الّّتي وصلوا إليها، وصرّح بأنّ هذا الوضع الحالي، الّذي هم يشاهدونه مِن انسكاب الرّوح القدس على التلاميذ، ليس إلاّ تحقيق وعد الله وكلمته.

وهكذا جرؤ مقدام الرسل على النُّطق بالعبارة الشهيرة، هذا هو ما قاله النّبي يوئيل! إِنَّ هذه النبوّة تمت وتحقّقت وصارت ملموسة حاضرة مكشوفة ومسموعة. فإن الرّوح القدس اليوم في العالم، وليس علينا أن ننزله مِن السّماء مرّة أخرى، بل أَنْ نقبله كأولاد يقبلون الهديّة، ونشكر الرّبّ لأجله. هذا الرّوح يقفز مِن كلمات الإنجيل إلى أعيننا كما أنّ العظة عن المسيح تغيّر عقولنا، وتجدّد أفكارنا؛ فليس الصوم أو التقشف وتعذيب الذات بالسلاسل، هو الّذي يجعل أجسادنا ينبوعاً للروح الصالح، بل إِنَّ هذا العنصرَ الإلهيَّ حاضرٌ وينتظر أن نَقبله، ونفتح باب قلوبنا له بلا مشقّات، مؤمنين فرحين حامدين، وفقاً لقول يسوع لرسله: اقبلوا الرّوح القدس.

وقد أنبأ النّبي يوئيل منذ القدم، أنّ الرجال والنساء، الشباب والشابات، العبيد والإماء سيحصلون على روح الله؛ فليس اليهود هم المختارون فقط لينالوا الموعد بالمسيح.     وهذه النبوّة هي أعجوبة كبرى لليهود، لأنّها تلغي روحيّاً كلّ الفروق بين الرجل والمرأة، الوالدين والأولاد، الأحرار والعبيد، اليهود والأمم، فكلّ البشر يستطيعون اليوم الدخول إلى مسرة الله، وفرح الرّبّ يخيم على الأرض كلّها، ويتحقّق في منكسري القلوب المؤمنين بالمصلوب.

والله يقول أيضاً بواسطة النّبي يوئيل وبواسطة الرسول بطرس، إِنّ انسكاب هذا الرّوح القدس هو علامة بارزة لأواخر الأيَّام. لقد احتمل الله البشر الأشرار ألوف السِّنين في صبره. أمّا على الصّليب فقد غفر ابن الله الخطايا؛ فاستطاع الرّوح أن يأتي بقوّة وبدون مانع، فَمَن يقبله يتنبأ ويعرف الله ويُسبِّحه، ويعظّم المسيح. ولكنّ مَن لا يقبل روح الله يسقط في الدَّينونة، والدَّينونة لا تأتي فقط يوم الدين، بل هي مبتدئة منذ انسكاب الرّوح القدس الّذي يُحلّ مِن الخطيئة كلّ المشتاقين إلى ربّهم، فَمَن لا ينال الحياة الأبديّة فقد دِين، ولكنّ مَن ينفتح لروح الله يصبح متنبئاً، ويدرك الله، وينمو في معرفة إرادته؛ وأكثر مِن ذلك فالّذي يحلّ فيه الرُّوح القدس، يصبح ابناً لله القدّوس.

وبُشرى هذه النّعمة مرفقة بصور مخيفة عن زوال الكون، حيث يدكن جو كرتنا الأرضيّة بواسطة الغازات والغبار، وتسفك أنهر الدماء في حروب عالميّة، وتضعضع الزلازل الأرض، وينفجر الشَّياطينُ كدخان مبيد مِن الهوّة، لِيُجرِّبوا كُلَّ الّذين لم يختموا بروح المسيح.

عندئذ يأتي يوم الرّبّ والسّاعة الأخيرة، ويظهر المسيح في سحابة منيرة، كبرق في الظلام؛ وعندئذ يتّضح أنّ الأرض اهتزَّت خوفاً مِن الآتي، وجهنّم استعدّت للمعركة الأخيرة ضدّ الله قبل سقوطها؛ فضروريٌّ أن نتيقّن بأنَّ المعرفة والتعليم عن يوم الدين وعلاماته هما مِن أسس العهد الجديد المستيقنة.

إنّما الّذي يحمل روح الله في نفسه قد اجتاز السماوات، لأنّه حاملٌ حياة الله في

جسده الفاني، ويستطيع أن يصلّي الصّلاة المستجابة، لأنّ الرّوح القدس هو روح الصّلاة، ويضع على لساننا اسم المسيح، لندعو باسمه، ونتضرع الى الله، فيستجيب لنا حتماً، ومَن يُصَلِّ في قوّة الرّوح القدس مرشوشاً بدم المسيح، يَخلُص حالاً، وهذه هي تعزيتنا ويقيننا وضمانتنا في الرّوح القدس، أنّ المسيح سيظهر متانة خلاصه في الدَّينونة الأخيرة حامياً أتباعه في لهيب غضب الله.

الصّلاة: نعظّمك أيّها الرّبّ ونشكرك، لأنّ روحك القدّوس حاضر في عالمنا اليائس، وقد حلّ في قلوبنا المطهَّرة بدمك. فنسجد لك ونعظّمك، لأجل الحياة الأبديَّة، الّّتي منحتنا إياها مجَّاناً بدون أعمال. املأ الكثيرين مِن أصدقائنا بقوَّتك، وافتح آذانهم ليسمعوا صوتك ويعملوا إرادتك بفرح.

2: 22 “أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ اسْمَعُوا هذِهِ الأَقْوَالَ: يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللّهِ بِقُّوَّاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا اللّهُ بِيَدِهِ فِي وَسَطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ 23هذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ اللّهِ الْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ السَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.

إنّ الرّوح القدس لا يبرز ذاته بل يمجّد المسيح؛ والله ليس أنانيّاً بل هو محبّة، وكلّ أقنوم فيه يُحبُّ الآخر ويَدلُّنا على الآخَر فالابن يُعظِّم الآب، والرّوح القدس يمجّد الابن، كما أنّ الابن ترك للرُّوح تنفيذ الخلاص، مثلما دفع الآب لابنه كلّ السُّلطان في السّماء وعلى الأرض. فَمَن يُرِدْ معرفة الله فعليه أن يتأمّل المحبّة الّّتي بين الآب والابن والرّوح القدس، لأنّ الله ليس إلاّ محبّة، وبالمحبّة تثبت وحدته.

لم يتكلّم بطرس بإرشاد الرّوح القدس طويلاً عن حقيقة انسكاب الرّوح المبارك، بل حوّل شهادته سريعاً إلى شخص يسوع المسيح المصلوب والمُقام مِن بين الأموات؛     فصورة الرّبّ المضحّي وانتظاره على القبر مَلأَا الشعور الباطني للتلاميذ؛ فلقد صلّوا وتأمَّلوا هذه الأمور، وبحثوا النُّبوَّة ووجدوا توضيحاً بيِّناً، فرسم بطرس يسوع الناصري أمام أعين مستمعيه، ليدركوا سبب انسكاب الرّوح القدس وغاية مجيئه.

أدرك المتكلّم في أعماق قلبه، كيف عارض الرّوح القدس خطيئة اليهود الّذين رفضوا يسوع وقتلوه، فلم يستطع بطرس أن يعزّي المستمعين بكلمات جميلة وبركات موعودة، بل كان عليه أن يعلن أنّهم قتلة مجرمون ولكنّه لم يقل هذا لهم بعنف وخشونة، بل وضّح خطيئتهم تدريجيّاً، وفي لغة المحبّة أرشدهم لمعرفة جرمهم كاملاً.   ونلاحظ أنّه في مستهلّ خطابه لم يستعمل لقب “المسيح” أو “ابن الله” ليسوع، بل سمَّاه رجل الله، ليستمرّ اليهود في الإِصغاء إليه، ولا يفور دمهم ضدّه سريعاً.

فتنفّس بطرس مليّاً، وطلب للمرّة الثانية أثناء عظته الاستماع الدقيق والفهم الحقّ، وقال كلّكم تعرفون يسوع الناصري، وهذا الرجل كان مؤيّداً مِن الله بآيات وأعاجيب، أكثر مِن أيّ نبّي قبله أو بعده، فأقام الأموات، وأخرج الشياطين، وغفر الذنوب، وأشبع خمسة آلاف جائع بأرغفة خمسة، وأسكت العاصفة؛ فهذه الخوارق ليست أعمال إنسان، بل عمل الله؛ فالإنسان يسوع كان في انسجام كامل مع إرادة العلي، حتّى إِنَّ القادر على كلّ شيء عمل به وحضر فيه، وهكذا ابتدأت قوّة السَّماوات تنتشر على الأرض؛ فلم يعمل المسيح مستقلاً منفرداً منفصلاً عن الله أبيه، بل كان واحداً معه، حتّى نفّذ القدّوس مشيئته بواسطته إلى التَّمام، كما قال يسوع “طعامي أن أعمل مشيئة الّذي أرسلني وأُتمم عمله”.

والغريب أنّ شعب اليهود رفضوا حامل سلطان الله هذا؛ ولم يقل بطرس إِنّ رؤساء الكهنة أو أعضاء المجمع الأعلى هم المسؤولون عن رفض يسوع، بل المستمعون هم المخطئون، لأنّهم خافوا مِن رؤسائهم، فابتعدوا عن يسوع الناصري رويداً رويداً، ولم يدافعوا عنه، بل منهم مَن شارك بالصّراخ: اصلبه اصلبه! فطعن بطرس بجرأة الرّوح القدس قلوبهم، وقال أنتم الّذين قتلتم هذا المفوّض مِن الله، ليس بالرجم العادي، بل بتسليمه إلى الرومان الوثنيين، وصلبتموه بواسطتهم؛ وهذا يعني عاراً مزدوجاً. ولم يكلّم بطرس مستمعيه عن السرقة والكذب أو النّجاسة، بل أبرز موقفهم تجاه يسوع، كأعداء لله، ثائرين مبغضين عمياناً جهلاء. فعظة بطرس هذه تعني إدانة الرّوح القدس، لأنّ هذا الرّوح قدّوس، يدين كلّ إثم، ويكشف موقفنا مِن الله في الثّورة والعداوة.

أمّا الله فلم يخسر المعركة، رغم صلب المسيح، بل أتمّ في عمله المسبق خلاصه، ورغم الجريمة الشنعاء أعلن محبّته كاملة، فلا يستطيع إنسان أن يعطّل خطّة الله. والقدّوس عزم أن يفدي العالم، عالماً أنّ هذا لا يَتمُّ إلاَّ بذبيحة ابنه بأيدي الأثمة الثائرين؛         فالصّليب هو النصرة لعلم الله المسبق وحكم محبّته الفائقة الادراك للعالم، ولكنّ تعيين الله السابق هذا لا يعني تسامحاً مع اليهود، لأنّ الرّوح القدس قال بواسطة بطرس بكلّ حدّة، أنتم القتلة المجرمون أعداء الله.

فما أعظم الفارق بين أوّل الحديث وآخره! فقد وقف الرُّسل في أعظم فرح الرّوح القدس أولاً، وفاضت منهم التَّسابيح وآيات الشُّكر ثُمَّ دان الرّوح القدس قلوب المستمعين بشدّة، لأنّ محبّة الله ليست ليِّنةً أو سطحيَّةً، بل قدّوسة وحقّة.

الصّلاة: أيّها الآب القدّوس، نشكرك لأنّك بذلت ابنك الوحيد لأجلنا في العار والموت. نحن قتلناه بخبثنا وعنادنا. اغفر لنا ذنوبنا، وقدّسنا تقديساً تامّاً بروح محبّتك المسرّة.

2: 24 اَلَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ الْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ 25لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى الرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، لِكَيْ لا أَتَزَعْزَعَ 26لِذلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي حتّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ 27لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلا تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً 28عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ.

إِنَّ انتصار الله على الموت هو شعار المسيحيين، ورمز هذا الظَّفر هو المسيح المُقام مِن بين الأموات، إنّه حَيٌّ ولن يموت، وهو الضَّمانُ لقيامتنا وكافلُ حياتنا الأبديّة.

فشهد بطرس جهراً بفوز الله على معارضة اليهود الّذين صلبوا يسوع، لأنّ الله قبل هذا المرفوض، وأقام الشاب الناصري المحتقَر الميت، وحلّ سلاسل الموت (مزمور 18: 5- 6) إذ مستحيل للحيّ أن يبقى ميتاً لأنّه قدّوس، فلم يجد الموت حقّاً عليه. لقد مات يسوع لأجل خطايانا، وقام لأجل تبريرنا؛ فإقامة المسيح عَنَتْ لليهود دينونة الله الخارقة، وفي الوقت نفسه أعظم تعزية للمسيحيين.

بعدئذ وضّح الرّوح القدس بواسطة بطرس، كيف نظر الملك داود ببصيرة المسيح إلى أسرار الثالوث الأقدس، واعترف بأنّ الابن رأى الآب دائماً أمامه غير مستتر بل مكشوفاً بكلّ مجده فكان يسوع آدمُ الثاني وقبلة الله، وصورته الحقيقيّة، مفعماً بالقوّة والجمال والبهاء، وعاش معه في وحدة الانسجام عاملاً ما أراد الآب.

قَبْلَ الصَّلب رأى الابن أباه عن يمينه، كما نعلم أنّه أيضاً عن يمين أبيه بعد صعوده،   فنرى مرّة أخرى أنّ كلّ أقنوم في الثالوث الأقدس يكرّم الآخر بلا انقطاع، معتبراً نفسه الأصغر بالتواضع. وقال المسيح في هذه النبوّة إِنّه يثبت بواسطة نصر الله ولا يتزعزع لرؤيته؛ فكم بالحريّ نحن نحتاج أن ننظر دائماً إلى أبينا لكيلا نسقط في التجربة.

وهكذا لن تدوم العلاقة الحميمة الدّائمة بين الآب والابن دون أن يعكّر صفوَها استكبارٌ أو خطيئة، بل تبقى مفعمةً بالسّرور والمحبّة والغبطة والابتهاج، كما أعلن الله إله المسرّة بنفسه لمّا قال: أنتَ ابني الحبيب الّذي به سُررت. فلا تحزنوا لأنّ فرح الرّبّ هو قوّتكم.

والمسيح رأى قبل تجسده موته كحمل الله مقبلاً عليه، ولكنّ بصيرته امتدت إلى ما بعد الموت، إلى الأعماق المؤبّدة؛ فلم يمت يائساً على الصّليب، بل مطمئناً في الرجاء، عالماً أن روحه ونفسه لا يبقيان في سجن الأموات إنّما في يدي الله. وأنبأ داود عن يسوع، أَنّ جسده لا يفسد لأنّه قدّوس. هكذا صار رجاء المسيحيين، أنّ جسدهم أيضاً يتقدّس وسيقوم، لأنّ الغفران تامٌّ ويطهّر جسدنا إلى التّمام، الّذي هو هبة صالحة مِن الخالق؛ فقيامة المسيح هي قدرتنا وفرحنا وشكرنا، وكان المسيح دائماً عالماً كلّ الأسرار والطرق في الحياة الأبديّة، حتّى استطاع أن يقول:” أنا هو القيامة والحياة، مَنْ آمن بي ولو مات فسيحيا، وكلّ مَنْ كان حيّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد”. ففي المسيح نجد قيامة كلّ المؤمنين مُختصرَة، حتّى أصبح هو المحيي لأتباعه،    فبدونه وخارج رحابه ليست ثمة حياة حقّة.

وآخر الزمان يغمر المسيحَ مِلءُ الفَرح العظيم، حين يرى أنّ موته قد فدى ملايين مِن النّاس وأحياهم ليثبتوا معه، متّحدين أمام عرش النّعمة، وفوق ذلك فإن الرّوح القدس قد جعلهم أعضاء في جسده الرّوحي، وأدخلهم إلى جوهر محبّة الله وحقيقة حياته الأبديّة. إنّ إيماننا عظيمٌ جِدّاً مَبنيٌّ على الفرح والابتهاج والرجاء.

2: 29 أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَاراً عَنْ رَئِيسِ الآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حتّى هذَا الْيَوْمِ 30فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً، وَعَلِمَ أَنَّ اللّهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ الْمَسِيحَ حَسَبَ الْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، 31سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ الْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَلا رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً 32فَيَسُوعُ هذَا أَقَامَهُ اللّهُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذلِكَ.

سَمَّي بطرس في هذه العظة المستمعين إخوة، رغم أنّهم لم يدخلوا في عائلة الله بعد.    ولكنّه رأى الرّوح القدس عاملاً في قلوبهم؛ فوضّح لهم أنّ النبوّة المذكورة في الأصحاح 2: 25-28 الصادرة مِن الملك داود لا تخصّ الملك نفسه، لأنّه وهو أب لنسل كثير قد مات حقّاً، وقبره معروف وما كان فارغاً؛ فهو نبيٌّ حقٌّ ممسوحٌ مِن الرّوح القدس وحصل على وعد مِن الله، لم يحصل عليه نبِيّ أو ملك أو كاهن، وهو أنَّ أحد أبنائه سيكون ابن الله في الوقت نفسه، مستلماً مملكة لا تزول (2 صموئيل 7: 12-14) و عرف اليهود كلّهم هذا الوعد الشهير عن المسيح، وانتظروا ابن الانسان الّذي هو ابن الله، باشتياق وترقّب؛ وفكّر الكتبة كثيراً بالمسيح الآتي، وفتشوا الكتب، وعرفوا أنّ الممسوح الإلهي هذا، سيغلب الموت، لأنّه مولود مِن الرّوح القدس، ومفعم بالعنصر الإلهي، فجسده لا يفسد، ونفسه لا تبقى مقيَّدةً في سلطة الموت ومملكته مملكةٌ أبديّة، وهو قد غلب في شخصه قدرة الموت، ولم يملك كملك فانٍ زائل، بل إنّه ملك الملوك، أزليٌّ واحدٌ مع الله الآب، وحامل سلطانه في قلبه.

وبعد ذلك، شهد بطرس، بدافع الرّوح القدس جهراً، أنّ يسوع المصلوب المرفوض هو ابن داود، الملك الأزلي الّذي أقامه الله؛ ولم يخف بطرس مِن أعداء المسيح فيما بعد، ولم يبحث معهم هذه الأمور، بل شهد عن إتمام الحقيقة في قوّة الله، وقد شهد انتصار الله بعينيه، وسمع مِن المُقام الحيّ كلمات غفران خطاياه. يسوع أكلَ معهم لمّا قام مِن الأموات، وهو في جسده الرّوحي، وأراهم أثر المسامير فالناصري حي، وابن الله غير ميت. الرّبّ قام فهل نحن شهوده؟

وبهذا القول انتهى القسم الثالث مِن عظة الرّوح القدس على لسان بطرس. أولاً وضّح لهم انسكاب الرّوح القدس إتماماً للنبوة في يوئيل. ثانيّاً سمَّى اليهود قتلة المصلوب. ثالثاً برهن لهم مِن الكتاب أنّ المسيح قام حقّاً.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت رئيس الحياة. نسجد لك ونؤمن بقيامتك وحياتك. أنت ملكنا ومحيينا. أنت رجاؤنا الوحيد. املأ كثيراً مِن النّاس بروحك القدّوس، وأَرجعهم إليك ليحيوا إلى الأبد. آمين.

2: 33وَإِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللّهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ، سَكَبَ هذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ 34لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي، اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 35حتّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ 36فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ اللّهَ جَعَلَ يَسُوعَ هذَا، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبّاً وَمَسِيحاً.

بعد تمهيد طويل ووصف لأسس الخلاص بيّن بطرس لمستمعيه أخيراً العلاقة بين المسيح المرسل مِن الله والمصلوب والمقام مِن بين الأموات من جهة، وانسكاب الرّوح القدس مِن جهةٍ أخرى، فأوضح أَنَّ مجيئه وموته وقيامته كانت ضروريّة لكي يأتي العصر الجديد، لأنّه بدون الصّليب والقيامة لا يأتي الرّوح القدس.

صعد يسوع إلى يمين الآب في انسجام كامل معه، والله سكب على المحتقَر المرفوض مِن اليهود فَيضاً مِن الكرامة والمجد كثيراً، ودفع إليه كلّ السُّلطان في السّماء وعلى الأرض، واستودع بين يديه تنفيذ موعد الآب، أي انسكاب الرّوح القدس على أتباعه المصلّين المؤمنين. فالرّوح القدس يأتي، لأنّ المسيح صالحنا مع الله على الصّليب، ويشفع فينا كرئيس الكهنة القدّوس عند الآب؛ فخدمة المسيح التوسطيّة هي انسكاب الرّوح القدس.

وحقّاً ليس إنسان قريباً لله وثابتاً في عرش النّعمة إلاّ يسوع الناصري، فكلّ الأنبياء والملوك ومؤسِّسي الأديان هم، إمّا أموات في القبور أو في راحة السّماء، مثل إبراهيم وموسى وإيليا؛ ولكنّ المسيح هو وحده القريب لله قرابة الوحدة، لأنّه هو الرّبّ نفسه، وهو ثابت في أبيه وأبوه فيه إلى الأبد. لقد رأى النّبيّ داود مرّة ثانية في رؤيا الرّوح القدس هذه الوحدة بين الآب والابن، وأصغى للمكالمة بين الله ومسيحه، وسمع ما قاله الآب لابنه، لمّا وصل إليه بعد صعوده إلى السّماء محاطاً بتسابيح الحمد مِن جميع الملائكة، إذ ناداه: اجلس الآن واسترح، لأنّك أكملت خدمتك في جسدك الإِنسانيّ المعذَّب. لقد أكملت الخلاص. ومِن الآن فصاعداً أنا أعمل بقدرة روحي المنفّذ لخلاصك في كلّ الطلاّب المستقيمين، ودينونةً على الظالمين المعاندين.

فمنذ حلّ الرّوح القدس في العالم ابتدأت الدينونة على البشر. وقال بطرس بإرشاد الرّوح القدس لليهود في وجوههم، إن الله يضعكم موطئاً لقدمي المسيح إن لم تتوبوا وإن لم تؤمنوا بالمصلوب، وإن لم تقبلوا ابن الله بالدموع. فهذه الكلمة المرهبة تخص أيضاً كلّ النّاس في جميع قارات العالم بكلّ أحزابهم وأديانهم، فَمَن لا يقبل الابن يوضع فريسة تحت قدميه مقيّداً إلى الأبد.

وهكذا أرى بطرس شعبه أنّ الرّوح القدس يحلّ منذ عيد العنصرة بلا مانع في كلّ أنحاء عالمنا، لأنّ المسيح أزال الحاجب والحائط الفاصل بيننا وبين الله؛ فعاصفة محبّة الله تجري، والخلاص يتحقّق في المؤمنين.

ولكنْ للأسف فإنّ روح الحقّ لم يقدر أن يحلّ في أكثريّة اليهود، لأنَّ ثمَّةَ خطيئةً واحدةً كانت غير معترف بها مِن أعضاء العهد القديم: قَتلُ المسيح ورفضه حتّى بعد الموت. فدفع الرّوح القدس المتكلّم ليطعنهم في جرحهم، وقال: إِنَّ يسوع الشابَّ الناصري هو الرّبّ الإله نفسه. إِنَّ الّذي ارتفع إلى يمين الله هو إلهٌ حقّ مِن إلهٍ حقّ.   هو المسيح الممسوح في ذاته وإياه صلبتم. وبهذه الكلمات قال مقدام الرسل لليهود إنّهم أخطأوا هدف تاريخهم، وأساءوا إلى معنى عهدهم مع الله؛ فجرح باسم الله كلّ أبناء الأمّة، وليس أفراداً فقط، ودانهم ليس بالطَّريقة الإنسانيّة، بل كما يدين القاضي الأزلي، ويصيب الضمائر في الصَّميم.

في بداية قول بطرس استهزأ بعض اليهود بالتلاميذ، واتّهموهم بأنّهم سكارى، لأنّ فرح الرّوح القدس ملأهم فوضَّحَ بطرس الحقيقة الظّاهرة، ليس بوسائل بلاغيّة، بل في قوّة الرّوح القدس وفسَّرَ مَنْ هو الرّوح القدس الحالُّ في أنفسهم، ومِن أين يأتي، وسبب حضوره، حتّى أبرز نهائيّاً وبشدّةٍ بالغة، أَنَّ قتل مسيح الله ذنبٌ على أُمَّته.     ومِن هذا الإرشاد نرى أن الرّوح القدس لا يوافق أبداً على حلّ وسط،  ولا يسمح في حياتنا بالمزج بين الحقّ والكذب. إنّه يدين عصيانك ويسحق كبرياءك اليوم. إِنْ سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم.

الصّلاة: أيّها الآب، قد أخطأنا إليك، واشتركنا في صَلبِ ابنك بمحبّتنا الدنيويّة.    أنا وخطاياي سمّرنا المسامير في يديه. اغفر لي ذنبي وقدّسني بروحك القدّوس، لكي أرفض كلّ خطيئة مِن أصلها، ولا أسقط في التجربة، بل أَعترف بيسوع المسيح ربّاً ومخلّصاً، وأعمل إرادته بمحبّته. يا ربّ، انخس كلّ القلوب القاسية لتتوب وترجع وتنكسر.

7_ بنيان النُّفوس بخدمة الرُّسل

(2: 37 – 41)

2: 37 فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَسَأَلُوا بُطْرُسَ وَسَائِرَ الرُّسُلِ:مَاذَا نَصْنَعُ

 أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ؟ 38فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ:تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

لا يستطيع الرّوح القدس أن يحلّ في إنسان، إن لم يتب حقّاً ويرفض ماضيه؛ فكلّ خطيئة هي تعدٍّ على الله ومسيحه، ولهذا يكسر الرّوح القدس قبل حلوله فيك عصيانك وتمرّدك في قلبك، لتتحرّر لخدمة الله. ودينونة الرّوح القدس هذه هي في الوقت نفسه أعظم نعمة؛ فَمَن يقبل توبيخ الرّوح القدس ودينونته منكسراً لا يدخل الدينونة الأخيرة، بل قد اجتاز إلى الحياة الأبديّة اليوم.

فاليهود المتراكضون إلى بيت التلاميذ لسماعهم عاصفة الرّوح القدس الآتي، أُصيبوا بقوّة عظمة بطرس في صميم ضمائرهم، فرأوا أنفسهم واقفين أمام الله الحيّ، وأدركوا أنّهم قتلة ثوّار هالكون، فلم يحاولوا أن يبرِّروا ذواتهم، ولم يبحثوا عن حقيقة ذنبهم، بل تمتموا خائفين: ماذا علينا أن نصنع؟ وهذا السؤال يرينا أمرين: أوَّلاً العجز في الإنسان المصاب مِن روح الله والضائع والّذي لا يجد منفذاً ولا حلاً، فتتزعزع ثقته بنفسه تماماً، كما اختبر بطرس عند صياح الديك.

ثانياً: لا يدرك الإنسان المنكسر، مَنْ هو الله وماذا يعمل لأجلنا، بل يتمتم مضطرباً مِن شعور قلبه: ماذا أصنع أنا لأخلص؟ هذا رغم شعوره بأنّه لا يستطيع أي عمل لإنقاذ نفسه، فأمام القدّوس تظهر أعمالنا باطلة نجسة، وكلّ إنسان هو ملتوٍ مِن أساسه، إذ يريد أن يعمل كلّ شيء مِن تلقاء نفسه، ولا يسمح لله أن يخلّصه. فالإنسان الطبيعي يحاول إصلاح نفسه بنفسه، وتبرير ذاته، وفداء شخصه، ويريد إبراز قدرته الخاصّة إلى المنتهى؛ “فالأنا” الشرّير الفاسد يتمسّك بذاته حتّى في آخر لحظة مِن الدينونة.

ولكنّ الحمد لله، أنّ بطرس لم يُقدِّم للتَّائبين اقتراحات عما عليهم أن يعملوا، بل طلب إليهم التفكير والمعرفة الجديدة والإيمان بيسوع، فالانقلاب في الإنسان لا يتمّ بعضلاته أو عقله، بل في صميم ذهنه؛ فعلى تفكيرنا وشعورنا وإرادتنا بأكملها أن تتغيّر وتتجدّد، ليس كغسل الدماغ قسراً كما في البلدان الدكتاتوريّة، بل كما في العهد الجديد حيث ينفتح التائب طوعاً لقوّة الله المطهّرة، ويسمع كلمة رسل المسيح بالشوق والشكر.

وقال بطرس للمنكسرين: ارجعوا عن ذنوبكم واتركوا فداء أنفسكم، واعترفوا جهراً بفشل حياتكم وعصيانكم أمام الله. سلموا أنفسكم بين يدي القدّوس، فتنتهي أهدافكم وآمالكم وغاياتكم، وتسود مشيئة الله فيكم. فالرجوع يعني التفاتاً تامّاً في اتجاه حياتنا مِن الأهداف الدنيويّة وإكرام الأنانيّة إلى الله، لنصبح ملبوسين بمحبّته.

وبكلّ وضوح إِنَّ ذهابنا إلى الله يعني دينونة، والتفاتنا إلى القدّوس يأساً، فيحتاج التائب إلى حماية أمام الله، ولهذا اقترح بطرس على مستمعيه المعموديّة باسم يسوع المسيح، وهذا يعني انتحاراً روحيّاً للإنسان القديم الخاطئ، ودخولاً طوعيّاً إلى رحاب الفادي، فَمَن يعتمد في المسيح يشبه الإنسان الفاسق الّذي يغرق في الماء وينتهي، ويتجدّد بالنّعمة الإلهيّة ويخلق جديداً، وتنتشله نعمة الله وتقيمه إلى أكبر، الّذي هو برّ المسيح لتمجيد الله الآب. فالتطهير مِن الخطيئة في أعماق ضمائرنا هو الثمر الأوّل للمعموديّة؛ فَمَن يتّحد بالمسيح في الإيمان بواسطة المعموديّة، ويقبل خط اسمه غير المنظور على جبينه، يتقدّس بواسطة مصالحة ابن الله.

والنتيجة الثانية لمعمودية الإيمان هي قبول الرّوح القدس. فيوحنّا المعمدان علم بدقّة أنّ معموديته بماء التوبة هي رمز فقط، ولا تنفع شيئاً، إن لم نستعدّ لمعمودية المسيح فقال جهراً، الّذي يأتي بعدي هو أعظم مِنّي، وسيعمّدكم بالرّوح القدس والنار. ففي يوم العنصرة الأوّل كان الوقت قد حان لتتحقّق هذه اللحظة في تاريخ الخلاص: لقد عمَّد ابنُ الله بالرّوح القدس قتلَتهُ التَّائبين، الّذين آمنوا باسمه برمز معمودية الماء، لأنّهم انكسروا سابقاً تماماً، فدخلوا بالإيمان إلى رحابه. فإنّ محبّة الله تفوق كلّ العقل.

هل تعمّدتَ وحصلتَ على الرّوح القدس؟ إِنَّ ممارسة طقس التوبة الخارجيّة لا تؤمِّن حلول الرّوح القدس في المعمَّد، لأنّ المعموديّة لا تعمل كإبرة للمريض، كلا فإن الرّوح القدس يهب حيث يشاء؛ والمعموديّة بدون إيمان غير نافعة؛ فثبِّت معموديتك بواسطة إغراق أنانيتك في المسيح فيقوم هو فيك، ظاهراً في محبّتك، وتعيش معه إلى الأبد. هل تعرف علامات المعمّدين بالرّوح القدس، إنّها المحبّة والفرح والسّلام والصّبر واللطف والصّلاح والإيمان والوداعة والتعفّف؟ هل حصلت على هذه المواهب مِن الرّوح القدس؟

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نشكرك لأنّك قد سكبت موعدك على البشر، بواسطة ابنك الحبيب. نسجد لك ونحمدك، ونطلب أن يمتلئ كلّ مؤمن بروحك الطاهر. املأنا بمحبّتك وحقّك، لكيلا نتحاجّ في حقائق روحك القدّوس، بل نثبت في اسم ابنك الحنون.

2: 39 لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلادِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلهُنَا 40وَبِأَقْوَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ قَائِلاً:اخْلُصُوا مِنْ هذَا الْجِيلِ الْمُلْتَوِي 41فَقَبِلُوا كَلامَهُ بِفَرَحٍ، َاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاثَةِ آلافِ نَفْسٍ.

بعدما أبان بطرس باسم يسوع، للجموع التائبة المضطربة، أنّهم يستطيعون الدّخول إلى المسيح بواسطة الرجوع الحقّ ومعموديّة الإيمان، شرطاً للحصول على الرّوح

القدس، قوَّاهم الرَّسول في هذه المعرفة، ووضّح لهم عظمة محبّة الله بقوله:

الرّوح القدس هبة وليس أجرة، وليس إنسانٌ يستحقُّ مجيء الله إليه ليحلّ في قلبه.     هذا الحلول امتيازٌ عظيمٌ اقتناه لنا المسيح بدمه. ولو لم يمت المسيح على الصّليب، لما استحق إنسانٌ الرّوح القدس، لكنّه قد مات، ومحا ذنوب النّاس جميعاً، فيستطيع كلّ امرىء بدون صعوبات أن يقبل الرّوح القدس، شرط أن يعرف خطاياه، ويندم عليها، ويعترف بها، ويتركها بكلّ عزمه؛ فالرّوح القدس هو قدّوس لا ينسجم مع نجاساتك أو أكاذيبك، وهذا الرّوح الحقّ يمجّد الابن، فلا يسمح بأي كبرياء فيك.    وحيث تستسلم لدوافعه وتؤمن بالمسيح ابن الله وتقبل كفارته عنك، تتبرّر وتتقدّس معاً. وبمقدار تسليمك نفسك للمسيح وفتحك قلبك لمحبّة روحه تمتلئ بقوّة الله. لا تُعارِضْ صوتَ الرُّوح القدس، لأنّه يشاء أَن يُصيِّرك إلى صورة الله الآب، لكي تصبح رحيماً كما هو رحيم. فإعادتك إلى صورة الله هو هدف تقديس الرّوح القدس.

وليست الحصّة في موعد الآب لليهود فقط، بل للبشر جميعاً إذا سمعوا دعوة الله، وآمنوا بالمخلّص، تائبين عن ماضيهم الشرّير. فلا فرق في اللون أو الذكاء أو العنصر أو الماضي أو الاختبارات الّّتي في حياتهم، والرّوح القدس لا يُميِّز بين أولاد ووالدين، رجال ونساء، أغنياء وفقراء، بل كلّ مَنْ يتوب ويقبل صليب المسيح يحصل على بنوّة الله، ويعرف الابن الوحيد المسيح الّذي اشتركنا في ملئه. وها هوذا الرّوح القدس يدعوك اليوم وملايين مِن النّاس إلى الدخول في خلاص المسيح. فشعار عصرنا هو دعوة الرّوح القدس لكلّ النّاس وعرضه المجاني للاندماج في عائلة الله الآب. فمَن يسمع؟ ومَن يأتي؟ ومَن يدرك خطاياه؟ ومَن يؤمن بالمسيح، ويعيش في ملء قدرته؟

وقد تكلّم بطرس والرسل الآخرون كثيراً مع الأفراد، ووضّحوا لهم شخصيّاً أسرار الخلاص، ونقضوا شكوكهم، وبيّنوا لهم قلوبهم الشرّيرة، وأكّدوا لهم عظمة محبّة الله.

وفي هذه الأقوال أنارهم الرّوح القدس ليسمّوا كلّ النّاس ملتوين؛ فليس إنسان مستقيماً. الكلّ يمشون في طرقٍ معوجة، ويكونون في كيانهم معقّدين. ليس أحد صالحاً وصحيحاً في هذا العالم. الكلّ مقيَّدون في الكذب والظلم والغش والحيل والبغضة والقتل والحسد والمصالح الخاصّة.

أمّا الرّوح القدس فيحرّرنا مِن التَّشاؤم، ويدعونا للمسيح يسوع، ويخلّصنا مِن أنانيتنا، ولا يصلح العالم بل يغيّر المؤمنين في عمق جوهرهم؛ فلا تحتاج إلى إصلاح أخلاقك بل إلى خلاص مبدئي، فأنت هالكٌ في غضب الله، وضالٌّ مثل كلّ إنسان. فيدعوك الرَّسول بطرس  قائلاً اخلص مِن هذا الجيل الملتوي. إنَّه لا يقول”إبقَ نصف ملتو ونصف مخلّص”، ولا “آمن بالمسيح واستمر في خطاياك مطمئناً” كلاّ فمنذ عيد العنصرة حضر الرّوح القدس في العالم، والمسيح يخلّص بقوّته كلّ مَن يؤمن به إيماناً حقّاً وتامّاً. لقد تمّ الخلاص على الصّليب. والرّوح القدس يحقّق هذا الامتياز فيك اليوم، إن انفتحتَ لأشعَّةِ قوَّة المسيح مؤمناً بمحبّته.

وفي عيد ميلاد كنيسة المسيح بلغ عدد الّذين سمعوا دعوة الرّوح القدس ثلاثة آلاف.   قليلٌ مِن الوعّاظ في تاريخ البشر اختبروا في خدماتهم نتيجة خارقة لعظاتهم كما اختبرها بطرس الخطيب الغير المتعلّم، الّذي تكلّم الله نفسه بواسطته.

والتائبون المضطربون آمنوا تَوّاً بيسوع، لأنّ الرّوح القدس فتح أعين قلوبهم وأنار عقولهم. وللعجب لم يعطهم الرسل وقتاً للتأمل، ولا مدّة للتجربة، لئلاّ يرتدّوا على أعقابهم، أو ليعمّقوهم في ملء كلمة الله، بل عمّدوهم فوراً في اليوم نفسه الّذي ابتدأ فيه التائبون بالإيمان؛ علماً أنّ هذا الإيمان لم يكن تصديقاً عقليّاً سطحيّاً، ولا فكّراً ذكيّاً عن أمور روحيّة، بل إِنَّ الرُّوح القدس قد سكب مسرّته في المؤمنين ومارس دينونته في غير التائبين. وقد أعلن بطرس في عظته أسس إيماننا بكلّ وضوح: حياة المسيح والصَّلب والقيامة وصعود الرّبّ إلى السّماء وجلوسه عن يمين الآب، وحقيقة الرّوح القدس في المؤمن فمَن أدرك هذه الحقائق، وآمن بها، ومات عن نفسه بالمعموديّة في اسم المسيح يستحق نيل الرّوح القدس حالاً.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح نسجد لك، لأجل مُعجزة الرّوح القدس الّذي حلّ فينا نحن الملتوين المعقدين. نشكرك لأنّك غفرت لنا ذنوبنا وطهَّرتنا. املأنا بحقّك ومحبّتك، لكي ندعو النَّاسَ بكلّ تواضع لاتِّباعك، لأنّك خلّصت كلّ فرد، واقتنيت له حقّ نيل الرّوح القدس. املأنا إيماناً ثابتاً حيّاً.آمين.

8الحياة الرّوحيّة في كنيسة المؤمنين

(2: 42 – 47)

2: 42 وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ 43وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ، وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ 44وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعاً، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً. 45وَالأَمْلاكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ 46وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، 47مُسَبِّحِينَ اللّهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ.

في الأخبار السابقة أوضح لنا البشير لوقا، كيف أعدّ يسوع حلول الرّوح القدس، وكيف انسكب هذا الرّوح الأبوي كعاصفة المحبّة حقّاً، رابطاً الفرح مع الحقّ والقداسة مع المحبّة.

ومِن الآن فصاعداً يرينا الطبيب لوقا ماذا وكيف عمل الرّوح القدس، لأنّ موعد الآب قد تمّ، وقوّة المسيح عملت وانتصرت وبنت حتّى اليوم، وقد دخل عصر جديد بالنّعمة، وقوّة محبّة الله جعلت المؤمنين بالمسيح أناساً متفوّقين، بعدما انكسرت الأنانيّة فيهم، وامتلأوا بواسطة إيمانهم بصلاح الله.

كيف يظهر عمل هذا الرّوح القدس عمليّاً؟ كتب لنا لوقا اليوناني بطريقة بلاغيّة جميلة مختصرة، ما هو جوهر ونتيجة الرّوح القدس:

1 – انّه يقود المؤمنين إلى ملء كلمة الله، خصوصاً إلى أخبار الرسل، لأنّه لا توجد حياة مِن الرّوح الإلهي بدون تعمّق مستمرّ في الإنجيل، الّذي بواسطته يعلّم المسيح طلابه حتّى اليوم؛ فبدون تعليم الرسل لا إيمان.

2 – وهذا التعمّق في مشيئة الله مِن خلال تناول الغذاء الرّوحي مِن الكلمة يوميّاً لا يتمّ منفرداً بطريقة انعزاليّة، بل إِنَّ المؤمنين قد عاشوا معاً في شركة المحبّة، حيث اعتبر أحدهم الآخر أعلى مِن نفسه. فلا مسيحيّة بدون شركة، لأنّ روح الله محبّة.

3 – لم يكتفِ المؤمنون بتبادل الأفكار وشركة الشعور العاطفي فقط، بل احتفلوا معاً بالعشاء الربّاني، مؤمنين أنّ الرّبّ يسوع نفسه يتمركز في أجسادهم، بواسطة رموز الخبز والخمر، فانتعشوا وتقوَّوا في مسرَّةٍ وشكر.

4 – وهذه الأركان الثلاثة في هيكل الله كانت تُواكبها صلوات وتسابيح الحمد وابتهالات واعترافات الآثام ودعوات إلى الله، لأنّ شعار اجتماعاتهم لم يكن أفكاراً دنيويّة أو حكماً فلسفيّاً، بل كان صلتهم المباشرة مع الله أبيهم والاتِّصال الدائم معه. فهل تصلّي بشركة الإخوة باستمرار؟

5 – وإيمان الممتلئين بالرّوح لم يكن سطحيّاً، لأنّهم قد اختبروا قداسة الله في جلالها وارتجفوا مِنه، فأحبوا الرّبّ مِن كلّ قلوبهم، واثقين به، ولكن ليس بدون تواضع ووقار وخوف مِن عظمته. فالرّوح القدس يخلق فينا مخافة الله ومحبّته كركن متين للإيمان الحيّ.

6 – فمَن ارتبط هكذا بالثالوث الأقدس الواحد، يختبر قوّته السماويّة في شركة القديسين، لأنّ أبانا يستجيب صلوات أولاده المشتركة، ويجري خلاصاًٌ وحماية وشفاء وتقديساً وهدى مِن ملء رحمته.

7 – ومحبّة القديسين لا تنتهي في محفظة المال، بل الرّوح القدس يرشدنا إلى العطاء بفرح، لأنّ العطاء أفضل مِن الأخذ. فباعوا أملاكهم، وتحرّروا مِن صنم المال، ووضعوا وارداتهم في صندوق الكنيسة المشترك.

8 – هكذا عاش الكلّ معاً كعائلة الله، ودرّبوا أنفسهم على التعاون الطوعي، حيث يكون المسيح المحور المدير. فقد حرّرهم الرّوح القدس مِن البخل والحسد والطّمع، وأرشدهم إلى تنفيذ المحبّة العمليّة.

9 – وانتظر الجميع إتيان المسيح القريب، وتأكّدوا أنّهم سيرون مجده، وهم ما زالوا أحياء، فأحبّوا مخلّصهم حتَّى إِنَّهم فكّروا به ليلاً نهاراً، منتظرين مملكة قدرته.

10 – ولم يتباحثوا، هل كان إيمانهم حقّاً أو كانت محبّتهم قويّة أو كان رجاؤهم حيّاً، بل فرحوا في بساطة قلوبهم بحقيقة الرّوح القدس، وحمدوا الله بدون ملل.

11 – هكذا ثبتوا في النّعمة، ولم يتركوا اجتماعاتهم في بيوتهم، بل كانوا يجتمعون يوميّاً لسماع تعليم الرسل والصلوات المشتركة في حلقات صغيرة.لم يحتقروا الهيكل المصنوع مِن حجر، بل اشتركوا في الصّلاة العامة، وهم بالحقيقة الهيكل المصنوع مِن الرّوح.

12 – إنَّ كنيسةً مثل هذه، لهي جذّابةٌ وشهيّةٌ جداً. فكثيرون سألوا الممتلئين بالمحبّة: كيف تغيّرتم في شكلكم؟ فشهدوا لهم أنّ يسوع هو المسيح الحيّ، وقد أعطاهم هبة الرّوح القدس؛ فلهذه الشهادة نمت الكنيسة، حتّى انضم إليها يوميّاً أعضاء جدد في تلك النهضة الرّوحيّة العظيمة.

وفي هذه الكلمات نقرأ في سِفر أعمال الرسل لأوّل مرّة كلمة “الكنيسة”. فتفاسيرنا الاثنا عشر هي الوصف الحقّ للكنيسة الحيّة، فالهدف النّهائي لعمل الرّوح القدس ليس إيمان الأفراد، بل شركة القديسين، لأنّ إلهنا محبّة ومحبّته تتحقّق في الشركة فقط.

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نسبّحك، لأنّ روحك القدّوس يوحّد النّاس في محبتك، فيسامح بعضُهم الآخَر، ويعتبر كلٌّ منهم الآخَرَ أعظمَ مِن نفسه. ساعدنا نحن وكنيستنا لننتعش، وليغلبْ روحُكَ الموانعَ بيننا، ويحرّرنا مِن اتِّكالنا على المال الّذي في جَيْبِنا، آمين.

9شفاء الأعرج

(3: 1-10)

3: 1 وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعاً إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاةِ التَّاسِعَةِ 2وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْجَمِيلُ لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ 3فَهذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلا الْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً 4فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا وَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْنَا! 5فَلاحَظَهُمَا مُنْتَظِراً أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئاً 6فَقَالَ بُطْرُسُ:لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلا ذَهَبٌ، وَلكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ 7وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاهُ وَكَعْبَاهُ، 8فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ َهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللّهَ، 9وَأَبْصَرَهُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهُوَ يَمْشِي وَيُسَبِّحُ اللّهَ 10وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ الْهَيْكَلِ الْجَمِيلِ، فَامْتَلأُوا دَهْشَةً وَحَيْرَةً مِمَّا حَدَثَ لَهُ.

بعد أن صلّى الرسل وأعضاء الكنيسة منفردين. وذهبوا جميعاً معاً إلى الهيكل، ولم يحتقروا مكان السجود لأبيهم، رغم أنّهم أصبحوا في ذواتهم هيكل الرّوح القدس.     ولأجل صلواتهم المستمرّة وشكرهم الصافي، ألبسهم الله قوّة فائقة، لأن ليس أحدٌ يجد سلطاناً روحيّاً إلاّ في الصّلاة ودرس الكتاب المقدّس باستمرار. وكانت قلوب الرسل ملآنة بمحبّة الله الحانية على المساكين فهم لم يمرّوا غير مبالين بالفقراء المحتاجين لأنّ محبّة الله تحملنا على خدمة جميع النّاس.

ولمّا صعد بطرس ويوحنّا إلى ساحة الهيكل الممتلئ بالنّاس وضجيجهم، ليصلّيا معاً وينالا البركة، سمعا صوتاً رفيعاً بجانبهما فالتفتا بانزعاج ورأيا رجلاً بائساً أعرج منذ ولادته لم يخطُ في حياته كلّها بعد خطوة واحدة دون عون الغير؛ فتحنن قلبا خادمي الرّبّ على المسكين، وتمنّيا العونَ للبائس، فدفعهما الرّوح القدس للإيمان بقدرة يسوع، وقوَّى ثقتهما بالمخلّص، فأدرك بطرس ويوحنّا معاً أنّ الرّبّ يريد تمجيد اسمه في المعذَّب حالاً.

وكان على بطرس أن يخبر الفقير أنّه ليس أغنى مِنه، لأنّ أعضاء الكنيسة الأولى امتنعوا عن التملّك، وعاشوا معاً مِن الصندوق المشترك. فعبَّر بطرس عن المبدأ الظاهر في كلّ كنيسة حيّة: ليس لنا فضة ولا ذهب، ولو كان عندنا شيءٌ منهما لضَحَّينا به لتمجيد المسيح وخدمة الفقراء. ولكن حيث يتكوّم المال في صندوق كنيسة ما فهنالك تكون المحبّة ضئيلةً والبخلُ كبيراً مستطيراً؛ ولهذا لا تجري قوّة الله في الكنيسة الغنيّة بالمال، بينما الكنيسة الفارغة مِن النقود والغنيّة بالإيمان تمتلئُ بقوّة محبّة المسيح. فماذا تريد قوّةً أَم مالاً؟ المسيح أَم الدُّنيا؟ فهما لا يلتقيان معاً البتّة.

تفرّس الرسولان في عيني المسكين، وتحسسا داخل قلبه، حتّى شعر المريض بأن هذين الرجلين يهتمان به، لا يحتقرانه بل يحبانه هو الغوغائي. ففكّر أولاً بمبلغ كبير يتقاضاه مِنهما، ولكنْ لمَّا سمع أنّ الرسولين فقيران مثله تلاشى رجاؤه.

وبعد قليل أنصت الأعرج بانتباه، لمّا نطق بطرس بالاسم الغريب: يسوع ولم يقصد أيّ إنسان مِن الّذين لقّبوا به، ومعناه “الله يعين”، بل قصد المعين الوحيد الطبيب المخلّص، الّذي هو وحده المسيح الحقّ، الآتي مِن الناصرة المنطقة الجبليّة الشماليّة.     وربّما كان المريض قد سمع كثيراً عن هذا المصلوب والمقام، ولاحظ شيئاً مِن الفرح الّذي غمر بعض النّاس بواسطة هذا الاسم، فرسالة الرّوح القدس بأنّ الله قد أقام المصلوب ورفعه إليه لم تبق مُغيَّبَةً في أزقّة أورشليم.

سَمِعَ المُقعَدُ الأمر بالنُّهوض باسم يسوع، وشعر بيد بطرس الّّتي أمسكت برسغه،      فجرى تيّار قوّة محبّة إلى جسد الأعرج، فتقوّت عضلاته، واشتدّت أربطته، وتعافت أعصابه، وتجلّست عظامه، وسمع المريض الكلمة: امش باسم يسوع المسيح، فقام ورأى عجباً، أنّه يستطيع المشي!

لم يَخْطُ هذا المريض في حياته السابقة خطوة واحدة. أمّا الآن فقد قفز كغزال، وركض كولد، وتهلَّل بأعلى صوته، ولم يحمد الرسل، بل مجّد الله مباشرةً ولم يركض إلى بيته، بل أدرك أنّ يسوع هو الّذي شفاه، فرافق الرسولين المصليين إلى الهيكل، ليسجد معهما لله ويسبّحه معهما. وفي فيضان فرحه، صار يركض يُمنةً ويُسرَةً وجرّب عظامه وساقيه، فاختبر ما نختبره نحن يوميّاً. إنّ الله يعطينا نعمة لنستطيع المسير، فهل شكرتَ ربَّك لهذا الامتياز؟

وحيث أنّ الساعة كانت الثَّالثة ظهراً، فقد اجتمع كثيرٌ مِن النّاس للصّلاة الجمهوريّة، والكلّ كانوا عارفين الشحاذ المسكين، الّذي ركض مبتهجاً وفرحاً، فأصبح رمزاً

لسلطان المسيح فتعجّب الجميع وشعروا بالقوّة الجديدة العاملة بينهم.

ما هو حالك أنت؟ هل تجلس مثل الأعرج في مدخل هيكل الله، سائلاً صدقة مِن المارين ورحمة، أم أنّ قوَّة يسوع قد أنعشتك، فتمشي باسمه وتقفز وتطفر، وتسبّحه بكلّ سلوكك بكرة وأصيلاً؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك شفيت الأعرج بواسطة إيمان رسلك. ليتقدّس اسمك أيضاً بإيماننا. املأنا برحمتك، لكيلا نحبّ المال، بل نخدم المساكين باسمك. اشفنا بقدرتك لنسير في اسمك ونحمدك.

10عظة بطرس في الهيكل

(3: 11 –  26 )

3: 11 وَبَيْنَمَا كَانَ الرَّجُلُ الأَعْرَجُ الَّذِي شُفِيَ مُتَمَسِّكاً بِبُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، تَرَاكَضَ إِلَيْهِمْ جَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَى الرِّوَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ رِوَاقُ سُلَيْمَانَ وَهُمْ مُنْدَهِشُونَ 12فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذلِكَ قَالَ لِلْشَّعْبَ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هذَا، وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا كَأَنَّنَا بِقُّوَتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هذَا يَمْشِي؟ 13إِنَّ إِلهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، الَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاقِهِ 14وَلكِنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ الْقُدُّوسَ الْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ 15وَرَئِيسُ الْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذلِكَ 16وَبِالإِيمَانِ بِاسْمِهِ، شَدَّدَ اسْمُهُ هذَا الَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَالإِيمَانُ الَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هذِهِ الصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ.

عندما تلمس الجماهير القوّة في زعيم ما، تتراكض إليه لتحوز شيئاً مِن مواهبه. ومع

 الأسف، فقد عُرف بالاختبار أنّ أكثر الزعماء لا يقدّمون قوّة الله لأتباعهم، بل يذيعون وينشرون بينهم قواهم الخاصّة، ويَعِدُونهم بجبالٍ مِن فضّة وذهب ولا يفون أبداً.

كان بطرس مدهوشاً مِن موقف اليهود، إذ لم يدركوا الحقّ، ولم تعمل قوّة الله فيهم،  فحرّرهم أوّلاً مِن الإكرام لشخصه، لكيلا يتّكلوا على موهبته الخاصّة، بل على الله وحده، حسب القول: ملعونٌ الرَّجل الّذي يتّكل على إنسان. فشهد بطرس أنّ القوّة البشريّة والتَّقوى الدِّينيَّة لا تستطيعان إزالة الذُّنوب ولا شفاء مريض، فالنّاس باطلون وليسوا إلاّ طواويس ينتفخون ويعظِّمون أنفسهم.

وبعدئذ دلّ الرسول على الإنسان الفريد، الّذي يستطيع أن يعطي لعالمنا القلقِ قوّةً ورجاء، وهذا الإنسان هو يسوع الناصري.لم يُسمِّه بطرس المسيحَ، بل استخدم كلمة فتى الله صفةً له، ومعناها في اليونانيّة عبد الله وابنه في الوقت نفسه، وهي تدلّ على خضوع المسيح لأبيه، لأنّ في هذا الخضوع الطَّوعي نجد كمال المسيح وانتصاره،      ولأنّ ابن الله إِذْ أخلى نفسه وصار إنساناً وتواضع إلى صورة عبد، وخضع لمشيئة أبيه حتّى الموت موت الصّليب رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كلّ اسم. فحقّ لبطرس القول إنّ الله مجّد اسم يسوع فتاه، لأنّ تمجيد اسم يسوع المسيح، هو غاية وقصد الرّوح القدس الّذي هو الله بالذات.

ولم يتكلّم بطرس باسم إله عظيم غير معروف ومستحيل الإدراك، بل سمّى الله إله إبراهيم وإله اسحق ويعقوب، لأنّه أعلن نفسه لآباء الإيمان هؤلاء واختارهم، ولم يتركهم. فإله آباء الأمّة أَقام فتاه يسوع مِن بين الأموات، وهذه الحادثة الإلهيّة المؤثّرة، كانت شعار تبشير الرُّسل. لم يبقَ يسوعُ المصلوب ميتاً ولكنّه حيّ والرسل شهود، أنّهم رأوه وتكلّموا معه، وتيقّنوا مِن حياته وجسده الغريب بعد الموت.

والرّوح القدس لا يكتفي بإظهار النّعمة وبيان نصرة الله، بل يطعن دائماً في لبّ خطايا الإنسان، لأنّ روح الله هو قدّوس. ولم تستقبل أمّة اليهود مختار الله، بل رفضته وأنكرته، رغم أنّ الوالي الروماني حكم له بالبراءة، فشدّدوا على الوالي الوثني ليلوي الحقّ ويُصلب ابن الله، وهذا الخطاب تمّ ليس بعيداً عن برج انطوان المشرف على فسحة الهيكل، حيث علّم يسوع سابقاً في رواق سليمان. فشعر الحضور بظلمهم الّذي فعلوه، حيث إِنَّ الأبنية هذه كانت شاهدةً عليهم. وتابع صيَّاد النّاس بطرس كلامه، وخلع أقنعة التقوى عن وجوه القتلة، ودمغهم برفض حمل الله، واختيار بارباس الثّائر المجرم، وهذا الاختيار أعلن روحهم الشرّير وذهنهم المرفوض.

ودفع الرّوح القدس بطرس ليسمّي المسيح قدّوساً الذي وُلِدَ مِن الرّوح القدس فثبت باراً، رغم أنّه حمل خطيئة العالم كلّه. وهذا البريء كان حياة الله المتجسدة، ومَنْ يثبت بدون خطيئة لن يموت إلى الأبد، ولكن في موت يسوع حدث المستحيل. إنّ رئيس الحياة مات ولم يستخدم بطرس في خطابه أمام الجماهير، لتوضيح جوهر يسوع، الألقاب: المسيح أو ابن الله، إنّما وضع معانيها جميعاً في اسم يسوع.

وتابع المتكلّم حكمه على القتلة تدريجيّاً فقال: الله أحبّ يسوع الناصري، أمّا أَنتم فقد قاومتم روح الله وقتلتم محبوب القدّوس؛ فأنتم مجرمون، أعداء الله وأضداده، وقد جئتم إلى الهيكل لتصلّوا وتنالوا البركة، ولكنّ  الله لا يستجيب صلواتكم، لأنّكم قد قتلتم فتى الله يسوع البارّ.

وبعدئذ شهد الشاهد غير المثقّف، أنّ الله مدّ يده، ولم يأخذ إليه موسى أو إيليا أو يوحنّا المعمدان، بل يسوع المحتقر والمعذّب مِن اليهود. فقيامة يسوع هي البرهان على قداسته وانسجامه مع مسرة الله. إن الرّبّ يسوع حيّ وحاضر وقريب مِنك؛ فشهادة بطرس تخصّنا وتؤكد لنا أنّ المسيح لم يفسد في القبر ككلّ النّاس، بل طَرح عنه قيود الموت، وهو يعيش اليوم في مجد الله الآب.

وتأييداً لهذه الرسالة المخيفة لليهود، أشار بطرس لمستمعيه إلى الرجل المَشْفِيّ، الّذي وقف بينهم وعرفوه منذ سنين طويلة، وكانت عضلاته المستجدة وعظامه المستقيمة الدليل على صدق شهادة بطرس، وبرهاناً على قيامة المسيح.

وقد وضّح لنا لوقا الطبيب، مِن خلال خطاب بطرس، أن الشفاء هو بالنّعمة فقط؛ وحتّى الإيمان بيسوع هو نتيجة نعمة المخلّص في الإنسان. فالإيمان باسم يسوع يعني الثقة بحضوره، والإيقان بإرادته المخلِّصة، وتسليمنا إلى الطبيب الشافي، وتمسّكنا بكلمته المنجّية. واسم يسوع ممتلئ بالقوّة، وليست ثمّة قدرة بنّاءة في دنيانا إلاّ هذا الاسم الفريد يسوع. فالرّوح القدس يخلّص ويشفي ويقدّس بهذا الاسم الفريد وحده.  وإنّه لا عجب أنّ الشيطان يحاول، بألف طريقة، تحريف هذا الاسم، أو إيذاءه، أو تبديله بأسماء بارزة أخرى. أمّا أنت أيّها الأخ، فقد أصبحت فاهماً ومستمعاً للحق.   لقد حلّ في الإنسان يسوع الناصري كلّ ملء اللاهوت جسديّاً؛ ومَن يلازمه يختبر قدرته؛ وفي ضعفنا تكتمل قوّة الله الأبديّة.

والإيمان الفعّال لهو سرّ كبير، لأنّه تجاسر أن يثق بالمستحيل  فالمؤمن يتّكل ويلقي بنفسه على اسم يسوع، ويتّكل عليه كلّ الاتكال؛ وتنمو ثقته بواسطة النظرة المستمرّة إلى المخلّص. فيسوع ينتظر مِنك إيمانك غير المنقسم، وتمسكك بالمصلوب، وارتباطك بقوّة قيامته. تعال إلى يسوع، لأنّه رئيس إيمانك ومكمّله، وفي قربه تصحّ نفسك، وتنتعش روحك، وتتبرّر حياتك. فإيمانك قد خلّصك.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك أعلنت لنا اسمك، وأوضحت لنا أنك إله حق مِن إله حق، ذو جوهر واحد مع الآب، وفيك يعمل سلطان القدير. لا تطرحنا مِن قدام وجهك، وروحك القدّوس لا تنزعه مِنا، بل املأنا بعنصر محبّتك لنثبت في قوّتك، وننشر اسمك في كلّ الأرض.

3: 17 “وَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضاً 18وَأَمَّا اللّهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ الْمَسِيحُ قَدْ تَمَّمَهُ هكَذَا 19فَتُوبُوا وَارْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ الْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ 20وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ 21الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ السَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا اللّهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ مُنْذُ الدَّهْرِ22فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيّاً مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ 23وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لا تَسْمَعُ لِذلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ مِنَ الشَّعْبِ 24وَجَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَيْضاً مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، جَمِيعُ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا، سَبَقُوا وَأَنْبَأُوا بِهذِهِ الأَيَّامِ 25أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللّهُ آبَاءَنَا قَائِلاً لإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ 26إِلَيْكُمْ أَّوَلاً، إِذْ أَقَامَ اللّهُ فَتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ“.

لم يقف بطرس كقاضٍ أمام اليهود المضطربين، بل سمّاهم إخوة، علماً أنّهم غير مولودين ثانية. ولكنّ يسوع غفر لهم كلّ خطاياهم على الصّليب، ساكباً عليهم الرّوح القدس الّذي كان على استعداد للحلول في المؤمنين، لأنّ الوعد كان لهم ولكلّ الّذين آمنوا؛ فتيقّن بطرس مسبقاً أنّ الخلاص الواقف أمامهم سيخترقهم متمّماً مقاصد النّعمة فيهم.

وأعلن أكبر التلاميذ سلطان صلاة يسوع الشفاعيّة على الصّليب، لمّا قال: يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يعملون. فكان هذا توضيحاً عميقاً لمعنى ذنب اليهود ورؤسائهم. وهذا التسامح في فم بطرس توقّف على اختباراته الخاصّة، لأنّ الرّبّ المُقام مِن بين الأموات برّره مجّاناً، رغم إنكاره وتجديفه السابق. وما تمّ هذا الغفران لأجل أعماله الصالحة وسلوكه الطاهر، بل رغماً عن خطاياه المكشوفة. فتشجّع بطرس باختباراته الشخصيّة، وأعلن نعمة يسوع المسيح إعلاناً مطلقاً، كما وضّح سابقاً ذنوب مستمعيه بكلّ صراحة، واخترق قلوبهم. فبعد دينونة الرّوح القدس تأتي التَّعزيَة المنعشة المنعمة على المؤمن التَّائب.

لقد أصغى بطرس لأقوال يسوع بعد قيامته بشوق زائد، وأدرك أنّه لا تُوجَد طريقة لخلاص العالم إلاّ بآلام المسيح. فكان ينبغي لحمل الله أن يموت، كما أنبأ كلّ الأنبياء الصَّالحين مِن قبل. وهذه إرادة الله الأصليّة الّّتي سبق فعَّينها أنّه يضع كلّ ذنوب العالم وعاره على ابنه البريء، لأنّه وحده كان قادراً ومستحقّاً أن يموت عوضاً عنّا في لهيب غضب الله. وبديهيٌّ أنّ الآب السماوي فضّل أن يموت بنفسه عن العالم الشرّير، على أَنْ يبذل ابنه الوحيد. ولكن بما أنه حامل الكون في كيانه، فلا يبقى إلاّ أن يموت الابن عوضاً عنّا، لأنّه بدون موته الكفّاري لا يوجد غفران.

وفي تألّم المسيح النِّيابي عنا ظهرت مسحته بالرّوح القدس بأوضح بيان. فمَن يتأمَّل الصَّليبَ ينظر مباشرة إلى قلب الله، الّذي أحبّ الخطاة الفانين، وبذل ابنه المطيع ليقدّس المتمرِّدين الفاشلين.

وبعدما أثبت بطرس، مِن العهد القديم، أنّ يسوع الناصري كان مسيح الله، ومات بانسجام مع مشيئة أبيه، وليس مصادفةً بأيدي قتلة، عندئذ ابتدأ هجومه الواسع، وطلب مِن مستمعيه تغيير الفكر. إن كلمة “توبة” لا تعني ندامة عاطفيّة ودموع الخجل فقط، بل تغيير اتّجاه الحياة كليّاً، وترك الأهداف الكاذبة، والالتفات نحو المسيح، الّذي هو الهدف الإلهي الحقّ. وهذا الرجوع يتضمّن الاعتراف بالخطايا، وقبول استحقاقنا لغضب الله، والإيمان بالنّعمة المجَّانيّة، والثَّبات في الغفران الموهوب لنا بغنى. فالتَّسليم الكامل لله بقلب منسحق يقابله هو بنعمة مطلقة غير محدودة، لأنّ المسيح أتمّ على الصّليب خلاصنا، فمَن يؤمن يتبرّر.

وحيث يحلّ برّ الله في القلوب، تبتدئ أوقات الفرج والسّلام مع الله، ومواهب الرّوح القدس. فالإيمان بالمسيح بعد التوبة القلبيّة، ليس مجرّد تصديق سيرة يسوع ونتائج موته العقائديّة، بل هذا الإيمان يسبب نيل القوّة الإلهيّة، بواسطة حلول الرّوح القدس. هل دخلت في الشركة مع الله؟ تُبْ وغَيِّر أهداف حياتك، واقبل المسيح مخلّصاً شخصيّاً لحياتك، فتثبت في العهد الجديد، وتمتلئ بالرّوح القدس.

واعلم أيّها الأخ، أنّ الهدف الرئيسي لهذا العهد مع الله، ليس غفران خطايانا، ولا الحصول على الحياة الأبديّة، ولا أعجوبة مواهب الكنيسة فقط، بل هو مجيء المسيح بنفسه فإيّاه تنتظر الخليقة كلّها، تتشوَّق لانتهاء الفاصل بين الخالق وخلقه، لتجدّد قوى حياته الخراب العام في الكون. فهذا هو التَّجديد المقصود الّذي نشتاق إليه.      والتَّجديد في المؤمنين اليوم هو العربون لإتيان المجد الكامل الظاهر في مجيء المسيح، الّذي سيردّ كلّ شيء إلى حالته الأولى السَّليمة قبل السقوط في الخطيئة، وذلك بميقات يوم معلوم.

وهكذا أدرك التلاميذ صعود ربّهم تمهيداً لمجيئه، وعلموا أنّ بقاءه في الاستتار عند الآب ضروري لإجراء الثورة الرّوحيّة على الأرض، تمهيداً لتجديد الكون وردّ كلّ شيء. فصعود المسيح كان شرطاً لحلول الرّوح القدس المبتدئ بالتجديد بيننا، وكلّ الأنبياء الحقيقيين يدّلون على مجيء المسيح كهدف تاريخ العالم فالدّينونة ليست هي النِّهاية لكياننا، بل فرح التَّجديد والابتهاج بردّ كلّ شيء إلى أصوله. ومحور هذه الخليقة هو في ذاته النبِيّ الموعود والمتكلّم عنه موسى، لأنّه ضامن العهد الجديد الفائق عهد موسى القديم. ولكن مَن يرفض هذا العهد الجديد مع الله ليس له رجاء بعدئذ، لأنّ متحجّر القلب هذا يرفض النّعمة والله يبيد النّاس والشّعوب الّذين يرفضون المسيح؛ فتاريخ البشر ليس إلاّ نتيجة قبول المسيح أو رفضه.

وبعد هذا الوصف العريض العميق، شجّع بطرس اليهود على قبول يسوع، موضحاً لهم أنّهم أبناء الأنبياء وأعضاء العهد الّذي قطعه الله مع آبائهم، علماً بأنّ النّاس ليسوا هم الّذين تعاهدوا مع الله كشركاء بالمستوى نفسه، بل الخالق القدّوس الأزلي ارتبط بمخلوقاته الخاطئة الزمنيّة المتعدّية عليه؛ وهذه هي النّعمة الكبرى في جوهرها. وتاريخ الله هذا مع البشر الغوغاء قد ابتدأ مع اختيار إبراهيم، لمّا قال القدّوس لهذا الرحّالة إِنَّ أحد أبنائه الجسديين سيصبح حامل بركة الله لكلّ الأمم. والله نفّذ خطَّته رغم كلّ معارضة شيطانية وفشل بشري، وحقّق مجيء الأيام الّّتي فجّر فيها الرّوح القدس حدود العهد القديم، داعيّاً كلّ الشّعوب إلى الشركة مع الله. ولكنّ بطرس قدّم أوَّلاً النّعمة لليهود، ومَن آمن خلص.

لقد بارك الله أعداءه، ومنح الّذين سمّروا ابنه على الصّليب فرصة التوبة. فالمسيح قد قام مِن بين الأموات منسجماً مع إرادة أبيه الّذي أقامه مِن الموت، ورفعه إلى مجده، ليضع الابن كلّ البركات الرّوحيّة في السماويات على أتباعه. فالرّبّ بارك حقّاً قلوب المستمعين، وقادهم إلى الرجوع. فالانسان لا يتوب مِن نفسه ، بل الرّوح القدس يساعده  على الإيمان بالمسيح. ولكن إِنْ لم يتب الإنسان عن شرّه ويترك خبثه، فلا يستطيع الدخول إلى شركة المسيح. إِنَّ الله ينتظر مِنا الرجوع طوعاً وقصداً إليه، فينشئ فينا بداية التجديد الآتي إلينا. فهل تركت خطاياك والتصقت بالمسيح؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ  الّذي في السّماء، أنت تستعدّ للمجيء وردّ كلّ شيء. ساعدنا على الابتعاد عن الشرّ والثبات في نعمتك، لتصبح أنت هدف حياتنا الوحيد. خلّص كثيراً مِن المستعدّين في محيطنا، كما خلّصتنا بنعمتك.آمين.

11سجن بطرس ويوحنّا

ووقوفهما للمحاكمة لأوّل مرّة

(4: 1 -22)

4: 1 وَبَيْنَمَا هُمَا يُخَاطِبَانِ الشَّعْبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ، 2مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ، وَنِدَائِهِمَا فِي يَسُوعَ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ 3فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي (حَبْسٍ) سِجن إِلَى الْغَدِ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ الْمَسَاءُ 4وَكَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا الْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُ الرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلافٍ 5وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَكَتَبَتَهُمُ اجْتَمَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ 6مَعَ حَنَّانَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَقَيَافَا وَيُوحَنَّا وَالإِسْكَنْدَرِ، وَجَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ عَشِيرَةِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ 7وَلَمَّا أَقَامُوهُمَا فِي الْوَسَطِ، جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمَا:بِأَيَّةِ قُّوَةٍ وَبِأَيِّ اسْمٍ صَنَعْتُمَا أَنْتُمَا هذَا؟.

حيثما تظهر البركة تثور جهنّم. لقد شفى يسوع الأعرج بواسطة بطرس ويوحنّا، وتراكضت الجماهير، وأصغت إلى الإنجيل؛ فتدخّل حرّاس الهيكل، لأنّهم اعتبروا المعجزة مشكوكاً فيها، وتجمهُر النّاس خطراً على الأمن. وبجانب الكهنة والمسؤولين عن سلامة الهيكل هبّ الصدّوقيون المثقّفون، وحرّضوا أيضاً ضدّ الصَّيَّادَين البسيطَين، الَّلذَين عَلَّما الجماهير بدون إذن، لأنّ الصّدوقيين ظنّوا، أنّ امتياز الخطابة وَقْفٌ على الفقهاء والفلاسفة فقط، ونقموا خاصّةً لأنّ الرجلين الجليليَّين تكلَّما عن قيامة يسوع مِن بين الأموات، خلافاً لاعتقادهم، لأنّ هؤلاء المثقّفين المستنيرين ما آمنوا بإمكانية القيامة البتة، فأصبحت الشهادة لقيامة المسيح السَّببَ الرئيسَ للقبض على الرَّسولَين، وقادهما الحرّاس إلى حبس رئيس الكهنة، حيث قضيا الليلة الباردة، مُصَلِّيَيْن ومُؤمِنَين وشَاكِرَين يسوع لانتصاره بشفاء الأعرج، وَعظَّما الرّبَّ لأنّه أتاحَ لهما أن يخاطبا الجماهير في الهيكل، واستعدّا مصلّيين للمحاكمة في الغد.

وعظة الإيمان مِن الرسولين لم تذهب بدون تأثير في الجماهير. فكثيرون آمنوا بقلوب منكسرة بيسوع المصلوب والمُقام مِن الأموات، وحصلوا على غفران خطاياهم، حتّى بلغ عدد أتباع المسيح خمسة آلاف رجل، كانوا هم الكنيسة الأولى. وهؤلاء لم يمتلكوا كاتدرائيّة، ولا داراً فخمةً، ولكنّهم بأنفسهم امتلأوا بالرّوح القدس، والرّبّ نفسه سكن فيهم، وعمل بواسطتهم؛ فاجتمع كثيرون ليصلّوا لأجل الأسيرَين لاسم يسوع. وفي الغد اجتمعت لجنة الاستنطاق التابعة للمجمع الديني الأعلى و كان من  بين الحضور وجوه وزعماء مِن عشيرة رئيس الكهنة، وهم الّذين حكموا شخصيّاً على يسوع بالتجديف والموت، لأنّ ابن الله المقيّد في وسطهم قد قال لهم، إنّهم مِن الآن يبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوّة. إِنّ هذه القوّة الإلهيّة قد عملت مرّة أخرى في الرَّسولَين بجلاء فعلي. وبوقوف بطرس ويوحنّا أمام قيافا الماكر، وحنان المتسلّط، أعطى يسوع مضطهديه وقضاته مرّةً أخرى فرصةً للرُّجوع والتَّوبة على يد رسوليه. فكانت هذه الجلسة هامّة للغاية، ليس للرَّسولَين بل للقضاة، لعلّهم يتوبون ويؤمنون بالمسيح المُقام مِن بين الأموات، الرّبّ الحيّ المنتصر.

أمّا هؤلاء المهرة في إدارة جلسات المحاكمة فلم يتباطأوا بالأسئلة التَّمهيديّة، بل انتقلوا مباشرةً إلى لبّ المشكلة، وسألوا التلميذين مَنْ أرسلهما، وما نوع القوّة العاملة فيهما؟ ونظير هذه الأسئلة سألوا سابقاً يوحنّا المعمدان ويسوع نفسه، لأنّهم شعروا بسلطان الله، ورأوا العجائب، ولكنّهم لم يفهموا كلمات الرّوح القدس، ولم يدركوا قوّة كلمة الله، لأنّهم تقسّوا لصوت الرّبّ، واستسلموا إلى كبريائهم وشموخهم وتدقيقهم في الأحكام الناموسيّة (الشريعة)، فمِن أدهى المصائب أن يصغي الإنسان بأذنيه، دون أن يسمع، وأن يرى بعينيه المفتوحتين، دون أن يُبصر.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، افتح قلبي، واسكب روحك في عقلي، وأنر إرادتي، لأحبّ كلمتك، وأؤمن بإعلانك، وأنفّذ أوامرك، ولا أعارض جذب محبّتك. افتح أيضاً آذان النّاس في أمَّتنا، وأَنِر أَعيُنَ العالم، لِيُدركوا يسوعَ المخلّص، ويؤمنوا به، فينالوا الحياة الأبديّة.

4: 8 حِينَئِذٍ امْتَلأَ بُطْرُسُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَقَالَ لَهُمْ:يَا رُؤَسَاءَ الشَّعْبِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ، 9إِنْ كُنَّا نُفْحَصُ الْيَوْمَ عَنْ إِحْسَانٍ إِلَى إِنْسَانٍ سَقِيمٍ، بِمَاذَا شُفِيَ هذَا، 10فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هذَا أَمَامَكُمْ صَحِيحاً 11هذَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الّزَاوِيَةِ.

 قبل أسابيع قليلة مِن هذه الحادثة، أنكر بطرس يسوع ثلاث مرّات خوفاً على حياته ولعن نفسه إِنْ كان قد سمع هذا الاسم. أمّا الآن فامتلأ مِن الرّوح القدس، وتمّ فيه الوعد القائل: لا تهتمّوا بما تقولون إذا قادوكم لمجامعهم ومحاكمهم، لأنّ في تلك الساعة يملأ الرّوح القدس أفواهكم، ويضع الكلمات الصَّحيحة على ألسنتكم، فلستم أنتم الّذين تتكلّمون، بل الرّبّ نفسه، وليس أحد يستطيع أن يقاوم حكمته وقوّته العاملة فيكم.

فوقف الرسولان كشاهدي المسيح أمام زعماء الأمّة اليهوديّة ولم يتكلّما بسخرية، بل بكلّ تواضع مع المسؤولين أمام الله عن قيادة الشعب، وأكرماهم كشيوخ منحهم الله حكمة وصبراً وفضائل.

ورغم هذا قاد الرّوح القدس بطرس أوَّلاً ليقول لهم، إنّه لمِن المستغرب جداً أن يسجنوهما ويفحصوهما لأجل إحسان لمريض مزمن بشفائه، وقد اعتبر القبض عليهما وإبقاءهما في السجن طوال الليل ظلماً.

ولكنّ التلميذين لم يتأثّرا كثيرا بالظّلم الواقع عليهما، ولم يتكلّما كثيراً عن الشفاء والقوّة الصادرة مِن كلماتهما الخاصّة، بل تقدّم بطرس وانتقل مباشرةً إلى لبّ الشكوى، وأعلن جهاراً انتصار الله في يسوع المسيح. لم يتكلّم خائفاً أو بأساليب بليغة، بل كلّم الزعماء وكلّ الشعب باللّغة العاميّة، مدركاً أهمية السَّاعة، إِنَّ الرّبّ أهَّله ليدعو رؤساء أمته للإيمان بالمسيح. ولم يُبقِ بطرس مجالاً للشكّ فيمَن هو المسيح؛ فما هو برجلٍ ماضٍ ومُنتهٍ في السَّابق، ولا هو آتٍ في المستقبل البعيد؛ بل صرّح بكلّ وضوح أن المسيح هو يسوع، الشَّاب الناصري الّذي سلّمه رؤساء الأمّة للصلب. ولم يداهنهم بطرس بل سمّاهم قتلة، وأكثر مِن ذلك أعداء الله، لأنّهم صلبوا مسيح الرّبّ شخصيّاً. ما أروع هذه الصورة! فليس الصَّيادان هما المشتكى عليهما، بل هما اشتكيا على قتلة ابن الله علناً، وأوضحا لهم أنَّ الحكماء المحترمين قد أخطأوا هدف تاريخ العهد القديم خطأً شنيعاً، وكسروا العهد بين الله وشعبهم بقتل المسيح الموعود منذ ألوف السنين.

 فكان بطرس المدَّعي العام باسم الله، وألصق تهمة التَّعدّي ضِدّ الله بالحكّام، لقد برهن بطرس أنّ اليهود لم يخطئوا تُجاه يسوع فقط، بل ضدّ الله مباشرة، لأنّ القدّوس ليس معهم بل مع يسوع، وهو الّذي أقامه مِن بين الأموات. هكذا دان الصيادان رؤساء الكهنة وقدّسا المسيح، فطعنا بالتَّقوى الكاذبة والتخيلات بالوظائف والتعجرف في الأبّهة، ووضّحا أنّ الله لا يهتمُّ بمراكز العهد القديم، بل يتجاوزها، ويفوّض المؤمنين مِن الشعب البسيط الّذي تبع فتاه يسوع.

إنّه لسرّ كبير مستتر في اسم يسوع. جهنّم تخاف هذا اللقب كأشد سمّ! بينما السماوات تمتلئ بالحمد لهذا الاسم بلا انقطاع، والرّوح القدس يمجّد مخلّص العالم،     والله نفسه أجلسه عن يمينه، فالمسيح يملك معه في سلطان الرّوح القدس إلهاً واحداً إلى الأبد. واليوم يعمل عجائب أكثر ممَّا عمل في حياته لمّا كان على الأرض، لأنّه يعمل بواسطة آلاف مِن خدّامه، ويتجدّد ملايين مِن المؤمنين به بواسطة الرّوح القدس. فالمسيح الحيُّ هو عاملٌ ومخلِّصٌ ومنتصرٌ، ومَن يؤمن به يشترك في مقدرته. وفي مثل حجر الزَّاوية وضّح بطرس للرُّؤساء أنّ يسوع هو أساس وقوّة وتاج بناية فخمة ضخمة، هي هيكل الله الرّوحي المرتفع اليوم في كلّ بلدان العالم، لأنّ مَن يؤمن بالمسيح يبني في هيكله. والمسيح يشبه رأس الجسد الرّوحي الّذي يدير ويحرّك كلّ أعضائه العاملين. فجسد المسيح الرّوحي هو سرّ عصرنا، ونتيجة انتصاره على الصّليب. فهل أنت مبنيٌّ وثابتٌ في المسيح أَمْ أنت ترفضه كرؤساء اليهود الّذين لم يدركوا عظمة متانة محبّة الله في المسيح؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت المخلّص العامل اليوم بين الشّعوب، والمنجّي ألوف المؤمنين، والباني كنيسَتك بواسطة روحك القدّوس. ساعدنا لنكون مخلِصين لك، ولا نرفض جذب روحك، ليكتمل هيكلك الرّوحيّ، وأنت رأسه العتيد.

4:  12 وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاصُ لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ 13فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا الْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ 14وَلكِنْ إِذْ نَظَرُوا الإِنْسَانَ الَّذِي شُفِيَ وَاقِفاً مَعَهُمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ يُنَاقِضُونَ بِهِ 15فَأَمَرُوهُمَا أَنْ يَخْرُجَا إِلَى خَارِجِ الْمَجْمَعِ، وَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ 16قَائِلِينَ:مَاذَا نَفْعَلُ بِهذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؟ لأَنَّهُ ظَاهِرٌ لِجَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ أَنَّ آيَةً مَعْلُومَةً قَدْ جَرَتْ بِأَيْدِيهِمَا، وَلا نَقْدِرُ أَنْ نُنْكِرَ 17وَلكِنْ لِئَلاَّ تَشِيعَ أَكْثَرَ فِي الشَّعْبِ، لِنُهَدِّدْهُمَا تَهْدِيداً أَنْ لا يُكَلِّمَا أَحَداً مِنَ النَّاسِ فِيمَا بَعْدُ بِهذَا الاسْمِ 18فَدَعُوهُمَا وَأَوْصُوهُمَا أَنْ لا يَنْطِقَا الْبَتَّةَ، وَلا يُعَلِّمَا بِاسْمِ يَسُوعَ.

لقد شفى بطرس باسم المسيح المريض الأعرج، وعرف الرسول أنّ هذا الشفاء كان دليلاً على قصد يسوع خلاص الإنسان كُلّياً، ونقله إلى الحياة الأبديّة، لأنّ الرّبّ لا يساعد المؤمن جزئيّاً، بل يخلّصنا إلى التّمام جسداً وروحاً ونفساً. فمحبّة الله تفوق ثقتنا وعقولنا كثيراً. ولخَّص أكبر الرسل كلماته الدفاعيّة بالجملة الشهيرة، ليس بأحد غيره الخلاص. فصيّاد بحيرة طبريا البسيط شهد للاَّهوتيين المثقّفين والفقهاء المفتشين، أنّهم عُمي رغم معرفتهم التوراة، لأنّ الشهادات، والكتب السَّميكة، والتقوى التقليديّة، والمحافظة على السلطة المخيفة، كلّ ذلك لا ينفع شيئاً لنيل الخلاص. أمّا الإيمان بيسوع، والالتقاء بالمُقام الحيّ، وحلول الرّوح القدس في القلب، فهي الّتي تنشئ الخلاص حقّاً.

ما هو خلاصنا؟ ليس إلاّ النجاة مِن غضب الله بتقديسنا في دم المسيح. والخلاص هو الغلبة على الموت بواسطة دخولنا إلى الحياة الأبديّة. وخلاص المسيح يعني نيل القوّة الإلهيّة لعمل الصَّالح بدون سقوط إلى الخطيئة. إنّ الخلاص الحقّ أعلى وأعمق وأوسع وأقوى مِمَّا يعرف النّاس. ولا يجد الشيطان أيّ حقّ فيمَن آمن بيسوع. ومَن يرتبطْ بالمخلّص يَسِرْ معه في موكب انتصاره.

وقد كمَّل المسيح الخلاصَ لكلّ النّاس، لمَّا مات عوضاً عنا على الصّليب، البارّ عن الأثمة والأزلي عن الفانين! والرّبّ ستر خطايانا وبرّرنا حقّاً، عالماً أنْ لا أحد يستطيع تخليص نفسه. لهذا السبب أصبح ابن الله ابن الإنسان، ليصبح أبناء البشر أبناء الله. وهكذا فتح المسيح لنا حقّ التبني لله، فالقدّوس ليس الدَّيَّان المخيف ضدّنا، بل هو أبونا المحبّ، والمسيح اقتنى لنا بموته الرّوحَ القدسَ لتنسكب محبّة الله في قلوبنا.

كلّ النّاس مدعوون لقبول خلاص المسيح، ولا خلاص إلاّ به. فكلّ الأديان والفلسفات والأفكار الإنسانيّة والأعمال الصالحة لا تكفي لنيل الرضى الإلهي. في دم المسيح وحده نجاتنا، وبدونه نحن هالكون. فلهذا صار ضرورةً لنا وواجباً إلهيّاً، أن نقبل مصالحة المسيح وننضم إلى عهده، ومَن لا يقبل يسوع يرفض محبّة الله، وليس بِواجدٍ خلاصاً؛ فلا توجد طريق أخرى إلى الله إلاّ بيسوع.

هذه المعاني الشاملة ، قالها صيّاد البشر بطرس لمجمع رؤساء الكهنة واللاهوتيين والكتبة والفقهاء، ولم يكثر الكلام، بل لخّص البشارة في جملة واحدة. ولكنّ القضاة ابتسموا ساخرين مِنه، لأنّه تكلّم بالعاميّة وبجمل بسيطة غير رنّانة، والكلّ رأوا أنّه والشاب الّذي بجانبه غير مثقفين إلاّ أنّهم لم يستطيعوا إنكار أنّ قوّة الله تخرج مِن هذين الرجلين. وقدرة المسيح بدت في خطاب بطرس الدفاعي الّذي شهد فيه بأمر ربّه الحيّ لزعماء شعبه أنّهم قتلة، وعرض في الموقف عينه للمذنبين خلاص الله المجّاني، باسم يسوع.

لعلّ القضاة لم يهتمّوا بشكوى الرسول، ولا بتقديمه الخلاص لهم، ولم يريدوا أن يبالوا به. لكنّ اسم يسوع على لسانه كان مزعجاً لهم، لأنّهم أرادوا نسيانه وتجنّبه، لكيلا يسمعوه بتاتاً. ولم يهتمّوا بشفاء الشَّحَّاذ الغوغائي المستحقّ غضب الله، لأنّ الرجال المثقّفين المرائين كانوا بدون محبّة، وكانت كتبهم وتعاليمهم البليغة وشرفهم الكبير هي محور اهتمامهم.

أمّا جرأة الرسولين وتجاسرهما بدون خوف مِن العقاب، فقد أثّرا في الحضور؛ ووجود المريض المشفيّ إلى جانبهما، لم يتح للقضاة المجال للحكم على الرسولين بالتجديف والخداع. فتشاوروا سرّاً بعد إخراج المتهمَين مِن الغرفة.

ولم يجدوا أخيراً قراراً، إلاّ أن يمنعوهما مِن التكلّم عن يسوع، وقد أدركوا أنّ هذا الاسم كان سبب القوّة في أتباعه، وخطرا على الأمّة وتقاليدها، فمنعوا الرسولين مِن أن يتكلّما أو أن يعلّما أو أن ينطقا بهذا الاسم، لكيلا يستطيع اسم يسوع أن يعمل عجائب. وهذه هي خلاصة مقاصد الشيطان أن نصمت عن أعظم الأسماء، لكي لا تخلّص قوّة الله القلوب. فهل تصمت عن التكلّم باسم يسوع، أَمْ تشهد له؟ فإنّه ليس خلاص لأحد إلاّ به وأنت مسؤول أن تنطق بهذا الاسم لتخلّص أصدقاءك، لأنّه بدون شهادة لا خلاص.

الصّلاة: يا ربّنا يسوع الحنون، نشكرك لأنّك خلّصتنا نحن الفانين، وغفرت آثامنا، ونقلتنا إلى الحياة الأبديّة. موتك  هو حياتنا، وآلامك هي سبب أفراحنا. أعطنا الجرأة أن نشهد لاسمك بكلّ مجاهرة، ولا نهاب رؤساء أو علماء، بل نشهد لهم بخطاياهم وبخلاصك معاً.

4: 19 فَأَجَابَهُمْ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا: إِنْ كَانَ حَقّاً أَمَامَ اللّهِ أَنْ نَسْمَعَ لَكُمْ أَكْثَرَ مِنَ اللّهِ، فَاحْكُمُوا 20لأَنَّنَا نَحْنُ لا يُمْكِنُنَا أَنْ لا نَتَكَلَّمَ بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا 21وَبَعْدَمَا هَدَّدُوهُمَا أَيْضاً أَطْلَقُوهُمَا، إِذْ لَمْ يَجِدُوا الْبَتَّةَ كَيْفَ يُعَاقِبُونَهُمَا بِسَبَبِ الشَّعْبِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا يُمَجِّدُونَ اللّهَ عَلَى مَا جَرَى، 22لأَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي صَارَتْ فِيهِ آيَةُ الشِّفَاءِ هذِهِ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

حكم المجمع الأعلى على الرسولين والمشفي، بأن لا يتكلّموا باسم يسوع. ولكنّ جواب الشاهدين كان النفي وقالا: ينبغي أن نطيع الله أكثر مِن النّاس، ونقاوم كلّ شبه حقّ أو تقوى مرائية. فليست هذه المعارضة روحاً ثوريّاً، بل إطاعة للرّوح القدس، الّذي لا يقود المؤمنين إلى ثورة مسلَّحة، بل إلى الشهادة ليسوع بكلّ مجاهرة. وقال الرسولان معاً: لا نستطيع الامتناع عن التكلّم بما رأينا وسمعنا. فقلباهما كانا مفعمين بالاختبارات مع المسيح المقام مِن بين الأموات. ومما يمتلئ القلب يفيض الفم. فماذا تتكلّم طيلة النهار؟ وكم مرّة يجري اسم يسوع مِن شفتيك؟ هل يسكن روح الرّبّ فيك، أَم يتسلّط عليك روح المال والنّجاسة واللامبالاة؟ إِنَّ ما تتكلّم به تكونه أنت، وماذا تصمت عنه لا تكونه. فشهود يسوع القدّيسون لا يستطيعون ترك تعظيمهم لربّهم الحيّ، لأنّهم حصلوا على الرّوح القدس الّذي جعلهم شهوداً لشخص يسوع. هذه هي وظيفتهم وخدمتهم وسلطانهم. إنّ قوّة الله تكمن في الشَّهادة عن أعمال يسوع وأقواله. فتكلّم ولا تصمت. ولكن صلّ قبل أن تتكلّم، لكيلا تصبح صنجاً يرنّ أو طبلاً يقرع.

لم يجد زعماء الشعب وسيلةً شرعيّةً للقضاء على شاهدَي المسيح، ولكنّهم حذروهما، وأوجدوا بتهديدهما قانوناً يعطيهم الحقّ بعدئذ في أن يخنقوا حركة المسيح. وللعجب كانت أورشليم كلّها مفعمةً بحمد الله، ومتعجّبة من الشِّفاء الغريب، وأدرك سكّانها تَوّاً أنّ هذه المعجزة تعني أنّ العلي لم يترك المدينة بعد، بل حنا على المساكين، وأنّ قوّة خلاصه تجري بواسطة شهود مسيحه.

12الصّلاة المشتركة في الكنيسة

(4: 23 – 31)

12: 23 وَلَمَّا أُطْلِقَا أَتَيَا إِلَى رُفَقَائِهِمَا وَأَخْبَرَاهُمْ بِكُلِّ مَا قَالَهُ لَهُمَا رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ 24فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتاً إِلَى اللّهِ وَقَالُوا:أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ الإِلهُ الصَّانِعُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، 25الْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ: لِمَاذَا ارْتَجَّتِ الأُمَمُ وَتَفَكَّرَ الشُّعُوبُ بِالْبَاطِلِ؟ 26قَامَتْ مُلُوكُ الأَرْضِ، وَاجْتَمَعَ الرُّؤَسَاءُ مَعاً عَلَى الرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ 27لأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ اجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ، الَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاطُسُ الْبُنْطِيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، 28لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ 29وَالآنَ يَا رَبُّ، انْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ، وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، 30بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ 31وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامِ اللّهِ بِمُجَاهَرَةٍ.

انطلق الرسولان مِن السجن، ورجعا إلى العليّة، حيث كان بعض الإخوة يجتمعون للصّلاة المستمرّة، لأنّه ما دام أحدهم ملقيّاً في السجن، فإنّهم يستمرون بصلاة متسلسلة بالتناوب، لكي يمنحه الرّبّ سلطاناً وحكمة وجرأة وهدى وحماية. فلمّا رجع بطرس ويوحنّا وأخبراهم، كيف أعانهما الرّبّ، ليشهدا باسم يسوع وخلاصه أمام زعماء أمّتهم، عظم الفرح والشكر، وتألّموا معاً في الوقت نفسه لأجل منع التكلّم عن يسوع، لأنّ هذا الحكم استهدفهم جميعاً؛ فلقد تأمّلوا أن يتوب الزعماء، ولكن بَانَ لهم، أنّهم تقسّوا تدريجيّاً ضدّ يسوع. فقد صلّوا لأجل خلاص رؤساء الكهنة والشيوخ، ولكنّهم اختبروا رفضاً وتهديداً.

وبعدئذ حدثت أعجوبة أخرى بعد إطلاق الرسولين: لم تتناقش الكنيسة الطريقَ الأفضل للتخلّص مِن قرار منع التكلّم باسم يسوع المسيح، ولم يقترح أعضاؤها حلولاً وسطى، ولا التكلّم في الخفاء، ولا الانتظار لأوقات أكثر ملاءمة ، بل إِنَّ هؤلاء الرجال ركعوا للصّلاة، وأعرضوا عن النّاس والحقائق والسلطات، ملتجئين إلى الله القادر على كلّ شيء، الّذي صنع السماوات والأرض وكلّ نبات وحيوان، فالعليّ هو أبوهم كما هو أيضاً أبو رؤساء الكهنة أنفسهم، فكلّموا العليّ بكلّ أمورهم، وبسطوا أمامه تهديد المجمع الأعلى الّذي صلب يسوع سابقاً.

وأرشد الرّوح القدس عائلة الله هذه ليصلّي أفرادها معاً بصوت واحد، مردّدين بعض الآيات مِن المزمور الثاني، لأنّ هذه المزامير، الّّتي هي كتاب ترانيم اليهود، ملأت قلوبهم وأَصبحوا كلّهم أنبياء في روح النبوّة فرأَوا في حركات حكومتهم ومعاملة الدّولة الرومانيّة ثورة الطبيعة ضدّ الله ومسيحه. ليت لنا بصيرة نبويّة، لندرك مِن خلال التطوّرات السياسيّة والاقتصاديّة والدينيّة الحالة في أيامنا! كيف أنّ العالم يسرع إلى زمن تجمّع الشّعوب واتحادها في دولة عالميّة ضخمة يحكمها المسيح الكذّاب ضدّ الله ومسيحه.

وهذه الحركة المنقادة مِن روح الشيطان قد ابتدأت آنذاك في أورشليم، حيث اجتمع أعداء الله ليقتلوا يسوع؛ فتعاونت الأمّة اليهوديّة والسلطة الرومانيّة، رغم تباغضهما، لتبيدا مسيح الرّبّ. ولكنّ بيلاطس الروماني وهيرودس الملك وقيافا القاضي الماكر فشلوا فشلاً ذريعاً، وصار حكمهم باطلاً، لأنّ المسيح المصلوب لم يتفتت في القبر، بل قام وحوّل كلّ مقاصد البشر الشرّيرة إلى ظفر الله. فكلّ الأشياء تعمل معاً للخير للّذين يحبون الله. وتخطيطات العلي غير مدركة، ولكنّها مفعمة بالنّعمة والرحمة والحنان فإنّ على أعداء الله أن يخدموه، لأنّه لا شيء في دنيانا بدون إرادة أبينا السماوي. وهو لا يتركنا حتّى في أحضان الموت.

في هذا الإيمان، تشجّعت الجماعة المصلّية، عارضةً بين يدي الله تهديدات الحكّام. لم يتكلّموا عن ضيقهم طويلاً، بل فوضوا الله أمر منعهم مِن التكلّم بيسوع مِن قبل الظالمين. ونقيض ذلك المنع الجائر قاد الرّوح القدس المصلّين معاً، ليطلبوا مِن الرّبّ سلطاناً زائداً لخدمتهم الجوهريّة، وهي الشهادة ليسوع المسيح، ليؤيدهم الله بالحكمة والجرأة والقوّة للموعظة الحسنة، وليستطيعوا أن يرسموا أمام مستمعيهم يسوعَ الناصريَّ مخلّصاً للعالم. وهذه الشهادة الصافية هي كلمة الله بالذات. ومَن يشهد بيسوع المصلوب المقام، فإنّ الله يتكلّم بواسطة هذا الشاهد مباشرة، ويبارك شهادته.   والقدّوس يدعو كلّ النّاس إلى الصّليب، لينجّيهم ويطهّرهم ويكمّلهم. فهل أصبحت فماً لله أَم لا تزال خائفاً؟ هل تصلّي لأجل المجاهرة وموهبة التفويض، للتكلّم بإرشاد الرّوح القدس، خصوصاً في حالتك الحرجة؟

طلب المجتمعون للصّلاة أيضاً ثماراً لقوّة الله، لأنّهم لم يؤمنوا بمجرّد الكلام، بل اختبروا عمل كلمة الله الخالقة الخارجة مِن أفواههم. ولم يطلبوا هذه الآيات لإيمانهم الفعَّال كأفراد، بل إِنَّ الكنيسة بمجموعها التمست مِن يسوع شفاء وعجائب لتمجيد اسم المخلّص، لكي يتضح لكلّ متشكِّك وبطيء الإيمان أنّه لا طريق إلى السّماء إلاّ في يسوع، الّذي بيده مفاتيح الفردوس والهاوية.

وقد استمع الله لصلاة الإيمان الجريئة، وجاوب الصُّراخَ المُشترَكَ في تلك الصّلاة الوحيدة المذكورة عن الكنيسة الأولى، ومدّ يده المباركة على الاجتماع حتّى اهتزت الكراسي وتزعزع المكان، وامتلأ الكلّ مِن الرّوح القدس كما كان في يوم الخمسين. وحيث نصلّي في انسجام مع روح محبّة الله، طالبين إعلاناً جهريّاً لحقّه الحاضر في الإنجيل، يَستجيبُ الله صلاتَنا مُباشرةً وبالتَّأكيد، ويقوّي خدّامَ المسيح منشِئاً الجرأة فيهم، ومؤسِّساً إياهم على رجاء الإيمان، ومالئاً إيّاهم بقوّة المحبّة.

فماذا نتج مِن هذه الصّلاة الفريدة في نوعها؟ رغم منع الحكام التكلّم باسم يسوع، تكلم الكلّ بجرأة ومجاهرة عن هذا المخلّص، وبشّروا باسمه في بيوتهم وفي الأزقة والشوارع، وحتّى في دار الهيكل الواسع، لأنّ الرّبّ قوّاهم بروحه، وجهّزهم ليكونوا له شهوداً. فكّر مليّاً في معاني هذه الصّلاة المشتركة مِن الكنيسة الأولى، واشترك في نطقها، متضرّعاً إلى الرّبّ.

الصّلاة: أيّها الآب المجيد، أنت الخالق، والمخلّص، ومكمّل أيامنا. العالم يتجمّع ضدّك، انظر يا ربّ إلى تهديداتهم، وامنح عبيدك أن يتكلّموا بكلامك بكلّ مجاهرة. اصنع قوّات وآيات وعجائب، باسم ابنك القدّوس يسوع.آمين.

13الحياة المشتركة بين أعضاء الكنيسة

(4: 32 – 37)

4: 32 وَكَانَ لِجُمْهُورِ الَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً 33وَبِقُّوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، 34إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجاً، لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ 35وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ، فَكَانَ يُوّزَعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ احْتِيَاجٌ 36وَيُوسُفُ الَّذِي دُعِيَ مِنَ الرُّسُلِ بَرْنَابَا، الَّذِي يُتَرْجَمُ ابْنَ الْوَعْظِ، وَهُوَ لاوِيٌّ قُبْرُسِيُّ الْجِنْسِ، 37إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِالدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ.

وكما أعطانا البشير لوقا، بعد عظة بطرس في عيد الخمسين، نظرة مثاليّة عن الحياة المشتركة في الكنيسة الأولى، هكذا يعطينا الآن بعد شفاء الأعرج وشهادة الرسولين أمام رؤساء شعبهم، نظرة مبصرة لحياة الكنيسة الداخليّة؛ لأنّ الرسل لم يمتلئوا وَحْدَهُم بمحبّة المسيح، بل كلّ المؤمنين معاً تآلفوا في وحدة فعليّة ظاهرة في البنود العشرة التالية:

1 – إنّ سرّ قوّة الكنيسة الأولى كان محبّتها الحقّة، الّّتي لم تكن عواطف عابرة، بل مِن ثمار الرّوح القدس، فإيمانهم بالمسيح وحّدهم في هدف مشترك، وصلاتهم الجمهوريّة قرّبتهم أكثر فأكثر إلى ربّهم محور الكنيسة، فحصلوا بواسطتها على رأي واحد وشعور واحد، وكُلٌّ شعرَ بإحساس الآخر، وحملوا جميعاً الضيق والفرح معاً،   فكانوا كأنّما قلب أحدهم يدقّ في صدر الآخَر، ونفس أحدهم تتحّد مع نفس الآخر.كان لكلٍّ فرد شخصيَّته، ولكنَّ كُلاًّ منهم أنكر نفسه، وكسب بهذه الطريقة نفساً جديدة واحدة شاملة مشتركة، ألا وهي الكنيسة الجامعة.

2 – إنّ الأُخُوَّةَ في المسيحيّة لهي سرٌّ عظيمٌ! فهي لا تنتهي عند الممتلكات وصرف المال، بل تتحقّق عمليّاً في كلّ شيء، فلا ينتظر الواحد عون الآخر، بل كلّ واحد يسبق ويقدّم العون سريعاً لأخيه المحتاج فاعتبروا محبّةَ المال عاراً والعطاء مسرّةً. ولم يشتغل أحدهم لذاته، بل خدم الجميع بمواهبه وأمواله وممتلكاته. والرّبّ حرّر المؤمنين مِن البخل والحسد وحبّ المال والاتّكال على الملك. وقد أرشدنا البشير لوقا في إنجيله أكثر مِن غيره من البشيرين كيف حذّرنا يسوع مِن خطر محبّة المال؛ فشهد لوقا بفرح في هذا السِفر، أن محبّة المال قد غلبت على أنانيّة المالكين، وعلّمتهم أن يكون كلّ شيء مشتركاً مع إخوانهم.

3 – وانتظروا جميعاً مجيء المسيح القريب، وقدّسوا أنفسهم لاستقباله. وفي انتظار مجيئه شهد الرسل بقوّة وفرح عظيم، أنّ يسوع حيّ وحاضر ومنفّذ خلاصه. فإيمانهم بالمسيح الحيّ كان قوّتهم. وقد قاموا معه مِن الأموات في إيمانهم، وشهدوا بحياة الله الحالّ فيهم، فلم يقدّموا تعليماً فارغاً بل قوّة عظيمة عاملة.

4 – أمَّا الرَّبُّ فثبَّتَ شهادتهم وزاد نعمته يوميّاً على المعترفين باسمه، حتّى إِنَّ قوّته عملت في كلّ مواهبهم وصفاتهم بدون مانع، فروح التضحية والمحبّة ملأا الّذين انفتحوا له. وقد ذكر لوقا مرتين كلمة “عظيمة” في وصف القوّة والنّعمة الحالتين في جميع المؤمنين. ونادراً ما نقرأ هذه الكلمة في الإنجيل، إلاّ حيث الامتلاء والفيضان بمواهب الرّبّ. ومِن هُنا تدرك السِّرَّ في فعالية شهادة الرسل وانسجام الحياة الكنسيّة.

5 – وفي هذه الاشتراكيّة الرّوحيّة الطوعيّة، لم يبق محتاج أو مسكين أو فقير أو متضايق أو محتقَر أو مرفوض، بل الكلّ اختبروا مساعدة سريعة مسرورة، ترافقها الصلوات والقوّة مِن الله الحيّ، فَغُلِبَت الآلام والضيقات بقوّة الصّلاة في الكنيسة، واحتمل الجميعُ الخوفَ والاختلافات معاً بالشُّكر والتَّسابيح، فبواسطة الرّوح القدس حلّت الأذواق السماويّة على الأرض؛ علماً أنّ الرسل لم يؤسّسوا مؤسّسة خيريّة لألوف المحتاجين في أمّتهم، بل حدّدوا خدمتهم الخيريّة وقصروها على أعضاء كنيستهم، لأنّهم شعروا بأنفسهم كعائلة واحدة، ولم يسمحوا بقيام ضيق فيها.

6 – وأدرك هؤلاء الإخوة في المسيح أنّ وطنهم في السّماء، فلم يؤمنوا بالممتلكات على الأرض، بل سلّموها طوعاً لله، وما تمسّكوا بحقِّ الفرد في رأسماله، ولا بحقّ الشعب في أمواله وعقاراته، بل عرفوا أنّ الله الخالق هو مالك الكلّ. فالكنيسة لم يملك عليها المال، بل الرّوح القدس. وفي هذا المبدأ نجد عند المؤمنين مِن أصل يهودي أعظم تحرّر مِن الصنم “المال” حسب قول المسيح:”لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين، لأنّه إمّا أن يبغض الواحد ويحبّ الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمال”.

7 – لم تبذّر الكنيسة المال الموهوب لها، بل وضعوه في صندوق مشترك، واستودعوه بإشراف الرسل، لأنّهم قد تركوا لأجل يسوع كلّ شيء، وتبعوه في الفقر ثابتين. فكان أعضاء الكنيسة كلّهم متيقنين، أنّه ليس أحد مِن الرسل يستخدم شيئاً مِن المال لنفسه، كما أنّ الرّوح القدس لم يسمح بشعرة ظلم، بل أرشد الجميع سواسية إلى المجد.

8 – وتزايد عدد أعضاء الكنيسة، حتّى أصبح مِن الضَّروري، أن يجلس الرسل في مكان مرتفع، ليكلِّموا الحضور ويشاهد بعضهم بعضاً. وبعد التَّعليم والعظات كانت التبرّعات تُوضَعُ على الأرض عند أرجل الرسل، شكراً لهبة الله الموهوبة للجميع. فإلى أيِّ درجةٍ وصل شكرك لله.

9 – لم يكوّم الرسل أموالاً ضخمة لديهم لضمان مستقبل الكنيسة، بل كانوا يوزّعون التبرّعات مباشرةً، حتّى إننا نلاحظ هذه الحالة الغريبة، إنّ الصندوق كان فائضاً وخالياً في الوقت نفسه، كما قال بطرس: ليس لنا فضّة ولا ذهب هكذا أعطوا دائماً المحتاجين، عالمين أنّ الرّبّ وضع المال في أيديهم للعون المباشر لا للتكديس.

10 – ويخبرنا لوقا شيئاً خصوصيّاً عن برنابا، الّذي نجد اسمه عدّة مرّات في أعمال الرسل (9: 27 و11: 22-30 و13: 1-2 و14: 12-28 و15: 2) إنّه كان ابن التَّعزية، الّذي هو المعنى الأصلي لكلمة ابن الوعظ، لأنّه كان ممتلئاً بالرّوح القدس المعزي الإلهي. وهذه الموهبة مكَّنته مِن أن يرافق أناساً صِعاباً، ويمهّد لهم بصبر فائق الطريق لخدمة الرّبّ. وابن التعزية هذا أتى مِن جزيرة قبرص، مِن عائلة عبرانيّة متزمتة. وهو أو أبوه اشترى في أورشليم حقلاً بثمن غال، ليدفنا هناك، انتظاراً لمجيء المسيح الموعود، لملاقاته في أوّل لحظة، كما عمل بعض اليهود غير المسيحيين في تقواهم البالغة. وقد عرف برنابا المسيح الحقّ، وحمل روحه القدّوس في نفسه عربوناً للمجد الآتي، فتحرّر مِن التقاليد اليهوديّة، وباع حقله الثمين؛ فكان هذا البيع رفضاً لرواسب اليهوديّة، وشهادة لانتظار المسيح يسوع الآتي قريباً. ولم يحتفظ هذا الغريب في المدينة المقدّسة بجزء مِن ماله ضمانة لبقائه حيّاً أثناء تغرّبه، بل وضع المبلغ كلّه على الأرض أمام أرجل الرسل، صامتاً دون افتخار.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، محبّتك أوسع مِن السماوات، وحقّك يغيّر القلوب الأنانيّة. اقبل مالي وقوِّ فيّ الإيمان بمجيئك القريب، لأساعد حيثما أرى ضيقاً، ولا يبقى محتاج في كنيستنا.

14موت حنانيّا وسفيرة الكاذبين

(5: 1-11)

5: 1 وَرَجُلٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، وَامْرَأَتُهُ سَفِّيرَةُ، بَاعَ مُلْكاً 2وَاخْتَلَسَ مِنَ الثَّمَنِ، وَامْرَأَتُهُ لَهَا خَبَرُ ذلِكَ، وَأَتَى بِجُزْءٍ وَوَضَعَهُ عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ 3فَقَالَ بُطْرُسُ:يَا حَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ الْحَقْلِ؟ 4أَلَيْسَ وَهُوَ بَاقٍ كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَلَمَّا بِيعَ، أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟ فَمَا بَالُكَ وَضَعْتَ فِي قَلْبِكَ هذَا الأَمْرَ؟ أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّاسِ بَلْ عَلَى اللّهِ 5فَلَمَّا سَمِعَ حَنَانِيَّا هذَا الْكَلامَ وَقَعَ وَمَاتَ وَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ 6فَنَهَضَ الأَحْدَاثُ وَلَفُّوهُ وَحَمَلُوهُ خَارِجاً وَدَفَنُوهُ.

إنّ كلّ خطيئة تُرتكب لا تكون خطأ فحسب، بل جرماً تجاه الناموس (الشريعة) وكلّ إثم ليس سهواً فقط، بل هو تعدّ مباشر على جلال الله. فَمَن يقس تصرفاته الشخصيّة بسلوك النّاس، يحكم على نفسه بسطحيّة ويسامح نفسه بالقول: كلّنا ضعفاء. ولكن مَن يعرف الله ويعش في قوّة الرّوح القدس، يعلم أنّ كلّ خطيئة صغيرة كانت أم كبيرة إنّما تستوجب الموت المباشر. فقصّة حنانيّا وسفيرة هي في الواقع قصَّتنا، وهي ترينا كيف يكون لله الحقّ أن يبيدنا نحن المؤمنين.

ربّما تسأل: لماذا يصبر الله القدّوس علينا ولا يهلكنا مباشرة، مثلما فعل بحنانيا، الّذي أتى جهراً وتبرّع بجزء كبير مِن ممتلكاته؟ إننا لا نعرف أسرار دينونة الله، ولكن في العدد 2 نقرأ أنَّ الزَّوجَين لم يخطئا سهواً، بل حاولا عن سابق تصوّر وتصميم أن يغشّا الرسل. إنّهما لم يؤمنا أنّ القدير كان حاضراً في بطرس. فالقدّوس ساكنٌ في مؤمنيه وعالِمٌ بالقلوب.

ولعلّ الزوجين حاولا ضمان مصير عائلتهما بالمال، رغم أنّ اسم حنانيّا يعني “الله حنون”، فلم يتّكلا على الله وحده، بل جرّبا خدمة سيِّدَين، الأمر المستحيل، فأحبَّا المال أكثر مِن الخالق.

ولم يكن حنانيّا وامرأته مضطرّين ليضحيا بكلّ ممتلكاتهما للكنيسة، لأنّ التبرّع كان طوعاً، والبعض حفظوا جزءاً مِن أموالهم لأنفسهم، وقالوا ذلك جهراً بدون مواربة.  ولكن في حالة حنانيّا وسفيرة فإنّهما، بسبب الغيرة، أرادا التظّاهر بالتقّوى مثل أحسن عضو في الكنيسة؛ فأتى حنانيّا بوجه تقي للإجتماع، وتقدّم إلى منبر الرسل، وتبرّع بأمواله، كأنّه تحرّر نهائيّاً وكليّاً مِن المال، وكأنه يضحّي بذاته قرباناً كاملاً لله.  وبالحقيقة فإنّه كان قد أخفى جزءاً مِن المال لنفسه. ويسمّي يسوع تصرّفات مثل هذه “مراءاة”، أو غشّاً أبيض، أي أشنع خطيئة في الكنيسة، وتصدر مباشرة مِن الشيطان، أبي الكذّابين.

كلّنا منافقون، لأنّنا نعرف كثيراً مِن خطايانا الّّتي ارتكبناها، ونظهر كأنّنا أحسن أناس في الدنيا، وضمائرنا سجّلت بكلّ وضوح أكاذيبنا ونجاساتنا واختلاساتنا ونمائمنا وشهواتنا. ورغم هذا فإننا نريد أنّ عائلاتنا والمجتمع والكنيسة يقدروننا ويعتبروننا كاملين مستقيمين مقبولين.كلّنا نتحوّل كطواويس والواقع هو أنّنا قبورٌ ممتلئةٌ بسم زعاف. فهل أدركتَ نفسك في دينونة الله؟

وحنانيّا وامرأته سفيرة، الّّتي معنى اسمها “الجميلة” لم يفضلا المال على الله فحسب، بل إنّهما إذ رأيا ككلّ النّاس، أنّهما ابتعدا رويداً رويداً عن خطّ نعمة المسيح ملأ الشيطان قلبيهما مثلما فعل بيهوذا، فمَن يحب المال يفرّ تدريجيّاً إلى جبهة الشيطان.  وفي هذه الحالة صار كلاهما خطراً على الكنيسة، إذ أراد الشرّير إدخال مبادئه الرديئة مثل الحسد والبخل والكبرياء والكذب إلى ملكوت الله في الخفاء بينما كانت شركة القدّيسين قلباً واحداً ونفساً واحدة، وقد خضع الكلّ للكلّ، عاش الجميع مِن عناية أبيهم السماوي، وقدّموا أنفسهم لله ذبيحة حيّة ممتلئين مِن الرّوح القدس.

وبهذا السلطان العظيم، كان لجسد المسيح المناعة لرفض تجربة الشيطان. وأبصر بطرس مباشرةً بموهبة تمييز الأرواح أنّ حنانيّا أتى إليه بكذب، فمزّق عن وجهه قناعه، وسمّى غشّه كذباً على الرّوح القدس وكذباً على الله نفسه. لقد اختبر حنانيّا سابقاً صميم خلاص المسيح، ولكنّه سقط تدريجيّاً إلى الخطيئة ضدّ الرّوح القدس.

وهذا الرّوح الإلهي أثبت كلمات الرسول، وأمات مُجرِّب الله. فروح الحقّ لم يغفر في هذه الحالة الذنوب بواسطة كلمات الرسول، بل دان الخاطئَ غير التائب إِنَّ إلهنا ليس محبّةً فقط، بل هو قدّوسٌ أيضاً ويحبّ الغفران، ولكن مَن يقسّي نفسه لصوت الحقّ، ويغلق قلبه للمحبّة الإلهيّة، يصبح شيطاناً شرّيراً في ذاته، فلا يرحم.

كانت الكنيسة الأصليّة قريبةً لله، فدان الله في وسطها ارتباط المرتدّ بالشيطان مباشرة. ولم يتمّ بهذا الحكم إلاّ الوصيّة الأساسيّة أنّ أجرة الخطيئة هي الموت.

الصّلاة: يا ربّ لا تدنّي فأنا منافقٌ وأنت تعرف خطاياي واتّكالي على المال. اغفر لي كلّ أنواع الكذب، وحرّرني مِن كلّ أشكال المراءاة لكي أصبح صحيحاً مثلك، ولا يوجد في فمي غش. طهّر كنائسنا مِن الاستكبار والغرور. قدِّسْنا معاً في صبرك.

5: 7 ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ مُدَّةِ نَحْوِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ أَنَّ امْرَأَتَهُ دَخَلَتْ، وَلَيْسَ لَهَا خَبَرُ مَا جَرَى 8فَسَأَلَهَا بُطْرُسُ:قُولِي لِي، أَبِهذَا الْمِقْدَارِ بِعْتُمَا الْحَقْلَ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ بِهذَا الْمِقْدَارِ 9فَقَالَ لَهَا بُطْرُسُ:مَا بَالُكُمَا اتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ الَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى الْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجاً 10فَوَقَعَتْ فِي الْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ فَدَخَلَ الشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجاً وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا 11فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ الْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِذلِكَ.

تزعزعت الكنيسة مِن دينونة الله، فرأى كُلُّ واحدٍ في نور الرّبّ رواسب الخطيئة في حياته، وخاف بدوره أن يصيبه غضب الله، فتابوا توبة بالدموع، وانسحقوا أمام وجه الله، وتقدّسوا بخوف ورعدة. وقام الشباب ولفّوا الميت وحملوا بقلوب مرتجفة مِن وسطهم جثّة الّذي تبرّع قبل برهة وجيزة، ولكنّه سقط بكلمة الرّوح القدس مصاباً كأنّما بصاعقة. فلا بدّ أنّ حاملي الجثّة صلّوا، وسلّموا لله حياتهم ذبيحة حيّة كاملة، وأقلعوا نهائيّاً عن حب المال.

ولكن لم يتجاسر أحدٌ مِن الكنيسة أن يخبر زوجة الميت بأنّ الله قاصص غشّه بموت مباشر، فالرّوح القدس منعهم مِن هذا الإخبار، لأنّ الكلّ شعروا أنّ روح الرّبّ مارس دينونة شخصيّة. ولمّا جاءت سفيرة بعد ثلاث ساعات إلى الاجتماع لتتباهى متبخترةً في شكر الإخوة للتقدمة الكبيرة، تقدّم بطرس إليها وسألها مباشرةً أبهذا المقدار بعتما الحقل؟ لقد أراد الرسول أن يعطي المرأة فرصةً للتوبة والتأمّل بحق الله. ولكنّ المرأة قد أساءت إلى علاقتها الطبيعيّة بزوجها، إذ قصَّرت في نصحه ولم تحثّه على الحقّ والتواضع، بل اتّحدت به في قصده المخادع، ولعلّها شجّعته، ألاَّ يُضحِّي بالمال كلّه، بل يفكّر أيضاً بعائلته، فانسجمت مع بعلها في الكذب والكبرياء والمراءاة. وهنا مزّق بطرس قناع هذه المنافقة كما فعل بزوجها قبلها، وسألها متعجّباً عن الشرّ الناشب بحيلتها وسط الكنيسة: كيف يمكن أن تجرّبا روح الله؟! حقّاً إِنَّهُ في الزواج يجب أن تكون الطاعة لله قبل الاستسلام للزوج، فينبغي أن نطيع الله أكثر مِن النّاس، حتّى في عائلتنا وحيث يميل الزوج إلى خطيئة ما، يجب على زوجته أن تنذره وتوبّخه بكلمات، وتصلّي لأجله باستمرار، لكي يتحرّر مِن الذَّنْب والخبث والأنانيّة.

أمّا سفيرة فقد انفتحت مع زوجها لروح الشيطان، فقاوما جذب الرّوح القدس، وابتدأا بإدخال روح الكبرياء والكذب والمراءاة في حلقات الأَتقياء الأبرار، ليميتا المحبّة المتبادلة في الكنيسة، ويدوسا الحقّ بأرجلهما. لم يطلب الرسل مِنهما أن يأتيا بثمن مبيع الحقل كاملاً، ولكنّهما لأجل الافتخار أمام الجماعة قصدا كذباً مشتركاً.

فأصابت لعنة الله امرأة الخدّاع أيضاً، وسقطت مماتة مِن ربّ الحياة، على الأرض قدام أرجل الرسل، رمزاً للذبيحة الكاملة الّّتي لم يقدّماها إلى أرجل الرسل طوعاً. فكان سقوطها عظيماً وابتدأت كلُّ امرأةٍ في الكنيسة تفكّر مِن جديد بمعنى مسؤوليتها الرّوحيّة تُجاه زوجها في البيت. إنّ المرأة تستطيع أن تجذب بعلها إلى السّماء أو أن تلقيه إلى جهنّم. فالمتواضعات والمجتهدات والمتّكلات على الله يغلبن بصلواتهنّ تجارب رجالهنّ. ولكن مَن أرادت مِنهنّ أن ترفع زوجها إلى مستوى الوجوه والدخول إلى أسماء العائلات البرّاقة وتطمع بالمال، فإنّها تسقط حتماً إلى أيدي الشيطان المفتوحة مع زوجها وأولادها.

والارتجاف في قلوب الشباب ازداد، لمّا حملوا امرأة المحتال ودفنوها بجانبه في وادي قدرون، وكان درساً مِن الله للجماعة، إنّ زوجين مِن عائلة واحدة، أب وأم، في يوم واحد، وفي كنيسة واحدة، ماتا. فكانت ضربة مرعبة لهؤلاء المؤمنين المدرّبين على احتمال بعضهم بعضاً في الرّوح القدس، وسألوا أنفسهم: هل قصّرنا في الملاحظة والنصح للإخوة؟

وهل نحن أحسن في نيّات قلوبنا؟ لقد صار حنانيّا وسفيرة مثلاً منذراً لكلّ المسيحيين في كلّ زمان معلّماً إيّانا، أنّ إلهنا إلهٌ غيور ونارٌ آكلة.

الصّلاة: أيّها الله القدّوس، أنت العليم، وتعرف ماضينا ومستقبلنا. خلّصنا مِن أنفسنا ولا تدخلنا في تجربة. حرّرني مِن اتكالي على المال ومِن شموخي وكذبي، وقدّسني بدم ابنك تماما.ً اخلق في كنائسنا عائلات مستقيمة، حيث يقول الزوجان الحقّ أَحدُهُما للآخَر، آمين.

15النهضة الانتعاشيّة والشّفاءات الكثيرة

(5: 12 – 16)

5: 12 وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ 13وَأَمَّا الآخَرُونَ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجْسُرُ أَنْ يَلْتَصِقَ بِهِمْ، لكِنْ كَانَ الشَّعْبُ يُعَظِّمُهُمْ 14وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، 15حتّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى خَارِجاً فِي الشَّوَارِعِ وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حتّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ 16وَاجْتَمَعَ جُمْهُورُ الْمُدُنِ الْمُحِيطَةِ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَامِلِينَ مَرْضَى وَمُعَذَّبِينَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ، وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ.

ما كان القدّيسون في شركتهم أنانيين عائشين لأنفسهم، متبخّرين بعضهم مِن بعض برياء المديح. كلاّ، بَل كانوا مفعمين بالرّحمة، وتألمّوا لضيقات أمّتهم طالبين تدخّل يد الله؛ فلم يبشّروا فقط، بل شفوا أيضاً؛ ولم يخدموا الله بافواههم فقط، بل بأيديهم وعضلاتهم أيضاً.

وللعجب أنّهم لم ينطلقوا بقدرتهم الشخصيّة، ولم ينظّموا مؤسّسة خيريّة، وما جمعوا أموالاً للمساكين. كلاّ إنّهم قد أعطوا مِن قوّة الله الموهوبة لهم، فأصبحت خدمتهم آية مشيرة إلى تمجيد يسوع، وحصلت آيات كثيرة وعجائب عديدة، عملها يسوع بواسطتهم. وهذه كلّها كانت استجابة لصلواتهم المذكورة في الأصحاح 4: 24-30 فمدّ الله يده، وانتصر برسله على الأمراض والشياطين والضيقات. فكان ملكوته مقبلاً على نحوٍ ظاهرٍ وملموس.

لم يَبْنِ المؤمنون كنيسة مصنوعة مِن حجارة، ولم يكونوا بحاجة إلى بيت مقدّس لله، لأنّ قلوبهم كانت المكان الّذي سكنه الله. فاجتمعوا في بيوتهم حلقات صغيرة، أو التقوا سويّاً في دور الهيكل الواسع، حيث علّم يسوع الشعب سابقاً. وهناك رتَّلوا وتكلّموا وصلّوا معاً، وأصبحت جماعتهم معروفة لدى الشعب كلّه ومحبوبة ومكرّمة، لأنّه لم يشتك أحد منهم على الآخر، بل عرفوا بعضهم بعضاً بالرّوح القدس، واشتاقوا لتلاقيهم دائماً.

وللعجب لم تتراكض إِليهم ألوف مِن النّاس لعلمهم أنّه يوجد في حوزة الرسل صندوق مليء بالمال للتوزيع على الأعضاء المحتاجين، ولم يأتوا إليهم لاختبارهم قوّة الله الجارية مِن خدّامه مجّاناً. كلاّ بل بقيت الجماهير مراقبة على الحياد وفي قلوبها رهبة، لأنّهم شعروا أنّ في هؤلاء المؤمنين يسكن الله، ومَن لم يكن مستعداً ليموت لأنانيته حالاً، بقي بعيداً عن شركة القدّيسين ما عدا جماعات الرّجال والنساء، الّذين آمنوا واهتدوا وأتوا بعزم وثبات إلى كنيسة المسيح، فتجدّدوا ولبسوا قوّة واطمئناناً في الرّبّ.

جرت العادة عند العبرانيين أن  يحسبوا الرِّجال فقط دون النساء. ولكنّ البشير لوقا يؤكّد بأهميّة أنّ جماهير مِن النساء قد تبعن رسل المسيح، واختبرن قوّة الرّوح القدس وخلاصه. فإيمانهنَّ لم يكن تصديقاً متفلسفاً، بل اشتراكاً في خلاص الله وقوّته الحالة فيهنّ.

وازداد جريان قوّة الرّوح القدس في تلك الأيام، حتّى حدثت عجائب، كما في أيام يسوع (مرقس 6: 56) الّذي في زمنه كان المرضى يوضعون على الطريق، لكي يلمسوا ثوبه إذا مرّ في القرى والمدن، فيشفون لإيمانهم بيسوع. ونظير ذلك حدث في زمن بطرس الذي صار ظِلُّه ممتلئاً قوّة، لأنّ الرّوح القدس فاض مِنه. فإنّ محبّة المسيح هي جوّ روحيّ ملموس تُشفى فيه نفس الإنسان.

لم تبق حركة هذه النهضة مجهولة في القرى والمدن اليهوديّة، بل أتى أناس مِن الجوار بمرضاهم وملبوسيهم بالأرواح الشرّيرة، ليشفيهم الرسل. هكذا تحقّق الجزء الثاني مِن أمر المسيح لتبشير العالم، لأنّه كان على الرسل أن يبتدئوا في أورشليم، وبعدئذ ينشرون الإنجيل في اليهوديّة. وقد شفى الرسل بسلطان المسيح جميع المرضى. وهذه الكلمة (جميعهم) لم تصدر مِن أخبار قسيس أو كاهن أو أسقف، بل كتبها طبيب خبير، الّذي علم بدقّة القوى والأمراض المفسدة، والأرواح المجنّنة، الّّتي تعمل في النّاس. ولكنَّ قوّة المُقام مِن بين الأموات، تغلّبت بواسطة الكنيسة الحيّة على كلّ خراب إبليس في العالم. وهكذا رافق التلاميذ ربّهم في موكب انتصاره. وحتّى اليوم يحرّر المسيح كثيرين مِن قيود الخطيئة، وأربطة الشياطين والأمراض المؤلمة، شرط أن يلتصق المؤمنون بشركة المحبّة، ويصلّوا معاً كهيكل الله، ويخضعوا لإرشاد الرّوح القدس بالمحبّة والحقّ. فهل تحقّقت كنيسة المسيح عندكم؟ ادرس سِفر أعمال الرسل وأخباره بالتفصيل، لأنّ يسوع المسيح، هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد.

الصّلاة: باركي يا نفسي الرّبّ، وكلّ ما في باطني ليبارك اسمه القدّوس. باركي يا نفسي الرّبّ، ولا تنسي كلّ حسناته، الّذي يغفر جميع ذنوبك، الّذي يشفي كلّ أمراضك، الّذي يفدي مِن الحفرة حياتك، الّذي يكلّلك بالرحمة والرأفة، الّذي يُشبع بالخير عمرك، فيتجدّد مثل النسر شبابك.آمين.

16إلقاء الرسل إلى السجن وتحريرهم بملاك

(5: 17-25)

5: 17 فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَجَمِيعُ الَّذِينَ مَعَهُ، الَّذِينَ هُمْ شِيعَةُ الصَّدُّوقِيِّينَ، وَامْتَلأُوا غَيْرَةً 18فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَى الرُّسُلِ وَوَضَعُوهُمْ فِي حَبْسِ الْعَامَّةِ 19وَلكِنَّ مَلاكَ الرَّبِّ فِي اللَّيْلِ فَتَحَ أَبْوَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهُمْ وَقَالَ: 20اذْهَبُوا قِفُوا وَكَلِّمُوا الشَّعْبَ فِي الْهَيْكَلِ بِجَمِيعِ كَلامِ هذِهِ الْحَيَاةِ 21فَلَمَّا سَمِعُوا دَخَلُوا الْهَيْكَلَ نَحْوَ الصُّبْحِ وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ ثُمَّ جَاءَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، وَدَعَوُا الْمَجْمَعَ وَكُلَّ مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الْحَبْسِ لِيُؤْتَى بِهِمْ 22وَلكِنَّ الْخُدَّامَ لَمَّا جَاءُوا لَمْ يَجِدُوهُمْ فِي السِّجْنِ، فَرَجَعُوا وَأَخْبَرُوا 23قَائِلِين: إِنَّنَا وَجَدْنَا الْحَبْسَ مُغْلَقاً بِكُلِّ حِرْصٍ، وَالْحُرَّاسَ وَاقِفِينَ خَارِجاً أَمَامَ الأَبْوَابِ، وَلكِنْ لَمَّا فَتَحْنَا لَمْ نَجِدْ فِي الدَّاخِلِ أَحَداً 24فَلَمَّا سَمِعَ الْكَاهِنُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ هذِهِ الأَقْوَالَ، ارْتَابُوا مِنْ جِهَتِهِمْ: مَا عَسَى أَنْ يَصِيرَ هذَا؟ 25ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ وَأَخْبَرَهُمْ قَائِلاً:هُوَذَا الرِّجَالُ الَّذِينَ وَضَعْتُمُوهُمْ فِي السِّجْنِ هُمْ فِي الْهَيْكَلِ وَاقِفِينَ يُعَلِّمُونَ الشَّعْبَ“.

حيثما يبني الرّبّ كنيسته، فإنّ الشيطان ينشئ بجانبها معبداً لأرواحه، وحيث يتجدّد النّاس باسم يسوع، تطفو بغضة جهنّم. وهذا طبيعي. فلا تتعجّب إذا هاجم معارضون بعنف خدمتكم التبشيريّة المشتركة، لأنّ يسوع نفسه مات على الصّليب، مأخوذاً مِن وسط عمله الخلاصي.

ولمّا رأى رؤساء الكهنة أنّ الرسل لا يبالون بمنعهم مِن التكلّم عن اسم يسوع، وأن أفواجاً مِن النّاس دخلوا هذا المذهب، داعين بانتصار المُقام مِن بين الأموات، وقوّته عملت ألف برهان للمصالحة الكاملة مع الله، عند ذلك انتهى صبر رئيس الكهنة نهائيّاً، وربّما خاف على وحدة الأمّة ظاناً أنّه،كراع للشعب، عليه واجب مقدس أن يبيد هذه البدعة الجديدة. وهبّ معه كلّ التقليدين الجامدين والمتحرّرين فكريّاً، وتخيلوا أنّهم بإزالة المسيحيّة مِن الوجود إنّما يخدمون الله، وخاصّةً الصدّوقيون المنكرون لإمكانية قيامة الأموات الّذين أبغضوا أتباع يسوع لأجل شهادتهم الفعّالة عن غالب الموت.

وشعر الرسل والكنيسة بتلك الكراهيّة المتزايدة، ولكنهم لم يهربوا ولم يختفوا، بل اجتمعوا في ساحة الهيكل أمام أعين الجميع، لأنّ المسيحيّة ليست للاستخفاء بل للظهور في وضح النهار. وفي يوم معلوم، ألقى الزعماء القبض على الرسل الاثني عشر جميعاً ووضعوهم في السِّجن، عملاً بالمبدأ القائل: اقطع رأس الحيّة ولا يهمّك بعدئذ التواؤها واضطراب جسدها.

أمّا المسيح ففكّر بعكس هذا القول، هو لأنّه رأس جسد الكنيسة، وليس الرسل أو الأساقفة أو الرعاة. فأرسل ملاكه ليلاً وفتح أبواب السجن بلا صوت ووقف فجأة أمام الرسل المتحيّرين، الّذين قد صلّوا استعداداً لجلسة المحاكمة. وللعجب فالملاك لم يقصد تخليص الرسل مِن المحكمة، ولم يحضر لهم سريراً ولا فراشاً مريحاً، ولم يأمرهم بالهرب، بل أوصاهم بالذّهاب إلى ساحة الهيكل، لكي يعلّموا جهراً ما عمله المسيح وقاله، لأنّ مِن كلمات الإنجيل هذه تحلّ الحياة الأبديّة في قلوب المستمعين، وأمرهم الملاك بأن ينقلوا، رغم المعارضة والتهديد، كلّ كلمة حياة الله إلى آذان الشعب. انتبه (كلّ كلمة) بدون نقص أو تقصير خوفاً مِن الأعداء؛ وهذا أمر الله لك ولكلّ مؤمن: كلّم شعبك بكلّ كلمات الحياة هذه. فكلماتك وتخيّلاتك ليست مهمّةً البتّة. إنّها مفعمة بالموت. أمّا الشهادة عن حياة المسيح فتولد وتخلف حياة أبديّة في المؤمنين. عندئذ قام الرسل الاثنا عشر، وتقدّموا، وتركوا سجنهم، وعبروا وسط الحرّاس، وذهبوا إلى ساحة الهيكل قبل شروق الشّمس، وابتدأوا يعلّمون الحجّاج والزوّار، الّذين أقبلوا باكراً وانتظروا بارتباك وحيرة ما يقصده الرّبّ بهم، لأنّهم شعروا أنه وشيكاً سيقبل عليهم شيء هائل، لأنّ الرّبّ الحيّ قد تدخل في مسيرة تلك الأحداث بواسطة ملاكه البرّاق.

وفي صحوة ذلك النّهار، اجتمع المجمع الديني الأعلى كلّه، المكون مِن رؤساء الكهنة والشيوخ المحترمين والفقهاء الماكرين، وهم سبعون عضواً. وفوق ذلك استدعى رئيس الكهنة وجوه الشعب، لأنّ قصده كان إبادة هذه البدعة اليسوعيّة الناصريّة نهائيّاً. ولمّا حضر كلّ الرجال وجلسوا جلوسهم الكريم، أرسل رئيس المجمع إلى السجن، يطلب إحضارالموقوفين. ولكن ما أروع خوف الحرّاس ودهشتهم! لأنّه رغم الأبواب المغلقة والأقفال السليمة، اختفى المسجونون ولم يجدوا لهم أثراً. ولمّا جاء المجمع الخبر، عمّتهم الحيرة، لأنّ الكلّ كانوا عارفين عن العجائب الّّتي صنعها الرسل، حتّى إِنَّ ظلّ الرسول بطرس وكان يُبرىء المرضى.

وكان هذا الخبر صدمةً عنيفةً للمفكّرين الواعين، وعاراً على الداعي إلى هذه المحاكمة. فزعزع الله هؤلاء القضاة مسبقاً، ليريهم جليّاً، أنّهم يوشكون أن يحكموا على مؤمنين أبرياء، هم أبناء الأمّة المخلّصون. فحمَت يدُ المسيح رسله الّذين بشَّروا شعبهم بكلمة الحياة الكاملة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ سيّدنا، أنت القدُّوس وحياتك موضوعة في إنجيلك، فساعدنا لنوضح بجرأة وتواضع، بحكمة ومحبّة، اسمك لكلّ الجياع إلى البرّ ليشبعوا.

17جميع الرسل أمام المجمع الأعلى

(5: 26 – 33)

5: 26 حِينَئِذٍ مَضَى قَائِدُ الْجُنْدِ مَعَ الْخُدَّامِ، فَأَحْضَرَهُمْ لا بِعُنْفٍ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ الشَّعْبَ لِئَلاَّ يُرْجَمُوا 27فَلَمَّا أَحْضَرُوهُمْ أَوْقَفُوهُمْ فِي الْمَجْمَعِ فَسَأَلَهُمْ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ: 28أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لا تُعَلِّمُوا بِهذَا الاسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هذَا الإِنْسَانِ 29فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ:يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللّهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ 30إِلهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ 31هذَا رَفَّعَهُ اللّهُ بِيَمِينِهِ رَئِيساً وَمُخَلِّصاً، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ الْخَطَايَا 32وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضاً، الَّذِي أَعْطَاهُ اللّهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ“.

إِنَّ اللهُ يُحبّ أعداءه، ويرحمُ الأشرارَ أكثر ممّا يتصوّر عقلنا. فقد انقلبت الجلسة إلى دعوة للتوبة أطلقها اثنا عشر صوتاً رسوليّاً، ليرجع كلّ زعماء إسرائيل إلى ربّهم لأنّ الحضور ما كانوا فقط لجنة الاستنطاق، بل المجمع كلّه.

لقد مضى رئيس جند الهيكل، وطلب مِن سفراء المسيح بلباقة، أن يذهبوا معه لمقابلة المجمع؛ فأتوا معه ليس كمجرمين مقيّدين، بل أحراراً محترمين ولم يتجرّأ رئيس الجند أن يقبض عليهم لكيلا يثور الشعب مؤازراً رسل الله، وراجماً الحرّاس. وهكذا تبع الرسل رجال الأمن طوعاً. وفي دار رئيس الكهنة اجتمع السبعون عضواً. كان هذا الرئيس متأفّفاً ضجراً، ممتلئاً قلبه بالبغضاء والحقد والتهديد؛ واغتاظ أكثر لأنّ هؤلاء المشاغبين سبّبوا له خجلاً، أمام ممثلي الشعب، بخروجهم الغريب مِن السجن؛         فانتهرهم أول ما جاءوا بخشونة، سائلاً إِيّاهم: لماذا استمررتم بذكر اسم يسوع، رغم أنّنا منعناكم مِن التفوّه به؟ ورغم التحذير الشَّديد ملأتم مدينة أورشليم كلّها بحكاياتكم التافهة، وما قصدكم إلاّ إهانتنا وتحقيرنا أمام الشعب، وإبرازنا قضاة ظلم، كأنّ يسوع بارٌّ ونحن مجرمون. وهذا الشَّاب مِن الناصرة لم يكن إلاّ إنساناً مُضِلاً مجدّفاً، وقد مات وألقي في حفرة، واسترحنا مِنه. لكنّكم استهزأتم بالمجمع الأعلى،    وأهنتمونا، وتعديتم علينا بأكاذيب وخرافات واحتيال.

عندئذ قام بطرس وجميع الرسل معاً، وتكلّموا بكلّ مجاهرة بالأفكار نفسها، منسجمين بإرشاد الرّوح القدس كأنّهم يقولون: إِنَّنا لا نتّبع تخيّلات، وليست فينا نيّة سيئة، إلاّ أنّنا حصلنا على إعلان الله، فنطيع الرّبّ بشهادتنا؛ ومستحيل أن نطيعكم، لأنّ الله أكبر مِنكم. وهو ربّنا، ويلٌ لنا إِن صمتنا عن حقائقه، لأنّ ألسنتنا عندئذٍ ستحترق. إنّنا نتكلّم على أساس إعلان الله المباشر لنا.

ولربّما سألهم الشيوخ بعدئذ: ما هو مضمون إعلان الله لكم؟ فجاوب أحد الرسل: ليس لنا إعلان، إلاّ حقيقة قيامة يسوع مِن الأموات. فهو لم يظهر لنا كروح أو شبح، بل قد أقامه اللهُ جسديّاً، لأنّ يسوع كان مع الله في كلّ حين والله كان معه.

وهنا صاح أحد القضاة : أهكذا تقولون، إنّنا أعداء الله؟ فجاوب بطرس بشدّة ويقين: ليس غيركم مَن حكم على يسوع البارّ. وأنتم الّذين أجبرتم الوالي بيلاطس على صلبه. أَجَلْ! أنتم قتلة وأعداء الله، ويسوع هو قدّوس، وقد علَّقتموه على خشبة اللعنة بأيدي نجسين. ورغم صرير الأسنان في صفوف القضاة، أكمل أحد الرسل الحديث قائلاً: أمّا الله فلم يقم يسوع مِن الموت فقط، بل رفعه أيضاً إليه جاعلاً إياه رأس الكنيسة، والمخلّص لكلّ العالم. فيسوع هو الرّبّ بنفسه، حامل صفات الله في ذاته، وهو المسيح المنتظر مِنكم، عائشاً عن يمين الله، كما قال في وجوهكم آنذاك: مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوّة، وآتيّاً في سحاب السّماء.

فقفز بعض الحضور إذ ذاك، ولكنّهم ظلّوا ضابطين أنفسهم، مرتجفين مِن الغيظ ومنتظرين بقيّة المدافعة مِن الرسل؛ وتمتم أحدهم: لم يبق لكم إلاّ أن تدعونا لنسجد لربكم. فقال أحد التلاميذ: حقّاً إِنَّ يسوع لا يرفضكم، بل يدعوكم إلى التوبة، وينتظر رجوع شعب إسرائيل كلّه، لأنّه هو المحبّة، ولا يزال مستعداً أن يغفر لكم خطاياكم تماماً. تعالوا إليه، لأنّ رحمته أعظم مِن بغضتكم، والله يغفر لكم إن تبتم حقّاً.

ولعل أحد المحايدين مِن الحضور سأل الصيادين بتعجّب: مِن أين لكم هذه الجرأة والوقاحة لتدينوا قضاتكم بالذنب، وتقدّموا الغفران في الوقت نفسه لهم. مَن أنتم وماذا تظنون أنفسكم.. آلهة؟

عندئذٍ أرشد الرّوحُ القدس التَّلاميذ، حتّى لا يقعوا في فخ تجربة الاستكبار أو التجديف، فقالوا: لسنا إلاّ شهوداً لحقيقة قيامة يسوع وصعوده إلى السّماء. والرّوح القدس حلّ فينا عمليّاً، لأنّنا مؤمنون بالمسيح المرتفع، وهذا الرّوح يثبت لنا أنّ معرفتنا حقٌّ، فنعيش بانسجام مع الله.

فضحك أحد الشُّيوخ قائلاً: ماذا تفهمون أنتم الجهلاءَ الأمِّيِّينَ مِن الرّوح القدس؟ وجابهه مباشرة الجواب الواضح: إنَّ الله يعطي روحه فقط لِمَن يطيع كلمته ويقبل إعلان المسيح، ولكن الّذي لا يؤمن يهلك، لأنّه يعاند الرّوح القدس في شهادته. وكلّ الخطايا تغفر للإنسان، أَمَّا الخطيئة ضدّ الرّوح القدس فلن تُغفَر.

كان لكلّ واحدةٍ مِن هذه الجمل، الّّتي قالها الرُّسل، وُقْعُ سهام الحقّ الإلهي في قلوب الحضور السبعين فانتفض معظم هؤلاء الوجوه الّذين جرحوا بكرامتهم واغتاظوا لإهانتهم، لإبادة الّذين اعتبروهم مجدّفين غوغاء متبجّحين، فتكاثف الجو ظلاماً، واستعدّت جهنّم للهجوم قهقهةً، على زعماء كنيسة المسيح لإفنائهم رجماً.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت حيّ. نسجد لك، ونسبّحك لأجل القوّة والجرأة الموهوبة لرسلك في ذلك الموقف الحاسم. لم ينكروك بل شهدوا لحقيقتك . فساعدني في ساعة التجربة أن أثبت أميناً لك حتّى الموت، آمين.

18نصيحة غمالائيل وجَلْد الرسل

(5: 34 – 42)

5: 34 فَقَامَ فِي الْمَجْمَعِ رَجُلٌ فَرِّيسِيٌّ اسْمُهُ غَمَالائِيلُ، مُعَلِّمٌ لِلنَّامُوسِ (للشريعة)، مُكَرَّمٌ عِنْدَ جَمِيعِ الشَّعْبِ، وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ الرُّسُلُ قَلِيلاً 35ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هؤُلاءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا 36لأَنَّهُ قَبْلَ هذِهِ الأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلاً عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ، الَّذِي الْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ، الَّذِي قُتِلَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لا شَيْءَ 37بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ الاكْتِتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْباً غَفِيراً فَذَاكَ أَيْضاً هَلَكَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا 38وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلاءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هذَا الرَّأْيُ أَوْ هذَا الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ، 39وَإِنْ كَانَ مِنَ اللّهِ فَلا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلاَّ تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ لِلّهِ أَيْضاً 40فَانْقَادُوا إِلَيْهِ وَدَعُوا الرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصُوهُمْ أَنْ لا يَتَكَلَّمُوا بِاسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ 41وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ 42وَكَانُوا لا يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ.

آمن الفريسيون بوجود الملائكة، وقيامة الأموات، وإمكانيّة رؤية الله في دنيانا. فلمّا سمعوا أن الرُّسل تحرّروا مِن السجن المغلق فزعوا، لأنّهم لم ينكروا إمكانيّة إقامة يسوع وتدخّله في المجتمع.

فقام زعيم الفريسيين غمالائيل، المعلّم العَلاَّمَة الفقيه الواسع الاطِّلاع، الّذي صار بعدئذ معلِّماً لبولس أيضاً وَتكلَّم مُهدِّئاً المجمع الأعلى الهائج غضباً، وما كان غمالائيل متأكّداً هل يد الله عاملة مع الرسل؟ وهل هؤلاء الرجال مُرسَلون مِن العلي حقاً؟ لأنّ هذا المعلّم الفقيه تفرّس فيهم، فلم ير شراسة ولا وقاحة، بل رجولة ومحبّة واستقامة ولم يظهروا كأصحاب بدع أو أشرار. فنصح بحكمته زملاءه في المجمع الأعلى أن يتريّثوا فلا يحكموا عليهم بالموت قتلاً، لأنه لم يشأ أن يسفك دم بريء مرّة أخرى، لكيلا يقف المجمع عن جهل ضدّ إرادة الله.

إنّ غمالائيل لم يؤمن بيسوع المسيح، ولم يقرّر قبول دعوة الرسل. ولكنّ الرّبّ الحيّ استخدم معلّم النَّاموس (الشَّريعة) المتواضع ليحفظ في هذه السَّاعة الحاسمة رسله ويبقيهم شهوداً لقيامته.

وللعجب، إِنَّ هذا العالِم العلاّمة لم يستخدم التوراة للاستشهاد بها وتقوية حجّته، بل أرشد الحضور إلى حقائق اختباريّة. فالزُّعماء السِّياسيون أو مؤسِّسو البدع يسخّرون أتباعهم، ولكن إن لم تكن القوّة فيهم مِن الله فإِنَّ أتباعهم يتبدَّدون بعد موت الزعماء. فالله وحده يعطي في ملكوته البداية والاستمرار والنهاية، كما أن المسيح هو رئيس الإيمان ومكمله. وحكم غمالائيل يمكّننا اليوم أن نستدلّ على ألوهيّة يسوع بطريقة اختباريّة، لأنّ حركته لم تتبدّد بعد موته، بل تقوّت جدّاً، وشملت نصف العالم. ولم يحصل إجماع مِن الأعضاء السبعين في المجمع الأعلى. ولم يشعر عدد كبير مِنهم براحة الضمير للموافقة على قتل جماعي لهؤلاء الاثني عشر رجلاً مستقيماً.      فوافقوا على الانتظار. ولكنَّ المغتاظين ورئيس الكهنة تشوّقوا للانتقام والقصاص الصارم، وأجبروا المجمع على الحكم بالجلْدِ على كلّ مِن هؤلاء الأبرياء فاعلي الخير، أربعين جلدة إلاّ واحدة على ظهورهم العارية. فأخرج الحرّاس المتهمين الّذين لم يعترضوا، بل احتملوا العار صامتين مصلّين، بينما كانت تلسع ظهورهم السياط الجلديّة بأمر حكم المجمع الأعلى الظالم. لقد احتملوا هذا العار بفرح، لأنّهم لم يتألَّموا لأجل ذنوبهم الشخصيّة، بل لأجل اسم يسوع المسيح وحده. والرّبّ قد قال لهم سابقاً: طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كلّ كلمة شرّيرة مِن أجلي كاذبين. افرحوا وتهلّلوا لأنّ أجركم عظيم في السماوات.

ماذا كانت نتيجة هذه الجلسة الحاسمة؟ إنّ ذِكر اسم يسوع بقي بين اليهود حتّى اليوم ممنوعاً وغير مرغوب فيه. ولكن الّذي ينطق به، لا يُقتل أو يُضطهد. فكان للكنيسة استراحة لمدة ما، فبشَّروا باسم يسوع جهراً، رغم المنع، وظل سيف الخطر مع ذلك فوق رؤوسهم.

وبعد الجَلد تقدّم الرسل بفرح وجرأة إلى ساحة الهيكل واستمرّوا بشهادتهم عن المسيح المقام المنتصر، رغم أنّ ظهورهم كانت مفلعة دامية. فأدرك الشعب أنّ زعماء أُمَّتهم كرهوا اسم يسوع كالسابق، وأنّ كلّ مؤمن به عُرضةٌ للاضطهاد. ولكن هذا الخطر فرّق التبن عن القمح، وجعل المؤمنين ثابتين رصينين والرّبّ زاد النّعمة فيهم يوميّاً، وكان الرسل يزورون البيوت باستمرار، ويعلمون المؤمنين ويثبتّونهم في التوراة والمزامير والأَنبياء ويفسّرون لهم كلمات يسوع الّّتي سمعوها مِنه وجمعوها جزئيّاً. وفي الوقت نفسه، فتش الرُّعاة عن خرافهم الضّالة، وبشّروا الجماهير في الهيكل، مقدّمين لهم الخلاص الكامل في المصلوب وتبلور مضمون رسالتهم في اسمين: أنّ يسوع هو المسيح وأنّ المصلوب هو المُقام مِن بين الأموات، وأنّ الناصري المرفوض هو الملك الإلهي المالك اليوم في السماوات عن يمين الآب. فلم يخف الرسل، بل شهدوا أنّ يسوع المسيح هو الرجاء الوحيد لكلّ النّاس.

الصّلاة: أيّها الرّبّ الحيّ، قد ضُربت لأجل محبّتك، ورسلك تبعوك. اغفر لي جبني وانقسام قلبي، وعلّمنِي الشُّكر لمحبتك، وقدنا إلى تعليم المؤمنين بالحكمة، وإلى تبشير الجهلاء بالقوّة.آمين.

19تنظيم الكنيسة

واختبار الشمامسة السبعة

(6: 1- 7)

6: 1 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ تَكَاثَرَ التَّلامِيذُ، حَدَثَ تَذَمُّرٌ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ عَلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ أَرَامِلَهُمْ كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ فِي الْخِدْمَةِ الْيَوْمِيَّةِ 2فَدَعَا الاثْنَا عَشَرَ جُمْهُورَ التَّلامِيذِ وَقَالُوا:لا يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللّهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ 3فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ، مَشْهُوداً لَهُمْ وَمَمْلُؤينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ 4وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ 5فَحَسُنَ هذَا الْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ الْجُمْهُورِ، فَاخْتَارُوا اسْتِفَانُوسَ، رَجُلاً مَمْلُوءاً مِنَ الإِيمَانِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَفِيلُبُّسَ، وَبُرُوخُورُسَ، وَنِيكَانُورَ، وَتِيمُونَ، وَبَرْمِينَاسَ، َنِيقُولاوُسَ دَخِيلاً أَنْطَاكِيّاً 6اَلَّذِينَ أَقَامُوهُمْ أَمَامَ الرُّسُلِ، فَصَلَّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ الأَيَادِيَ 7وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللّهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلامِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدّاً فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ 8وَأَمَّا اسْتِفَانُوسُ فَإِذْ كَانَ مَمْلُوءاً إِيمَاناً وَقُّوَةً، كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ.

لمّا كثر عدد أعضاء الكنيسة، ابتدأت المشاكل الخيريّة، وتطلبت هذه تنظيماً للكنيسة ودرسنا اليوم يعلّمنا، كيف نستطيع أن نحلّ مشاكل حساسة في كنيستنا. فالقضيّة كانت مركّبة مِن أربع مشاكل، والرّوح القدس أرشد المؤمنين إلى ستّ طرق لحلها:

1 – لم يكن متاحاً للأرامل في الشرق الأوسط أن يشتغلن خارج البيوت آنذاك،       فنظَّم اليهود سابقاً، والمسيحيون بعدئذ، خدمة المساعدة لهؤلاء النِّساء اللَّواتي لم يستطعن الزواج مرّة أخرى بعد موت بعولهنَّ إِمَّا لعجزهنَّ أو مرضهنَّ أو لعدم إنجابهنّ ولداً يهتم بهن. فرتَّبت الكنيسة الأصليّة مائدة طعام مباحة للأرامل المؤمنات اللواتي ينتسبن إليها. والرسل الّذين أشرفوا بأنفسهم على الصندوق المشترك، هم الّذين رتّبوا طاولة الطعام بقدر إمكانهم.

2 – اجتمع في الكنيسة الأولى يهود مؤمنون بالمسيح، متكلّمون باللغة الآراميّة؛ ولم يتركوا فلسطين، بل بقوا دائماً في وطنهم. واجتمع معهم عدد وفير مِن اليهود المتغرّبين، الّذين لم يتكلَّموا الآراميّة أو العبرانيّة، بل تحدّثوا باليونانيّة. لقد كانوا غرباء في وطنهم الأصلي، لأنّهم لم يستطيعوا أن ينطقوا بسهولة بالألفاظ الآراميّة. فلم يفهم بعضهم بعضاً بسهولة. وهكذا لم تحصل الأرامل اليهوديّات المتغرّبات على العناية الكاملة، رغم أنّ المسيحيين مِن الخارج مثل برنابا وغيره تقدّموا بتبرعات كبيرة.

3 – كان الرسل في شغل شاغل، فوق طاقتهم، بالعظات والصَّلَوات والتبشير والاجتماعات وزيارات البيوت والشفاءات وضبط الصندوق المشترك والدفاع عن مبادئهم، حتّى لم يبق لديهم وَقتٌ وقوَّةٌ كافيةٌ، ليقوموا بكلّ هذه الأعباء بدقّة وكمال، فأهملوا الآرامل اللَّواتي لم يستطعن الإِفصاحَ عن حوائجهنَّ باللُّغة الآراميّة.    وإلى الآن ما زلنا نرى الأَساقفة والرُّعاة في شغلٍ شاغل بمسؤوليات دنيويّة وروحيّة، فلا يستطيعون القيام بواحدة مِنها بدقّة.

4 – ولكن الحمد لله، لأنّ المؤمنين آنذاك تكلّموا وتشاوروا بكلّ صراحة، ولمّا لم تحسم المشكلة بسبب تفاقم الشغل، ابتدأ تذمّر عظيم في الكنيسة، حتّى كادت وحدة المحبّة تنفصم بينهم.

5 – عندئذ أدرك الرسل، أنّهم لا يستطيعون أن يقوموا بكلّ الأعمال في الكنيسة، خصوصاً إذا ازداد عدد الأعضاء باستمرار، بل هم في حاجة ماسّة إلى معاونين في الخدمة مقتدرين لكلّ الأعمال الصّالحة. فأرشدهم الرّوح القدس ألاّ يختاروا للوظائف أصدقاءهم أو أقرباءهم أو أعضاء مِن عائلة يسوع، ويفوّضوا إليهم شراء الطعام وطبخه وتقديمه، بل دعوا لذلك الكنيسة كلّها، وطلبوا مِنها أن تفتّش عن سبعة رجال يستطيعون أن يقوموا بهذه الخدمة.

6 – كيف أثبت الرسل ضرورة هذا الانتخاب؟ لقد قالوا: إنّنا لا نقدر أن نبشّر كما ينبغي، فالصّلاة وكلمة الله قبل الغذاء، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج مِن فم الله. وفي هذا القول وضّح الرسل جليّاً أنَّ الصَّلاة كانت أهمَّ مِن التَّعليم والتَّبشير. فلندرك نهائيّاً ضرورة الصّلاة قبل التكلّم، وإلاّ فكلّ تعليمنا وتبشيرنا باطل. فهل تصلّي باستمرار؟

7 – ومَن هم المؤَهَّلون للقيام بالخدمات الخيريّة؟ إنّهم الرِّجال الممتلئون بالرّوح القدس والحكمة. فالشَّرط الأوّل هو الولادة الثانية، والايمان والمحبّة والصّبر والرجاء، وقوّة الصّلاة، والاندفاع للتبشير الّذي ينبع مِن ملء الرّوح القدس. والصِّفة الثَّانية تدل على الخبرة في الحياة، والحكمة في التعامل مع النّاس، والقدرة على تدبير المال، والمهارة في الشراء وتحضير الطعام. فإذاً الشرط للخدمة في الكنيسة ذو شقين: أوَّلاً فيضان المحبّة مِن الإِيمان بالمسيح والتَّواضع الزَّائد، وثانياً الخبرة في الخدمة المعيَّنة والمعرفة والحكمة في التعاون مع النّاس المَعنيِّين بالخدمة.

8 – وفي الانتخاب الّذي لم يشترك فيه الرسل، اختارت الكنيسة بالاجماع سبعة رجال مفعمين بالرّوح القدس والحكمة، بينما كان الرسل يصلّون ليكون يسوع هو الّذي يختار الرجال المقبولين عنده، ليقوموا بخدمة توزيع الخبز على الأرامل في الرّوح والحقّ. ومِن أسماء المختارين نرى أنَّ أكثريَّتهم مِن اليهود المتغرِّبين، لأنّ أسماءهم يونانيّة غير عبريّة. وأكثر ما نقرأه هو عن استفانوس وفيلبس. وهنا نقرأ لأول مرّة اسم انطاكية، المركز الّذي أصبح فيما بعد محور التبشير، لأنّ نيقولا المتهّود المسيحي ولوقا البشير أتيا مِن هذه الكنيسة؛ فمِن ذلك الوقت فصاعداً نجد في سيرة أعمال الرسل تأثير المؤمنين بالمسيح، مِن يهود متغرّبين، في تطوُّر نشر الإنجيل، تأثيراً مبدئيّاً قاطعاً، لأنّ بولس كان مِن هذه النخبة.

9 – وبعد الانتخاب، أتت الكنيسة بالمختارين إلى الرسل، لكي يضعوا أيديهم على رؤوسهم وتخرج القوّة الموهوبة للرسل إلى المفوضين الجدد. وكان هؤلاء السبعة قد حصلوا على الرّوح القدس مِن قبل، وامتلأوا به، ولكنَّ المؤمنين علموا أنّه في الرسل تسكن قوّة خصوصيّة مِن الله. وهكذا أتت الكنيسة بطلب الرسل، ليكرّسوا المختارين في مناصبهم؛ فتمّ هذا التعيين في انسجام بين الرسل المسؤولين والكنيسة أجمع، وصلّوا كلّهم، ليفوّض الرّبّ خدّامه السبعة بواسطة وضع أيدي الرسل.

10 – ولم تعتبر خدمة الرسل درجة أعلى مِن خدمة الشمامسة، لأنّ للكلّ ربّاً واحداً، وكلّهم امتلأوا مِن الرّوح القدس نفسه ولكن الرُّسل القليلين لم يستطيعوا أن يقوموا ببعض الأعمال الرسوليّة. ففي الحقيقة إِنَّ خدمة الشمامسة لم تقتصر على توزيع الحساء (الشوربا)، بل صار استفانوس شاهداً كبيراً للمسيح؛ فإذا هو بعد قليل الشهيد الأوّل في المسيحيّة. وفيلبس عمّد الخصيّ الإثيوبي بعد تبشيره في سلطان الرّبّ. فنرى أن الشَّمامسة ما كانوا يقومون بأعمال خيريّة فقط، بل إِنّهم شهدوا للمسيح شهادة بالغة. وهنا يظهر أيضاً العدد 3 رمزاً للسماء والعدد 4 رمزاً للأرض، لأنّه بينما كان الرسل 12 أي 3 × 4 صار عدد الشمامسة 7 أي 3 + 4 دلالة على أنّه في الطريقين، اتّحدت السّماء والأرض في مختاري المسيح.

وتنظيم العمل بهذه الطريقة أنتج نموّاً في الكنيسة، حتّى أصبحت الكلمة جسداً في المؤمنين، فاستطاع البشير أن يقول: قد نمت الكلمة لأنّ عدد المؤمنين في أورشليم ازداد رغم أنّ المجمع الأعلى منع الشهادة باسم يسوع منعاً باتاً، ورغم أنّ الرُّسل الاثني عشر حملوا على ظهورهم آثار الجَلْدِ الأليم.

والمدهش أنّ كثيراً مِن الكهنة قد خضعوا للمسيح، رغم أنّ رؤساء الكهنة كانوا أشدّ عداوة للكنيسة. ولكنّ الرّوح القدس قد تجسّد في أتباع المسيح حتّى إِنَّ الكهنة المتأنّين لم ينغلقوا على قوّة محبّة الله فيما بعد، بل اهتدوا وأطاعوا رسالة الإنجيل وتعرّضوا للخطر في مهنتهم لأجل إيمانهم الجديد. وإذ وصلتهم دعوة المسيح خضعوا خضوعاً حقّاً للمُقام مِن بين الأموات، وأصبحوا مطيعين للإيمان الجديد.           

أيّها الأخ هل فهمت بشرى الإنجيل؟ هل أصابتك دعوة الله؟ هل أطعت جذب الرّوح القدس؟ سلّم نفسك للمسيح مصليّاً، لأنّه بذل ذاته لأجلك قبل أن عرفته.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك مخلّص العالم. تردّ الخطاة، وتقود كنيستك في موكب نصرتك، وتعطي المؤمنين ألسنة جديدة تعظّم بها اسمك، ليأتي كثيرون وينضمّوا لحشد محبّتك. ادع اليوم كثيراً مِن الضَّالين إلى شركتك الأبديّة.

المسابقة الأولى

 لسفر أعمال الرسل حسب البشير لوقا:

ماذا تعرف عن تأسيس كنيسة المسيح؟

أيها القاري العزيز: إن أجبتَ إجابةً صحيحةً عن 25 سؤالاً مِن هذه الأسئلة الاثنين والثلاثين التالية الّّتي تعالج الأَصحاحات 1-6 مِن سِفر أعمال الرسل سنرسل لك كتاباً مِن مطبوعاتنا البنّاءة.

الأسئلة:

1 ما هي أهداف لوقا مِن كتابة سِفر أعمال الرسل وماذا تعرف عن ثاوفيلس؟

2 ماذا كان مضمون الكتاب الأوّل للوقا، وما الّذي كتبه في الثاني؟

3 ما هو موعد الآب؟

4 مَن هو الرّوح القدس، وما هي غايته؟

5كيف يأتي المسيح ثانية حسب قول الملاكين؟

6 مَن هم الّذين اجتمعوا للصّلاة المستمرّة؟

7 ماذا تعلّمت مِن موت يهوذا؟

8 ما هي شروط الانخراط في خدمة المسيح؟

9 كيف أظهر الرّوح القدس ذاته في عيد العنصرة؟

10ما الّذي علّمه الرّوح القدس للرسل أن ينطقوه؟

11ما هي الأفكار الرئيسية في الجزء الأوّل مِن عظة بطرس؟

12لماذا كان على بطرس أن يقول لليهود إِنَّهم قتلة يسوع؟

13ماذا أراد بطرس أن يوضح للمستمعين بواسطة ذكره نبوّة داود؟

14لِم صعد المسيح إلى السّماء؟

15كيف ننال الرّوح القدس وما هي الشروط لحلوله في المؤمنين؟

16مَن يستحقّ نيل الرّوح القدس ولماذا؟

17اذكر لكلّ واحدة مِن الصفات الاثني عشرة المشروحة كلمة هامّة تعبّر عن     

      جوهر هذه الصفة.

18ماذا تعني العبارة باسم يسوع المسيح الناصري؟

19ماذا يعني الإيمان باسم يسوع الناصري؟

20ما هو هدف تاريخ البشر؟

21ماذا تعني المقابلة بين المجمع الأعلى والرسولين؟

22 ما هو معنى خطاب بطرس أمام رؤساء الكهنة؟

23 لِم يتمركز في اسم يسوع وحده خلاص العالم كلّه؟

24 لِم يكون تكلّمنا بكلمة الله ضروريّاً وجوهريّاً للروح القدس؟

25أي مبدأ مِن هذه الأسس الكنسيّة العشرة تعتبره الأهم لتنفذه في حياتك؟

26لماذا أمات الرّوح القدس حنانيّا مباشرة؟

27ما هو الواجب الرّوحي لكلّ مِن الزوجين على الآخر؟

28ما هو سرّ العمل الخيري في الكنيسة الأولى؟

29ماذا يعني أمر الملاك للرسل السجناء؟

30ما الّذي أعجبك مِن الأفكار الّّتي دافع بها الرسل ضدّ قضاتهم؟

31ماذا يعني حكم المجلس الأعلى بالنسبة لاستمرار كنيسة المسيح؟

32كيف رتّب يسوع بروحه اختيار الشمامسة السبعة؟ وماذا يعني هذا لنا اليوم؟

أرسل أجوبتك مع عنوانك الكامل إلى عنواننا التالي: 

الحياة الفضلى

ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان

20 – شهادة استفانوس الفعّالة

(6: 8 – 15)

6: 8 وَأَمَّا اسْتِفَانُوسُ فَإِذْ كَانَ مَمْلُوءاً إِيمَاناً وَقُّوَةً، كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي الشَّعْبِ 9فَنَهَضَ قَوْمٌ مِنَ الْمَجْمَعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَجْمَعُ اللِّيبَرْتِينِيِّينَ وَالْقَيْرَوَانِيِّينَ وَالإِسْكَنْدَرِيِّينَ، وَمِنَ الَّذِينَ مِنْ كِيلِيكِيَّا وَأَسِيَّا، يُحَاوِرُونَ اسْتِفَانُوسَ 10وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا الْحِكْمَةَ وَالرُّوحَ الَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِهِ 11حِينَئِذٍ دَسُّوا لِرِجَالٍ يَقُولُونَ: إِنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامِ تَجْدِيفٍ عَلَى مُوسَى وَعَلَى اللّهِ 12وَهَيَّجُوا الشَّعْبَ وَالشُّيُوخَ وَالْكَتَبَةَ، فَقَامُوا وَخَطَفُوهُ وَأَتَوْا بِهِ إِلَى الْمَجْمَعِ، 13وَأَقَامُوا شُهُوداً كَذَبَةً يَقُولُونَ: هذَا الرَّجُلُ لا يَفْتُرُ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ تَجْدِيفاً ضِدَّ هذَا الْمَوْضِعِ الْمُقَدَّسِ وَالنَّامُوسِ (الشريعة)، 14لأَنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ هذَا سَيَنْقُضُ هذَا الْمَوْضِعَ، وَيُغَيِّرُ الْعَوَائِدَ الَّتِي سَلَّمَنَا إِيَّاهَا مُوسَى 15فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْجَالِسِينَ فِي الْمَجْمَعِ، وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاكٍ.

هل تعرف مَن هو الرّوح القدس؟ اقرأ وصف سيرة حياة الشهيد استفانوس، فتعرف ماذا يعمل الرّوح القدس في الإنسان، الّذي يسلّم نفسه تماماً إلى الرّبّ المسيح. واسم استفانوس يعني (إكليل)، وهو جائزة تُعطى للفائز في الرياضة عند اليونان، لأنّ شهيد يسوع هذا وصل الأوّل في السباق إلى السّماء، ودخل بعد موته إلى مجد ربّه. وقد سمع استفانوس، وهو يهودي متغرب، بشرى الخلاص، وفتح نفسه لقدرة المسيح، ونال الغفران، وامتلأ مِن الرّوح القدس النابع فيه بمواهب روحيّة عديدة. وما كان استفانوس صالحاً في ذاته، إنّما روح المسيح هو الّذي جدّده. وهذا الشَّماس استفانوس لم يتبرّر بواسطة تقواه الذاتيّة، ولكنّ المسيح طهّره مجّاناً بدمه الثمين. فكلّ أعمال الله هذه في حياة الخاطئ، تشملها كلمة “النّعمة”. فليس أحد يستحق مواهب الله، إلاَّ مَن يؤمن بالمسيح، فينال مِن ملئه نعمةً فوق نعمة.

وجوهر هذه النّعم هو قوّة الله، لأنّ بالرّوح القدس تحلّ قدرة القدير في المؤمن، الظاهرة في المحبّة والتّواضع والطّهارة. وحيث ينكسر المؤمنون لكبريائهم الطبيعيّة، ويعيشون خاضعين في شركة القدّيسين، تعمل قوّة المسيح بواسطتهم عجائب وآيات، ضمن الكنيسة وخارجها، لأنّ المسيح حيٌّ، ويعمل بواسطة شهوده كأنّه يجول بينهم، ويخلّص ويشفي ويبارك كما عمل أيام جولانه على الأرض.

كان استفانوس مبشّراً مجتهداً ولم يعش لخلاص نفسه الذاتيّة، ولم يكتف بالتمتع المريح في أحضان الكنيسة، بل قام وتقدّم وسط الكنيس اليهودي المتعصّب، وشهد لهم أنَّ يسوع الناصري المصلوب هو المسيح الحقّ والمُقام مِن بين الأموات. فما كان الرسل هم وحدهم شهود المسيح، بل كلّ ممتلئ مِن الرّوح القدس لا يقدر إلاّ أن يجاهر بأنّ الله محبّة، وقد صالح البشر بنفسه، لمّا مات ابنه على الصّليب. إِنَّ عالمَنا الغبيَّ قد خلص، ولم يعرف هذه الحقيقة العظمى.

تقدّم استفانوس إلى كنيس اليهود المتغرّبين، الّذين كانوا يقرأون العهد القديم باليونانيّة، ويتأمّلون معانيه بأساليب منطق الغرب؛ فلم يصغوا إلى رسالة الإنجيل إصغاء فقط، كأكثريّة اليهود الآخرين، بل فكّروا فيها، وسألوا عن نتائجها السلبيّة، وناقشوا استفانوس حول موقفه تجاه تقاليد العهد القديم. وهؤلاء اليهود المدرَّبون بالطريقة الفلسفيّة، لم يستطيعوا أن يقاوموا حكمة الرّوح القدس النابعة مِن استفانوس.

وهكذا اغتاظ الأَتقياء المفكّرون، وشعروا بتعدٍّ على أسس ديانتهم، وأهاجوا الشعب، وحرّضوا الشيوخ والكتبة ضدّ المضلّ الجديد، وتجسّسوا وتآمروا عليه، وأخيراً خطفوه في وقت معيّن، وجرّوه إلى المجمع الأعلى، حيث حضرت لجنة التفتيش والشيوخ وبعض المهتمين بهذا الأمر.

وشخص رؤساء الكهنة والفقهاء ناقمين إلى ممثّل البدعة اليسوعيّة الممنوعة وغير المضطهدة، لأجل نصيحة غمالائيل (الأصحاح 5: 34-40) ما دام دعاتها أمناء للناموس (للشريعة) وتقاليد الآباء، وسرّوا لإلقاء القبض عليه، وقد كان أعضاء الكنيسة الأصليّة في أورشليم حتّى ذلك التاريخ يهوداً نموذجيين ومسيحيين أمناء في الوقت نفسه.

ولكن ابتدأ المسؤولون، منذ هذه الأحداث، يشعرون بأمر جديد، وثورة روحيّة، وانفصال عن التقاليد اليهوديّة صادرة مِن المؤمنين بالمسيح، الّذين هم مِن اليهود المتغرّبين. ورأينا مِن قبل أن رئيس الكهنة، لم يحكم على الرسل الاثني عشر بالقتل، لأنّهم حفظوا الشريعة بدقّة، وأكرموا الهيكل بصلواتهم المواظبة. ولكنّ الشكوى على استفانوس كانت مختلفة عمّا سبق بحقّ الرسل، فإنّه اتُّهم بالتعدّي على الهيكل وعلى الناموس (الشريعة) معاً. ومِن قراءة النص نستطيع إبرازَ ستّ نُقَط في هذه الشكوى المقدَّمة للمجمع الأعلى مِن شهود زور، بُنيت شهادتهم على عدم فهمهم لكلمات استفانوس التبشيريّة.

1 – قال استفانوس في كنيس اليهود إنّ يسوع غفر على الصّليب ذنوب النّاس جميعاً. فطعن اليهود المتغربون في قوله قائلين: إذاً لا حاجة عندكم للهيكل وذبائحه اليوميّة، فأنتم ترفضون كلّ طقوس أمّتكم المختصّة بالهيكل والتكفير.

2 – وقال استفانوس لليهود آنذاك أيضاً إنّ خلاص الإنسان يتوقّف على الإيمان بيسوع وحده. فثار المفكّرون ضدّه سريعاً وانتقدوه قائلين: إذاً فأنتم لا تعتقدون أَنَّ  النَّاموس (الشريعة) هو شريعة الله الّّتي بواسطتها يتبرّر الإنسان بحفظ الوصايا والسلوك المستقيم.   فبيّن استفانوس لهم أنّ الشريعة صالحة ومقدّسة، ولكنّ قلب الإنسان شرّير، وغير قادر على حفظها تماماً، فشريعة الله تديننا وتهلكنا ولا تخلّصنا البتّة.

3 – عندئذ اهتاج اليهود وسألوه: ألم يعطنا موسى العهد الصالح مع الله؟ أو ليس هو الوسيط الفريد بيننا وبين القدّوس؟ فجاوبهم استفانوس أنّ المسيح هو الإِنسان الوحيد الّذي قام مِن الموت، وهو حيّ عند الله، ويشفع فينا. فليس موسى هو الّذي صالحنا مع الخالق بل المسيح وحده.

4 – عندئذٍ سأل اليهودُ استفانوس ليوقعوه: هل تقول أنت إِنّ يسوع المصلوب المحتقر، هو الرّبّ الحيّ الجالس عن يمين الله، وأنّه المسيح نفسه حسب نبوة داود في المزمور 110؟ فوافق استفانوس تماماً على ألوهيّة يسوع، فألصقوا به تهمة التجديف.

5 – كان الفريسيون يطالبون الأتقياء بأن يحفظوا كثيراً مِن الأحكام والوصايا ليرضوا الله. أمّا استفانوس فبرهن لهم أنَّ خلاصة الشريعة لا تعني إلاّ محبّة، وهذه المحبّة الإلهيّة تحرّرنا مِن المحظورات والممنوعات والمحرّمات كلّها، لنخدم الله أحراراً.

6 – فتقسّى اليهود أكثر فأكثر، وعارضوا صوت الرّوح القدس الجذّاب، حتّى قال استفانوس لهم إِنّ المسيح سيأتي قريباً. ولكنْ قبل مجيئه سيَنصبُّ غضب الله على أورشليم ويبيد الهيكل، إن لم يتب شعب العهد القديم، ويرجعوا إلى مخلّص العالم تائبين.

وبعدما أثبت الشهود الزور هذه الشكوى عليه، تفرّس وجوه الأمّة بعجب وحقد في هذا الرجل الفريد وهو منتصبٌ أمامهم، ممتلئاً بالرّوح القدس، وعلى وجهه رونق السّماء.

الصّلاة: أيّها الله القدّوس، نشكرك لأنّك أرسلت ابنك إلينا، لتحرّرنا مِن الطقوس والأحكام البشريّة، فَنَثبتُ في خلاصك الأبدي في المحبّة والطهارة. حَرِّرْ حياتنا كلّها مِن رواسب الإيمان القديم، لكيلا نتبعك سطحيِّينَ، بل نتقدّم إلى ملء الإيمان والبركة.آمين.

شكراً للطبيب لوقا: خاصّة لأنّه أخبرنا في الأصحاح السابع مِن كتابه، بطريقة مفصّلة وافية، كيف فهم أعضاء الكنيسة الأولى العهد القديم، فلم يقطعوا علاقتهم مع آباء الإيمان، بل تمسّكوا مخلصين بالتّوراة والمزامير والانبياء، ووجدوا في إرشاد الرّوح القدس النبوّات الواضحة، الدّالة على يسوع المسيح وتطوّر خطّة خلاص الله، فالقراءات التالية تمنحنا بصيرة عميقة في فهم وشرح نقط مهمّة في التوراة، في زمن الكنيسة الأصليّة؛ فنستطيع القول إِنّ استفانوس قدّم لنا درساً عن أساس إيماننا في العهد القديم.

21خطاب استفانوس للدفاع عن نفسه

(7: 1 – 53)

أ – وصف أيام آباء الإيمان

(7: 1 – 19)

7: 1 فَسَأَلَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ:أَتُرَى هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا هِيَ؟ 2فَأَجَابَ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمَعُوا ظَهَرَ إِلهُ الْمَجْدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3وَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ 4فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْضِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هذِهِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمُ الآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا 5وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثاً وَلا وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَلكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكاً لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدُ وَلَدٌ 6وَتَكَلَّمَ اللّهُ هكَذَا: أَنْ يَكُونَ نَسْلُهُ مُتَغَرِّباً فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ فَيَسْتَعْبِدُوهُ وَيُسِيئُوا إِلَيْهِ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ، 7وَالأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا سَأَدِينُهَا أَنَا، يَقُولُ اللّهُ وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ وَيَعْبُدُونَنِي فِي هذَا الْمَكَانِ 8وَأَعْطَاهُ عَهْدَ الْخِتَانِ، وَهكَذَا وَلَدَ إِسْحَاقَ وَخَتَنَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ رُؤَسَاءَ الآبَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ.

وقف استفانوس أمام لجنة التفتيش التابعة للمجلس الأعلى، واعترف بإيمانه بعقيدة الآباء، وقد أصغى المفتشون باهتمام لكلّ كلمة مِن كلماته، وانتبهوا للمواضيع الّّتي أكّد عليها بألفاظه، ليتبينوا هل هذا المشتكى عليه ثابتٌ في العهد القديم، أم انّه يجدّف على الله ويستحقّ الرجم مباشرةً؟ (لاويين 24: 16)

لم يشتك رئيس الكهنة شخصيّاً على استفانوس، بل الّذين تحاوروا معه سابقاً هم

الّذين ألصقوا به تهمة التجديف. فسأل رئيس المحكمة المتّهم بإيجازٍ: هل صحيح ما يقوله المدّعون؟

فجاوب استفانوس بكلّ احترام، وخاطب الجالسين “بالإخوة والآباء”، رغم أنّهم لم يحصلوا على مسحة الرّوح القدس. ولكن استفانوس اليهودي المغترب، إذ شاء أن يكرّم أعلى هيئة دينيّة يهوديّة، رجاهم أن يسمعوا كلامه، ويصغوا بصبر أبوي إلى شهادة إيمانه، لأنّه لم يكن متمكّناً مِن اللغة الآراميّة ولا العبريّة، الّّتي عنها تُرجمت التوراة إلى اليونانيّة (السبتواكنتا)، وقد أَثبت استفانوس عقيدته بواسطة آيات مِن هذه الترجمة الشهيرة، الّّتي تختلف في بعض ألفاظها عن النص العبراني الأصلي، الّذي عرفه القضاة كلّهم غيباً.

فشهد استفانوس أنّ الله ظهر لإبراهيم، واختاره وجعله أمّة كبيرة فالإلهُ الأَوحدُ المجيد ظهر لإبراهيم، إذ كان لا يزال وثنيّاً، ساكناً العراق وسط عشيرته الكبرى. فلم يكن لأبي الإيمان استحقاق للقاء الله، لأنّه لم يكن أصلح مِن البشر الآخرين. ولكنّ اختيارَ الله الحرّ جعل مِن المستقرّ بين أبناء جلدته بدويّاً رحّالةً، فخلعه مِن مِلكه وراحته، وأرسله إلى مكان مجهول، مؤكّداً له أنّه سيرشده على الدوام.

انتبه للأفعال التسعة في نصّ قراءتنا، لأنّها توضح لك عمل الله الفعّال فتدرك أنّ القصص في التوراة ليست قصصاً بشريّة، بل هي تاريخ الله نفسه، فالرّبّ الحيّ ليس بعيداً عن أرضنا كأنّه لا يقترب مِنا، بل هو متدخّل في سيرة البشر، واختار رجلاً واحداً، وعيّنه بداية لخطّة خلاصه فالمحرّك في تاريخ العهد القديم لم تقوّ إبراهيم أو صلواته، بل إرادة الله المخلّصة وبركاته.

أطاع إبراهيم الله جزئيّاً، إذ ترك بلاده. ولكنّه لم يترك أباه، ولا لوط ابن أخيه، فأخّر هكذا مقاصد الله. وأَخيراً وصل إلى جبال كنعان الجرداء والأودية الخصبة، حيث الشتاء قارس والصيف حارّ، فلم يجد إبراهيم فردوساً وتربة واسعة كالعراق، بل صخوراً وصحارى؛ فجال مضطرباً بين هذه الجبال، ولم يجد مِلكاً يمتلكه، والله قد وعده وعداً أنّ كلّ البلاد ستكون له ولأبنائه، رغم أنّ إبراهيم لم يكن له ولد.        وهكذا تعلّم المجرد مِن الأرض والمحروم مِن الأولاد الإيمان في صبر مستمرّ، وهذا الإيمان حُسب له برّاً، واتّكاله على الله المستتر خلال السنين الطويلة بدون نتائج ملموسة، جعله قدوةً لكلّ المؤمنين.

وهكذا نفهم أنّ الإيمان هو جواب الإنسان الفريد لدعوة الله في اختياره. فهل سمعت صوت الله المتجسّد في المسيح، وهل تؤمن بنصيبك الرّوحي، حتّى وإِنْ لم تَشعُرْ بالبركة أو تُحقِّقْ نتيجةً ملموسة؟ إنّ الله يدعوك ويحفظك وهو أمين، فأكرمه بإيمانك الدائم.

وأخيراً تلقّى إبراهيم إعلاناً مِن الله، أنّ إيمانه بوعد الله بتمليكه أرضاً لن يتحقّق خلال حياته، ولا في حياة ابنه، بل إِنَّ نسله سيستمرّون في العبوديّة بمصر مدّة أربعمئة سنة. فكّر بهذا العدد! لأنّ الله ترك نسل إبراهيم تحت نير العبوديّة الّذي اختاروه هم لأنفسهم، ولكنّه لم يلغ وعده لهم.

لقد ارتبط القدّوس بإبراهيم ونسله بواسطة عهد الختان، فكل نسله داخلون سلسلة البركة هذه، لأنّ إبراهيم قد ختن اسماعيل واسحق بيده، ليثبِّتهما في عهد الوعد الّذي لم يُبنَ على حفظ وصايا الشريعة، بل على نعمة الاختيار وحده.

الصّلاة: أيّها الله القدّوس، نشكرك، لأنّك اخترتنا في المسيح حقّاً، وثبَّتَّنا بروحك القدّوس في عهدك الجديد المبني على دم ابنك الوحيد؛ فعلِّمْنا الإِيمان والثِّقة والاتِّكال عليك، لننتظر مجيء ملكوتك القريب. آمين.

7: 9 وَرُؤَسَاءُ الآبَاءِ حَسَدُوا يُوسُفَ وَبَاعُوهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ اللّهُ مَعَهُ، 10وَأَنْقَذَهُ مِنْ جَمِيعِ ضِيقَاتِهِ، وَأَعْطَاهُ نِعْمَةً وَحِكْمَةً أَمَامَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأَقَامَهُ مُدَبِّراً عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُلِّ بَيْتِهِ 11ثُمَّ أَتَى جُوعٌ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ وَكَنْعَانَ، وَضِيقٌ عَظِيمٌ، فَكَانَ آبَاؤُنَا لا يَجِدُونَ قُوتاً 12وَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّ فِي مِصْرَ قَمْحاً، أَرْسَلَ آبَاءَنَا أََّوَّلَ مَرَّةٍ 13وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ اسْتَعْرَفَ يُوسُفُ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَاسْتَعْلَنَتْ عَشِيرَةُ يُوسُفَ لِفِرْعَوْنَ 14فَأَرْسَلَ يُوسُفُ وَاسْتَدْعَى أَبَاهُ يَعْقُوبَ وَجَمِيعَ عَشِيرَتِهِ، خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْساً 15فَنَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ هُوَ وَآبَاؤُنَا، 16وَنُقِلُوا إِلَى شَكِيمَ وَوُضِعُوا فِي الْقَبْرِ الَّذِي اشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ بِثَمَنٍ فِضَّةٍ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبِي شَكِيمَ.

لم يدافع استفانوس عن تقواه بمحاضرة لاهوتيّة، ولم يتكلّم ببلاغة رنّانة، بل شهد أمام مفتشي المجمع الأعلى بالإيمان الكتابي العام، الّذي عرفه كلّ أبناء الأمّة غيباً. إلاّ أَنَّ المتكلّم لم يتلُ كلّ تفاصيل قصّة شعبه، بل اختار مِنها ما بان له مُهِمّاً لإِثبات المعاني في العهد الجديد، ولتوضيح شخص يسوع المسيح.

وقد أبرز استفانوس اختيار إبراهيم بالنّعمة وعهد الختان، ليشير إلى العهد الجديد في المسيح، المبني على النّعمة وليس على الأعمال، وبعدئذ أوضح مِن سيرة يوسف أنّه رمز للمسيح.

لقد حسده إخوته، لأنّ أباه فضّله عليهم، رغم أنّه كان صغيراً وهم خبراء. هكذا المسيح، فقد أبغضه إخوته الخبراء في الشعب، وحسدوه، لأنّ أباه في السّماء أعطاه سلطاناً فائقاً على الأمراض والشياطين والأموات، حتّى تراكضت الجماهير إلى المعلّم الناصري القروي، وأكرموه أكثر مِن رؤساء الكهنة والكتبة في العاصمة أورشليم.

وكما ربط الإخوة الاثنا عشر يوسف وألقوه في الجبّ، وباعوه بثمن بخس إلى البدو، هكذا سلّم آباء الأمّة المسيح إلى أيدي الرومان، ليقتلوه ويلقوه في جبّ القبر وليبيدوه نهائيّاً. ومثلما بلغ بُغض الإخوة ذروته في قصّة يوسف هكذا بلغت كراهية اليهود ليسوع ذروتها في صلبه.

وأمّا الله فلمّا كان مع يوسف في البلاد الغريبة، هكذا كان أيضاً مع المسيح في الموت، وأقامه مِن الأموات وأحياه، وكما رفع فرعون يوسف بعد تجربته، وجعله الرجل الثاني في بلاده وفي بيته، حتّى أنّ كلّ المملكة كانت تأخذ الخبز مِن يده، هكذا رفع الله يسوع وأجلسه عن يمينه، ودفع إليه كلّ السلطان في السّماء وعلى الأرض. وحتّى خبزنا اليومي يأتي مِن يده، كما قال له المجد بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً.

وأمّا أولاد الوعد، فجلسوا بعيداً عن أخيهم المحترم ولم يعرفوه. ولكنّ يوسف عرفهم وساعدهم لأوّل مرّة دون أن يعلن لهم عن نفسه. ولكن في اللّقاء الثاني أعلن لهم اسمه ومجده، فأي رعب حلّ بالإخوة، لمّا رأوا أنّ معطي القمح والرئيس في مصر هو أخوهم، الّذي باعوه ليتخلّصوا مِنه؟! فتمنّى استفانوس أن يعلن يسوع نفسه مرّة ثانية لشيوخ أمّته القساة القلوب، ليسقطوا بخوف ورعدة، ويسجدوا للّذي رفضوه وعذّبوه، وليذوبوا بخجل وندامة.

وكما رجع الإخوة المتقلقلون إلى آبائهم نادمين، هكذا تأمّل استفانوس، أن يرجع الشيوخ السبعون مِن المجمع الأعلى إلى أمّتهم، ليخبروها مضطربين أنّ ابنك حيّ وأخونا ثابت في المجد. قد قتلناه، ولكن الله اختاره، ورفَّعه جِدّاً. كلّنا هالكون فهلمّوا نتب الآن توبةً نصوحاً. وكما حجّ يعقوب وعشيرته البالغة خمسة وسبعين شخصاً كلّهم معاً إلى يوسف، هكذا تمنّى استفانوس أن يأتي كلّ شعب اليهود إلى يسوع وينحنوا طويلاً أمامه ويسجدوا له، ليختبروا أنّه كما انحنى يوسف المجيد لأبيه وقبله وقدّمه لفرعون، هكذا بدرجة أعلى ينحني المسيح لأمّته الفاسدة، ويطهّرها، ويقدّسها، ويقدّمها إلى أبيه السماوي لبقاء دائم في الوطن السماوي.

ولكنّ استفانوس بشّر آذاناً صمّاً، فقلوب القضاة كانت قاسية، فلم يسمعوا صوت الرّوح القدس الحنون، بل سجّلوا مبتسمين الغلط في خطاب المتكلّم، أنّ يعقوب دُفن في قبر إبراهيم، وبالحقيقة أنّ إبراهيم دُفن في الخليل في قبره المشترى، بينما دفن يعقوب في شكيم قرب نابلس. وربّما وُجِدَتْ في زمن استفانوس أحاديث وتفاسير مختلفة لهذه النصوص. ونلاحظ أنّ القضاة لم يتدخّلوا في شهادة الشاهد استفانوس، ولم يعتبروا غلطتَهُ مهِمَّةً مستحِقَّةً البحث (تكوين 23: 16-17 و33: 18 و50: 13 ويشوع 24: 32).

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نشكرك لأنّك أرسلت إلينا ابنك الوحيد، وأعلنت لنا فيه مجدك. اغفر لنا قساوة قلوبنا، واملأنا بروحك القدّوس، لنختبر أنّك أنت تحلّ فينا، وتعمل معنا، حتّى وسط البلاد الغريبة.آمين.

7: 17 وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ الْمَوْعِدِ الَّذِي أَقْسَمَ اللّهُ عَلَيْهِ ِبْرَاهِيمَ، كَانَ الشَّعْبُ يَنْمُو وَيَكْثُرُ فِي مِصْرَ، 18إِلَى أَنْ قَامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ 19فَاحْتَالَ هذَا عَلَى جِنْسِنَا وَأَسَاءَ إِلَى آبَائِنَا، حتّى جَعَلُوا أَطْفَالَهُمْ مَنْبُوذِينَ لِكَيْ لا يَعِيشُوا.

ب – أيام موسى

(20 – 43)

7: 20 وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلاً جِدّاً، فَرُبِّيَ هذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ 21وَلَمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْناً 22فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِراً فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ23وَلَمَّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ 24وَإِذْ رَأَى وَاحِداً مَظْلُوماً حَامَى عَنْهُ، وَأَنْصَفَ الْمَغْلُوبَ إِذْ قَتَلَ الْمِصْرِيَّ 25فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ اللّهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا 26وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي ظَهَرَ لَهُمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ، فَسَاقَهُمْ إِلَى السَّلامَةِ قَائِلاً: أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنْتُمْ إِخْوَةٌ لِمَاذَا تَظْلِمُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؟ 27فَالَّذِي كَانَ يَظْلِمُ قَرِيبَهُ دَفَعَهُ قَائِلاً: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيساً وَقَاضِيّاً عَلَيْنَا؟ 28أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ أَمْسَ الْمِصْرِيَّ؟ 29فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هذِهِ الْكَلِمَةِ وَصَارَ غَرِيباً فِي أَرْضِ مَدْيَانَ، حَيْثُ وَلَدَ ابْنَيْنِ.

اشتكى شهود الزُّور على استفانوس، فادَّعوا أَنّه أنكر موسى ورفضه وفسّر تعليمه تفسيراً خاطئاً؛ وهذا ما دفع استفانوس، ليشرح بتفصيل أكثر عن حياة موسى، وقال رأيه بوسيط العهد القديم صراحةً وارتجالاً. ونسمع أوَّلاً قصّة موسى لمّا كان صغيراً إِذْ صارت قبيلته شعباً منتشراً، قرّر المصريّون تحديدَ نسلهم، وقالوا: إن تركناهم يتكاثرون، فإنهم يتقوون أكثر مِنا، وإِنْ لم نستعبدهم يأكلوننا.

وفي أشدّ الضيق يكون الله أقرب إلى مؤمنيه. خبّأ أهل موسى طفلهم وهو رضيع في إحدى القنوات. فاسم موسى معناه المنتشل مِن الماء وقد تعالجت أمواج الضيق، لكن في قمة الكارثة، خلّص الله نبيه العتيد واستخدم العلي الكبراء ليثقّف موسى. فأُدخل هذا الفتى إلى عائلة فرعون، حيث تعلّم كلّ أسرار السحر المصري، وطقوس الأموات والعرافة، لأنّه لم يكن مؤمناً في حداثته، بل شريراً كسائر النّاس.

ولمّا أدرك بعدئذ، أنه ما كان مصريّاً، بل عبرانيّاً، وأنّ شعبه مستعبد معذّب، تدخّل فوراً بدون تخطيط، وقتل دهقاناً مِن المشرفين على شعبه المستعبد، فكل ثقافته لم تنفعه شيئاً، إلاّ أنّه وجد نفسه مفكّراً باقتداره على خلاص شعبه بالعنف وسفك الدم وهذا هو غرور الكثيرين، أنّهم يريدون تغيير الأحوال بالحيل والاغتصاب والقنابل،    وكلّهم يسرعون وراء موسى، ويصبحون قتلة مجرمين، ولا يغيّرون بالحقيقة شيئاً، لأنّنا لا نحتاج إلى أحوال جديدة، بل إلى أناس متجدّدينّ. ففي زمن يسوع قتل زعماء إسرائيل ابن الله، مدّعين بأنّهم بذلك يخلّصون شعبهم، ولكن بالحقيقة بقيت القلوب كما كانت، لأن بواسطة الحروب والعبوديّة والظلم لا يصطلح العالم، بل يتزايد سوءاً.

 وفكّر موسى أنّ شعبه يرحّب به كمخلّص، ويجعله ملكاً. ولكن عندما تخاصم اثنان مِن أبناء شعبه ورفضا توسّطه، أدرك بذكائه، أَنَّ كلّ كلمات الأُخُوَّة القوميَّة كذب، وكلّ فرد يحب ذاته فقط. فشعر موسى ببغض أقربائه، وشم خيانتهم له بكشف جريمته لدى القوّة المستعبدة، فهرب مباشرةً إلى البرّيّة، لأنّ أمّته قد رفضته.ونظيرَ هذا الرَّفض اختبرَ المسيحُ أيضاً. فقد قصد الله خلاص الشعب العنيد بواسطة ابنه، ليحرّرهم مِن عبوديّة الخطيئة والموت والشيطان، فيجدوا نعمةً في يوم الدينونة، ولكنّ أمّته لم تفهمه؛ فقد رفضوا يسوع مثلما رفضوا موسى، لأنّهم شعب الرَّفض وأهل القلوب القاسية. فكيف حالتنا؟ هل نحن أذكى مِن اليهود؟ هل نَقبل المسيح أم نرفضه أيضاً؟ أو لم نسمع صوت الرّوح القدس المنادي بنا اليوم؟

أصبح موسى لاجئاً بين البدو، وتعلّم في الصَّحارى والأوعارِ القناعةَ والتَّواضعَ ووظيفة الراعي، لأنّ عملية الرعويّة هي مهنةٌ صَعبة، تتطلّب مُراقبةً وجرأةً وصبراً وخُبرةً، ومِن المعقول أنّ موسى تعلّم في هذه السنين اللغة العربيّة أيضاً، لأنّ لغة مديان كانت أَحَدَ فروع اللغات الساميّة، وتزوج إحدى البنات المديانَّيات وأنجب مِنها ابنين فكان زواجه هذا خليطاً من عرب وإسرائيليين ممثَّلين بزعيمهم الأكبر (خروج 18: 1-7).

الصّلاة: أيّها الرّبّ المبارك، احفظني مِن قوّتي الخاصّة، لكيلا أقصد خلاص نفسي بنفسي ولا تهذيب الآخرين بواسطة ذكائي، بل أطلب إليك أن يجدِّد روحك قلبي، وأن يطهّرني دم المسيح مِن كلّ زلاّتي. ارحمنا يا ربّ وقدّسنا، وأرشدنا إلى ملء خلاصك.

7: 30 وَلَمَّا كَمِلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً ظَهَرَ لَهُ مَلاكُ الرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ فِي لَهِيبِ نَارِ عُلَّيْقَةٍ 31فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذلِكَ تَعَجَّبَ مِنَ الْمَنْظَرِ وَفِيمَا هُوَ يَتَقَدَّمُ لِيَتَطَلَّعَ، صَارَ إِلَيْهِ صَوْتُ الرَّبِّ: 32أَنَا إِلهُ آبَائِكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ فَارْتَعَدَ مُوسَى وَلَمْ يَجْسُرْ أَنْ يَتَطَلَّعَ 33فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: اخْلَعْ نَعْلَ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ 34إِنِّي رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي الَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ ،فَهَلُمَّ الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَى مِصْرَ.

عاش موسى في بيت عمّه يثرون – والد زوجته – الّذي كان كاهناً لله حنيفاً، والّذي حصل خارج العهد القديم على إعلانات روحيّة وكان أميناً للعلي، وموسى رغم ثقافته المصريّة لم يلحد بالله، ولم يكفر رغم ارتكابه جريمة القتل، بل كان قلبه مفعماً بالاشتياق للانسجام مع الواحد الّذي خلق السماوات والأرض. والانفراد في البراري يقود الفرد إلى قرب الله، تصوّر: أربعين سنة في الهدوء وهذا معناه مئات ألوف الساعات وحده مع الخراف في الرّيح والشَّمس، في الخطر ومناجاة القلب لله.

 وفجأة ظهر القدّوس الأزلي لموسى، وأعلن نفسه في نار العلّيقة فأحد ملائكته مِن حملة العرش أوجد بمجده النار، فاقترب الراعي متعجّباً مِن العلّيقة الملتهبة، الّّتي لم تكن تحترق رغم النار، وسمع فجأة صوتاً واضحاً، بدون أن يرى شخصاً. إنّ إلهنا يتكلّم بكلمات بشريّة مفهومة، وأبونا السماوي ليس شبحاً أو روحاً هائماً، بل هو شخص ذاتي، متكلّم ب “الأنا”، ويخاطبنا:”أنت” فينزل إلى حضيضنا ويمنحنا فهم أفكاره، إنّ إلهنا محبّة.

وقد أعلن الله نفسه لموسى، كإله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، لأنّه ارتبط بآباء الإيمان إلى الأبد، فهذا الإله هو أمين، لا يتغيّر البتّة.

وابتدأ موسى يرتعب ويرتجف، لما سمع في البرّيّة الصوت مِن النار ولم يجرؤ على النظر إلى أشعة قداسة الرّبّ، بل بقي خاشعاً بعيداً عنها، ولم يجرؤ أن يتقدّم إليها، وأعطى الله موسى علامة لجلالة قداسته، قائلاً: اخلع نعليك، لأنّ الموضع الّذي تقف عليه في البرّيّة، هو موضع مقدس ،فكل شبر مِن الأرض الّّتي داسها المسيح، أو حيث ينطلق حاملو الرّوح القدس اليوم، هي أرض مقدّسة. إِنَّ القدّوس غير منفصل عن الخطاة، رغم انفصاله عن كلّ خطيئة، ومحبته ملفوفة بعباءة قداسته، لكيلا نحترق نحن النَّجسين بنار مجده.

فتقدّس موسى بصوت الله القريب، وانتعش قلبه وروحه، وابتدأ يفكّر بطرق الرّوح القدس، ولولاه لذاب في قرب الرّبّ.

وقال الله لموسى إنّه  قد سمع صلوات العبيد، لأنّ ربّ السّماء والأرض يحبّ الصغار المحتقرين، ويستعدّ لخلاصهم وبركتهم؛ فكلّ أنين قلبي مستقيم هو صلاة حقّة يستجيبها الله، وكلّ كلمة مِن قلبك، موجّهة إلى العلي، تصله حقّاً. فالله يعرف صوتك، ويشعر بشوقك الحنيف.

وقد نزل القادر على كلّ شيء إلى كرتنا الأرضيّة الصغيرة، ليحرّر العبيد المسخّرين فلم يرسل جيش الملائكة، ولم يهزّ الأرض، ولا ألقى صواعق، بل اختار عجوزاً عمره ثمانون سنة كان يرعى غنمه في البرّيّة، ليحرّر بضعفه شعب العهد. فخلاص الله لا يتمّ بقوّة وقدرة، بل بإرشاد روحه وحده. وطلب الله مِن موسى إطاعته وقبول دعوته، ليصبح مبشّراً ببشرى الخلاص لأمّته.

7: 35 هذَا مُوسَى الَّذِي أَنْكَرُوهُ قَائِلِينَ: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيساً وَقَاضِيّاً؟ هذَا أَرْسَلَهُ اللّهُ رَئِيساً وَفَادِيّاً بِيَدِ الْمَلاكِ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ فِي الْعُلَّيْقَةِ 36هذَا أَخْرَجَهُمْ صَانِعاً عَجَائِبَ وَآيَاتٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَفِي الْبَحْرِ الأَحْمَرِ، وَفِي البرّيّة أَرْبَعِينَ سَنَةً.

لقد رفض الشّعب موسى لمّا جاءهم بالخلاص القومي، ولكنّ الله اختاره للهداية الرّوحيّة، فكان موسى رمزاً ليسوع الّذي رفضه شعبه أيضاً. ولكن الله بقي أميناً له، وأقامه مِن بين الأموات، لكي يفدي عدداً لا يُحصَى مِن عبيد الخطايا.

وكانت الشكوى على استفانوس، إنّه رافض لموسى، فرفع اسمه وزيّنه بأحسن ألقاب، وسمّاه رئيساً وفاديّاً، الّذي كان رأس شعبه، وتألّم بقلبه ليوحّد العِناد بالله، فكم بالحري يكون المسيح رأس الكنيسة والفادي الحقّ الّذي يقود جميع المؤمنين في زينة مقدّسة إلى أبيه ليثبّتهم في عهده الجديد.

وقال استفانوس إنّ ملاك عرش الله، الّذي يمثّل حضور الله، قد رافق موسى أربعين سنة في البرّيّة، لأنّ هذا العجوز كان في ذاته ضعيفاً وغير موهوب للخطابة الجذّابة، ومائلاً للتشاؤم، لأجل صعوبات إشباع الشعب الكبير يوميّاً في الصحراء. ولكن ملاك الرّبّ أخذه مِن يده، وقاده خطوة خطوة، وجره مِن وسط المعارضات الكثيفة، وأنجحه في محور سلطات الظلمة، وزيّنه بعجائب عظيمة بقوّة الله؛ فما كان موسى بنفسه رئيساً وفادياً، بل الله أعلن عونه في المسكين، ونصر عبده طيلة أربعين سنة.

 أمّا نحن فلنا ربّ وفادٍ منتصر بدون عون الملائكة، لأنّه كان إلهاً متجسّداً، ويقود اليوم شعبه المختار مِن كل الشّعوب في موكب انتصاره وسط براري ظلمات كوننا، ونحن نتبعه له بهتاف وشكر وحمد.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك رأس الكنيسة وفادينا الأمين. أَنت شامِلُنا بحمايتك. مِن قوّتك نعيش، ومِن أمانتك نستمرّ. عليك وحدك نبني مستقبلنا. لا تتركنا أبداً.

7: 37 هذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيّاً مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ لَهُ تَسْمَعُونَ 38هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْبَرِّيَّةِ، مَعَ الْمَلاكِ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ، وَمَعَ آبَائِنَا الَّذِي قَبِلَ أَقْوَالاً حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا39الَّذِي لَمْ يَشَأْ آبَاؤُنَا أَنْ يَكُونُوا طَائِعِينَ لَهُ، بَلْ دَفَعُوهُ وَرَجَعُوا بِقُلُوبِهِمْ إِلَى مِصْرَ 40قَائِلِينَ لِهَارُونَ: اعْمَلْ لَنَا آلِهَةً تَتَقَدَّمُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هذَا مُوسَى الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لا نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ 41فَعَمِلُوا عِجْلاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَأَصْعَدُوا ذَبِيحَةً لِلصَّنَمِ، وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ 42فَرَجَعَ اللّهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ السَّمَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الأَنْبِيَاءِ: هَلْ قَرَّبْتُمْ لِي ذَبَائِحَ وَقَرَابِينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْبَرِّيَّةِ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ 43بَلْ حَمَلْتُمْ خَيْمَةَ مُولُوكَ، وَنَجْمَ إِلهِكُمْ رَمْفَانَ، التَّمَاثِيلَ الَّتِي صَنَعْتُمُوهَا لِتَسْجُدُوا لَهَا فَأَنْقُلُكُمْ إِلَى مَا وَرَاءَ بَابِلَ.

ومِن الشكوى على استفانوس أيضاً، أنّه جدّف على موسى والناموس (الشريعة) معاً. لذلك أبرز استفانوس، خمس مرّات في خطابه الدفاعي، بكلمة (هذا)، أَنَّ لموسى موقفاً فريداً أمام الله، لم يأخذه إنسان لا قبله ولا بعده في العهد القديم، لأنّ العلي كلّمه شخصيّاً (عدد 35 و36 و37 و38 و40) فموسى كان وسيط العهد القديم الّذي تسلّق، بخطر الموت، البركانَ القاذفَ حمماً ودخاناً، ليلتقي هناك بملاك الرّبّ.

وسمّى استفانوس الناموس (الشريعة) الّذي ناله موسى مِن الله أقوالاً حيّة (38) نابعة مِن قلب الله، ومسلّمة بيد الملاك إلى ممثّل شعب العهد. فلم يسمّ استفانوس الناموس (الشريعة) حرفاً ميتاً مهلكاً، بل مرشداً للحياة، ورافداً مِن قداسة الله. فمَن يحفظ الناموس (الشريعة) كلّه يَحيا إلى الأبد.

ولكنّ الأهَمّ مِن تعظيم موسى وتمجيد الناموس (الشريعة) أمام المجمع الأعلى، كان عند استفانوس، أن يوضح لهم أن ليس هو استفانوس، ولا كنيسة المسيح برافضين لوسيط العهد القديم ولا بمجدِّفين عليه، بل إنّ شعب إسرائيل نفسه قد رفضه عدّة مرّات وباستمرار، لأنّه شعب التمرّد. فوضّح استفانوس في مستهلّ كلامه أنّ العبيد في مصر لم يفهموا موسى ورفضوه، فكان مضطرّاً للهرب، بسبب رفض شعبه العون. أمّا الله فعيّنه قائداً لرافضيه، وأنجحه ضدّ عنادهم.

ولمّا تقدّم المختار إلى الله ليستلم شريعة العهد تخلّى أتباعه عنه، وابتعدوا في قلوبهم عن الرّبّ، ومالوا في أفكارهم إلى الرفاهيّة البرّاقة، وفضّلوا العجل الذهبي على انتظار وسيطهم، لأنّه تباطأ في رجوعه إليهم مِن عند الله.

وهذه المواعظ الّّتي قالها استفانوس، أثناء دفاعه، مفعمةٌ بالمعاني الرّوحيّة، لأنّه كما اختفى موسى عند الله مدّة طويلة، ورجع ليثبِّت شعبه في العهد القديم، هكذا المسيح مختف اليوم عند أبيه السماوي، ليرجع في حينه وينشر مملكة سلامه على الأرض. ولكنّ اليهود آنذاك لم يثقوا بقائدهم، كما يتراقص البشر اليوم حول العجل الذَّهبي أي الرفاهيّة، ويتكلّمون عن التكنولوجيا والأسلحة الفتاكة، ويتباهون بأملاكهم وصواريخهم دون أن يروا الله أو دينونته المقبلة عليهم كغيمة سوداء مهلكة.

وقد أرى استفانوس قضاته، أنّ دينونة الله ألقت إسرائيل في السبي، لأنّهم تركوه سابقاً. ولم تتمّ هذه الدينونة مرّة واحدة بل بالتّدرّج. فما رفع  الرّبّ يده عن شعب العهد، حتّى سقطوا بالتتابع إلى عبادة الأوثان، وصاروا بخلاء، وآمنوا بالتّنجيم         وسجدوا للأقنعة الحالّة فيها الأرواح، وعبدوا كلّ الآلهة الصنميّة في محيطهم، لأنّهم انفتحوا لكلّ متلألئ مؤثر في أعينهم. أمّا الله الغير المنظور، فلم يستحسنوا بقاءه في معرفتهم. ولم يطيعوا صوت روحه القدّوس العامل في ضمائرهم. وهذا هو سبب الدينونات كلّها. فهل تسمع لله وكلمته، وتتمّ مشيئته طوعاً وتماماً ورأساً.

ودلّ استفانوس المفتشين (في العدد 37) على الرجاء العظيم الّذي فتحه لنا موسى، إنّ الله سيقيم نبيّاً نظير موسى، الّذي سيجدّد قلوب أتباعه، كوسيط كل النعم والقوى الإلهيّة. وعلم كلُّ سامعٍ في المجلس الأعلى أنّ هذا الوعد القديم هو الإشارة الصائبة مِن موسى إلى المسيح الآتي، بمعنى أنّ هذا النّبِيَّ الجديد يُنشِئُ عهداً جديداً، ويُثبِّت أتباعه بطريقة فائقة في شركة مع الله. وكان معروفاً عن المسيحيين، ومنهم استفانوس، أنّهم يفسّرون هذه الآية كإشارة إلى يسوع.

وبهذه الأساليب دافع استفانوس عن موقفه مِن موسى والناموس (الشريعة)، ودان في الوقت نفسه تمرّد شعبه المستمرّ، وأرشدهم إلى المسيح الّذي فيه الرجاء الفريد، ليكمل الناموس (الشريعة)، وينشئ  عهداً جديداً. فنجد أنّ مدافعة استفانوس القوّية كانت في الوقت نفسه تبشيراً واضحاً موهوباً مِن الرّوح القدس للمتكلّم المتواضع.

الصّلاة: أيّها الله القدّوس، اغفر لنا قلوبنا القاسية وأعطنا أن نفهم ابنك ولا نرفضه، بل نطيع كلمته وننتظره، ليثبّتنا روحك في العهد الجديد، منشئاً فينا التواضع والمحبّة والإيمان.

ج – خيمة الاجتماع وإنشاء الهيكل

(7: 44 – 50)

7: 44 وَأَمَّا خَيْمَةُ الشَّهَادَةِ فَكَانَتْ مَعَ آبَائِنَا فِي الْبَرِّيَّةِ، كَمَا أَمَرَ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى أَنْ يَعْمَلَهَا عَلَى الْمِثَالِ الَّذِي كَانَ قَدْ رَآهُ، 45الَّتِي أَدْخَلَهَا أَيْضاً آبَاؤُنَا إِذْ تَخَلَّفُوا عَلَيْهَا مَعَ يَشُوعَ فِي مُلْكِ الأُمَمِ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ اللّهُ مِنْ وَجْهِ آبَائِنَا، إِلَى أَيَّامِ دَاوُدَ 46الَّذِي وَجَدَ نِعْمَةً أَمَامَ اللّهِ، وَالْتَمَسَ أَنْ يَجِدَ مَسْكَناً لإِلهِ يَعْقُوبَ 47وَلكِنَّ سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتاً 48لكِنَّ الْعَلِيَّ لا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: 49السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي يَقُولُ الرَّبُّ وَأَيٌّ هُوَ مَكَانُ رَاحَتِي؟ 50أَلَيْسَتْ يَدِي صَنَعَتْ هذِهِ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا.

أثبت استفانوس أنّ الله ما كان ساكناً أوَّلاً في الهيكل البرّاق، بل التقى بموسى في خيمة الشهادة الحقيرة، وخصوصاً في الأيام العظيمة، لقطع العهد مع النّبي موسى، وانتصارات يشوع، والنّهضة الحاصلة زمن داود. فلم يكن بهاء الهيكل، وفخامته الفانية، الرمز لحضور الله إلى النّاس، إنّما الخيمة الحقيرة هي الدلالة على فترة عبور العهد القديم غير المستقرّ والمضمحلّ أخيراً.

وبان لاستفانوس نعمة أنّ الله قد منع داود مِن إنشاء هيكل، علامة لعدم احتياج الله إلى الذهب والمباني الفخمة والمساكن البشريّة، ليحلّ بين أتباعه. ولكنّ الخيمة الحقيرة كانت البرهان أن الله التقى الإنسان المسكين. والبشير يوحنّا استخدم في إنجيله (1: 14) وبالنصّ اليوناني الكلمة الشهيرة Logos، ليفسّر كيان يسوع قائلا: الكلمة صار جسداً وخيّم بيننا. فإن هذا التواضع يفسّر لنا عظمة نعمة الله النازلة والحالّة في هيكل جسمنا الزائل.

وسليمان الحكيم قد بنى الهيكل الشهير، وسخّر الشعب بعنف لهذا الغرض، حتّى انشقّت الأمّة بعده. فبناء الهيكل كان لتوحيد الشعب بواسطة مركز الحضارة والطقوس، ولكنّ النتيجة كانت الانشقاق والتشتّت، لأنّ الله لا يسكن في مكان معيَّن، ولا يحلّ في حجارة، فحضوره ليس مرهوناً بشيء، لأنّ الله معك أينما كنت، سواء في البحر أو الجو أو البرّ أو تحت الأرض. وكلّ مَن يسمع كلمته، ويعمل بها، هو ثابت في شركة الله.

وشهد استفانوس قدّام قضاته أنّه غير مجدّف على الهيكل، إن كان لا يسجد للحجارة المذهبة، لأنّ العلي لا يسكن في سجن بشري، بل إِنَّ الكرة الأرضيّة هي مثل موطئ لقدميه فالخالق لا يحتاج إلى مبانٍ ترابيّة مِن مصنوعات أيدي البشر ليستريح. إنّه صانع الكُلّ ولا يحتاج لشيء.

وها نحن عالمون اليوم، أن الأرض ليست هي الكون كلّه، بل هي ذرّة غبار في الفضاء الّذي تسبح فيه ملايين الشُّموس، وتدور حول ذاتها مليارات المجموعات مِن الكواكب. تعمّق يا أخي في أسرار الكون، فيتّسع صدرك، ويتحرّك ذهنك، ويسجد قلبك لعظمة الله. إنّ خالقنا أوسع مِن كلّ بحور النجوم. وهو في الوقت نفسه يضبط كلّ جزء كهربائي في الذرّة ،فمَن يدرس بدقّة العلوم الطبيعيّة الحديثة، لا يصبح ملحداً، بل ساجداً متواضعاً.

 والإنجيل الشريف يقول لك، إنّ الله العظيم يريد الحلول في قلبك، ليصبح جسدك هيكلاً للرّوح القدس. هل أصبح ذهنك مسكناً لله، أم إنّك لا تزال وكراً لأرواح نجسة؟ إنّ دم المسيح يطهّرك إن انفتحت لقصده. وروحه القدّوس يملأك لتنتهي أنانيتك الباردة، وتصبح مع كلّ المؤمنين في شركة المحبّة هيكلاً لجوهر الله. فهل اختبرتَ جمال وبهاء هذا الهيكل الرّوحي؟ إنّ صفاته هي المحبّة والتواضع والفرح والوداعة والسّلام والاستقامة والعفّة وكلّ الصلاح. هل أصبحت إنساناً مزيَّناً بثمار الإيمان المسيحي؟ فعندئذ تعظّم الله بسلوكك وسط العالم المفعم بأرواح نجسة.

الصّلاة: أيّها الله العظيم، نشكرك لأنّك لا تسكن في هيكل أو بيت مصنوع مِن حجر، بل قد حللت في كل المؤمنين بالمسيح حقّاً. تعال إلى قلبي، وطهّر ضميري، واملأ ذهني بروحك القدّوس، ليتمركز فيّ إلى الأبد، فأطيعك بفرح.

د – الشكوى على الشعب العنيد

(7: 51- 53)

7: 51 “يَا قُسَاةَ الرِّقَابِ، وَغَيْرَ الْمَخْتُونِينَ بِالْقُلُوبِ وَالآذَانِ، أَنْتُمْ دَائِماً تُقَاوِمُونَ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذلِكَ أَنْتُمْ 52أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ، وَقَدْ قَتَلُوا الَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ الْبَارِّ، الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ، 53الَّذِينَ أَخَذْتُمُ النَّامُوسَ (الشريعة) بِتَرْتِيبِ مَلائِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ؟

اعترف استفانوس بإيمانه الصحيح بكلمات حكيمة، وأَثبت أمانته للتقليد كيهودي متغرّب غير مثقّف بمدارس الفقهاء. فالله العظيم كان له إله العهد وإله الآباء المحترمين. وإبراهيم وموسى وداود كانوا له أشخاصاً مقدَّسين. واعتبر الشريعة وخيمة الشهادة كأشياء سامية. ولكنّ استفانوس، رغم اعترافه المستقيم، شعر أثناء عظته بالبغضة المميتة في المستمعين، لأنّه جرّب أن يوضح بشهادته المبنيّة على التوراة عناد شعبه واستكبارهم، وعدم استعدادهم للتوبة، فأرشده الرّوح القدس أخيراً إلى الهجوم، ليخلع عن وجوه الآباء الأتقياء والفقهاء المتزمّتين أقنعة ريائهم فأظهر لهم حقيقة قلوبهم، وهو الشاب غير المثقّف بالعلوم الفقهيّة والشرائع.

وهكذا دلّ استفانوس قضاته على حقيقة ضمائرهم، إنّهم رغم الختان الجسدي، لم يكونوا مختونين في أذهانهم وقلوبهم. فكسر بهذا البيان أحد الرموز لحضور الله معهم في العهد، لأنّ الختان كان دائماً في تقدير اليهود ارتباطاً مع الله، فمَن قال كلمة على الختان، فكأنّه انتقد الذات الإلهيّة.

وصارح استفانوس أولاد أمّته المتمرّدين بأنّهم معارضون لصوت الرّوح القدس، ولم يريدوا الإصغاء لله، فلم يستطيعوا بعد ذلك سمعاً وما أرادوه، لأنّ طبيعة قلوبهم كانت شرّيرة وغير منكسرة، وهكذا اعتبروا أنفسهم صالحين أبراراً، مثقفين ومقبولين عند الله، فاحتقروا كلّ دعوة للتوبة، وابتسموا لفكّرة إنكار الذّات وكان ألمهم وجرحهم كبيرين لمّا سمعوا كلمة القصاص الصارمة، الّّتي أنبأ بها سابقاً موسى وإشعياء وإرميا ويوحنّا المعمدان ويسوع لهزّ القلوب القاسية وإرجاع الرعيّة المبدّدة إلى راعيها، (سِفر الخروج 32: 9 و33: 3 وإشعياء 63: 10 وإرميا 9: 25 و6: 10) ولكنّهم لم يفهموا، ولم تلن قلوبهم القاسية، بل اغتاظوا غيظاً كبيراً.

فهل أنت فاهم كلمة القصاص هذه؟ إنّ قلوب النّاس لشرّيرة منذ حداثتهم. وقليلون يهتدون ويخضعون لهدى الله. فالإنسان في طبيعته ثائر حاقد، وطموحه هو أن يكون إلهاً صغيراً شهيراً، فيبغض خالقه و لا يطيعه ولا يسمع لكلمته أبداً.

وبهذا الرّوح الأشرّ اضطهد اليهود الأنبياء الصالحين، وعذّبوا الّذين بشّروهم بإرادة الله المعروفة: كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس. فالأنبياء الحقيقيون أصغوا بارتعاب إلى صوت الرّوح القدس منسجمين مع نبوّاته، معلنين مجيء مخلّص العالم البارّ المبرّر، الملك الإلهي، القادر على أن يغيّر كلّ القلوب الشرّيرة، والمنشئ مملكة السّماء على أرضنا المسكينة.

ولكنّ عند مجيء المسيح لم يخضع الأتقياء المراؤون له، ولم يدركه الكتبة المثقّفون فسمّى استفانوس اليهود خونة بالمسيح، لأنّهم أخطأوا هدف تاريخ الله بأمّتهم، وقتلوا ابن العلي ظلماً وعدواناً. فبهذه الشهادة تكلّم الرّوح القدس مرّة أخرى بكلّ صراحة، ونخس عقول رؤساء الكهنة ووجوه الأمّة، لكي ينكسروا ويتوبوا نهائيّاً. فالمجلس اليهودي لم يقتل ظلماً شابّاً مغموراً مِن الناصرة، بل أباد المسيح الموعود، هدف مختاري الله منذ البداية! فكان عمله هذا قمّة الثورة وتملّك الشياطين على الأرض.

ولم يكتف استفانوس باتهام أعضاء المجلس الأعلى كلّهم بالقتل والإجرام، كما صرّح الرسل بذلك مراراً، بل زاد استفانوس عليهم، أن طعن في صميم شرف الفرّيسيين وقال لهم: إنّكم لم تحصلوا على الشريعة مِن الله مباشرة، بل بواسطة ملائكة حصلتم مِنهم على أحكام ثانويّة وتفاصيل لا قيمة لها، ولا تقدرون على تمييز ما هو الأصيل ولا ما هو غير المهم. وزيادةً على هذه الشريعة اليهوديّة المشكوكة لم تحفظوا أصلاً ولا فرعاً، لأنّكم غير مقتدرين على حفظ الوصايا ولستم أبراراً، بل مذنبين ملعونين، لأنّ الّذي يسيء في فريضة واحدة، فقد أساء في الناموس (الشريعة) كلّه.

وبهذه الكلمات الحاسمة زعزع الواعظ استفانوس أسس البرّ في العهد القديم، لأنّ اليهود آمنوا أنّ الهيكل والختان والناموس (الشريعة) ويوم السبت، هي أركان العهد وأسراره، الّّتي ارتبط الله بها مع شعب إسرائيل. وها هوذا استفانوس يشهد جهراً لهم أنّ الهيكل فارغ، وقلوبهم غير مختونة، وناموسهم غير أصلي، وأَنَّهُم لم يحفظوا الشريعة بحقها. وكانت هذه الاتهامات كمثل جالس، وآخر يسحب الكرسي مِن تحته، فيسقط سقوطاً عظيماً. وقد شلّ الفزع أكثريّة المستمعين وجمّدهم، وبعضهم الآخر صرّوا على أسنانهم حقداً، كأنّ جهنّم التهبت في عقولهم.

الصّلاة: أيّها الإله القدّوس، اكشف قلبي واحفظني مِن كلّ خيانة، وعلّمني إطاعة الرّوح القدس، واغفر ذنبي، وانتشلني مِن الأفكار الثائرة ضدّ الله والنّاس، واختن قلبي، وغيّر ذهني، وامنحني أُذنَين سامعتَين، وخلّصني مِن نفسي، لكيلا أبغضك بل أحبّك، وأسلّم نفسي بين يديك إلى الأبد.

هـ – نظر استفانوس إلى السَّماء المفتوحة ورجمه كأوّل شهيد

(7: 54 – 8:1)

7: 57 فَلَمَّا سَمِعُوا هذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ 55وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللّهِ، وَيَسُوعَ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللّهِ 56فَقَالَ: هَا أَنَا أَنْظُرُ السَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَابْنَ الإِنْسَانِ قَائِماً عَنْ يَمِينِ اللّهِ 57فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 58وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ 59فَكَانُوا يَرْجُمُونَ اسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: أيّها الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي 60ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: يَا رَبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّئةَ وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ. 8: 1 وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيّاً بِقَتْلِهِ

سمع رجال المجلس الأعلى صوت الله و نشَر الرُّوح القدس قلوبهم، ولكنّهم عارضوا بعزم كلّ انجذاب للتوبة، وقاوموا الله مباشرة، ومملوئين بروح جهنّم صرّوا بأسنانهم. ولكنّهم ضبطوا أنفسهم لئلاّ يسمعوا أخيراً كلمة التجديف الواضحة مِن فم استفانوس، لأنّه حتّى تلك اللحظة تكلّم بحكمة فائقة عن حقائق مكتوبة في التوراة فقط، وأبرز في سلطان الرّوح القدس الإيمان القديم في النّور الجديد، فلم يجدوا فيه ممسكاً شرعيّاً ليبيدوه.

وكان قصد الرّبّ، في هذه اللحظة القاطعة، أن يمجّد ابنه يسوع بطريقة خاصّة فائقة، فانتصب حامل إكليل الفوز استفانوس انتصاباً مقدّساً طاهراً وسط الذئاب، السائل لعابهم على شدقهم مِن أسنانهم، والمستعدّين للهجوم على الحمل الوديع الواقع بين أيديهم.

وكان وجه استفانوس آنذاك يلمع كوجه ملاك، وعيناه نظرتا السّماء المفتوحة، ولم يعد يسمع أعداء الله بعد ذلك، ونسي محكمة النّاس مِن حوله، ورأى الله شخصيّاً في المجد. ونادراً ما كان الأَنبياء يرَون الله في بهائه، إذ كانوا يسقطون عند رؤيته أرضاً. أمّا استفانوس فبقي واقفاً متعجّباً مِن الفرح والغبطة.

ورأى هذا المبصر حركة في السّماء، لمّا قام ابن الله عن يمين أبيه واقفاً لاستقبال شهيده الأوّل. وهذه هي المناسبة الوحيدة في الكتاب المقدّس حيث نقرأ أنّ يسوع واقف عن يمين الله الآب. والمسيح الّذي، لعلّ استفانوس لم يعرفه في حياته على الأرض، كان رغم هذا ليس بمستغرب عليه، بل أدرك ربّه يسوع مباشرة كابن الإنسان، كإنسان حقّ في مجد نور الله، محاطاً بملائكة وبهاء وأشعة ناريّة.

ومتمتماً بفرح وشكر شهد شاهد المسيح ما أراه الله، وتمم بهذا كلمة المسيح بحدّة سيف الرّوح على المجلس الأعلى، لمّا قال سابقاً له المجد: مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوّة. إلاّ أنّ الزعماء الأتقياء لم يروه. أمّا استفانوس المضطهد والمحتقر مِنهم فقد شاهد السّماء مفتوحة.

وهذه الشهادة عن إعلان مجد المسيح الثابت في الثالوث الأقدس اعتبرها اليهود أعلى درجة في التجديف، لأنّهم فهموا أنَّ الناموس (الشريعة) يحظّر عليهم سماع تجاديف كهذه، لكيلا تدخل قلوبهم مسببة شكّاً أو ميلاً إلى البدع. فأقفلوا آذانهم، وعلموا أن كلّ مَن يلمس وحدانيّة الله، ويشرك به بتجديف، يُرجم رأساً.

فصاح النبلاء كحيوانات مستنفرة، وزعق الكهنة، وهجموا معاً على استفانوس، وجرّوه إلى خارج الدار، وركضوا به في أزقّة المدينة المقدّسة، وأبعدوه خارج السور، لكيلا تتنجّس مدينة السّلام بموت المجدّف.

ولكنّ استفانوس آمن وسط الضجيج، واستعدّ مصليّاً لموته واستعدّت روحه للانطلاق، ليصعد إلى السّماء، حيث كان ربّه ومخلّصه واقفاً لاستقباله ولكنّ جسده بقي مطيعاً للرّوح القدس الّذي ملأه بمحبّة لأعدائه. فبينما أصابت الحجارة والصخور جسده ورأسه صرخ منادياً ابنَ الانسان الّذي رآه: أيّها الرّبّ يسوع اقبل روحي. فعلم الشهيد أنّ المسيح هو الرّبّ بنفسه، المستجيبُ الصَّلَوات، وفي يديه مفاتيح الموت والحياة وكما أنّ المصلوب مِن قبل سلّم روحه ونفسه بين يدي أبيه، هكذا أرشد الرّوح القدس المرجوم ليتّكل تماماً على سلطان القدير فلا يرتجف ولا يخاف. وفي هذا الاطمئنان والسرور صلّى استفانوس وهو يتلقى الضربات، وينهار، وجثا على ركبتيه قائلاً: يا ربّ، لا تُقِمْ لهم هذه الخطيئة. فكما غفر الله له، هكذا غفر استفانوس لرؤساء أمّته بمحبّة وحالاً، فمحبّة الله قد انسكبت في قلبه كما أحبّه الله. وبهذا الرّوح حفظ في موته، ورقد مطمئناً غير مضطرب، رغم الحجارة المتساقطة عليه، والّّتي سحقت جمجمته، وكسرت عظامه، مثلما يفعلون بالكلب في حال مرضه بالكَلَب، فيبيده البشر خوفاً مِنه.

وليس بعيداً عن القدّيس الراقد، كان يقف شابّ اسمه شاول، تلميذ غيور وفرّيسي متزمّت؛ وكان له شرف المحافظة على ألبسة شهود الزور، الّذين كان عليهم حسب الناموس (الشريعة) أن يلقوا الحجر الأوّل على المحكوم بالإعدام. فأراد شاول بكلّ بغضائه موت المجدّف، وتشوّق ليشارك في قذفه ورجمه. ولكنْ كان عليه أن يحرس الألبسة، فسمع بدقّةٍ كلمات الشَّهيد الأخيرة، وأبغضه أكثر لأجلها، وفرح بموته فرحاً كبيراً.

ولكنّ الشعور الباطني في شاول امتلأ بشهادة الشهيد عن وحدة الثالوث الأقدس في السّماء المفتوحة، وصورة المصلي المحبّ الراقد وسط وابل الحجارة لم تبرح نفسه. وهكذا وضع الشَّهيد مشعلَ الإنجيل في يد عدوّه، الّذي اعتدى على أسس العهد القديم غير المفهومة حقّاً، أكثر مِن كل إنسان قبله أو بعده، وحرّر كنيسة المسيح مِن الرّوح اليهودي نهائيّاً. إنّ الرّوح القدس يدبّر التطوّر في خطّة خلاص الله بدون خطأ وبدون تأخّر حسب محبّة الله السرمديّة.

الصّلاة: أيّها الثالوث القدّوس، نسجد لك ونحبّك، لأنّك واحد وتحبنا، ولا ترفضنا. نشكرك لإعلان ذاتك لاستفانوس، ونعظّمك لأنّه اشترى شهادته لنا بموته، فنعلم ونشهد أنَّك موجودٌ في وحدة الثالوث، مفعم بالمحبّة والحقّ. ساعدنا كي نكون أمناء حتّى الموت، ووضّح شهادتنا في قوّة الرّوح القدس.

وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ

الْخَلاصُ

لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ،

قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ،

بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ

(اعمال الرسل 4: 12)

ثانيّاً – انتشارُ بشرى الخلاص

في السّامرة وسوريا

وبداية اهتداء الوثنيين

(8: 1- 12)

1الاضطهاد الأوّل لكنيسة المسيح

 في أورشليم

وتشتّت المؤمنين إلى السامرة

(8: 1 – 8)

وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ اضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ الْجَمِيعُ فِي كُوَرِ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ، مَا عَدَا الرُّسُلَ 2وَحَمَلَ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ اسْتِفَانُوسَ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ مَنَاحَةً عَظِيمَةً 3وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ الْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى السِّجْنِ.

لقد امتلأ السامعون بالغيظ مما حسبوه تجديفاً علنيّاً، والّذي تفوّه به استفانوس، وسمعوا صلواته الشفاعيّة فازدادوا حقداً، لأنّ المجدّف لم يلتمس نعمة ورحمة، فركض الرجال الناقمون إلى أحياء اليهود المتغرّبين الّذين صاروا مسيحيين ليبيدوهم، لأنّهم ابتدأوا مثل استفانوس بتبشير أهالي أورشليم بمحبّة ومنطق وتنظيم، وأَجَّج رؤساء الكهنة نار البغضة فامتدَّتْ نار الانتقام أكثر فأكثر، وظهرت أحقاد قديمة وحسد لأجل بركات لم تحصل، وغيظ فائر لكسر التقاليد. وفي تلك الأيام ذرفت دموع الكثيرين في أورشليم، لأنّ الأهل أُخذوا مِن أطفالهم، والرجال فُصلوا عن نسائهم، والشّبان عن أمّهاتهم الأرامل.

كانَ شاول غيوراً متعصّباً، فحصل مِن المجمع الأعلى على وثائق ليبيد ما سمّوه بالبدعة اليسوعيّة. ولم يعد لنصيحة غمالائيل أيّ قيمة، فكلّ يهودي غير ثابت في الشَّريعة والطقوس يُضطهد. هكذا دخل شاول بالقوّة إلى البيوت، وجرّ مع عبيده الرجال والنساء للسجون، وجلدوهم ليجبروهم على الارتداد، وإلاّ رجموهم بالحجارة. وقد اعترف بولس بعدئذ بالدّموع، أنه كان مضطهداً كنيسة المسيح، وأجبر مؤمنين مخلّصين على التجديف على المُقام مِن بين الأموات. فتمسّكه بالشريعة بطريقة جامدة جعله أعمى ومائتاً عن المحبّة. فقد كان كملبوس ولم يدرك أنّ المحبّة هي تكميل الناموس (الشريعة)، فخدم الله بالسيف، ولم يعرف أنّه أصبح بهذا شيطاناً.

وأكثريّة المسيحيين هربوا حَيارى إلى المناطق المجاورة فسكن بعضُهم الكهوف، وركض آخرون إلى قرى بعيدة، حتّى إلى السامرة المحتقرة، ليحتموا مِن الاضطهاد فسألهم النّاس: لماذا تركضون حَيارى بدون قوت وكسوة؟ فجاوبوهم: إنّنا محبّو المسيح، ونحبّ أعداءنا وهذا هو سبب اضطهادنا. وهكذا أخبروا النّاس ببشارة المُقام مِن بين الأموات. إِنَّ المسيح حرّض كنيسته المستقرة في القدس وسمح بكسرها فانقضّ العدوّ الشرّير انقضاض نسر مِن السّماء الزرقاء على سرب مِن الصيصان، الّذين تبعثروا خائفين في كلّ اتجاه. وهكذا نقلوا الإنجيل حسب أمر المسيح، مِن أورشليم إلى كلّ قرية يهوديّة وإلى السامرة فموكب انتصار المسيح لا يتوّقف، بل يمضي ويسير، ويصل إلى نهاية العالم، وإلى كلّ لغة وقبيلة، وحتّى يأتي المسيح ثانية.

فليس جميع المسيحيين قد هربوا مِن أورشليم، لأنّ الرسل الثابتين كانوا مستعدّين للموت، وبقوا مع العجائز والأرامل، وعزّوا الساقطين، واهتمّوا باليتامى والمشرّدين، فبان الرسل كرعاة مخلصين، غير طالبين نجاة لأنفسهم، بل رعوا رعيتهم خصوصاً في الأيام الشرّيرة، ولربّما اختفى الرسل عند أصدقائهم الكثيرين الّذين اختبروا بركة الشفاءات سابقاً مِن أيديهم، أو لعلّ هؤلاء الرسل لم يضطهدوا، لأنّهم كانوا يهوداً مخلصين للناموس (الشريعة) والطقوس، وأكرموا الهيكل بصلواتهم باستمرار، ولم يكونوا كإخوانهم مِن المسيحيين المتحرّرين مثل استفانوس.

وللعجب فإنّنا نجد، أنّه لم يكن كلّ أهل أورشليم مِن الناقمين على المسيحيين، باستثناء أتباع المجمع الأعلى المتزمتين. فهؤلاء فتّشوا في كلّ الأزقّة ليقضوا على آخر أثر مِن حاملي الرّوح القدس. ورغم هذه الثورة فقد اجتمع كثير مِن اليهود الأتقياء الّذين لم يوافقوا على رجم استفانوس، وحملوا جثته جانباً، ودفنوه رسميّاً، وناحوا عليه مناحة عظمى، لكيلا ينصبّ غضب الله عليهم وعلى مدينتهم لأجل هذا الظلم العظيم. وقد أحبّوا خادم الحقّ ورجل المحبّة الّذي خدمهم كملاك الله على الأرض.    فهؤلاء الأتقياء كانوا قريبين مِن روح الإنجيل، ولكنّهم لم يجرؤوا على الانضمام جهراً إلى المسيحية.

أيّها الأخ هل أنت مستعدّ للألم والمعاناة في ساعة الاضطهاد، أم للهرب؟ انتبه لصوت الرّوح القدس الّذي يرشدك خطوة خطوة؛ فليس مهمّاً أن تمجّد ابنه بموتك مستشهداً فهو ربّما يريد أن تشهد له في مكان آخر. فأصغِ إذاً إلى صوت الرّبّ، ومُت لأنانيتك، لتخدم المسيح وتعيش لأجله.

الصّلاة: أيّها الرّبّ سيّدي، يا مَن حياتي بين يديك، أعطني ألاّ أعيش ثانيةً واحدةً لنفسي، بل أن أخدمك ليلاً نهاراً. علّمني الأمانة حتّى الموت، ليس بكلمات فقط، بل بترجمة محبّتك إلى أعمال صالحة. ارحمني وبارك أعداءَ محبَّتِك أجمعين.آمين.

8: 4 فَالَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِالْكَلِمَةِ 5فَانْحَدَرَ فِيلُبُّسُ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ وَكَانَ يَكْرِزُ لَهُمْ بِالْمَسِيحِ 6وَكَانَ الْجُمُوعُ يُصْغُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى مَا يَقُولُهُ فِيلُبُّسُ عِنْدَ اسْتِمَاعِهِمْ وَنَظَرِهِمُ الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَهَا، 7لأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الَّذِينَ بِهِمْ أَرْوَاحٌ نَجِسَةٌ كَانَتْ تَخْرُجُ صَارِخَةً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَكَثِيرُونَ مِنَ الْمَفْلُوجِينَ وَالْعُرْجِ شُفُوا 8فَكَانَ فَرَحٌ عَظِيمٌ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ.

يحاول الشيطان دائماً أن يبيد كنيسة المسيح. ولكن كما ظهر في الصّليب، هكذا حدث في الاضطهاد العظيم بعد موت استفانوس. إنّ ضربة الشيطان لا تبيد الكنيسة، بل تزيد الحياة الرّوحيّة. وبينما كان المؤمنون في سجون أورشليم رجالاً ونساءً يتألّمون ويتعذّبون، وشاول في استكباره التقي وقد أصبح عبد الشيطان المنقاد بروحه، تشتت كثيرون مِن أعضاء الكنيسة إلى مناطق، لم تكن للمجمع الأعلى سلطة عليها. وهؤلاء اللاجئون لم يجدوا رأساً وطناً جديداً، ولربّما تمنّوا الرجوع إلى بيوتهم في أورشليم في أقرب وقت ممكن، كما أنّهم لم يجولوا كشحاذين، بل بشّروا بملكوت الله، وشهدوا بفرح المسيح وسط الآلام فكان إيمانهم غير مكسور، أمّا رجاؤهم فكان ملتهباً. ففهموا كلمة يعقوب بمعناها العميق، حيث قال: احسبوه كلّ فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة عالمين أنّ امتحان إيمانكم ينشئ صبراً وأمّا الصّبر فليكن له عمل تامّ لكي تكونوا تامّين وكاملين غير ناقصين في شيء.

وفيلبس، أحد الشمامسة السبعة، فرّ إلى منطقة السامرة،  ووجد في شكيم قرب نابلس ملجأ، وأعلن حقيقة المسيح، ورسم قدّام مستمعيه الإنسان الإلهي القادر على الموت، والمخلّص مِن الخطيئة، وطارد الشيطان، والّذي صعد إلى السّماء، وصالحنا مع الله، ويشفع فينا، وهو جالس عن يمين العظمة، ويملك معه، ويغلب كلّ القوى الشرّيرة في كل الّذين يطلبونه وينفتحون لروحه. وبما أنّ فيلبس كان آلة في يد المسيح، فقد جرت منه قوّة كثيرة للرّوح القدس، وخرجت أرواح نجسة، صارخة مِن الملبوسين فتعزّى اليائسون، ومشى العرج وابتهج الجميع وتراكضوا بنفس واحدة إلى المبشّر، لأنّ خلاص المسيح ظهر فعمّ الفرحُ هذه المدينةَ.

2الساحر سيمون

 وعمل بطرس ويوحنّا في السامرة

(8: 9 – 25)

8: 9 وَكَانَ قَبْلاً فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ اسْمُهُ سِيمُونُ، يَسْتَعْمِلُ السِّحْرَ وَيُدْهِشُ شَعْبَ السَّامِرَةِ، قَائِلاً: إِنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ! 10وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتْبَعُونَهُ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ قَائِلِينَ: هذَا هُوَ قُّوَّةُ اللّهِ الْعَظِيمَةُ 11وَكَانُوا يَتْبَعُونَهُ لِكَوْنِهِمْ قَدِ انْدَهَشُوا زَمَاناً طَوِيلاً بِسِحْرِهِ 12وَلكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِالأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللّهِ وَبِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، اعْتَمَدُوا رِجَالاً وَنِسَاءً 13وَسِيمُونُ أَيْضاً نَفْسُهُ آمَنَ وَلَمَّا اعْتَمَدَ كَانَ يُلازِمُ فِيلُبُّسَ، وَإِذْ رَأَى آيَاتٍ وَقُّوَّاتٍ عَظِيمَةً تُجْرَى انْدَهَشَ .

كانت منطقة نابلس آنذاك مظلَّلةً بالرّوح الظالم، لأنّه ليس السامريون وحدهم، هم الّذين انحرفوا عن حقّ التوراة كدين ممتزج بأديان أخرى، بل دخلتهم كثير مِن الأرواح الشيطانيّة، وملأت البيوت، وثارت في عقولهم المستعبدة، وخصوصاً في السامرة، فقد تسلّط روح شيطاني على سيمون الساحر المشهور وأتباعه، فلمّا جاءت بشارة الإنجيل، سقطت قيود الظلمة عن كثيرين، لأنّ كلمة المسيح تحرّر المقيّدين، ونور السّماء يطرد ظلمة الشيطان، لأنّ المسيح هو المنتصر، حتّى اليوم.

والساحر الّذي تسلّط بقواه على كثير مِن النّاس، فكّر في نفسه أنه عظيمٌ، وسمّاه الملتصقون به قُوَّةَ الله العظيم. ومِن هذا يظهر مرّةً أخرى، أَنّ أصل روح الشيطان هو الاستكبار والتّعجرف والتّسلّط على الآخرين. أمّا المسيح فهو وديع ومتواضع القلب، دفع كلّ مجد وكرامة إلى أبيه، ومات في صورة مجرم عوضاً عنّا.

ولمّا دخل فيلبس، رسول التواضع، بقوّة المسيح، إلى المدينة المظلمة، أنار نور الإنجيل كثيراً مِن النّاس؛ وكما كانوا سابقاً ملتصقين بسيمون الساحر، تراكضوا الآن إلى فيلبس، وصدّقوا قوله؛ ولكنّهم لم يطلبوا أوَّلاً الخلاص مِن خطاياهم، ولم يتوبوا توبة عظيمة، بل دُهشوا مِن العجائب الّّتي تحقّقت باسم المسيح، وتمنّوا الاشتراك في قوّته وحمايته، وتعمّدوا أفواجاً أفواجاً. إنّما بالحقيقة، لم يكن إيمانهم بالمسيح إيماناً ثابتاً، بل كان تصديقاً وإعجاباً فقط بما قاله وعمله فيلبس.

وهذا التصديق ليس هو الإيمان الرّوحي الحقّ؛ فتراكض الجماهير إلى الزعيم القوي فيلبس، ولم يتغيّروا جذريّاً، وهذا الشعور السطحي اشترك فيه أيضاً سيمون الساحر، فشعر بقوّة الله العظيمة في فيلبّس، واستسلم ظاهريّاً لمرسل المسيح، وتعمّد مجربّاً الفكر الجديد؛ ولكنّ قلبه ظلّ قاسيّاً، وروحه بقي متحجِّراً، لأنّه كان ممتلئاً بأرواح سفلى فرأى بالإيمان مراءاةً، والتصق بفيلبّس، وليس بيسوع، وتمنَّى أن يستخرج مِن رجل الله هذا أسرارَ قوَّته وفرحه بواسطة المراقبة الدائمة، فتعجّب أكثر فأكثر، لأنّه رأى بعينيه قوّة المسيح جاريةً مِن فيلبّس ولكنّه لم يفهمها قَطّ.

ومِن النهضة الانتعاشيّة في نابلس على يد فيلبّس، نتعلّم أنّه لا قبول الإنجيل مِن  النّاس أفواجاً، ولا جريان قوى الله بكثرة، يعني توبةً حقّة وإيماناً صحيحاً وتجديداً وخلاصاً، بل إِنَّ النّاس الطَّبيعيين هم بمجملهم متديّنون وسرعان ما يتعجّبون مِن العجائب الرّوحيّة، ويصفّقون للخطب الحماسيّة، ويستسلمون للبشائر الجذّابة، ولكنّهم غير خاضعين للمسيح المصلوب، ولا يريدون إنكاراً للنفس. فهل أنت مغروس في المسيح، أم جاسوسٌ ضمن كنيسته؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ القدير، نشكرك لأنّ إنجيلك هو قوّة البركة. ويَطرُدُ الشَّياطين، ويحرّر المؤمنين فأعطنا ألاّ نكون جامدين في بلدتنا، الّّتي ولدنا فيها، بل أَنْ نتقدّم إلى محيطنا ونبشّر باسمك ،لتخرج الأرواح الشرّيرة باسم يسوع، ويتوب الأفراد، ويتجدّدوا بروحك القدّوس،آمين.

8: 14 وَلَمَّا سَمِعَ الرُّسُلُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ السَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ اللّهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، 15اللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلا صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يَقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ، 16لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ – غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ 17حِينَئِذٍ وَضَعَا الأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ 18وَلَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي الرُّسُلِ يُعْطَى الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ 19قَائِلاً:أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضاً هذَا السُّلْطَانَ، حتّى أَيُّ مَنْ وَضَعْتُ عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ الرُّوحَ الْقُدُسَ 20فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ:لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ اللّهِ بِدَرَاهِمَ 21لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلا قُرْعَةٌ فِي هذَا الأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيماً أَمَامَ اللّهِ 22فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هذَا، وَاطْلُبْ إِلَى اللّهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، 23لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ الْمُرِّ وَرِبَاطِ الظُّلْمِ 24فَأَجَابَ سِيمُونُ: اطْلُبَا أَنْتُمَا إِلَى الرَّبِّ مِنْ أَجْلِي لِكَيْ لا يَأْتِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمَا 25ثُمَّ إِنَّهُمَا بَعْدَ مَا شَهِدَا وَتَكَلَّمَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَبَشَّرَا قُرىً كَثِيرَةً لِلسَّامِرِيِّينَ.

كان الفرح عظيماً في أعضاء كنيسة أورشليم، لمّا سمعوا أنّ السامرة قبلت كلمة الله. فلم يطلب العمادَ أفرادٌ فقط، بل جماهير كثيرةٌ في كلّ أنحاء هذه المنطقة فانتشر ملكوت الله وسط الدّين السامري الممتزج ببقايا أديان مختلفة.

والمتأنّون مِن الرسل قالوا: لنمتحن هذه الجماهير، مِن أيّ روح هي؟ لقد عرَفنا السَّامريين مِن قبل، لمّا منعوا مرور يسوع مِن بلادهم، وآنذاك غضب يوحنّا ورفقاؤه، وطلبوا مِن الرّبّ إسقاط نار مِن السّماء ليبيد المتمرّدين في تلك القرى. فنخس يسوع قلوبهم وسألهم: ألستم تعلمون مِن أيّ روح أنتم؟ أمّا الآن فقد ذهب بطرس ويوحنّا ليراقبوا النهضة الجديدة، ويزيدوا في فرح المؤمنين بخدماتهم.

ولمّا جاء الرسولان إلى السامرة لاحظا تَوّاً أنّه رغم الحماس والإيمان الظاهر لأجل العجائب، كان الأهمُّ مِن كل الأشياء ناقصاً هنالك، أي التَّغيير الدَّاخلي للإنسان، وتحرّره مِن ارتباطاته الشيطانيّة، وامتلاؤه بالرّوح القدس. فالجماهير آمنوا بيسوع، ولكنّهم رغم إيمانهم به واعتمادهم على اسمه بالماء، لم ينالوا معموديّة الرّوح القدس.

فعلينا الاعتراف، ولو لم نحبّ ذلك، بأنّ إيمان أكثريّة المسيحيين بالمسيح تصديق عقلي. وكلّ ما هنالك أنّهم مارسوا المعموديّة بالماء، ويستسلمون للطقوس المقدّسة، ويتمنّون عجائب وإرشادات الرّبّ؛ ولكنّهم لم ينالوا الخلاص حقّاً. فالقلوب لا تزال مقيَّدة بسلاسل الأرواح الشرّيرة، وتتسلّط عليهم أفكار مِن رواسب المذاهب القديمة، والخطيئة تملك على أجسادهم، ولا تظهر فيهم قوّة الله، بواسطة التواضع والمحبّة والتضحيات وإنكار النفس.

فعلينا، كأفراد وكنائس، أن نمتحن أنفسنا في نور الإنجيل: هل نحن شركة المصدّقين بعقيدة المسيح فقط، أم نحن قدّيسون ممتلئون بروح المحبّة، أموات لأنفسنا وعائشون لله؟ لا تَظُنَّنَّ أنَّ فهم المسيح مجرّد الإيمان والثَّبات في التقليد الكنسي يخلّصك، لأنّك بدون حياة الله الصادرة مِن الرّوح القدس تبقى، رغم أفكارك الدينيّة وتعصّبك الأعمى، ميتاً روحيّاً. فهل حصلت على هبة الرّوح القدس حقّاً؟ لقد غفر لنا المسيح ذنوبنا على الصّليب، لننال موعد أبيه، وتدخل في أجسادنا الفانية قوّته وحياته وسروره وصلاحه. فلا تكتفِ بتقواك، ولا تتخيل بتخيلاتك الدينيّة، بل تُبْ متغيِّراً في ذهنك، طالباً إلى المسيح بمواظبة أن يملأك بروحه القدّوس؛ فتدرك عندئذ شرّك، وترفض نفسك الخاطئة، فيخلق المسيح فيك خليقة جديدة ممتلئة بالحياة الأبديّة.

فيا أيّها الأخ الكريم انتبه! لا تتصرف كسيمون الساحر، الّذي كان جاسوس الشَّيطان في كنيسة المسيح، فَلاحَظَ قوّة الله النابعة مِن الرسل، وامتلأ طمعاً بامتلاكها، وعَلَّلَ نفسه بالحصول على قدرة إعطائها للآخرين. ولو حصل ذلك، لصار أقوى مِن فيلبس، وَلَتَركَ النّاسُ هذا الشمّاس النشيط، ورجعوا إلى سيمون الساحر القديم.

وهنا يظهر أنّه رغم العماد والتوبة المرائية، يمكن للإنسان أن يبقى شيطاناً مستكبراً طمّاعاً للسلطة والعجرفة، إذا لم يتحرّر في صميم قلبه مِن خطاياه بسيف كلمة الله. فخلاصنا يعني فداء مِن سلطات شرّيرة، وليس فقط شعوراً دينيّاً وفهماً عقليّاً.

فشيطانيّة سيمون، ظهرت سريعاً في اتّكاله على المال، لأنّه ظنّ أَنَّ بإِمكانه شراء سلطان وضع الأيدي بالنقود، فلم يفهم صميم الفكر المسيحي، عن ذبيحة المسيح المجانيّة على الصّليب البتّة. فمستحيل أن نحصل على نعمة الله بواسطة المال، أو الأعمال الصالحة، أو التّقدمات البشريّة، أيّا كان نوعها، لأنّ إلهنا ليس تاجراً مرابياً، بل هو أبٌ حنون، مُعطٍ بلا نهاية. ومَن يجعل مِن المُحبّ تاجراً، فإنّه يسقط مباشرة في جهنّم وبئس المصير.

فهذا هو جواب بطرس للمرائي: لتكن فضّتك للهلاك، وإلى الأسفل نفسك الممتلئة بالأنانيّة والطمع بالسّلطة والاستكبار والكذب. أنت لست مولوداً مِن روح الله، بل أنت ابن الشيطان. ورغم معموديتك وتصديقك بالمسيح وتظاهرك المسيحي، فأنت لست مشتركاً بملكوت الله، وما زالت طرق قلبك مُعْوَجَّةً كالسَّابق؛ وكذلك أنت معقّد وفاسد وشرّير وهالك، لأنّك تفكّر بطرق بشريّة وليس باستنارة الرّوح القدس؛ فتظنّ أيّها المسكين أنّ كلّ شيء يُشرَى بالمال، فتجرّب حتّى الله، لتحصل على نعمة روحه بدراهمك. تب حالاً عن كبريائك وطموحك المتوهم، وانكسر لشرّك وغيّر وجهة حياتك، واندم على خطاياك أمام الله بالدّموع، طالباً إليه غفران شرّك، وملتمساً مِنه تحرّرك مِن سلاسلك الشرّيرة. لقد فتحت قلبك لخطر خبيث ووافقت عليه، فارفضه سريعاً، واستغفر ربّك، عسى أن يغفر لك! وهو لا يغفر لك، إلاّ إذا انفصلت حقّاً وكليّاً وطوعاً عن خطيئتك، ورفضتها نهائيّاً. فعندئذ تخلص وتحصل على الغفران المعدّ للتائبين.

وإن لم تتب وتتغيّر في داخلك، ستبقَى خطراً على كنيستك، مسمّماً كثيرين بتقلقلك بين الله والشيطان، وتربط أتباعك برباط الظلم؛ وهكذا تصبح باباً لجهنّم، وليس باباً إلى السّماء. فكلماتك تفسد النّاس و لا تخلّص أحداً.

ويا للأسف! لم يتب السّاحر سيمون توبة مستقيمة، ولم يجثُ أمام الرسل معترفاً بخطئه، مستغفراً الله، بل خاف فقط مِن التهديد الرّوحي بأقوال الرسول بطرس. ولم يمت الرّوح القدس السّاحر مباشرة، كما عمل بحنانيّا وسفيرة في أورشليم سابقاً، لأنّ سيمون لم يولد ثانية، ولم يحصل على الرّوح القدس حقّاً؛ فبقيت إمكانية التوبة مفتوحة له.

ونعلم مِن تاريخ الكنيسة، أنّ الساحر المرائي لم يرجع، بل أَسَّس بدعةً نادت به إلهاً، وحصل بين أتباع هذه البدعة كلّ شذوذ جنسي ودعارات نجسة، لأنّه حيث يظهر روح الشيطان في الجبّة التقيّة والتحمّس الديني، فهناك يبدو سريعاً الاعوجاج بالنّسبة للمال والجنس. فانتبه انتباهاً بالغاً وانفصل عن كلّ حركة دينيّة متحمّسة، وتب إلى فقر المسيح وقناعته، واختر طهارة الرّوح القدس، واسلك في العفّة بقوّته.

اختبر الرسل أنّ كثيراً مِن السامريين ، تابوا توبة حقّة، وتغيّروا بواسطة الرّوح القدس في صميم قلوبهم؛ فلم يبشّر الرسل بسطحيّة وحماس، بل طلبوا بشّدة تطهير القلوب، وشدّدوا على التجديد الحقّ، لأنّه بدون ولادة ثانية لا يمكن أحداً أن يدخل ملكوت الله. فنطلب إليك أيّها الأخ أن تسلّم نفسك تماماً لروح الله، طالباً إليه أن يدين خطاياك اليوم، ويميتها ويغلبها حقّاً، ويقدّسك بواسطة إيمانك بدم المسيح، ويملأ نفسك بذاته. لا تبق واقفاً في منتصف الطريق، لكيلا تصبح ضرراً للكثيرين.

الصّلاة: أيّها الرّبّ القدّوس، لا تهلكني بل طهّرني مِن كلّ عنادي بدم المسيح، وليسحق روحك القدّوس في نفسي كلّ استكبار ونجاسة ومراءاة وطموح للتسلط لأتحرّر مِن ذاتي، ومِن كلّ روحٍ شرّير، وأتجدّد في المسيح، رئيس الإيمان ومكمله.

3إيمان ومعموديّة الوزير الحبشي

(8: 26 – 40)

8: 26 ثُمَّ إِنَّ مَلاكَ الرَّبِّ قَالَ لِفِيلُبُّسَ:قُمْ وَاذْهَبْ نَحْوَ الْجَنُوبِ، عَلَى الطَّرِيقِ الْمُنْحَدِرَةِ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى غَّزَةَ الَّتِي هِيَ بَرِّيَّةٌ 27فَقَامَ وَذَهَبَ وَإِذَا رَجُلٌ حَبَشِيٌّ خَصِيٌّ، وَزِيرٌ لِكَنْدَاكَةَ مَلِكَةِ الْحَبَشَةِ، كَانَ عَلَى جَمِيعِ خَزَائِنِهَا – فَهذَا كَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيَسْجُدَ 28وَكَانَ رَاجِعاً وَجَالِساً عَلَى مَرْكَبَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ 29فَقَالَ الرُّوحُ لِفِيلُبُّسَ:تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هذِهِ الْمَرْكَبَةَ30فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ، وَسَمِعَهُ يَقْرَأُ النَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ، فَسَأَلَهُ: أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقْرَأُ؟ 31فَأَجَابَ: كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟ وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ 32وَأَمَّا فَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ فَكَانَ هذَا:مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ، وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجُزُّهُ هكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ 33فِي تَوَاضُعِهِ انْتَزَعَ قَضَاؤُهُ، وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ، لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ الأَرْضِ؟ 34فَسَأَلَ الْخَصِيُّ فِيلُبُّسَ: أَطْلُبُ إِلَيْكَ: عَنْ مَنْ يَقُولُ النَّبِيُّ هذَا؟ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ وَاحِدٍ آخَرَ؟ 35فَابْتَدَأَ فِيلُبُّسُ مِنْ هذَا الْكِتَابِ يُبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ .

36وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي الطَّرِيقِ أَقْبَلا عَلَى مَاءٍ، فَقَالَ الْخَصِيُّ:هُوَذَا مَاءٌ مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟ 37فَقَالَ فِيلُبُّسُ:إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ فَأَجَابَ:أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللّهِ 38فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ الْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلا كِلاهُمَا إِلَى الْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَالْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ 39وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ الْمَاءِ خَطَفَ رُوحُ الرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يُبْصِرْهُ الْخَصِيُّ أَيْضاً، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحاً 40وَأَمَّا فِيلُبُّسُ فَوُجِدَ فِي أَشْدُودَ وَبَيْنَمَا هُوَ مُجْتَازٌ كَانَ يُبَشِّرُ جَمِيعَ الْمُدُنِ حتّى جَاءَ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ.

انتزع المسيح الحيّ فيلبس الشمّاس مِن وسط خدمته المزدهرة، في منطقة نابلس، بواسطة ملاك، وأمره أن يذهب في الطريق الحار، وسط الصحارى، حيث لا يعيش إنسان ولا حيوان. كان يمكن أن يتمرّد قلب المبشّر، ولكنّه أنكر نفسه، وقام وأطاع ربّه؛ وبهذه الإطاعة عظم انتصار المسيح، وكسب بلاداً كاملة لإنجيله.

فقد أتى مِن الحبشة إلى أورشليم موظَّفٌ غنيٌّ، هو وزير الملكة كنداكة، ولعلّه سمع مِن قبل شيئاً عن وحدانيّة الله وناموسه (شريعته)، بواسطة المبشّرين اليهود المتمركزين في جزيرة الفنتينة، وسط نهر النيل، فكلّ النّاس يجوعون إلى الله، والكرماء بينهم يبحثون في كلّ الأديان والفلسفات، ليلتقوا الله الحقّ شخصيّاً.

فقام الموظّف الغني وزير المال في مملكته، وكان خصيّاً ومستشاراً موثوقاً به مِن ملكته، وذهب إلى الديار المقدّسة البعيدة، ليكسب لنفسه ولكلّ بلاده بركة الله. وفي أورشليم سجد للربّ، ولكنّ قلبه بقي فارغاً. ولم يكن مسموحاً للخصي أن يتقدّم إلى دار السجود داخل الهيكل، فاشترى مِن أحد الكتبة بثمن باهظ درجاً يحتوي على سِفر إشعياء، كالدّرج الّذي تمّ العثور عليه مؤخَّراً في مغاور قمران. ولا نعرف إذا كان ذلك الوزير قد قرأ السِّفر باللّغة العبريّة، أو حصل على الدّرج بالتَّرجمة اليونانيّة. وعلى كلّ الأحوال، فقد استطاع أن يقرأه، ورغب في أن يمتلئ قلبه بروح العهد القديم، ليعود إلى بيته بأفكار وقوى جديدة. وحقّاً فقد كان بين يديه كنز عظيم.

ولمّا وصل القارئ إلى النبوّات المختصّة بالمسيح، الّّتي تصفه بحمل الله الوديع، أرشد الرّوح القدس الشمّاس فيلبس أن يتقدّم إلى هذا الوثني الطالب الله، ووضع في فمه السُّؤال الحكيم الّذي سبّب كثيراً مِن الأبحاث مع المشتاقين إلى الله: هل تفهم ما تقرأه؟ الحمد لله! فلم يكن الوزير النّبيل متكبّراً، ولم يقل أنا مُثقّف وأفهم كلّ شيء، بل اعترف بجهالته، وربح بواسطة تواضعه حكمة الله. فويل للّذي يظنّ أنّه يعرف كلّ شيء، ويستطيع كلّ شيء، لأنّ قلبه ورأسه يبقيان مقفلَين على الإنجيل.

عندئذ أراه فيلبس، في البحث الطويل، أنّ يسوع هو حمل الله، الحامل بالتواضع والمحبّة ذنوب العالم وغضب الله، لمّا عُلّق على الصّليب. وقد خلّص كلّ النّاس، وحتّى الخصي وشعبه. والإيمان بالمصلوب يخلق تصفية الذنوب الماضية في الضمير، ويفتح قلب المؤمن لحياة الله في الحاضر والمستقبل. فأرشد فيلبس المصغي العطشان إلى طريق الحياة بواسطة حمل الله والصّليب الفريد.

وقد أثبت الرّوح القدس هذه المباحثة، لأنّ طالب الله هذا سمع وفهم وآمن، وقرّر تَوّاً،

 أن يُخضع حياته تماماً للمسيح، ويقبله ربّاً وفاديّاً، وطلب المعموديّة لمّا بان له بعد سفرته الطويلة ماء في البرّيّة.

ولعل فيلبس تباطأ في تعميده، بعد اختباراته في السامرة؛ فتقدّم إلى طالب المعموديّة بالشرط المبدئي لإجرائها: إن آمنت مِن كلّ قلبك، فلا مانع مِن العماد. انتبه مِن كلّ قلبك، وليس بفكرك أو عقلك أو شعورك أو إرادتك وحدها: هل فتحت قلبك تماماً للمسيح، وقطعت معه عهد الحياة الأبديّة؟ إنّ روح الله لا يحلّ في القلب الّذي يلتفت نصف التفاتة إلى يسوع، ويبقى نصفه الآخر متجّهاً إلى العالم. اختر يسوع كلّياً، فيقبلك أبديّاً.

أَمَّا الوزير فقد قرّر، وألحّ في طلب المعموديّة، ونجح في الامتحان، ولخّص إيمانه بيسوع في جملة واحدة: أنا أؤمن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله. فبهذه الجملة شهد أنّه أدرك سرّ الثالوث الأقدس، وانسجم بفداء المسيح، وآمن بأبوّة الله، واشترك في الحياة الأبديّة. إنّ هذا الاعتراف ليس عقيدةً فارغةً، بل هو أقوى مِن كلّ القنابل الذريّة في العالم. تَعمَّقْ في معاني هذه الشهادة فتصبح ابناً لله، لأنّ الأزلي هو أبونا بواسطة ابنه يسوع.

ولمّا عمّد فيلبس التَّائبَ المؤمنَ، فصله الرُّوحُ القدس عن المتجدِّد، لكيلا يتعلَّق فيما بعد بالمبشِّر، بل يلتصق بيسوع وحده. ففي حالة هذا الوزير حدث عكس ما حلّ بسيمون الساحر الّذي لازم فيلبس، فلم يتحرّر للمسيح. أمّا هذا المعتمد الجديد فرجع إلى بيته، مصليّاً وحامداً وساجداً لله، فلم يلتقِ العليَّ في أورشليم، بل وسطَ البرّيّة، لأنّه قد دخل رحابَ المسيح مؤمناً، والسيد الرّبّ لم يرفض الخصي، كما رفضه اليهود، بل قبله واحتضنه وأدخله في رعايته.

والرّوح القدس دفع فيلبس إلى مدن شواطئ فلسطين، مِن الجنوب إلى جبل الكرمل، حَيثُ ملأ كلّ الأمكنة باسم يسوع ومهّد الطريق لربّه.

الصّلاة: أيّها الرّبّ القدّوس، نشكرك لأنّ عبدك فيلبس أطاع أمرك، وبشّر بقوّة روحك الوزيرَ الحبشي، ونقله مِن الموت إلى الحياة، بواسطة الإيمان بالمصلوب ابنك. أَرشِدْنا بروحك القدّوس، لنجد الأفراد الّذين يطلبونك، ونرسم لأعينهم المصلوب ابنك، جواباً لأسئلتهم فَيَحيَون.

4ظهور المسيح لشاول أمام دمشق

(9: 1 – 5)

9: 1 أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّداً وَقَتْلاً عَلَى تَلامِيذِ الرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حتّى إِذَا وَجَدَ أُنَاساً مِنَ الطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ 3وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، 4فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتاً قَائِلاً لَهُ:شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ 5فَسَأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ الرَّبُّ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ“.

تلقّى شاول دروسه في التوراة على يد العليم غمّالائيل الحكيم. وآمن بأنّ الله واحد، وتعصّب في إيمانه ممتلئاً غيرة للكفاح مِن أجل وحدانيّة الله وتنفيذ شريعة في أمّته، وكل مِن يخرج على إيمان الآباء ولا يخضع له، فإنّ شاول كان يخضعه غصباً أو يقتله حقداً، وشاول الشاب اغتاظ كثيراً مِن مواعظ استفانوس أثناء دفاعه عن نفسه، ومِن تصريحه برؤية المسيح، فعذّب المؤمنين التابعين هذا المذهب ليرتدّوا عن الإيمان ويجدّفوا على المسيح. وكان المجمع الأعلى مسروراً مِن شاول النشيط الشجاع، وأعطوه سلطاناً ووثائق، لمّا تقدّم إليهم طالباً أن يرسلوه إلى دمشق، تلك الواحة الواسعة وسط الصحراء، لكي يصلح هناك الطائفة اليهوديّة، ويلاشي البدع اليسوعيّة، ويثبت إيمان الآباء.

فركب شاول المفتخر فرسه إلى العاصمة السوريّة وسط البراري، ليبيد حاملي روح المسيح، الّذين كانوا يصلّون لأجل عدوّهم، وأحبّوه وعرفوا مقاصده. فقد أتى الإيمان الجديد إلى الشَّام، بواسطة تجّار ولاجئين ومسافرين، وليس بواسطة رسل أو شمامسة.

ولمّا رأى شاول أبراج المدينة وقببها مِن بعيد، استعدّ للدخول متباهياً، فأبرق مجد الرّبّ فجأة كصاعقة حول هذا الغيور، الّذي ظنّ أنّه يخدم الله، وبالحقيقة كان عبداً للشيطان، فسقط شاول مِن على فرسه إلى الأرض، ولا نقرأ فيما بعد أنّه امتطى مرّة أخرى فرساً طوال حياته، بل كان يمشي على قدميه منسحقاً متواضعاً.

وسمع الشاب صوتاً نخس صميم قلبه، وجمّد عقله: شاول شاول، لماذا تضطهدني؟ فالمتكلّم عرف اسمه وأخلاقه وماضيه وتخطيطه. فالله كشفه وأعلن كلّ حياته وكلّ ذنوبه، وهو معلن أمام القاضي الأزلي.

وارتجف شاول لمّا قال له الصوت: أنت تضطهدني! فلم يقل يسوع إِنّك تضطهد الكنيسة، بل تضطهدني شخصيّاً، لأنّ يسوع وكنيسته وحدة كاملة. فالرّبّ هو الرأس، ونحن أعضاء جسده الرّوحي، ومهما حدث لأحد الأصاغر مِن أتباعه، فهو يقع عليه شخصيّاً، والرّبّ يتألّم مع كنيسته لكل ظلم واقع عليها. فقد أعلن يسوع بهذه الجملة الصغيرة سرّ كنيسته وغاية مقاصده، إنّه متّحد اتّحاداً إلهيّاً مع أتباعه، بواسطة الرّوح القدس في المحبّة.

ولم يقل يسوع للمنسحق فقط، أنت تضطهدني، بل لماذا تضطهدني؟ لأنّه مِن المؤلم والصعب لدى الله، ألاّ يدرك النّاس حقيقة الثالوث الأقدس. فلا سبب ولا حقّ لإنسان ما أن لا يخضع ليسوع، فالذّنب الأساسي هو أنّ النّاس لا يقبلون محبّة الخالق الفائقة المعلنة في المسيح؛ وهذه هي الخطيئة الرئيسيّة، أن لا يؤمن الإنسان بغفران خطاياه بواسطة المصلوب؛ فهذا يضادّ فكر الله، فيدين كلّ عنيد بقوله: لماذا تضطهدني وتضادّ محبّة الثالوث الأقدس؟

وشعر شاول نوعاً ما، أنّ ربّ المجد لا يبيده حالاً، رغم أنّه عدوّه! وأنّ الحيّ ذا الجلال لا يخنقه؛ رغم أنّ شاول قتل أتباعه. فأشرق في نفسه الشعور أنّ الرّبّ المتكلّم هو المحبّة وليس الانتقام، وأن جوهره النّعمة وليس الدينونة. ولم يكن لشاول أيّ عمل صالح يقدّمه لمرضاة الله، إلاّ جريمته بالقتل واضطهاد القدّيسين. ولكنّ شاول حصل على النّعمة الإلهيّة مجّاناً، وبدون استحقاق، رغم أنّه كان أهلاً للموت والجحيم، فتمتم شاول المضطرب بكلمته: مَن أنت يا ربّ؟ فلم يسمّه بالنصّ اليوناني سيّداً أو ملاكاً عظيماً، بل أدرك أنّ المتكلّم هو الله نفسه، وسمّاه الرّبّ. فقول شاول عنى صلاة مرتجفة وطلبة متواضعة لأجل إعلان اسم الله، ليعرف مَن هو المتكلّم في النّور. لقد شعر شاول بالنّعمة الفائقة وسط الدينونة المهلكة. فتجاسر مرتعباً أن يكلّم الله مؤمناً. وجاوب الرّبّ عدوّه، ولم يحطّمه، واستجاب صلاته، وأنعم على المجرم. فقول المسيح لشاول يعني أن الرّبّ رحم الشرّير، وتنازل، فأخبره بكلمات مفهومة عن مشيئته. وهذه الكلمات طهّرت شاول وبرّرته، وكانت أساساً لمستقبله.

وأعلن يسوع جوهره بالكلمة الفريدة (أنا هو). فيا أيّها المسكين شاول الصغير الملبوس المبهور، أنا موجود. أنا مقام مِن بين الأموات. أنا حيّ. أنا يسوع أنا لست خيالاً أو كذباً. أنا لم أفسد في القبر، بل أنا ربّ المجد، واقف شخصيّاً أمامك، وعارف نيّتك الصالحة ولكنّ عقلك مبهور بسبب بغضتك المتدينة، ولا تستطيع إدراكي بسبب تعصبك المقيت؛ ولكنّك تضطهدني، أنا غالب الموت، والمنتصر على جهنّم، مفكّراً أنك بهذا تخدم الله؛ وهذه هي الحقيقة حتّى اليوم، أنّ كلّ الّذين يضطهدون يسوع المسيح يعبدون الشيطان، لأنّ يسوع الحيّ جالس عن يمين الله الآب، وقد دُفع إليه كلّ السلطان في السّماء وعلى الأرض.

ولا ريب في أنّ المسيح كسّر بظهوره وكلماته شاول المنتفخ، وحطّم إيمانه بذاته وثقته ببرّه الشريعي، وأعلن له أنّ المصلوب حَيٌّ وأنّه محور الكون، لا يهلك أعداءه، بل يمنحهم نعمة فوق نعمة؛ وأنّه واحدٌ مع كنيسته الممتلئة بالرّوح القدس فهذه المبادئ الثلاثة المعلنة لشاول، في لحظة واحدة، لا تزال حتّى اليوم رُكنَ إِيمانِنا في العهد الجديد: قيامة المسيح، ونعمته في الصّليب، وكنيسته الحيّة الممتلئة بالرّوح القدس. فهل تنسجم مع هذه الأركان الثلاثة تماماً، أم تعارض روح المسيح وحقّه؟ فعندئذ يقول الرّبّ لك: صَعبٌ عليك أن ترفس مناخسَ الله، وتتألّم كثيراً لأنّك تضاد الحقّ والحياة.

الصّلاة: نسجد لك أيّها الرّبّ المجيد الحنون، لأنّك لم تُبِد شاول بل رحمته. فأنت حَيٌّ وموجود. أعلن نفسك لكلّ الّذين يطلبونك، وخلّص كلّ غيور متديّن يضطهد كنيستك عن نيّة صالحة، وهو غير عالم بخطئه. نعظّم اسمك، لأنّك واحد مع كنيستك المحبوبة. آمين.

5معموديّة شاول على يد حنانيّا

(9: 6 – 18)

9: 6 فَسَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: قُم وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ 7وَأَمَّا الرِّجَالُ الْمُسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلا يَنْظُرُونَ أَحَداً 8فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ الأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ الْعَيْنَيْنِ لا يُبْصِرُ أَحَداً فَاقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى دِمَشْقَ 9وَكَانَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يُبْصِرُ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ 10وَكَانَ فِي دِمَشْقَ تِلْمِيذٌ اسْمُهُ حَنَانِيَّا، فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ فِي رُؤْيَا: يَا حَنَانِيَّا فَقَالَ: هاأَنَذَا يَا رَبُّ 11فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ:قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى الّزُقَاقِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُسْتَقِيمُ، وَاطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيّاً اسْمُهُ شَاوُلُ – لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي 12وَقَدْ رَأَى فِي رُؤْيَا رَجُلاً اسْمُهُ حَنَانِيَّا دَاخِلاً وَوَاضِعاً يَدَهُ عَلَيْهِ لِكَيْ يُبْصِرَ 13فَأَجَابَ حَنَانِيَّا:يَا رَبُّ قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ 14وَههُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِكَ 15فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ:اذْهَبْ، لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ 16لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي

17فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، قَدْ أَرْسَلَنِي الرَّبُّ يَسُوعُ الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ 18فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَ فِي الْحَالِ، وَقَامَ وَاعْتَمَدَ 19وَتَنَاوَلَ طَعَاماً فَتَقََوَّى وَكَانَ شَاوُلُ مَعَ التَّلامِيذِ الَّذِينَ فِي دِمَشْقَ أَيَّاماً.

ما كان شاول مرتعباً فقط، بل أوشك على الموت، لأنّ كلّ ما كان مهمّاً في حياته، مِن إيمان وشرف وبرّ وغيرة وإرادة، انكسر دفعةً واحدةً، حين ظهر له المقام، ففهم شاول: إنّني مخطئ، وعدّوٌ لله، وعميلٌ للشَّيطان، فكلّ ثقافتي وتقواي لم تنفعني شيئاً. أنا ثائرٌ وكافرٌ وهالكٌ، فلا يوجد سقوط أعظم مِن سقوط المدّعي بالتقوى في ذاته، مِن عليائه، إلى معرفته أنّ كلّ إنسان هو في طبيعته عدوٌّ لله.

ولكنّ يسوع لم يُبد مضطهد كنيسته، بل أعطاه فرصة للتوبة؛ فتمتم شاول: ماذا تريد يا ربّ أن أفعل؟ ولم يكن بعدئذ شاول حرّاً، بل استغنى عن حرّيته وأصبح عبداً ليسوع، وقد وجد ربّه وخضع له طوعاً بدون قيد أو شرط إلى الأبد وربّه شفاه مِن عماه الرّوحي، وأبرأه مِن إيمانه المتجمّد بفكر الوحدانيّة فقد أدرك شاول أنّ يسوع هو الرّبّ الحيّ والإله الحقّ الواحد مع الآب والرّوح القدس.

وهذا الرّبّ امتحن حالاً إيمان المنسحق، وأمره بالذّهاب إلى دمشق، وقبل دقائق كان شاول عازماً أن يدخل أبواب العاصمة راكباً فرساً، مصلحاً غيوراً قويّاً ولكن الآن فقد صار مترنّحاً، منقاداً مِن رفقائه المرتعبين إلى داخل أبواب دمشق، فنزل في بيت أحد الأصدقاء، الّذين تعجّبوا مِن خبر النّور البهي، الّذي أبرق حولهم في البرّيّة.

ولم يتكلّم شاول مع النّاس، بل انعزل وصلّى وصام، ولم يرد الحياة وانفصل عن كل الأحياء، واتّجه نحو الله، ولم يشتق إلاّ للخضوع للعلي والسّلام مع الله وإطاعته إطاعة تامة فقد أدرك شاول أنّ الرّبّ يسوع حيّ، ولم يرفضه، فصلّى ملتمساً مِنه الغفران والخلاص مِن غضب الله فتعمّق في معاني القيامة مِن بين الأموات وأسرار الصّليب، وبنى نفسه على حقائق العهد الجديد.

ويسوع يستجيب كلّ صلوات التوبة المستقيمة ووكّل رأساً مؤمناً اسمه حنانيّا، ليذهب إلى شاول ويساعده للدخول إلى الحياة فالرّبّ لم يكلّف رسولاً عظيماً أو ملاكاً بهيّاً، بل إنساناً مغموراً مؤيداً بالله وقد أعلن الرّبّ لشاول المصلّي في الوقت نفسه، مجيء حنانيّا إليه، وأنّه يضع يديه باسم يسوع على رأسه، لكيلا يرفض دخوله إليه.

وما كان حنانيّا منشرحاً لأمر الرّبّ وتفويضه هذه المهمّة إليه، بل خاف مِن شاول، وارتجف مِن سلطته، لأنّ المؤمنين جميعاً قد علموا أنّ شاول، الشاب المتفقّه بالتوراة، كان شيطاناً مريداً، فاعلاً شرّاً كثيراً، ومضطهداً القدّيسين في أورشليم؛ فبدا مستحيلاً لحنانيّا أن يضع يديه على المتعدّي، ليحلّ فيه الرّوح القدس، مع أنّه لم يعرف يسوع حقّاً، ولم يتب توبة نصوحاً أمام الرّبّ؛ فقطع كلمة حنانيّا المضطرب، وأمره بحدّة: اذهب! فأيّها الأخ إذا دعاك يسوع وأمرك بشيء فاذهب! تكلّم! اعمل! صلّ! نفّذ فوراً أمرَ الرّبّ كاملاً.فَملكُكَ لا ينتظر طويلاً بل ينتظر مِنك الإطاعة المباشرة.

لم يوضح يسوع لحنانيّا قصّة ظهوره لشاول وسبب تبدّله، لكنّه أَعلم المصلّي المتواضع الغايةَ مِن تعيينه شاول وإرساله؛ فقد اختاره الله إناءً للنعمة ممتلئاً بسلطان الرّوح القدس. هل فهمت كلمة النّعمة؟ لقد جعل الله مِن عدّوه رسولاً، ومِن الحاقد عليه محبّاً، وخلّص الغارق مِن عمى التعصّب والغرور، وجعله فاتح عيون الملايين روحيّاً، وأَحَلَّ الرّوح القدس في الملبوس التائب، وحرّره مِن كلّ ثقة على أسس دنيويّة، وثبتّه في النّعمة والرجاء الحيّ في المسيح. وهكذا حمل شاول اسم يسوع في كيانه، واعترف به بشفتيه وقلبه وذهنه، وعقله كان ممتلئاً باسم يسوع؛ فصار شاول شحناً ممتلئاً بهذا الاسم الفريد، فهل أدركت مَن هو المسيحي الحقّ؟

إِنَّهُ ذاك الّذي يظهر فيه المسيح قولاً وسلوكاً، عفّةً وحقّاً، برّاً وقوّة. فهل يشرقُ المسيح في حياتك جليّاً؟

وكان على بولس أن يشهد للمسيح أمام الملوك والأمراء والولاة، مُقيَّداً كربِّه ومنقاداً بحرّاس. وربّه أرسله أيضاً إلى اليهود المتغرّبين. فكان بولس منشقّاً في محبّته بين الوثنيين وأبناء أمّته، وتألّم قلبه مِن جهالة الأوَّلين، ومِن غيظ الآخرين. والّذي يقرأ رسائله، يدرك بأيّ مقدار تعذّب بولس لأجل اسم يسوع؛ ومع ذلك لم يتفاخر لأجل تألّمه، لأنّه أدرك أن ليس له مكافأة أو استحقاق، إلاّ النّعمة وليس إلاّها.

وسمع حنانيّا متعجّباً إعلان الرّبّ عن مستقبل شاول. وآمن وذهب ولعلّه استفهم عمّا حدث لشاول في الطريق، لأنّه كلّم الأعمى باسم الرّبّ، الّذي ظهر له على الطريق. وهذا الرّبّ يسوع جعل مِن حنانيّا عدوّه أخاً له، فنعمة المسيح تغيّر النّاس تماماً، وتصلح الأخصام جاعلة إيّاهم إخوة في عائلة محبّة الله.

وعرف حنانيّا المصلّي، أن الرّبّ يسوع لم يرسله إلى شاول ليفتح عينيه الجسديتين فقط بواسطة قوّة وضع الأيادي على رأسه، بل علم أنّ غاية هذه المعاملة الطقسيّة هي الامتلاء بالرّوح القدس، وحلول الغفران، وتحقيق السّلام مع الله والتفويض للخدمة، والتقوية للمحبّة في سلطان التواضع. فلم يستطع بولس أن يخرج هذه الفضائل مِن نفسه، ولا مِن ثقافته ولا مِن عنصريّة قومه، بل إِنَّ المسيح أرسل إليه أخاً بسيطاً ممتلئاً بالرّوح القدس، لكيلا يتفاخر أحد.

وعندئذ وضع حنانيّا غير المثقّف يديه على رأس شاول الفقيه، وفي الحال أبصر الأعمى، وامتلأ طالب الله بروح الرّبّ. ولا يستطيع إنسان أن يفسّر هذه اللحظة في تاريخ بولس إلاّ بما قاله لوقا الطبيب، إنّه وقع مِن عينيه شيء كأنّه قشور، فأدرك فجأة أنّ الديان الأزلي هو أبوه السماوي، والمصلوب المحتقر هو حمل الله الوديع، وأنّ الرّوح القدس هو محبّة الله بالذات، والمسيح المقام هو رجاء المجد المنتظر الآتي قريباً. ففي هذه اللحظة تحقّق خلاص المسيح في التائب، فصار قلبه منوّراً كمصباح كهربائي قد أنير في قبو دامس.

وبعد معموديته بالرّوح القدس، مارس شاول معموديّة الماء أيضاً، لأنّه أراد إطاعة كلّ كلمات المسيح. وشهد أمام أعضاء الكنيسة و العالم كلّه، أنّه ترك الحياة القديمة والمذهب الجامد، وقد دخل إلى الحياة الأبديّة، وثبت في العهد الجديد؛ فاعتبرَ شاول ماضيه قد دُفن، وقام إنسان جديد اسمه بولس الصغير.

ونقرأ بعدئذ شيئاً مفرحاً، أنّ المفدي لم يبتدئ بتسابيح حماسيّة، ولم ينفجر بشلال التكلّم بالألسنة، بل طلب أكلاً عاديّاً وتغذّى جيداً، لأنّه صام ثلاثة أيام بلياليها. ولم يشرب شيئاً. ولكن بعد ما تصالح مع الله، صحّ جسده ونفسه في تيّار الرّوح القدس، وصار إنساناً عاديّاً ولم يكمل بولس مسيره بزهد وتقشف، بل أكل وشرب وعاش لربّه الحيّ.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك أرسلت حنانيّا لتملأ شاول بوضع الأيادي بالرّوح القدس. قدنا إلى التوبة الحقّة والرّجوع إليك بصدق، لكي يملأنا روحك المتواضع، ونصبح شاحنات مفعمة باسمك وفضائلك. آمين.

6تبشير شاول في الشام

 واضطهاده مِن اليهود

(9: 19 – 25)

 وَكَانَ شَاوُلُ مَعَ التَّلامِيذِ الَّذِينَ فِي دِمَشْقَ أَيَّاماً 20وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي الْمَجَامِعِ بِالْمَسِيحِ أَنْ هذَا هُوَ ابْنُ اللّهِ 21فَبُهِتَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا:أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهذَا الاسْمِ، وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا:  لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ؟ 22وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدَادُ قُّوَةً، وَيُحَيِّرُ الْيَهُودَ السَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقاً أَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ 23وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ تَشَاوَرَ الْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، 24فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِمْ وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ الأَبْوَابَ أَيْضاً نَهَاراً وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ 25فَأَخَذَهُ التَّلامِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ السُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلٍّ.

حيثما يعمّ الرّوح القدس، تملك المحبّة في الكنيسة، ويجري التبشير بين الّذين لا يعرفون الرّبّ يسوع، فقد اشترك شاول أَياماً في حياة الكنيسة، مع التعمّق في الأسفار المقدّسة والشكر لله، فظهرت له بصيرة العهد الجديد في النبوّات القديمة جليّاً.

ولم يقدر شاول أن يخبّئ كنز اختباراته مِن التقائه بالمسيح، وكان معروفاً في كنيس اليهود كسفير المجلس الأعلى في أورشليم. فتقدّم وسط الكنيس وبشّر بيسوع علانيّة. ولم يكتف، كما عمل الرسل في أول تبشيرهم، بأن يُبيِّن النَّاصري كرجل الله أو نبيّاً عظيماً أو المسيح الموعود، بل قد رأى شاول مجد يسوع، فشهد له أنّه إله حق مِن إله حق، مولود غير مخلوق، ذو جوهر واحد مع الآب وهذه الشهادة سبّبت ثورة روحيّة وطعنت في إيمان اليهود الجامد بوحدانيّة الله، لأنّ كلّ لفظة أنّ لله ابناً، تحسب عند اليهود تجديفاً وكفراً.

 أمّا شاول فشهد، مِن أوّل يوم، بتبشيره عن حقيقة الثالوث الأقدس، لأنّه قد سمع صوت يسوع، وعاين مجده، وأدرك أنّ الإنسان يسوع هو ابن الله نفسه ولم يشكّ ثانية في هذه الحقيقة، ونادى بها ضدّ كل تقاليد وتفاسير وعقائد أخرى. وصرّح بولس أَنَّ أُبَّوة الله ليست فكراً غريباً، بل هكذا هو الله وهكذا فقط، ولا يوجد إلهٌ آخر إلاّ الآب والابن والرّوح القدس. فالإيمان الميت بالوحدانيّة المجردة هو تخيُّلٌ غريبٌ، بدون عصارة حياة أو قوّة، وإلهنا محبّة، وهو يحقّق محبَّته في الشركة بين الآب والابن والرّوح القدس الإله الواحد، فمَن يرفض الابن لا يعرف الله، ومَن لا يؤمن بالآب السماوي لم يحصل على الرّوح القدس بعد.

وبرهن شاول، الفقيه المثقّف والممتلئ بالرّوح القدس، لليهود العصاة الناقدين، أنّ يسوع الناصري هو المسيح الحقّ، وأنّ كلّ اليهود خطاة، لأنّهم قتلوا ابن الله، المرسل إليهم. فلم يباحثهم شاول بأمور ثانويّة، بل تقدّم إلى لبّ القضية. ولم يبشّر بولس بمسيح حبيب، ينعم على كلّ مستمعيه ويباركهم بلا قيد ولا شرط، بل طلب الخضوع للملك المسيح، لأنّ ربّه عارض طريقه بسلطة نوره الساطع، وأراه أنّ برّه الغيور باطل، وأنّ النّعمة وحدها هي أساس حياته.

واليهود في دمشق فزعوا وتحيّروا، لأنّهم رجوا أن يرسل إليهم سفير المجلس الأعلى حليفاً، ليقضوا على الحركة اليسوعيّة النامية في طائفتهم. أمّا الآن فبرهن هذا الفقيه، أنّ يسوع هو المنتصر والرّبّ الحيّ فلم يستطع أحدٌ مِن اليهود المتزمّتين أن يغلبه. وبعد أيام كثيرة، ازداد عدد المؤمنين بالمسيح مِن اليهود، وصاروا تلاميذ لبولس، وتحمسوا بنشاطه فقرّر المسؤولون في الكنيس اليهودي قتل بولس، فاضطرّ للاختفاء، حيث دخل جواسيس اليهود إلى بيوت المؤمنين، كأصدقاء أوفياء، وكان لهم تأثير في رؤساء المدينة، حتّى أنّهم اشتركوا مع حرّاسها في حراسة أبواب المدينة، لكيلا يقدر شاول على الهرب.

وهكذا اختبر الشّاب المؤمن لأوّل مرّة، أنّ لنشر الإنجيل ردّ فعل، القبول والرفض، الشّكر واللعنة، المحبّة والبغضة. فلم يقرّر شاول البقاء في دمشق، قائلاً لنفسه: الآن عليَّ البقاء هنا، مهما كلّف الأمر، وأموت للمسيح شهيداً؛ بل اتّفق مع الإخوة المؤمنين على أن يدلّوه في السلّة مِن السور ليلاً، وقبل أسابيع كان قد جاء إلى دمشق كفارس فخور، والآن صار لاجئاً، عليه أن يغادر مدينة الواحة حالاً. وكما كان قلبه سابقاً بارداً قاسياً وغيوراً للشريعة، صارت الآن محبّته للمسيح في صميم فؤاده ملتهبة، وقوّة الرّوح القدس دفعت رسول الأمم إلى العالم كلّه.

الصّلاة: يا ابن الله الحنون، نسجد لك، ونكرِّس لك قلوبنا وأذهاننا. نشكرك لأنّك أعلنت لنا أباك السماوي، ومحوت الذُّنوب، ومَسحتنا بروحك القدّوس. احفظنا في اسمك، وادفعنا للتَّبشير بإنجيلك، ليدرك كثيرون اسمك والآب المُحب.آمين.

7اللِّقاء الأَوَّل بين بولس والرُّسُل

 في أورشليم

(9: 26 – 30)

9: 26 وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِالتَّلامِيذِ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ 27فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى الرُّسُلِ، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ الرَّبَّ فِي الطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِاسْمِ يَسُوعَ 28فَكَانَ مَعَهُمْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُجَاهِرُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ 29وَكَانَ يُخَاطِبُ وَيُبَاحِثُ الْيُونَانِيِّينَ، فَحَاوَلُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ 30فَلَمَّا عَلِمَ الإِخْوَةُ أَحْدَرُوهُ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ وَأَرْسَلُوهُ إِلَى طَرْسُوسَ.

لم يكتب لوقا لنا سيرة الرسل بالتدرّج والتفصيل، بل أخذ مِن اختبارات الأفراد ما وافق موضوع كتابه، لأنّ شعار سِفره ليس أعمال الرسل بالتسلسل وبدون نقص، بل بالحري مسير الإنجيل مِن أورشليم إلى روما.

فلم يخبرنا الطبيب كلمة واحدة عمّا عمل بولس في السنوات الّّتي تلت هروبه مِن دمشق، لأنّه في الرسالة إلى غلاطية (1: 17-24) كتب الرسول نفسه، أنّه بقي ثلاث سنوات بعدئذ في العالم العربي، والأغلب أنّه تعلّم هناك العربيّة، واشتغل بيديه، وبشّر بالإنجيل. ولكنّنا لا نعلم أين قضى هذه الفترة مِن الزمن، وهل أسّس هناك كنائس؟ أو هل اختفى مِن جواسيس المجلس الأعلى اليهودي؟ أو هل بشّر أعضاء العهد القديم في هذه المناطق العربيّة؟

إنّما نعلم أنّه بعد ثلاث سنوات تقريباً، تقدّم إلى أورشليم، وحاول أن يتصل بالرسل. ولكن يا للأسف! لم يرد أحد رؤيته، لأنّهم لم ينسوا الأموات الّذين قتلهم. وربّما فكّر البعض أنّ اهتداءه أمام الشام كان حيلةً، ليتسرّب إلى قلب الكنيسة، ويقبض على الرسل، ويلاشي الحركة اليسوعيّة. فلا تتعجّب أيّها الأخ العزيز المهتدي إلى المسيح، إن كنت لا تختبر شيئاً مختلفاً عما اختبره شاول. فمِن الممكن أن لا يقبلك المسيحيّون أو لا يثقوا بك ويخافوك، وفي الوقت نفسه تضطهدك عائلتك وأصدقاؤك السابقون. اقبل هذه الضيقات في الفترة الانتقاليّة، كمرحلة امتحان إيمانك مِن ربّك، حتّى تتعلَّم الثِّقةَ التَّامَّة فيه، لأنّه ملعون الإنسان الّذي يتّكل على النّاس، ويجعلهم ذراعه.

أمّا يسوع فلم يترك عبده قَطّ، بل وضع على قلب برنابا المؤمن القبرصي، أن يتّصل بالمضطهد السابق، ويصغي إلى شهادته، ويثق بعدوّه، ويؤمن بحقيقة ظهور المسيح له أمام الشام، ويتيقن مِن تجديد ذهنه. فتجرّأ أخيراً وتوسّط بين الرسل وشاول كشبين له، وفتح له الباب المؤدّي إلى الإخوة؛ فأصبح برنابا الجسر بين المتجدّد والكنيسة. وهكذا سيوقف المسيح بجانبك إخوةً أفراداً، يثقون بك سنوات طويلة، ويحتملونك بأمانة وإخلاص. ولكن انتبه! فليسوا هم الفداة لك، بل المسيح هو مخلّصك وربّك ومكمّلك. فعليه وحده اتِّكالُك.

وشهد شاول، أمام بطرس ويعقوب، أنّ الرّبّ ظهر له، وأنّه رأى مجده بعينيه، وسمع صوته المخترق أحشاءه، وكيف بشّر باسم يسوع بعدئذ، كمدعو مفوّض مِن الرّبّ بكلّ مجاهرة، في الشام وبلدان العرب، وكيف اضطهده اليهود وهدّدوه بالقتل. فبهذه الشهادة والأبحاث الطويلة نمت علاقة الثِّقة بين الرسل الأصليين ورسول الأمم الجديد؛ فغفروا له خطيئة القتل السابقة، وسامحوه بالضيق والدّموع الّّتي سبّبها لأعضاء الكنيسة، لأنّهم غفروا له كما الرّبّ غفر لهم. والثقة الّّتي تأسّست في تلك الأيام، بين رجال المسيح، بقيت ثابتةً حتّى في الأوقات الّّتي هزّت فيها الأسئلة المبدئيّة عن البرّ والشريعة والخلاص بالنّعمة أسس الكنيسة. فكانت هذه الفترة القصيرة، وهي خمسة عشر يوماً، الّّتي التقى فيها شاول مع الرسل، بالغة الأهميّة في تطوّر المسيحيّة، حتّى لا تنشقّ إلى مسيحيّة يهوديّة وأخرى أمميّة، فعاشوا واحداً في المسيح في روح واحد وقوّة واحدة. وفي الوقت نفسه تباحث بولس الضليع في الشريعة مع اليهود اليونانيين المفكّرين، الّذين أوقعوا استفانوس قبل إذٍ في الفخ. ولما فنّد بولس المثقّف كلّ انتقاداتهم، وبرهن لهم مِن التوراة، أنّ يسوع هو المسيح الموعود وابن الله في الجوهر، جنوّا وقصدوا قتله واعتبروه مرتدّاً مستحقّاً الإبادة بدون شفقة.

أمّا الرسل وأعضاء الكنيسة، فقد ألحّوا على بولس أن يسافر، لكيلا يحدث مرّة أخرى اضطهاد صارم على الكنيسة، ورافقوه إلى قيصرية على البحر. فأبحر إلى طرطوس بلده الواقعة في جنوب آسيا الصغرى، وعاش هناك مدّة طويلة. وربّما بشّر مِن هنالك في محيطه وفي سوريا، ولكن ليس عندنا علم أكيد بذلك (غلاطية 1: 21).

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع الحيّ، نشكرك لأنّك أنت أساس المبتدئين في الإيمان وحاميهم ورجاؤهم. علّمهم أن ينظروا إليك وحدك رئيساً لإيمانهم ومكمّله.

8عظائم المسيح على يد بطرس

(9: 31 – 43)

8: 31 وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلامٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ 32وَحَدَثَ أَنَّ بُطْرُسَ وَهُوَ يَجْتَازُ بِالْجَمِيعِ نَزَلَ أَيْضاً إِلَى الْقِدِّيسِينَ السَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ، 33فَوَجَدَ هُنَاكَ إِنْسَاناً اسْمُهُ إِينِيَاسُ مُضْطَجِعاً عَلَى سَرِيرٍ مُنْذُ ثَمَانِي سِنِينَ، وَكَانَ مَفْلُوجاً 34فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ:يَا إِينِيَاسُ، يَشْفِيكَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ قُمْ وَافْرُشْ لِنَفْسِكَ فَقَامَ لِلْوَقْتِ 35وَرَآهُ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ وَسَارُونَ الَّذِينَ رَجَعُوا إِلَى الرَّبِّ.

نجد للعدد (31) أهميّة كبرى، لأنّ لوقا كتب لنا، بكلمات موجزة، أنّ كنيسة المسيح انتشرت رغم الاضطهاد، في كلّ المناطق المعروفة باسم فلسطين، الّّتي جال يسوع فيها، وحتّى في المنطقة الجبليّة الجليل، قامت كنائس لا نَعرف مَن أسّّسها.

ولمّا رجع شاول إلى المخلّص يسوع، فقدَ الاضطهادُ ضِدَّ المسيحيين قوَّتَه الدَّافعة، لأنَّ الفقهاء كانوا نظريين، واكتفوا بموت استفانوس، كإنذار مخيف للعامّة. وبما أنّ بولس بقي ثلاث سنوات بعيداً عن أورشليم، فقد توقّف الاضطهاد مدّة مِن الزّمن، وكانت البغضاء كالنار الخامدة المخبّأة تحت الأرض، لكنّها لم تنشب جهراً، ولم تضطهد المؤمنين علانية.

فاستراحت الكنائس ما بين الشام والجليل وعلى شاطئ البحر، وبنيت داخليّاً في المحبّة والتعمّق والصّبر والتضحيات والشَّركة، بل وبقي خوف الرّبّ فيهم كرأس الحكمة. فَفرَحُ المسيحيين وَمحبَّتُهم لله الثالوث الأقدس مرتبطان بالوقار أمام القدّوس. وإذا سميّنا الله أبانا بشكر وحمد، فلا نَنْسَ الطلبة الأولى في الصّلاة الرّبّانيّة: ليتقدّس اسمك.

وحيث تعيش الكنائس أمام الله في المحبّة، وتمتلئ بالرّوح القدس، يجري التبشير تلقائيّاً. فلا تحتاج هذه النهضة إلى اجتماعات انتعاشيّة خاصّة، لأنّ كلّ مؤمن هو نور في الظلمة، وكلّ ثابت في الرّبّ هو كوكبٌ متلألئٌ في الليل الدامس، مُرشِدٌ إلى طريق الخلاص. وحَيثُ يَدمجُ الرُّوح القدس شهادةَ السُّلوك بقوّة الكلمة تَمسحُ تعزيتهُ القلوبَ المضطربةَ الخائفةَ مِن دينونة الله. وحَيثُ تَدلُّنا بشرى الإنجيل على المصلوب، فهناك تتكلّل التَّوبة ببرّ الإيمان المختوم بحلول الرّوح القدس في المؤمن. فالرّوح القدس نفسه هو دافع التَّبشير، وهو يكلّم الأفراد بواسطة المؤمنين المتجدّدين، حتّى أنّ الكنائس لتزداد بفاعليّة قوّته: فما هو حال كنيستكم؟ هَل تحبّون بعضكم بعضاً؟ هل ثَبتُّم في المسيح محوركم؟ وهل تعلن شهادتكم المشتركة إلى كلّ النّاس في قوّة المعزّي الإلهي؟

في الفترة الّّتي استراحت فيها الكنيسة مِن الاضطهاد، غادر بطرسُ أورشليم مركز المسيحيّة، وزار كلّ الكنائس في الشمال والجنوب، في الشرق والغرب، ونزل أيضاً إلى شاطئ البحر، ووصل إلى المدن القريبة مِن يافا اليوم.

وفي لدّة وجدت شركة للقدّيسين، لأنّ الرّبّ اختارهم مِن العالم، وأخذهم خاصّة له، فطهَّرهم بدم المسيح، وامتلأوا بالرّوح اللطيف. وهكذا أصبحوا قدّيسين بالنّعمة بالإيمان بالمسيح الّذي خلّصهم وثبّتهم وقدّسهم، وحفظهم في محبّته.

ورغم هذه الامتيازات كان بينهم مرض وتجارب وضيق. فأحد المؤمنين كان منذ ثماني سنوات مفلوجاً؛ وقد سمع بطرس عنه، وبحث عن بيته، وزاره كراع أمين لرعيته، وكلّمه عن المسيح وتعمّق كلاهما في هذا الاجتماع مع الإخوة في التوراة وصلَّى الجميع معاً، واعترفوا في دعائهم بخطاياهم. فأكّد بطرس للمفلوج غفران ذنوبه وقال له: أيّها الأخ، يشفيك يسوع المسيح. وبهذه الجملة لخّص بطرس الإنجيل كلّه، واعترف جهراً بأنّ الناصري يسوع هو المسيح الحقّ الّذي دُفع إليه كلّ السُّلطان في السّماء وعلى الأرض، وتجري مِنه قوى الخلاص والشفاء بواسطة المؤمن وإلى المؤمنين، كما قال المسيح: كلّ مَن يؤمن بي، كما قال الكتاب، تجري مِن بطنه أنهار مياه حيّة.

وإينياس المريض سمع وآمن، ووثق بالرَّسول، وأطاع أمره، وقام ولفّ فراشه المبلول بالدموع، وجلس مع المجتمعين عنده للشركة في الصّلاة، وعظّموا ربّهم وكلّ المؤمنين في الساحل، الّذين عرفوا هذا الأخ المؤمن في صبره تهلّلوا وفرحوا وأذاعوا الخبر، أن ليس بطرس هو الّذي أنشأ عجيبةً، بل المسيحُ تدخَّل في شفاء الكنيسة، لأنّ الرّبّ الحيّ مجّد اسمه بآيات وعجائب متعدّدة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المقام مِن بين الأموات، نشكرك لنموّ كنيستك، ونعظّمك لأجل قوّتك العاملة في خدّامك، ونطلب لأجل إيماننا الضعيف. اغفر آثامنا، وطهّرنا مِن كلّ خبث، واشفِ فتورنا، واجعلنا راكضين في سبيلك.آمين.

9: 36 وَكَانَ فِي يَافَا تِلْمِيذَةٌ اسْمُهَا طَابِيثَا، الَّذِي تَرْجَمَتُهُ غَزَالَةُ هذِهِ كَانَتْ

مُمْتَلِئَةً أَعْمَالاً صَالِحَةً وَإِحْسَانَاتٍ كَانَتْ تَعْمَلُهَا 37وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ أَنَّهَا مَرِضَتْ وَمَاتَتْ، فَغَسَّلُوهَا وَوَضَعُوهَا فِي عِلِّيَّةٍ 38وَإِذْ كَانَتْ لُدَّةُ قَرِيبَةً مِنْ يَافَا، وَسَمِعَ التَّلامِيذُ أَنَّ بُطْرُسَ فِيهَا، أَرْسَلُوا رَجُلَيْنِ يَطْلُبَانِ إِلَيْهِ أَنْ لا يَتَوَانَى عَنْ أَنْ يَجْتَازَ إِلَيْهِمْ 39فَقَامَ بُطْرُسُ وَجَاءَ مَعَهُمَا فَلَمَّا وَصَلَ صَعِدُوا بِهِ إِلَى الْعِلِّيَّةِ، فَوَقَفَتْ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأَرَامِلِ يَبْكِينَ وَيُرِينَ أَقْمِصَةً وَثِيَاباً مِمَّا كَانَتْ تَعْمَلُ غَزَالَةُ وَهِيَ مَعَهُنَّ 40فَأَخْرَجَ بُطْرُسُ الْجَمِيعَ خَارِجاً، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْجَسَدِ وَقَالَ:يَا طَابِيثَا، قُومِي! فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا وَلَمَّا أَبْصَرَتْ بُطْرُسَ جَلَسَتْ، 41فَنَاوَلَهَا يَدَهُ وَأَقَامَهَا ثُمَّ نَادَى الْقِدِّيسِينَ وَالأَرَامِلَ وَأَحْضَرَهَا حَيَّةً 42فَصَارَ ذلِكَ مَعْلُوماً فِي يَافَا كُلِّهَا، فَآمَنَ كَثِيرُونَ بِالرَّبِّ 43وَمَكَثَ أَيَّاماً كَثِيرَةً فِي يَافَا، عِنْدَ سِمْعَانَ رَجُلٍ دَبَّاغٍ.

أمر يسوع رسله قبل سنين عديدة بالكرازة قائلاً: أكرزوا قائلين قد اقترب ملكوت السماوات. اشفوا مرضى، طهّروا برصاً، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين. مجّاناً أخذتم مجّاناً أَعطوا (متّى 10: 7-8) ومنح يسوع رسله السلطان أن يمارسوا هذه الأعمال باسمه، وفي انسجام كامل معه، ففي أعمال الرسل تحقّقت إرادة يسوع والرّوح القدس، أرشدهم لتمجيد الابن وتحقيق مملكة محبته.

وكانت تلميذة في يافا قد ماتت. وهنا نقرأ للمرّة الأولى والوحيدة، في الكتاب المقدّس كلّه، كلمة تلميذة تطلق على إحدى المؤمنات بالمسيح. واسم التلميذة طابيثا الذي معناه بالعربيّة غزالة. وكانت هذه الأخت تتمتّع بالخلق الكريم والوداعة، فلا تسارع بالنميمة بين الجيران، بل تسارع لمساعدة المرضى، فنظَّفت بيوت العجائز، وساعدت في تربية الأولاد عند الأمهات المتعبات، ورحمت الأرامل في الكنيسة، اللواتي عشن في ضيق كبير؛ فضحّت غزالة بكثير مِن ممتلكاتها، وعملت يداها بالتطريز في فراغها، مصلّية أثناء أشغالها اليدويّة، وطالبةً أن يطرّز المسيح اسمه في قلوب أعضاء الكنيسة ليصبحوا معاً بساطاً جميلاً لتمجيد اسمه.

وفجأة ماتت القدّيسة. ولم تكن العادة عندهم أن يوضع المُتوفَّى في العليّة؛ ولكنّهم فضلوا ذلك، حتّى يستطيع النّاس أن يأتوا إليها أفواجاً، ويبكوا ذاكرين محبّتها وتضحيتها. أيّها الأخ إن مُتَّ يوماً، فهل سيبكون عليك، لأجل أعمالك الصالحة المضحيّة؟ أم سيلعنونك، لأنّك عشت أنانيّاً قاسيّاً غير مضحّ.

سمع شيوخ الكنيسة أنّ بطرس، مقدام الرسل، كان قريباً مِن مدينتهم، فطلبوا إليه أن يعزّي الحزانى، ويساعد الحاضرين في مأساتهم، لأنّ الفقيدة انتظرت مثلهم مجيء المسيح الثاني، ورجت لقاءه في أيام حياتها، فكانت الصَّدمة في الكنيسة كبيرة، لأنّ إحدى فاضلات الكنيسة، قد ماتت قبل مجيء المسيح.

وسمع بطرس الدعوة، فمضى تَوّاً ليجتاز حوالي 18 كيلو متر مِن لدّة إلى يافا مصليّاً، ليعزّي الكنيسة. وتذكّر بطرس، وتصوّر كيف دخل الرّبّ يسوع إلى بيت يايرس، حيث كانت النساء يلطمن وجوههنّ، وينتفن شعورهنّ، فولج غرفةَ البنت الميتة، وأحياها حيث طرد كلّ الباكين وأقامها بقوله: يا ابنتي قومي.

وفي جوّ هذه التصوّرات، دخل بطرس إلى بيت غزالة، وقد حزن في قلبه، لمّا سمع صراخ النساء، واستاء مِن سلطة الموت بين المؤمنين الأحياء في المسيح، فأخرج كلّ الباكين مِن  الغرفة، وجثا منفرداً وصلّى مؤمناً. فقاد الرّوح القدس دعاءه ليطلب مِن يسوع إقامة التلميذة، ولمّا أيقن بطرس أنّ يسوع سيمجّد في هذه الساعة اسمه، لم يبتدئ بحركات غريبة وتمتمة ساحرة، بل نطق بالكلمات نفسها الّّتي قالها يسوع لبنت يايرس: يا طابيثا قومي.

وللعجب! فإنّه لم يذكر اسم يسوع علناً، لكنّه بالقوّة الإلهيّة أقامها بالكلمات نفسها الّّتي استخدمها الرّبّ سابقاً، ولا شكّ أنّ مقدام الرسل لم يقم الميتة باسمه هو، لأنّه مَا مِنْ إنسانٍ فانٍ يقدر أن يغلب الموت مِن تلقاء نفسه. المسيح وحده انتصر على هذا الشبح المميت، لأنّه قدّوس وثبت بلا خطيئة. فإيمان بطرس في المسيح يسوع جرّد الموت مِن قوّته، وأعاد التلميذة إلى الحياة.

وسمعت المؤمنة صوت يسوع في كلمات الرسول، وفتحت عينيها مدهوشة، وجلست وشمّت الطيب، ورأت الأقمطة حول جسدها، وشاهدت الرجل الغريب في غرفتها، مصليّاً وناظراً إليها؛ فأمسك بطرس بيدها وأجلسها، وأوضح لها أنّ يسوع يريدها أن تخدمه مدّة طويلة، لتصبح في كيانها شهادةً حيَّةً لانتصار المسيح على الموت في كلّ مدن السَّاحل والمناطق حولها.

ولمّا دخلت الجموع صامتة فزعة إلى الغرفة، وقعوا في حيرة وخجل، وبعضهم صلّوا، والآخرون جثوا وسبّحوا المسيح غالب الموت. وانتشر الخبر في المدينة وما حولها        وجاء النّاس أفواجاً للدخول في الإيمان، وكسبوا الحياة الأبديّة بثقتهم بيسوع ربّهم. ولكن لم يثبتوا جميعاً في رئيس الحياة، بل إِنّ عدداً وافراً مِنهم هو الّذي انضمّ عمليّاً إلى الكنيسة، وصار عضواً في جسد الله، ولأجل هذه النهضة الإيمانيّة بقي بطرس مدَّةً طويلةً في يافا، يخدم الكنيسة المزدهرة.

وللعجب أنّ بطرس لم ينزل في أفخم بيوتات الطائفة، بل سكن عند دبّاغ محتقر، وبيته ممتلئ برائحة الجلود ووساختها المنتنة، وكان يسكن خارج المدينة حسب القانون آنذاك، حتّى لا يتأذّى النّاس برائحة مهنته. فأقام بطرس عند هذا الرجل المسكين المؤمن، المكتوب اسمه في السماوات.

الصّلاة: أيّها الرّبّ القدير، نسجد لك لأجل أعجوبة إقامة الميتة في يافا، ونشكرك لأجل إيمان بطرس الّذي أطاع إرشاد صوتك. علّمنا أن نطيع جذب روحك لكلّ خدمة في اسمك. طهّرنا لنخدمك في قوّتك.

9بداية التَّبشير بين الوثنيين

بواسطة اهتداء كرنيليوس الرُّوماني قائد المئة

(10: 1 – 11: 18)

10: 1 وَكَانَ فِي قَيْصَرِيَّةَ رَجُلٌ اسْمُهُ كَرْنِيلِيُوسُ، قَائِدُ مِئَةٍ مِنَ الْكَتِيبَةِ الَّتِي تُدْعَى الإِيطَالِيَّةَ 2وَهُوَ تَقِيٌّ وَخَائِفُ اللّهِ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ، يَصْنَعُ حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً لِلشَّعْبِ، وَيُصَلِّي إِلَى اللّهِ فِي كُلِّ حِينٍ 3فَرَأَى ظَاهِراً فِي رُؤْيَا نَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ النَّهَارِ، مَلاكاً مِنَ اللّهِ دَاخِلاً إِلَيْهِ وَقَائِلاً لَهُ: يَا كَرْنِيلِيُوسُ 4فَلَمَّا شَخَصَ إِلَيْهِ وَدَخَلَهُ الْخَوْفُ قَالَ: مَاذَا يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ لَهُ: صَلَوَاتُكَ وَصَدَقَاتُكَ صَعِدَتْ تَذْكَاراً أَمَامَ اللّهِ 5وَالآنَ أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالاً وَاسْتَدْعِ سِمْعَانَ الْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ 6إِنَّهُ نَازِلٌ عِنْدَ سِمْعَانَ رَجُلٍ دَبَّاغٍ بَيْتُهُ عِنْدَ الْبَحْرِ هُوَ يَقُولُ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ 7فَلَمَّا انْطَلَقَ الْمَلاكُ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُ كَرْنِيلِيُوسَ، نَادَى اثْنَيْنِ مِنْ خُدَّامِهِ، وَعَسْكَرِيّاً تَقِيّاً مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يُلازِمُونَهُ، 8وَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى يَافَا.

منذ انسكاب الرّوح القدس في عيد العنصرة، وحتّى الفترة الّّتي قام فيها بطرس برحلته الرعويّة للكنائس، كان أعضاء الكنائس يتألّفون مِن يهود مواطنين ومتغربين، وسامريين، وأُمم متهوّدين، وجميعهم قد آمنوا بالمسيح، وتعمّدوا. فكانت الكنائس آنذاك تحوي مسيحيين مِن أصل الديانة اليهوديّة فقط.

لكنّ الله فتح بنفسه باباً للأمم بقصّة كرنيليوس. فكان اندماج هذا الرجل في الكنيسة، أعجوبةً وعثرةً لليهود المسيحيين الظَّانِّينَ أنَّ الرّوح القدس موعود به فقط لليهود الّذين آمنوا بالمسيح.

وبسط لوقا قصّة اهتداء الأممي كرنيليوس بطريقة عريضة وبتفصيل، ليوضح أن الله نفسه، أثبت بواسطة مقدام رسله نهائيّاً وقطعيّاً، أن الوثنيين الأتقياء، هم مختارون للحياة الأبديّة أيضاً، فليس بطرس هو الّذي سعى لهذه الطريقة، أو أرادها، بل المسيح نفسه هو الّذي تدخّل في سيرته، كما تدخّل في حياة استفانوس وشاول سابقاً، ليقرّر المفرق الفاصل في تبشير العالم.

مِن المعروف أنّه عندما يظهر ملاك لمؤمن في العهد الجديد، فهذا الظّهور يعني أنّ الله يبتدئ بتحقيق خطّة تفوق كلّ العقل. ولكيلا يتزعزع إيمان الأمناء، أرسل الرّبّ ملاكه، لتدرك حواس الإنسان الخمس أنّ الله ينفّذ الآن أعجوبة فريدة، ويفتح طريقة جديدة لملكوته. فلإيمان كرنيليوس معنىً أَساسيٌّ لكلّ الشّعوب، ولولا معموديّة هذا الأممي الوثني لما أتانا الإنجيل، ولبقيَ محصوراً في اليهود.

كان الضَّابط كرنيليوس مسؤولاً عن مئة جندي في المركز الروماني (قيصرية)، الّذي كان على شاطئ البحر المتوسط جنوبي جبل الكرمل، وقد تأثّر هذا الضابط بالدّين اليهودي، الإيمان بالله الواحد، والوصايا العشر، ونظام التقوى، وهذه تختلف كلّ الاختلاف عن الحياة الاجتماعيّة للأمبراطوريّة الرومانيّة، بشهواتها ولهوها وخوفها وسطحيتها.

التفت كرنيليوس بقلبه إلى الله، ورتّب حياته حسب اعتناقه لمبدئه؛ فتقواه لم تكن إيماناً عقليّاً، أو تحمّساً عاطفيّاً، إنّما أخضع أفكاره وأَقواله وأعماله لروح دينه، فلم يحبّ المال بل ضحّى كثيراً. ولم يضغط، كضابط في القوى الاستعماريّة، على الشَّعب المسكين، بل ساعد الأفراد المحتاجين شخصيّاً، وصلّى كثيراً، فكان قلبه دائماً في مناجاة مع الله.

والرّوح الطَّيب لمثل هذا الرجل لا يبقى مستتراً، إنّما يظهر، ويجري في بيته وإلى زملائه وجنوده. فكلّهم أخذوا مِن روحه المصلّي الوديع، واستعدّوا للقاء روح الله الجوهري. فالمؤمن الحقّ ليس انعزاليّاً، بل إِنَّ دفء محبته يذيب جبال الثلوج في قلوب الآخرين، وابتهالاته لأجل الأقرباء والأصدقاء تنبهّهم للصّلاة أمام الله. وقد قال الله العظيم القدّوس لكرنيليوس الروماني إِنّ كلّ واحدة مِن صلواته مستجابة، وكلّ حسنة مِنه معدودة. فالعليُّ لا ينسى أعمالك، منتظراً صوت قلبك وعطايا يدك ثماراً لإيمانك، علماً أنّ صلواتك وصومك ليست هي الّّتي تبرّرك، بل محبّة الله. فطاعتك هي شكرٌ لهذه المحبّة العظمى.

وقال الملاك لكرنيليوس، أن يرسل رجالاً إلى يافا، وعيّن له بيت الدباغ سيمون، حيث يمكث شخص اسمه بطرس، وأنّ عليه أن يطلبه إليه. فعلم الضابط أنّ كلّ أمر يستوجب الطاعة والتنفيذ فوراً، فأطاع أمر الله، بدون أن يفكّر طويلاً أو يبدي قلقاً بظهور الملاك. ولم يخَفْ مِن الأمور النّوريّة الغريبة، لأنّ محبّة الله لمسته، فآمن بها وتوكّل على الرّبّ الّذي دعاه يوميّاً في صلواته، موقناً أنّه لم يرشده ليستقدم إلى بيته جاسوساً أو رجلاً خطراً، بل خادماً لله ومِن رسله.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك تدَّخلْتَ في تاريخ كنيستك، مرَّةً تِلْوَ الأُخرى مرشداً، وهديت خطوات رسلك. نشكرك أيضاً لأنّك تستجيب كلّ صلاةٍ مستقيمة، ولا تنسى العطايا الشاكرة، حَتَّى مِن أيدي النّاس الّذين لا يعرفونك. اجذب كثيراً مِن الأتقياء إلى ملء خلاصك.

10: 9 ثُمَّ فِي الْغَدِ فِيمَا هُمْ يُسَافِرُونَ وَيَقْتَرِبُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ، صَعِدَ بُطْرُسُ عَلَى السَّطْحِ لِيُصَلِّيَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ 10فَجَاعَ كَثِيراً وَاشْتَهَى أَنْ يَأْكُلَ وَبَيْنَمَا هُمْ يُهَيِّئُونَ لَهُ وَقَعَتْ عَلَيْهِ غَيْبَةٌ، 11فَرَأَى السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِنَاءً نَازِلاً عَلَيْهِ مِثْلَ مُلَاءَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَلَّاةٍ عَلَى الأَرْضِ 12وَكَانَ فِيهَا كُلُّ دَوَابِّ الأَرْضِ وَالْوُحُوشِ وَالّزَحَّافَاتِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ 13وَصَارَ إِلَيْهِ صَوْتٌ:قُمْ يَا بُطْرُسُ، اذْبَحْ وَكُلْ 14فَقَالَ بُطْرُسُ: كَلاَّ يَا رَبُّ، لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئاً دَنِساً أَوْ نَجِساً 15فَصَارَ إِلَيْهِ أَيْضاً : صَوْتٌ ثَانِيَةً: مَا طَهَّرَهُ اللّهُ لا تُدَنِّسْهُ أَنْتَ! 16وَكَانَ هذَا عَلَى ثَلاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ الإِنَاءُ أَيْضاً إِلَى السَّمَاءِ.

كان بطرس مصليّاً، وبدون الصلوات الرّوحيّة ليس ثّمة إعلان موحى به، فالصّلاة وقراءة الكتاب المقدّس تشبهان فتح زرّ الراديو، وتعيين الموجة الّّتي تلتقطها. فإن لم تتجّه لروح الله القدّوس بإرادتك، وعلى نحو صائب، فإنّك لا تسمع صوت الله البتة، ولا تشعر بنعمه، ولا تختبر هداه. أمَّا مَن يدرس الكتاب المقدّس مصليّاً، فهذا يكون في صلة مع الله.

صَلَّى بطرس وكرنيليوس في أوقات معيَّنة يوميّاً، فكانت أيامهم وأعمالهم منسوجة بالصلوات. فهل نظمت حياتك للصّلاة؟ إِنَّ صلواتك المستمرّة وتعمّقك في الكتاب المقدّس، لهي أهم مِن تناول الطعام لغذاء جسدك وتقويته، لأنّ نفسك تجوع إلى الله وبرّه، وتشتاق إلى التنفّس والغذاء والحياة. فلا تحتقر نفسك، بل انفتح لروح الله بالإنجيل يوميّاً بانتظام، فتنال نعمةً فوق نعمة.

رأى بطرس السّماء مفتوحةً ففكّر بطعام مادي لأنّه أصبح جائعاً مِن الصلوات الكثيرة وبات جسده محتاجاً للغذاء. وقد سارع أهل البيت لتهيئة طعامه، وفاحت رائحة طيّبة نحو السطح، حيث كان بطرس مصليّاً ومنتظراً. واستخدم الله الجوع القاسي، الّذي عاناه خادمه، فنقله إلى غيبوبة، وأراه السّماء مفتوحة في قيظ الظهيرة. فرأى بطرس فجأة ملاءةً كبيرةً نازلةً مِن السّماء، حتّى لامست الأرض، وفكّر أنّه واجدٌ فيها لآلئ، أو طعاماً شهيّاً، أو فاكهةً لذيذةً، ولكنّه ويا للأسف، نظر فوجد عقارب وحيات وحراذين وحرابيّ وسلاحف وسراطين بحريّة، وألوفاً مِن الحيوانات والحشرات الأخرى المحسوبة لليهود نجسةً؛ فاقشعرَّ واشمأزَّ مِن أشكالها وهيئاتها القبيحة. فهل فهمت مَعنى رؤية هذه الحيوانات النّجسة؟ إنّها تشبه البشر. نحن بالحقيقة نجسون. وإذا نظر الله إلينا يشمئزّ مِن رجاساتنا وفجورنا وأفكارنا المستكبرة. فهل شعرت مرّةً بشيء ولو قليل مِن نجاستك وقلبك الرديء؟

وفجأة سمع البصير صوتاً: قم يا بطرس، واذبح وكُل! ولكنّ الله يطلب الغلبة على شعورنا المبدئي، لكي ننسجم بمسرّته الإلهيّة. فعارض بطرس مشيئة الرّبّ حتّى في الغيبوبة، محتجّاً أنّ القدّوس بنفسه قد منع، في شريعة اليهود، أن يأكلوا شيئاً فاسداً أو دنساً، رمزاً لامتناعهم عن كلّ خطيئة أو شبهها. فلم يرد بطرس أن يخطئ وينجّس نفسه، فدفع بكلّ قوّة قلبه هذا العرض الّذي ظنّه تجربة، لئلا ينجّس نفسه. فكيف تعارض أنت كلّ تجربة للخطيئة، حتّى في نومك أو غيبوبتك؟ طوبى لك إن كرهت، مِن كلّ جوانحك، الخطيئة؛ فيقوّيك الرّوح القدس، ويرشدك، ويريك منفذاً مِن التجربة.

لم يرد الله أن يأكل بطرس حيوانات سامّة، بل طلب منه الإطاعة بلا قيد أو شرط، لانكسار موقفه الشريعي. ولم يجبر العليُّ بطرسَ أن يقشعرَّ اشمئزازاً مِن الخطيئة، بل أن يتعلّم محبّة الخطاة، أنّ الخطيئة تبقى شرّيرة، ولكن القدّوس يحب الخطاة. فلا ريب أنّ البشر أَشرارٌ دنسون، مرفوضون مِن روح الله، كتلك الحيوانات الّّتي رآها بطرس تدبّ وتعجّ في الملاءة. أدرك نفسك بدقّة! هل أنت تشبه الملاك أم الحيوان؟ أفيك إرادة صالحة، أم تَغلُب فيك النِّيَّاتُ السَّيِّئة؟ إِنَّ قلب الإنسان شرِّيرٌ منذ حداثته.

ولكنّ الله لم يبد حاملي صورته، بل طهّر كلّ النّاس مبدئيّاً، فدم ابنه أوجد فداء يفوق عقولنا. جميع النّاس أطهار في عيني الله، رغم خطاياهم، لأنّه قد صالح العالم لنفسه في المصلوب، فلا تضيقن الخلاص. هل تعرف مجرماً ما، أو فاسداً أو زانياً، أو متعجرفاً، أو متخيِّلاً مسكيناً؟ فاعلم أنّ يسوع حمل خطاياه على الصّليب، وكفَّر عنها، ومحا سيِّئاته نهائيّاً. إلاّ أنَّ هذا الخاطئ لم يعرف بعد النّعمة المعدة له بهذا الغفران والتكفير، لا تنس كيف ينظر الله إلى البشر سواسيةً منذ سال دم المسيح على الجلجثة فوق الصّليب. يعتبر القدّوسُ كُلَّ إنسانٍ طاهراً قدّيساً، وقد أرى الرّوح القدس بطرس هذه الرؤية ثلاث مرات، لأنّ العقل الطبيعي والشُّعور الإنساني، لا يقبلان أنّ يكون الفاسد سليماً، وأن يُعتبرَ الشِّرِّير صالحاً، ويريانه أمراً مستحيلاً. فالله صبور، وقد أكّد لبطرس الجامد، ثلاث مرّات، أنّ الصّليب قد غلب عقل الإنسان العادي. وهذه الظهورات الثلاثة تدلّ على أنّ الله، الآب والابن والرّوح القدس، يريد بكلّ إرادته الخلاصيّة أنّ جميع النّاس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون. قد تمّ الخلاص. والله ينظر إلى كلّ البشر أنّهم متبرّرون بدم ابنه. ولولا هذا لكان ينبغي أن يبيدهم حالاً لأجل قداسته.

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، اغفر شكوكي ومعارضة نفسي لخلاصك، واغلب عقلي، ووسّع قلبي، وأنر إيماني، لأدرك سَعَةَ مجد خلاصك، وأشهد لكلّ مَن يريد أن يسمع أنّ ابنك الحبيب غفرَ على الصّليب ذنوب كلّ خاطىء تائب. افتح فمي لقول الحكمة، وامنح اعترافي قوّة الحقّ.

17 وَإِذْ كَانَ بُطْرُسُ يَرْتَابُ فِي نَفْسِهِ, مَاذَا عَسَى أَنْ تَكُونَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا. إِذَا الرِّجَالُ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ كَرْنِيلِيُوسُ, كَانُوا قَدْ سَأَلُوا عَنْ بَيْتِ سِمْعَانَ وَوَقَفُوا عَلَى الْبَابِ 18 وَنَادَوْا يَسْتَخْبِرُونَ, هَلْ سِمْعَانُ الْمُلَقَّبُ بُطْرُسَ نَازِلٌ هُنَاكَ. 19 وَبَيْنَمَا بُطْرُسُ مُتَفَكِّرٌ فِي الرُّؤْيَا, قَالَ لَهُ الرُّوحُ, هُوَذَا ثَلاَثَةُ رِجَالٍ يَطْلُبُونَكَ. 20 لَكِنْ قُمْ وَانْزِلْ وَاذْهَبْ مَعَهُمْ غَيْرَ مُرْتَابٍ فِي شَيْءٍ, لأَنِّي أَنَا قَدْ أَرْسَلْتُهُمْ. 21 فَنَزَلَ بُطْرُسُ إِلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ كَرْنِيلِيُوسُ, وَقَالَ, هَا أَنَا الَّذِي تَطْلُبُونَهُ. مَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي حَضَرْتُمْ لأَجْلِهِ. 22 فَقَالُوا, إِنَّ كَرْنِيلِيُوسَ قَائِدَ مِئَةٍ, رَجُلاً بَارّاً وَخَائِفَ اللَّهِ وَمَشْهُوداً لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةِ الْيَهُودِ, أُوحِيَ إِلَيْهِ بِمَلاَكٍ مُقَدَّسٍ أَنْ يَسْتَدْعِيَكَ إِلَى بَيْتِهِ وَيَسْمَعَ مِنْكَ كَلاَماً. 23 فَدَعَاهُمْ إِلَى دَاخِلٍ وَأَضَافَهُمْ.        ثُمَّ فِي الْغَدِ خَرَجَ بُطْرُسُ مَعَهُمْ, وَأُنَاسٌ مِنَ الإِخْوَةِ الَّذِينَ مِنْ يَافَا رَافَقُوهُ.

24 وَفِي الْغَدِ دَخَلُوا قَيْصَرِيَّةَ. وَأَمَّا كَرْنِيلِيُوسُ فَكَانَ يَنْتَظِرُهُمْ, وَقَدْ دَعَا أَنْسِبَاءَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ الأَقْرَبِينَ. 25 وَلَمَّا دَخَلَ بُطْرُسُ اسْتَقْبَلَهُ كَرْنِيلِيُوسُ وَسَجَدَ وَاقِعاً عَلَى قَدَمَيْهِ. 26 فَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلاً, قُمْ, أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ. 27 ثُمَّ دَخَلَ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ وَوَجَدَ كَثِيرِينَ مُجْتَمِعِينَ. 28 فَقَالَ لَهُمْ,أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى رَجُلٍ يَهُودِيٍّ أَنْ يَلْتَصِقَ بِأَحَدٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَرَانِي اللَّهُ أَنْ لاَ أَقُولَ عَنْ إِنْسَانٍ مَا، إِنَّهُ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ. 29 فَلِذَلِكَ جِئْتُ مِنْ دُونِ مُنَاقَضَةٍ إِذِ اسْتَدْعَيْتُمُونِي. فَأَسْتَخْبِرُكُمْ, لأَيِّ سَبَبٍ اسْتَدْعَيْتُمُونِي؟” 30 فَقَالَ كَرْنِيلِيُوسُ, مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ كُنْتُ صَائِماً. وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ كُنْتُ أُصَلِّي فِي بَيْتِي, وَإِذَا رَجُلٌ قَدْ وَقَفَ أَمَامِي بِلِبَاسٍ لاَمِعٍ 31 وَقَالَ, يَا كَرْنِيلِيُوسُ, سُمِعَتْ صَلاَتُكَ وَذُكِرَتْ صَدَقَاتُكَ أَمَامَ اللَّهِ. 32 فَأَرْسِلْ إِلَى يَافَا وَاسْتَدْعِ سِمْعَانَ الْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ. إِنَّهُ نَازِلٌ فِي بَيْتِ سِمْعَانَ رَجُلٍ دَبَّاغٍ عِنْدَ الْبَحْرِ. فَهُوَ مَتَى جَاءَ يُكَلِّمُكَ. 33 فَأَرْسَلْتُ إِلَيْكَ حَالاً. وَأَنْتَ فَعَلْتَ حَسَناً إِذْ جِئْتَ. وَالآنَ نَحْنُ جَمِيعاً حَاضِرُونَ أَمَامَ اللَّهِ لِنَسْمَعَ جَمِيعَ مَا أَمَرَكَ بِهِ اللَّهُ.

ما كان لله أن يكون فيلسوفاً ناسجاً أفكاراً فارغة بعيدة عن الحقيقة. فلمّا كلّم الله بطرس في غيبوبته، كان خدّام الضابط كرنيليوس في الطريق إليه، وبحثوا عن بيت الدبّاغ سمعان ووجدوه سريعاً، مقادين بتلك الرائحة الفائحة مِنه، وسألوا عن ضيفه بطرس، رجل الله.

وكان بطرس لا يزال شبه ضائع مما حدث له مِن الوحي، الّذي لم يفهمه بوضوح،    ولمّا فرك عينيه سمع جنوداً مِن الطريق ينادونه باسمه، ففزع؛ فبينما هو في أمواج السّماء، إذ حضر رجال الشّرطة الّذين لعلّهم جاءوا لأخذه إلى السجن، لكنّ الرّوح القدس دفع مقدام الرسل إلى الأمام قائلاً له، افتح عينيك واعلم أنّ رؤيا الله تتحقّق الآن في الواقع المنظور، فاذهب مع هؤلاء النجسين، ولا تفكّر أنّ مخالفتكَ للشريعة مضادة لله، فأنا أرسلك إلى الأمم. لا تعتبرهم نجسين لأنّي أحبّهم وقد طهرّتهم.

لم يهرب بطرس مِن الشّرطة، بل أطاع صوت الله، وتقدّم إلى الجند الروماني مطمئناً،

وأعلن ذاته، وسألهم عن الغاية والسبب اللّذين دفعاهم إلى القدوم إليه، فقصّوا عليه قصصهم، أنّ كرنيليوس، الضابط المؤمن المتواضع المحسن للأتقياء مِن العهد القديم، قد ظهر له ملاك برّاق، وأمره بأن يستقدم بطرس إلى بيته الخاص، ليسمع منه كلمات إلهيّة.

وعندما سمع بطرس مِنهم هذا القول، دعاهم للدخول والاستراحة عنده، رغم تحريم الشَّريعة ذلك، وأضافهم ليلة كاملة، في حين جثا هو مصليّاً إلى الله، وطالباً إليه الإرشاد، لأنّه لم يعرف ماذا يريد المسيح مِنه، ولا الأقوال الّّتي عليه أن يتكلّم بها إلى كرنيليوس الوثني، إنّما الّذي فهمه أنّ الله قد كسر المحظورات الشريعيّة بواسطة الرؤيا المتكرّرة ثلاثاً. وكما أنّ كرنيليوس أطاع مستسلماً لهدى الله، هكذا رضخ بطرس لإرشاد الرّوح القدس، رغم شعور ضميره المربوط بتقاليد الشريعة.

وفي صباح الغد، ابتدأت رحلته بمحاذاة الشاطئ الفلسطيني مِن الجنوب إلى الشمال، حيث تقوم قيصرية، وطلب بطرس إلى بعض الإخوة مرافقته كشهود، لأنّه شعر بابتداء شيء يفوق العقل والإدراك، فلم يرد الرسول اختبار هذه الحقائق الإلهيّة بنفسه فقط، بل طلب شهوداً يوضحون بعدئذ مقاصد المسيح بصراحة.

وبعد مسيرة يوم كامل، وصلت القافلة في صباح اليوم التالي إلى مقصدها في قيصرية، وحسب الضابط الوقت الّذي يمكن أن يحضر فيه بطرس إليه، متيقّناً أنّ الرسول لا بدّ أنّه يطيع صوت المسيح مباشرة، فدعا كرنيليوس أقرباءه وأَصدقاءه الّذين حضروا في لباس العيد، وجلسوا مشتركين في الصّلاة منتظرين الحدث العظيم بينهم.

ولمّا اقترب بطرس إلى بيت الضابط، لم ير كرنيليوس فيه ملاكاً برّاقاً، ولا فيلسوفاً عبقريّاً، ولا نبيّاً بهالة حول رأسه، بل صيّاداً بسيطاً. ورغم هذا تقدّم الضابط إليه وسجد أمامه، عالماً أنّ الله يطلب التسليم الكامل له، فسجود كرنيليوس لبطرس كان تعبيراً عن إكرامه لله في سفيره القادم إليه.

بيد أنّ بطرس منع كلّ إكرام لنفسه، وقال قف كأوّل كلمة وجهها للضابط قم سريعاً فأنا لست إلهاً، لكنّي إنسان مثلك. فهذا هو المبدأ لكلّ سفير للمسيح، وكلّ أسقف وبابا. إنّه ليس أحدٌ يستحقّ السُّجود، لأنّنا جميعاً خطاة متبرّرون. ولم ينس بطرس ماضيه، إنّه كان صياداً غليظاً ومنكراً حالفاً كذوباً، أمّا الرّبّ فرحمه وفوضه، ليتكلّم للشعب والمجمع الأعلى. وهكذا أرسله الآن أيضاً، ليفتح الباب لتبشير الأمم. فمنع كرنيليوس مِن تأليهه وإكرامه الزائد له، وتباحث كلاهما ودخلا البيت، حيث كانت الجموع تترقّب أعجوبة إلهيّة على يد الرسول، وكان عدد الحاضرين كبيراً، مزدحمين في الغرفة وهم وثنيون ممَن يحتقرهم اليهود.

 وغلب بطرس في نفسه شعور الكراهية تجاه الحاضرين، وقال في البداية موضحاً، إنّه يستحيل جلوسه معهم حسب وصيّة الشريعة، ولكنّه قد حصل على وصيّة جديدة مِن الله، ألاّ يعتبر إنساناً ما نجساً أو دنساً، وهكذا قبل أن يشترك ويجلس مع المجتمعين بدون معارضة، ورغم ذلك وحتّى تلك اللحظة، ما كان بطرس عالماً ماذا ينبغي أن يقول ويعمل، لأنّ فكر تبشير الأمم كان مستحيلاً وغريباً للمسيحيين مِن الأصل اليهودي، فسأل الحاضرين، ماذا يريدون مِنه فعجبوا هم أيضاً! لأنّ رجل الله شاورهم في الأمر، فتدخّل إذ ذاك كرنيليوس، وكرّر رواية قصّته الحاصلة مع الملاك، والّّتي حدثت قبل أربعة أَيام وأضاف جملة عظيمة قائلاً: نحن الآن حضور أمام وجه الله، لنسمع بدقّة الإعلان عما أعطاك الله. وهذا هو السؤال نفسه الّذي تواجهك به أنظار تلاميذك وجيرانك وأصدقائك ما هي شهادتك؟ وما هي معرفتك عن الله؟ وهل لديك رسالة تبلغها؟ أم أنت صامت كسمكة؟ أو مختبر شيئاً مِن الله، فقل ولا تصمت!

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، قلوبنا بطيئة الفهم، وعقولنا عنيدة، وأذهاننا جاهلة. افتح أعيننا، لنرى كلّ إنسان مشتاقاً إلى شهادة خلاصك. علّمنا إطاعة إرشاد روحك القدّوس مباشرة، لنجد الجياع إلى البرّ ونشبعهم بخلاصك.

10: 34 فَقَالَ بُطْرُسُ:بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللّهَ لا يَقْبَلُ الْوُجُوهَ 35بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ 36الْكَلِمَةُ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يُبَشِّرُ بِالسَّلامِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ هذَا هُوَ رَبُّ الْكُلِّ 37أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأَمْرَ الَّذِي صَارَ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ الْجَلِيلِ، بَعْدَ الْمَعْمُودِيَّةِ الَّتِي كَرَزَ بِهَا يُوحَنَّا 38يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللّهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُّوَةِ، الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْراً وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَنَّ اللّهَ كَانَ مَعَهُ 39وَنَحْنُ شُهُودٌ بِكُلِّ مَا فَعَلَ فِي كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَفِي أُورُشَلِيمَ الَّذِي أَيْضاً قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ40هذَا أَقَامَهُ اللّهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَأَعْطَى أَنْ يَصِيرَ ظَاهِراً، 41لَيْسَ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ، بَلْ ِشُهُودٍ سَبَقَ اللّهُ فَانْتَخَبَهُمْ لَنَا نَحْنُ الَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ الأَمْوَاتِ 42وَأَوْصَانَا أَنْ نَكْرِزَ لِلشَّعْبِ، وَنَشْهَدَ بِأَنَّ هذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ مِنَ اللّهِ دَيَّاناً لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ 43لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ الأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِاسْمِهِ غُفْرَانَ الْخَطَايَا“.

عندما ألح كرنيليوس على بطرس ليعلن معرفته عن الله، استنار مقدام الرسل، وأدرك أنّ كلمة الله ليست معطاة لليهود فقط، بل إنّ كلّ إنسان تقيّ مستقيم حنيف يستحقّ السّماع عن الله، وماذا عمل في المسيح. فهذا الإدراك كان انفتاحاً لعقل بطرس، وكلّ المؤمنين المرافقين له، ولاحظوا أنّ المسيح الآن قد بدأ بهدم الحائط الفاصل بينهم وبين الأمم، وعلموا مدهوشين أن الله يقبل أناساً مِن كلّ الشّعوب واللغات والألوان والدّرجات الحضاريّة والمترفّهة، إذا طلبوا الله باستقامة قلب، ودرَّبوا أنفسهم على الأعمال الصالحة.

وعندئذ أعلن بطرس هدف الإيمان المسيحي ببساطة، ولخّص كلّ معانيه في جملة واحدة واسم واحد فقال: يسوع المسيح هو ربّ الكلّ. فمَن يقبل هذا الوسيط بين الله والنّاس يحصل على سلام في ضميره. وهذه الرّسالة عن المصالحة الإلهيّة استودعت أوّلاً أيدي أبناء العهد القديم، الّذين ركضوا بين المدن والقرى اليهوديّة والسامرة والجليل، ووصل هذا الخبر إلى قيصرية بفيلبس الشماس، الّذي بشّر اليهود وقليلاً مِن الأمميين. لكن بمجيء بطرس إلى هذه البلدة، فتح المسيح الإنجيل إلى كلّ النّاس رسميّاً، حتّى تمتّ في الرسول الكلمة المعطاة لإبراهيم: تتبارك فيك جميع قبائل الأرض.

وبعدئذ قصّ الرسول على الحاضرين أهمّ الوقائع لحياة يسوع، كيف نزل مِن بلدة جبليّة في الجليل إلى وادي الأردن العميق الحار، ليلتقي بيوحنّا المعمدان، الّذي اجتمع عنده كثير مِن المشتاقين إلى الله، وهناك فتح الله السّماء ومسح يسوع بالرّوح القدس علانيّة، وأعطاه القوّة للخدمة، ليشفي كلّ الأمراض، ويطرد الشياطين، ويكرز بالإنجيل. لم يقدّم يسوع أَفكاراً خياليّة فلسفيّة بدون تحقيق عملي، بل عمل ما قال، وحقَّق إرادة الله المعلنة إنجيله، وكان بطرس والرسل الباقون شهوداً لحياة يسوع، ورأوا بأعينهم أنّه عاش في انسجام كامل مع الله الّذي عمل بواسطته. فسلطان المسيح لا ريب فيه.

وحصل المستحيل للعقل الإنساني، أنّ النّاس قتلوا قدّوس الله هذا، بطريقة الصلب، على خشبة العار المعدّة للعبيد الفارين وللمجرمين الدنسين. أمّا الله فأثبت براءة محبّة ابنه، وأعلن قداسته، لمّا أقامه مِن بين الأموات؛ حتّى إنّ يسوع تجوّل مكشوفاً وملموساً بين الأحياء، ولكنّه لم يلتق بكلّ النّاس في مدينة القدس، بل بالنّخبة الّّتي مِنها بطرس، وعاش معهم وأكل وشرب، ليتأكّدوا مِن حقيقة جسده الّذي قام فيه.

وفي الأيام الأربعين، ما بين القيامة والصعود علّمهم المسيح أسرار ملكوت أبيه السّماوي، وقال لهم إِنَّ الله قد دفع إليه كلّ السلطان في السّماء وعلى الأرض.     فيسوع إذاً هو الديّان لكلّ البشر، والرّبّ على الأحياء والأموات، وحتّى كرنيليوس وكلّ المجتمعين كانوا خاصّته، ونحن أيضاً.

أمّا الخوف مِن هذا القادر فهو ممنوع، لأنّ كلّ الأنبياء الصالحين قد أنبأوا، أنّ كلّ مَن يؤمن باسم يسوع المسيح ينل غفران الخطايا، ولا يدخل إلى دينونة. فالآتي مِن الله أوجد منفذاً أكيداً مِن يوم الدّين، وفتح الباب إلى السّماء على مصراعيه. فليس علينا أن نخاف لأجل خطايانا، ولا أن نرتجف خوفاً من غضب الله العادل، لأنّ ابن الله غسل بدمه ذنوبنا، وقدّسنا نهائيّاً، وقربّنا إلى الله أبينا السماوي.

فمَن يؤمن بهذه الحقائق يتبرّر، ومَن يقبل إنجيل الخلاص يتقدّس. وبهذه الكلمات قدّم مقدام الرسل لأوّل مرّة ملء نعمة يسوع المسيح إلى الأمم الوثنيّة، وفتح لها الحقّ في كفّارة المسيح؛ فجذب بطرس المستمعين إلى الإيمان، والانسجام بمشيئة الله الخلاصيّة.

ولم يثبت بطرس، بكلمات خصوصيّة وبصائر عميقة، أسرار فداء المسيح لاهوتيّاً ومنطقيّاً، بل شهد بحقائق تاريخيّة شاهداً ليسوع، وذكر هذه الأحداث هو الّذي أوجد الخلاص في مستمعيه، وليس التوبيخ على خطاياهم، أو استدرار الدموع؛ فأرشدهم بطرس ألاّ ينظروا إليه، وَرسم يسوع أمام أنظارهم، لأنّ الإيمان بيسوع وحده يخلّص ومَن يثق به يتقدّس.

نجد في هذه المقابلة تثبيتاً تاريخيّاً فريداً لصلب يسوع، لأنّ قائد المئة الروماني ما كان ليوافق البتّة على شهادة بطرس عن صلب يسوع، لولا أنّها حدثت عمليّاً. ولكنَّ هذه الحقيقة كانت معروفة، وقد وضّحها بطرس سبباً لخلاصنا.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت ربّ كلّ النّاس، وقد اشتريتهم لله بدمك الثَّمين. وحصلت بعد قيامتك على السلطان في السّماء وعلى الأرض. فساعدنا أن نستسلم لك تماماً، ونوضح للنّاس جميعاً، بلا خوف، أنّك أنت الرّبّ لمجد الله الآب.

10: 44 فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهذِهِ الأُمُورِ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ 45فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ لأَنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الأُمَمِ أَيْضاً – 46لأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ وَيُعَظِّمُونَ اللّهَ حِينَئِذٍ قَالَ بُطْرُسُ: 47أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ الْمَاءَ حتّى لا يَعْتَمِدَ هؤُلاءِ الَّذِينَ قَبِلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضاً؟ 48وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ حِينَئِذٍ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ أَيَّاماً.

أثبت الله موعظة بطرس البسيطة، عن حقائق حياة المسيح وخلاصه، بانسكاب الرّوح القدس على كلّ الّذين سمعوا هذه الكلمات. وهذه الحادثة تكسر كلّ كلمة معقدة متعاليّة رنانة، وتتجنّب كلّ موهبة خطابيّة برّاقة؛ فالله يرفض كلّ متعال أمام النّاس، ويكره الرّوح المستكبر، ويبارك العظة الموضوعيّة عن حياة ابنه وصلبه وقيامته بواسطة انسكاب الرّوح القدس. هل تريد استنارة أصدقائك وخلاصهم؟ ادرس إذاً عظة بطرس أمام الحضور في بيت كرنيليوس، فتدرك كيف أنّ الله يوافق على الشهادة البسيطة عن المسيح، ويلهم المتكلّم بقوّة السّماء.

لقد فتح الإيمان قلوب المستمعين، فاستطاع روح الله أن يدخل فيهم بلا مانع، وبرهن الرّبّ الحيّ، بواسطة هذا الانسكاب لليهود، أنّ الختان ومعرفة الشريعة وحفظ الوصايا ليست ضروريّة لنيل هبة الله، بل الإيمان وحده يبرّر؛ وليس لإنسان حقّ واستحقاق أمام الله. أمّا الّذي يقبل المسيح، ويضع نفسه تحت برّ دمه، فهذا مَرْضِيٌّ أمام العليّ.

إنّ الرّوح القدس في العالم لا يزال يجري، منذ عيد العنصرة، كأنهر عريضة إلى الّذين يؤمنون بيسوع. وبدون إيمان بالمسيح لا يأتي الرّوح القدس إلى القلب، لأنّ الرّوح يمجّد الابن. ولكن حيث يفتح طالب الله نفسه لإنجيل المسيح ينيره الرّوح المبارك، وينشئ ثقته في ابن الانسان، فيدركه ابن الله، حتّى تحلّ حياة المسيح في المؤمن. فالرّوح القدس يحقّق الإِيمان بالمسيح، بارتكازه في قلوبنا؛ فليس روح الله فكراً خياليّاً، أو شعوراً عابراً، أو نتيجة مِن شعورنا الباطني، بل إنّه الجوهر الإلهي الحالّ في المؤمن.

عندئذ تنبع مِمَّن كان أنانيّاً محبَّةُ الله، والّذين لم يعرفوا الله مِن قبل يسمّونه أباهم بغبطة، فتسابيح الحمد وشهادات الانتصار تصعد إلى وحدة الثالوث الأقدس، لأنّ روح الرّبّ هو روح الشُّكر وقوّة الحياة وفرح السّلام، وليس في إلهنا ضيق، بل فرح ومسّرة ورأفة. هل تعرف الحياة في الرّوح القدس؟ آمن بالرّبّ يسوع وفدائه مِن كلّ قلبك، فتمتلئ بحياة المسيح اليوم.

فزع اليهود، ولعلّ بطرس نفسه كان فزعاً أيضاً، لمّا رأوا كيف انسكب الرّوح القدس على المؤمنين بدون معموديّة، وبدون اعتراف بالخطايا أو حركة خاصّة مِن المستمعين، فالإيمان وحده خلّصهم. ليس الأعمال ولا الصلوات ولا الصّوم، وليس مِن حاجة للختان، ولا ضرورة للطقوس مِن قيام وقعود وركوع وسجود، لأنّ الجالسين امتلأوا مِن محبّة الله ونوره المبين.

فقرّر بطرس عندئذ بجرأة، أنّ الرمز الخارجي لقبول المؤمن في كنيسة المسيح، أي المعموديّة، لا يجوز أن يُمنَع عن الّذين قبلهم الله بواسطة انسكاب روحه، وأدخلهم إلى عائلته. والرّوح القدس الّذي حلّ في بطرس والمؤمنين، مِن الأصل اليهودي، هو نفسه روح محبّة الله الّذي دخل في الوثنيين المؤمنين بالمسيح. فتحيّر بطرس ورفاقه مِن تجديد الوثنيين وحلول الرّوح القدس عليهم، فعمّدوهم مطيعين لإرشاد الرّبّ، وثبّتوهم في اسم يسوع. وكان عدد هؤلاء المتجدّدين كبيراً، لأنّ كرنيليوس ملأ بيته بأقربائه وأصدقائه، فتكوَّنَتْ كنيسةٌ دفعةً واحدةً في قيصرية، المركز الرُّوماني الرَّئيسي في فلسطين.

وألحّ المؤمنون الجدد على بطرس وأصدقائه، أن يمكثوا معهم، ويشركوهم بالفرح والاختبارات والمعارف في ملء خلاص الله، فتكاثر الحمد في تلك الأيام، وتصاعدت التسابيح للآب والابن، لأنّه فتح الباب للأمم على مصراعيه، ليس ببولس بل بمقدام الرسل بطرس، وخطّط مسير الكنيسة جهراً ونهائيّاً. ومنذ تلك الساعة يجري الإنجيل إليك أيضاً، وتستطيع قبول الرّوح القدس بواسطة إيمانك بالمسيح يسوع.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك أصبحت إنساناً لأجلنا، وتحمّلت خطايانا على كاهلك، ومتّ وصالحتنا مع الله، وقمت مِن الموت لتبريرنا. ونشكرك لروحك القدّوس المعطى لنا، ونطلب إليك انسكابه على أصدقائنا وأعدائنا. آمين.

11: 1 فَسَمِعَ الرُّسُلُ وَالإِخْوَةُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْيَهُودِيَّةِ أَنَّ الأُمَمَ أَيْضاً قَبِلُوا كَلِمَةَ اللّهِ 2وَلَمَّا صَعِدَ بُطْرُسُ إِلَى أُورُشَلِيمَ خَاصَمَهُ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ، 3قَائِلِينَ: »إِنَّكَ دَخَلْتَ إِلَى رِجَالٍ ذَوِي غُلْفَةٍ وَأَكَلْتَ مَعَهُمْ 4فَابْتَدَأَ بُطْرُسُ يَشْرَحُ لَهُمْ بِالتَّتَابُعِ قَائِلاً: 5أَنَا كُنْتُ فِي مَدِينَةِ يَافَا أُصَلِّي فَرَأَيْتُ فِي غَيْبَةٍ رُؤْيَا: إِنَاءً نَازِلاً مِثْلَ مُلاءَةٍ عَظِيمَةٍ مُدَلاَّةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ مِنَ السَّمَاءِ فَأَتَى إِلَيَّ 6فَتَفَرَّسْتُ فِيهِ مُتَأَمِّلاً، فَرَأَيْتُ دَوَابَّ الأَرْضِ وَالْوُحُوشَ وَالّزَحَّافَاتِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ 7وَسَمِعْتُ صَوْتاً قَائِلاً لِي: قُمْ يَا بُطْرُسُ اذْبَحْ وَكُلْ 8فَقُلْتُ: كَلاَّ يَا رَبُّ، لأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فَمِي قَطُّ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ 9فَأَجَابَنِي صَوْتٌ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ: مَا طَهَّرَهُ اللّهُ لا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ 10وَكَانَ هذَا عَلَى ثَلاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْتُشِلَ الْجَمِيعُ إِلَى السَّمَاءِ أَيْضاً 11وَإِذَا ثَلاثَةُ رِجَالٍ قَدْ وَقَفُوا لِلْوَقْتِ عِنْدَ الْبَيْتِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ مُرْسَلِينَ إِلَيَّ مِنْ قَيْصَرِيَّةَ 12فَقَالَ لِي الرُّوحُ أَنْ أَذْهَبَ مَعَهُمْ غَيْرَ مُرْتَابٍ فِي شَيْءٍ وَذَهَبَ مَعِي أَيْضاً هؤُلاءِ الإِخْوَةُ السِّتَّةُ فَدَخَلْنَا بَيْتَ الرَّجُلِ، 13فَأَخْبَرَنَا كَيْفَ رَأَى الْمَلاكَ فِي بَيْتِهِ قَائِماً وَقَائِلاً لَهُ: أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالاً، وَاسْتَدْعِ سِمْعَانَ الْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ، 14وَهُوَ يُكَلِّمُكَ كَلاماً بِهِ تَخْلُصُ أَنْتَ وَكُلُّ بَيْتِكَ 15فَلَمَّا ابْتَدَأْتُ أَتَكَلَّمُ، حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ كَمَا عَلَيْنَا أَيْضاً فِي الْبَدَاءَةِ 16فَتَذَكَّرْتُ كَلامَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ: إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَاءٍ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتُعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ 17فَإِنْ كَانَ اللّهُ قَدْ أَعْطَاهُمُ الْمَوْهِبَةَ كَمَا لَنَا أَيْضاً بِالسَّوِيَّةِ مُؤْمِنِينَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، فَمَنْ أَنَا؟ أَقَادِرٌ أَنْ أَمْنَعَ اللّهَ؟ 18فَلَمَّا سَمِعُوا ذلِكَ سَكَتُوا، وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللّهَ قَائِلِينَ: إِذاً أَعْطَى اللّهُ الأُمَمَ أَيْضاً التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!

صنع روح الله ببطرس عجائب بارزة، أوّلاً شفاء الأعرج في لدّة، ثانيّاً إقامة الميّتة في يافا. فهل مِن مزيد على ذلك؟ نعم خلاص الأمم المحتقرة بالنّعمة فقط، فهذا كان القمّة في تطوّر جريان قوّة الله، وقد فتح الله في نعمته، بواسطة الأعجوبة في قيصريّة، الباب للأمم، ليدخلوا ملكوت الله بدون ممارسة الختان، وبدون الدروس الشريعيّة، وبدون علاقة بسلسلة الأسباط، وبدون عبوديّة لطقوس الهيكل؛ فروح المسيح خلّص أناساً بكلّ حريّة، وحقّق فيهم خلاص الصّليب جهراً. وهذه الحادثة الّّتي وقعت في قيصرية، كانت رسميّاً بداية تبشير العالم، والانفصال الجهري بين تاريخي العهدين القديم والجديد.

وكان هذا سبباً لتزعزع كثير مِن المسيحيين مِن الأصل اليهودي، فتجمّدت عقولهم، وفار دمهم، واغتاظوا مفكّرين أنّ بطرس أسرع وباع امتياز إسرائيل إلى أعضاء القوّة الاستعماريّة. فأين الختان رمز عهدنا مع الله؟ وأين الاقتصار على اختيار ذرّية الأسباط الاثني عشر فقط؟ وأين المتطلبات العديدة مِن الشريعة؟ فإن سمع رئيس الكهنة والفرّيسيون أنّنا قد أدخلنا وثنيّين بدون شريعة للعهد مع الله، فسوف يلعنوننا ويضطهدوننا مرّة أخرى، فثار الإخوة وهيّجوا الكنيسة الأصليّة في أورشليم.

ولمّا رجع بطرس إلى القدس، نشب خلاف عنيف بين المؤمنين، وانشقّوا فريقين، أوّلهما النّاموسيّون (الشريعيون) المتمسّكون بأحرف الشريعة، وثانيهما بطرس والشهود الستّة، الّذين رافقوه مِن يافا إلى قيصرية. فالتقليديون لم يشتكوا على بطرس لأنّه بشّر الأمميين، ولم ينزعجوا مِنه إذ قبلهم برمز المعموديّة في الكنيسة؛ بل اشتكوا عليه لأنّه لم يختن المتجدّدين، ولم يهوّدهم، وأكل مع غير المختونين، وعاشرهم كأنّهم عائشون في العهد نفسه مع الله، كما هو حالُ المختونين المختارين.

لم يقاوم بطرس إِخوتَهُ المتعصِّبين، لأنّه كان قبلاً غليظاً عنيداً مثلهم، حتّى أنّه عارض أمر الله في الغيبوبة بقوله، لا ألمس شيئاً دنساً. ولكنّ الأمر المكرّر ثلاثاً: ما طهَّره الله لا تُدنِّسْه أنت، كسر فهم الشَّريعة عند بطرس، وسحق معارضته المستكبرة. وأخيراً رأى بطرس كيف أنّ كلّ هذه الحيوانات الوسخة رُفِعت إلى السّماء، ولم تُلفَظْ إلى الأرض والبحر، وذلك رمزاً لاعتبار الله أن النَّجِسين هم طاهرون لأجل المسيح، وأدخلهم أفواجاً إلى السّماء. وقد اختبر بطرس معاني هذه الرؤيا بواسطة اختباراته مع كرنيليوس، وفهمها فهماً واضحاً، وشهد لإخوته أنّ الله اختار النّاس كلّهم وخلّصهم قدّسهم، وليس أعضاء العهد القديم فقط؛ والقدّوس طهّر كلّ إنسان بدم المسيح.فالنّعمة أعظم مِن عقولنا، وأوسع مِن شريعتنا، وأرحم مِن قلوبنا.

وأعطى بطرس مِن نفسه حساباً لكلّ مَن طلب مِنه توضيحاً، رمزاً أنّه لم يكن السلطان المطلق في الكنيسة يعمل ما يشاء، بل جاوب الغُيُرَ بتواضع، وأراهم كيف أنّ الرّوح القدس أكّد عليه الذهاب إلى كرنيليوس، وأنّ ملاك الرّبّ أمر قائد المئة أن يستدعي بطرس رسول الخلاص إلى بيته.

لم يتصرّف بطرس بشيء مما لم يؤمر به، بل تكلّم وبشّر المستمعين فقط. وعندئذٍ حدث الأمر العجيب، أنّ الرّوح القدس انسكب على الوثنيين المستمعين، كما انسكب مِن قبل على اليهود المنتظرين المصلّين. وأبرز بطرس في مدافعته، أنّ موهبة الله أُعطِيت للإيمان بالمسيح، كما حدث في قيصرية، ومثلما حصل للرسل أنفسهم قبل ذلك، فلا قيمة لأعمال الشريعة ولا للختان، لأنّ قبول الرّوح القدس هو نعمة فقط ليس إلاّ.

وأثبت بطرس خدمته بطريقة أقوى مما قاله، أنّه لا يقدر أن يمنع الله إذا أعطى روحه للمؤمنين بالمسيح، فلو شاء بطرس تحوير مقاصد الله، لكان ذلك مستحيلاً. فكان إثبات بطرس نوعاً مِن التنكيت والاستهزاء بالناموسيين (بالشريعيين) المتعصبين، ولكنّ مقدام الرسل حاول تخليصهم أيضاً ونجح بعظته لهم، إذ سكت المشتكون أمام محبّة الله العظيمة إلى حين.

وعندئذ ابتدأت تسابيح الحمد بين أكثريّة الرسل، وعمّ الشُّكرُ الشُّيوخَ لأجل هذا التطوّر الجديد، حيث أصبح النّاس يخلصون بدون شروط الشريعة اليهودية، وإِنَّما بالإيمان بالمخلّص وحده، ويحصلون على الرّوح القدس بواسطة الاستماع للإنجيل وحده. فتعظيم الله كان كبيراً، لأنّ الرّبّ نفسه فتح الباب لتبشير العالم بواسطة بطرس مقدام الرسل.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لتدخّلك في سيرة تاريخ الكنيسة، بواسطة إعلاناتك المجيدة لاستفانوس وبولس وبطرس. نعمتك هي الّّتي مهّدت التبشير للأمم ونفّذته. فإنّك ستكمل عملك المجيد، وتدعو شعباً لا يُحصى مِن كلّ الأمم وتقدّسه، وتحفظه إلى يوم مجيئك القريب. تعال أيّها الرّبّ يسوع، وعلّمنا أن نبشّر إلى ذلك الحين، في إرشاد وقوّة روحك القدّوس، بالحكمة والاجتهاد، تمجيداً لاسمك الجليل، آمين.

10تأسيس كنيسة انطاكية

للمهتدين مِن الأصل الوثني

(11: 19 – 30)

11: 19 أَمَّا الَّذِينَ تَشَتَّتُوا مِنْ جَرَّاءِ الضِّيقِ، الَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ إِسْتِفَانُوسَ، فَاجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ، وَهُمْ لا يُكَلِّمُونَ أَحَداً بِالْكَلِمَةِ إِلاَّ الْيَهُودَ فَقَطْ 20وَلكِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَهُمْ رِجَالٌ قُبْرُسِيُّونَ وَقَيْرَوَانِيُّونَ، الَّذِينَ لَمَّا دَخَلُوا أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ الْيُونَانِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بِالرَّبِّ يَسُوعَ 21وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ مَعَهُمْ، فَآمَنَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعُوا إِلَى الرَّبِّ 22فَسُمِعَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ فِي آذَانِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا لِكَيْ يَجْتَازَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ 23الَّذِي لَمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ اللّهِ فَرِحَ، وَوَعَظَ الْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الرَّبِّ بِعَزْمِ الْقَلْبِ 24لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً صَالِحاً وَمُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالإِيمَانِ، فَانْضَمَّ إِلَى الرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ.

كيف تطوّر تاريخ الكنيسة ومسير التبشير بعد إعلان الله العظيم لبطرس؟ هل أصلح المؤمنون الكثيرون في قيصرية كنيسة حيّة، ومركزاً نشيطاً لتبشير العالم مشعّاً قوّة الإنجيل إلى الشّعوب؟ إنّنا لم نسمع عنهم فيما بعد.

ولكن بعيداً عن فلسطين في شمالي سوريا، وفي العاصمة أَنطاكية أكبر مدن الشرق بحياتها السَّخيفة السَّطحيّة، نزل بعض اللاجئين المؤمنين بالمسيح، لأنّه منذ الاضطهاد بسبب استفانوس، تفرّق الهاربون إلى مدن لبنان وقبرص وآسيا الصغرى، وشهدوا في كلّ مدينة وقرية بيسوع ينبوع الحياة الأبديّة، ولكنّهم قصروا شهادتهم على أبناء جنسهم مِن اليهود المتغربين.

وفي أَنطاكية حدث العكس، فهناك تكلّم بعض هؤلاء النازحين إلى اليونانيين وسائر الأمم مباشرةً، وبشّروا بدون أن يتدرّبوا لاهوتيّاً لهذا الغرض أو يحملوا شهادات باهرة، وبدون مساعدات ماليّة مِن مركز تبشيري يمدُّهم ويوجّههم؛ فتكلّموا إلى زملائهم اليونانيين في التّجارة والمهن المختلفة عن يسوع الرّبّ المقام مِن بين الأموات، فحدث مثلما حدث في قيصرية، أن الرّوح القدس حلّ في المؤمنين دون أن يصيروا يهوداً.

وهذا التجديد العظيم، لم يسبّب في الكنيس اليهودي ثورةً، لأنّ اليهود في هذه العاصمة كانوا منفتحين مِن قبل على التَّبشير بالتوراة، حتّى إِنَّ نيقولا الأممي الوثني أصبح يهوديّاً، ومِن ثمّ آمن بالمسيح، وامتلأ بالرّوح القدس، فاختارته الكنيسة في أورشليم بعدئذ شماساً مِن ضمن الشمامسة السبعة. فمِن هذا بان واضحاً أنّ الحرّية في أَنطاكية كانت أكبر مِنها في أورشليم، فانطلق التَّبشير تلقائيّاً.

فماذا كان مضمون وفحوى شهادة هؤلاء اللاجئين المبشّرين؟ لم يقدروا أن يبشّروا بالمسيح مِن آيات التوراة، لجهل النّاس هناك بالعهد القديم والشريعة والنبوّات، فسمّوا يسوع رأساً الرَّبَّ، الّذي دُفِعَ إليه كلُّ السُّلطان في السّماء وعلى الأرض وكلُّ الأشياء صارت به ودامت به (1 كورنثوس 8: 6). وهذا الرّبّ يطلب تكريس حياتنا وطاعتنا، وخضوعنا له ونستطيع أن نحقّق تسليمنا إليه بدون هموم أو خوف، لأنّه مات لأجلنا، وكفَّر عن ذنوبنا، لنصبح مقبولين أمام العلي، فربّنا ليس دكتاتوراً بل هو محبّةٌ محاطةٌ بسلطان، وهو يبرّرنا لنشترك بحياته الأبديّة المتفوِّقة على الموت والفساد.

وهذه الرسالة عن السلطة الرحيمة غلبت القلوب، وأنارت العقول، حتّى وجد كثيرون العلاقة الشخصيّة مع الرّبّ يسوع، وخلصوا، وأحد أسرار هذه النهضة التبشيريّة في أَنطاكية، كان الاتصال العملي مِن فرد إلى فرد، فلم يُقِم المؤمنون المبشّرون اجتماعات انتعاشيّة ضخمة، ولم يستخدموا الراديو أو النشرات بتاتاً، بل نقلوا قوّة الخلاص مِن فم إلى أذن، بواسطة اتّصالات شخصيّة، ولا يزال هذا الأسلوب حتّى اليوم هو أقوى طريقة للتبشير. فهل تتكلّم مع أصدقائك عن المخلّص؟ هل تنقل الرّوح القدس بواسطة شهادتك عن المسيح؟ املأ قلبك بكلمة يسوع، فينطق لسانك باسمه، وترى أنّ يد الرّبّ عاملة معك مباشرة.

ولمّا سمعَ الرسل والشيوخ، في الكنيسة الأصليّة في أورشليم، أنّه في أنطاكية البعيدة الشرّيرة، قد آمن كثيرون بالمسيح، لم يتزعزعوا لهذا الخبر، كما استاءوا لمّا سمعوا عن تجديد كرنيليوس وصحبه في قيصرية، لأنّ رؤساء الكنيسة وأعضاءها قد أدركوا بعد مباحثتهم الرسميّة مع بطرس، أنّ الله يملأ كلّ النّاس بالرّوح القدس، إن آمنوا بالمسيح وثبتوا فيه. ولكن لأجل الامتحان والتّفتيش عمّا إذا كانت الكنيسة الجديدة صحيحة أو هي بدعة مضلّة، عيّنوا رجلاً ممَن كانت له معرفة وخبرة بهذه المناطق الرومانيّة اليونانيّة، ألا وهو برنابا البارّ، ليرشد الكنيسة الجديدة باختبارات محبّته، ويعلمهم عن حقيقة أمرها.

ونحن نعرف عن برنابا تضحيته الكبيرة، المذكورة في الأصحاح 4: 36، وكيف كان بمحبّته الأبويّة همزة الوصل بين الرسل وشاول، ويشهد لوقا في هذه القراءة، ولعلّه قد قابله شخصيّاً، أنّ هذا المفوض كان رجلاً صالحاً لإقامة الصّلاة بين النّاس، فكرز بالإنجيل في ملء الرّوح القدس، ولم يرفض المستمعين إذا لم يفهموا عظته مِن أوّل مرّة، بل كان يرافقهم بصبر كبير، ووثق بالله أنّه هو الّذي يكمل المبتدئين بالإيمان، ويقودهم إلى النضج في المحبّة.

هكذا فرح برنابا فرحاً كبيراً، لمّا رأى الحياة الجديدة في كنيسة انطاكية، ولم ينتقد بادئ ذي بدء الضعفات، ولم يتدخّل في المشاكل والخلافات بين الإخوة، بل فرح مع المتجدّدين، واجتهد لتقوية إيمان الكلّ، ليثبتوا في ملء المسيح. وفي هذه النهضة الرّوحيّة نمت الكنيسة في أَنطاكية، لأنّ النّاس الشِّباع والخائفين مِن الموت شعروا أنّ في هذه الكنيسة قد أشرق رجاءٌ جديدٌ، وظهرت فيها عفّة حقّة في القوّة الإلهيّة غير الموجودة في الأديان المختلفة حولهم.

الصّلاة: أيّها الرّبّ نشكرك لأنّك دعوت أناساً مجهولين كثيرين في كلّ زمان إلى ملكوتك. نشكرك لإمكانية الشَّهادة فرداً لفرد حتّى في هذا الزمن، ونطلب مِنك الحكمة لنبلغ رسالة الخلاص بطريقة مفهومة وبقوّة الفرح، ليخلص كثيرون في اسمك، ويأتي ملكوتك اليوم بيننا.

11: 25 ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ 26فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً، وَعَلَّمَا جَمْعاً غَفِيراً، وَدُعِيَ التَّلامِيذُ مَسِيحِيِّينَ فِي أَنْطَاكِيَةَ أَّوَلاً 27وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ انْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ 28وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ اسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِالرُّوحِ أَنَّ جُوعاً عَظِيماً كَانَ عَتِيداً أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ الْمَسْكُونَةِ – الَّذِي صَارَ أَيْضاً فِي أَيَّامِ كُلُودِيُوسَ قَيْصَرَ 29فَحَتَمَ التَّلامِيذُ حَسْبَمَا تَيَسَّرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يُرْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئاً، خِدْمَةً إِلَى الإِخْوَةِ السَّاكِنِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ 30فَفَعَلُوا ذلِكَ مُرْسِلِينَ إِلَى الْمَشَايِخِ بِيَدِ بَرْنَابَا وَشَاوُلَ.

ولمّا نزل برنابا مِن أورشليم إلى أَنطاكية، فكّر في البداية بأخيه النَّشيط شاول الّذي في طرسوس، وهذه المدينة تبعد عن أَنطاكية حوالي 200 كلم، على شاطئ آسيا الصغرى الجنوبي، واغتنم برنابا الرجل الأبوي أوّل فرصة سنحت له، ليبحث عن صديقه الغيور، لأنّه أدرك أنّ الكنيسة النامية في أَنطاكية بسرعة تحتاج إلى متضلع من اللاّهوت، لكي تُبنى الحياة الجديدة والمعرفة الرّوحيّة بالتمام، على نبوّات التوراة والزّبور، وكان برنابا يعرف شاول مِن الوقت الّذي كان يضطهد فيه كنيسة أورشليم، وآمن أنّ ذهنَه قد تغيّر، لظهور ربّ المجد له على أبواب دمشق.

ففتّش برنابا القبرصي عن الشاب شاول، حتّى وجده، وفرح برؤيته وأنّه غير مرتدّ، وما زال ثابتاً في المسيح، فطلب مِن الشاب اللاهوتي أن يرافقه، وعادا معاً إلى أَنطاكية حيث تعاونا سنة كاملة، وبشّرا وعلّما وعمّقا المستمعين، وعزّياهم مصلّين مؤمنين منتصرين.

وقد استخدم الرّوح القدس برنابا للمرّة الثانية، ليكون همزة الوصل بين شاول وكنيسة المسيح. وإنّنا نشهد شاكرين، أنّ لهذه الخدمة الّّتي قام بها برنابا، بإتيانه بشاول وتثبيته في الكنيسة نتيجةٌ عظمى في تاريخ الكنيسة، لأنّه ثبّت رسول الأمم في تيّار قوّة الكنيسة الانطاكية، الّّتي فجّر منها الله بحراً مِن النّعمة لكلّ العالم.

إنّ علماء التوراة الكبار، والأنبياء مِن العهد القديم، كانوا غالباً منعزلين منفردين، ومرتفعين عالياً عن الجماهير كقمم الجبال المرتفعة، متوسّطين بين الله والشعب. أمّا في انطاكية فقد تعلَّم شاول مِن برنابا عكس الانعزال، أي الخدمة المشتركة في  الكنيسة، والخضوع المتبادل في المحبّة، والتّعاون في الصّبر والتواضع، حتّى صار برنابا المعلّم الأبوي لشاول في كلّ أمور الشركة المقدّسة، حيث يكون التأنّي والثّقة الأساس للنموّ المستمرّ (1 كورنثوس 13: 1-8). وبواسطة هذا العمل المشترك في تعاون المحبّة، ازدادت الكنيسة كثيراً بالعدد والنوعيّة الرّوحيّة.

فلا نعجب إن كان المؤمنون بيسوع في أنطاكية، هم أوّل مَن لُقّبوا بالمسيحيين لأنّ هذا المسيح ملأ أفكارهم وأقوالهم، ومحبّته أصبحت شعارهم، وتحقّق في اتباع المقام هؤلاء ما وعد الرّبّ به، أنّ الرّوح القدس سيمسحهم. هل تعرف أن كلمة “المسيح” لا تعني إلاّ الممسوح والماسح معاً؟ ففي العهد القديم حصل الملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء على مسحة الرّوح القدس مِن الله برمز الزيت المقدّس، فنؤمن أنّ المسيح هو ملك الملوك ورئيس الكهنة وكلمة الله المتجسّدة،

هو يدعوك وكلّ أتباعه للامتلاء بالرّوح القدس، وهكذا نصبح معاً جنساً مختاراً وكهنوتاً ملوكيّاً، أمّة مقدّسة شعب اقتناء، لكي نخبر بفضائل الّذي دعانا مِن الظلمة إلى نوره العجيب. فغنى الله أبينا كلّه يكمن في الكلمة (المسيحيون)، لأنّ الممسوحين هم أولاده، وفي الوقت نفسه أعضاء في جسد المسيح الرّوحي، مرصوصين معاً هيكلاً للروح القدس. فمَن يتعمّق في معاني كلمة “المسيحيين” يمتلئ بروح الفرح، ويسبّح الله الثالوث القدّوس، لأنّه دعانا شهوداً لمخلّصنا الحيّ، الّذي أشركنا بصليبه في فضائل الله العظيمة. هل تشكر ربّك لأنّه جعلك مسيحيّاً بفرط نعمته وحدها؟

لكن المسيحيين لا يعيشون في السّماء، بل على الأرض؛ وربّهم قال لهم: ليكن لكم فيّ سلام، في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم. هكذا حذّر الرّوح القدس المسيحيين بواسطة نبي مِن العهد الجديد، وهو أغابوس، أَنّه سيأتي جوع عظيم على كلّ النّاس، لأنّ غضب الله مُعلَنٌ على كلّ فجور النّاس. وحقّاً حصل هذا الجوع في زمن القيصر كلوديوس 41 – 54م فالمسيحيون يتألّمون مع العالم بضيقاته نفسها، ولكنّهم لا يقفون متروكين في أمواج الكوارث، لأنّ محبّة الله قد انسكبت في قلوبهم بواسطة الرّوح القدس المعطى لهم.

 وحدثت أعجوبة في انطاكية على أثر هذه النبوّة، فلم يمطر الله على المسيحيين خبزاً مِن السّماء ليخلّصهم مِن الجوع المقبل عليهم، بل الرّوح القدس أعلن للمصلّين أن يمتنعوا عن جمع المؤونة، ولا يفكّروا بأنفسهم أولاً، بل يهتمّوا بالكنيسة الفقيرة في أورشليم عمليّاً، فلم تؤسّس كنيسة انطاكية صندوقاً مشتركاً لتخفيف عبء الضيق المقبل على أعضائها، بل اتّفقت على جمع مال لإرساله إلى الفقراء في أورشليم. أليس هذا غباءً غير منطقي؟ الرّوح القدس يعلن جوعاً عالميّاً، فيرسل المؤمنون أموالهم للمحتاجين! إِنَّ محبّةَ الرّوح القدس أقوى مِن كلّ أنانيّة، وإن أردت أن تعرف هل أنت مسيحي حقّاً؟ فنسألك كم تضحّي مِن مالك للمحتاجين عمليّاً؟

وَضَعت الكنيسةُ المال المجموع في يد الوعَّاظ، لأنّهم يعرفون أنّ رجال الله هؤلاء لا يستخدمون قرشاً لأنفسهم، بل يفضلون تسليم قلوبهم، ويضحّون بما عندهم لله، خصوصاً بولس الّذي كان معروفاً أنّه يعيش مِن عمل يديه، ولا يقبل عطايا لنفسه البتة. فأصبح جواب برنابا، المفوّض مِن كنيسة أورشليم للبحث عن حالة كنيسة أنطاكية، لمّا عاد إلى أورشليم، أَن قدَّم للكنيسة هناك مبلغاً ضخماً، برهاناً على محبّة الرّوح القدس العامل في الكنيسة الأنطاكيّة الجديدة.

ونقرأ أيضاً أنّ برنابا وشاول لم يسلّما هذه العطيّة للرسل، بل للشيوخ المسؤولين في الكنائس ضمن المنطقة اليهوديّة، ولا نعلم متى تعيّن الشيوخ لهذه الكنائس، ولا كيفيّة تنظيم خدمتهم خارج أورشليم، ولكن تعيين الشمامسة السبعة عرفنا أنّ الرسل تخلّوا عن التدبير المالي، وتحرّروا للصّلاة وخدمة الكلمة؛ فنمت الكنائس، وانتشر الإنجيل، وبان سلطان الرّوح القدس.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت باني كنيستك بهدوء بروحك القدّوس، وتمسح أتباعك بمحبّتك. فساعدنا لنصبح مسيحيين حقيقيين، ممتلئين بروحك القدّوس، ونضحي حيث يكون الضيق، ونخدم في معيشة المحتاجين. أَعطنا أَلاَّ نُنكر اسمك في الجوع العظيم المقبل علينا، بل أن نثبت مضحِّين في كلّ حين.

11اضطهاد الملك أغريبا

للكنائس في أورشليم

(12: 1- 6)

12: 1 وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ مَدَّ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ يَدَيْهِ لِيُسِيئَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْكَنِيسَةِ، 2فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِالسَّيْفِ 3وَإِذْ رَأَى أَنَّ ذلِكَ يُرْضِي الْيَهُودَ، عَادَ فَقَبَضَ عَلَى بُطْرُسَ أَيْضاً وَكَانَتْ أَيَّامُ الْفَطِيرِ 4وَلَمَّا أَمْسَكَهُ وَضَعَهُ فِي السِّجْنِ، مُسَلِّماً إِيَّاهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَرَابِعَ مِنَ الْعَسْكَرِ لِيَحْرُسُوهُ، نَاوِياً أَنْ يُقَدِّمَهُ بَعْدَ الْفِصْحِ إِلَى الشَّعْبِ 5فَكَانَ بُطْرُسُ مَحْرُوساً فِي السِّجْنِ، وَأَمَّا الْكَنِيسَةُ فَكَانَتْ تَصِيرُ مِنْهَا صَلاةٌ بِلَجَاجَةٍ إِلَى اللّهِ مِنْ أَجْلِهِ 6وَلَمَّا كَانَ هِيرُودُسُ مُزْمِعاً أَنْ يُقَدِّمَهُ، كَانَ بُطْرُسُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَائِماً بَيْنَ عَسْكَرِيَّيْنِ مَرْبُوطاً بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَكَانَ قُدَّامَ الْبَابِ حُرَّاسٌ يَحْرُسُونَ السِّجْنَ.

تغيّرت الحالة في أورشليم وفلسطين سنة 41 للميلاد تغيّراً كبيراً. فلمّا تقدّم كلوديوس ليصير قيصراً في روما، توسط أغريبا حفيد هيرودس الكبير بينه وبين المجلس الروماني الأعلى، ليرضوا بقائد الجيش كلوديوس هذا، ليتسنّم سدّة السلطة. وجزاءً لهذه الخدمة منح القيصر صديقه أغريبا الحكم على كلّ فلسطين. وبهذه المناسبة انتهت سلطة الوالي الروماني على اليهود، وابتدأ تسلّط دكتاتور شرقي، فحلّت محلّ النظام وَالحقّ الرُّوماني الفوضى والاغتصاب واستبداد أغريبا الطاغية.

وهذا الملك الجديد، حاول أوّلاً أن يربح ثقة المجلس اليهودي الأعلى، بنوّابه السبعين، فقبل مشورة بعضهم، وقبض على بعض الشيوخ والرسل المسيحيين، وأودعهم السجن، ليكسب بريائه عامّة الشعب اليهودي. ولمّا لاحظ أن لا معارضة مِن الجماهير لتصرّفه، بل أنّ بعضهم صفّق له استحساناً، قطع رأس يعقوب بن زبدي بالسيف، مقلّداً الرومان في أحكامهم، ولم يعقد أي جلسة محاكمة متصرّفاً وفق أهوائه.

ويعقوب كان مِن أتباع المعمدان، فترك المنادي بالتَّوبة لابس الوبر، وتبع يسوع إلى فرح العرس في قانا، ورأى بعدئذ عجائب ربّه، وآمن بالملكوت الآتي قريباً، حتّى طلبت أمه مِن يسوع أن يجلس ابنيها يعقوب ويوحنّا عن يمينه وشماله كوَزيرَين؛ فسأل يسوع آنذاك الشابين هَل كانا قادرَين أن يشربا كأس غضب الله، المزمع أن يشربها هو، ولمّا وافقا على ذلك بجهالتهما، أثبت لهما أنّهما سيشربان هذه الكأس المرّة. أَمَّا الجلوس عن يمينه وشماله فلا يحقّ إلاّ للآب السماوي أن يعيّنه.

فمات يعقوب مظلوماً، وصار شهيداً ليسوع، لأنّه لم يمت لذاته بل لكونه رسولاً، ولنقمة اليهود على روحه الفعّال. وابتدأت موجة الاضطهاد الثانية على المسيحيين، بسفك هذا الدم البريء، ولم يُثِر الاضطهادَ غيورٌ على الشّريعة كشاول. بل الملك اللامبالي المداهن للشعب.

إنّ ارشادات الرّبّ في ملكوته تختلف، ففي بادىء الأمر كانت في أورشليم نهضة روحيّة وحبّ للكنيسة مِن الشعب، حتّى أنّ المجمع الأعلى ما استطاع قتل الرسل. ولكننا نرى في زمن استفانوس ازدياد البغضة، لأنّه ظهر ابتعاد المسيحيين عن الفكر اليهودي وتركهم للعهد القديم، ولعلّه قد انتشرت في أورشليم الدعاية، أنّ المسيحيين قد قبلوا للعهد مع الله وثنيين بدون ختان، وهذا ما يحسبه اليهود تجديفاً شنيعاً.

فرح الشَّعب بسفك الدّم على يد الملك، فتشجّع الظالم لهذا التجاوب الشعبي، وقصد أن يقطع الرأس مِن الحركة المسيحيّة، فسجن مقدام الرسل بطرس، وأراد أن يباشر محاكمته في أيام الفصح، ليحكم عليه أمام جميع الشعب، ويقتله ويعطيهم بهذا حقّاً لإبادة جميع المسيحيين. فأمر الملك بحراسة بطرس حراسة مشدّدة بأربعة رجال، كلّ ثماني ساعات على التناوب ليلاً نهاراً، لأنّ المجمع الأعلى ذكَّره بتحرير ملاك الله للرسل الاثني عشر؛ فأراد الملك أن يغلب كلّ الملائكة والأرواح بمكره وتشديده، فأمر بربط بطرس مع جنديَّين عن يمينه ويساره، لكيلا يخلو بنفسه ثانيةً واحدةً طوال النهار.

وأدركت الكنيسة معنى القبض على بطرس، أنّه الحد الفاصل بين البقاء والعدم لكنيسة المسيح في فلسطين. فاجتمعوا لصلوات مستمرّة ليلاً نهاراً. إنّ سلاح المسيحي ليس السّيف، ولا الرشوة، ولا الحيلة، بل الصّلاة وحدها. فذراع الرّبّ هي حمايتهم وقوّتهم ونصرهم؛ والمواظبةُ على الصّلاة ليست إيماناً متحمّساً متمرّداً، بل ثقة متواضعة بالاستجابة الأكيدة لكلّ كلمة. فلا توجد قوّة على الأرض أقوى مِن صلاة المسيحيين المشتركة.

علم بطرس أنّ الموت ينتظره، ولكنّه نام مطمئنّاً، لأنّه عاش في المسيح، وعلم أنّ حياته مستترة مع المسيح في الله، فقد قام مِن الأموات، لمّا حصل على الرّوح القدس يوم الخمسين، وعاش مؤمناً ثابتاً في المسيح فمحبّة ربّه منحته راحة حتّى حين الموت.

الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ الحيّ لأنّك منحتنا حياتك الأبديّة، وطهّرت ضمائرنا، لنطمئنّ في ساعة الموت أيضاً. فاحفَظْنا مِن كُلِّ ضرر، وأرشدنا حسب مشيئتك، وبارك أعداءَنا، ليتغيَّروا ويتجدّدوا ويتوبوا وينالوا الحياة الأبديّة.

12خلاص بطرس على يد الملاك

(12: 7 – 17)

12: 7 وَإِذَا مَلاكُ الرَّبِّ أَقْبَلَ، وَنُورٌ أَضَاءَ فِي الْبَيْتِ، فَضَرَبَ جَنْبَ بُطْرُسَ وَأَيْقَظَهُ قَائِلاً: قُمْ عَاجِلاً فَسَقَطَتِ السِّلْسِلَتَانِ مِنْ يَدَيْهِ 8وَقَالَ لَهُ الْمَلاكُ: تَمَنْطَقْ وَالْبَسْ نَعْلَيْكَ فَفَعَلَ هكَذَا فَقَالَ لَهُ: الْبَسْ رِدَاءَكَ وَاتْبَعْنِي 9فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ – وَكَانَ لا يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي جَرَى بِوَاسِطَةِ الْمَلاكِ هُوَ حَقِيقِيٌّ، بَلْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَنْظُرُ رُؤْيَا 10فَجَازَا الْمَحْرَسَ الأَّوَلَ وَالثَّانِيَ، وَأَتَيَا إِلَى بَابِ الْحَدِيدِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْمَدِينَةِ، فَانْفَتَحَ لَهُمَا مِنْ ذَاتِهِ، فَخَرَجَا وَتَقَدَّمَا زُقَاقاً وَاحِداً، وَلِلْوَقْتِ فَارَقَهُ الْمَلاكُ 11فَقَالَ بُطْرُسُ، وَهُوَ قَدْ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ: الآنَ عَلِمْتُ يَقِيناً أَنَّ الرَّبَّ أَرْسَلَ مَلاكَهُ وَأَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ هِيرُودُسَ، وَمِنْ كُلِّ انْتِظَارِ شَعْبِ الْيَهُودِ 12ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ 13فَلَمَّا قَرَعَ بُطْرُسُ بَابَ الدِّهْلِيزِ، جَاءَتْ جَارِيَةٌ اسْمُهَا رَوْدَا لِتَسْمَعَ 14فَلَمَّا عَرَفَتْ صَوْتَ بُطْرُسَ، لَمْ تَفْتَحِ الْبَابَ مِنَ الْفَرَحِ، بَلْ رَكَضَتْ إِلَى دَاخِلٍ، وَأَخْبَرَتْ أَنَّ بُطْرُسَ وَاقِفٌ قُدَّامَ الْبَابِ 15فَقَالُوا لَهَا: أَنْتِ تَهْذِينَ! وَأَمَّا هِيَ فَكَانَتْ تُؤَكِّدُ أَنَّ هكَذَا هُوَ فَقَالُوا: إِنَّهُ مَلاكُهُ! 16وَأَمَّا بُطْرُسُ فَلَبِثَ يَقْرَعُ فَلَمَّا فَتَحُوا وَرَأَوْهُ انْدَهَشُوا 17فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ لِيَسْكُتُوا، وَحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَخْرَجَهُ الرَّبُّ مِنَ السِّجْنِ وَقَالَ: أَخْبِرُوا يَعْقُوبَ وَالإِخْوَةَ بِهذَا ثُمَّ خَرَجَ وَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ.

ازدهرت الكنيسة في أنطاكية ونمت، بينما وقعت كنيسة أورشليم تحت الاضطهاد،   

ومات يعقوب، أحد التلاميذ الثلاثة القريبين ليسوع ، بينما تحرّر بطرس بأعجوبة، فَطُرُق الله مستترة عنَّا، ولكنّنا نعلم أنّ أبانا السَّماوي هو المحبّة عَيْنُها، ونطلب إليه أن يمنحنا في كلّ أحوال حياتنا ثقةً كاملةً بلطفه.

كان بطرس مستغرقاً في النوم هنيّ البال نتيجةَ راحةِ ضميرهِ، ولثقته بعناية أبيه السماوي به، ولم يلحظ السلسلتين اللتين رُبطتا في يديه مع الحارسين إلى جانبيه، ولم يفزع مِن النّور السماوي في الليل لمّا جاءَهُ الملاك فنام نوماً عميقاً، حتّى اضطر الملاك لهزه بقوّة ليستيقظ، فرأى كيف سقطت السلاسل مِن يديه بلا صوت، ولبس ثيابه وهو نعسان مترنّح. ولكنّ الملاك اهتمّ به كما تهتمّ الأمّ بولدها، فتوقظه بحنانها وتساعده على ارتداء ملابسه قطعة قطعة، حتّى لا ينسى شيئاً، ويذهب سريعاً وفي أحسن هندام إلى المدرسة. فالأبواب الحديديّة الثَّقيلة المقفلة انفتحت بدون صليل وانطبقت خلفهما بدون دويّ، وهكذا لم يلاحظ أحد مِن الحرّاس النائمين هذا الهرب الهادئ فقدرة الله غلبت جميع العناصر، وهو قادر أن يخلّص حيث لا إنسان يستطيع أن يفكّر بإمكانية الإِنقاذ، فسلطان أبينا أعظم مما نعلم.

وقد ترك الملاك بطرس حالما وصلا إلى أحد الأزقة، والريح الباردة ليلاً أيقظت بطرس تماماً، فلم يعِ مباشرةً الخطر الواقع عليه مِن هروبه، وإمكانية اللحاق به والقبض عليه مجدّداً، بل فرح جداً لإدراكه عناية الآب السماوي به، فما كان إنسان في العالم قادراً أن يحرّره مِن الحراس الكثيرين، بل الرّبّ نفسه أبطل خطّة هيرودس الملك وخلّص كنيسته.

وركض بطرس ممتلئاً سروراً إلى بيت أمّ البشير مرقس، حيث اجتمع المؤمنون ليلاً نهاراً مصلّين ليخلّص الرّبّ مقدام الرسل. ولمّا قرع بطرس الباب ليلاً، جاءت الجارية تتسمّع وميّزت صوته، فركضت بسرعةٍ فرحةً تخبرهم لاهثةً، فلم يصدّقها أحد وقالوا لها لعلّك رأيت شبحاً أو سمعت وهماً، وآخر قال لعلّك مريضة بعقلك، وغيره أضاف ربّما ظهر لها الملاك الحارس لبطرس. لقد صلَّوا لإنقاذه، لكنَّهم لم يتأكّدوا أنّ الله سيستجيب صلواتهم، لأنّ يعقوب كان قد قُطع رأسه قبل عدّة أيام، وقد صلّوا مِن قبل لأجله أيضاً. هكذا ابتهلوا وهم بين الرّجاء والشكّ، ولم يعرفوا ما هي إرادة الله في هذه الساعة. وهكذا ظلّوا يقرعون باب السّماء بدون أن يطلبوا بعناد إنقاذ بطرس، إلاّ أن تكون مشيئة الآب السماوي.

واستمرّ الواقف على الباب في البرد يقرع، فأدرك المصلّون أن أحداً واقف حَقّاً في الدّهليز يريد الدخول، وأنّ الجارية لم تكن متخيّلة، فركضوا جميعاً إلى الباب وفتحوا له، وكانوا متعجّبين لأنّ الله قد استمع صلاتهم، وأظهر قدرته على الملك الخبيث. ولمّا سمعوا بأعجوبة نجاته بيد الملاك، عظم شكرهم وقويت ثقتهم في عناية أبيهم السَّماوي.

بعدئذٍ طَلب بطرس أن يُعلموا يعقوبَ، أخا يسوع، الّذي صار قويّاً بالرّوح واشترك بقيادة الكنيسة في القدس، وكان معروفاً كمُصلٍّ متزمّت، ويخبروه بإنقاذه مِن السجن. وربّما كان ليعقوب قبول لدى المجلس الأعلى اليهودي، لأنّه كان مسيحيّاً مخلصاً للشَّريعة، واعتبر الإيمان بدون أَعمال صالحة ميتاً، فتقواه وتسليمه إلى أخيه يسوع المرتفع إلى المجد بدا في كثيرٍ مِن الصَّلَوات الحيَّة والخَدَمات العَمليَّة.

وفي الأغلب أنَّ الحاكم أمر بقتل الحرَّاس، وكان فزعاً جداً لأجل إنقاذ بطرس للمرّة الثانية، فشعر أنّ قوّةً أعظمَ مِن سلطته عاملةٌ، فترك أورشليم مَلوماً، لأنَّ الشَّعب كان منتظراً محاكمة بطرس علانيةً، ولكنّه اختفى فارتعد جميع الّذين سمعوا بالحادثة،    وهيرودس ذهب إلى قيصريّة الّّتي على البحر، لينسى هناك في البحر السّلطة، وفي السُّكر همومه وذنوبه.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، نشكرك لأنّك حرّرت بطرس مِن السِّجن الداخلي، وحفظت كنيستك في أورشليم مِن الاضطهادات المستمرّة. أنت الغالب حتّى اليوم. املأنا بروحك، وعلِّمْنا الإِيمان والصَّلاة والانتظار. إِنَّكَ تستجيب صلواتنا. آمين.

13غيظ هيرودس ونهايته

(12: 18 – 24)

12: 18 فَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ حَصَلَ اضْطِرَابٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ بَيْنَ الْعَسْكَرِ: تُرَى مَاذَا جَرَى لِبُطْرُسَ؟ 19وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا طَلَبَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ فَحَصَ الْحُرَّاسَ، وَأَمَرَ أَنْ يَنْقَادُوا إِلَى الْقَتْلِ ثُمَّ نَزَلَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ وَأَقَامَ هُنَاكَ 20وَكَانَ هِيرُودُسُ سَاخِطاً عَلَى الصُّورِيِّينَ وَالصَّيْدَاوِيِّينَ، فَحَضَرُوا إِلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَعْطَفُوا بَلاسْتُسَ النَّاظِرَ عَلَى مَضْجَعِ الْمَلِكِ، ثُمَّ صَارُوا يَلْتَمِسُونَ الْمُصَالَحَةَ لأَنَّ كُورَتَهُمْ تَقْتَاتُ مِنْ كُورَةِ الْمَلِكِ 21فَفِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لَبِسَ هِيرُودُسُ الْحُلَّةَ الْمُلُوكِيَّةَ، وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْمُلْكِ وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ 22فَصَرَخَ الشَّعْبُ: هذَا صَوْتُ إِلهٍ لا صَوْتُ إِنْسَانٍ! 23فَفِي الْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاكُ الرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ الْمَجْدَ لِلّهِ، فَصَارَ يَأْكُلُهُ الدُّودُ وَمَاتَ 24وَأَمَّا كَلِمَةُ اللّهِ فَكَانَتْ تَنْمُو وَتَزِيدُ 25وَرَجَعَ بَرْنَابَا وَشَاوُلُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَا كَمَّلا الْخِدْمَةَ، وَأَخَذَا مَعَهُمَا يُوحَنَّا الْمُلَقَّبَ مَرْقُسَ.

فالملوك إذا لم يخافوا الله يصبحون أشراراً، ويتردّدون بين التعجّرف والخوف، وبين الغيظ والشهوة. ليس لإِنسانٍ مَخلوقٍ أَن يتسلَّط على الآخَرين، ومَن لا ينكسر أمام الله ويبقى صغيراً أمام خالقه لا يستطيع قيادة الآخرين، بل ينتفخ أكثر حتّى ينفجر.

نقرأ أنَّ الملك هيرودس أراد الحرب ضدّ المدن الفينيقيّة، لأنّها لم تعمل إرادته. وهذه البلاد أيضاً كانت تحت الحماية الرومانيّة، فلم يستطع أن يعلن الحرب عليها جهراً، فأخذ يضطهد ويعذّب أبناء فينيق المقيمين في بلاده، فصَعَّبَ الانتقال بين المنطقتين، وألزم اللُّبنانيين بضرائب فادحة. ولكنّ التّجار الفينيقيّين عرفوا مِن أين تُؤكل الكتف، فلم يذهبوا إلى الملك، بل إلى وزيره وأَعطوه رشوةً كبيرةً، لكي يلين الحاكم ويسترضيه، فيستمرّ الاتصال ونقل البضاعة ويظلّ الاتِّجار جارياً.

وأخيراً وافق الملك على تجديد العلاقة السليمة بين البلدين، لكنّه صمّم أن يلقّن أعضاء الوفد الفينيقي درساً لن ينسوه، ويُعرِّفهم أنَّه ملكٌ عظيمٌ. وإذ صادف آنئذٍ ميلاد القيصر الرُّوماني كلوديوس، أَمَر الملك هيردوس عميله بهذه المناسبة أن تُعَيِّد البلاد، وطلب حضور الوفد الفينيقي في اليوم الثاني مِن الاحتفالات الّّتي دامت أسبوعاً، والّّتي اشتملت على ألعاب سُفكت فيها دماء السُّجناء بيد الجنود والأسود، فحضر أفراد الوفد مِن صور وصيداء إِلى سيرك المدينة الرياضيّة في قيصرية، حيث كان الملك حاضراً جالساً على عرشه، ولابساً لباساً فضفاضاً يتلألأ في أشعَّة الشَّمس، كأنَّه ملاكٌ بهيٌّ نازلٌ مِن السَّماء.

ومسحوراً بهذا المنظر الملوكي، صرخ الشَّعب هاتفاً لهيرودس، وبعضهم سمّاه إلهاً. وفجأةً ضربت هذا الملك المستكبر أوجاعٌ شديدةٌ في بطنه، حتَّى اضطرَّ الخدم أن يحملوه إلى قصره، وانفتحت قروحٌ في جسده، ومات بعد ذلك بخمسة أيَّام وعمره حوالي 54 سنة. ونَعلم مِن الطَّبيب لوقا أنَّ الدِّيدانَ أكلته مِنَ الدَّاخلِ وهوَ حَيٌّ.

إِنَّ الله يترك للسَّلاطين الدُّنيويَّة مدّةً معيَّنةً ليتصرَّفوا كما يريدون، ولكنَّ الّذين يتعالون على الله أيضاً يعجّل لهم الوقت سريعاً، فالخلاص لا يأتي مِن إنسان، كما قال هتلر عن نفسه، بل مِن الله وحده. ومَن لا يكرّم ربّه فهذا شيطان.

ففي الأيام الأخيرة قبل مجيء المسيح، سيقوم حاكم عالمي عظيم، يجلس في الهيكل ويقول عن نفسه إنّه إله، وأنَّهُ المسيح في الوقت نفسه. وتجري مِن يده عجائب كبيرة، ويلزم القارّات بالنظام والسّلام بعنف، فتهتف الشّعوب له لأنّه يظهر غالباً الفوضى والحروب في العالم.

فيا أيّها الأخ، لا تستسلم لهذا الجبّار المتفوق! بل احترس مِن أقواله، لأنّه مجدّف على الله في كبريائه ومضطهد أتباع المسيح؛ فاستيقظ ساهراً، واترك المسيح الدَّجَّال الكذَّاب الّذي هو سارق مجد الله.

ورغم هذا الغليان السفلي في العالم، فإنّ الإنجيل يجري كجدول صافٍ، والنّاس يستخرجون مِنه ماء الحياة، بينما الآخرون يلقون فيه حجارة؛ ولكن ليس أحد يقدر أن يمنع أو يعارض مسيرة بشرى الخلاص، لأنّ كلمة الله غير مقيّدة.

وبما أنّ عدد المؤمنين ينمو في كلّ حين، ويتجسّد الإنجيل في سلوكهم، وتتكاثر الشَّهادات في أفواههم، وتكثر صلواتهم وشكرهم، فنستطيع أن نقول مع لوقا البشير إنّ كلمة الله تنمو كثيراً، وهذا هو فرحنا أنّ الخبر عن يسوع ينتشر في كلّ العالم، بواسطة الشَّهادات، والتَّعليم والتَّفاسير، والصّلوات، وأعمال الصّبر، والتَّضحيات العديدة. ونشكر الرَّبَّ يسوع لأنَّه يسمح لنا بالمساهمة في هذه النّهضة الإنجيليّة، بواسطة المطبوعات الحديثة، وإذاعات الراديو والاتّصالات الشَّخصيَّة، فهَل تُريد أن تشترك بنشر بشرى الخلاص لكي تنمو كلمة الله اليوم في محيطنا؟

ولربّما كان برنابا وشاول حاضرَين في فلسطين، لمّا تعجرف الملك هيردوس ومات في دينونة الله، لأنّهما أتيا بهبة المال مِن أنطاكية في الوقت المناسب إلى أورشليم، لمّا ازداد الضيق وكثر جدّاً، فرجعا شاكرَين إلى كنيستهما في انطاكية، الّّتي أصبحت منذ ذلك الوقت محور تبشير العالم.

ورافق الشاب مرقس الرَّجلَين، ليترك منطقة الخطر وليتدرّب في مهمَّة التَّبشير، وانضمَّ إلى كنيسة أَنطاكية، وتعلَّم مِن شاول وبرنابا كثيراً، وأصبح بعدئذ أحد البشيرين الأربعة الّذي ضاعف كلمة الله وملأ العالم بها، والّّتي نعيش حتّى اليوم مِن القوّة الجارية فيها.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، أنت ملك الملوك وربّ الأرباب. أنت مستحقّ الكرامة والحمد والشكر والتسبيح. نسجد لك، ونُسلِّم بين يديك حياتنا للخدمة في سبيل مشيئتك. احفظنا واحمنا بالجسد والنّفس والرّوح، لكي نساهم في نمّو كلمتك وزيادتها أضعافاً في وطننا.

لمسابقة الثانية

 لسفر أَعمال الرسل:

كيف انتشر الإنجيل في فلسطين وسوريا؟

أيّها القارىء العزيز: إن درست معنا أعمال الرسل مِن الأصحاح السّابع إلى الثاني عشر، تقدر أن تجاوب بسهولة على 24 سؤالاً مِن الأسئلة الثلاثين الّّتي تجدها فيما يلي:

1  – لِم اشتكي على استفانوس وحده مِن دون الرسل الاثني عشر؟

2  – ما هو السرّ في حياة إبراهيم؟

3  – كيف كان يوسف رمزاً ليسوع المسيح؟

4  – كيف نعلم أنّ التربية الصالحة لم تصلح موسى؟

5 – ماذا يعني إعلان الله عن ذاته إلى راعٍ عمره 80 سنة في البرّيّة؟

6  – ما هي الأفكار الثَّلاث الرَّئيسيّة الّتي احتواها خطاب استفانوس بالنِّسبة لموسى      

      والشَّريعة؟

7  – لِم فضَّل استفانوس الخيمة على الهيكل الذَّهبي؟

8  – ما هي العبارات الهامّة الّّتي اتّهم بها استفانوس المجلسَ الأعلى؟

9  – اكتب الجمل الثَّلاث الأخيرة لاستفانوس حرفيّاً، واذكر المعاني الّّتي تفهمها

       أنت مِنها.

10 – ما هي أهمُّ حادثة في اضطهاد المسيحيين بأورشليم؟

11 – ما الفرق بين الإيمان بالمسيح والتصديق بأقوال خدّامه؟

12 – ماذا كانت خطيئة سيمون، وأي طريقة أراه بطرس ليتغلّب عليها؟

13 – ما هي البشارة الّّتي فسّرها فيلبّس للوزير الحبشي؟

14 – ماذا عنى لشاول ظهور المسيح له في المجد؟

15 – ماذا يعني امتلاء شاول بالرّوح القدس؟

16 – ماذا تعني العبارة أَنَّ الإِنسان يسوع هو ابن الله الحقّ؟

17 – كيف عزَّى يسوع شاول في المرحلة الّّتي لم تقبله الكنيسة فيها واضطهده

        أصدقاؤه السابقون؟

18 – كيف شفى المسيح إينياس في لدّة؟

19 – كيف حقّق يسوع أمره للتلاميذ بإقامة الموتى؟

20 – ماذا يعني ظهور الملاك للضابط كورنيليوس؟

21 – ما هو معنى كلمة الله لبطرس، ما طهّره الله لا تدنّسه أنت؟

22 – لِم سجد الضابط كورنيليوس لبطرس الصيّاد، ولماذا منعه بطرس مِن مثل هذا

       الإجلال؟

23 – ما هو معنى الجملة: يسوع المسيح هو ربّ الكلّ؟

24 – كيف يتمّ حلول الرّوح القدس في قلب الإنسان؟

25 – لِم تخاصم النَّاموسيُّون (الشريعيون) مِن المسيحيين مع بطرس؟

26 – بأيِّ طريقة أُسِّست كنيسةُ أنطاكية الشهيرة؟

27 – مَن هو المسيحي الحقّ؟

28 – لماذا اضطهد الملك أغريبا المسيحيِّين؟ وكيف خطّط لهذا الاضطهاد؟

29 – لِم دهش المصلُّون لمّا رأَوا بطرس واقفاً على الباب؟

30 – كيف نَمَتْ كلمة الله رغم الاضطهاد؟

إن جاوبت 24 سؤالاً مِن هذه الأسئلة بدقّة وشرح واف، نرسل لك كتاباً مِن جدول مطبوعاتنا. ونرجو أن تكون الأجوبة الّّتي ترسلها إلينا مستقلّة، دون أن تضع فيها أيّ خطاب أو ملاحظات أو أسئلة أو أشياء أخرى. أَرسِلْ جوابك بعنوانك الكامل وخطّ واضح إلى:

الحياة الفضلى

ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن

 – لبنان

www.geocities.com/alhayat_alfoudla

الجزء الثاني

أخبار عن التّبشير بين الأمم

وتأسيس كنائس مِن أَنطاكية إلى روما

بواسطة خِدمة الرَّسول بولس

 المنطلق بالرّوح القدس

(الأصحاح 13 – 28)

أَوَّلاً: السَّفرة التَّبشيريَّة الأولى

(الأصحاح 13: 1 – 14: 28 )

1إِفراز برنابا وشاول للخِدمة

(13: 1 -3)

13: 1 وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي الْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ الَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ الْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ الَّذِي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ الرُّبْعِ، وَشَاوُلُ 2وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ 3فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلَّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا.

كانت أَنطاكية أكبر عاصمة في الشَّرق آنذاك، وسُميِّت روما الشرق. وفي هذا المركز الرئيسي للتّجارة والمواصلات العالميّة، تكوّنت الكنيسة الأولى المترسّخة بالحيويّة والنُّضج، والّّتي كان أكثر أعضائها من الأمِّيين الّذين آمنوا بالمسيح، ليس بواسطة الرسل بل بشهادة مؤمنين بسطاء. ولقد أرسلت الكنيسة الأصليّة في أورشليم برنابا كمتفقِّد أبوي لتقوية المؤمنين الجدد. وهذا المبعوث أخذ برفقته شاول اللاهوتي النّشيط، وخدما سويّاً الكنيسة الأنطاكية سنة كاملة، فنمت الكنيسة عدداً وقوّة، وأصبحت المركز الثاني للمسيحيّة بجانب أورشليم، ونقطة الانطلاق لتبشير الأمم.

وقد ظهرت مواهب الرّوح بغنى في هذه الكنيسة، بواسطة النبوّة والتّعليم، فالأنبياء في العهد الجديد لم يكونوا كمندوبين عن الله منعزلين عن الشعب، بل عاشوا ضمن الكنيسة مثل كلّ المؤمنين، ولكنّهم أدركوا إرادة الله قبل غيرهم، وفهموا الأسرار في ضمائرهم، ورأوا تطوّر المستقبل مسبقاً، وأطاعوا إرشاد الرّوح القدس مباشرةً، ومِن أجل ذلك فإنّ بولس قد نبّه وحذّر المؤمنين في رسائله بعدئذ، وأكّد عليهم أَلاَّ يحتقروا موهبة النُّبوَّة، لأنَّها ضروريَّةٌ لإِنشاء الكنائس كما الخميرة في العجين.

أمّا المعلّمون فإنّهم قد تعمّقوا باجتهاد في ملء كلمة الله، وعلّموا أعضاء الكنيسة بانتظام وتدرّج معاني التّوراة، وكلمات يسوع وتعليم الرسل. وهؤلاء المعلّمون وجّهوا تعليمهم مبدئيّاً إلى إرادة وذاكرة مستمعيهم، بينما قصد الأنبياء القلوب والأذهان والعواطف بالدّرجة الأولى. فالله يشاء أن يملك تماماً جسداً ونفساً وروحاً، ليدفعك للحمد والتَّبشير والإيمان الرَّصين.

وكلّ المواهب المختلفة في الكنيسة، إنّما شملتها المحبّة، الّّتي هي رباط الكمال، فلم يوجد بين الأعضاء أسقفٌ أو رئيسٌ، بل كانوا يبحثون أمورهم في حلقة الإخوة والشيوخ بقلب واحد ونفس واحدة. فذلك القبرسي الرّصين الناضج برنابا لم يكن مشرفاً على الكنيسة رغم انتدابه لتفقّدها، بل تواضع وارتصّ في صفوف الإخوة، وأرشدهم إلى التّعاون والمشاركة الأخويّة. أمّا الإخوة القيروانيون والقبرصيون، فهم على الأغلب الّذين أسّسوا الكنيسة الأنطاكية (11: 20) وكان مِن بينهم مناين، أخو الملك هيرودس في الرّضاع، الّذي قطع في السابق رأس يوحنّا المعمدان. فالطّفلان رضعا معاً حليباً واحداً، ولكنهما لم يحصلا على الرّوح نفسه، فالملك صار زانياً يتوجَّسُ خوفاً مِن أرواح الأموات، أمّا مناين فتواضع وأصبح قدوة للمؤمنين في ملء الرّوح القدس.

ونقرأ اسم شاول في أواخر جدول المسؤولين في كنيسة أَنطاكية، لأنّه كان أصغر الكلّ، وانضمّ أخيراً إليهم، وأصبح في أَنطاكية تلميذاً للمرّة الثانية، رغم علومه الفقهيّة الضليعة، واختبر عمليّاً شركة المحبّة الّّتي في المسيحيين.

وهؤلاء الإخوة في الإيمان خدموا معاً الرّبّ، كما عَبَد قبل إذٍ الكهنة الله ليستنزلوا بركته على أمّتهم بواسطة الذبائح المضحّاة، وبذلك طلب المسؤولون الخمسة في أَنطاكية مِن الرّبّ المسيح أن يحقّق ثمار ذبيحته على الصّليب في كنيستهم وفي الشّعوب الّّتي حولهم، وصام القدّيسون ليس ليتبرّروا، لأنّهم قد تقدّسوا مرّةً واحدةً بدم المسيح، وكان صومهم لأجل الخدمات الصلاتيّة، فنسوا أكلهم وشربهم، لأنّ صلاتهم المشتركة لأجل خلاص الأمم كانت لهم أهمَّ مِنْ كُلِّ الطَّيِّبات، فألحّوا في صلواتهم طالبين أَن يُعلن المسيحُ خلاصَه في محيطهم عمليّاً.

وقد جاوبهم الرّبّ، وكلّمهم بروحه جهراً، بفم أنبياء الكنيسة، وفي اقتبال هذا الوحي لم ينخبط ويتدحرج أحد مِنهم على الأرض، بل الجميع سمعوا متعلّقين إرادة الله وتخطيطه، والرّوح القدس تكلّم في هذا الوحي في صيغة الأنا، كشخص مستقلّ مكلّماً المؤمنين، وآمراً ومرشداً ومحبّاً ومعزيّاً إيّاهم مباشرة؛ فهو يهب حيثما يشاء حسب مسرّته اللطيفة، وهذا الرّوح المبارك هو في الوقت نفسه، أحد الأقانيم في وحدة الثالوث القدّوس: إله مِن إله، نور مِن نور، إله حقّ مِن إله حق، ذو جوهر واحد مع الآب ممتلئٌ بالمحبّة والقداسة والمجد. فهذا الرّوح الطاهر هو الله نفسه، مثلما قال المسيح:”الله روح”. وهذا السرّ يعرفه الساجدون الّذين يسجدون لله بالرّوح والحقّ مسبّحينه ومحبّينه بلا انقطاع.

وروح الله القدّوس أمر المسؤولين في الكنيسة أن يفرزوا له برنابا وشاول لخدمة لم تكن مِن قبل معروفة. فالرّوح القدس شخصيّاً دعا الاثنين، وجهّزهما بقوّته، وأرسلهما، وعمل فيهما، وحفظهما.

وهذه الدعوة والإرسال عنيا للمختارين اصطفاءً وتكريساً وتسليماً كاملاً. ولم يقل الرّوح القدس مسبقاً ما هي نوعيّة العمل الّذي يريد أن ينفّذه، بواسطة برنابا وشاول، بل دلّ المسؤولين في الكنيسة على أنّ الثالوث الأقدس يقصد عملاً جديداً، لا يستطيع أحد مِنهم تصوره. وإنّنا لنعترف بخضوع أيّها الله القدّوس أنّ طريقك مقدّس، وأَنَّ قدّيسيك يمشون مِن مجد إلى مجد، ومِن ضيق إلى ضيق، ومِن ثمار إلى ثمار، لأنّك أنت البداية والنِّهاية في حياتهم، وعملهم هو عملك وحدك، وليس لأحد مِن خدّامك شرفٌ ولا افتخار.

لم يختر الرّوح القدس فجأةً رجلين ما عَرَفَ أَحدُهما الآخَر قبلاً، فجمعهما لخدمة مشتركة. كلا، بل عرّف أحدهما إلى الآخر منذ زمن، وقوّى ثقتهما المتبادلة، باختبارات مشتركة، ولم يرسل الرّوح القدس برنابا مستقلاً أو شاول وحده، بل جمعهما، كما المسيح سابقاً أرسل تلميذَيه معاً ليعزّيا كلٌّ زميله، ويصلّي أحدهما إذا تكلّم الثاني، فليست الوظيفة تسلّط فرد، بل هي مسؤوليّة مشتركة، حيث يعتبر كلّ واحد مِنهما الآخر أفضل مِن نفسه.

وقد سمع شاول قبل سنوات في دمشق مِن لسان حنانيّا، أنّ ربّ المجد سيرسله إلى ملوك وولاة لإبراز اسم يسوع، وتصادفه آلام وعذاب كبير، ونصر وثمار روحيّة فائقة؛ وأدرك شاول أنّه غير مقتدر في هذه الخدمة الفريدة، فانتظر سنوات هادئاً في طرسوس، حتّى دعاه برنابا لكنيسة أَنطاكية معلِّماً ومرشِداً، ومِن هناك استخلصه الرّوح القدس وجرّده كالسيف الإلهي، بعدما اختبر شاول أنّ اهتداء الأفراد ليس هو هدف تبشير العالم، بل تأسيس كنائس حيّة يجتمع فيها قدّيسون.

ولمّا سمع أعضاء الكنيسة في أَنطاكية أنَّ روح المسيح دعا فجأة زعيميهم الأكبر والأصغر للخدمة، لم ينوحوا لفقدهما بل اجتمعوا وصلّوا وصاموا سويّاً، لأنّهم جميعاً شعروا أنّ الرّبّ الآن ابتدأ عملاً عظيماً غريباً فريداً.

وبعد ذلك انحنى هذان المختاران المفوّضان تحت وضع الأيدي، مِن قبل أعضاء الكنيسة الآخرين، كأنّهما ناقصا الحكمة والقوّة والفهم، ليحلّ ملء الرّوح القدس بكلّ مواهبه فيهما، والرّبّ أثبت هذا التّواضع، وأرشد رسولية اللّذين دعاهما طيلة حياتهما لخدمة التبشير، فمنذ ذلك الوقت وُجد مرسلون يتركون أوطانهم وعشائرهم، لينشروا حسب إرشاد روح المسيح ملكوت الله، وهم رغم عيشهم المتواضع مزوّدون بسلطانه الرّوحي.

الصّلاة: أيّها الرّبّ الحيّ، لسنا مستحقّين رحمتك؛ ولكن بما أنّك سفكت دمك على الصّليب لتطهيرنا، نكرّس أنفسنا وأولادنا لك للخدمة الأبديّة. نخدمك لا بعقولنا وقوانا الخاصّة، بل بامتلائنا بروح محبتك، وسعينا متواضعين في سبيل وصاياك لخلاص العالم. احفظنا مِن اتِّخاذ خطوات مرتجلة، وافتح أعيننا لنرى النّاس الجائعين إلى خلاصك.

2التّبشير في جزيرة قبرص

(13: 4 – 12)

13: 4 فَهذَانِ إِذْ أُرْسِلا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ انْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ 5وَلَمَّا صَارَا فِي سَلامِيسَ نَادَيَا بِكَلِمَةِ اللّهِ فِي مَجَامِعِ الْيَهُودِ وَكَانَ مَعَهُمَا يُوحَنَّا خَادِماً 6وَلَمَّا اجْتَازَا الْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ، وَجَدَا رَجُلاً سَاحِراً نَبِيّاً كَذَّاباً يَهُودِيّاً اسْمُهُ بَارْيَشُوعُ، 7كَانَ مَعَ الْوَالِي سَرْجِيُوسَ بُولُسَ، وَهُوَ رَجُلٌ فَهِيمٌ فَهذَا دَعَا بَرْنَابَا وَشَاوُلَ وَالْتَمَسَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةَ اللّهِ 8فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ السَّاحِرُ، لأَنْ هكَذَا يُتَرْجَمُ اسْمُهُ، طَالِباً أَنْ يُفْسِدَ الْوَالِيَ عَنِ الإِيمَان 9وَأَمَّا شَاوُلُ، الَّذِي هُوَ بُولُسُ أَيْضاً، فَامْتَلأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ 10وَقَالَ: أَيُّهَا الْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ابْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُّوَ كُلِّ بِرٍّ! أَلا تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ اللّهِ الْمُسْتَقِيمَةَ؟ 11فَالآنَ هُوَذَا يَدُ الرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لا تُبْصِرُ الشَّمْسَ إِلَى حِينٍ فَفِي الْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ مُلْتَمِساً مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ 12فَالْوَالِي حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى مَا جَرَى، آمَنَ مُنْدَهِشاً مِنْ تَعْلِيمِ الرَّبِّ.

لقد أرسل الرّوح القدس الرسولين، وأرشدهما ونصرهما، لأنّهما مجّدا اسم الرّبّ يسوع وأرشد الرّوح الرجلين أولاً إلى سلوكية، الميناء البعيد عن أنطاكية 25 كلم. وبعدما جثا الرسولان وصلّيا مع رفاقهما المودّعين، دخلا السفينة وأبحرا إلى قبرس وطن برنابا، حيث كان يعرف الجزيرة جيّداً، ظانّاً أنّه سينجح فيها أَوَّلاً، ويبشّر أبناء جلدته. ولمّا وصلا إلى سلاميس الواقعة شرقي الجزيرة، لم يقفا في ساحة سوقها، ويكلّما الأمميين، بل دخلا رأساً إلى كنيس اليهود، مقدّمين لهم كلمة الله، لأنّ أعضاء العهد القديم كانوا كثراً في هذه الجزيرة الواقعة شرقي البحر المتوسط، ولكنّنا لم نسمع شيئاً عن أيّ يهودي في قبرس آمن بيسوع المسيح أو رفضه، ويبدو أنّه لم يعرهما أحدٌ مِن السُّكان هناك اهتماماً، لأنّ كثيرين مِن المسافرين مثلهما، كانوا يُقبلون إلى الجزيرة بآراء غريبة متعدّدة.

وهكذا مضيا بطريقهما، وكان معهما يوحنّا مرقس، ابن أخت برنابا، الّذي لم يكن مدعُوّاً مِن الرّوح القدس لهذه الخدمة، واتّخذوا سبيلهم في الجزيرة مقدار مائة وستين كيلومتراً، مبشّرين بملكوت الله، وداعين النّاس للتّوبة. ولكن لم نقرأ أنّ إنساناً واحداً قبل دعوتهما وآمن أو اعتمد، ولم تكن كنيسة هنالك، فبَدَتْ خدمة مختاري الرّوح القدس فاشلة لأوّل وهلة.

ووصلا أخيراً إلى عاصمة الجزيرة بافوس، وفيها مركز الوالي الروماني برتبة قنصليّة هامّة، الّّتي كانت يومذاك قريبة لرتبة قيصر. فهذا القنصل سرجيوس كان حاكماً بأمره في تلك الجزيرة، ولم يكن مسؤولاً أمام مجلس الدّولة الأعلى، وقد كان هذا الحاكم متعلّماً ومدبّراً واعيّاً في الوقت نفسه، فلمّا سمع بالتّعليم الجديد في جزيرته، استقدم المبشّرين ليستخبر منهما عن دعوتهما.

ومِن العجب، أنّه كان يعيش في قصره ساحر يهودي له موهبة العرافة النبويّة، ولكنّه سخّرها لخدمة الشيطان، فصار نبيّاً كاذباً وقد أعلن للوالي بعض الحقائق عن النّاس والمستقبل، ولكنه أضله في طريق الأكاذيب ليستخرج مِنه مالاً لنفسه؛ فتسلّط هذا النّبي الكذّاب على الوالي وعلى الجزيرةكلّها بروحه الأشرّ، وهو الّذي حذّر الوالي مِن برنابا وشاول، لأنّهما جاءا بروح جديد للجزيرة. ولمّا استمع الوالي لهذين الرجلين وانشرحت نفسه لإنجيلهما، اعترض الملبوسُ مِن روح جهنّم بكلّ مكره وسلطته، ليبطل دخول ملكوت الله إلى منطقته، وألحّ على الوالي طالباً منه أن يرفض الرّسولين ولا يستسلم للإنجيل، حتّى لا تصبح الجزيرة كلّها مسيحيّة فهذا هو السبب في فشل التبشير غالباً، إنّه في بعض البلدان يجلس روح نجس متسلّط عليها، ومعارض دخول روح الإنجيل، لأنّ الرّوح العلوي لا ينسجم مع الرّوح السفلي، فكلّ مزج للأديان هو في الواقع كذب سطحي.

وأدرك برنابا وشاول سريعاً أنّ هذا السّاحر الملقب باسم بار يشوع، حسب التَّسمية اليهوديّة، هو ضد يسوع المسيح الممسوح بالرّوح القدس، إذ هو مفعم مِن روح الشيطان، فكان دائماً يلوي الحقّ في العهد القديم، واستخدم معرفته الدينيّة في طرق أكاذيبه، وتباهى بحكمة خادعة، هي الضّلال المبين.

وإذ شاءت الصّدفة أن يكون اسم الوالي بولس هو اسم الرسول نفسه، وكذلك اسم الساحر هو اسم يسوع نفسه، فكَّر الرسولان أنّه لربّما كان هذا تمهيداً لإتيان ملكوت الله للجزيرة، وربّما للمملكة الرومانيّة كلّها بواسطة القنصل. ولكن سرعان ما تبخّرت أحلامهما، وحدث اصطدام جهراً بين مكر الشيطان وحقّ المسيح، المعلن بواسطة شاول، الّذي خلع قناع الزيف عن وجه النّبي الكذّاب الساحر. لم يبشّر بولس السَّاحِرَ بتوبة، ولم يقدّم له الغفران، بل أصابه ودانه باسم المسيح، وغلب قوّة روحه الشرّيرة بواسطة الإيمان بيد الرّبّ العاملة؛ ومنقاداً مِن الرّوح القدس، طعن بولس صميم النّبي الكذّاب، ولم يمته جسديّاً، بل إِنَّ المسيح يسوع أقدره على عمل أعجوبة، إذ ضرب الساحر بالعمى، ليجد فرصة للتوبة، كما وجد بولس على تخوم الشام فرصة للتأمل، فيدرك مَن هو الرّبّ الحقّ ويؤمن به فيخلص. فأعلن يسوع نفسه في قبرس ربّاً على جميع الأرواح وغالباً الشياطين بشهادة عبده بولس، فشعر الحضور بانتصار الله العظيم، حتّى إِنَّنا نقرأ مِن هذه الحادثة فصاعداً في أعمال الرسل اسم بولسالصغير قبل برنابا الكبير، لأنّ الغيور لأجل مجد المسيح حَصَل على السُّلطانِ لتعظيم اسم المخلّص. وهذا التمجيد بالتّمام كان هدف الرّوح القدس.

وللأسف فإنّ الوالي آمن بالمسيح الحيّ لأجل العجيبة فقط، وليس مِن صميم قلبه. فلم يتجاسر أن يطلب المعموديّة. ورغم أنّ اسمه بولس، لم يصبح مبشّراً للمسيح كبولس الحقّ، وبقي رغم إيمانه على الحياد، فصار في فتوره سبباً لتأخّر انتشار ملكوت الله في حينه، علماً أنّه لم يمانع بالتّبشير في الجزيرة، بل سمح بالنداء باسم يسوع، الّذي خافه، وبعدئذ لم نعد نسمع أي كلمة أخرى عن بولس سرجيوس هذا في تاريخ الكنيسة أبداً. لكنّ بولس وبرنابا اختبرا مُجدَّداً أَنَّ تعليم الرَّبّ ليس فِكراً فارغاً، بل قوّة. والرّبّ نفسه رافقهما في موكب انتصاره حتّى وَإِنْ لم يَقبل النّاس التَّوبة والإيمان أفواجاً أفواجاً في قبرس، وطن برنابا الأمين.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، أنت المنتصر على كلّ شيطان. نطلب إليك أن تلاشي مِن محيطنا القوى المضادّة لإنجيلك بواسطة رسالة عبيدك، لكيلا يستطيع أحد أن يمنع موكب انتصارك. فنطلب إجراء عمل يدك، مع شهادتنا وحمايتك خدّامك.

3التبشير في أَنطاكية الأناضول

(13: 13 – 52)

13: 13 ثُمَّ أَقْلَعَ بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَافُوسَ وَأَتَوْا إِلَى بَرْجَةَ بَمْفِيلِيَّةَ وَأَمَّا يُوحَنَّا فَفَارَقَهُمْ وَرَجَعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ 14وَأَمَّا هُمْ فَجَازُوا مِنْ بَرْجَةَ وَأَتَوْا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ بِيسِيدِيَّةَ، وَدَخَلُوا الْمَجْمَعَ يَوْمَ السَّبْتِ وَجَلَسُوا 15وَبَعْدَ قِرَاءَةِ النَّامُوسِ (الشريعة) وَالأَنْبِيَاءِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُؤَسَاءُ الْمَجْمَعِ قَائِلِينَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ كَلِمَةُ وَعْظٍ لِلشَّعْبِ فَقُولُوا 16فَقَامَ بُولُسُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ وَالَّذِينَ يَتَّقُونَ اللّهَ، اسْمَعُوا 17إِلهُ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ هذَا اخْتَارَ آبَاءَنَا، وَرَفَعَ الشَّعْبَ فِي الْغُرْبَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَبِذِرَاعٍ مُرْتَفِعَةٍ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا 18وَنَحْوَ مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً احْتَمَلَ عَوَائِدَهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ 19ثُمَّ أَهْلَكَ سَبْعَ أُمَمٍ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَقَسَمَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ بِالْقُرْعَةِ 20وَبَعْدَ ذلِكَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِمِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً أَعْطَاهُمْ قُضَاةً حتّى صَمُوئِيلَ النَّبِيِّ 21وَمِنْ ثَمَّ طَلَبُوا مَلِكاً، فَأَعْطَاهُمُ اللّهُ شَاوُلَ بْنَ قَيْسٍ، رَجُلاً مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، أَرْبَعِينَ سَنَةً 22ثُمَّ عَزَلَهُ وَأَقَامَ لَهُمْ دَاوُدَ مَلِكاً، الَّذِي شَهِدَ لَهُ أَيْضاً، إِذْ قَالَ: وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي، الَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي 23مِنْ نَسْلِ هذَا حَسَبَ الْوَعْدِ أَقَامَ اللّهُ لإِسْرَائِيلَ مُخَلِّصاً، يَسُوعَ 24إِذْ سَبَقَ يُوحَنَّا فَكَرَزَ قَبْلَ مَجِيئِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ 25وَلَمَّا صَارَ يُوحَنَّا يُكَمِّلُ سَعْيَهُ جَعَلَ يَقُولُ: مَنْ تَظُنُّونَ أَنِّي أَنَا؟ لَسْتُ أَنَا إِيَّاهُ، لكِنْ هُوَذَا يَأْتِي بَعْدِي الَّذِي لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ أَحُلَّ حِذَاءَ قَدَمَيْهِ.

بعد انتصار المسيح على سلطة الظّلمة في قبرس، ونظراً لعدم إمكانية تأسيس كنائس في تلك الجزيرة، اتّضح لبولس أنّ الرّوح القدس لم يرد أن يبشّروا في وطن برنابا؛ فقام وأقلع مع رفقائه نحو شواطئ الأناضول وجباله المرتفعة، ولعلّ برنابا وابن اخته يوحنّا مرقس فضّلا البقاء في الجزيرة القبرسيّة اللطيفة المناخ، والعمل بجهد وصبر على إنشاء كنائس هنالك. ولكنَّ بولس عرف أنَّ طريقه صوب الأناضول، ولم يرد برنابا الحنون مفارقة زميله بولس، ففضّل ترك وطنه على أن يكسر وصيّة الرّوح القدس الّّتي جمعت الاثنين في خدمة واحدة.

وأبحر بولس مع زملائه في قوّة الرّبّ إلى الشاطئ القريب، ولم يبق طويلاً في مدينة برجة على نهر كستروس، قريباً مِن مدينة أنطاكية، بل أوغل متقدِّماً داخل الأناضول في رؤوس الجبال المرتفعة، مسافة 160 كلم، في رحلة ثمانية أيام، وسط الأخطار والتّعب والحرّ والجوع والعطش، فلم يكن يوحنّا الشاب الأورشليمي مسروراً مِن هذه الرحلة، ومِنْ تطوُّر الأمور إلى هذا الحد، فقرّر ترك الرسولين والعودة إلى بيته أَمَّا برنابا ففضَّل مرَّةً أخرى البقاء مع شاول على التَّمسُّك بعلاقته الشخصيّة مع قريبه، وودع ابن اخته بقلب أليم، لأنّه لم يثبت في خدمة الرّبّ الّذي لم يختره لهذه المهمّة.

وانطلق بولس وبرنابا وبعض الرفقاء الآخرين إلى أَنطاكية الّّتي في أسيا الصغرى، المدينة التجاريّة الواقعة داخل سهول الأناضول، والمرتفعة عن البحر مقدار 1000 متر. ولمّا وصلوها، لم يبشّروا الأمّة في ساحتها، بل دخلوا مباشرةً إلى كنيس اليهود، لأنّ أبناء إبراهيم قد حصلوا على نور الله الحقّ، فأراد بولس أن يكرز لهم بيسوع، ملء النّور الإلهي لكلّ العالم، وأن يجذبهم إلى بهائه. والعظة الّّتي قالها بولس هنالك، وسجّلها لنا الطبيب لوقا، تُعدُّ مثالاً نموذجيّاً لكلّ العظات الّّتي ألقاها بولس في كنائس اليهود، ليقنع أهل العهد القديم بحقيقة المسيح يسوع. وإذا تعمّقنا في هذه العظة نرى كيف أنّ بولس وبرنابا اعتمدا في إيمانهما وكرازتهما على التوراة والأنبياء، معتبرين العهد القديم أساساً وتمهيداً للعهد الجديد.

ونقرأ أنّه قد اجتمع داخل الكنيس في أنطاكية مع اليهود، قوم مِن الأممين الأتقياء الّذين كانوا معجبين بفكرة وحدانيّة الله، والمستوى العالي للحياة الأدبيّة عند أهل العهد القديم. وكلّم بولس هؤلاء الحنفاء، أسوة باليهود بتكريم واحترام، لأنّهم كانوا طلاّباً مستقيمين. وكان بولس أينما ذهب يؤسّس كنائس قويّة مِن أمثال هؤلاء الأتقياء.

لاحظ في الأعداد 17-25 مِن قراءتنا الأفعال الأربعة عشر المفسّرة لعمل الله، فتدرك أنّ تاريخ العهد القديم ليس خرافة بشريّة أو بحثاً لاهوتيّاً، بل سلسلة واقعيّة مِن أعمال الله. فإِنَّك لا تقدر أن تفهم العهد القديم ولا الجديد، إن لم تدرك مبدئيّاً أنّ الله هو ضابط ومالك الكلّ. فليست السياسة ولا الكوارث ولا الحظ هي الّتي تحرّك مصير الشّعوب بل الله وحده. فهو يختار أَفراداً غير مستحقّين في سبيل نعمته، ويرفض مَن لا يخضع لكلمته فادرس المعاني المختلفة في كلّ الأفعال المفسّرة لعمل الله، تكسب حكمة فائقة.

وقد ابتدأ الله، باختياره الآباء، تاريخ خلاص العالم، وأكمل تخطيطه لهدفه ألا وهو مجيء المسيح. وفي ممارسة هذا التاريخ الإلهي، حرّر الرّبّ شعب العهد القديم مِن العبوديّة، واحتمل تمرّدهم في البرّيّة صابراً عليهم، ومنحهم مكاناً في كنعان، وعيّن عليهم قضاة أبراراً مِن أنفسهم، ووافق على طلبهم ملكاً يُنصب عليهم، ومسح أوّل ملوكهم شاول الّذي كان في بداية حكمه قدوة باهرة، والّذي سُمّي على اسمه رسول الأمم الّذي كان وهو شاب يفتخر باسمه شاول الملكي، ولكنّه لمّا التقى بملكه يسوع أخذ تواضعه قدوة، فتخلّى عن اسم شاول وتسمَّى بولسَ، بمعنى الصغير.

تبلور تاريخ الله في داود الملك الّذي وجد بحسب قلب الرّبّ، فقد تاب عن خطاياه طالباً إرادة الله، ونبعت مِنه صلوات وترانيم بالرّوح القدس الّّتي يصلّيها النّاس منذ ثلاث آلاف سنة حتّى اليوم؛ والمسيح نفسه أثبت بعض النبوّات الّّتي جاءت على لسان داود، ولكن ظنّ اليهود أنّ مواعيد الله هذه لم تتمّ بعد، فكانوا يتساءلون دائماً: أين هو الابن الموعود أن يأتي مِن سلالة داود، وهو بحقيقته ابن الله الأزلي؟ (2 صموئيل 7: 12- 14) واليهود جميعاً قد علموا هذا الوعد الجوهري، منتظرين المسيح الملك الإلهي الّذي يُرشد شعبهم وكلَّ الشّعوب للسلام العام. فابتدر بولس المستمعين إليه بجملة قصيرة، أنّ ابن داود الّذي هو ابن الله في الوقت نفسه قد جاء، وأنّه يسوع النَّاصري، وهو مخلّص العالم أعظم مِن قيصر روما، لأنّه إنسان حقّ وإله حقّ، أبدي قدّوس مجيد.

وبعد هذه المجابهة للحاضرين، ذكر بولس حقائق عن يوحنّا المعمدان، لأنّ رسالته عن التوبة والمعموديّة انتشرت مِن قبل حتّى آسيا الصغرى، مما دفع بعض اليهود أن يظنّوه المسيح، فأبرز بولس بوضوح أنّ يوحنّا المعمدان اعتبر نفسه أصغر مِن يسوع، وخادماً له، وغير مستحقّ لخدمته، وكان المعمدان منتظراً مجيء المسيح بشوق عارم، ودلّ كلّ تلاميذه على الرّبّ الآتي، طالباً إليهم أن يمهّدوا طريقه.

الصّلاة: أيّها الرّبّ المجيد، الضابط الكلّ، ساعدنا حتّى لا ندور حول أفكارنا وأنفسنا، بل نصبح حلقات في سلسلة تاريخك، وننقل الإنجيل للآخرين، ونشهد بأعمالك. فليس الزّعماء والأحزاب هي الّّتي تخطّط مستقبلنا، بل أنت وحدك ربّنا، فعلّمنا الاعتراف باسمك، ليأتي ملكوتك إلينا وإلى العالم كُلِّه.

13: 26 أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ بَنِي جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ، وَالَّذِينَ بَيْنَكُمْ يَتَّقُونَ اللّهَ، إِلَيْكُمْ أُرْسِلَتْ كَلِمَةُ هذَا الْخَلاصِ 27لأَنَّ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا هذَا وَأَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ الَّتِي تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا، إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ 28وَمَعْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ طَلَبُوا مِنْ بِيلاطُسَ أَنْ يُقْتَلَ 29وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ الْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ 30وَلكِنَّ اللّهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ 31وَظَهَرَ أَيَّاماً كَثِيرَةً لِلَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، الَّذِينَ هُمْ شُهُودُهُ عِنْدَ الشَّعْبِ 32 وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِالْمَوْعِدِ الَّذِي صَارَ لآبَائِنَا 33إِنَّ اللّهَ قَدْ أَكْمَلَ هذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلادَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضاً فِي الْمَزْمُورِ الثَّانِي: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ 34إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضاً إِلَى فَسَادٍ، فَهكَذَا قَالَ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْ مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ 35وَلِذلِكَ قَالَ أَيْضاً فِي مَزْمُورٍ آخَرَ:لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً 36لأَنَّ دَاوُدَ بَعْدَ مَا خَدَمَ جِيلَهُ بِمَشُورَةِ اللّهِ رَقَدَ وَانْضَمَّ إِلَى آبَائِهِ، وَرَأَى فَسَاداً 37وَأَمَّا الَّذِي أَقَامَهُ اللّهُ فَلَمْ يَرَ فَسَاداً 38فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَّهُ بِهذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، 39وَبِهذَا يَتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ (بشريعة) مُوسَى40فَانْظُرُوا لِئَلاَّ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ مَا قِيلَ فِي الأَنْبِيَاءِ: 41اُنْظُرُوا أَيُّهَا الْمُتَهَاوِنُونَ وَتَعَجَّبُوا وَاهْلِكُوا، لأَنَّنِي عَمَلاً أَعْمَلُ فِي أَيَّامِكُمْ، عَمَلاً لا تُصَدِّقُونَ إِنْ أَخْبَرَكُمْ أَحَدٌ بِهِ 42وَبَعْدَمَا خَرَجَ الْيَهُودُ مِنَ الْمَجْمَعِ جَعَلَ الأُمَمُ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمَا أَنْ يُكَلِّمَاهُمْ بِهذَا الْكَلامِ فِي السَّبْتِ الْقَادِمِ43وَلَمَّا انْفَضَّتِ الْجَمَاعَةُ، تَبِعَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ وَالدُّخَلاءِ الْمُتَعَبِّدِينَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا، اللَّذَيْنِ كَانَا يُكَلِّمَانِهِمْ وَيُقْنِعَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي نِعْمَةِ اللّهِ.

 بَدأَ بولسُ الجزءَ الرَّئيسيَّ مِن عظته، بمخاطبة قلبيّة لأبناء إبراهيم وطلاّب الله، وشهد لهم أنّ رسالة الخلاص مرسلة إليهم مباشرةً، فكلّ الأنبياء حتّى يوحنّا المعمدان ترقّبوا تحقيق مواعيد الله. أمّا الخلاص فقد صار متحقّقاً وتاماً ومستعدّاً أن يتحقّق في المستمعين.

لم يصمت بولس عن رفض أمّته ليسوع، ولم يخبئ حكم الظلم للمجلس الأعلى اليهودي في أورشليم، بل سمّى تمرّدهم وعصيانهم وظلمهم جهالة، وهي في الوقت نفسه ذنب وإجرام وتعدّ كبير، لأنّهم لم يطيعوا صوت الرّوح القدّوس، فتمّم المجلس الأعلى بحكمه الشرّير نبوّات الأنبياء، إذ سلّم يسوع ليدَي الوالي الروماني، وحرّض الشعب على طلب صلبه، حتّى خضع الوالي لصوت الأمّة الهادر. فاهتمّ بولس اهتماماً كبيراً أن يبرهن للمستمعين، أنّ يسوع لم يمت إتماماً لرغبات اليهود، بل إتماماً للنُّبوَّة، لأنّه لا يتم شيء في العالم بلا إرادة الله. فالصّليب يرينا أنّ النّاس أصبحوا رغم إتمام مشيئة الله خاطئين، لأنّهم كانوا دائماً يعارضون محبّة الله.

ولكنّ الله لم تتناه إمكانيته وقدرته، لمّا قتل النّاس مخلّص العالم، بل في موته خصوصاً قد عظم انتصار العلي الّذي أقام يسوع مِن القبر، وقد ذكّر بولس في عظته، أربع مرّات، أنّ إقامة يسوع هي عمل الله العظيم. فلم يمت المصلوب مجرماً، بل كان متجاوباً مع الله دائماً، لأنّه قدّوس؛ ومَن بقي بلا خطيئة لن يموت. فقيامة المسيح مِن بين الأموات هي حجر الزاوية المتين في رسالة بولس، وبولس شاهدٌ بأنَّ يسوع ظهر أياماً كثيرة لتلاميذه، الّذين هم بدورهم شهود العيان لحقيقة الجسد الرّوحي للمسيح.

وعلى أساس القيامة أوضح بولس، مِن العهد القديم، أنّ لله ابناً أزليّاً قدّوساً مجيداً. فكان الله أبا يسوع، وثبت أميناً له، وأخرجه مِن القبر، ورفعه مكاناً عالياً إلى مجده. كلّ هذه النبوّات السامية سمعها داود الملك النّبي، ولكنّه لم ينلها لنفسه، بل إِنَّهُ فسد في قبره، وتفتت تَفتُّتاً ومثلما أثبت بطرس في عيد العنصرة قبل ذلك إتمام النبوّات في المزمور 16: 10 وأعمال الرسل 2: 27 في يسوع المسيح، هكذا شهد بولس في أنطاكية أنّه يستحيل على قدّوس الله الفساد، لأنّ قداسته لا تقبل فساداً.

وحيث إِنَّ حياة الله وقداسته كانتا ساكنتين في الإنسان يسوع، لذلك فالمقام مِن بين الأموات هو في الوقت نفسه ينبوعٌ لكلّ مواهب الله الأخرى. وهكذا شهد الرسول أنّ يسوع الحيّ يغفر خطايانا، وليس إنسان يتبرّر بحفظ النواميس. ولكن مَن يلتصق بيسوع الظافر يتبرّر. وهذا الالتصاق بيسوع لا يعني إلاّ الإيمان. فمَن يؤمن بالمسيح، يتبرّر ويتقدّس، ويحيا إلى الأبد. فهل ثَبتَّ فيه حقّاً؟

إِنَّ هذا الإنجيل يتطلّب القرار إمّا بالقبول أو بالرفض، ويسبب إمّا الخلاص أو القساوة، الحياة الأبديّة أو الموت الزؤام. وقد كرز بولس مسبقاً أنّ كثيرين مِن مستمعيه سوف لا يؤمنون بكلماته، لأنّها تظهر لهم مستحيلة. ولكن هذا حقّاً ما أنبأ به النّبي حبقوق 1: 5 أنّ الله سيعمل عملاً عظيماً يفوق عقل الإنسان وقدرة قلبه، حتّى إنّ كثيرين لا يؤمنون بما عمل الله حقيقة.

وفي نهاية الاجتماع، ناشد المؤمنون مِن الأمم الرَّسولَين أن يرجعا إليهم في السبت القادم، ويكلّماهم مرّة أخرى عن رسالة الخلاص الّّتي حرّكت أذهانهم، وشوَّقتهم كثيراً. وبعض اليهود والأتقياء رافقوهما إلى بيتهما، وتكلّموا معهما ساعات طويلة عن الخلاص بالنّعمة، لأنّ الرسولين أَكَّدا منذ البداية أنّ النّعمة هي أساس الخلاص، لأنّ الإنجيل ليس ناموساً (شريعة) تشريعيّاً متطلّباً مِن الإنسان أعمالاً مِن تلقاء نفسه لا يقدر على إتمامها فيفشل، إِنَّ الإنجيل يشهد لنا بعمل الله الّذي يُقدّمُ الغفرانَ وقوّةَ المسيح وحياتَه، مجّاناً، لكلّ الّذين يؤمنون بيسوع مِن كلّ قلوبهم.

الصّلاة: أبانا الّذي في السماوات، نشكرك لأنّك أقَمتَ ابنَك يسوع مِن بين الأموات، وغفرت لأجله كلّ خطايانا. ثبّتنا في ابنك، واملأ أذهاننا برسالة خلاصك، لنشهد بقدرتك وعملك وانتصارك.آمين.

13: 44 وَفِي السَّبْتِ التَّالِي اجْتَمَعَتْ كُلُّ الْمَدِينَةِ تَقْرِيباً لِتَسْمَعَ كَلِمَةَ اللّهِ 45فَلَمَّا رَأَى الْيَهُودُ الْجُمُوعَ امْتَلأُوا غَيْرَةً، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ مُنَاقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ 46فَجَاهَرَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَقَالا: كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَّوَلاً بِكَلِمَةِ اللّهِ، وَلكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى الأُمَمِ 47لأَنْ هكَذَا أَوْصَانَا الرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُوراً لِلأُمَمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلاصاً إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ 48فَلَمَّا سَمِعَ الأُمَمُ ذلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ الرَّبِّ، وَآمَنَ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، 49وَانْتَشَرَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ فِي كُلِّ الْكُورَةِ 50وَلكِنَّ الْيَهُودَ حَرَّكُوا النِّسَاءَ الْمُتَعَبِّدَاتِ الشَّرِيفَاتِ وَوُجُوهَ الْمَدِينَةِ، وَأَثَارُوا اضْطِهَاداً عَلَى بُولُسَ وَبَرْنَابَا، وَأَخْرَجُوهُمَا مِنْ تُخُومِهِمْ 51أَمَّا هُمَا فَنَفَضَا غُبَارَ أَرْجُلِهِمَا عَلَيْهِمْ، وَأَتَيَا إِلَى إِيقُونِيَةَ 52وَأَمَّا التَّلامِيذُ فَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مِنَ الْفَرَحِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.

أرشد الرّوح القدس بولس، واقتاده مِن جزيرة قبرس الجميلة، الّّتي انغلقت على نفسها رافضة بشارة المسيح، إلى انطاكية الأناضوليّة في منطقة جرداء، حيث ظهرت بوادر الرّوح، لأنّ المدينة كلّها تحرّكت بواسطة شهادة الرسولين. وفي سبعة أيام بين سبتين، تكلّم بولس وبرنابا كثيراً مع أناس جياع إلى البرّ، وأذاعا الرجاء الجديد بيسوع، حتّى صار حقل الرّبّ في انطاكية مفلوحاً ومسقياً. ولمّا رأى شيوخ الكنيس اليهودي، أنّ كثيرين مِن الأمم تراكضوا إلى كنيسهم، ليس ليتهوّدوا بل لينالوا غفران الخطايا ليس بالشّريعة، وإنّما بالإيمان بالمقام مِن الأموات، جدّفوا على يسوع رافضين الإنجيل فما أروع هذه الحالة! مئاتٌ مِن النّاس الجياع ينتظرون رسالة الخلاص، وشيوخ اليهود يصرخون على بولس ويناقضونه، حتّى لا يقدر أن يتكلّم ويستمرّ في عظته.

عندئذ توقّف الرسول عن إتمام خطابه، واتّجه إلى اليهود مباشرة، وقال بقلب دام وبشدّة قويّة: إنّ الرّوح القدس أرشدني إليكم، لتسمعوا أنتم رسالة الخلاص أولاً، لأنّ لكم حصّة وحقّاً فيه منذ اختيار آبائكم، ولكن بما أنكم لا تعتبرون أنفسكم مستحقّين لقبول حياة المسيح، فإنكم تثبتون في موتكم الرّوحي عبيداً للشريعة، وبدون غفران، ومعتقدين في جهالتكم بخطأ فداء النفس بالنفس، وستسقطون لدينونة عند الله أشد. وكما إخوتكم في أورشليم رفضوا مسيح الله الحقّ، هكذا أنتم أيضاً ترفضون.

أمّا نحن فلسنا مرتبطين بأعضاء العهد القديم فقط، بل إِنَّ المسيح أرسلنا إلى الأمم أيضاً، وبهذا التبشير العالمي نتمِّم ما أنبأ به إشعياء، الّذي شهد أنّ المسيح هو نور الأمم (49: 6) ومؤسّس الخلاص إلى انتهاء العالم.

وفي الإيمان القوي تجاسر بولس، أن يفهم هذه النبوّة بخصوص نفسه، ووضع وظيفته كرسول الأمم بواسطة هذه النبوّة مِن إشعياء النّبي. فبولس كان في المسيح، ولم يَشع به نوره هو، بل نور المسيح، فخلّص المسيح بواسطته مئات الملايين حتّى اليوم. وليس أحد وضّح لنا معنى التبرير والتقديس والفداء في المسيح مثلما وضّحه هذا الرسول المُقاد مِن محبّة الله.

فالجمع الغفير أصغوا إلى هذا الصِّراع والتَّبكيت بين الرَّسولَين واليهود بانتباه شديد، ورأوا أنّ اليهود قد شحنوا غيرة وبغضة وغيظاً وتجديفاً، بينما بولس وبرنابا بقيا هادئين في المحبّة والحزن، ممتلئين تواضعاً ووقاراً، وأوضحا أن ليس اليهود هم المختارون للخلاص وحدهم، بل كلّ مؤمن بيسوع المسيح، إن آمن به حقّاً. فشعر المستمعون بقوّة محبّة الله في المتكلّمين، ووثقوا بالرّوح المتكلّم منهما أكثر مِن فهمهم للمعاني العميقة في عظمتها.

وتمسّك كثيرون مِن الأمم بشهادة الرسولين بفرح، وآمنوا أنّ الخلاص قد تمّ لكلّ النّاس، وكان ابتهاجهم عظيماً. ولكن لم ينضجوا جميعاً إلى الإيمان القوي الرصين. فالتحمّس الأوّل خفّت وطأته، ولم يثبت في المسيح إلاّ الّذين تعمّقوا في الخلاص، واستسلموا للمخلّص نهائيّاً. الكلّ كانوا مدعُوِّين، ولكنَّ قليلين هم المنتخبون. وفسّر لوقا هذا السر بأن الله يعلم القلوب، وأن المستعدين فقط هم كاسبو الحياة الأبديّة. وليس أحد يأتي إلى يسوع إِن لم يجذبه الآب السماوي وإنّنا لنعلم أنّ الله يريد خلاص جميع النّاس. لكن ليس جميعهم يأتون ففي داخل كلّ مؤمن يكمن سرّ عظيم. وإيماننا هو هبة وامتياز مِن الله. فهل تشكر يسوع لأجله؟ وهل تعلم أنّ كلّ عدم إيمان هو ذنب؟ وأنّ كلّ مَن يرفض يسوع يكون مُداناً يوم الدين؟

والّذين امتلأوا بالخلاص نشروا فرح الرّوح القدس انطلاقاً مِن مركز أَنطاكية إلى محيطهم كلّه. وكلّ نهضة انتعاشيّة تظهر بأشعة تبشيريّة مِن هذا النوع، علماً أنّ الشُّهود للبشارة لم يقبضوا معاشاً، ولم يرشدهم أحد مِن مركز معيَّن، سوى الرّوح القدس الّذي يعمل في أتباع المسيح.

ولكنّ الرّوح الشيطاني يعمل أيضاً وتلقائيّاً في جميع الأتقياء المتديّنين المتظاهرين بحفظ الشريعة. فاليهود الّذين كانوا في أَنطاكية الأناضوليّة، جاءوا بوجوه عابسة غيورة على الشعائر الدينيّة، إلى النِّساء الأنطاكيَّات، وحرَّضوهنَّ على التأثير على ممارسة تأثيرهنَّ في رجالهنَّ وطرد الضَّالِّين مِن بلدهم .فالحيلة والسلطة هما الوسيلتان المضادتان لانتشار الإنجيل. ولكنّ روح الرّبّ انتصر في المؤمنين، الّذين احتملوا الاضطهاد بصبر، وتقووا تحت الضغط بفرح الرّوح القدس.

وترك بولس وبرنابا المدينة، ونفضا غبار أرجلهما عليها، حسب أمر المسيح، ليسلّما الرافضين لدينونة الله بممارسة هذا التصرّف. هل امتلأت بفرح الرّوح القدس أم أنَّك  ترفض خلاص المسيح فتسقط لدينونة الله؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنَّك خلَّصتَ البشريَّة كلّها على الصّليب، ومنحت كلَّ مؤمن بك روح حياتك. فنطلب إليك لأجل كلّ بلدة في أمتنا، أن تختار منها المستعدّين، ليسمعوا دعوتك، ويمتلئوا بإنجيلك فيصبحوا نور العالم.

4تأسيس كنيسة إِيقونية

(14: 1 – 7)

14: 1 وَحَدَثَ فِي إِيقُونِيَةَ أَنَّهُمَا دَخَلا مَعاً إِلَى مَجْمَعِ الْيَهُودِ وَتَكَلَّمَا، حتّى آمَنَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ 2وَلكِنَّ الْيَهُودَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ غَرُّوا وَأَفْسَدُوا نُفُوسَ الأُمَمِ عَلَى الإِخْوَةِ 3فَأَقَامَا زَمَاناً طَوِيلاً يُجَاهِرَانِ بِالرَّبِّ الَّذِي كَانَ يَشْهَدُ لِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، وَيُعْطِي أَنْ تُجْرَى آيَاتٌ وَعَجَائِبُ عَلَى أَيْدِيهِمَا 4فَانْشَقَّ جُمْهُورُ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ الْيَهُودِ وَبَعْضُهُمْ مَعَ الرَّسُولَيْنِ 5فَلَمَّا حَصَلَ مِنَ الأُمَمِ وَالْيَهُودِ مَعَ رُؤَسَائِهِمْ هُجُومٌ لِيَبْغُوا عَلَيْهِمَا وَيَرْجُمُوهُمَا، 6شَعَرَا بِهِ، فَهَرَبَا إِلَى مَدِينَتَيْ لِيكَأُونِيَّةَ: لِسْتِرَةَ وَدَرْبَةَ، وَإِلَى الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ 7وَكَانَا هُنَاكَ يُبَشِّرَانِ.

لم يهرب بولس وبرنابا بلا وعي مِن أنطاكية تاركين الأناضول، بل ذهبا في طريقهما مرافقين يسوع المسيح في موكب انتصاره، فوصلا إلى إِيقونية، المركز الاقتصادي الآخر داخل الأناضول. ونراهما كيف دخلا أوَّلاً إلى كنيس اليهود، لأنّهما خضعا لنبوات العهد القديم، عالمين أنّه ينبغي أن يسمع اليهود أوَّلاً بُشرى الخلاص، ليقبلوه أو يرفضوه.

وسرعان ما كُوّنت في إِيقونية كنيسة قويّة، مؤلَّفة مِن يهود مؤمنين بالمسيح، وأمم متجدّدين. وعلى غرار عظة بولس النموذجية داخل كنيس اليهود في أَنطاكية، التي سجّلها لنا لوقا في الأصحاح 13، هكذا كان تبشير بولس في إِيقونية أيضاً. وعندما دخل أناس أفواجاً إلى رحاب المسيح، وقبلوا حياته الأبديّة، غار رئيس الكنيس اليهودي حاسداً ،وعارض تفسير بولس للتوراة، وجدّف على يسوع المصلوب الحيّ، فحدث انفصال أليم نهائي، الّذي لم يقصده بولس راضياً. وهذا الانفصال ما نتج مِن خطأ في التبشير، ولا نجم عن استكبار أو أنانيّة بولس، بل كان نتيجة حتميّة لإعلان الإنجيل الحقّ. فكلمة الله تُخلّص أو تقسّي، تحرّر أو تربط. فعلينا أن نعتبر التنقية الرّوحيّة في الكنيسة وكلّ انفصال بالتواضع في سبيل الإنجيل نعمة كبرى.

لماذا لم يؤمن كثير مِن اليهود بيسوع الناصري المسيح المصلوب وربّ السّماء؟ يقول لوقا، إِنَّهم (أي اليهود) رغم المعرفة والإدراك وجذب روح الله، لم يريدوا أن يؤمنوا، فذهنهم وإرادتهم كانا ضد الله، فكانوا غير مستعدِّين لقَبول النِّعمة، لأنّهم بنوا دينهم وبرّهم على أعمالهم الخاصّة، وقدرتهم الإنسانيّة. وهكذا رفضوا التوبة الضروريّة، ولم يمارسوا التسليم للمسيح، وكرهوا المخلّص القائل إِنّه هو الطريق الوحيد إلى الله. وحتّى اليوم لا يكون الإنسان مستعِّداً لقبول المسيح، إن اعتمد على الشريعة ظاناً أنّها الطريق المستقيم إلى السّماء. فهذا الإنسان المسكين يغرّ نفسه، لأنّه لم يدرك غرقه في الخطايا؛ فثقته وثقته بتقواه الشخصيّة تمنعه مِن التوبة والاعتراف والانكسار، فيظنّ هذا المرائي المتخيّل أنّه غير محتاج إلى يسوع المخلّص، ويرفض يده المنجّية الممدودة له. فهل أنتَ محتاجٌ إلى يسوع؟ وهل تعرف نفسك الضَّعيفة الملَّوثة بخطايا عديدة؟ هل تتمسّك بمخلّصك ليلاً نهاراً كلّ يوم؟

لقد سمّى لوقا الرسولين بولس وبرنابا إخوة، لأنّهما تعاونا بمحبّة كبيرة، وانسجام متواضع، في أُخوَّة الرّوح القدس؛ فلم يفكّر أحد منهما في ذاته، ولا عمل عملاً مستقلاً عن الآخر، بل صلّيا معاً، واشتركا في إعلان انتصار المسيح.

ولمس كلاهما البغضة النامية، ولكنّهما لم يهربا، بل استمرا يشهدان للكنائس الحديثة بملء قوّة المسيح، حتّى جرت بالإيمان المتزايد في الكنيسة شفاءات وآيات عجيبة، دالّة على وجود المسيح الحيّ بينهم، فقوي التبشير أكثر فأكثر. وإلى الآن لم تتقطع نعمة المسيح منذ ذلك الوقت؛ وهو المستعدّ لينزل مواهبه على المؤمنين سنداً لشهادتهم. فكانت النّعمة والإيمان العنصرَين الأساسيَّين في تبشير الرسل.

والانفصال في كنيس اليهود عمّ جميع أصقاع المدينة، حتّى صارت كلّ عائلة منشقَّةً إلى فريقين الأوّل مال لليهود ومصالحهم التجاريّة، والهدوء في المدينة، فأبغضوا الفكر الجديد، وكانوا مستعدّين لطرد بولس وروحه المثير، بينما الفريق الآخرَ شعر بقوّة المسيح، وأرادوا تنفيذ انتصاره، وصَلَّوا لحلول بركة الله مِن أجل نهضة روحيّة وتطوّر في المدينة، فاصطدم الفكر الجديد والتقليد القديم. والمتصلّبون لم يعرفوا كيف يغلبون فريق محبّة الله، لأنّ أعمال الرسل وكلماتهم أضاءت كأنوار برّاقة في الليل. ولمّا لم يستطع اليهود أن يغلبوا بولس وبرنابا روحيّاً، تآمروا مع رؤساء المدينة وشيوخ البلديّة لتعذيب الرسولين ورجمهما بالحجارة، فلجأوا إلى العنف والقتل، لأنّ روحهم الشريعي لم يستطع أن يغلب الرّوح القدس الحرّ.

ولاحظ الرسولان هذا القصد مسبقاً، ومضيا مِن إيقونية هرباً إلى مدينة أخرى، لأنّ الموت في سبيل المسيح ليس هو الوصيّة الوحيدة مِن الرّبّ، بل الأهم مِن ذلك أحياناً هو أن تكون الحياة مِن أجله استمراراً لخدمة اسمه، ورفع كلمته، فأصغِ جيّداً إلى ما  يقوله لك الرّوح القدس في حالتك، ولا تعجّبن إن صادفتك ضيقاتٌ واضطهاداتٌ وشتائم وضغط مؤلم، لأجل اسم يسوع، لأنّ رسول الأمم بولس، هرب مِن مدينة إلى أخرى، ومِن بلاد إلى أُخرى، وتشجّع كلّ مرّة مجدّداً، ولم يبال بعداوة مضطهديه، بل بشّر بعظمة خلاص المسيح في وقت مناسب وغير مناسب. فصلّ أيّها الأخ وأَصغِ إلى إرشاد الرّوح القدس ولا تصمت، بل جاهر بعظمة محبّة المسيح، فتلبس قوّة مِن فوق.

الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ المسيح، لأنّك قوّيت بولس وبرنابا لكيلا يتشاءما رغم استمرار الاضطهاد والضيق. قد قوَّيتهما وأَرشدتَهما وشجَّعتهما على تمجيد اسمك القدّوس. فساعدنا لكي لا نخاف مِن أحد، بل نمجّد اسمك بجرأة وحكمة في قوة روحك القدّوس.

5تأسيس كنيسة لسترة

(14: 8 – 20)

14: 8 وَكَانَ يَجْلِسُ فِي لِسْتِرَةَ رَجُلٌ عَاجِزُ الرِّجْلَيْنِ مُقْعَدٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَمْشِ قَطُّ 9هذَا كَانَ يَسْمَعُ بُولُسَ يَتَكَلَّمُ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ، وَإِذْ رَأَى أَنَّ لَهُ إِيمَاناً لِيُشْفَى 10قَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: قُمْ عَلَى رِجْلَيْكَ مُنْتَصِباً فَوَثَبَ وَصَارَ يَمْشِي 11فَالْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ: إِنَّ الآلِهَةَ تَشَبَّهُوا بِالنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا12فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا زَفْسَ وَبُولُسَ هَرْمَسَ إِذْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمَ فِي الْكَلامِ 13فَأَتَى كَاهِنُ زَفْسَ الَّذِي كَانَ قُدَّامَ الْمَدِينَةِ بِثِيرَانٍ وَأَكَالِيلَ عِنْدَ الأَبْوَابِ مَعَ الْجُمُوعِ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ.

حدثت في مدينة لسترة، على بعد ثلاثين كيلو متراً جنوب غربي إيقونية، أعجوبةٌ غريبةٌ، لأنّ يسوع شفى رجلاً مشلولاً بواسطة كلمات الرسول بولس.

وقبل هذه الحادثة بسنين، شفى بطرس، باسم يسوع المسيح، عند باب الهيكل، مشلولاً كان شلله منذ الولادة. وهذا الشفاء آنذاك سبّب تجمّع الشعب في ساحة الهيكل، وأعطيت عظة فعّالة على لسان بطرس، ونجم عن ذلك قيادة بطرس إلى المحاكمة أمام المجلس اليهودي الأعلى.

فنظير ذلك حدث لبولس في لسترة، حيث بشّر الرسول الجماهير، وبينهم كان إنسان مشلولاً منذ ولادته، وهذا المسكين فهم المتكلّم، وآمن بقوّة المسيح. ولمّا التقت عينه بعين بولس، أدرك الرسول مشيئة يسوع، وشخص في المشلول، وأمره أن يقوم رأساً على رجليه، ويمشي. فقوّة المسيح عملت بواسطة كلمات الرسول بولس، دون أن يذكر المتكلّم اسم يسوع، ودون أن يمسك الرسول بيد المشلول كما فعل بطرس آنذاك، لأنَّ المريض قد سمع الإنجيل وآمن ببشرى الخلاص، فإيمانه خلّصه.

كانت لسترة مدينةً وثنيّةً، وَلَم يكن لأهلها معرفة بالله الواحد القدّوس، الّذي أمامه كلّ النّاس مذنبون. لكنَّ هؤلاء الوثنيين آمنوا بآلهة وأرواح كثيرة، وصدّقوا بإمكانية تجسّدها وجولانها بينهم، كما كانوا يؤلّهون بسهولة بعض المشاهير، لأنّ أرواح جهنّم والبشر الضّالين لا يعيشون بانفصال تامٌ بعضهم عن بعض.

 ولمّا استمعت الجماهير إلى برنابا وبولس، ورأت شفاءهما للمريض، ظنّت أنّ آلهة صالحة زارت مدينتهم، فسمّوا برنابا زفس، لأنّ صفاته مطابقة له بروح الأبوة واللطف والهدوء والرصانة، كأنّه أبو الآلهة، كما سمّوا بولس هرمس ساعي الآلهة، الّذي يتميّز بالنشاط والحركة والتكلّم والكفاح. وحيث كان هناك في المدينة هيكل قديم للإله زفس، فقد استعجل كاهن ذلك الهيكل منتفضاً فركض إلى حظيرة المواشي، وجلب ثورين سمينين، وقادهما للذَّبح وهما مزيَّنان بزهور، ونادى في المدينة لتقبل الجماهير أفواجاً إلى وليمة الفرح الّّتي تقام تكريماً للآلهة. وكانت هذه الولائم في الهياكل تتميز بالسّكر والبطر والزّنى، لأنّهم ظنّوا أنَّهم بتقديمهم كلّ طاقاتهم في الفرح والإباحيَّة يكافئون بركات الآلهة.

لم يفهم بولس وبرنابا فوراً صراخ الجماهير بلغّتهم الدارجة، لأنّهم كانوا بعيدين عنهما قليلاً توقيراً وإجلالاً، ولكن حالما فهم الرسولان غاية الذبيحة العظيمة فزعا واشمأزّا، وركضا وسط الجماهير، ومزّقا ثيابهما تعبيراً عن استنكارهما غيرةً على الله، ووقف بولس على حجر مرتفع وصرخ: قفوا! أنتم مخطئون، فلسنا آلهة البتة، إنّما نحن بشر مثلكم مِن لحم ودم. قد وقعتم في خداع النفس، فزفس وهرمس ما أتيا إليكم، فهذه الآلهة أباطيل وتخيّلات غير موجودة، إنّ كلّ آلهتكم باطلة بلا قوّة ولا حياة بل هي أموات وعدم.

أَمَّا نحن فنبشّركم بالله الوحيد القدّوس الحقّ، الّذي هو خلق السماوات والأرض وكلّ ما فيها، وكلّ ما ترونه، وحتّى أنتم بأنفسكم. كلّنا خليقة الله الصالح، الّذي لا يجبر أحداً على تنفيذ إرادته، إنّما يترك المعاندين ليقعوا في شهوات قلوبهم ليفسدوا أنفسهم بأنفسهم. ورغم أنانيّة الشّعوب، فإنَّ الله يكمّل تاريخه مع البشر، ويُحِبُّ العُنُدَ، ويهبهم حتّى اليوم المطرَ والشَّمسَ والحرَّ والبردَ والحصاد. فالله وحده هو الّذي يعطينا المؤونة والوليمة والفرح، ليس هرمس ولا زفس ولا أيّ روح آخر، لأنّهم جميعاً أباطيل. هكذا تكلّم الرسولان مع الأفراد والجماهير ومنعاهم مِن الذَّبيحة. فاغتاظ الكاهن وحزنت الجماهير الّذين فكّروا بالبهجة في الشركة مع الآلهة، وعادوا مستائين إلى بيوتهم، كأنّما وقعت عليهم صاعقة مِن السّماء، وكلّ المدينة تكلّمت عن الرسولين وكرازتهما الغريبة بالإله الواحد.

14: 19 ثُمَّ أَتَى يَهُودٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَقْنَعُوا الْجُمُوعَ، فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ 20وَلكِنْ إِذْ أَحَاطَ بِهِ التَّلامِيذُ قَامَ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَفِي الْغَدِ خَرَجَ مَعَ بَرْنَابَا إِلَى دَرْبَةَ.

ولقد سمع اليهود في المدن المجاورة بهذه الوقائع الغريبة، تراكضوا إلى لسترة، وأججوا نيران الاستياء في الشعب، وتفنّنوا بالاتهامات والحيل، وسمّوا الرسولين مضلّين ومخربين للتقاليد وخطراً على مستقبل المدينة، والجمهور الغاضب انحاز إلى المخادعين منضماً إلى صفّ وجهاء المدن الأخرى، الّذين كانوا يؤلّبونهم لقتل الرسولين، وتيقّنت الجماهير أخيراً أنّ بولس ليس إلهاً، بل إنسان مثلهم. فأحاطوا به ورجموه بالحجارة، وفرحوا أنّه لم يخرج مِنه بروق ولا رعود، وهو حقّاً إنسان ضعيف مثلهم، فهجموا عليه أكثر وأمطروه حجارة صخريّة، لأنّه تجاسر على ذم آلهتهم. وهكذا سقط بولس على الأرض مُدَمّىً ممزَّقاً كباطل مهيض، ومغطّى بحجارة كثيرة لم يهاجم الجمهور برنابا اللطيف، بل قصدوا بولس وحده بالطعن والإيذاء، لأنّه هو الّذي كان لولب الحركة والتبشير والشفاء، فقد أدركت جهنّم مَن يأتيها بالخطر، ولعل بولس آنئذ قد خطر له استفانوس، الّذي رُجم أمام أسوار أورشليم، وغفر ذنوب أعدائه مسلّماً روحه بين يدي يسوع الحيّ.

ولمّا جَرَّرَت الجماهير بولسَ ككلبٍ ميتٍ أمامَ أسوار المدينة، وعادوا إلى بيوتهم متضعضعين مِن حوادث النهار، جاءه التلاميذ عند العِشاء وأحاطوا بجسده الدامي، وصلَّوا معاً مؤمنين بقدرة المسيح على الموت، كأنّما قوّة الله تتسرّب منهم إلى الجريح وجسده الميت، فقام بولس ولباسه ممزّق وثوبه مخرق مهلهل مبتلّ بالدّم والوسخ، فنظر إلى إخوته في المسيح صامتاً، ولم يهرب إلى البرّيّة الدامسة، بل رجع معهم إلى المدينة القاتلة، وسط الأعداء، لأنّه علم أنّ المسيح لم يتركه في الموت، بل أقامه مرّة أخرى للخدمة فثبَّتَ المؤمنين في محبّة الله، رغم جروحه الأليمة.

وفي اليوم التالي ذهب برنابا وبولس، مشياً على الأقدام، إلى مدينة دربة القريبة. وكان بولس منهوك القوى ولا تزال جراحه مدماة، لكنّ قلبه تهلّل وسرّ، لأنّ المسيح أسّس كنيسةً حيَّةً في لسترة. فتعلّم التلاميذ هناك اسمَ يسوع بواسطة قدوة الرسل.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح: اسمك قدّوس، والشيطان يكره أتباعك، ويشاء أن يهلكهم. ساعدنا لندرك حقّك، ونُعلنه بحكمة، ونحبّ أعداءنا، ونبارك معذِّبينا

ونطلب تأسيس كنائسك في بلدتنا، آمين.

6الخدمة في دربة والعودة

لتقوية الكنائس المؤسَّسة حديثاً

(14: 21 – 23)

14: 21 فَبَشَّرَا فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَتَلْمَذَا كَثِيرِينَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى لِسْتِرَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَنْطَاكِيَةَ، 22يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلامِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ، وَأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللّهِ 23وَانْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوساً فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ، ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ الَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ.

ممتلئين بقوّة الرّوح القدس، بشّر الرسولان المضطهدان أهل دربة، وهي مدينة صغيرة في آسيا الصغرى، وكثيرون مِن النّاس آمنوا بالمسيح تاركين الموت في الخطايا، داخلين حياة الله في البرّ والقداسة. وبهذا العمل تَمّم الرسولان أمر المسيح الّذي قال: دُفع إليّ كلّ سلطان في السّماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والرّوح القدس وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر.

وتأثّر الرسولان خصوصاً بمعنى الكلمات:”وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” لأنّ كنائِسَهُما كانت جديدة، وبدون كتاب مقدّس باللغة اليونانيّة، وبدون نظام للاجتماعات، وبدون خبرة في المناقشات مع الأعداء، فشابه الرسولان الأمّ الّّتي ولدت أطفالاً، واستلزم مفارقتهم، رغم أنّهم غير مستطيعين تغذية أنفسهم، ولا السعي لأجل سدّ إعوازهم، فاشتاق قلباهما لأولئك الأطفال الرّوحيين المتروكين. فلم يخافا خطر الموت، ورجعا بجرأة إلى المدن الّّتي اضطهدا فيها سابقاً، فالمحبّة تغلب كلّ خوف وتطرده، لأنّها أعظم الدوافع في الإنسان.

وعاد الرسولان إلى لسترة حيث جُرّم بولس، وهناك لم يبشّرا الجماهير عامة، بل قوّيا المؤمنين الّذين دعاهم المسيح مِن العالم نخبةً لملكوته. وبهذه الخدمة مارس الرجلان واجب بنيان النفوس بعد التبشير، ولم يتكلّما عن أحلام ورجاء متخيّل، بل شهدا لهم بكلّ وضوح، أنّه ينبغي أن ندخل ملكوت الله بضيقات كثيرة. انتبه لقد قالا (ينبغي) فلا تستطيع أن تدخل ملكوت الله بدون ضيقات، بل ستلاقي أمواج البغضة والكذب والعذاب والآلام لأجل المسيح، عربوناً لدخولك إلى رحاب النّعمة.

وفهم الرسولان بعبارة ملكوت الله، مملكة أبي ربّنا يسوع المسيح الّّتي أصبحت ظاهرة في قوّة الابن، وكلّ المؤمنين ينتظرون مجيئه في المجد، وإعلان قدرته على الأرض، علماً أن كلّ مولود ثانيةً مِن الرّوح القدس، هو اليوم عضو في ملكوت الله، لأنّ يسوع المسيح اشترى لنا بدمه العضويّة والقداسة والتواضع والمحبّة. فهل دخلت إلى رحاب المسيح؟ وهل تترقّب ظهور ملكوت الآب عند مجيء مخلّصنا المسيح؟ فليس خلاص نفسك، ولا نموّ الكنائس العديدة، هو هدف ملكوت الله، بل ظهور مجد الآب والابن في شركة الّذين يعيشون في قوّة الرّوح القدس، فاطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، فتزاد وتترتّب لك الأمور الأخرى تلقائيّاً.

ولم يعظ الرسولان عن الإيمان والآلام والمجد فقط، بل نظّما الكنائس عمليّاً، واختارا على أساس اختباراتهما شيوخاً؛ وعيّنوهم لترؤس الاجتماعات، وتحمّل مسؤوليّة الفقراء والمرضى، حيث كانت حياتهم قدوة في القداسة والخلاص والعفة باتباع المسيح.

وهكذا قوّى الرسولان الكنائس، واستطاعا أخيراً أن يتركا رعاياهما، وسلَّماهم إلى الراعي العظيم المسيح الّذي كان معهم كلّ الأيام. ولممارسة هذا التسليم، استعدّوا مصلّين وصائمين، وطلبوا ملء الرّوح القدس للمسؤولين الجدد في الكنائس، وآمنوا أنّ المسيح نفسه يحمل المسؤوليّة عن كنيسته. ولم يضع الرسولان قوانين وطقوساً وكتب ترانيم للكنائس، بل سلّما المجتمعين إلى يدي المسيح الحيّ، عالمين أنّه قادر أن يقدّس إلى التّمام كلّ الّذين ينجذبون إلى موكب انتصاره.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت رأس كنيستك والرّاعي الأمين. فنطلب إليك لأجل كلّ حلقات جديدة للمؤمنين، أن تباركها، وتملأها بروح تواضعك، لكي لا تنقص قوّة ومحبّة ومعرفة، واستعداداً للتبشير. اغفر لتلاميذك كلّ الذنوب يوميّاً، وامنحهم شيوخاً مسؤولين يعملون إرادتك، في عفّة وحقّ وقدوة حسنة للآخرين.

7الرُّجوع إلى أَنطاكية سوريا

وعرض نتائج الخدمة على الإخوة هناك

(14: 24 – 28)

14: 24 وَلَمَّا اجْتَازَا فِي بِيسِيدِيَّةَ أَتَيَا إِلَى بَمْفِيلِيَّةَ، 25وَتَكَلَّمَا بِالْكَلِمَةِ فِي بَرْجَةَ، ثُمَّ نَزَلا إِلَى أَتَّالِيَةَ، 26وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي الْبَحْرِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، حَيْثُ كَانَا قَدْ أُسْلِمَا إِلَى نِعْمَةِ اللّهِ لِلْعَمَلِ الَّذِي أَكْمَلاهُ 27وَلَمَّا حَضَرَا وَجَمَعَا الْكَنِيسَةَ، أَخْبَرَا بِكُلِّ مَا صَنَعَ اللّهُ مَعَهُمَا، وَأَنَّهُ فَتَحَ لِلأُمَمِ بَابَ الإِيمَانِ 28وَأَقَامَا هُنَاكَ زَمَاناً لَيْسَ بِقَلِيلٍ مَعَ التَّلامِيذِ.

عاد الرسولان في سفرة طويلة، ونزلا إلى شاطئ البحر، وبشّرا في مدينة برجة في ساحل جنوب الأناضول. ولكنّنا لا نسمع أَيَّ خبر عن تأسيس كنيسة هنالك، لأنّ الرّوح القدس لم يرسل الرسولين إلى الساحل، بل إلى الجبال، وحرّ السهول الداخلية. فتركا المدينةَ على مضض، ودخلا ميناء أَنطاكية، وأبحرا إلى الشرق عائدَين إلى أنطاكية سوريا، إلى تلك الكنيسة المحبوبة، الّّتي اختارهما الرّوح القدس مِنها لعملٍ غامض آنذاك، ولكن برجوعهما مِن هذه السفرة التبشيريّة الأولى، اتضح ما هو عمل الرّوح القدس الّذي قصده منذ الأزل: تأسيس كنائس مؤلَّفة مِن مؤمنين أُمم ويهود. فهذه الأعجوبة الّّتي تحقّقت سابقاً في أَنطاكية السُّوريَّة تتابعت، لأنّ الرّوح القدس أوجد ثماراً مشابهة في كلّ بلد تخطّياها.

وبهذا اتّضح أيضاً أنّ الباب إلى الأمم كان مشرّعاً على مصراعيه. فهل المؤمنون مستعدون أن يدخلوا مِن هذا الباب ويبشّروا الشّعوب؟ وقد دخل المدعوون مِن الأمم بواسطة هذا الباب المفتوح إلى رعويّة المسيح، فليس اليهود وحدهم هم المختارون للعهد مع الله، بل كلّ الّذين يؤمنون بالمسيح، إنّما يختبرون أنّ الباب إلى الله القدّوس مفتوح لهم، لأنّ دم المسيح طهَّرنا، والرّوح القدس يجدّدنا. فمَن يؤمن يخلص.

وبفرحٍ عظيمٍ دعا بولس وبرنابا كلَّ أعضاء الكنيسة للاجتماع، لأنّهم كانوا يصلّون مِن أجلهما أثناء سفرتهما الطويلة ليلاً نهاراً، لأجل إرشادهما وحفظهما مِن قبل الله فأخبر الرسولان شاكرين الله، بما عمله المسيح بواسطة خدمتهما المشتركة فعمّ الابتهاج وظهرت نبوات وتقوى الرجاء، ومجدّ الجميع الله الآب والابن والرّوح القدس فكانت نتيجة هذه الرحلة التبشيريّة، عاصفة شكر للرّبّ يسوع، لأنّ التبشير في صميمه كان شكراً للجلجلة.

وارتاح بولس وبرنابا في شركة الإخوة الناضجين، واختبرا مِن جديد المواهب الغنيّة المتعدّدة الّّتي وهبها المسيح للكنيسة في هذه العاصمة، فعظّموا معاً النّعمة الإلهيّة المعطاة للذين يؤمنون بالمسيح ويخدمون العالم في قوّة الرّوح القدس.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نعظّمك لأنّك دعوت كلّ إنسان إلى ملكوتك، وخاطبتنا أيضاً وأكّدت لنا خلاصنا، وأحييتنا مِن الموت في الذنوب، وطهّرتنا بدمك، وأرسلتنا لتبشير أصدقائنا. فساعدنا لنسلك بالتواضع والعفّة في فرح روحك مطيعين لإرشاده كلّ يوم.

ثانياً: المؤتمر الرَّسولي في أورشليم ونتائجه

(15: 1 – 35)

15: 1 وَانْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ الإِخْوَةَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا 2فَلَمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ، رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى الرُّسُلِ وَالْمَشَايِخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هذِهِ الْمَسْأَلَةِ 3فَهؤُلاءِ بَعْدَ مَا شَيَّعَتْهُمُ الْكَنِيسَةُ اجْتَازُوا فِي فِينِيقِيَةَ وَالسَّامِرَةِ يُخْبِرُونَهُمْ بِرُجُوعِ الأُمَمِ، وَكَانُوا يُسَبِّبُونَ سُرُوراً عَظِيماً لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ 4وَلَمَّا حَضَرُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَتْهُمُ الْكَنِيسَةُ وَالرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِكُلِّ مَا صَنَعَ اللّهُ مَعَهُمْ 5وَلكِنْ قَامَ أُنَاسٌ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا مِنْ مَذْهَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَقَالُوا: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَنُوا، وَيُوصَوْا بِأَنْ يَحْفَظُوا نَامُوسَ (شريعة) مُوسَى“.

يَظهر الشَّيطان أحياناً تقيّاً جداً، ويعلّم النّاس حفظ الشريعة، كأنّهم يستطيعون أن يكسبوا زيادة على غفران المسيح قداسةً خاصَّةً، كأنّه لا يكفي التبرير بدمه، ولا النّعمة كأساس لحياتنا مع الله.

هكذا قدم مِن أورشليم إلى انطاكية بعض المؤمنين المتزمِّتين الشريعيين، وأزعجوا السّلام والانسجام في كنيسة انطاكية، وطلبوا لأنفسهم حقّ التعليم في الاجتماعات، ليقودوا المؤمنين إلى ملء الخلاص، وادَّعوا أَنَّ دم المسيح غيرُ كاف لفداء المؤمنين، بل أنّهم يحتاجون إلى ختن ناموس (شريعة) موسى، كما أمر الله رمزاً لعهده، وقالوا إنّ الناموس (الشريعة) كلّه موحى به مِن الله، وكلّ مَن لا يحفظ الناموس (الشريعة) بدقّة يُدان.

فامتلأ بولس وبرنابا بالغضب المقدَّس. وكان الأخير قد جاء قبلاً مفتِّشاً مِن قِبَلِ أورشليم وشهد الرسولان، بكلّ صراحة وشدّة، أنّ حلول الرّوح القدس في المؤمنين لا يتوقّف على حفظ الناموس (الشريعة) أو معرفته، حسب اختباراتهم في مدن آسيا الصغرى، فالخلاص نعمة فقط، وليس نتيجة حفظنا للناموس (للشريعة). أمّا المؤمنون الفريسيون مِن القدس، فقد طلبوا خضوعاً، بلا قيد أو شرط، لوحي العهد القديم، بينما بيّن بولس أنّ الله أعلن ناموساً جديداً في المسيح الّذي أكمل لأجلنا الناموس (الشريعة) القديم وغلبه، وأدخلنا عصر النّعمة.

وهكذا نشب صراع روحيٌّ عنيفٌ في الكنيسة، اضطرب لأجله المؤمنون الجدد، لأنّ الفريقين برهنا حقّهما مِن التوراة، ونتج عن ذلك، كما حصل بعدئذ عدّة مرّات في التاريخ الكنسي، أَنَّ أعضاء الكنيسة طلبوا عقد مؤتمر قمّة لتقرير ما هي إرادة الله، بواسطة الرسل والشيوخ والناضجين في الإيمان.

وبناءً على هذا الأمر الهام، ذهب بولس وبرنابا، باسم الكنيسة الأَنطاكية، بالسّفن إلى لبنان، وزارا الإخوة في المدن الساحليّة. ونسمع لأوّل مرّة في هذه المناسبة، أنّه قد تأسست في لبنان كنائس مسيحيّة، ودخل أفراد كثيرون إلى الحياة الأبديّة. وهؤلاء الإخوة فرحوا فرحاً عظيماً، لمّا سمعوا كيف دعا الله وثنيين غرباء للعهد معه، بدون ختان، وبدون أعمال الشريعة، نعمة وهبة فقط. والفرح عند هؤلاء المؤمنين كان عظيماً، لأنّ الفينيقيين كانوا رجال الرحلات والاكتشافات، وعلموا أنّ الدِّين اليهودي بأحكامه الناموسيّة (الشريعة) لا يقدر أن يجدّد العالم، فأدركوا فكرة النّعمة رأساً، وعظّموا يسوع للحريّة في الرّوح القدس المشرقة في عصر جديد.

وفي منطقة السامرة شهد المسافرون بعجائب عمل الله أيضاً، لأنّ الخبر عن الاختبارات الرّوحيّة شجّع المؤمنين، وأرشدهم ليقدموا بعزم خلاص المسيح لكلّ العالم.

ولمّا وصل الرسولان إلى أورشليم، تراكض المؤمنون مع بقيّة الرسل والشيوخ لملاقاة الوفد، فالجميع شعروا بأهمية هذا اللِّقاء، لأنّ القادمين كانوا أوّل وفد يأتي مِن خارج فلسطين، طالباً القرار والتوضيح في أسئلة حول الإيمان. والفقيه السابق شاول تواضع، وطلب باسم الكنيسة في انطاكية تثبيتاً لتعليمه عن النّعمة، كما أنّ الكنيسة في أورشليم كلّها عاينت في هذه المرّة العدو السابق الّذي اختاره الله رسولاً لخلاص الأمم.

ولم تبدأ الجلسات بتحليل المبادئ العقائديّة، بل سمع المجتمعون أوّلاً تقريراً عن اختبارات برنابا وبولس، كيف أسَّس المسيح بإنجيله كنائس عديدة في سوريا وآسيا الصغرى بخدمتهما. فدخل انتصار الرّبّ في أدمغة كلّ المستمعين، ولم يقدر أحد أن ينكر أعجوبة انسكاب الرّوح القدس على الأمم، وخصوصاً شهادة برنابا المحترم الرصين أثّرت على المجتمعين في القدس، لأنّه كان معروفاً ومرسلاً منهم في السابق.

وبعدما انتهى وفد انطاكية مِن عرض أفكاره، قام بعض المؤمنين الّذين كانوا سابقاً فريسيين متزمتين ولم يموتوا عن ثقتهم بطاقتهم الخاصّة، رغم إيمانهم بالمسيح فطالبوا ليس فقط بالختان لِمَن آمن مِن الأمم، بل أيضاً بخضوعهم للناموس (للشريعة) كلّه بحذافيره. وهؤلاء الناموسيون (الشريعيون) المتعصّبون إذاً لم يعارضوا تبشير الأمم، بل فرحوا بفوز المسيح، إنّما طالبوا بحدّة بتهويد المتجدّدين، لكيلا يقوم عهد جديد بجانب عهد موسى. وبهذا الطلب أوقفوا ابن الله يسوع وأعماله في المستوى نفسه مع النّبي موسى وأعماله، وأظهروا بهذا عدم فهمهم العصر الجديد بحرّيته مِن الناموس (الشريعة)وثباته في محبّة الله الكاملة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، افتح أعيننا لنراك، وندرك عظمة محبّتك، لكيلا نؤمن بأنفسنا ولا نتمسّك بطاقتنا الضعيفة، بل نعتمد على انتصارك فقط، ونقرأ بإنارة الرّوح القدس الكتاب المقدّس ونصبح أمناء لعهدك الجديد المعلن في إنجيلك الشريف.

15: 6 فَاجْتَمَعَ الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ لِيَنْظُرُوا فِي هذَا الأَمْرِ 7فَبَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ، قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُمْ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ اخْتَارَ اللّهُ بَيْنَنَا، أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ الأُمَمُ كَلِمَةَ الإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُونَ 8وَاللّهُ الْعَارِفُ الْقُلُوبَ شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِياً لَهُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضاً 9وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ، إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ 10فَالآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ اللّهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ التَّلامِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلا نَحْنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟ 11لكِنْ بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ كَمَا أُولَئِكَ أَيْضاً 12فَسَكَتَ الْجُمْهُورُ كُلُّهُ وَكَانُوا يَسْمَعُونَ بَرْنَابَا وَبُولُسَ يُحَدِّثَانِ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ اللّهُ مِنَ الآيَاتِ وَالْعَجَائِبِ فِي الأُمَمِ بِوَاسِطَتِهِمْ.

بعد الاجتماع العام الّذي انعقد بحضور جميع الأعضاء، اجتمع مرّة ثانية عمداء الكنيسة في اجتماع مغلق، ليجدوا في الصّلاة والتعمّق في التوراة والأنبياء توضيحاً لمسألة الناموس (الشريعة) والإنجيل. وكانت الجلسة حاميةً طويلةً، لأنَّ الفرق بين مطاليب العهد القديم وهبات النّعمة في العهد الجديد كبير، ومَن لا يدرك حقيقة هذا الفرق، تكون قراءته للكتاب المقدّس سطحيّة. ولكن الحمد لله، ففي نهاية البحث قام بطرس، الّذي أظهر أنّه المقدام الحقّ للرسل، بشهادته في إرشاد الرّوح القدس، وإعلانه أسس خلاصنا، فأكَّد أن الله لم يستخدم بولس، بل استخدمه هو أولاً لتنفيذ مشيئته في إبلاغ الإنجيل للأمم، فآمنوا؛ وحسن إيمانهم لم يكن تصديقاً نظرياً فقط، بل كان إيماناً حقّاً بتسليم القلب إلى يسوع نهائيّاً وقبول خلاصه على الصّليب.

والله هو العليم العارف القلوب والمثبت الإيمان بيسوع بشهادة، ختم روحه. فكلّ مؤمن حقّ بالمسيح ينال مِن الله شهادة واضحة، غير مكتوبة على ورق فان، بل قد كتبت بالرّوح القدس الحال في قلوب الّذين يحبّون يسوع، كما كتب بولس إلى أهل أفسس: إذ آمنتم ختمتم بروح الموعد القدّوس.

 ولا يوجد نوعان مِن الرّوح القدس فمَن يتعلّق مِن اليهود بيسوع الحيّ، يعش بالقوّة نفسها كالمؤمنين مِن الأمم، فلا يوجد فرق بين المؤمنين بالنسبة إلى العنصر والجنس والعمر والثقافة والملك. الجميع واحدٌ في المسيح، لأنّنا جميعاً حسب طبيعتنا خطاة، كما أنّ جميع المؤمنين يتبرّرون أو يتطهّرون بدم المسيح. والرّوح القدس لا يحلّ في إنسان بدون تطهير تام، لأنّ روح الله والخطيئة لا يجتمعان في القلب معاً، فمَن يسكن فيك، المسيح أَم الشرّير؟

واصل بطرس شهادته عن عمل الله الحرّ، وسمّى كلّ الناموسيين (الشريعيين) مجربين الله، الّذين يضادّون قصد عزمه، لأنّ القدّوس قصد أن يفدي الأمم بدون الناموس (الشريعة). فمَن مِن الخلق يستطيع أن يمنعه مِن تنفيذ إرادته؟ إنّ محبّة الله أعظم مِن عقولنا.

في هذه المعرفة سمّى بطرس الناموس (الشريعة) نيراً ثقيلاً قد حرَّرَنا يسوعُ مِنه بواسطة قوله: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. فمَن قصد إتمام ناموس (شريعة) موسى بقدرته الخاصّة ينسحق مِن استحالة وصيّة الله: كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس. ليس إنسانٌ يستطيع أن يقدّس نفسه على درجة الله. فالناموس (الشريعة) يسحق مَن يطلب القداسة سَحْقّاً تامّاً. فالمسيح حرّرنا نهائيّاً مِن نير العهد القديم، ووضع على عنقنا نيره الخاص الهيِّن، لأنّ المسيح نفسه يحمله معنا. لا نستطيع العيش بدون نير إلهي، لأنّ النّير يرمز إلى شركتنا مع الله والمسيح. فنحن متّحدون معه بالعهد الجديد، الّذي هو النّير الهين، فنذهب حيث يذهب هو، ونقف حيث يقف هو، وبشركته معنا يغيِّرنا بواسطة تواضعه ووداعته.

وقد أوضح بطرس للناموسيين (للشريعيين) في القدس، أنّه ليس آباؤهم الأتقياء ولا هو ولا هم جميعاً بحافظي الناموس (الشريعة) عمليّاً، لأنّنا كلّنا ضعفاء أشرار وغير مستحقّين الشركة مع الله. هكذا شهد عن نفسه بالشرّ والبعد عن الخير، ومَن لا يدرك هذا المبدأ فإنّه لم يدرك المسيح بعد، وهو لا يزال واقفاً في العهد القديم على رِجْلٍ واحدة، ويحاول بِالرِّجل الثَّانية فقط دخولَ العهد الجديد. وبعد هذا الاعتراف وصل بطرس إلى قمّة كلّ الأقوال في العهد الجديد، وشهد في جلاء الرّوح القدس بشعار كنيسة المسيح. فليس بواسطة الأعمال ولا الصلوات ولا السلوك المستقيم، ولا التبرّعات والحج ولا بالختان والطقوس، بل بنعمة دم يسوع المسيح وحده، وفي أمانة شفاعته، نجد الحقّ لبرِّنا أمامَ الله، وننال القوّة الّّتي تدفعنا لممارسة المستحيل، بأن نحبّ أعداءنا متقدِّسين لخدمة الله، وأكثر مِن ذلك فإننا لا نؤمن أَنَّنا سَنُدانُ في اليوم الأخير على أساس أعمالنا، وإلاّ فسنهلك. إنّما نلقي رجاءنا بالتمام على النّعمة، فماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، متعلّقة فقط بنعمة الغفران ونعمة التقوية، ونعمة الكمال، فنشهد بابتهاج قائلين: ومِن ملئه نحن جميعاً أخذنا، ونعمة فوق نعمة.

بعد هذه الشهادة البطرسيّة المنقادة مِن الرّوح القدس، لم يتجرّأ أحد مِن الإخوة الفرّيسيين أن يتفوّه بكلمة واحدة. ولم يرد أحد مِنهم أن يكون مجرّباً لله، ولا تجرّأ منهم واحدٌ على ترك النّعمة والتمسّك بالناموس (بالشريعة)، أساساً للخلاص العتيد.

وبرنابا ثمّ بولس مِن بعده شهدا مرّة أخرى بتفاصيل عن موكب انتصار المسيح في آسيا الصغرى، وكيف أنّه أثبت إرادته الخلاصيّة بآيات ومعجزات باهرة. وكان بولس متحفّظاً في هذا الاجتماع، وترك المجال لبرنابا المحترم في هذا المحيط، ليخبرهم عمّا جرى لهما في رحلتهما التبشيريّة. وبهذه الشهادة قدّم برنابا آخر خدمة المحبّة تجاه بولس والكنيسة، وربطهما معاً لكيلا تصبح ثَمَّةَ كنيسة بطرسيّة في اليهوديّة، وكنيسة بولسيّة مِن الأمم.

والمسيح الرّبّ المُقام أرشد بروحه الرسل ليتقدّموا بجرأة. وحيثما لم تتمكّن عقولهم مِن استيعاب تفسير الناموس (الشريعة)، والتوفيق بين الآراء المتنافرة، فإنّه جعل ضمائرهم واختباراتهم في الرّوح القدس، مقياساً لقرارهم. فالرّسل لم يقسّوا قلوبهم لصوت الرّوح القدس، بل أطاعوا جذب العهد الجديد، وألقوا رجاءهم بالتّمام على النّعمة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك أرشدت في هذا المؤتمر الحاسم قلوب الرسل، ووضعت شعار الإنجيل نوراً على سارية منارة كنيستك. ساعدنا حتّى لا نرتدّ إلى الناموس (الشريعة) اليهودي، ونحاول تبرير أنفسنا بأنفسنا، بل نتقدَّم بثقتنا في دمك، إلى عرش النّعمة يوم الدَّينونة الأخيرة، لأنّ روحك القدّوس يعطي شهادةً لروحنا، أَنَّنا أولاد الله باسمك.

ملاحظة: هذه الجملة مِن الرسول بطرس، هي إحدى القمم في تطوّر سِفر أعمال الرسل، وبالحقيقة فإنّها محوره الرّوحي، كما أنّها في وسطه بالنسبة لمجموع كلمات السِفر. إنّ عدد الكلمات الّّتي قبلها مثل عدد ما بعدها في هذا السِفر الهام، وفي الوقت نفسه إِنَّ هذه الآية هي آخر ما نطق به بطرس في سِفر أعمال الرسل، وخُلاصَتُه وتاج عظته، ومِن الآن لا يذكر لوقا شيئاً عن سيرة بطرس في سِفره البتة، لأنّه قد أتمّ وظيفته كراعي الكنيسة، وأبرز إنجيل النّعمة نهائيّاً أساساً للخلاص الحق.

15: 13 وَبَعْدَمَا سَكَتَا قَالَ يَعْقُوبُ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، اسْمَعُونِي 14سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ افْتَقَدَ اللّهُ أَّوَلاً الأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْباً عَلَى اسْمِهِ 15وَهذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ الأَنْبِيَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: 16سَأَرْجِعُ بَعْدَ هذَا وَأَبْنِي أَيْضاً خَيْمَةَ دَاوُدَ السَّاقِطَةَ، وَأَبْنِي أَيْضاً رَدْمَهَا وَأُقِيمُهَا ثَانِيَةً، 17لِكَيْ يَطْلُبَ الْبَاقُونَ مِنَ النَّاسِ الرَّبَّ، وَجَمِيعُ الأُمَمِ الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ الصَّانِعُ هذَا كُلَّهُ 18مَعْلُومَةٌ عِنْدَ الرَّبِّ مُنْذُ الأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ 19لِذلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لا يُثَقَّلَ عَلَى الرَّاجِعِينَ إِلَى اللّهِ مِنَ الأُمَمِ، 20بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ الأَصْنَامِ، وَالّزِنَا، وَالْمَخْنُوقِ، وَالدَّمِ 21لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيَالٍ قَدِيمَةٍ لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي الْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ.

نجد في الكنيسة اختلافات عميقة مبدئيّة، لا يمكن حلّها بأجوبة عقائدية، لأنّ كلّ فريق يسند آراءه إلى أدلّة مِن الكتاب المقدّس، أو يفسّر آياته برأيه الخاص، ولكنّ المحبّة والأُخُوَّة أعظم مِن الاختلافات المنطقيّة. والاحتمال المتبادل في التواضع هو سرّ استمرار الكنيسة.

فبعد أن أبرز بطرس مقدام الرسل شعار الإنجيل، قام يعقوب أخو يسوع، وطلب مِن الإخوة المجتمعين أن يسمعوا له، لأنّه كان ممثِّلاً الجناح النَّاموسي (الشريعي) في الكنيسة، ولم يقدر أن يقبل بسهولة كلمات بطرس واختباراته، إلا بإثباتها بالأنبياء. والرّوح القدس أَرشدَ هذا المؤمن النَّاموسي (الشريعي)، حتّى وجد البراهين القاطعة لأفكار بطرس في سِفر عاموس 9: 11-12 وإشعياء 45: 21 فاطمأنّ قلبه، لأنّه فهم أن الله قدّم لنسل داود الخلاص للمرّة الثانية، لكي يخلّص بواسطتهم البشر وكلّ الوثنيين. وبهذه الطريقة خضع المتضلّع في التوراة للنبوّة الحقّة، واعتبر أنّ المسيح لم يبنِ ملكوته بواسطة المخلَّصين مِن اليهود فقط، بل عزم منذ الأزل على تخليص النّاس جميعاً. ولا ريب أنّ الخالق الأزلي ينفّذ خطّته بأساليبه الّّتي يريدها. فخلاص العالم هو هدف إرادة الله وغاية أعماله. فكيف تنسجم أيّها الأخ مع هذا القصد الإلهي؟ وهل ينطبق عملك مع عمل الله؟ وبماذا تضحّي لأجل تبشير العالم؟

لم يقل يعقوب إنّه لا حاجة للمؤمنين مِن الأمم أن يختتنوا، بل اقترح أَلاَّ يُثقل عليهم بالنواميس (بالشرائع)، وأن يُعطَوا حُرِّية، لأن ليس أحدٌ يقدر أن يعارض عمل الله. ولعل يعقوب تَمنَّى، لو صار كلّ مؤمني الأمم يهوداً، لأنّه لا يفكّر بعهد جديد، بل تكلّم عن إصلاح بيت داود الهابط، ولكنه خضع لإرشاد أخيه الأكبر يسوع ووافق على التطوّر الجديد في الكنيسة المتحرّرة مِن الناموس (الشريعة) القديم.

وأكَّد يعقوب بشدّة مقابل التحرّر مِن الناموس (الشريعة)، أن يمتنع المؤمنون من الأمم عن نجاسات الأصنام والزنى والمخنوق والدم، ألاّ تعتبر هذه الطلبات ارتداداً للفكر الناموسي (الشريعي) كلاّ، لأنّ زعيم الكنيسة يقدّم بهذا النظام الطريقة العمليّة لحفظ الشركة بين المؤمنين اليهود والأمم، لأنّ حفظة الناموس (الشريعة) لا يقدرون أن يأكلوا مع أناس يبيحون المخنوق والدم. فهذه الأنظمة ليس قصدها إتمام الناموس (الشريعة) للتبرير، بل هي حلّ وسط لكيلا تنتهي الشركة بين المؤمنين. فالمحبّة هي الجسر والقصد في هذا الاقتراح، وليست الفريضة الناموسيّة (الشريعية).

وعلم يعقوب أنّ الأمم عرضةٌ للخطر المقبل عليهم، إِنْ هم أقاموا الولائم حول الأصنام بالرقص والفجور، لأنّه علم أنّه سيصعب عليهم الانفصال عن شركة أمتهم. فاقترح عليهم أن يمتنعوا بعزم وثبات عن كلّ نجاسة، لا تنسجم مع التبرير الّذي تمّ لهم على الصّليب. فطلب مِنهم الاعتزال لله. فلا يمكنك أن تخدم الرّبّ والأصنام القديمة أو الحديثة، كما أنّ جسدك هو هيكل للرّوح القدس، وليس وكراً لكلّ نجاسة. وقد أثبت بولس في رسائله بعدئذ هذين الطلبين اللذين تقدّم بهما يعقوب توضيحاً لطرق المحبّة العلميّة (1 كو 10: 21 و6: 18).

وقد رأى يعقوب بجانب كنيسة المتحرّرين مِن الناموس (الشريعة) كنيس اليهود فلم يقدر أن يقفز مِن العهد القديم إلى العهد الجديد، لأنّه رأى في ناموس (شريعة) موسى وحياً متطلّباً الإطاعة، إنّما دلّ الناموسيين (الشريعيين) مِن بين المؤمنين على وجود المجامع اليهوديّة في كلّ مدن العالم، حيث يستطيع كلّ طالب للناموس (للشريعة) أن يستسلم لأحكامه. ولم يعترف يعقوب بهذا البيان أنّ إلى جانب قداسة المسيح قداسة مساوية أو أعلى، كلاّ بل أكرم كلمة الوحي المعطاة لموسى. أمّا نحن فنشكر المسيح، لأنّه حرّرنا بواسطة تعليم بولس مِن العقد الناموسيّة (الشريعية) تماماً، وأرشدنا إلى الناموس (الشريعة) الرّوحي في محبّة المسيح الحال في قلوبنا. فليست الشريعة ضاغطة علينا كواجب مستحيل التَّطبيق، بل الرّوح القدس أصبح فينا الدَّافع للمحبّة فلا نستطيع أن نؤذي أحداً، ونحبّ ربّنا مِن كلّ قلوبنا في الوقت نفسه.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، اغفر لنا حكمتنا الناقصة، ومحبّتنا الصغيرة في علاج الانشقاقات في الكنيسة، وعلّمنا احتمال الإخوة الّذين يحبّونك، ويفهمون بعض الأشياء خلاف فهمنا. فصليبك محورنا وروحك قوّتنا، آمين.

15: 22 حِينَئِذٍ رَأَى الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ مَعَ كُلِّ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَخْتَارُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَيُرْسِلُوهُمَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ مَعَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا: يَهُوذَا الْمُلَقَّبَ بَرْسَابَا، وَسِيلا، رَجُلَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الإِخْوَةِ 23وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ هكَذَا: اَلرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ وَالإِخْوَةُ يُهْدُونَ سَلاماً إِلَى الإِخْوَةِ الَّذِينَ مِنَ الأُمَمِ فِي أَنْطَاكِيَةَ وَسُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ: 24إِذْ قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ أُنَاساً خَارِجِينَ مِنْ عِنْدِنَا أَزْعَجُوكُمْ بِأَقْوَالٍ، مُقَلِّبِينَ أَنْفُسَكُمْ، وَقَائِلِينَ أَنْ تَخْتَتِنُوا وَتَحْفَظُوا النَّامُوسَ (الشريعة) – الَّذِينَ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْهُمْ 25رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ، 26رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلا نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ – 27فَقَدْ أَرْسَلْنَا يَهُوذَا وَسِيلا، وَهُمَا يُخْبِرَانِكُمْ بِنَفْسِ الأُمُورِ شِفَاهاً28لأَنَّهُ قَدْ رَأَى الرُّوحُ الْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لا نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ، غَيْرَ هذِهِ الأَشْيَاءِ الْوَاجِبَةِ: 29أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالّزِنَا، الَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ كُونُوا مُعَافَيْنَ“.

تنتهي كلّ جلسة مؤتمر عادةً بقرار يكتب خطيّاً، ويوافِق عليه الأَعضاء. فماذا كان مضمون المحضر الأوّل في الكنيسة المسيحيّة؟ إنّه:

1 – ذكر الهيئة المرسلة للتقرير، وهي ليست الرسل وحدهم، بل الشيوخ أيضاً، وليس هذان الفريقان وحدهما المسؤولين، بل الكنيسة بأجمعها لأنّها جسد المسيح، وهو وحدة لا انفصام لها. وأيّ قرار لا يوافق عليه الكلّ يسبّب استمرار الاضطراب والضيق والمشاكل.

2 – ذكر المرسل إليهم التّقرير، وهؤلاء ليسوا أعضاء الكنيسة في العاصمة أَنطاكية فقط، بل أيضاً أعضاء الكنائس الصغيرة المتاخمة لأنطاكية وما حولها، وسائر كنائس سورية ولواء الاسكندرون وأضنة. وقد سمّى أعضاء كنيسة أورشليم أبناء هذه الكنائس إخوة، وهذا اللقب يشير إلى المساواة في الحقّ والشّركة في ملكوت أبيهم السماوي، وبهذه الكلمة ألغي الفرق وزالت المشكلة، لأنّ المؤمنين مِن الأصل اليهودي اعتبروا المؤمنين مِن الأمم إخوة حقيقيين.

3 – فحوى الرسالة، ألا وهو السّلام المبني على الفرح النابع مِن خلاص المسيح. فهذه المعاني الثلاثة تتضمنها الكلمة اليونانيّة، الّّتي حيّا الإخوة في أورشليم بها إخوتهم في المسيح من بعيد، فالسّلام بالسرور هو موضوع تبشيرنا، وليس الناموس (الشريعة) والتوبة والتوبيخ إنّنا خدّام فرحكم، مقدّمين لكم ملء الخلاص في المسيح.

4 – وظهر مِن التقرير، أنّ الكارزين بالناموس (بالشريعة)، الّذين ذهبوا إلى الكنيسة في أنطاكية، لم يكونوا مبعوثين مِن أورشليم، ولم يتلقَّوا أمراً بذلك، بل ذهبوا باسمهم الخاص، ليبثُّوا آراءهم الشخصيّة. وقد تأسّفت الكنيسة لتسبب هؤلاء الإخوة بالاضطراب والتورّط، وإنّنا لا نقرأ في المحضر، مثلما كتب بولس عنهم بعدئذ، أَنَّهم إخوة كاذبون (غلاطية 2: 4) إنّما الّذي نقرأه فقط، هو أنّ الرسل في أورشليم لم يفوّضوا إليهم تلك الكرازة، وأنَّ المؤتمر الأوّل في القدسلم يعطهم موافقةً على عملهم المستقل.

5 – وللعجب العجاب أنّ المسؤولين لم يؤلّفوا رسالة عقائدية، ولا تعاليم تفصيليّة، بل قرَّروا بالإجماع أن يختاروا رجلين رصينين يرسلونهما ليفسّرا الفتوى، لأنّ الكلمات المكتوبة ما كانت كافية، بل تحتاج إلى مساندة بكلمة الله المتجسّدة في خدّامه. وهكذا أرسل المسؤولون في أورشليم مع الوصايا الجديدة التفسير لها، ليس بتطويل في الشروح، بل بإخوة ممتلئين مِن الرّوح القدس.

6 – وهذان النّبيان مِن العهد الجديد، لم يذهبا منفردين، بل انطلقا مع برنابا وبولس، اللذين حصلا على إكرام مِن قبل الكنيسة الأورشليميّة، رفعهما فوق كلّ لوم، إذ وصفوهما بكلمة حبيبين. وهذا اللقب استحقَّاه، لأنَّ محبّة الله كانت قد انسكبت في قلبيهما بواسطة الرّوح القدس المعطى لهما. فالمحبّة والسّرور والسّلام والخلاص هي الأسس والقوّة والمبادئ في رجال الله والكنائس، فمِن هذه الفضائل نضجت الشهادة المشهورة لهذين الرسولين. إنّهما بذلا نفسيهما لأجل المسيح واسمه وكنيسته. ونقرأ هنا الكلمة نفسها الّّتي قالها المسيح عن نفسه: “لم آتِ لأُخدَم بل لأَخدم ولأبذل نفسي فدية عن كثيرين. فهذه هي ثمرة محبّة الله الجوهريّة. إنّها تدفعنا إلى التَّضحية بالذّات لأجل الضَّالين، مثلما بذل المسيح نفسه لأجل الخطاة المجرمين. وهذا هو لبّ معنى المسيحيّة.

7 – ونقرأ بعدئذ جملة تكاد تفوق كلّ تفسير، ذلك أَنَّ المسؤولين في أورشليم كتبوا أنَّهم وَالرُّوح القدس اتخذوا معاً هذا القرار. فالرّوح القدس أعلن لهم أن الكنيسة المسيحيّة المتحرّرة مِن الناموس (الشريعة) هي بالتّمام حسب مشيئة الله ، وأنَّ أعضاء الكنيسة ينسجمون مع مسرة الله في هذا التطوّر الجديد. وفي قوّة الرّوح القدس، اعْتَبر المقرِّرون أَنفُسَهم بالدَّرَجةِ نفسِها مِن المسؤوليّةِ مثل الرُّوحِ القدُس، وحَمَلوا طَوعاً المسؤوليَّة عَن هذا القرار، فلم يملك فيهم روح الاتِّكاليَّة، بل إِنَّهُم خُدَّام الرَّبّ ووكلاء أسرار الله    (1 كو 4: 1).

8 – وبعدئذ كتبوا إلى أعضاء الكنيسة، في انطاكية، أن يمتنعوا عن مزج الأديان الممارس في ولائم الذبائح للأصنام، وأن يبتعدوا عن كلّ شبه نجاسة، ويمتنعوا عن أكل المخنوق والدّم، ليستطيعوا الاستمرار مع المسيحيين مِن الأصل اليهودي. وهذه الوصيّة لا تتعلّق بنيل الخلاص، بل بالثَّبات في شركة القدّيسين.

15: 30 فَهؤُلاءِ لَمَّا أُطْلِقُوا جَاءُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَجَمَعُوا الْجُمْهُورَ وَدَفَعُوا الرِّسَالَةَ31فَلَمَّا قَرَأُوهَا فَرِحُوا لِسَبَبِ التَّعْزِيَةِ 32وَيَهُوذَا وَسِيلا، إِذْ كَانَا هُمَا أَيْضاً نَبِيَّيْنِ، وَعَظَا الإِخْوَةَ بِكَلامٍ كَثِيرٍ وَشَدَّدَاهُمْ 33ثُمَّ بَعْدَ مَا صَرَفَا زَمَاناً أُطْلِقَا بِسَلامٍ مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى الرُّسُلِ 34وَلكِنَّ سِيلا رَأَى أَنْ يَلْبَثَ هُنَاكَ 35أَمَّا بُولُسُ وَبَرْنَابَا فَأَقَامَا فِي أَنْطَاكِيَةَ يُعَلِّمَانِ وَيُبَشِّرَانِ مَعَ آخَرِينَ كَثِيرِينَ أَيْضاً بِكَلِمَةِ الرَّبِّ.

كانت نتيجة رحلة برنابا وبولس إلى أورشليم، أنّ المؤتمر هنالك اتخذ قراراً بإرسال أخوين إلى أَنطاكية برسالة ليقرأاها هنالك، وكان يهوذا وسيلا نبيّين علّما مستمعيهما في إلهام مباشر مِن الرّوح القدس، الّذي أثبت الانسجام الكامل بين المسيحيين اليهود والمسيحيين الأمم.

فاستمرّ الفرح والسّلام في الكنيسة الأَنطاكيَّة، وعادت الأفكار لواجبها المقدّس، ألا وهو تبشير الأمم. فالشَّيطان يحاول دائماً أن يهزّ الكنائس بواسطة الانشقاقات في التعليم ويحاول إبعاد المؤمنين عن هدف تبشير العالم. ولكن حيث يخضع الفرقاء إلى جذب روح الحقّ، فسرعان ما يتّحدون ويتّجهون إلى الوجهة الإلهيّة المبدئيّة، وهي تبشير الأمم، وخلاص الضالين، وامتلاء الطالبين بالرّوح القدس.

فالسّؤال الموجَّه لكلّ كنيسة هو: هل تختصمون أَم تبشِّرون معاً؟ أسرعوا بحلّ مشاكلكم، لأَنَّ ربّكم لم يَدْعُكُم للخلاف، بل إلى نشر بشرى الخلاص في محيطكم، فَهل تريدون منع انطلاق موكب انتصار المسيح بسبب عنادكم وكبريائكم؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، اغفر لنا كلّ تباطؤ في التبشير، وسامحنا بحكمتنا الناقصة في حلّ الخلافات في الكنيسة، وتجاوز عن كبريائنا وعنادنا، فلا نطلب شرف أنفسنا، بل ننشر معاً ملكوتك، ونمجّد اسمك، وندعو بانتصارك، لكي يخلص كثيرون في محيطنا.

ثالثاً: السَفرة التبشيريّة الثانية

(15: 36 – 18: 22)

1انفصال بولس عن برنابا

(15: 36 – 41)

15: 36 ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ بُولُسُ لِبَرْنَابَا:لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ، كَيْفَ هُمْ 37فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ يَأْخُذَا مَعَهُمَا أَيْضاً يُوحَنَّا الَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ، 38وَأَمَّا بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ الَّذِي فَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا لِلْعَمَلِ، لا يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا 39فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حتّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ 40وَأَمَّا بُولُسُ فَاخْتَارَ سِيلا وَخَرَجَ مُسْتَوْدَعاً مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى نِعْمَةِ اللّهِ 41فَاجْتَازَ فِي سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ يُشَدِّدُ الْكَنَائِسَ.

حيث تكون دعوة الله تتحقّق قوّته في رسله، وحيث لا يكون الخادم الرّوحي مدعوّاً من ربّه تبقى خدمته ميتة ووظيفته مميتة، خراباً بلا قوّة. فبولس لم يقدر أن ينام مرتاحاً طوال الوقت في كنيسة أنطاكية المزدهرة، لأنّه رأى أمام عينيه الأولاد الرّوحيين في الأناضول، الّذين ولدهم الرّوح القدس ثانية بواسطة كرازته، وقد عاشوا أحداثاً بالإيمان في محيط عدائي. فاجتذب بولس جميع الإخوة في الكنائس المتفرّقة في أنحاء سورية وآسيا الصغرى ليسقي واحات السّماء في صحارى العالم.

لم يقل بولس: أنا أذهب وحدي، بل: لنذهبْ معاً، عالماً أنّ الرّوح القدس اختاره وبرنابا معاً للخدمة المشتركة، وأنّه بارك هذه الخدمة المشتركة مباركةً تفوق الإدراك بقوّة وسلطان وثمار. وبرنابا الأكبر في هذه الفرقة، كان مستعدّاً أن يرافق بولس مرّة أخرى في هذه السفرة التبشيريّة الثانية المتعبة، بطرقها الطويلة وأخطارها الجسيمة وضيقاتها واضطهاداتها. ولم يحصل إعلان مِن الرّوح القدس هذه المرّة بسَفر الرسولين للخدمة، بل كان مجرّد اقتراح مِن بولس نفسه، الّذي تشوّق، بقلبه المنفطر على الكنائس، إلى رؤية الإخوة مرّة أخرى.

ولعلّ برنابا شاء أن يسافر أوّلاً كسابق عهده إلى قبرس وطنه، حيث لا نقرأ شيئاً عن تأسيس كنيسة فيها. لكنّ بولس لم يرد الطَّرق في الحديد البارد، بل أراد التقدّم رأساً إلى الحقول الخصبة. وربّما حصلت قبيل تلك الأيام الحادثة الأليمة المذكورة في غلاطية 2: 18 لمّا خالف الرسولان برنابا وبطرس ضميريهما، وسايرا المسيحيين مِن اليهود، وامتنعا عن العشاء مع الأمميين، فحصلت شقّة عميقة الجذور؛ لأنّ هذين الرَّسولَين عصيا حرّية الإنجيل في سبيل محبّة الناموس (الشريعة) خوفاً مِن ألسنة المتعصّبين في القدس.

وأخيراً لمّا أراد برنابا أن يأخذ يوحنّا مرقس ابن اخته، للمرّة الثانية، في سفرتهما التبشيريّة، ليمرّنه على خدمة الإنجيل، انفجر بولس نهائيّاً ووقعت مخاصمة كبيرة بين الأخوَين المختبرين، لأنّ رسول الأمم رأى في الشاب مرقس جباناً وضعيفاً، ممّا يشكّل خطراً على الخدمة ويمنع البركة. فعاند بولس حتَّى إِنَّه لم يسمع لكلمات برنابا الأبوي الوسيط، فلم يجد برنابا حَلاً، إلاّ أن يأخذ ابن اخته ويبحر معه إلى قبرس. وبهذه الطريقة أثبت برنابا نفسَه مرّةً أُخرى كهمزة وصل مباركة بين خادم مهمّ لملكوت الله والكنيسة، مثلما كان قبلاً قد أدخل شاول الحديث بعد اهتدائه إلى حلقة الرسل الخائفين منه. وبارك الرَّبُّ مرافقة برنابا لمرقس حتّى صار بشيراً شهيراً. ولا نسمع في سِفر أعمال الرسل بعد هذه الحادثة شيئاً عن مرقس، ولكنّنا نجد في رسائل بولس أنّه قبل مرقس الرصين في رفقته. ولعلّ هذا كان بعد موت برنابا، فأصبح مرقس شريك بولس، وبعدئذ شريك بطرس أيضاً، وكتب الإنجيل الفعّال المُسمَّى باسمه.

وعلى أثر الخصومات نشأت فرقتان تبشيريتان، وكان الحقّ مع كلتيهما. ولكنّ محبّة الله عظمت في التسامح والبركة المتبادلة، واختار بولس سيلا المؤمن اليهودي مِن أورشليم رفيقاً له، لأنّ المؤتمر الرسولي عيَّنه شاهداً لصحة رأي بولس، وأرسله إلى أَنطاكية معه ليثبِّت حَيرة المؤمنين الأمم مِن الناموس (الشريعة). وكان لسيلا أيضاً رعويّة رومانيّة ساعدته كثيراً برحلاته في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان هو شريكاً في كتابة الرسالة إلى تسالونيكي؛ وقبلها تعلّم مع بولس احتمال الآلام في السجون. ونقرأ بعدئذٍ في وقتٍ رُبَّما كان فيه بولس سجيناً، أنّ سيلا رافق بطرس في تجواله لتفقّد الكنائس المتروكة (1 بطرس 5: 12). وهنالك نقرأ أيضاً عن لقاء مرقس، وانضمامه إليهما، ممّا يُطْلِعُنا على الحركات الغريبة الهامَّة في إِرشاد الرُّوح القدس ضِمنَ تطوُّر الكنيسة في العالم.

تألّم الإخوة الأَنطاكيُّون كثيراً مِن المخاصمة بين برنابا وبولس، وصلَّوا باستمرار لأنّهم شعروا بالحقّ مع بولس، وأدركوا المحبّة في برنابا الأبوي؛ فطلبوا مِن المسيح الحيّ لكليهما الغفران والتفويض والتقويّة للخدمة، لكي تظهر بركة الرّبّ في الفرقتين. ولا نقرأ أَنَّ الشُّيوخ وضعوا الأيادي على المسافرين، بل أنّهم قد سافروا تلقائيّاً تتميماً لسفراتهم الأولى في قوّة الرّبّ.

ابتدأ بولس رحلته التبشيريّة الثانية الطويلة، ولم يعرف الهدف ولا النهاية ولم يخطّط لها، إلاّ أنّه كان يشتاق لزيارة الكنائس في سورية الشماليّة وفي مناطق طرطوس، حيث تأسّست بواسطة خدماته كنائس متعدّدة. ولم نعرف المراكز ولا أسماء هذه الكنائس؛ ولكنّنا نفرح أنّ الرّبّ أوجد في المدن بين أنطاكية وآسيا الصغرى منارات لإنجيله وسط الظلمات الدامسة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، نشكرك لأنّك غفرت للإخوة المتخاصمين ذنوبهم، وقدَّستهم للخدمة الجديدة. املأنا بالعزم للتَّبشير وقوِّنا، لكيلا نبقى مسترخين في كنائسنا، بل ننطلق لنشر إنجيل خلاصك، كما يُرشدنا روحك القدُّوس. آمين.

2تقوية كنائس سوريا والأناضول

 واختيار تيموثاوس للخدمة

 (16: 1 – 5)

16: 1 ثُمَّ وَصَلَ إِلَى دَرْبَةَ وَلِسْتِرَةَ، وَإِذَا تِلْمِيذٌ كَانَ هُنَاكَ اسْمُهُ تِيمُوثَاوُسُ، ابْنُ امْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ وَلكِنَّ أَبَاهُ يُونَانِيٌّ، 2وَكَانَ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ الإِخْوَةِ الَّذِينَ فِي لِسْتِرَةَ وَإِيقُونِيَةَ 3فَأَرَادَ بُولُسُ أَنْ يَخْرُجَ هذَا مَعَهُ، فَأَخَذَهُ وَخَتَنَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي تِلْكَ الأَمَاكِنِ، لأَنَّ الْجَمِيعَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَبَاهُ أَنَّهُ يُونَانِيٌّ 4وَإِذْ كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي الْمُدُنِ كَانُوا يُسَلِّمُونَهُمُ الْقَضَايَا الَّتِي حَكَمَ بِهَا الرُّسُلُ وَالْمَشَايِخُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ لِيَحْفَظُوهَا 5فَكَانَتِ الْكَنَائِسُ تَتَشَدَّدُ فِي الإِيمَانِ وَتَزْدَادُ فِي الْعَدَدِ كُلَّ يَوْمٍ.

صعد بولس مِن طرسوس المدينة الباهرة بمدرجها وجامعاتها، إلى جبال طوروس العالية الوعرة، ومضى مسافات طويلة على قدميه، في سهول الأناضول المرتفعة الحارّة الجافة، حتّى وصل بعد عناء كبير إلى دربة. وَلَئِنْ وجدنا في هذا المبشّر شوقاً جامحاً إلى كنائسه، حتّى إنّه لم يدّخر لنفسه أمناً مِن الأخطار، وغايته أن يرى أحبّاءه، فكم بالحريّ يشتاق الرَّب إلينا ليتّحد معنا إلى الأبد لأنّه فدانا على الصّليب، وهذا يؤكّد لنا مجيئه في أقرب وقت.

وفي دربة قوّى بولس وسيلا الأعضاء، وأخبراهم عن الكنيسة المصلّية في انطاكية،     وثبّتاهم في حرّيتهم مِن الناموس (الشريعة) الّّتي وافقت الكنيسة الأصليّة في أورشليم عليها. وكان سيلا عضواً مبعوثاً مِن تلك الكنيسة، فأصبح قولهما رسميّاً، كما أنّ سيلا، كنبيّ مِن الرّوح القدس، أعلن مباشرةً أَنَّ الأمم يتجدّدون بالنّعمة بدون حفظ الناموس (الشريعة)، وينالون حلول قوّة الرّوح القدس مجّاناً بدون أعمال الإنسان، وإِنَّما بالإيمان بالمسيح، الأمر الّذي كان عظيماً وجذريّاً وجوهريّاً، حتّى إِنَّ المستمعين كلّهم انفتحوا لروح النّعمة النابعة مِن العهد الجديد.

ولمّا وصل المبشّران إلى لسترة، وجدا هناك شاباً اسمه تيموثاوس، وقد أصبح مؤمناً في رحلة بولس السابقة، لمّا رُجم في تلك المدينة، وكان الشّاب ابن يوناني وأمّه يهوديّة. وامتاز هذا المؤمن الجديد بنار المحبّة والحكمة اللطيفة، حتّى أنّه قوىّ الكنائس وشجّعها ووحّدها، وبناها دون تفويض سابق مِن الرسل. وقد سافر أيضاً إلى إيقونية وزار الإخوة هناك، فكان معروفاً عند جميع المسيحيّين، واعترفوا به كخادم أمين للمسيح.

وشعر بولس، ببصيرة الرّوح القدس، أنّ هذا الشّاب يستطيع مساعدته، ودعاه شريكاً في سفراته الطويلة الخطيرة. وحقّاً ليس أحد رافق الرسول المعذّب أميناً كتيموثاوس، حتّى سمّاه بولس ابنه الأمين الّذي بنى النُّفوس في الكنائس الحديثة في فيلبي وكورنثوس وفي أماكن أخرى، حيث لم يقدر الرسول أن يمكث طويلاً، فأصبح تيموثاوس مكمّلاً عمل بولس (فيلبي 2: 20 و1 كو 4: 17). والأغلب أنّه بعد موت بولس صار تيموثاوس خليفة الرسول في الكنيسة الكبيرة في أفسس، فمارس هناك ما كان قد كتبه الرسول إليه في رسائله. وأصبحت هذه الرسائل المرشدة أساساً لبنيان الكنائس حتّى اليوم.

 وطفحت في دعوة هذا الشاب النشيط تيموثاوس كرفيق لبولس مشكلة عويصة، لأنّ أمّه كانت يهوديّة وأباه يوناني، فحسب الشريعة اليهوديّة آنذاك، كان هذا الزواج غير شرعي، واعتبر الشّاب لذلك ابناً غير شرعي. فختن بولس لتيموثاوس لم يكن لتبريره أو تقديسه، بل لكيلا يعثر اليهود بنقدهم إيّاه. فأصبح الشاب متهوداً معترفاً به لرعويّة أمّه، واستطاع أن يشترك مع اليهود في الحياة الاجتماعيّة، كما كان في الوقت نفسه يونانيّاً يخدم اليونانيين بتبشيره. فلم يكن ما فعله بولس مِن ختن تيموثاوس ارتداداً إلى عبوديّة الناموس (الشريعة)، بل تقدُّماً في سبيل المحبّة الأمم وليس لربح بل ليربح اليهود، ختن تلميذه فالتَّبشير لا يتقيَّد بقالب جامد، بل يتمشّى مع حريّة المحبّة المضحِّية المتفانية بالخدمة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنَّك ولدت تيموثاوس ثانية ابناً روحيّاً لك، وملأته بمواهب روحك القدّوس، ليبني كنائسك، ويستعدّ للسَّفَر التَّبشيري الصَّعْب. ساعدنا أن نتبعك أيضاً، ونشترك في بناء كنيستك بأمانة، ونربح نفوساً باسمك ما دام الوقت يسمح الخدمة.

3ممانعة الرّوح القدس للرسل

 في التوجّه لبعض الأمكنة

 (16: 6 – 10)

16: 6 وَبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاطِيَّةَ، مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا 7فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ 8فَمَرُّوا عَلَى مِيسِيَّا وَانْحَدَرُوا إِلَى تَرُوَاسَ 9وَظَهَرَتْ لِبُولُسَ رُؤْيَا فِي اللَّيْلِ: رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا! 10فَلَمَّا رَأَى الرُّؤْيَا لِلْوَقْتِ طَلَبْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، مُتَحَقِّقِينَ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَعَانَا لِنُبَشِّرَهُمْ.

يمتحن المسيح أحياناً مرسليه بامتحانات ثقيلة، وأحدها صمته عن صلواتهم أو رفض تخطيطاتهم، رغم طلباتهم الملحّة المستفهمة.

لقد اجتاز بولس وسيلا وتيموثاوس معاً الكنائس في دربة ولسترة وقونية وأَنطاكية الأناضوليّة، ووعظوا وكرزوا ووصلوا أخيراً إلى حدود خدمتهم السابقة، فبهذا انتهت خطّة بولس الأصليّة، أن يزور الكنائس الحديثة لتقويتها (15: 36) فماذا يفعلون؟ أيرجعون أَمْ يتقدّمون؟

فصلّى هؤلاء المبشّرون ليرشدهم الرّبّ. هل كان يريد أن يقتحموا أفسس العاصمة المهمة لمحافظة آسيا التابعة للرومان؟ لقد مانع الرّوح القدس، قائلاً لا. وهل يرجعون؟ قال لا. هل يبقون في إيقوينة لا لا إنّه ليس لرجال الله تخطيط خصوصي. ولربّما فضّل بولس أن يذهب إلى أفسس، مركز المحافظة الرومانيّة، ولكنّه لم يتجرّأ على السفر، لئلاّ يكون معارضاً لمشيئة ربّه، بل طلب مِنه إرشاده باستمرار، عالماً أنّ كلّ تقدّم في ملكوت الله بدون أمر الرّبّ خطيئة مستوجبة الفشل الذريع.

وسيلا كان نبيّاً (15: 32) وتكلّم الرّوح القدس بواسطته مباشرة كما أن هذا الرّوح أثبت سابقاً للمؤمنين مِن الأمم حرّيتهم مِن التبعيّة للناموس (للشريعة). ولكن حتّى سيلا لم يسمع جواباً مِن الله، أين يذهبون، وماذا يعملون؟ فكلّ تخطيطاتهم شطبها روح الله. وأخيراً تقدّموا إلى الشمال متكلين على الله. ومِن ثمّ شرقاً نحو غلاطية، ومِن ثمّ غرباً، ومِن هنالك اتّجهوا إلى الشمال مرَّةً أُخرى، فوصلوا بعد السفر المرهق، وفي إرشاد خفي مِن الرّوح القدس، إلى شاطئ البحر المتوسط عند ترواس، حيث وقف البحر نصب أعينهم فلم يستطيعوا تقدّماً أكثر.

ولم يتكلّم الله إليهم. فلماذا يا ترى؟ ولربّما راجعوا أفكارهم، وتصوّروا المشاجرة مع برنابا وانفصالهم عنه بسبب مرقس، فهل ارتكبوا بذلك خطأ، فأحزنوا الرّوح القدس ولذلك ابتعد عنهم؟! ولربّما فكّروا في ختن تيموثاوس، هل كانت هذه العمليَّة مضادة للحرية مِن الناموس (الشريعة)، وانحصرت قوّتهم الرّوحيّة؟ أم لعلّ تشكيلة فرقتهم لم تحز مرضاة الرّبّ أو ارتكب أحدهم خطيئة ما؟ أو أخطأوا في بعض مبادئ تبشيرهم؟ فدفعت هذه التساؤلات القدّيسين إلى التوبة والانكسار والصّلوات الحارّة وتمسّك الإيمان بالنّعمة فقط؛ فأدركوا مِن جديد أنّه لم تكن إطاعتهم للمسيح ولا عصمتهم سبباً للبركة والثِّمار وجريان قوّة الله فيهم، بل نعمة المسيح وحدها الّّتي اختارتهم ودعتهم وعيَّنتهم وقدَّستهم وحفظتهم، فلا فضل للمبشّرين البتّة، ولا بسلوكهم ما يكفل استمرار العمل، إنّما الإيمان في نعمة المصلوب المجانيّة هو الّذي يسبّب الثمار والشُّكر والاطمئنان. فدم المسيح يُطهِّرنا مِن كلّ إثم، ويحفظنا في شركتنا مع الله. فالمصالحة على الصّليب هي وحدها سبب سلطان خدّام الرّبّ.

وبعد كفاحات الإيمان الطويلة في ليالي امتحان الأنفس، وبعد الانكسار في التوبة التامّة، كلّم الله بولس فجأةً في الحلم. فرأى النائم رجلاً في لباس مكدوني على شاطئ البحر الثاني، صارخاً ومنادياً: تعالوا اعبروا إلى مكدونية وساعدونا. فلم يظهر المسيح لرسول الأمم، بل فلاّح بسيط طالب الخلاص معبّر عن حاجته. وهذه الدعوة إلى الخلاص تمثّل حاجة أوروبّا كلّها إلى نور الشرق، وليس العكس.

عندئذ تحاور الرجال الثلاثة عن معنى الحلم، وأدركوا في يقين الرّوح القدس أنّ يسوع لا يريدهم في آسيا، بل يرسلهم نحو الغرب، صوب روما. ففهموا معاً الحلم كدعوة إلهيّة وأمر للتبشير بالإنجيل في أمّة الاسكندر الكبير.

ابتدأ هؤلاء المبشّرون فوراً بتلبية الدعوة، باحثين عن سفينة مقلعة. ولم يدرسوا اللغة المكدونية، ولم يسألوا عن معارف ووسطاء هنالك، بل انطلقوا رأساً، حيث تكلّم الرّوح القدس إليهم أخيراً بعد صمت طويل، وأثبت نعمته مانحاً إيّاهم نوراً وإرشاداً إلى أفق جديد.فالآن زال عنهم غمُّهم، وطغا الفرح العميم؛ فأبحروا مهلّلين مترنّمين، لأنّ عاصفة محبّة الله هبّت مِن جديد في شراعهم.

ابتدأ مِن العدد 10 يُسطّر المؤلّف كلامه بصيغة “نحن” دالاً على أنّ لوقا الطبيب قد انضمّ إليهم في ترواس في الوقت المناسب، الّذي قيّضه الله قبل الانطلاق للحصاد في البلدان الجديدة أثناء هذه الرحلة الثانية. فنسمع مِن الآن فصاعداً الأخبار مِن شاهد عيان عن عجائب المسيح الحيّ، الّّتي حقّقها بواسطة عبيده بموكب انتصاره في أوروبّا.

فتأكّد لوقا أنّ الرّبّ قد وحّده مع الرجال الثلاثة، ليمجّدوا معاً اسم الله. ولربّما عرف بولس مِن قبل لمّا كان في انطاكية – سورية، فتعاونّا الآن على فتح أوروبا للمسيح.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك، مع الرجال الثلاثة، لأنّك دعوتنا نحن الفاشلين غير المستحقّين، لنمجّد اسمك في محيطنا. احفظنا مِن الخطوات غير المتزنة، وقدّس مقاصدنا، لكي نفعل مشيئتك، وندرك الوقت والمكان اللَّذَين نستطيع أن نمجّدك فيهما.

4إنشاء كنيسة فيلبي

(16: 11 – 40)

16: 11 فَأَقْلَعْنَا مِنْ تَرُوَاسَ وَتَوَجَّهْنَا بِالاسْتِقَامَةِ إِلَى سَامُوثْرَاكِي، وَفِي الْغَدِ إِلَى نِيَابُولِيسَ 12وَمِنْ هُنَاكَ إِلَى فِيلِبِّي، الَّتِي هِيَ أَّوَلُ مَدِينَةٍ مِنْ مُقَاطَعَةِ مَكِدُونِيَّةَ، وَهِيَ كُولُونِيَّةُ فَأَقَمْنَا فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ أَيَّاماً 13وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ خَرَجْنَا إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ عِنْدَ نَهْرٍ، حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ تَكُونَ صَلاةٌ، فَجَلَسْنَا وَكُنَّا نُكَلِّمُ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي اجْتَمَعْنَ 14فَكَانَتْ تَسْمَعُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا لِيدِيَّةُ، بَيَّاعَةُ أُرْجُوانٍ مِنْ مَدِينَةِ ثَيَاتِيرَا، مُتَعَبِّدَةٌ لِلّهِ، فَفَتَحَ الرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ 15فَلَمَّا اعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً:إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِالرَّبِّ، فَادْخُلُوا بَيْتِي وَامْكُثُوا فَأَلْزَمَتْنَا.

إنّ عاصفة محبّة الله دفعت سفينة رسله مباشرة مِن آسيا إلى أوروبا. وحيث كانت السَفرة عادة تستغرق خمسة أيام بلياليها، فقد وصلت السفينة على غير عادتها في يومين، ولم يبق بولس في ميناء المدينة الساحليّة، بل انطلق رأساً إلى مدينة فيلبي مركز المحافظة.

انتصر أوغسطوس القيصر على قتلة يوليوس قيصر، حين تعقبهم إلى هذه المدينة الّّتي حصلت في سهولها تلك المعركة الهائلة الشهيرة، وبعدئذ نهض بفيلبي ووسّعها وزيّنها وحرّرها مِن الضرائب، وجعلها منجعاً للجنود المتقاعدين، فشابهت هذه المدينة مدينة أَنطاكية السُّورية في جوّها ونظام حكمها.

ولقد كان بولس متوتّر الأعصاب، متشوقاً للقاء الرَّجل المقدوني الّذي رآه في الحلم. وللعجب فإنّه ما وجد أحداً يهتمّ بالمسيح وخلاصه. فالكلّ كان هدفهم التمتّع والرّاحة. ولم يجد خدّامُ المسيح يهوداً، لأنَّ المدينة كان يخيّم عليها الطابع العسكري وليس النشاط التّجاري، فتساءل الرجال فيما بينهم، هل كان الحلم هاجساً والدّعوة انعكاساً لأمانيهم الخاصّة؟

وقد علم بولس أنّ اليهودَ في المدن الّّتي ليس فيها كنيسٌ يجتمعون يوم السَّبت عند مسيل المياه خارج المدينة للغسولات، ولإجراء طقوس الصّلاة المشتركة. فتقدّم الرسول إلى نهر “كنكيتس” على بعد كيلو مترين خارج المدينة. وحقّاً فقد اجتمعت نسوة مِن اليهود واليونان للصّلاة المشتركة. ولمّا رآهن بولس، تساءل ما لي وللنساء؟ لقد رأيت رجلاً في الحلم، وليس امرأة. أنا لا أفتش عن نساء غريبات.

والرّوح القدس جعل رسول الأمم متواضعاً، فلم يميز بين غني وفقير، كبير أو صغير، رجل أو امرأة، حرّ أو عبد، أبيض أو أسود؛ بل أشبع كلّ نفس جاعت إلى كلمة الإنجيل، فكلّم النساء الجالسات بملء الخلاص.

وكان بين المستمعات تاجرة بائعة أرجوان، وهي في الأصل مِن مدينة ثياتيرا في آسيا الصغرى، البلد الّذي منع الرّوح القدس مرسليه أن يبشّروا فيه. ولكن ها هي ذي الآن في مدينة فيلبي المكدونية تستمع إلى بشرى الخلاص. إنّها غنيّة وتتاجر بأثمن بضاعة آنذاك: صناعة الأرجوان. وهي نشيطةٌ قادرةٌ على تمييز النّاس، فأدركت سريعاً قوّة الله الجارية مِن الرسل، وشعرت بصوت الله، مصغيةً إلى الإنجيل بكلّ انتباه. عندئذٍ فتح الرّبّ قلبها، فاستنارت وولدت ثانية في الحال ولادة روحيّة، ليس لصلاحها الشَّخصي، بل لأنّها استمعت وجاعت إلى كلمة الله. فالإنجيل يجدّد حتّى اليوم قلوب طالبي برّ الله، فيحلّ روح الحقّ في الّذين يخضعون له.

وليديا كانت ترتدي الملابس الحديثة تبعاً للموديل. كانت ذكيّة خبيرة، فأدركت رأساً لبّ الخلاص، وطلبت المعموديّة، لأنّها آمنت أنّ يسوع هو ابن الله الّذي غفر ذنوبها على الصّليب؛ فخضعت تحت ماء المعموديّة، وامتلأت مِن الرّوح القدس، واختبرت المحبّة والحقّ والحياة الأبديّة.

وللعجب فإنّ بولس، لم يعمّد هذه المرأة وحدها، بل كلّ بيتها أيضاً، المتضمّن زوجها وأولادها وعبيدها ومساعديها في العمل جميعاً. فوثق بولس في قدرة روح الله أنّ المستنارة تنير غيرها أيضاً، والموهوبة بمحبّة الله تجعل مِن الأنانيين خدّاماً للرّبّ عمليّاً. ما أوسع قلبك يا بولس! فليس عندك درس طويل تمهيداً للتعميد، بل جرأة لتسليم جماعة كاملة للمسيح، متّكلاً عليه أنّه سيكمل العمل المبتدئ. فعلم بولس أنّه ليس هو، بل المسيح يخلّص المؤمنين.

وبعدئذ طلبت المؤمنة الغنيّة مِن بولس ورفقائه الثلاثة، أن يسكنوا في بيتها، ويمكثوا عندها مدّة، ويفتحوا في بيتها مركزاً للتبشير. ولكنّ بولس لم يرد قبول هذه المساعدة، وفضّل أن يشتغل هو وزملاؤه بأيديهم، ليكسبوا قوتهم. ولكنّ التّاجرة الشَّاطرة ألّحت على رجال الله حتّى استسلموا لطلبها، وبقوا ليقوّوا المتجدّدين. فقبل بولس المكوث عندها واستضافتها إياهم. هكذا تغلّبت محبّته على ما اعتاده، لأنّ المحبّة هي مبدؤه الأهمّ.

لقد رأى بولس في الحلم رجلاً. لكنّ الشخص المهتدي كان امرأة. وأتى الرسول مِن دين يعطي السّيطرة للرجال. أمّا في أوروبا، فقد اختار المسيح أَوَّلاً امرأةً. ونرى في هذه التطورات رموزاً لحرية المرأة، وقدرة الرسول على أن يصغي إلى إرشادات الرّوح القدس؛ وبواسطة إطاعة الرَّسول أتى الإنجيل إلى أوروبا، والثّمرة الأولى كانت امرأة مؤمنة بائعة أرجوان.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، نشكرك لأنّك فتحت قلب السيدة ليديا، وجاوبت اشتياقها بانسكاب روحك فيها. اغفر لنا تفكيرنا المحدود، ووسّع صدورنا في سبيل التواضع والمحبّة، لكي نُسمّع أيضاً البنات والسّيدات حقّ الإنجيل بكلّ طهارة وحكمة.

 16: 16 وَحَدَثَ بَيْنَمَا كُنَّا ذَاهِبِينَ إِلَى الصَّلاةِ، أَنَّ جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ اسْتَقْبَلَتْنَا، وَكَانَتْ تُكْسِبُ مَوَالِيَهَا مَكْسَباً كَثِيراً بِعِرَافَتِهَا 17هذِهِ اتَّبَعَتْ بُولُسَ وَإِيَّانَا وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: هؤُلاءِ النَّاسُ هُمْ عَبِيدُ اللّهِ الْعَلِيِّ الَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ الْخَلاصِ 18وَكَانَتْ تَفْعَلُ هذَا أَيَّاماً كَثِيرَةً، فَضَجِرَ بُولُسُ وَالْتَفَتَ إِلَى الرُّوحِ وَقَالَ: أَنَا آمُرُكَ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا فَخَرَجَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.

العالم ممتلئ بالشياطين، حتّى أنّ الرسول يوحنّا قال: العالم كلّه قد وُضع في الشرّير. ونرى سلطة الشياطين الماكرة اليومَ جهراً. وفي زمن يسوع تراكض الملبوسون المظلمون إلى النّور الأصيل، وصرخوا: ما لنا ولك أنت قدّوس الله. أتيتَ لِتُهلكنا. هكذا اجتذبت العرّافة بتأثير روح بولس ومحبّة رفقائه، فصرخت: انتبهوا يا أناس! هؤلاء الرِّجال رسل الله العلي الّذين يرشدونكم إلى الخلاص مِن الأرواح والموت.

كانت العرَّافة معروفة في كلّ المدينة والنّاس يبتسمون لها، ويخافونها في الوقت نفسه. وكثيرون أصغَوا بانتباه لإعلاناتها، وسقطوا في قبضة الشيطان لأجل استفهامهم عن مستقبلهم مِن العرافة. أيّها الأخ ننصحك ألاَّ تذهب إلى عرَّافة أو شيخ ليشفياك، لأنّ إيمانك بهما يربطك بأرواحهما! استاءَ بولس مِن عبارات الملبوسة. لماذا؟ لقد اشمأزّ مِن الصوت الغريب الطالع مِن أعماقها، ولم يعتبر بولس كلامها دعاية صالحة لإنجيله، ولم يُرِدْ اجتذاب اهتمام المدينة كلّها لتبشيره بواسطة هذا الرّوح المضل.

وعرف بولس أيضاً أن روح الشيطان ليس هو روح المسيح، إنّما هو أمكر الماكرين،

وأكذب الكاذبين. فلم يَشأْ بولس قَطّ أن يسند تبشيره إلى روح العرافة، حتّى ولو أبرزت كثيراً مِن الحقائق في سبيل كذبها.

فإلهنا ليس الإله العلي بين آلهة وأرواح وجنّ، بل هو الإله الواحد ولا إله غيره. في ذلك الزّمان، آمن العالم اليوناني بكثير مِن الآلهة والأرواح، فعنت دعاية الجارية خراب الإيمان بالله الوحيد في الإنجيل.

وإضافةً إلى ذلك، لم يعرف روح الشيطان الله الوحيد في جوهره. فلم يعرفه أنّه الآب القدّوس، وأن ابنه يسوع المسيح يجلس عن يمينه مالكاً معه في وحدة الرّوح القدس على أساس الفداء بالصّليب. وأيضاً لم يعترف الرّوح الشرّير أنّ بولس ورفقاءه هم أبناء الله، وليسوا عبيده فقط، لأنّ الخلاص الحقّ لا يحرّرنا مِن الخطيئة والموت والشيطان فقط، بل يمنحنا التبنّي والولادة الثانية كأولاد الله.

هكذا أنكر الرّوح الشرّير الله ولبّ الخلاص، رغم أنّه تكلّم عن الخالق وفدائه، جاعلاً مِنه أمراً مدهشاً، على عكس غاية المسيح الّذي يريد الهدوء والتأمّل، لأنّ بهما يتوب الإنسان، ويسمع كلام ربّه ويتأمّله بإيمانه فيخلص.

وأدرك بولس استعباد البنت مِن الرّوح الشرّير، ورأى نفسها المعذّبة، واشمأزّ مِن نجاسة الشيطان وإضلاله الملايين، فرحم الرسول المسكينة، وطرد الرّوح الشرّير مِنها بأمره إيّاه بالخروج مِنها.لم يقدر بولس أن يُخرج الرّوح الشرّير باسمه هو، كما كان يفعل المسيح. كلا بل إِنَّ رسول الأمم اعترف أنّه عاجزٌ وغير مقتدر، وأنّ يسوع المسيح هو المخلّص الوحيد، فأمر الرّوح النجس أن يخرج باسم المسيح يسوع.

وحقّاً فإنّ هذا الاسم الفريد يسوع معروفٌ في جهنّم. فالنّاس الأغبياء هم عميان ومتديّنون بتعصّب وجهل، ولا يعرفون حقيقة الله ولكن في كلمة بولس ظهر مَن هو الرّبّ الحقّ، أنّه يسوع المسيح الحيّ. فلم يستخدم بولس دعاية الشيطان إسناداً لتبشيره، بل أخرج بإنجيله الرّوح الشرّير مِن المعذّبة، وخلّصها في عمق نفسها.

وحتّى الآن فإنّ لاسم يسوع قوّة عظيمة. ولكن ليس لنا أن نستخدم هذا الاسم

 حسب أهوائنا، بل ننتظر بتواضع إرشاد الرّوح القدس، لأنّ بولس لم يخرج في لقائه الأوّل بالفتاة الشيطان مِنها، بل بعد أيام كثيرة. وبعد صلوات متعدّدة استيقن أنّ يسوع نفسه أراد هذا الأمر، فتحقّق ذلك بجملة واحدة قاطعة: باسم يسوع. وحتّى اليوم يستطيع جماعة مِن المصلّين السالكين في حماية روحه إخراج الأرواح النجسة. فاحترس أيّها الأخ مِن أن تفعل شيئاً باسمك الشخصي، متلاعباً بأفكارك. ولا تستخدمَنَّ اسم يسوع كتجربة لتحقيق رغباتك، بل اخضع للإنجيل وروحه، فتر عظمة الرّبّ تتحقّق حولك وفيك.

الصلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك ونسجد لك لأنّك حرّرت المرأة الملبوسة مِن الرّوح الشرّير. أنت ما زلت حتّى اليوم ربّ الأرباب، وتحرّر أفراداً مِن قيود الشياطين وأكاذيبهم المفترية. افتح أعين الملايين، لكي يروا الأكاذيب الدينيّة الباطلة، ويخلصوا في قوّة اسمك الفريد.

16: 19 فَلَمَّا رَأَى مَوَالِيهَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ رَجَاءُ مَكْسَبِهِمْ، أَمْسَكُوا بُولُسَ وَسِيلا وَجَرُّوهُمَا إِلَى السُّوقِ إِلَى الْحُكَّامِ 20وَإِذْ أَتَوْا بِهِمَا إِلَى الْوُلاةِ قَالُوا: هذَانِ الرَّجُلانِ يُبَلْبِلانِ مَدِينَتَنَا، وَهُمَا يَهُودِيَّانِ، 21وَيُنَادِيَانِ بِعَوَائِدَ لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْبَلَهَا وَلا نَعْمَلَ بِهَا، إِذْ نَحْنُ رُومَانِيُّونَ 22فَقَامَ الْجَمْعُ مَعاً عَلَيْهِمَا، وَمَّزَقَ الْوُلاةُ ثِيَابَهُمَا وَأَمَرُوا بأَنْ يُضْرَبَا بِالْعِصِيِّ 23فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً وَأَلْقُوهُمَا فِي السِّجْنِ، وَأَوْصُوا حَافِظَ السِّجْنِ أَنْ يَحْرُسَهُمَا بِضَبْطٍ 24وَهُوَ إِذْ أَخَذَ وَصِيَّةً مِثْلَ هذِهِ أَلْقَاهُمَا فِي السِّجْنِ الدَّاخِلِيِّ، وَضَبَطَ أَرْجُلَهُمَا فِي الْمِقْطَرَةِ.

كانت هذه الجارية العرّافة بمثابة بقرة حلوب للكثير مِن الأغنياء الّذين لم يبالوا بعذاب هذه الملبوسة النفسي، بل كوّموا أموالاً مِن كذب الشيطان ومكره بواسطتها. فاغتاظوا لمّا انتهى فجأة مورد رزقهم، فصاروا كالمجانين، وتربّصوا ببولس وسيلا، وقبضوا عليهما وجروهما بشغب وعنف إلى رئيس البلديّة، واتّهموهما بإثارة التمرّد في المدينة. طبعاً إِنَّهم لم يقولوا شيئاً عمّا فعله الرسولان مِن تحرير تلك المستعبدة مِن كابوس التباسها، بل ألصقوا برسل وداعة المسيح أنّهم ثوريون مِن اليهود، ويدخلون عوائد غير مستحبة وغير لائقة لروماني شريف. فأثاروا حمية العساكر المتقاعدين الّذين كانوا يقطنون مدينة فيلبي، خاصّةً بعد انتهاء خدمتهم. فسرعان ما اهتاجوا، لأنّ موالي العَرَّافة كانوا معروفين ومحترمين. وهكذا تقدّمت أمواج الجماهير صاخبة إلى دار البلديّة. ولمّا وصلوا إلى رئيسي البلديّة، رأى هذان المسؤولان أنّ الرّأيَ العامَّ ضدّ اليهوديَّين، فأعطى أحدُهما علامةً لخدم البلديّة، فشنّوا هجوماً على الرسولين، ومزّقوا ثيابهما، حتّى عرّوهما وضربوهما ضربات أليمة كثيرة، وأشبعوهما تعييراً وسخرية، أمام مشهد الجماهير المستهزئة.

ولأجل الاستخبار عن هذين المشاغبين المضروبين، فقد ألقيا في السجن، في غرفة داخليّة ضيّقة وسخة، وظهراهما داميان مِن الجَلد، وجسماهما منهوكان متألّمان وأكثر مِن ذلك، فقد وضعوا أرجلهما في المقطرة، القيد الشديد، وصفدوهما بسلاسل ثقيلة كيلا يهربا. فبماذا فكّر المسكينان المحبوسان؟ أَلَعَنا الرومان؟ أو تأسّفا لتحريرهما العرَّافة مِن شيطانها؟ أو خافا مِن مغبة الاعتداء على الكنيسة النامية حديثاً؟ لا ثمّ لا! فإنّ المحبوسين تكلّما مع ربّهما في الصّلاة، وباركا مضطهديهما، وأدركا أنّهما اشتركا في حمل صليب المسيح.

16: 25 وَنَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلا يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ اللّهَ، وَالْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا 26فَحَدَثَ بَغْتَةً زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حتّى تَزَعْزَعَتْ أَسَاسَاتُ السِّجْنِ، فَانْفَتَحَتْ فِي الْحَالِ الأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَانْفَكَّتْ قُيُودُ الْجَمِيعِ 27وَلَمَّا اسْتَيْقَظَ حَافِظُ السِّجْنِ، وَرَأَى أَبْوَابَ السِّجْنِ مَفْتُوحَةً، اسْتَلَّ سَيْفَهُ وَكَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، ظَانّاً أَنَّ الْمَسْجُونِينَ قَدْ هَرَبُوا 28فَنَادَى بُولُسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: لا تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئاً رَدِيّاً، لأَنَّ جَمِيعَنَا ههُنَا“.

لم يسترح الرسولان بعد عذابهما، وتشقّق ظهريهما الداميين في أحد المستشفيات تحت إشراف علاج راهبات لطيفات، بل كانا مقيّدين بالمقطرة والسّلاسل، جالسين في العراء على الصخور، والظلمة مخيّمة ورابضة عليهما. ولكنّهما لم يشتما ولم ينوحا.  بل رتّلا معاً؛ فالصّلاة بصوت خفيف لم تكفهما، لأنّ قلبهما امتلأ شكراً وحمداً لانتصار المسيح، بعد المنع الطويل مِن الرّوح القدس في آسيا الصغرى. لقد أشرقت أصباح غلبة المسيح في أوروبا، فعلى الظلمة أن تسمع اسم المُقام مِن بين الأموات، ولا حائل مطلقاً دون حلول ملكوت الله وانتشاره في الأرض. فرتل المعذّبان بصوت عال حتّى سمعهما السُّجناء الآخرون.

وكان منتصف الليل، لمّا بلغت ترانيم الحمد عنان السّماء. وهذا الخبر في أعمال الرسل كان رمزاً معزيّاً لكثير مِن المعذّبين والمضطهدين في تاريخ الكنيسة، إذ ارتفع حمدهما في منتصف وخلال الغَسَق. عندئذ جاوبهما الله فجأة، ليس بظهور ملاك ولا بكلمات وحيّ، بل بزعزعة زلزال. فبان لهما لأوَّل وهلة كأنّما الشيطان يزيد في تعذيبهما، وسقطت حجارة وأتربة مِن السّقف عليهما. ولكن بعد قليل انفتحت كلّ أبواب السجن بقوّة، وسقطت عنهما كلّ سلاسلهما المعذّبة. ومع ذلك لم يهرب بولس مستغنماً الفرصة مع السجناء الأُخر الّذين كانوا مضطربين في أعماق قلوبهم مِن الترتيل، وجواب الله عليه بالزلزلة، حتّى ما تجرأوا على الحراك، وربّما خافوا مِن دينونة الله على خطاياهم الظاهرة.

لكنّ رئيس السجن انتفض مِن فراشه، ورأى أبواب السجن مفتوحة، ظانّاً أنّ السجناء كُلَّهم قد فرّوا. فخاف مِن عار هربهم مِن يده، ومما ينتظره مِن محاكمة وعذاب أليم، وقتل له، واستعباد لعائلته، وهكذا مشحوناً بهذه المخاوف والتصوّرات استلّ سيفه مزمعاً أن يخرق صدره به.

ورأى بولس مدير السجن المزمع على الانتحار وسيفه بيده، فصرخ به: قف! لا تقتل نفسك! لا تخف، لم يهرب أحد. السُّجناءُ كلُّهم موجودون هنا. فالمحبّة في صوت بولس وتعزيته بهذا الكلام الرقيق كان عكس ما اعتاده هذا الضابط مِن شتائم السُّجناء ولعناتهم ووحشيتهم وصراخهم. وكان إذا أُتيحت للسجناء فرصة، مزّقوا حرّاسهم وانطلقوا هاربين. لكن الآن يا للغرابة! أبواب السجن مفتوحة، ومع ذلك ها هم السُّجناء لا يهجمون عليه كالوحوش، بل إِنَّ أحدهم، وهو بولس، يناديه بكلّ كلام لطيف، حتّى لا يضرّ بنفسه ويوردها الحتف. فصدم هذا الكلام عقل الحارس وفاق تصوره، فاستغربه جداً، لأنّ عدوّه أحبه وخلّصه مِن الانتحار، فصار يفتح عينيه ويحملق محاولاً تجميع أفكاره وكأنّه كان في حلم عميق.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع الحيّ، دعنا نسمع صوتك اللطيف إن سقطنا في اليأس والحيرة. علّمنا أن نسمع كلمات محبّتك إن زال رجاؤنا. واجذبنا إلى تعزيتك لكي نعيش في قوّتك ولا نموت أبداً.

16: 29 فَطَلَبَ ضَوْءاً وَانْدَفَعَ إِلَى دَاخِلٍ، وَخَرَّ لِبُولُسَ وَسِيلا وَهُوَ مُرْتَعِدٌ، 30ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟ 31فَقَالا: آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ 32وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ 33فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَاعْتَمَدَ فِي الْحَالِ هُوَ وَالَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ 34وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِاللّهِ.

صرخ رئيس السجن  قائلاً: “أعطوني مصباحاً”. وكان هذا الطلب رمزاً على أنّه قد عاش طيلة حياته العسكريّة في ظلم وظلمات، ولكنّه الآن استنار قليلاً بكلمات بولس توّاً، فأدرك نور الرّوح السماوي، وسجد عند قدمي الرَّسول الّذي خلَّص حياته. ولعلّه ظنّهم آلهة أو ملائكة، إذ بدا مستحيلاً عليه عَدمُ هربهما، ومحبتهما الفائقة له، والمحافظة على حياته. إِنَّ لُطفَ المسيح أعظمُ ثورةٍ روحيَّةٍ في العالم.

لم يستغلّ بولس ارتعاب الرجل لينتفخ، بل وضّح للضابط أنّه مثله إنسانٌ. لكنّه تغيّر وتجدّد بنعمة المسيح. ولمّا سمع هذا المرتعب المضطرب قول الرسول قاده مع رفيقه إلى السّاحة، فشاهد جسديهما الداميين، وخاف مِن غضب الله لأنّه اشترك في تعذيب رسله الكرام، وتمتم بهلع مخيف: ماذا يجب عليّ أن أفعل لكي أهرب مِن غضب القدّوس وأخلص؟ عندئذ لخّص الرسول بولس لهذا الحائر الإنجيل في جملةٍ عظيمةٍ، هي مِن أهمِّ جمل الكتاب المقدّس، وبشّر المرتعب بالحقّ الكامل صراحةً: آمِنْ بالرّبّ يسوع المسيح فتخلص أنتَ وأهل بيتك. فهذا القول أعطى الحارس رجاء قويّاً فلم يهلكه الله، ولم يضربه بصاعقة مِن السّماء، بل فتح له الباب إلى النّعمة في شخص يسوع المسيح. وشهد بولس لكلّ المتراكضين والمتجمهرين هنالك، نساءً ورجالاً، عبيداً وسجناء، شيباً وشباباً، أَنَّ المسيح يسوع هو الرّبّ المقتدر أن يجري زلازل، القادر أن يغفر الذنوب، المعطي خلاصاً، الرّبّ الّذي يقيم مِن الموت، والمستعدّ أن يملأ التائبين بالرّوح القدس واللطيف، الّذي يحرّر الإنسان مِن سلطة خطاياه. فبكلماتٍ قليلةٍ ألقى رسول الأمم الإنجيل إلى القلوب الفزعة، وهؤلاء المستمعون آمنوا فوراً، وأدركوا أنّ الله نفسه كان واقفاً في رسله أمامهم لأنّه ما مِن إنسانٍ يتكلّم هكذا. بل إِنَّ الازلي نَفسه يقدِّم لهم يد المصالحة. فنما نور الإنجيل السماوي في قلوب المستمعين، ودعا الضابط الرَّسولين إلى داره، وغسّل جروحهما وألبسهما ثياباً نظيفة وطلب منهما أن يعمّداه، رمزاً لتسليمه الكامل إلى ملك المحبّة يسوع المسيح.

أراد هذا الضابط المتقاعد والمشرف على السجن تصفية كلّ رواسب حياته وفتح بيته لهذا الرّوح الجديد، وجمع كلّ أهله، وخدّامه وموظفيه ليعتمدوا في الليلة نفسها معاً. وقد أدرك هذا العسكري أنّ لأمر الله ضرورة، وكلّ تباطؤ يكون خطيئة. فكان جوابه توبةً كاملةً مباشرةً، وتسليماً تامّاً للرّبّ الحيّ.

وعندما حلّ الرّوح القدس في المعتمدين، انشرحت صدورهم لذكر الله، وملأت ترانيم الحمد قلوبهم، وأدركوا أنّ الله قد زارهم وسط السجن وغياهب الظلمات.

عندئذ هيّأوا العليّة الّّتي في بيتهم، وابتدأوا يحضّرون الطعام لإقامة وليمة كبيرة. وتهللّوا معاً، لأنّ المسيح قد غسل ضمائرهم مِن الخطايا، وقدّسهم مجّاناً، هم الخطاة المجرمون الّذين عاشوا الآن في ملء نور الله وسط الليل البهيم. ما أجمل هذه الصورة! أن تُقام وليمة في نصف الليل! فالمسيح أنار المؤمنين وسط الظلمات المحيطة بهم، وملأهم بأعظم الفرح كان هذا ثمار احتمال العذاب وإطاعة الإيمان في بولس وسيلا كما أنّ ليديا ولوقا وتيموثاوس لم ينتهوا مِن الصّلاة لأجل المحبوسين.

16: 35 وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ أَرْسَلَ الْوُلاةُ الْجَلاَّدِينَ قَائِلِينَ:أَطْلِقْ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ 36فَأَخْبَرَ حَافِظُ السِّجْنِ بُولُسَ أَنَّ الْوُلاةَ قَدْ أَرْسَلُوا أَنْ تُطْلَقَا، فَاخْرُجَا الآنَ وَاذْهَبَا بِسَلامٍ 37فَقَالَ لَهُمْ بُولُسُ:يَضَرَبُونَا جَهْراً غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ رَجُلانِ رُومَانِيَّانِ، وَأَلْقَوْنَا فِي السِّجْنِ – أَفَالآنَ يَطْرُدُونَنَا سِرّاً؟ كَلاَّ! بَلْ لِيَأْتُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيُخْرِجُونَا 38فَأَخْبَرَ الْجَلاَّدُونَ الْوُلاةَ بِهذَا الْكَلامِ، فَاخْتَشَوْا لَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُمَا رُومَانِيَّانِ 39فَجَاءُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِمَا وَأَخْرَجُوهُمَا، وَسَأَلُوهُمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنَ الْمَدِينَةِ 40فَخَرَجَا مِنَ السِّجْنِ وَدَخَلا عِنْدَ لِيدِيَّةَ، فَأَبْصَرَا الإِخْوَةَ وَعَّزَيَاهُمْ ثُمَّ خَرَجَا.

انتظر حافظ السجن بقلب مشوش القرار النهائي للمسؤولين في البلدية، لأنّه حرّر السجينين بلا أمر منهما واستضافهما، ففرح كثيراً لمّا سمع الأمر الجديد بتخليتهما، وركض فرحاً إلى بولس ينبئه، وطلب إليه الذّهاب بسلام، لكي لا يتعرّض لأذى.

ولكن ها هوذا بولس منتصب رافض الذهاب ومطالب بحقّه، ليس لنفسه بل لكلّ الكنيسة. إنّهما ليسا لصّين بل رومانيين، وقد وقع عليهما ظلم ثلاث مرّات فضربا جهراً، وهذا عذاب للعبيد فقط، ينبغي ألاّ يقع على روماني البتّة، وحُكم عليهما بلا محاكمة، وهذا يعني في دولة عادلة مثل الرومان، خطأ مِن القضاة وخطراً عليهم يؤدّي بهم إلى السجن والقصاص الشَّديد، ومِن ثمّ إقامة الدَّعوى على المسؤولين.

فطلب بولس أن يأتي الحكّام شخصيّاً إلى السجن، ويعتذروا مِنهما ويرافقوهما كضيفي شرف وسط شوارع المدينة. فلم يقصد بولس الانتقام، لأنّه كمؤمن حقّ قد غفر للمسؤولين مسبقاً كُلَّ ذنوبهما ولكنّه أراد تبرير الكنيسة الجديدة جهراً، وإظهارها كحركة شريفة غير محتاجة للتَّخفِّي في الكهوف والمغاور والسراديب.

وحقّاً أسرع المسؤولان خائفين إلى رسول الأمم، فكلّماه بتواضع، ولاطفاه، وطلبا  إليه مغادرة المدينة، تحرّزاً مِن المشاكل الّّتي يمكن أن يثيرها انتقاماً أسياد العرّافة الّّتي تحرّرت مِن عبودية إبليس بنعمة الرّبّ.

ولم يبال بولس بكلامهم كثيراً، بل عاد إلى بيت ليديا بائعة الأرجوان، حيث كان أعضاء الكنيسة مجتمعين للصّلاة، وها هي ذي محاطة بجمع مِن الإخوة في بيتها، ممّا يدلّنا أنّه بين اهتداء الأوروبيّة الأولى وخلاص مدير السجن، كانت ثَمَّةَ فترةٌ طويلةٌ بشّر الرسول خلالها أهل فيلبي، مؤسّساً كنيسة حيّة، وبعد أن التقوا في بيت ليديا، عزّى المعذّبون إخوانهم السالمين بتأكيد حضور المسيح في كلّ ضيقاتهم. بعدئذ مضى الرسولان وتيموثاوس معهما، مخلّفين الطَّبيب لوقا في فيلبي ليرعى الكنيسة هنالك. لذلك نقرأ منذ هذه الحادثة كلام البشير لوقا بصيغة الغائبين (هم)، دلالةً على أنّه لم يذهب معهما.

الصّلاة: أيّها الرّبّ القدّوس، نشكرك لأنَّ كلمتك تُخلِّصُ أُناساً، وتغيّرهم. فنؤمن أنّك تخلّص بيتنا كاملاً أيضاً. طهّر قلوبنا مِن كلّ إثم بدمك الثَّمين، ونَقِّ أذهاننا تماماً بإنارة الرّوح القدس، لكي يرى أعضاء عشيرتنا محبّتك الموهوبة لنا، ويشتاقوا لاطمئنان سلامك.آمين.

5تأسيس كنيسة تسالونيكي

(17: 1 – 9)

17: 1 فَاجْتَازَا فِي أَمْفِيبُولِيسَ وَأَبُولُونِيَّةَ، وَأَتَيَا إِلَى تَسَالُونِيكِي، حَيْثُ كَانَ مَجْمَعُ الْيَهُودِ 2فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، 3مُوَضِّحاً وَمُبَيِّناً أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي، أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَنَّ هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ 4فَاقْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَانْحَازُوا إِلَى بُولُسَ وَسِيلا، وَمِنَ الْيُونَانِيِّينَ الْمُتَعَبِّدِينَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمَاتِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ5فَغَارَ الْيَهُودُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاتَّخَذُوا رِجَالاً أَشْرَاراً مِنْ أَهْلِ السُّوقِ، وَتَجَمَّعُوا وَسَجَّسُوا الْمَدِينَةَ، وَقَامُوا عَلَى بَيْتِ يَاسُونَ طَالِبِينَ أَنْ يُحْضِرُوهُمَا إِلَى الشَّعْبِ 6وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوهُمَا، جَرُّوا يَاسُونَ وَأُنَاساً مِنَ الإِخْوَةِ إِلَى حُكَّامِ الْمَدِينَةِ صَارِخِينَ: إِنَّ هؤُلاءِ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمَسْكُونَةَ حَضَرُوا إِلَى ههُنَا أَيْضاً 7وَقَدْ قَبِلَهُمْ يَاسُونُ وَهؤُلاءِ كُلُّهُمْ يَعْمَلُونَ ضِدَّ أَحْكَامِ قَيْصَرَ قَائِلِينَ إِنَّهُ يُوجَدُ مَلِكٌ آخَرُ: يَسُوعُ! 8فَأَزْعَجُوا الْجَمْعَ وَحُكَّامَ الْمَدِينَةِ إِذْ سَمِعُوا هذَا 9فَأَخَذُوا كَفَالَةً مِنْ يَاسُونَ وَمِنَ الْبَاقِينَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ.

لا تزال مدينة تسالونيكي عاصمةً تجاريّةً حتّى اليوم، ويسكنها أكثر مِن ربع مليون نسمة، وتقع على مسافة 150 كلم مِن فيلبي. ولمّا وصلها بولس توجّه أوَّلاً إلى كنيس اليهود، لأنّ فيه اجتمع الّذين أحبُّوا الله الوحيد، وطلبوه وأصغوا لكلمته. مع العلم أنّ الدِّين اليهودي كان مرخَّصاً له رسميّاً مِن قبل السلطات، بينما لم يسمحوا لأيّ دين جديد بالنشاط العلني، وبمدّة ثلاثة سبوت برهن بولس الفقيه الأورشليمي أنّ المسيح الإلهي لم يأت كملك باهر متسلّط على العالم كلّه بقدرته السماويّة، بل ينبغي أن يُرفض ويتألّم مُدَّةً ويموت في العار، ويقوم مِن بين الأموات ليصالح البشر مع الله، ويجدّد القلوب التائبة. وهذا الفكر كان جديداً غريباً على اليهود، الّذين انتظروا مسيحاً سياسيّاً مقتدراً على الشّعوب. وأمّا حمل الله فلم يدركوه. ففسَّر بولس لمستمعيه أنّ يسوع الناصري هو محبّةُ الله المتجسّدة، الّذي تراكضت إليه الجماهير، مصغيةً إلى كلامه ومتعجّبة مِن شفاءاته وأعماله العظمى، فحسده لذلك أعضاء المجمع الأعلى، ورفضوا ألوهيته، واضطهدوه بمكر، وحكموا عليه حكماً عدائيّاً، حتّى صُلب أخيراً بأيدي الرومانيين. ولكنَّ موته كان الذَّبيحة الوحيدة الّّتي أرضَت الله، وكفّرت عن ذنوبنا، ومحت آثامنا. وبرهن بولس ضرورة موت المسيح مِن أسفار العهد القديم أوّلاً، وأبرز بعدئذ صلاحيته كشاهد عيان بجانب التوراة، لأنّه حصل على رؤى ووحي مباشرةً مِن المسيح الحيّ، لينقلب العالم بإنجيله.

ولكن بعض اليهود آمنوا ببشرى الخلاص، وقبلوا المسيح يسوع الإلهي، وخضعوا لرسالة بولس الرسول، وكذلك آمن المتقّون اليونانيون بعدد أوفر وإيمان أقوى، لأنّهم تأثّروا بشرح التوراة، وانضموا إلى جماعة بولس وسيلا علانيةً، وكثير مِن النساء المحترمات قبلن بشارة العفّة والحقّ والقداسة، وانفتحن لروح المسيح القدّوس، وثبتن في خلاصه الفعَّال: فنشأت في مدينة تسالونيكي كنيسة حيويّة، واستمرّ بولس وسيلا وتيموثاوس في تعليم المؤمنين هناك بأمانة وثبات.

اقرأ رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي العدَدين 1 و2 بدقّة، فتعلم سريعاً مقدار اللطف والقوّة والحماس العامل في رسل المسيح المبشّرين في تسالونيكي. وهل تعلم أنّ هذه الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي هي أقدم جزء مِن العهد الجديد المكتوب باللغة اليونانيّة، وأقدم مِن الأناجيل كلّها؟ إِنَّك تجد فيها طريقة بولس التبشيريّة في أول مراحل كفاحه ومضمون إنجيله الّذي فتح أبواب المدن والشّعوب. فاقرأ هذه الرسالة بانتباه، تفهم سِفر أعمال الرسل بطريقة أوضح.

وكما حسد المجلس الأعلى اليهودي يسوع آنذاك، هكذا حسد اليهود في تسالونيكي بولس، لأنّ كلّ الأعضاء الوجهاء مِن اليونان، الّذين كانوا يجيئون إلى كنيستهم سابقاً، مالوا نحو بولس. وبما أنّ حياة الشاهد الرسولي كانت بلا لوم وتعليمه كان مطابقاً للتوراة، لم يقدروا أن يشتكوا عليه، ففتّشوا عن بعض الغوغاء في الشّوارع والأزقّة، ورشوهم وألّبوهم لإثارة الشغب، وهيّجوا المدينة كلّها للتأثير على الرأي العام ضدّ المسيحيين.

واتّجهت الجماهير نحو بيت ياسون الفخم، وياسون هذا كان غنيّاً محترماً في المدينة، وقد نزل عنده بولس وسيلا، ولكنّهما لم يكونا عنده في البيت ساعة الهجوم والتظاهر. فدخلت الجماهير قاعات هذا البيت، وبحثوا في كلّ زاوية وخزانة فلم يجدوا لهما أثراً فقبضوا أخيراً على ياسون نفسه وعلى بعض الإخوة، وجرّوهم إلى رئيسي المدينة، واشتكوا على بدع يسوع. وللعجب، فإنّهم قد استخدموا الكلمات الاتهاميّة نفسها الّّتي تفوَّه بها المجلس اليهودي الأعلى في أورشليم أمام بيلاطس الوالي الروماني في محاكمة المسيح، قبل عشرين سنة تقريباً، فقالوا إنّ بولس وسيلا يناديان بيسوع الملك الأعظم لِيُخضِعوا جميع الشّعوب له، وهذا معناه اضمحلال الدّولة الرومانيّة. فهذه الشكوى كانت خطيرة، وهزّت أساسات الدّولة الرومانيّة مِن الأعماق، لأنّ اليهود لووا حقّ يسوع الملك الرّوحي، وجعلوا الوديع المتواضع ثائراً خطراً على كلّ الشّعوب. والمسيح حقّاً هو ملك الملوك وربّ الأرباب، ويجلس عن يمين الآب حيّاً، ومالكاً معه المسكونة والعوالم، وليس سلطانه دنيويّاً مبنيّاً على مدافع وضرائب وعنف، بل طرق حكمه قائمة على ثمار الرّوح القدس، المنشئ مملكة الله الرّوحيّة في قلوب الّذين يخضعون لربّهم. وأمّا الملحدون فيخرّبون أنفسهم بأنفسهم، ويحوّلون العالم الجميل إلى مزبلة ومجزرة ومعتقل وكابوس وسجن كبير.

وقام رؤساء المدينة العقلاء، وفهموا مصدر الشغب، وخافوا ضغط الرومان لأجل الهيجان. فلذلك هدّأوا الجموع، وقبلوا مِن ياسون كفالة ضخمة، لأنّه وضّح لهم أنّ غاية المسيحيين ليست سياسيّة البتّة، وأنّ كلّ مؤمن يفضل أن يموت كمسيحه على أن يرتكب عنفاً أو ظلماً، وأنّ مملكة يسوع هي مملكة روحيّة لا تظهر إلاّ في مجيء المسيح الثاني في المجد. عندئذ تزول العوالم. لأنّه كان متأكّداً مائة بالمائة أن ليس لبولس غاية سياسيّة البتة، وتكفّل بأنّهما سيتركان المدينة رأساً.

ومسألة ملكيّة يسوع حرّكت، في تاريخ الكنيسة، شعوباً وملوكاً وقياصرة وبابوات كثر. فبولس بشّر غالباً بالمسيح المصلوب. ولكنّ خلفاءه طلبوا قيصر مقتدراً متسلطاً على العالم كلّه. ولقد نسي هؤلاء أنّ ملكوت المسيح ليس مِن هذا العالم، ولا يبنى إلا بقلوب منسحقة تائبة. وبالحقيقة فإنّ المسيح يدعو كلّ القياصرة والجنرالات والزعماء ليرجعوا مِن تعجرفهم واستكبارهم إلى التواضع والقناعة والرحمة، لأنّ دين المسيح لا يقوم على السيف ولا على الثورات، بل على كلمة الخلاص وقوّة المحبّة فقط. ولكن حين يأتي المسيح سوف يغلب كلّ القوى المضادة لله، فلا يكون فيما بعد موت ولا حزن ولا تجربة للخطيئة. هذا الكيان الجديد في مجد الله الآب هو ملكوت الله الحقّ.

الصّلاة: أيّها الرّبُّ يسوع المسيح، الملكُ العظيم، يا مَن تملك قلوبنا وأموالنا. نكرّس لك حياتَنا، ونطلبُ إليك أن تمنحَنا الحكمةَ لنخدمك بأمانة. ادعُ كثيرين إلى ملكوتك، لكي يعيشوا في سلامك إلى الأبد.

6تأسيس كنيسة بيرية

(17: 10 – 15)

17: 10 وَأَمَّا الإِخْوَةُ فَلِلْوَقْتِ أَرْسَلُوا بُولُسَ وَسِيلا لَيْلاً إِلَى بِيرِيَّةَ وَهُمَا لَمَّا وَصَلا مَضَيَا إِلَى مَجْمَعِ الْيَهُودِ 11وَكَانَ هؤُلاءِ أَشْرَفَ مِنَ الَّذِينَ فِي تَسَالُونِيكِي، فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟ 12فَآمَنَ مِنْهُمْ كَثِيرُونَ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْيُونَانِيَّاتِ الشَّرِيفَاتِ، وَمِنَ الرِّجَالِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ 13فَلَمَّا عَلِمَ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ تَسَالُونِيكِي أَنَّهُ فِي بِيرِيَّةَ أَيْضاً نَادَى بُولُسُ بِكَلِمَةِ اللّهِ، جَاءُوا يُهَيِّجُونَ الْجُمُوعَ هُنَاكَ أَيْضاً 14فَحِينَئِذٍ أَرْسَلَ الإِخْوَةُ بُولُسَ لِلْوَقْتِ لِيَذْهَبَ كَمَا إِلَى الْبَحْرِ، وَأَمَّا سِيلا وَتِيمُوثَاوُسُ فَبَقِيَا هُنَاكَ 15وَالَّذِينَ صَاحَبُوا بُولُسَ جَاءُوا بِهِ إِلَى أَثِينَا، وَلَمَّا أَخَذُوا وَصِيَّةً إِلَى سِيلا وَتِيمُوثَاوُسَ أَنْ يَأْتِيَا إِلَيْهِ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ، مَضَوْا.

كان بولس يجول مِن مدينة إلى أخرى مِن أجل المسيح، وحياته أشبهت سلسلة ضيقات، وكلّ حلقة مِن هذه السلسلة مشابهة الأخرى، إلاّ في بعض الاستثناءات الطارئة. فمِن عادته أن يدخل المدن مصليّاً مع رفقائه، ويفضّل العواصم على القرى. وكان يبحث قبل كلّ شيء عن كنيس اليهود، لأنّه آمن باختيار شعبه، وبشّرهم بيسوع المصلوب والحيّ، وهم بدورهم كانوا يمتحنون تعليمه الجديد على ضوء التوراة والأنبياء، فبعضهم آمن وخاصّة المتَّقون مِن الأمم الّذين قبلوا متحمسين قوّة التعليم الجديد، وثبتوا في مصالحة المسيح. فاغتاظ اليهود، لأنّهم لم يحبّوا فكر حمل الله الوديع، بل أرادوا مسيحاً سياسيّاً مسيطراً وبانيّاً مملكته على الناموس (الشريعة). فاندلعت نيران خصام، وبغضة، واضطهاد، وعذاب مقيم، وتهديد بموت أليم، وطرد، وهرب مستديم، وكان الّذي يبقى في المدينة مِن خدمة الرسول هو كنيسة مسيحيّة حيّة، صغيرة، تدرك وتؤمن أنّ المسيح هو يسوع الناصري الّذي وضع في أتباعه حياة الله بواسطة الرّوح القدس. وكثيراً ما كانت هذه الكنائس الحديثة تتألّم عقب طرد بولس باضطهادات عنيفة، كما نقرأ في رسالة تسالونيكي (1 تسا 2: 14 ، 3: 1-4 و2 تسا 1: 4). ورافق الإخوة التسالونيكيون بولس إلى مدينة صغيرة اسمها بيرية على بعد سبعين كيلو متر غربي تسالونيكي، ظانِّين أنَّ سلامه مضمونٌ هناك أكثر مِن المدن الكبرى، بمراكز خطوط مواصلاتها العامّة. ولكنّ بولس لم يهتم بضمان نفسه قَطّ، بل كان قلبه ملتهباً بمحبّة يسوع، لأنّه رأى مجده الحقّ، ومحبّته للأمم أجبرته أن يكرز بالخلاص ليتغيّر كثيرون.

وكان اليهود في بيرية مستعدّين لسماع الفكر الجديد، فبحثوا في الأسفار القديمة، وكسبوا بواسطة هذا التعمّق الحياة الأبديّة، مع الّذين يعيشون في محيطهم، متشوقين للرسالة المعزية للقلوب. وهذه الطريقة نموذجيّة للتبشير، ولكنّها ليست المنهج الوحيد للوصول إلى يسوع. فمَن يتعمّق طواعية في كلمة الله، يختبر أنّ هذه الكلمة تخلق في نفسه تطهيراً، وتبريراً، ومحبّةً، وتقديساً، وقوّةً شاهدةً، ورجاءً لمجيء المسيح. فيا أيّها الأخ، اغلب تعبك وكسلك، وكسّر الممانعة في نفسك ضد كلمة الله، واملأ فؤادك بأقوال المسيح، فتصبح إنساناً سعيداً مشابهاً ينبوع محبّة الله في محيطك، لأنّ الفكر والرّوح اللَّذَين بداخلك، يفيضان منك أيضاً. ونتيجة تبشير بولس كانت كنائس مختلطة مِن مسيحيين يهود وأمم. ففي هذه الكنائس غلبت الانقسامات بين الشّعوب والحضارات، وبين الغرب والشرق، لأنّ محبّة المسيح هي القوّة الفائزة في المؤمنين جميعاً، وهذا الانتصار الرّوحي والنّموّ اللطيف، هما شوكة جارحة في عين الشيطان الذي يعمل بكلّ قدرته على إهلاك الكنائس داخليّاً أو خارجيّاً.

 وأقبل اليهود المتعصّبون مِن تسالونيكي إلى بيرية غاضبين، وهزّوا بأكاذيبهم المؤمنين الجدد، محاولين تفجير شركة المحبين ليضطهدوا بولس بعنف. فظهر عندئذ الرّوح اللطيف المسالم في هؤلاء الرجال. وقبل أن يحصل الاصطدام رافقوا بولس إلى البحر البعيد 40 كلم، وأدخلوه بسرعة إلى إحدى السفن، لكيلا تصيبه شرور المبغضين لقد أتى بولس منفرداً إلى بيرية، تاركاً زملاءه في تسالونيكي لتقوية الكنيسة، والآن ها هوذا يترك بيرية وحده مسافراً إلى أثينا، المدينة الّّتي تراكمت كبرج الأرواح على جبلها أمامه، مدينة الفلاسفة والمفكّرين المرتبطين بكبريائهم وسطحيتهم، لأنّ أهل أثينا حسبوا أنّهم يستطيعون سبر كلّ أسرار العالم بعقولهم، أمّا الرّوح القدس مِن الرّبّ المُقام مِن بين الأموات، فلم يعرفوه.

لم يخف بولس مِن مركز الفلسفة، وشعر أنّه تقدّم الآن إلى كفاح طويل، سيزعزع الكنيسة في تاريخها طوال ألف سنة باستمرار، لأنّ الفلسفة بدون الله ورسالة الإنجيل كنور وظلمة، سماء وجهنّم، وحي الله ووسوسة الشيطان. فلم يرد بولس أن يدخل هذه الحرب المبدئية مع الأرواح وحيداً، حيث تيقّن أنّه ليس عبقريّاً، بل عضواً في جسد المسيح، فطلب مِن زميليه سيلا وتيموثاوس أن يحضرا رأساً مِن تسالونيكي، ويوافياه في أثينا. هكذا طلب بولس مساعدة رفيقيه في المصارعة مع الأرواح النّجسة، مثلما طلب يسوع في جثسيماني مِن تلاميذه أن يسهروا ويصلّوا معه، ولكنْ كما كان على الرّبّ يسوع ممارسة هذا الكفاح منفرداً، وشرب كأس غضب الله منعزلاً، هكذا كان على بولس أن يسافر إلى أثينا وحيداً، ويحتمل استهزاء المفكّرين واحتقار النّاس وحكمتهم البشريّة.

الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ المسيح، لأنّك شجّعت بولس مرّة تِلْوَ الأُخرى ألاّ يهتم بالاضطهادات والعذاب، بل أَنْ يمجّد اسمك القدّوس. طهّرنا يا ربّ للخدمة، واملأنا بدافع محبّتك، لكيلا نخاف مِن إنسان أو روح أو مذهب، بل نبشّر بخلاص جميع المشتاقين إليك.آمين.

7بولس في أثينا

(17: 16 – 34)

17: 16 وَبَيْنَمَا بُولُسُ يَنْتَظِرُهُمَا فِي أَثِينَا احْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إِذْ رَأَى الْمَدِينَةَ مَمْلُوءََةً أَصْنَاماً 17فَكَانَ يُكَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ الْيَهُودَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَالَّذِينَ يُصَادِفُونَهُ فِي السُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ 18فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْفَلاسِفَةِ الأَبِيكُورِيِّينَ وَالرِّوَاقِيِّينَ، وَقَالَ بَعْضٌ: تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هذَا الْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟ وَبَعْضٌ: إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِياً بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ – لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَالْقِيَامَةِ 19فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ، قَائِلِينَ: هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ بِهِ 20لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ، فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هذِهِ 21أَمَّا الأَثِينِيُّونَ أَجْمَعُونَ وَالْغُرَبَاءُ الْمُسْتَوْطِنُونَ، فَلا يَتَفَرَّغُونَ لِشَيْءٍ آخَرَ إِلاَّ لأَنْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَسْمَعُوا شَيْئاً حَديثاً.

رافق بعض الإخوة بولس، مِن بيرية إلى أثينا، وتركوه هناك وحده. وهو لم يذهب حسب تخطيطه الخاص إلى هذه المدينة، فالله نفسه قاده حتماً إلى المصارعة مع الفلسفة اليونانيّة. وكان بولس منتظراً تيموثاوس وسيلا، ليغلب معهما في صلوات مشتركة الأرواحَ المتكبّرةَ في هذه العاصمة المشهورة.

ولكنَّ رسولَ الأمم الكريم لم يستطع الجلوس منتظراً ويداه مكتوفتان، بل تمشّى في المدينة، وأَحسَّ نخزاً في صميم قلبه، لمّا رأى أصناماً متعدّدة في الهياكل المرمريّة، وكانت عبادة الآلهة قد تغلّب عليها اليهود مِن قبل، ومع الأسف ها هي ذي تشرئبّ مِن جديد، فأدرك بولس فوراً بألم شديد أنَّ عبادة الأصنام العديدة ومزج الأديان هُما سبب عدم الإيمان الصحيح العميق.

لم يَعتبر الأثينيون الإيمان هو الحقّ الأساسي والأمر الجوهري، ولم يستمسكوا بحقيقة الوحي، بل رفعوا عقولهم فوق المبادئ جمعاء، وحلّلوا كلّ مبدأ بفلسفاتهم. وأمام هذا الواقع الشنيع، كافح بولس ضدّ آلهة الأباطيل الّّتي كانت سبب الفلسفات الملحدة، وحاول إرجاع الأثينيين إلى عبادة الله الحيّ الواحد.

ولا شكّ أنّ العقل والفكر هما هبةٌ إلهيّةٌ، ولكن حيث يعيش الإنسان بعيداً عن ربّه وبدونه، فكلّ تفكير يلتوي ويفسد، ويشرّ شرّاً. ونرى أنّ المفكّرين سرعان ما يتكبّرون ويعتدُّون بأنفسهم إنّهم يستطيعون إدراك الله بعقولهم، فيسقطون عمياً إلى الغباوة، رغم عبقريتهم.

فعدم توفير البشر لله الحيّ، والخرافات العديدة عن أنصاف الآلهة والأرواح النجسة، قادت البشر إلى تأليه الإنسان، لأنّ مَن لا يعرف الله، يجعل نفسه إلهاً ومحور الكون ومقياس الكلّ.

فاحتدّ بولس مِن إلحاد الأثينيين، خصوصاً لأنّهم عبدوا آلهة كثيرة. وغضبه هذا كان ساعة النّعمة لكلّ أوروبا، وبركة كبرى، لأنّ رسول المسيح هذا قَوَّضَ في سبيل إجلال الله أساسات أوروبا المريضة، وأبرز المسيح الحيّ الرجاء الوحيد للأمم إنّ نقمة بولس على الفن والأديان والفلسفات الكافرة كانت سبباً لفتح أوروبا أمام التبشير الإنجيلي.

وقد ذهب بولس، حسب عادته المبدئيّة، إلى كنيس اليهود هنالك، ليلتقي أناساً يكرّمون الله. ولكنّنا لا نقرأ أنّ أحداً مِن اليهود أو أتقياء الأمم قد قبل المسيح، لأنّ جميع سكان هذه المدينة اعتادوا أن يجعلوا مِن الإيمان لعبةً نظريّةً. وحتّى في كنيس اليهود كانوا يتباحثون ويتبادلون الآراءَ المختلفة أكثر مِن خضوعهم لإعلان الله الحقّ.

ثم انطلق الرسول إلى الشوارع، وبشّر في الطرق والساحات، لأنّه في أثينا كان مسموحاً لأيّ امريء أن يقول ما يحلو له، فالتكلّم والكتابة صارا رخيصين ومن سقط المتاع، وكلّ إنسان ظنّ أنّه فيلسوف صغير. وبولس في حكمته لم يقدّم للأثينيين الإنجيل بطريقة الوعظ، بل استخدم أسلوب المكالمة مثل سقراط، ليلتقي تلاميذ الفكر بأساليبهم المعتادة.

وبعد مدّة تنازل بعض الذين ظنّوا أنّهم فلاسفة، وطلبوا التحدّث مع الجوّالة اليهودي المتشرّد. فالأبيقوريون كانوا وجوديين، رأَوا في متع الحياة، بطرق ظريفة، معاني الكون، واعتبروا كلّ تفكير آخر حلماً وتخيّلات. أمّا الرواقيون فاستسلموا للعقل العالمي ليتحرّروا مِن عبوديّة الدوافع الدَّنِسة في الإنسان، بواسطة تطوير فضائلهم وضبط نفوسهم، وكلا الوجوديين والمثاليين، لم يفهموا رسالة بولس فسمّوه مهذاراً. ولهذه الكلمة في اليونانيّة معنى ناقر الحَب، كأنّه لا يقدر أن ينشئ مِن ذاته فكراً خاصاً، بل يسرق آراءه مِن الآخرين، ولا يقدر أن يجمعها في منظومة فكريّة موحَّدة إنّما هو يبعثرها مشوّشة فوضى غير مهضومة كالحَبّ في حوصلة الدجاجة.

وبعضهم سمع أنّ بولس يقول عن يسوع إِنَّه ربّ المجد، وإِنَّ قيامته رمز لمستقبلنا، فأرادوا أن يسمعوا أكثر عن هذه المواضيع بطريقة منطقيّة، ليستطيعوا النقد والحكم على مبادئه، فإِمّا أن يَستهزئوا به، أو يقبلوه في حلقة المفكّرين. ولكن لم يفكِّر أحدٌ مِن المستمعين أنّه في حاجة ماسّة إلى الله، ولم يتب منهم أحدٌ أو يشعر بخطاياه، بل فكّروا جميعاً بمشاهدة تسلية تُشنِّف آذانهم، لعلّهم يجدون شيئاً طريفاً يذكرونه في كتبهم الّّتي يؤلّفونها، أو يبالغون بنقدهم وضحكهم على المسكين.

ولربّما اشترك في هذه المباحثة مفتّشون مِن الدوائر الثقافيّة، لأنّهم أخذوا بولس وقادوه للمكان الرسمي، حيث تحاكم الأفكار والمذاهب والمبادئ، ليمتحنوا إن كان يدخل في بلادهم روحاً غريباً مزعجاً لانسجام الأرواح المتعدّدة في أثينا. فطلبوا منه بلطف زائف عرض تعليمه ومبدأ فلسفته، ولكنّ قلوبهم لم تطلب الله، وأذهانهم لم تكن جائعة إلى البرّ، وما فكّروا إلاّ بإخضاع أفكار بولس لأنظمة ألعاب مبادئهم. فليس أحد آمن بإمكانية معرفة الحقّ صحيحاً، لأنّ الله كان محجوباً عنهم، فزنى تفكيرهم مستسلماً إلى كلّ فكر مُتَبَجِّح، وانفتحوا لكلّ مذهب جذّاب، كما أن فلسفتهم لم تكن إلاّ إبراز الأنا المستأثرة فكلّ واحد مِن هؤلاء المساكين أراد إظهار عبقريته الخياليّة، فما عرفوا أنّ الله هو وحده العظيم، وكلّنا باطلون وَعَدَم، علماً أنّ أحد حكمائهم أدرك عماه، واعترف متشائماً: أنا أعرف أنّني لا أعرف شيئاً إِنَّه حقّاً أنّه لم يدرك الله، فلم يعرف نفسه، لأنّه أعمى قائد عميان.

الصّلاة: أيّها الإله القدّوس الحقّ، احفظني مِن تمرّد الأفكار لأستسلم لمعرفتك، ولا أضلّ في تلاعب الأفكار الفلسفيّة، مؤلّهاً أناساً آخرين ونفسي. أنت عظيم وحدك، وكُلُّنا باطلون خطاة زناة بأرواحنا. اغفر لنا ذنوبنا الفكريّة، وقدّس أذهاننا لنثبت في كلمتك الطاهرة.

17: 22 فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسَطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَثِينِيُّونَ، أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيراً، 23لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُ إِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضاً مَذْبَحاً مَكْتُوباً عَلَيْهِ: لإِلهٍ مَجْهُولٍ فَالَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ 24الإِلهُ الَّذِي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي، 25وَلا يُخْدَمُ بِأَيَادِي النَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي الْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْساً وَكُلَّ شَيْءٍ 26وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ النَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ الأَرْضِ، وَحَتَمَ بِالأَوْقَاتِ الْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، 27لِكَيْ يَطْلُبُوا اللّهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً 28لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ 29فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ اللّهِ لا يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ اللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرٍ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَاخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ.

أثينا مدينة جميلة لطيفة، ولكن أورشليم أعظم. الأكمة حول أثينا والسهول والبحر تنسجم كنغمة بديعة، ولكنّ أورشليم تشبه مذبحاً محاطاً بأكمة جبال الدَّينونة والنّعمة. لقد وقف بولس وسط محور الفن اليوناني في مركز الثقافة الأثينيّة في فيء الجبل المؤلّه “البرتنون”، وكافح لأجل الله الواحد الخالق القدير الضابط الكلّ. ولم يكرز بولس بالمسيح المصلوب، لأنّ مستمعيه لم يفهموا الغفران ولم يطلبوه. فلم يبيّن بولس أسس إيمانه كلّها، ولا استجاب لطلب النّاس والظروف المحيطة، ولم يعترف بأفكاره الرّوحيّة المحجوبة عن المستمعين، إنّما بشّرهم ليخلّصهم، وابتدأ مِن أول درجة، وهي مخافة الله بدء الحكمة فحاول المبشّر الحكيم أن يُحرِّرَ الأثينيين مِن الاعتقاد بالآلهة الكثيرة، ليقودهم إلى وحدانيّة الله، وإلى المسؤوليّة أمامه، فيبتدئوا يسألون مشيئته تائبين مرتجفين مِن شخصيته القدّوسة.

ولم يدن بولس الفلاسفة المتعلّمين لأجل جهالتهم الرّوحيّة، بل ارتبط بتديّنهم السطحي، وأكرم مقاصدهم الصالحة، رغم أنّه استاء في صميم قلبه مِن آلهتهم الكثيرة. إِنَّ الرسول استطاع التَّمييز بين الأشخاص الضّالين وحالتهم الضّالة، فلم يرفض الضّال الطالب، بل قدّم له ضالته المنشودة. كلّ النّاس يشتاقون إلى الله، ولكنّهم لا يعرفونه، ولا يستطيعون التقدّم إليه لأجل خطاياهم.

وانتصب بولس وسط العباقرة المتخيّلين، وقال بجرأة إِنَّه عارف الإله المجهول والمستتر عنهم، والذي يبشّر به. إنّ في هذا لعجباً! لقد حاول اليونانيون إرضاء كلّ الأرواح والآلهة معاً، ولكي لا ينسوا أيّ إله لم يعرفوه، فإنّهم بنوا مذبحاً للإله المجهول، وقدّموا عليه ذبائح لحماية أنفسهم مِن غضبه. فبولس استخدم هذا المذبح الوثني كهمزة وصل بين وثنيتهم وإيمانه، ودلّ مستمعيه بواسطته على خالق الكلّ، الّذي يدير حتّى اليوم السماوات والأرض، الغيوم والأرواح، وتسكن في يديه البحور والفضاء والنجوم، حتّى إِنَّهُ أحصى شعرك أيضاً، كلّنا في حاجة ماسة في أيامنا التكنولوجيّة، أن نتعمّق في مجد وعظمة الله الخالق، لكي ندرك عمليّاً أنّ العلوم الحديثة، في الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء والفلك، ليست إلاّ تفاسير متواضعة لقدرته غير المحدودة. فالله الحيّ أعظم مِن عقولنا، وأعلى مِن قدرة إدراكنا، لأنّه هو خلق جمجمتنا الصغيرة. كلّنا مخلوقون، أمّا هو فروح خالق، وإنّنا منفصلون عنه لأجل خطايانا. هذه هي العلاقة الأساسيّة بين الإنسان والله. كلّنا نحتاج إلى معرفة الله الخالق مِن جديد، وتوجيه أفكارنا إليه، لكيلا نؤلّه العلوم والتكنولوجيا والنّاس والمال، وننسى الله الحقّ الواحد.

والله العظيم غير محتاج لا إلى العبادة، ولا إلى الذبائح. فهو قدّوس وعظيم في ذاته، غير متعلّق بعون النّاس، ولا يطلب غذاء ولا ذبائح، وليس هو بمحدود ومحبوس في هياكل وكنائس ومعابد، وليس روحه متحجّراً في أصنام أو حجارة غريبة. إنّ إلهنا حرّ ومجيد ويحقّق مقاصده في خلق الحياة باستمرار في النّاس والحيوانات والنبات، وحتّى النجوم الجديدة فإنّها تتكوّن بمشيئته مِن غازات ضبابيّة نوريّة، ثم تتكاثف مادة صلبة. فمَن يكرم الخالق يؤدّي أوّل واجب تجاهه. وشكرنا وسجودنا لا بدّ منهما إن أدركنا مجده. وهكذا حاول بولس تحرير مستمعيه مِن الإيمان بأصنام ذهبيّة وهياكل مرمريّة، وقادهم إلى الله الخالق العظيم.

وأشار الرسول بعدئذ إلى ضابط الكلّ، الّذي يتدخل في تاريخ الشّعوب. لقد خلقنا مِن آدم، وأعطى لكلّ أمة وصايا، وطوّر الشّعوب رغم سلطة الخطيئة الساكنة في أجسادهم. ولكن مَن يحفظ شريعته يبقى. أمّا مَن يترك الله، فيغرق في رفاهيّة الأنانيّة. إِنَّ الله الرحوم يعطي كُلَّ عشيرة وكُلَّ شَعبٍ زمناً للتأمّل وتحقيق المواهب والنجاح، ويحدّد لهم حدود مسكنهم. ولكن مَن يفقد احترام الله يفقد حقوقه الإنسانيّة أيضاً. فأهمّ واجب لكلّ الشّعوب هو أن يطلبوا الله ويجدوه، لأنّ هدف طموحنا ليس المال أو الشرف أو السّلطة أو العلم، بل الله الحيّ نفسه فكلّ إنسان غير متّجه نحو الله هو ضالّ. فهل تطلب ربّك أم تدور حول نفسك؟ هل تركض وراء أهداف فانية أَم تثبت في معطي الكلّ؟ إنّه خالق الحياة يوميّاً، ويدير الشّعوب حسب أخلاقهم.

والله العظيم لا يجلس على غيوم السّماء، ولا يحلّ في هياكل حجريّة، لأنّه روح، وهو موجود في كلّ مكان، فليس هو غائباً بعيداً عنا مستحيلاً الاقتراب منه، بل هو قريب إلى جانبك، ويسمع كلّ كلمة مِن كلماتك، ويعرف أفكارك، وضميرك مكشوف أمامه، وتظهر كلُّ بقعة فيه، كما يظهر هيكل الإنسان في جسده أمام الأشعة الكهربائيّة بآلة الطبيب. ولا تستطيع أن تخفي شيئاً عنه، وضميرك يعلن خطاياك.

ومَن يدرك تقارب الله منّا ونحن خطاة، ويشعر مرتعباً بمحبّة الله يسجد للذي خلقنا

 على صورته. واستخدم بولس لتوضيح هذه العلاقة المبدئيّة بين الله والنّاس كلمة مِن الفلسفة اليونانيّة “إنّنا ذريّة إلهيّة”. هذه الجملة رهيبة، فمصدرنا ليس العدم ولا المادة وحدها ولا الشرّ مطلقاً. إِنَّنا آتون مِن الله، ونحن فيه، وهو هدف سيرنا فينبغي أن تتوجّه أفكارنا إلى الله فقط، وإلاّ نحن خطاة. وليست تماثيل الفن، ولا الأبنية الفخمة المتلألئة بالذّهب في أشعة الشّمس، وليست أنظمة الأفكار الفلسفيّة هي دلالة على مجد الله في الدنيا، إنّما كلّ إنسان هو مِن ذرّية العلي، ومدعو ليحقّق صورته.

الصّلاة:أيّها الإله القدّوس، لقد خلقت الكون، وتحفظه في صبرك. فيك نعيش وبرحمتك نستمرّ. نشكرك لعظمة محبّتك. أرشِد أفكارنا دائماً إليك.

17: 30 فَاللّهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النّاس فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ 31لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ 32وَلَمَّا سَمِعُوا بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ كَانَ الْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ، وَالْبَعْضُ يَقُولُونَ:سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هذَا أَيْضاً! 33وَهكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسَطِهِمْ 34وَلكِنَّ أُنَاساً الْتَصَقُوا بِهِ وَآمَنُوا، مِنْهُمْ دِيُونِيسِيُوسُ الأَرِيُوبَاغِيُّ، وَامْرَأَةٌ اسْمُهَا دَامَرِسُ وَآخَرُونَ مَعَهُمَا.

لقد أرى بولس الفلاسفة عظمة الله الخالق، ومعنى الإنسان كصورة إلهيّة مِن ذرّيته. فمَن يهلك هذه الصورة في ذاته، يسقط في الدينونة. والله عيّن يوماً سيدين فيه الجميع، فكلّ ضمير وكلّ شعور للحقّ، وكلّ أديان العالم تعلم أنّ الله سيدين الجميع. فلا بدّ مِن الدينونة العادلة. والمقياس في هذه المحكمة الإلهيّة هو الله بنفسه وقداسته، كما قال: كونوا قدّيسين، لأنّي أنا قدّوس. فالدَّينونة هي الفكر الرابع الأساسي الّذي قدّمه بولس لمستمعيه.

فنظراً لحقيقة الدَّينونة المقبلة علينا، دعا بولس كلَّ النّاس للرجوع وتغيير التفكير وتجديد الأذهان. إنَّنا لا نعيش لنتبع مُثُلاً عليا، ولنشترك بخرافات آلهة أو أرواح، بل نسرع حتماً إلى يوم الدين هدف البشر. فليست الأحلام ولا الأفكار الإلحاديّة ولا التمتّع بالفنون تعني الحياة، بل الاستعداد للدينونة. ولم يترك الله الخيار للإنسان أن يستعدّ ليوم الدين حسب رغبته أو لا يستعدّ، بل يأمر كلّ النّاس، في كلّ القارات، أن يرجعوا إليه، ويتركوا غباوة الفلسفة الملحدة، ولا يبنوا ذواتهم على آلهة العلوم التكنولوجيّة الميتة؛ فإنّ الله وحده هو الحقيقة، وليس دين بدون يوم الدّين. فالدّعوة إلى التّوبة، كانت الموضوع الخامس الّذي طرقه الرسول بولس في محاضرته.

وبعد هذا التمهيد الطويل العميق، ابتدأ بولس بالجزء الثاني مِن عظته، قائلاً: إن الله سيمارس دينونته بإنسان واحد يسوع المسيح، فهو قدّوس وبلا لوم ولم يجد الموت حقّاً فيه. وهذا الرجل هو الوحيد الّذي أقامه الله مِن الأموات. هو حيّ وقد غلب الخطيئة، والموت، وكلّ التجارب، واختبر كلّ الضيقات ووسوسة الشيطان. فلهذا له الحقّ والقدرة أن يدين كلّ النّاس، وقد دُفع إليه كلّ السلطان في السّماء وعلى الأرض. فإبراز المسيح ديَّاناً هو الفكرة السّادسة في العظة على أكمة الأريوباك.

ولكن ليس هدف المسيح الهلاك أو إبادة الخطاة، إنّما يقصد إنشاء مملكة السّلام وتنفيذ الخلاص لكلّ البشر. ولا يتمّ الدخول في رحاب الله بواسطة تلاعب الأفكار الفلسفيّة، بل بواسطة الإيمان الّذي هو التسليم المطلق إلى الله. والمسيح يساعدنا على هذا الإيمان، ويمنحنا عهداً جديداً، هو إمكانية الهرب مِن الدينونة. فلم يطلب المسيح منّا توبة مِن تلقاء أنفسنا، ولا تغيير الذهن بقدرة عقولنا، بل المسيح يعيننا على التّوبة والتّغيير والإيمان، الّذي ليس مجرّد تصديق، بل علاقة شخصيّة مع المسيح الحيّ. والرّوح القدس هو القوّة الّّتي تثبتنا في الإيمان والسلوك الطاهر. فالإيمان بالمسيح يجدّد الإنسان، ولهذا السبب لا نستطيع أن نؤمن في الوقت نفسه بآلهة وأرواح وفلسفات، ونتبع مع ذلك المسيح، لأنّ التسليم الكامل لمخلّصنا يغيّرنا إلى صورته. فهل أدركت الفكرة السابعة في عظة بولس، وهي أنّ المسيح يمنحنا الإيمان لا الفلسفة طريقاً إلى الخلاص الأبدي؟

وأهمّ شيء نقتدي به في حياة المسيح هو قيامته المجيدة، ففيها تبلورت قوّة الله وقداسته وحكمته، إنّه محطّم الموت نهائيّاً وكلّ الضيق، والدموع غلبت في قيامته. ففكرة التشاؤم مِن الدينونة، وعدم جدوى حياتنا ليست هدف تاريخ البشر. ويجب علينا ألاّ نتبع الفلسفة الرواقيّة المتقشّفة، فالحياة الأبديّة في الطهارة والمجد والفرح تشرق في أفق مستقبلنا، وقد دعا بولس الفلاسفة بفكرته الثامنة المبدئيّة إلى الإيمان بالمسيح الحيّ المحيي، الظاهرة فيه الحياة الأبديّة بواسطة قيامته. فبهذا المبدأ أعطى مستمعيه هدفاً تاريخيّاً وتنظيماً فكريّاً لقبول هذه الحياة المسيحيّة.

فضحك عندئذ المفكّرون، لأنّ الفلسفة البشريّة تنتهي بالموت، وكلّ إدراك بشري ينتهي في الباب المؤدّي إلى الآخرة، والمفكّر المستقيم يعترف أنّه لا يقدر أن يفكّر إلاّ بالممكن المعقول. فقيامة المسيح هي، للعقل الإنساني الطبيعي؛ غير معقولة وخرافة، فالأثينيون عثروا بقبر المسيح المفتوح، وظهرت فلسفاتهم عن تصوّر الفكر ومحدوديته، والريب المشكّك فيما بعد الموت، وعدم الإيمان مطلقاً، وقال بولس بكلّ صراحة في رسائله، إنّه ما مِن إنسان يستطيع إدراك ألوهيّة المسيح بدون الرّوح القدس، فمَن يتشبَّث بروحه الخاصّ لا يكون مستعدّاً لحلول روح الله فيه.

إنّها لضربة مريرة لبولس أنّ نخبة الفلاسفة وتلاميذهم، مِن كلّ العالم، استهزأوا به جهراً، أو أهملوه وراء ظهورهم، قائلين بسخرية: إن شاء الله نسمعك مرّة ثانية. وبالحقيقة لم يسمعوا مرّة ثانية كلمة الله، لأنّ بولس ترك المدينة صامتاً حزيناً، فكبرياء الفلاسفة حرمتهم مِن خلاص المسيح. وبولس وضّح لنا في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 12؛ 2: 15 بحدّة قاطعة الفرقَ بين الفلسفة والإيمان. ولا تستطيع إدراك اختبارات بولس في أثينا، إلاّ إذا تعمّقت بالفقرة المذكورة في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس.

ولكنّ الشهادة بوحدة الله الخالق العظيم، والدّعوة إلى التّوبة قبل دينونة الله، وعرض الإيمان بالمسيح المقام، لم تبق بدون ثمار، إذ إنّ رجلاً مِن المسؤولين في محكمة آريوس باغوس، وامرأة محترمة، وبعض الأفراد قبلوا الإيمان بالمسيح، وتجدّدوا بواسطته إلى الحياة الأبديّة؛ فتكوّنت في أثينا، وسط كبرياء الفلاسفة العمي، كنيسةٌ صغيرةٌ متواضعةٌ عائشةٌ مِن ملء حياة المسيح المُقام مِن بين الأموات.

الصّلاة: أيّها الإله القدّوس، نسجد لك، لأنّ ملكوتك غير مبني على حفظ الناموس (الشريعة)، ولا على المفاهيم الفلسفيَّة المختلفة، بل على الإيمان بابنك يسوع المسيح الّذي حرَّرنا مِن خوف الدَّينونة إلى ابتهاج الحياة الأبديّة.

8تأسيس كنيسة كورنثوس

(18: 1-17)

18: 1 وَبَعْدَ هذَا مَضَى بُولُسُ مِنْ أَثِينَا وَجَاءَ إِلَى كُورِنْثُوسَ، 2فَوَجَدَ يَهُودِيّاً اسْمُهُ أَكِيلا، بُنْطِيَّ الْجِنْسِ، كَانَ قَدْ جَاءَ حَدِيثاً مِنْ إِيطَالِيَا، وَبِرِيسْكِلاَّ امْرَأَتَهُ – لأَنَّ كُلُودِيُوسَ كَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يَمْضِيَ جَمِيعُ الْيَهُودِ مِنْ رُومِيَةَ فَجَاءَ إِلَيْهِمَا 3وَلِكَوْنِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِمَا أَقَامَ عِنْدَهُمَا وَكَانَ يَعْمَلُ، لأَنَّهُمَا كَانَا فِي صِنَاعَتِهِمَا خِيَامِيَّيْنِ 4وَكَانَ يُحَاجُّ فِي الْمَجْمَعِ كُلَّ سَبْتٍ وَيُقْنِعُ يَهُوداً وَيُونَانِيِّينَ.

إنّ الأسلوب التبشيري الحكيم، الّذي يتخّذ مِن التدّين الموجود في النّاس منطلقاً للبشارة بالمسيح، لم ينفع بولس كثيراً في أثينا، لأنّ الفلاسفة اليونان استهزأوا بقيامة المسيح بالرّوح نفسه كما استهزأ المجلس اليهودي الأعلى بالمسيح وخلاصه مِن قبل. فترك بولس حسب أمر ربّه هذه المدينة المستكبرة (متّى 10: 14)، لأنّ الناموسيين (الشريعيين) والفلاسفة مرضى في المستشفى نفسه. الأوّلون يريدون إكمال الناموس (الشريعة) في قوّتهم الذاتيّة، والآخرون يقصدون إدراك الله بأفكارهم الذاتيّة. وكلاهما مستحيل. فالناموسيون (فالشريعيون)لم يريدوا قبول الخلاص مجّاناً. والفلاسفة لا يريدون إخضاع عقولهم تحت الوحي، فهم أنانيون مستكبرون منعوا أنفسهم مِن رحمة الله عمداً. فالإنسان الطبيعي لا يدرك الله الحقيقي بدون إنارة روحه، ولا يقدر أن يتمّم الناموس (الشريعة) إلا بمحبّة هذا الرّوح، فالناموسي (فالشريعي) يبقى قاسياً في ذاته، بينما الفيلسوف جاهلٌ غبي رغم أفكاره المحلِّقة. وقد ترك بولس الّذي استهزئ به مِن مدينة الأصنام والمفكرين، وقلبه متألّم. وشعر مسبقاً أنّ أمواج الأرواح المفكرة الملحدة ستسبّب ضرراً كبيراً وخراباً في تاريخ الكنيسة، لأنّ الأرواح لا تريد الخضوع لله.

فوجد بولس خيراً لمّا أرشده الرّبّ الحيّ إلى زوجين يهوديين، ما تكلّما كثيراً، بل صلّيا وآمنا واشتغلا بأيديهما، والأغلب أنّهما أصبحا في روما مؤمنين بالمسيح. ولكن لمّا ابتدأ في العاصمة هناك اضطهادٌ رسميٌّ ضِدَّ اليهود، في زمن القيصر كلوديوس (41-54)، هربت عائلة الخياميّين إلى كورنثوس، وهي ميناء كبير مشهور بنجاسته وغناه، وشعبها كان خليطاً مِن شعوب العالم، ووجد بولس عند هذين الزوجين المؤمنين عملاً له، لأنّه لم يقبل عطايا، بل اشتغل بيديه لكسب معيشته، هو وزملاؤه.

هكذا اشتغل بولس في كورنثوس كخيّام أثناء النهار، ووعظ بعد نهاية الشغل. لم يسترح مساء أو في أيام الفرص ولا سبتاً، بل ضحّى بوقته وقوّته للربّ. وفي هذه الأيام الأولى الّّتي قضاها هنالك كان بولس مقتصراً على الخدمة التعليميّة في كنيس اليهود فقط. وربّما دفعته الخبرة المرّة في أثينا إلى فترة صلاة وتأمل، حتّى يراجع كلّ أساليب تبشيره، وأسس كرازته، كما نقرأ في الرسالة الأوّل إلى كورنثوس 1: 18-2: 16 فإن قرأت هذه الآيات بدقّة تشعر بحالة بولس آنذاك.

18: 5 وَلَمَّا انْحَدَرَ سِيلا وَتِيمُوثَاوُسُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، كَانَ بُولُسُ مُنْحَصِراً بِالرُّوحِ وَهُوَ يَشْهَدُ لِلْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ 6وَإِذْ كَانُوا يُقَاوِمُونَ وَيُجَدِّفُونَ نَفَضَ ثِيَابَهُ وَقَالَ لَهُمْ:دَمُكُمْ عَلَى رُؤُوسِكُمْ أَنَا بَرِيءٌ مِنَ الآنَ أَذْهَبُ إِلَى الأُمَمِ 7فَانْتَقَلَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ اسْمُهُ يُوسْتُسُ، كَانَ مُتَعَبِّداً لِلّهِ، وَكَانَ بَيْتُهُ مُلَاصِقاً لِلْمَجْمَعِ 8وَكِرِيسْبُسُ رَئِيسُ الْمَجْمَعِ آمَنَ بِالرَّبِّ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ، وَكَثِيرُونَ مِنَ الْكُورِنْثِيِّينَ إِذْ سَمِعُوا آمَنُوا وَاعْتَمَدُوا.

وحالما أتى سيلا وتيموثاوس إلى بولس، انتعش في شركة الإخوة مِن جديد. وبما أنّ أحد الأخوين أتى بعطيّة كبيرة مِن الكنائس في مكدونية (2 كو 11: 9) وجد الرسول وقتاً إضافيّاً للتبشير، وبرهن في كنيس اليهود مِن التَّوراة، أنّ يسوع الناصري المصلوب هو المسيحُ الحقّ المرفوض مِن اليهود. بعدئذ حصل ما هو متعارف عليه دائماً، أنّ كراهية الأكثريّة ازدادت، وتفاقمت بشدّة رافضين بولس ومجدّفين على إنجيله، حتّى اضطر بولس للإنفصال عنهم، قائلاً: دمكم على رؤوسكم. أنا بريء، لأنّي قلت لكم كلّ كلمة الخلاص. وهذه العبارة تعني أنّ رافضي المصلوب سيقفون في الدينونة الأخيرة كمنتحرين، لأنّهم رفضوا عمداً نعمة الخلاص، فلا يوجد لهم تكفير آخر. قد حكموا على أنفسهم بالهلاك.

ومِن هذه الحادثة فصاعداً، نرى بولس موجّهاً خدمته إلى الأمم في كورنثوس. ولكنّه لم يبتعد عن كنيس اليهود بعيداً، بل استأجر غرفة في بيت ملاصق للكنيس، عند رجل تقيّ اسمه يوستوس. ولم يخش بولس أن يكون للمسيح صيّاداً للناس، وخطف الروّاد مِن باب كنيس اليهود، ليدخلهم إلى اجتماعه الخاص في بيته. واستمرّ باجتماعاته خلال أيام الأسبوع أيضاً، وأكرم رئيس المجمع اليهودي بزيارات ومكالمات وإنارة بحقّ ومحبّة حتّى أصبح مؤمناً. وكان هذا معجزة للكورنثيين. فأصبح أنضج شخص مِن أعضاء العهد القديم مسيحيّاً، وقَبِلَ المعموديّة لنفسه وامرأته وأولاده وعبيده مِن يد بولس، ودخل إلى رحاب المسيح (1كو 1: 14) وبعد دخوله إلى المسيحيّة تبعه كثيرون وازدهرت الكنيسة كثيراً في كورنثوس.

18: 9 فَقَالَ الرَّبُّ لِبُولُسَ بِرُؤْيَا فِي اللَّيْلِ:لا تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلا تَسْكُتْ، 10لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلا يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ، لأَنَّ لِي شَعْباً كَثِيراً فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ 11فَأَقَامَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ بِكَلِمَةِ اللّهِ 12وَلَمَّا كَانَ غَالِيُونُ يَتَوَلَّى أَخَائِيَةَ، قَامَ الْيَهُودُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى بُولُسَ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى كُرْسِيِّ الْوِلايَةِ 13قَائِلِينَ:إِنَّ هذَا يَسْتَمِيلُ النَّاسَ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهَ بِخِلافِ النَّامُوسِ” (الشريعة) 14وَإِذْ كَانَ بُولُسُ مُزْمِعاً أَنْ يَتَكَلَّمَ، قَالَ غَالِيُونُ لِلْيَهُودِ:لَوْ كَانَ ظُلْماً أَوْ خُبْثاً رَدِيّاً أَيُّهَا الْيَهُودُ، لَكُنْتُ بِالْحَقِّ قَدِ احْتَمَلْتُكُمْ 15وَلكِنْ إِذَا كَانَ مَسْأَلَةً عَنْ كَلِمَةٍ، وَأَسْمَاءٍ، وَنَامُوسِكُمْ، فَتُبْصِرُونَ أَنْتُمْ لأَنِّي لَسْتُ أَشَاءُ أَنْ أَكُونَ قَاضِياً لِهذِهِ الأُمُورِ 16فَطَرَدَهُمْ مِنَ الْكُرْسِيِّ 17فَأَخَذَ جَمِيعُ الْيُونَانِيِّينَ سُوسْتَانِيسَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، وَضَرَبُوهُ قُدَّامَ الْكُرْسِيِّ، وَلَمْ يَهُمَّ غَالِيُونَ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ.

علم بولس أنّه لا بدّ، بعد اهتداء رئيس الكنيس اليهودي، أن تهجم عليه عاصفة الحقد والبغضاء، فهل يبقى في كورنثوس أَمْ يهرب؟ ما هو الأفضل للكنيسة الحديثة؟ فسأل ربّه مصليّاً، فجاوبه مجدِّداً له أمر التبشير بالصَّراحة والتَّعزية. وإنّنا نقترح عليك حفظ هذه الكلمات السَّماويَّة الّّتي تبلورت فيها مشيئة الله تبلوراً صافياً.

إنّ المسيح يمنعك مِن كلّ أنواع الخوف، لأن ليس خوفٌ في المحبَّة الإلهيّة، فالمسيح قريب مِنك لذلك تقوَّ ولا تسكت، تكلّم واشهد بحقيقة المقام مِن بين الأموات. إِنَّ إيماننا ليس ديناً ولا فلسفة، بل هو شخصٌ التصقنا به. إنّ المسيح قام، حقّاً قام. والرّبّ نفسه يؤكد لكلّ عبيده حضوره كلّ يوم إلى انقضاء الدهر. هذه هي التعزية الكبرى لرسله وخدّامه وأتباعه. لست متروكاً ولا منفرداً ولا منسيّاً. إِنَّ ربّك الّذي برَّرك يرافقك ويقدّسك ولا يفارقك أبداً، ويَثبت فيك حتَّى في لحظة الموت، فلا يصادفك شيء إلاّ ما شاءه المسيح بفيضان محبّته إنّه مرشدك بعينه، فكلّ مكائد إبليس لا تصلك، لأنّ ربّك يحميك.

وشركة الله معك غايتها النّاس الكثيرون الّذين حولك، وقد اختارهم للخلاص، ويدعوهم بواسطتك، ويسمعون في صوتك كلمته، ويأتون إليه ويتجدّدون بالإيمان، ويلتحمون في محبّة الرّوح القدس بكنيسة واحدة، داخلين رعويّة الله أعضاء شعبه المقدّس، الّذي يدعو بفضائل، الّذي دعاهم مِن الظلمة إلى النّور. ومما لا ريب فيه أنّ الرّبّ يعرف كلّ قلب في مدينتك يطلبه أو يحمده. فلا تيأس، بل آمن فقط أن انتصار المسيح يتحقّق اليوم، والمتكلّون عليه يرافقونه في موكب انتصاره.

وأكّد الرّبّ يسوع لبولس بشكل خاص، أنّه سيحدث له في كورنثوس خلافٌ ما، حصل في أنطاكية وإيقونية ولسترة وفيلبي وتسالونيكي وبيرية، فلا أحد يستطيع طرده، ومَن يحاول إيذاءه يسقط مِن يد الرّبّ. فبقي الرسول سنة ونصف في هذه المدينة الشرّيرة، وبشّر بالإنجيل بلا انزعاج بجانب كنيس اليهود وفي شركة المفديين.

وقد حدث سنة 50-51 ب م أنّ غاليون أصبح قنصلاً في كورنثوس، مشرفاً على محافظة أخائية كلّها. وعند ظهوره حاول اليهود القيام باضطهاد ضدّ المسيحيين، ولم يشتكوا على بولس، أنّه عدوّ القيصر وداعية للملك الإلهي، بل اشتكوا عليه أنّه لا يعلم ناموسهم (شريعتهم) اليهودي بصواب، ويتجاوز بهذه الطريقة الرخصة الرومانيّة للدِّين اليهودي. ولكنَّ الوالي غاليون كان مبدئيّاً ضدّ اليهود مِن فرقة القيصر كلوديوس، الّذي طرد أهل العهد القديم مِن روما، فرفض الوالي الشكوى بعنف ولم يسمح لبولس أن يدافع عن نفسه، وقد حمى المسيح إذا عبده حتّى أنّه لم يحتج أن ينطق بكلمة واحدة للدفاع عن نفسه.

ورئيس الكنيس اليهودي الجديد، الّذي رفع الشكوى ضدّ بولس إلى الحاكم، باء بالفشل. فإِنَّ الأتقياء في المجمع اليهودي أخذوه وضربوه ضرباً مبرحاً أمام عيني الوالي، لأنّ هذا الرئيس اليهودي الجديد سبَّب لجماعته سمعةً سيِّئةً أمام الحاكم الجديد. لقد حاول الحاخام الرئيس إبعاد يد المسيح عن حماية بولس، فسقطت ثقيلة عليه. فلا يقدر أحد أن يمنع إنشاء كنيسة الله، ما دام الرّبّ يحمي مختاريه. فآمن ولا تصمت. تكلّم، واشكر ربّك في شركة إخوتك آناء الليل وأطراف النهار.

الصّلاة: أيّها الرّبّ المسيح، نشكرك لأنّك حميت عبدك بولس في كورنثوس، وقوَّيته، وأكّدت له أنّكَ أنتَ معه. قَوِّ إيمانَنا، زِد محبَّتنا، واحفَظنا في الرَّجاء الحَيّ، لنشهد بجرأة أمام الضَّالّين، أنَّك أَنتَ خَلَّصتهم حَقّاً.آمين.

9عودة بولس إلى الشرق، أورشليم وأنطاكية

(18:18 – 22)

18: 18 وَأَمَّا بُولُسُ فَلَبِثَ أَيْضاً أَيَّاماً كَثِيرَةً، ثُمَّ وَدَّعَ الإِخْوَةَ وَسَافَرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى سُورِيَّةَ، وَمَعَهُ بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلا، بَعْدَمَا حَلَقَ رَأْسَهُ فِي كَنْخَرِيَا – لأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ 19فَأَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ وَأَمَّا هُوَ فَدَخَلَ الْمَجْمَعَ وَحَاجَّ الْيَهُودَ 20وَإِذْ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ زَمَاناً أَطْوَلَ لَمْ يُجِبْ 21بَلْ وَدَّعَهُمْ قَائِلاً:يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ أَعْمَلَ الْعِيدَ الْقَادِمَ فِي أُورُشَلِيمَ وَلكِنْ سَأَرْجِعُ إِلَيْكُمْ أَيْضاً إِنْ شَاءَ اللّهُ فَأَقْلَعَ مِنْ أَفَسُسَ 22وَلَمَّا نَزَلَ فِي قَيْصَرِيَّةَ صَعِدَ وَسَلَّمَ عَلَى الْكَنِيسَةِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ.

لقد أسّس الرّبّ يسوع في مكدونية واليونان كنائس حيّة بواسطة عبده بولس، الّذي كان يترك عادة أحد مساعديه في هذه الكنائس لإنعاشها وتقويتها، ومع الوقت تأكّد بولس أنّ خدمته قد انتهت في اليونان، لأنّ روح الرّبّ أرشده ليرجع إلى الكنيسة الأصليّة في أورشليم وأَنطاكية، لكي يربط الكنائس الجديدة بالكنائس السابقة، فلا تستقلّ الكنائس الحديثة بنفسها.

ولربّما نذر بولس نظراً لوحدة الكنيسة نذراً، أن يبلغ الإخوة في أورشليم بعظائم الرّبّ الّّتي أجراها، ليشتركوا في هتاف موكب انتصاره. ولا نعرف بدقّة لماذا حلق بولس شعره عائداً إلى أورشليم. ولكن المؤكّد أنّه لم يحلقه لاستنزال نعمة الرّبّ عليه، لأنّه عرف أنّ كلّ النّعمة معطاة للإيمان فقط. وربّما أراد بولس بواسطة هذا النذر أن يشكر المسيح لكلّ النّعمة الّّتي أعطاها في الماضي له ولجميع الكنائس.

ولمّا سمع أكيلا وبريسكلا أنّ رسول المسيح سيترك كورنثوس، قررا ترك المدينة أيضاً، ربّما لأنّهما اضطهدا بسبب إعطاء عمل لبولس، فسافروا معاً نحو سوريا ولكنّ السفينة رست في أفسس زمناً، حيث استقرّ في هذه المدينة الزوجان، وفتحا مشغلاً لعملهما.

وهذه المدينة العاصمة كان بولس قد اشتاق لتبشيرها منذ مدّة طويلة، ولكن الرّوح القدس منع دخوله وخدمته في محافظة آسيا. وفي اليوم الّذي رست السفينة فيه على الشاطئ، نزل بولس إلى المدينة يجول فيها، دارساً أحوالها بوعي تامّ، ليرى مقدار إمكانية الخدمة والتبشير فيها مستقبلاً ودخل كنيس اليهود، وفسّر لهم التوراة. وللعجب فقد تعجّب اليهود مِن تفسيره، وطلبوا إليه أن يرجع يوم السبت الآخر.

ولكنّ بولس رفض الانصياع إلى طلبهم، لأنّ قصده كان أورشليم، وأراد أن يذهب إليها. وكان مضطرّاً لذلك الذّهاب رغم انفتاح أبواب الخدمة على مصاريعها في أفسس، وللمرّة الثانية دفعه صوت ربّه عن هذا المركز الّذي كان الحلقة الناقصة في سلسلة الكنائس المشيدة على طول الخط مِن تركيا إلى اليونان، ولكنّ بولس لم يبشّر حسب إرادته، بل كما كتب الرسول يعقوب حسب مشيئة الرّبّ (يعقوب 4: 15) وأدرك بولس في نهاية سفرته التبشيريّة الثانية، أنّ الطريق للتبشير، في سفرة ثالثة مقبلة، هو معدّ ومهيّأ تماماً في العاصمة أفسس، لأنّه وجد هناك أيضاً مهنة يتكسّب منها وكنيساً يهوديّاً لا يعاديه مُقدَّماً، بل طلب مسؤولوه مِنه تكرار الزيارة.

فأبحر بولس بالسفينة إلى قيصرية فلسطين بقلب شكور، وصعد إلى أورشليم، وسلّم على الإخوة في الكنيسة، وسجد في الهيكل، وهو يهودي أمين. لكنّه لم يلبث فيها إلاّ قليلاً، حتّى عاد أدراجه إلى كنيسة انطاكية، الّّتي أرسلته مِن قبل إلى خدمة التبشير بين الأمم. فعظم الحمد لاسم المسيح، لأنّ نبوّة الرّوح القدس السابقة قد تحقّقت بطريقة عجيبة. في السابق كان قد انطلق مع برنابا بإرشاد الرّوح القدس بلا هدف مقصود، لكن الآن ها هي ذي الكنائس الكثيرة، مؤسّسة في سائر الأنحاء، وفيها شيوخ أمناء، والرّوح القدس خلّص وقدّس كثيرين، فانتشر خلاص المسيح محقّقاً قدرته باستمرار.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك لأجل الكنائس الّّتي تأسست بواسطة موتك على الصّليب في كلّ العالم، وقد أرشدت بروحك رسلك، وقدّست مستمعيهم بالإيمان. احفظنا مِن المضلّين والمتحمسين، ومن الفلسفات والغرور في القضايا الاجتماعية، لكي نتمسّك بإنجيلك، ونمجّد اسمك مخلّصاً ربّاً آتياً.

رابعاً: السَّفرة التَّبشيريَّة الثَّالثة

(18: 23 – 21: 14)

1بولس في الأناضول وأبلوس في أفسس وكورنثوس

 (18: 24 – 28)

18: 23 وَبَعْدَمَا صَرَفَ زَمَاناً خَرَجَ وَاجْتَازَ بِالتَّتَابُعِ فِي كُورَةِ غَلاطِيَّةَ وَفِرِيجِيَّةَ يُشَدِّدُ جَمِيعَ التَّلامِيذِ 24ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ، إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ، رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ 25كَانَ هذَا خَبِيراً فِي طَرِيقِ الرَّبِّ وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيقٍ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ، عَارِفاً مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ 26وَابْتَدَأَ هذَا يُجَاهِرُ فِي الْمَجْمَعِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ أَكِيلا وَبِرِيسْكِلاَّ أَخَذَاهُ إِلَيْهِمَا، وَشَرَحَا لَهُ طَرِيقَ الرَّبِّ بِأَكْثَرِ تَدْقِيقٍ 27وَإِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَجْتَازَ إِلَى أَخَائِيَةَ كَتَبَ الإِخْوَةُ إِلَى التَّلامِيذِ يَحُضُّونَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوهُ، فَلَمَّا جَاءَ سَاعَدَ كَثِيراً بِالنِّعْمَةِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا، 28لأَنَّهُ كَانَ بِاشْتِدَادٍ يُفْحِمُ الْيَهُودَ جَهْراً، مُبَيِّناً بِالْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ.

شابه بولس أباً له أولاد كثيرون مِن روح الرّبّ، في مدن عديدة، فاشتاق إليهم وأراد رؤيتهم. فلم يسترح مدَّةً طويلةً في أَنطاكية، بل قام ومشى على قدميه ألوف الكيلومترات في جبال وسهول، عبر أنهر وبدون حذر، وكان يعطش في الصَّحارَى، ولكنّ قلبه دفعه إلى المتجدّدين ليقوّيهم وينيرهم، ليصبحوا نوراً في الظلمة بواسطة محبّتهم العمليّة وإيمانهم الزائد. ولم يذهب بولس إلى الكنائس المرموقة فقط، ويمارس الطقوس باحترام وفخر، بل فتّش عن الأفراد والمنعزلين أيضاً، لأنّ كلّ المؤمنين كجسد واحد، وليس بعضهم بأفضل مِن بعض.

وقبل مجيئه إلى أفسس، ظهر فجأة أبلوس معلّم مؤمن بيسوع، وهو لم يأت مِن أورشليم ولا مِن انطاكية، بل مِن الاسكندرية وهذه المدينة الكبرى في حوض البحر المتوسط كانت الثانية بعد روما، وكانت مركزاً للفلسفة الإغريقية أَهمَّ مِن أثينا يومذاك، وقد حاول فيها الفيلسوف فيلو المشهور أن يوحّد الثقافة اليونانيّة مع حكمة العهد القديم، وربّما كان أبلوس متشرّباً بعض أفكار هذا الفيلسوف، لأنّه كان ماهراً بليغاً بالخطابة غزير الاطلاع.

ولم يعرف حقيقة حلول الرّوح القدس في قلبه، بل كان تابعاً لطريق يوحنّا المعمدان متعمداً بالماء، تائباً عن خطاياه ومنتظراً مجيء المسيح. وربّما التقى في الاسكندريّة أو في أورشليم بمسيحيين، وسمع مِنهم أنّ يسوع الناصري هو المسيح الحقّ. فتعمّق أبلوس في أسفار العهد القديم، وأدرك بعجب انطباق سيرة يسوع على المواعيد بالمسيح، وقبل موته على الصّليب وقيامته مِن القبر وصعوده إلى السّماء، وترقّب مجيئه ثانية، لكي ينشئ مملكة سلامه على الأرض. فبشّر أبلوس بتحمّس ونشاط وبلاغة بهذه الحقائق المسيحيّة، علماً أنّه لم يعرف لبّ الخلاص، والرّوح القدس لم يحلّ فيه رغمَ أنَّ روح الرّبّ عمل بواسطته، كما عمل في أنبياء العهد القديم، وملأ قلب يوحنّا المعمدان. ولكنّه لم يكن مولوداً ثانيةً حقّاً مِن الرّوح والماء.

ولمّا سمع الزوجان أكيلا وبريسكلا هذا الشّاب واعظاً بيسوع، متكلّماً في كنيس اليهود، فرحاً لأجل تقوية الشهادة المسيحيّة. ولكنّهما سرعان ما لاحظا أنّ هذا الرجل البليغ تكلّم كلمات صحيحة بأسلوب مدهش، ولكن تنقصه القوّة. فقد أصبح فيلسوفاً مؤمناً بالمسيح، ولم يكن ابناً لله ممتلئاً بالرّوح القدس. فدعا هذان الصانعان غير المثقَّفين ذلك الخطيب المُفَوَّه إلى منزلهما، وعلّماه حقائق الخلاص بحذافيرها. ونجد في هذه الدروس أربع أعاجيب:

1 – كان أبلوس متواضعاً حتّى إنّه تنازل إلى مستوى الصنّاع واستمع للزوجين.

2 – ظهر أَنَّ الجاهل في مسح الرّوح القدس يتكلّم بحكمة أكثر مِن الفيلسوف المؤمن بيسوع.

3 – كانت بريسكلا المرأة هي المتكلّمة والدافعة في هذا البحث، لأنّ اسمها أصبح يُذكر مِن الآن فصاعداً أوَّلاً، الأمر الّذي يدلّنا على أنّ المرأة المؤمنة تستطيع أن تعطي شهادة فعّالة واضحة.

4 – مِن المرجَّح أنّ أبلوس حصل بواسطة هذين الصَّانعَين على قوّة الرّوح القدس، مثلما حصل بولس على هذا الرّوح بواسطة حنانيّا البسيط في دمشق. فالرّبّ كثيراً ما يستخدم المطيعين الصغار ليبطل الموهوبين الكبار. فطوبى للكنيسة الّّتي أعضاؤها بسطاء مؤمنون لا ينتقدون المتكلّم أمام الحضور، ولا يغتابونه، بل يدعونه إلى بيتهم ويفسّرون له حقيقة الرّوح القدس بدقّة أكثر مما هو يفهم فمِن هذا الحوار بين الصَّانعَين وأبلوس، تبيّن أنّ بولس قد علّم أرباب عمله أثناء الشغل اليدوي، أكثر مما قدّرت كلّ الكتب الفلسفيّة أن تصبه حكماً في أبلوس، لأنّ الإيمان في الرّوح القدس أقوى مِن منطق الفلاسفة وبلاغة البُلَغاء.

 ونقرأ أيضاً أنّه كان في أفسس إخوة كثيرون. فخدمة بولس القصيرة وتعهُّد بريسكلا تُربةَ أفسس بتبشيرها كان لهما الفضل في إنشاء نواة الكنيسة هنالك، المعروفة مِن الكنائس الأخرى الّّتي حولها في حوض البحر المتوسّط.

فكتب الإخوة مِن أفسس إلى كنيسة كورنثوس، ليقبلوا أبلوس المؤمن بيسوع في لباس الفيلسوف، المقتدر أن يبرهن مِن العهد القديم أنّ يسوع هو الرّبّ المسيح الحيّ. فأبلوس لم يترك أفسس كما دخلها متّكلاً على عقله ومرتكزاً على شعوره بالتّوبة، بل بنى تبشيره على النّعمة فقط، وبرهن بالنّعمة الإلهيّة في كورنثوس أنّ المسيح هو المخلّص والمنجّي والفائز المقتدر، وببلاغته قدر أبلوس أن يغلب اليهود، حتّى آمن بواسطته كثيرون واعتبروه أباهم الرّوحي (1 كو 1: 12). ولكنّ هذا المبشّر كان في الوقت نفسه خطراً على المؤمنين، إذ لم ينضم رسميّاً إلى مجموع الكنائس المرتبطة بأورشليم وانطاكية، بل بقي مستقلاً بنفسه. ورغم هذا فقد اعتبره بولس بعدئذ أخاً في المسيح، وقبل مواهب المسيح فيه لتقوية الكنائس. فلا ترفض أيّها الأخ متكلّمين غرباء، وشهوداً مستقيمين للمسيح مِن كنائس أخرى، بل اسمح لهم أن يخدموا فرقتكم، لكي تكملوا لكمال المسيح، أمّا مروّجو البدع والانقسام فلا تقبلوهم ولا تسمحوا لهم بالدّخول إلى باب حظيرتكم.

الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ الحكيم، لأنّك دعوت مؤمنين جهلاء للشهادة. ونعظّمك لأنّك أرشدت المثقَّفين التائبين ليقبلوا إرشاد البسطاء إلى ملء نعمتك. أعطنا الجرأة والتواضع والتعاون، لندرك حاجة كنيستنا إلى تكميلها بواسطة الإخوة الأمناء مِن الكنائس الأخرى.

2انتعاش روحي في أفسس ومحافظة آسيا الأناضولية

(19: 1 – 20)

19: 1 فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا اجْتَازَ فِي النَّوَاحِي الْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ فَإِذْ وَجَدَ تَلامِيذَ 2سَأَلَهُمْ:هَلْ قَبِلْتُمُ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟ قَالُوا لَهُ:وَلا سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ الرُّوحُ الْقُدُسُ 3فَسَأَلَهُمْ:فَبِمَاذَا اعْتَمَدْتُمْ؟ فَقَالُوا: بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا 4فَقَالَ بُولُسُ:إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ 5فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ 6وَلَمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْهِمْ، فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ 7وَكَانَ جَمِيعُ الرِّجَالِ نَحْوَ اثْنَيْ عَشَرَ.

كان بولس ينزل عادةً، أثناء سفراته التبشيريّة، في العواصم ومراكز المواصلات ومحاور التجارة، عالماً أنّ مِن هذه النقط يشعّ الإنجيل تلقائيّاً إلى كلّ النواحي. هكذا أسّس كنائس في أنطاكية وإيقونية وفيلبي وتسالونيكي وكورنثوس، وفي هذه السلسلة الطويلة مِن المدن والمراكز فيما بين أورشليم وروما، كانت مدينة أفسس همزة الوصل، الّّتي لم تنفتح للتبشير بشكل واسع، ولم تتأصّل فيها كنيسة قوية حتّى ذلك الوقت.

ولمّا نزل بولس مِن السهول الداخليّة الأناضوليّة، وصل إلى هذه العاصمة الجميلة الواقعة على البحر الّّتي لها مدرج يسع خمسة وعشرين ألف شخصاً، وكانت تتمتّع بحكم  ذاتي فوّضه إليها الرُّومان وكان أهلها تجاراً مهرة. وقد أقيم في وسطها هيكل فخم لصنم الآلهة أرطاميس وهو المركز الديني للمدينة الّذي يحجّ إليه النّاس زرافاتٍ ووحداناً مِن مختلف البلاد.

ولمّا جاء بولس إلى هذه الحاضرة، وجد اثني عشر رجلاً كانوا متعلقين بتعاليم يوحنّا المعمدان، مما يدلّنا على أنّ لتلك المدينة أهمية دوليّاً وثقافيّاً، حيث تصلها مختلف التيّارات الدينيّة، ويحلّ فيها عدد مِن الأجناس، حتّى البدع الصغيرة مثل مذهب المعمدان، كانت تصبّ فيها، وقد استعدّ أتباع المعمدان هنالك في شدّة التوبة لمجيء المسيح، منكسرين لكبريائهم، فاتحين قلوبهم لربّ الإنجيل، ولربّما سمعوا مِن أبّلوس أنّ يسوع الناصري هو مسيح الله الّذي مات ودُفن وقام وصعد إلى السّماء، والآن ها هم أولاء منتظرون مجيئه الثاني، مترقبين ظهوره ليلاً نهاراً.

ولاحظ بولس، بسرعة، أنّ الإيمان بالتوبة العاطفيّة، والتعمّق في الكتاب المقدّس باستمرار، والثقة العقليّة بيسوع لا تكفي، لأنّ هؤلاء التلاميذ كان ينقصهم الرّوح القدس. فأرادوا أن يستعدّوا بتقواهم الخاصّة لمجيء المسيح، ولم يعرفوا سر النّعمة جوهر إيماننا. فعلينا الاعتراف، بكلّ خجل، أنّ كثيراً مِن المسيحيين يدرسون الإنجيل، ويقرأون الكتاب المقدّس، ويدخلون الكنائس، ويتوبون بخشوع، ويعرفون كثيراً عن الإيمان، ولكنَّهم لم يخرجوا بعد مِن عبوديّة الناموس (الشريعة) إلى حريّة الخلاص، لأنّ قوّة المسيح تنقصهم.

 فمعرفة حقائق الخلاص وممارسة المعموديّة بالماء لا تخلّصانك، بل الرّوح القدس الّذي يأتي مِن الآب والابن هو الذي يخلّصك فهدف الإيمان ليس العلم الديني فقط، بل تجديد القلوب والولادة الثانية. وغاية موت المسيح هي تطهيرنا مِن الخطايا لننال الحياة الأبديّة اليوم، بواسطة انسكاب الرّوح القدس في فؤادنا. فتأكّد أيّها الأخ العزيز أنّ هدف العهد الجديد ليس الفكر ولا العلم ولا التّوبة ولا النّدامة ولا التقوى ولا التديّن ولا درس سيرة يسوع، إنّما غاية الخلاص هي امتلاؤنا بالرّوح القدس، الّذي هو روح المسيح الوديع المتواضع اللطيف.

سأل بولس هؤلاء الرجال الاثني عشر بكلّ صراحة: هل قبلتم الرّوح القدس، لمّا آمنتم بالمسيح؟ وهكذا نسألك شخصيّاً: هل قبلتَ الرّوح القدس حقّاً، أَم ما زلت ميتاً في خطاياك؟ لا تهرب مِن هذا السؤال، بل قف وأدرك حالك، واعترف بحاجتك، واركع وسلّم نفسك نهائيّاً إلى يسوع الحيّ، واتّحد به بالإيمان في وعوده. إِنَّك ستنال قوَّةً متى حلَّ الرُّوح القدس عليك، وتكون شاهداً له وليس لنفسك بل للّذي اشتراك بدمه الثمين خاصّة له.

وهذا التسليم الكلّي، تمّ عند الرجال الاثني عشر في أفسس بواسطة المعموديّة على اسم يسوع، ووضع يدي بولس على رؤوسهم. وعندئذٍ تسرَّبت قوّة الله إلى التائبين، وامتلأوا مِن روح الرّبّ. ونقول لك إن تَعمَّدت سابقاً على اسم يسوع، فليس ضروريّاً إعادة معموديتك، بل تمسَّك بمعموديّتك، وآمن أن الرّبّ الحيّ وعدك شخصيّاً بروحه القدّوس، وهو يعطيك حسب إيمانك طلباتك المواظبة، لأنّ المسيح نفسه يشاء أن يملأك بفضائله، لتعيش إلى الأبد

. وقد قال يسوع بكلّ وضوح: اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم. فاطلب مِن ربّك انسكاب الرّوح القدس فيك، فيحلّ الله في قلبك، ويصبح جسدك هيكلاً للرّوح القدس، ويمتلئ فؤادك بمحبّة طاهرة، وينطلق لسانك، وتشترك في شوق المرنمين الممتدّ في كلّ قارات أرضنا. وحمد الله مِن القلوب الفائضة بالرّوح هو العلامة الواضحة للمَفديِّين فهل يَسمع أصدقاؤك وأقرباؤك شكرك للخلاص؟ هل تحب ربّك؟ وهل تشكره باستمرار؟ إنّ كلّ كلماتك تتغيّر إن ثبتَ الرُّوح فيك عندئذٍ لا تُمجِّد ذاتك بل الله، ولا تشهد بقدرتك، بل تعظّم المسيح مخلّصك. وكلّ كلمةٍ بذيئة تزول، وكلّ كذب يمضي، لأنّ روح الرّبّ يخلق فيك قلباً جديداً ولساناً جديداً وخليقة جديدة.

وبجانب الحمد والتعظيم، يكون الثَّمر الثَّاني مِن انسكاب الرّوح القدس في قلبك، أن تدرك أسرار الله أكثر مِن نبي، وترى فجأة أنّ الله أبوك لا يستطيع إنسانٌ أنّ يقول إِنَّ الخالقَ الأزلي، القادر على كلّ شيء، هو أبوه، ومستحيل التفكير أنّ لله أولاداً، بطريقة جسديّة. ولكنَّ المولودين مِن الرّوح القدس يعرفون تلقائيّاً، أنّهم ليسوا أناساً طبيعيين فقط، بل لأجل موت المسيح، حصلوا على حقّ التبنّي الإلهي، ودخل فيهم جوهر الله بالنّعمة. ولمّا أتى الرّوح القدس إليهم عرفوا قلوبهم، وشرّ جميع البشر. ولكنّ انتصار المسيح أشرق على كلّ الظلمة، مانحاً إيانا اليقين بتبرُّرنا، حتّى نتنبّأ أنّ ملكوت الله يأتي بالتّأكيد وينتصر نهائيّاً، لأنّ القوّة الموهوبة لنا هي عربون لمجد عتيد أبدي، غير فانٍ، نامٍ غالب.

فنسألك مرّة أخرى: هل قبلت الرّوح القدس؟ هل تحمد الله أباك، وتمجّد المسيح مخلّصك بكلّ قلبك وسلوكك؟ هل تأكّدت مِن أُبوَّة الله، وتترقب مجيء المسيح الثاني؟ عندئذ نؤكّد لك أنَّكَ مِن مواليد الرّوح القدس، وواحدٌ معَنا في انكسار القلب والمحبّة والفرح.

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نسجد لك بتهلل، لأنّك فديتنا بابنك الحبيب مِن كلّ خبثنا، وغفرت لنا خطايانا كلّها، وطهّرت ضمائرنا بدم المسيح، وملأتنا بروحك القدّوس الطاهر اللطيف. امسح كلّ شاب وبنت مِمَّنْ يطلبونك مِن كلّ القلب، واملأهم بقدرتك، لأن ليس أحدٌ يقدر أن يُخرج روحك مِن ذاته. فنؤمن بنعمتك وعملك وجريان خلاصك. آمين. تعال أيّها الرّبّ يسوع.

فَلَمَّا سَمِعُوا اعْتَمَدُوا بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ

(أعمال الرسل 19: 5)

19: 8 ثُمَّ دَخَلَ الْمَجْمَعَ، وَكَانَ يُجَاهِرُ مُدَّةَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ مُحَاجّاً وَمُقْنِعاً فِي مَا يَخْتَصُّ بِمَلَكُوتِ اللّهِ 9وَلَمَّا كَانَ قَوْمٌ يَتَقَسُّونَ وَلا يَقْنَعُونَ، شَاتِمِينَ الطَّرِيقَ أَمَامَ الْجُمْهُورِ، اعْتَزَلَ عَنْهُمْ وَأَفْرَزَ التَّلامِيذَ، مُحَاجّاً كُلَّ يَوْمٍ فِي مَدْرَسَةِ إِنْسَانٍ اسْمُهُ تِيرَانُّسُ – 10وَكَانَ ذلِكَ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، حتّى سَمِعَ كَلِمَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ جَمِيعُ السَّاكِنِينَ فِي أَسِيَّا، مِنْ يَهُودٍ وَيُونَانِيِّينَ 11وَكَانَ اللّهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُّوَاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ، 12حتّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى، فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ.

منذ مجيء المسيح الأوّل، أصبح شعار تاريخ عالمنا كيان ملكوت الله على الأرض ونموّه وإكماله. وكلّ التَّطورات السِّياسيّة والثَّوريَّة والدِّينيّة والاقتصاديَّة، ليست إلاّ مخاضاً لظهور ملكوت الله أبينا. وقد دعا يسوع لهذه المملكة الرُّوحيَّة الحاضرة فيه باستتار، فهو الملك الإلهي وربّ الأرباب. ولكنّه لم يسيطر الآن على شعوب الأشرار، بل أرسل روحه اللطيف المنسكب إلى قلوب المصلّين. فمنذ هذا الوقت، حضر ملكوت الله مستتراً في الكنيسة الحقّة، وامتدّ إلى جميع القدّيسين الحامدين أمواتاً وأحياء، لأنّهم شعب الله الحيّ. ولكنّنا نترقّب وصول المسيح الظاهر، ليتضح للخليقة كلّها أنّه ربّ المجد، وأَنَّ موكب انتصاره يمرّ بهتاف في جميع البلدان. هل وصل ملكوت الله إلى قريتك ومدينتك ومدرستك؟ إنّ المسيح قال حيث يجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، هناك أكون في وسطهم.

إنّ عظات بولس عن ملكوت الله بمثل هذه الأفكار، كانت طيلة ثلاثة أشهر مواضيع أبحاثه مع المجتمعين في كنيس اليهود في أفسس، وكلّ أهل العهد القديم استمعوا بلذّة وانتباه، لأنّ كلّ يهودي يترقّب انبثاق سلطان الله على الأرض. ولكنّ بولس تقدّم وقال: لا يأتي الملكوت في المستقبل، بل قد صار. فالملك مولودٌ وكان حيّاً، وقُتل وغلب الموت، وأطفأ غضب الله، ومحا خطايانا، وارتفع إلى أبيه مالكاً وبانياً ملكوته.

لم يناقش بولس ملكوت الله كموضوع فلسفي، بل أعلنه وطلب الخضوع الكامل له، والتَّسليم إلى الملك الإلهي. فليس ديننا فكراً تقيّاً، أو قانوناً مستحيلاً تطبيقه، بل التصاقاً بشخص حيّ، يسوع المسيح المنتصر على الموت والشيطان.

لم يكن كلّ المستمعين في كنيس أفسس موافقين على عظات بولس ولم يتوبوا جميعاً، بل إِنَّ بعضهم تقسّى، وعارضوا الرسول وشتموه جهراً. وللعجب فإنّ عامة النّاس لم يسكتوهم، إنّما بقوا صامتين، وأرادوا مشاهدة الفريق الّّذي سيغلب. عندئذ قرّر بولس الانعزال، لأنّ كرازة الإنجيل ليست مسابقة، بل إعلان وخلاص وفداء، فمَن يسمع ويطع يخلص ومَن يقبل المسيح مخلّصاً شخصيّاً يعش إلى الأبد.

وبعض المستمعين قرّروا نهائيّاً تسليم حياتهم ليسوع، وتبعوه وأرادوا أن يسمعوا أكثر

 عن ربّهم الحيّ، فقد أصبحوا تلاميذ. وأفرز بولس هذه الجماعة المستعدّة لملكوت الله مِن الشاتمين والسامعين بلا مبالاة، وكوّن مِن التلاميذ كنيسة حيّة.

ولهذه الغاية استأجر بولس داراً كبيرة مشابهة للجامعة، ولم يعلّم المستمعين يوم السبت فقط، بل وزّع كلّ يوم للجائعين إلى خبز الحياة الغذاء الرّوحي. ويا للعجب! فإنّ بولس كان يشتغل صباحاً وبعد الظهر بيديه لكسب معيشته، ويعظ ظهراً ومساء في أوقات الاستراحة. فكان هذا الرَّجل الطرسوسي ملبوساً بمحبّة الله، وممتلئاً بمواهب النّعمة، فبذل حياته في سبيل ملكوت يسوع.  وعظ بولس واشتغل طوال سنتين، بكلّ قوّة قلبه وجسده، رغم ضعفه الشخصي، حتّى كملت نعمة المسيح في ضعفه.

وكثيرون مِن أهل القرى والمدن المحيطة تراكضوا إلى أفسس، ليروا هذا الرجل اليهودي الغريب وتكلّموا عنه في السوق وفي مجالس النساء وحلقات الشبيبة، فكان هو موضوع الأبحاث. الكلّ شعروا أنّ بولس لم يقدّم لهم أفكاراً فلسفيّة فارغة بمثل عليا، بل تجري مِنه قوّة الله مباشرة إليهم، مزعزعةً القلوب ومجدِّدةً النَّاس وخالقةً رجاءً في اليائسين.

وحدثت عجائب فائقة، لقد شُفي المَرضى أَيَّامَ المسيح بلمس ملابسه، وبمرور بطرس شُفِيَ المرضى بفيئه، وعند بولس خطفوا وزرة مهنته أو منديله الّذي كان يمسح به عرقه، ولمّا تناوله المرضى شفوا، إن كانوا قد آمنوا بالمسيح. ولكن انتبه، إِنَّ بولس لم يصنع عجائب وآيات، بل الله برهن قدرته وطرد أمراضاً وأرواحاً شرّيرة مِن المساكين بواسطة الإيمان بالمسيح الّذي كان بولس رسوله.

وابتدأ في محافظة آسيا انتعاش روحي كبير، لم يحدث مثله  في أي منطقة مِن حوض

 البحر المتوسط قبلاً. لقد فكّر بولس قبل سنين أن يذهب تلقائيّاً إلى أفسس لتبشيرها، لكنَّ الرّوح القدس منعه مِن الذَّهاب إلى العاصمة فأطاع الرسول جذب الرّوح، وانقذف إلى أوروبا، وللمرّة الثانية رفض التجربة، ولم يبق في أفسس رغم الفرص الإيجابيّة، بل أتمّ نذره مطيعاً لربّه. فلهذا أثبت يسوع الحيّ إطاعة عبده وفتح بواسطته كنوز ملكوته، وأظهر قدرته، لأنّ يسوع حاضرٌ وعاملٌ ومخلِّصٌ، حيث يستسلم النّاس مطيعين لروحه.

الصّلاة: نعظّمك أيّها الآب السماوي لموكب انتصار ابنك الواصل إلينا اليوم، ونشكرك لأجل القوّة الإلهيّة النَّابعة مِن الصَّليب. قدِّسْنا إلى طاعةٍ كاملةٍ. لتكن مشيئتك، وليأت ملكوتك عندنا وفي كلّ الأرض.

19: 13 فَشَرَعَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ الطَّّوَافِينَ الْمُعَّزِمِينَ أَنْ يُسَمُّوا عَلَى الَّذِينَ بِهِمِ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، قَائِلِينَ:نُقْسِمُ عَلَيْكَ بِيَسُوعَ الَّذِي يَكْرِزُ بِهِ بُولُسُ! 14وَكَانَ الَّذِينَ فَعَلُوا هذَا سَبْعَةَ بَنِينَ لِسَكَاوَا، رَجُلٍ يَهُودِيٍّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ 15فَقَالَ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ لَهُمْ:أَمَّا يَسُوعُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ، وَبُولُسُ أَنَا أَعْلَمُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَنْ أَنْتُمْ؟ 16فَوَثَبَ عَلَيْهِمُ الإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ، وَغَلَبَهُمْ وَقَوِيَ عَلَيْهِمْ، حتّى هَرَبُوا مِنْ ذلِكَ الْبَيْتِ عُرَاةً وَمُجَرَّحِينَ 17وَصَارَ هذَا مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ الْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي أَفَسُسَ فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَكَانَ اسْمُ الرَّبِّ يَسُوعَ يَتَعَظَّمُ 18وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ، 19وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ السِّحْرَ يَجْمَعُونَ الْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ 20هكَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ تَنْمُو وَتَقْوَى بِشِدَّةٍ.

إنّ إنشاء ملكوت الله حرب وكفاح بين السّماء وجهنّم، بين روح الله وروح الشيطان. والناس ينفتحون إِمَّا للأرواح الشريرة، أو لقوّة أبينا السَّماوي. فنجد ملبوسين مِن  جهنّم وممتلئين مِن محبّة الله.

وقد نال بعض المؤمنين في العهد القديم القدرة على أن يُخرجوا، باسم الرّبّ الحيّ، أرواحاً شرّيرة، كما نعلم هذا مِن الإنجيل، لأنّ الشياطين تقشعرّ مِن الله القدّوس. ولكنَّ اليهود لم يقدروا أن يسكبوا في المتحرّر مِن الرّوح الشرّير روحاً جديداً، فأصبح المتحرّرون بعض المرّات أكثر شرّاً مما كانوا قبلاً.

وكان سبعة شباب هم أولاد لرجل اسمه سكاوا الّذي سمّى نفسه ادعاء رئيس الكهنة، يتجوّلون في أفسس ومحيطها مخرجين أرواحاً نجسة. وهؤلاء الشباب سمعوا عن بولس، ولربّما شاهدوا كيفَ شفى باسم يسوع وغلب قوّات نجسة. ففكّروا بتجريب استعمال اسم يسوع، ليربحوا مِن وراء قدرته. فاستخدموا أَقدسَ الأسماء كقاعدة للسحر. ولكنّهم لم يعرفوا المخلّص شخصيّاً، ولم يلتجئوا إلى قدرته ولم يؤمنوا به. هذا كان ذنبهم، لأنّهم استخدموا اسم يسوع كسحر مجرّبين الله.

وروح الملبوس تحرّك تَوّاً، وصرخ بألم قائلاً: أعرف مَن هو يسوع. واسم بولس ليس غريباً عنّي. إِنَّ جهنَّم تعترف وهي تصرّ بأسنانها، أنّها تعلم غالب الشيطان، ولا تستطيع أن تغلبه بعد، لأنّ حمل الله قد رفع خطيئة العالم، وأتمّ المصالحة بين الله والنّاس. فالأبالسة تعرف الصّليب والمسيح الحيّ المقام مِن بين الأموات، وهي عالمة بإقبال ساعة الدينونة. وبولس كان أحد سفراء المسيح، وكلماته معروفة ومسجّلة في الدوائر السفلى، وأفكاره لم تكن باطلة، بل مفعمة بالقوّة لإنشاء ملكوت الله على الأرض.

أيّها الأخ، هل أدركت أن جهنّم تعرف يسوع وترتجف مِنه؟ كثيرون مِن النّاس عمي ويسدّون آذانهم ويقسّون قلوبهم ضدّ الإنجيل. إنّهم يسقطون غنيمةً في يدي الشيطان. وَهُجومُ الملبوس على الشُّبَّان السبعة مجرّبي الله كان دليلاً على هجوم الشيطان على الّذين لم يطمئنوا في رحاب المسيح، فالأرواح لم تجد لها سلطة وقوّة وحقّاً في بولس وفي أعضاء جسد المسيح الرّوحي. ولكن مَن يبق بعيداً عن المخلّص يقف بدون معرفة في دائرة الشيطان، لأنّ العالم كلّه قد وُضع في الشرّير. أمّا المسيح فيقتحم مملكة الشَّيطان ويُحرِّر الأسرى ويُخرجهم ظافراً. ومَن يتبع المسيح يختبر أنّ الغلبة الّّتي تغلب العالم هي إيماننا.

وإن حدث أن سألك النّاس: مَن أنت؟ فأجب أنا خاصّة يسوع المسيح، متبرّر بدمه ثابت فيه. وإن شاء الرّبّ ستختبر بالإيمان بشخصه، أَنَّ النَّاس يتحرّرون بواسطة شهادتك مِن سلطة الشيطان.

لمّا سمع أهل أفسس أنّ اسم يسوع معروفٌ في جهنّم، وأنّ بولس هو سفير الرّبّ الحيّ، وقع خوف على كلّ المفكّرين، وفكّروا في حالتهم وحالة أنفسهم، وتأكّدوا مِن إتيان دينونة الله، فتابوا حقّاً، وسجدوا ليسوع طالبين السماح والخلاص. ولم يعظّموا بولس البتة، بل مجّدوا يسوع المسيح الّذي فكّ قيود الخطيئة عن كثيرين في أفسس، وحرّرهم مِن كابوس السحر. وقد أتى هؤلاء النَّاجون مِن السحر، واعترفوا بذنوبهم ومكرهم وأعمالهم الظالمة جهراً أمام الرسول والشيوخ، ليتخلّوا تماماً عن كلّ خبثهم، وليشترك الإخوة الراسخون بصلاتهم للربّ أن يحرّرهم دم المسيح إلى التمام، ويقدّسهم الرّوح القدس تقديساً أبديّاً.

أيّها الأخ، إنّ المسيح لا يزال حتّى اليوم مُخلِّصاً قادِراً أن يُخلِّصك مِن سلطة الأرواح الشرّيرة، ربّما استشرت عَرّافاً مرّةً، أو اتّكلت على نوع مِن السحر، أو ذهبت إلى شيخ ليرقيك ويشفيك، أو آمنت بخرزة زرقاء أو إحدى وسائل الشرور الموجودة في محيطك. فنطلب إليك باسم المسيح أن تعترف بهذه الخطايا جهراً أمام الله. وإن أمكن أن تصلّي مع خدّام الرّبّ الرَّاسخين، لكي يحرّرك اسم يسوع مِن كلّ أربطة الشيطان. مع العلم أنّ مَن يُقدِّم للشيطان إِصبعه الصَّغير طوعاً، يأخذ الشيّطان مِنه اليدَ والذراع والجسد كلّه، ولكن مَن يتب مِن كلّ قلبه ويلتجئ إلى يسوع يحرّره ابن الله تحريراً كاملاً. فلا تُهمِلْ ساعةَ خلاصك. اليومَ يتحقَّقُ انتصارُ الله فيك إِنْ آمنتَ بيسوع.

لقد حدثت ضجَّة في جهنّم لمّا أنشئت كنيسة المسيح في أفسس، وهرب أفراد مِن الموت الأزلي إلى الحياة الأبديّة. وإيمان المفديين المشترك وشركة صلواتهم أنزلت قوّة كبيرة مِن المسيح إلى الكلمة المكروز بها، لأن ليس بسحر، ولا بعقول بشريّة، ولا بتقوى ناموسيّة (شريعية) يغلب المسيح ظلام الوثنيين، بل بواسطة كلمة عبيده فقط. ولا يمنحك المسيح اليوم قُوَّةً أُخرى قادرة أن تغلب العالم غير الإنجيل الشَّريف. فاملأ فؤادك بكلمة ربّك، لكي تثبت في شركة المصلّين، فيحرّر المسيح بواسطة خدمتكم المشتركة كثيرين مِن الملبوسين ويثبتهم في ملكوته. وهذه هي الغلبة الّّتي تغلب العالم إيماننا.

الصّلاة: نسجد لك أيّها الرّبّ يسوع، القدّوس الأزليّ، المنتصر على الموت والشيطان والخطيئة. اغفر لنا ذنوبنا، وحرّرنا مِن كلّ ارتباط شيطاني، ونجنّا وكلّ الّذين يطلبونك، وثبِّتْنا جميعاً في شركة القديسين. عليك نتّكل، وإيّاك نعظّم. أنت مخلّصنا وناصرنا ومُكمِّلُنا .آمين.

المسابقة الثالثة

لسفر أعمال الرسل

 عن: تبشير بولس للأمم.

إن أجبت عن 25 سؤالاً مِن هذه الأسئلة الإحدى والثلاثين التالية الّّتي تعالج الأصحاحات 13 – 19 مِن سِفر أعمال الرسل إجابةً صحيحةً، نرسل لك كتاباً مِن مطبوعاتنا لبنيان نفسك في الإِيمان والمحبَّة و الرَّجاء.

1  – مَن هو الرّوح القدس؟ وبماذا أمر المصلّين في أنطاكية؟

2  – لماذا اغتاظ بولس، وكيف عملت يد الرّبّ مع كلمته؟

3  – ما هي القوّة الدافعة والهدف في تاريخ الله مع البشر؟

4  – بماذا كرز بولس عن قيامة يسوع؟ وما هي البشارة الّّتي علّقها على قيامته؟

5  – كيف شهد بولس بحقّه في تبشير الأمم وكيف تحقّق هذا الإيمان في الوثنيين؟

6  – لماذا هرب بولس وبرنابا مِن مدينة إلى مدينة؟

7  – لماذا سمّى بولس كلّ الآلهة أباطيل؟

8  – ماذا عمل بولس وبرنابا في الكنائس الحديثة أثناء عودتهما إليها؟

9  – ما هو الفكر الجديد الّذي اختبره الرَّسولان نتيجة تبشيرهما في سفرتهما الأولى؟

10 – لماذا لم تقرّر الكنيسة في أنطاكية مِن نفسها حلاً للمشكلة بل طلبت مِن

       الرسل في أورشليم حَلاً نهائيّاً لها؟

11 – ما هي العبارة الّّتي قالها بطرس، وهي شعار عظته، ولماذا اعتبرتها كنيسة المسيح

       أساساً للخلاص؟

12 – ما الفرق بين الامتناع عن بعض الأشياء في سبيل المحبّة، وحفظ الناموس

       (الشريعة) لأجل الخلاص؟

13 – ما هي الأفكار الرئيسيّة في القرار الّذي اتخذه المؤتمر الرَّسولي في أورشليم؟

14 – ما هي الغاية المبدئيّة والدافع لسفرة بولس التبشيريّة الثانية؟

15 – هل كان ختن تيموثاوس ضَروريّاً ولماذا؟

16 – ماذا يعني منع الرّوح القدس للمؤمنين مِن خدمتهم وماذا تعني دعوتهم لخدمة

       جديدة؟

17 – ما هي الأعجوبة في حياة ليديا، ولماذا عمّد بولس أهل بيتها كلّهم؟

18 – ما هو الكذب الّذي كان في قول العرافة، وما هو الحقّ الّذي قاله بولس؟

19 – لماذا رتّل السجينان المعذّبان ترانيم الحمد في غسق الليل؟

20 – لِمَ تعتبر الآية رقم 31 مِن الأصحاح السادس عشر أهم كلمات الكتاب

       المقدّس؟

21 – كيف يكون يسوع المسيح ملك الملوك وربّ الأرباب؟

22 – ما كانت عادة بولس في التبشير إذا دخل مدينة؟

23 – لِمَ احتدّ بولس مِن الآلهة المتعدّدة في أثينا؟

24 – ما هي الأفكار الثلاث في أوّل جزء مِن عظة بولس عن الله أمام فلاسفة أثينا؟

25 – ما هو المخرج الوحيد مِن دينونة الله في يوم الدين؟

26 – ما هو وعد المسيح الخاصّ الّذي تلقّاه بولس في كورنثوس؟

27 – ما هي المدن الأربع الّّتي زارها بولس في نهاية سفرته التبشيريّة الثانية؟

28 – ما هي العجائب الأربع الّّتي تَمخَّض عنها الاجتماع بين أبلوس والزَّوجَين

        العاملَين؟

29 – كيف حصل الرجال في أفسس على الرّوح القدس؟ وكيف تستطيع أَنت

       الحصول

        على هذا الرّوح المبارك؟

30 – كيف ظهر ملكوت الله في أفسس؟

31 – لِمَ عُظِّمَ اسم يسوع وكلمته في أفسس تعظيماً كبيراً؟

الرجاء أن تكون الإجابة الّّتي ترسلها إلينا على ورقة مستقلّة، دون أن تضع فيها أي خطاب أو ملاحظة أو أسئلة أو أشياء أخرى.

الحياة الفضلى

ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن

 – لبنان

www.geocities.com/alhayat_alfoudla

3الرَّسولُ يُخطِّط لعودته إلى أورشليم

 وتقدّمه مِن ثمّ إلى رومية

(19: 21 – 22)

19: 21 وَلَمَّا كَمِلَتْ هذِهِ الأُمُورُ، وَضَعَ بُولُسُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ بَعْدَمَا يَجْتَازُ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ، يَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، قَائِلاً:إِنِّي بَعْدَ مَا أَصِيرُ هُنَاكَ يَنْبَغِي أَنْ أَرَى رُومِيَةَ أَيْضاً 22فَأَرْسَلَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ اثْنَيْنِ مِنَ الَّذِينَ كَانُوا يَخْدِمُونَهُ: تِيمُوثَاوُسَ وَأَرَسْطُوسَ، وَلَبِثَ هُوَ زَمَاناً فِي أَسِيَّا.

أطلق الرومان كلمة “آسيا” أولاً على إحدى المناطق التابعة لهم في الأناضول. وكانت أفسس عاصمة هذا الإقليم، ومحوراً للمواصلات. ثم أُطلقت هذه الكلمة بعدئذٍ  على القارَّة الأسيويّة كلّها، الّّتي لم تُعرف بدقّة بحدودها ومناطقها وتفصيلاتها إلاّ منذ قرن تقريباً، مِن باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ.

وفي تلك المنطقة الأناضوليّة الّّتي سُمّيت آسيا أولا، بشّر بولس زهاء سنتين ونصف، وأشبع الجياع إلى البرّ، فنشأت كنيسة حيّة، شعّت أنوار محبّتها على محيطها، وإلى آخر قرية مِن المحافظة دخلت بشرى الخلاص، فأصبحت أفسس المركز الثالث الرئيسي بعد أورشليم وأَنطاكية، لانطلاق الإنجيل إلى روما. وقد كتب بولس مِن هذه العاصمة رسالتيه الغيورتين إلى أهل كورنثوس، وتألّم مِن مشاكلهم مصليّاً، حتّى أرشد الرّبّ الإخوة هناك إلى تمييز الأرواح، وحرّرهم مِن العقد الفكريّة والنفسيّة.

وفي فترة بقائه في هذه المدينة قام بولس بمشروع جمع تبرّعات لكنيسة أورشليم المحتاجة، وأشرك الكنائس اليونانيّة والأناضوليّة في هذا المشروع الهام، كما نقرأ في رسالته الثانية الأصحاح 8-9 وبقيت هذه المدينة مئات السنين بعد ذلك محوراً للمسيحيّة، حيث رعى الرسول يوحنّا خراف المسيح هنالك، وذكرها الرّبّ الحيّ ليوحنّا في رؤياه كأمّ الكنائس في أوّلها (رؤيا 2: 1-7) وفي زمن القياصرة البيزنطيين عقد في أفسس أحد المؤتمرات المسكونيّة سنة 431 ب م.

وفي نهاية خدمة بولس هنالك سنة 55 إذ شكر المسيح لأجل انتصاره في آسيا الصغرى، وضح الرّوح القدس لرسول الأمم أنّه ينبغي له أن يرجع إلى أورشليم قريباً ليربط الكنيسة الجديدة بالكنيسة الأولى في القدس.

ولكنّ بولس أراد أن يرى أعضاء الكنائس اليونانيّة المحبوبين مرّة أخرى، وخطّط في صلوات كثيرة، وبإرشاد الرّوح القدس، للسفر أولاً غرباً نحو روما، وبعدئذ إلى الشرق تجاه أورشليم.

وعلم الرسول أنّ المدينة المقدّسة ليست هي نهاية المطاف في سفراته التبشيريّة، لأنّ الرّوح القدس أعلن له أنّ روما ستكون هدفه الأخير. فالإنجيل مندفع مِن أورشليم إلى روما، ومِن مركز الرّوح القدس إلى مركز السلطة المدنيّة، لكي يغلب سلاح البرّ كلّ الأسلحة الظالمة فما وجدت بلدة ولا حزب ولا دين، إلاّ ويطلب المسيح مِنه الخضوع. إنّه هو الرّبّ، وأمامه ستجثو كلّ ركبة، ممّا في السماوات وما على الأرض وتحت الأرض، وتعترف كلّ الألسنة أنّ يسوع المسيح هو الرّبّ لمجد الله الآب. فتعظيم هذا الاسم الفريد كان الدافع والضرورة في رحلات بولس التبشيريّة.

ولم يكن بولس عبقريّاً منعزلاً في ملكوت الله، بل خدم مشتركاً مع إخوة كثيرين، الّذين هم يمثّلون جسد المسيح الرّوحي. وليس أحد مِن الإخوة قادراً على الخدمة باستمرار بدون إخوته الآخرين، فنعترف بأنّنا محتاجون إلى صلواتك وشركتك، كما أنّك تحتاج إلى خدمتنا وابتهالاتنا، فنصلّي لأجلك، فهل تصلّي لأجلنا عمليّاً؟ لقد بعث بولس تيموثاوس ممهّداً لسفرته، الّذي خدمه بأمانة كابنه. فكان تيموثاوس هذا الخليط الدم، همزة الوصل بين الرسول والكنائس المؤسَّسة حديثاً في أغلب الأحيان، وها هوذا الآن يمهد الطريق لبولس لسفرته الوداعيّة الكبيرة.

 الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ المسيح، لأن لا السلطة ولا الشيطان يستطيعان منع موكب انتصارك الرّوحي. لقد أدخلتنا إلى رحاب ملكوتك. علّمنا أن نطيع صوتَ روحك القدّوس، لكي نركض حيثما تريد، ونقف حيثما تشاء. آمين.

4ثورة صاغة الفضّة في أفسس

(19: 23 – 41)

19: 23 وَحَدَثَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ شَغَبٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ بِسَبَبِ هذَا الطَّرِيقِ، 24لأَنَّ إِنْسَاناً اسْمُهُ دِيمِتْرِيُوسُ، صَائِغٌ صَانِعُ هَيَاكِلِ فِضَّةٍ لأَرْطَامِيسَ، كَانَ يُكَسِّبُ الصُّنَّاعَ مَكْسَباً لَيْسَ بِقَلِيلٍ 25فَجَمَعَهُمْ وَالْفَعَلَةَ فِي مِثْلِ ذلِكَ الْعَمَلِ وَقَالَ:أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سِعَتَنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ هذِهِ الصِّنَاعَةِ 26وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمَعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ، بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيباً، اسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هذَا جَمْعاً كَثِيراً قَائِلاً: إِنَّ الَّتِي تُصْنَعُ بِالأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً 27فَلَيْسَ نَصِيبُنَا هذَا وَحْدَهُ فِي خَطَرٍ، مِنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي إِهَانَةٍ، بَلْ أَيْضاً هَيْكَلُ أَرْطَامِيسَ – الإِلهَةِ الْعَظِيمَةِ – أَنْ يُحْسَبَ لا شَيْءَ، وَأَنْ سَوْفَ تُهْدَمُ عَظَمَتُهَا، هِيَ الَّتِي يَعْبُدُهَا جَمِيعُ أَسِيَّا وَالْمَسْكُونَةِ 28فَلَمَّا سَمِعُوا امْتَلأُوا غَضَباً، وَطَفِقُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ:عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ 29فَامْتَلأَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا اضْطِرَاباً، وَانْدَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْمَشْهَدِ خَاطِفِينَ مَعَهُمْ غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ الْمَكِدُونِيَّيْنِ، رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي السَّفَرِ 30وَلَمَّا كَانَ بُولُسُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ الشَّعْبِ لَمْ يَدَعْهُ التَّلامِيذُ 31وَأُنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ أَسِيَّا – كَانُوا أَصْدِقَاءَهُ – أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ لا يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَى الْمَشْهَدِ 32وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ، لأَنَّ الْمَحْفَلَ كَانَ مُضْطَرِباً، وَأَكْثَرُهُمْ لا يَدْرُونَ لأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا! 33فَاجْتَذَبُوا إِسْكَنْدَرَ مِنَ الْجَمْعِ، وَكَانَ الْيَهُودُ يَدْفَعُونَهُ فَأَشَارَ إِسْكَنْدَرُ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ لِلشَّعْبِ 34فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، صَارَ صَوْتٌ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمِيعِ صَارِخِينَ نَحْوَ مُدَّةِ سَاعَتَيْنِ:عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ الأَفَسُسِيِّينَ!

عزم بولس على الذهاب إلى أورشليم، ولكنّه تباطأ وبقي في آسيا، وقد شاء الرّبّ أن يلقّنه درساً صعباً في الكفاح مع الأرواح وامتحان إيمانه.

كان في أفسس هيكلٌ مشهور للإِلهة أرطاميس، وقد انتصب بمئة وستين عموداً مرمريّاً، على علو تسعة عشر متراً. وكان تمثال الإِلهة مصنوعاً مِن خشب أسود متين. وكان بولس، خلال السنتين اللّتين أقام بهما في أفسس، قد علم أهلها أن كلّ الآلهة باطلة، وأنّ الهياكل فارغة وبدون معنى، فامتنع المؤمنون بالمسيح عن الاشتراك بالطّقوس الأرطاميسيّة، وهزّوا رؤوسهم إشفاقاً على الّذين اتّكلوا على أصنام مصنوعة مِن حجر وخشب مذّهب.

وهذا الابتعاد عن الاعتقاد بالآلهة المتحجّرة، سرعان ما لاحظه بائعو التحف والأيقونات والصّاغة، الّذين كانوا يصنعون هياكل فضّيَّة مصغّرة مِن هيكل أرطاميس العظيم، ويبيعونها للحجّاج بربح كبير، وفي وادي النيل وبلاد الهند اكتشفوا في هذه الأيام بعضاً مِن هذه النماذج الأرطاميسيّة الفضيّة، الّّتي كان السيّاح يشترونها لحماية أنفسهم، ويأخذونها معهم إلى بلادهم. ولكن منذ أعلن بولس أنّ المسيح هو ربّ الأرباب، اضمحلَّتْ أرزاق هؤلاء الصيّاغ، لأنّ كلّ متجدّد يعرف أنّ الكتابة والخرز وكلّ ما يستعمله النّاس للحماية والحفظ ليس إلاّ خزعبلاتٍ وكذباً وخِدَاعاً بلا قوّة.

عندئذٍ جمع أحد الصَّاغة، وهو موظَّفٌ في الهيكل أيضاً، واسمه ديمتريوس، كلّ شركائه ووضّح لهم خطر الحالة، وأنّ الجوع متربِّصٌ بهم، لأنّ بولسَ جذب في بلدهم وسائر البلاد الآسيويّة النّاس مِن التقاليد وإيمان الآباء، قائلاً إِنَّ كُلَّ الأصنام والصُّوَر ليست إلاّ هباء باطلاً.

وفهم ديمتريوس زعيم الصيّاغ، أنّه ليست فقط النماذج المصغرة للهيكل باطلة عند بولس، بل أيضاً الهيكل برمّته، مما يُلحِقُ الخطرَ بالمدينة كلّها، لأنّ زعامتها الدينيّة تضمحل واقتصادها يخرب، فاعتُبر بولس العدُوَّ الأكبر لمدينة أفسس العاصمة.

فجنّ الصنّاع العاملون في الصياغة، وانطلقوا راكضين متظاهرين علناً صارخين تأييداً لعقيدتهم “عظيمةٌ هي أرطاميسُ الأفسسيين”. ولمّا وجد الهائجون زميلي بولس خطفوهما، ولكن لم يصبهما ضرر، لأنّ يد الرّبّ حمتهما وسط الهيجان. لم يكن بولس جباناً، وأراد تأييد زميليه، فقام للمبادرة إليهما، ولكنّ التلاميذ المجتمعين للصّلاة أخذوه ومنعوه، عالمين ألاّ معنى للقول والشهادة أمام جمهور أسكرته التخيّلات وتملّكه الغرور، فراح يتدفّق كنهر كبير مخيف وسط الشوارع. ففي مثل هذه التيّارات الصاخبة يفقد الفرد شخصيته وتفكيره لمدّةٍ ما، ويلتحم الجميع في روح واحد يدفعهم بلا روّية. فقد صاروا نفساً واحدة، ليس للخير بل للخراب، وحدة شرّيرة حسب الرّوح الّذي حلّ فيهم.

ولعلّ بولس الجريء كان رغم ضغط أتباعه عليه مزمعاً أن يدخل إلى المدرج، حيث يجتمع الشعب في الملمات والأفراح عادة. وكان هذا المكان يسع خمسة وعشرين ألف شخصاً، وقد أرسل فجأة المسؤولون عن الهياكل في العاصمة وسائر آسيا الصغرى خبراً لبولس، مفاده أنّ حضوره إلى المدرج الممتلئ بالنّاس الساخطين عليه لا ينفع البتّة بل يضرّ، وألحّوا على بولس أن يبقى بعيداً عنهم، أمّا الشعب في ذلك المدرج فكان يصرخ، وديمتريوس مسبّب هذا الهيجان اختفى، لأنّ المظاهرة لم تتمّ بإذن مِن البلديّة، وكان كلّ هيجان شعبي ممنوعاً مِن حكام الرومان ونظام البلدة، فخاف ديمتريوس مِن القصاص، والجمهور المجنون هاج بلا قائد في المدرج الواسع.

عندئذ ابتدأ اليهود المبغضون لبولس، يدفعون يهوديّاً آخر إلى الأمام، وكان على الأغلب مسيحيّاً، ليدافع عن بولس والكنيسة، فقبض الجمهور على هذا الشاب اسكندر كذبيحة مقبولة، ورفعوه إلى المنبر في وسطهم. لقد حاول التكلّم لأجل الكنيسة، لكن سرعان ما أدرك الجمهور أَنَّ المتكلّم لم يكن بولس نفسه، بل كان يهوديّاً آخر. فانفجروا وصَبُّوا حقدهم على اليهود في شخص اسكندر هذا، وزمجروا مدّة ساعتين كاملتين بعقيدة إيمانهم صارخين: عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين.

واليوم لا يعرف أحد هذه الإِلهة أرطاميس، فكان ديمتريوس الصَّائغ على حقّ، إذ قال إنّ شهرتها ستزول بسبب انتشار الإنجيل. ولكن آنذاك في ذلك الموقف كان عشرات الألوف مستعدّين، في سبيلها، أَن يُمزِّقوا اسكندر قطعاً وإرباً. فصلّت الكنيسة وبولس لأجل هذا المتضايق ورفيقيه الاثنين، وبسط الرّبّ يده فوق شهوده، حتّى لا تتطاول عليهم أيدي الحاقدين، فلم يصيبوا شعرةً مِن رؤوسهم. إلاّ أنّ الهواء ارتجّ مِن صراخ الجماهير المتصرفة كوحوش ملتحمة بروح شرّير.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّ جيش ملكوتك الرّوحي أقوى مِن جنود الشيطان. لم يسقط أحد مِن أولادك وسط الجماهير الهائجة في أفسس. علّمنا الاتّكال عليك، لكيلا نخاف مِن إنسان أو روح، لأنّك اشتريتنا لله خاصّة بدمك الثمين.

19: 35 ثُمَّ سَكَّنَ الْكَاتِبُ الْجَمْعَ وَقَالَ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الأَفَسُسِيُّونَ، مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي لا يَعْلَمُ أَنَّ مَدِينَةَ الأَفَسُسِيِّينَ مُتَعَبِّدَةٌ لأَرْطَامِيسَ الإِلهَةِ الْعَظِيمَةِ وَالتِّمْثَالِ الَّذِي هَبَطَ مِنْ زَفْسَ؟ 36فَإِذْ كَانَتْ هذِهِ الأَشْيَاءُ لا تُقَاوَمُ، يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ وَلا تَفْعَلُوا شَيْئاً اقْتِحَاماً 37لأَنَّكُمْ أَتَيْتُمْ بِهذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، وَهُمَا لَيْسَا سَارِقَيْ هَيَاكِلَ، وَلا مُجَدِّفَيْنِ عَلَى إِلَهَتِكُمْ 38فَإِنْ كَانَ دِيمِتْرِيُوسُ وَالصُّنَّاعُ الَّذِينَ مَعَهُ لَهُمْ دَعْوَى عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّهُ تُقَامُ أَيَّامٌ لِلْقَضَاءِ، وَيُوجَدُ وُلاةٌ، فَلْيُرَافِعُوا بَعْضُهُمْ بَعْضاً 39وَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ شَيْئاً مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى فِي مَحْفِلٍ شَرْعِيٍّ 40لأَنَّنَا فِي خَطَرٍ أَنْ نُحَاكَمَ مِنْ أَجْلِ فِتْنَةِ هذَا الْيَوْمِ وَلَيْسَ عِلَّةٌ يُمْكِنُنَا مِنْ أَجْلِهَا أَنْ نُقَدِّمَ حِسَاباً عَنْ هذَا التَّجَمُّعِ 41وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَفَ الْمَحْفَلَ.

كان رجلٌ حكيمٌ جالساً في المدرج بين الهائجين، هادئ الأعصاب ومتفهماً شعبه. وهو رئيس البلديّة، ولقبّوه بالكاتب، فلم يحاول أن يكلِّم الصارخين، بل تركهم للزمجرة والعجيج ساعتين، مفتكراً أنّهم حالما يتعبون يُقرِّعهم تقريعاً. ولمّا رأى أنّ الأكثريّة قد تعبت في الجوّ الحار، قام وابتدأ يتكلّم، فصمت الجمهور صمتاً تاماً، وأبرز المسؤول أوَّلاً شهرة الأفسسيين، وشهد أنّ الصَّنَم الخشبي الأسود للإِلهة أرطاميس قد هبط مِن السّماء، ولا ضرورة للمجادلة مطلقاً، فكلّ العالم يعرفه ولا أحد ينكر هذا الاعتقاد، فالهدوء واجبٌ ضروري، لكيلا يقع أيّ عمل متسرّع، وهو مستعدّ للبت بكلّ التفاصيل.

وبعدئذ بيّن أنّ رفيقي بولس والشاب اسكندر لم يسرقوا شيئاً، ولم يُجدِّفوا على الهياكل، كما اتَّضح مِن التحقيق الّذي أجراه أثناء صراخهم مدّة ساعتين، فهؤلاء الثَّلاثة أبرياء، والجمهور هو الملوم، لأنّه خطفهم بلا حقّ.

وبما أنّ ديمتريوس زعيم الصاغة لم يقدّم شكوى رسميّة، والغالب أنّه لم يحضر فيما بعد إلى المحفل، خوفاً مِن اتهامه بالثورة، فقد طلب الكاتب مِن جماعة الصّياغ أن يتقدّموا إليه بشكوى رسميّة، إن كان لهم أيّة أدلة اتهاميّة ضدّ شخص معين، فتأخذ القضيّة مجراها القانوني.

واستمرّ يهدّئ الشعب أكثر فأكثر، فلم يمنعهم مِن بلورة رأيهم العام واتّخاذ قرار جماعيّ، بل طلب مِنهم تقديم طلباتهم في اجتماع رسمي يحضره جميع الأهالي الّذين لهم حقّ التصويت. وهذه الأدلّة مِن لوقا تعطينا بصيرة عميقة لكيفيّة تنظيم المدن في الحضارة اليونانيّة أثناء الاستعمار الروماني.

وفي النهاية هدّد رئيس البلديّة الجماهير المصغية إلى كلامه، ودلّها على خطر غضب الرومان الّذين سحبوا امتيازات مِن كلّ مدينة غير مستحقّة ، كما أنّهم منحوا كلّ جماعة منظمة امتيازات جديدة، فلم يُرِدْ أحدٌ مِن أهل أفسس أَن يكون سبباً لفقدان لطف المعاملة الرومانيّة، بل بالعكس سعى الجميع نحو هذه الغاية وازديادها، فهدأت رؤوس المجانين خلال خطاب الكاتب الحكيم، وعاد الجميع إلى بيوتهم يجرّون ذيول الخيبة.

5السَّفرة الأخيرة إلى مكدونية واليونان

(20: 1 – 2)

20: 1 وَبَعْدَمَا انْتَهَى الشَّغَبُ، دَعَا بُولُسُ التَّلامِيذَ وَوَدَّعَهُمْ، وَخَرَجَ لِيَذْهَبَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ 2وَلَمَّا كَانَ قَدِ اجْتَازَ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي وَوَعَظَهُمْ بِكَلامٍ كَثِيرٍ، جَاءَ إِلَى هَلاَّسَ، 3فَصَرَفَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ.

أدرك بولس في الشغب الأفسسي مِن جديد، أنّ الكنيسة المنتشرة لم تكن مؤمَّنة مِن الخطر والاضطهاد بل بالعكس، فبمقدار ازدياد البركة كانت تزداد هجومات إبليس أيضاً. فعلى المؤمنين في الكنائس الكبيرة أن يصلّوا بانتباه “لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا مِن الشرّير”. لقد صلّى بولس وأتباعه الأمناء خلال مدّة الهيجان، فهدّأ الرّبّ العاصفة وخلّص المتضايقين، كما انتهر الزوبعة على بحيرة طبريا، فصار هدوء عظيم.

وبعد انفجار البغضة في أفسس، اتضح للمؤمنين أنّ بولس لم يكن قادراً بعد على البقاء في المدينة والمنطقة، لأنّ حبّ الانتقام فار في صدور الغوغائيين، ولم يعد قادراً الرسول على السَّير منفرداً في الطرق والأزّقة. ولكنّ بولس الأبوي لم يهرب خوفاً مِن الخطر الجاثم في المدينة، بل طلب نخبة تلاميذ المسيح لاجتماع منظّم، كان عكس الشغب الحاصل في المدرج، فعزّى بولس الحزانى بحضور المسيح الّذي يضع روحه القدّوس في كلّ أتباعه الأمناء.

هكذا ودّع رسول الأمم أهل كنيسة أفسس بقلب أليم، وابتدأ بسفرته الطويلة، ماراً في مناطق فيلبي وتسالونيكي وبيرية، وهو نفسه يفسّر اختباراته في هذه الرحلة برسالته الثانية إلى أهل كورنثوس الأصحاح 7: 5 بكلماته: لمّا أتينا إلى مكدونية، لم يكن لجسدنا شيءٌ مِن الرَّاحة، بل كنّا مكتئبين في كلّ شيء، مِن خارج خصومات مِن داخل مخاوف. لكنّ الله الّذي يعزّي المتضعين عزّانا. فلم يسافر بولس في رحلة صيفيّة للاستجمام، بل دخل إلى الكفاح والحرب والجهد الجهيد ضدّ التعصب والكراهيّة والتجارب. لقد امتلأ بولس بكلمة الله ووعظ بقوّة الرّوح القدس، ليس مِن أجل التبشير فقط، بل لأجل التعليم والتنبيه لتقوية الكنائس. فكان بولس راعياً أميناً، طالباً الضّالين، مضمِّداً الجراح مُوْقِعاً القصاص بالمعاندين.

ولمّا دخل بولس إلى مدينة كورنثوس سنة 56 تقريباً، خدم مدّة ثلاثة أشهر الكنيسة المزعزعة مِن التجارب الفلسفيّة والحماسيّة، ولكنه وجد بجانب كلّ هذه المجهودات وقتاً كافياً، ليؤلّف أطول رسائله للكنيسة في روما، الّّتي لم يؤسّسها هو شخصيّاً. وبهذه الرِّسالة إلى أهل روما، أبرز الرسول تعليمه بطريقة منظّمة منطقيّة بعمق وقوّة فائقة، الأمر الّذي طلبه الفلاسفة مِنه في أثينا مِن قبل، ولكنّه لم ينجز طلباتهم، لأنّهم لم يكونوا ناضجين روحيّاً، ليدركوا هذه الأفكار المسيحيّة المبدئيّة. وهذه العظة بشكل رسالة إلى أهل رومية، لا تزال حتّى اليوم أفضل عرض لمبادئ المسيحيّة بطريقة منظّمة موجزة، حتّى إِنَّ الرّوح القدس يبشّر بكلمات بولس هذه العالم إلى يومنا هذا.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنَّك أَنت الحافظ المنتصر؛ تحفظ أحبَّاءك في العواصف والضيق والهجومات والتّجارب. أَعطنا رُعاةً أمناء في كنائسنا، ومُصلِّين شُجعاناً، لنكرمك معاً بإيمان ثابت ومحبّة فائقة ورجاء حيّ.

6المؤامرة لقتل بولس في كورنثوس

 وأسماء رفقائه في عودته إلى أورشليم

 (20: 3 – 5)

20: 3 ثُمَّ إِذْ حَصَلَتْ مَكِيدَةٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَيْهِ – وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى سُورِيَّةَ – صَارَ رَأْيٌ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى طَرِيقِ مَكِدُونِيَّةَ 4فَرَافَقَهُ إِلَى أَسِيَّا سُوبَاتَرُسُ الْبِيرِيُّ، وَمِنْ أَهْلِ تَسَالُونِيكِي: أَرِسْتَرْخُسُ وَسَكُونْدُسُ وَغَايُسُ الدَّرْبِيُّ وَتِيمُوثَاوُسُ وَمِنْ أَهْلِ أَسِيَّا: تِيخِيكُسُ وَتُرُوفِيمُسُ 5هؤُلاءِ سَبَقُوا وَانْتَظَرُونَا فِي تَرُواسَ.

نظّم بولس حملةً لجمع التَّبرُّعات في جميع الكنائس في مكدونية واليونان وآسيا والأناضول، لأجل مساعدة الكنيسة المضطَهدة في أورشليم، ويمكنك أن تقرأ عن هذا الموضوع في 2 كو 8: 16-24 ولم يرد السفر إلى القدس منفرداً، بل في شركة إِخوة مختارين، فيرافقه مندوبٌ عن كلّ كنيسة أسّسها.

وحيث أنّ السفن لم تكن تبحر أثناء فصل الشتاء لسبب العواصف في حوض البحر المتوسط، فقد خطّط بولس لسفرته مع زملائه في وقت الربيع مبحرين مِن كورنثوس إلى سورية.

وأمّا اليهود في كورنثوس، فقد عزموا بمرارة على قتل بولس، لأنّه سبّب لهم رفضاً وعاراً أمام الوالي الروماني، لمّا اشتكوا عليه فردّت شكواهم. وربّما فكّر بعض المصمّمين على قتله، أن يقتله ليحوز ويختلس المبلغ الكبير مِن المال الّذي جمعه بولس لأهل أورشليم. أمّا المسيح فحافظ على عبده، وحماه مِن هذه المؤامرة الرديئة. وعندما علم بولس بهذه المؤامرة، قرّر ألاّ يبحر بالسفينة، لأنّه ربّما كان التخطيط أن يقضوا عليه فوق اليم، لكيلا يبقى مِنه أثرٌ يدلُّ على الجريمة. وهكذا اجتاز الطريق المتعب الطويل عائداً على قدميه إلى أفسس، وطول هذا الطريق مئات الكيلو مترات، ويستغرق قطعه أياماً وأشهراً، اجتازها الفريق البُولُسِي مَعاً مُيَمِّماً وَجهَهُ شطرَ أورشليم.

ونقرأ أسماء ثمانية على الأقل مِن مرافقي بولس. والتَّأمُل في هؤلاء الرجال يعطينا بصيرة بأحوال الكنيسة في اليونان والأناضول، وفكرة عن نتيجة عمل بولس التبشيري. وإن كانت لديك خارطة عن اليونان وآسيا الصغرى، فاطّلع عليها في قراءتك لهذا الدرس، فتر المناطق الواسعة الّّتي تأصّل فيها الإنجيل والكنائس.

ونقرأ أولاً عن كنيسة بيرية، الّّتي استودع فيها أحد الآباء المؤمنين ولده سوباترس المتجدّد في يد بولس رفيقاً لسفرته، ليحمل باسم الإخوة تبرّعاتهم إلى أورشليم. فإذاً رغم ترك بولس السَّريع لبيرية وتوجّهه إلى أثينا، لم تنته بمغادرته تلك الكنيسة، بل نمت وأصبحت في المسيح أمينة ثابتة.

ومِن المدينة التجاريّة تسالونيكي رافقه عنها أرسترخس وسكوندس، فالأوّل كان رفيقاً لرسول الأمم سابقاً في أفسس، وكان أحد الشابّين اللّذين خطفهما الجمهور إلى المدرج، وبقي محفوظاً في حماية المسيح فلم يترك بولس رغم هذا الاختبار، بل أكمل الطريق معه، وعزاه لمّا احتُجز في السجن الطويل المرير، ورافقه أثناء سفرته إلى رومية رغم الأخطار الهائلة( كولوسي 4: 10 وفيلمون عدد 24).

وجاء معه مِن كنيسة فيلبي لوقا الطبيب نائباً عن المؤمنين في هذه المدينة، لأنّه مِن الأصحاح 20: 6 فصاعداً نعود فنقرأ أخبار أعمال الرسل في صيغة نحن. وهكذا ابتدأ الطبيب البشير سفرته الطويلة المهمة، الّّتي جمع فيها التفاصيل لإنجيله الشهير، وقابل الأشخاص ليبني على شهاداتهم سِفر أعمال الرسل.

وليست كنائس اليونان ومكدونية فقط هي الّّتي أرسلت مندوبين وعطايا إلى الكنيسة الأورشليميّة، بل المؤمنون أيضاً مِن الأناضول وآسيا اشتركوا في هذه السفرة، فنقرأ بجانب تيموثاوس الزميل الأمين لبولس ألا وهو غايوس مِن دربة، علامةً على أنّ العلاقة بين هذه الكنائس في آسيا الصغرى والرسول لم تنته قَطّ طوال السنين العديدة.

وأتى مِن أفسس الأخ تيخيكوس، الّذي رافق بولس ايضاً في سجنه الطويل وكان هذا كاتباً مسلّماً الرسائل إلى أهل أفسس وكولوسي وفيلمون. فبقي هذا الرجل رفيقاً للرسول عبر السنين مِن اليونان إلى أورشليم، والتقاه في رومية مرّة أخرى خادماً وكاتباً له.

ونقرأ عن تروفيموس مِن أفسس، أنّه أصبح في أورشليم سبب سجن الرسول، لأنّ اليهود المتعصّبين زعموا أنّ بولس أخذ هذا الشاب الأممي غير المختون وقاده إلى داخل الهيكل.

فعودة بولس إلى أورشليم أشبهت موكب انتصار المسيح، لأنّ الرسول أتى بغنيمة محبّة الله الغنيّة، مرافقاً بأناس مؤمنين مندوبين عن الأمم لم يزوروا الكنيسة الأصليّة بكلمات كثيرة فارغة، بل جمعوا تبرّعات مالاً غزيراً وقصدوا وضعه في هيكل الرّوح القدس، أي في شركة القدّيسين.

الصّلاة: أيّها الرّبّ المسيح، نشكرك لأنّك اخترت مِن كلّ البلدان أفراداً يتبعونك في طريقك كحمل الله، ويضعون أجسادهم وأنفسهم ذبيحة مرضيّة لله. فنطلب إليك أن تقبلنا وأولادنا وأصدقاءنا وأقرباءنا، وتقدّسنا في سلوكنا لخدمة أبديّة مشتركة.

7عظة الليل والعشاء الرّبّاني في ترواس

(20: 6 – 12)

20: 6 وَأَمَّا نَحْنُ فَسَافَرْنَا فِي الْبَحْرِ بَعْدَ أَيَّامِ الْفَطِيرِ مِنْ فِيلِبِّي، وَوَافَيْنَاهُمْ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ إِلَى تَرُواسَ، حَيْثُ صَرَفْنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ 7وَفِي أَّوَلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلامِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزاً، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ، وَأَطَالَ الْكَلامَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ 8وَكَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا 9وَكَانَ شَابٌّ اسْمُهُ أَفْتِيخُوسُ جَالِساً فِي الطَّاقَةِ مُتَثَقِّلاً بِنَوْمٍ عَمِيقٍ وَإِذْ كَانَ بُولُسُ يُخَاطِبُ خِطَاباً طَوِيلاً، غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَسَقَطَ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ إِلَى أَسْفَلُ، وَحُمِلَ مَيِّتاً 10فَنَزَلَ بُولُسُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ قَائِلاً:لا تَضْطَرِبُوا لأَنَّ نَفْسَهُ فِيهِ 11ثُمَّ صَعِدَ وَكَسَّرَ خُبْزاً وَأَكَلَ وَتَكَلَّمَ كَثِيراً إِلَى الْفَجْرِ وَهكَذَا خَرَجَ 12وَأَتُوا بِالْفَتَى حَيّاً، وَتَعَزُّوا تَعْزِيَةً لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ.

كانت مدينة ترواس مهد أناشيد هوميروس، وصارت أساطير اليونان الكثيرة نقطة الانطلاق لتبشير أوروبا ببولس وزملائه، وبعد الشّغب الّذي حصل ضدّ الرسول في أفسس أتى إلى ترواس، وأسّس هناك باسم المسيح كنيسة حيّة (2 كورنثوس 2: 12) وفي عودته إلى أورشليم زار للمرّة الأخيرة هذه المدينة. وصرّح لوقا أنّهم احتاجوا للسفر مِن كفلا ميناء فيلبي لترواس إلى خمسة أيام بلياليها، بينما احتاجوا ليومين فقط في عبورهم الأوّل مِن آسيا إلى أوروبا. وهذا يدلّنا على أنّه في الفترة الأخيرة مِن سفرة بولس أصبح كلّ شيء أصعب وأعند وأكثر مضادة، ولكنّهم تحمّلوا كلّ شيء بصبر ورجاء وقوّة نامية.

ونسمع عن الاجتماع في ترواس لأوّل مرّة في سِفر أعمال الرسل، أنّ المؤمنين مِن الأمم لم يجتمعوا يوم السبت في عيد اليهود، بل في أوّل يوم مِن الأسبوع، وكسروا في الشركة الخبز كعشاء ربّاني، وفكّروا بموت ربّهم إلى أن يجيء. فقيامة المسيح وحضوره في سرّ العشاء، وقوّته في الرّوح القدس، كانت للمسيحيين الأوّلين الأسس لحياتهم الإيمانيّة. فأفكارهم دارت حول الرّبّ الحيّ الّذي يستمع لصلواتهم ويبرّرهم ويقدّسهم، ويشفع فيهم عند الله ويكملهم، ليستحقّوا استقباله عند مجيئه الثاني مزيَّنِين بأعمال صادرة مِن الرّوح القدس.

وأطال بولس عِظته، ولم يكلّ مستمعوه بعد عشرين دقيقة، ولم يقل أحد بعد ساعة يكفي لنرجع إلى بيوتنا. إِنَّما نار الرّوح القدس تسرّبت مِن الرسول إلى القلوب وأنارتها وأنعشتها وقوّتها، فالمصابيح الكثيرة في العلية كانت رمزاً للأذهان العديدة الّّتي أنارها الإنجيل، فتكوَّن نور عظيم مِن مجموعة هذه الأنوار المضيئة في الظلمة.

وكان دخان كثير مِن المصابيح قد ساعد على استرخاء الحضور ونعسهم قليلاً. وأحد الشبان واسمه أفتيخوس جلس على رفرف الشباك، ليشمّ هواء نقيّاً، ولعلّه تعب أثناء النهار، فكان منهوكاً، وأراد سماع عظة بولس. ولكن أجفان عينيه انطبقت أكثر فأكثر، فنام ورأسه يترنَّح، وما لبث أن مال إلى جانب، فسقط إلى الحضيض سقوطاً عظيماً مِن ارتفاع ثلاث طبقات.

وهذا يذكّرنا بما قاله يسوع: اسهروا وصلّوا لكيلا تدخلوا في تجربة. أمّا الرّوح فنشيط وأمّا الجسد فضعيف. ونعترف أنّ الوعي والانتباه أثناء العظة ومطالعة الكتاب المقدّس عمل ثقيل. وكثيرٌ مِن الكنائس تميل إلى النوم بسبب العظات الكثيرة الطويلة، وتسقط رغم الإنجيل الكامل إلى الموت الرّوحي في الخطايا والتخيّلات والسطحيّة.

جمد أعضاء كنيسة ترواس في أماكنهم فزعين عند سقوط الشاب، أمّا بولس فهرول سريعاً نازلاً إلى أسفل على الدرج فالشّاب كان ميتاً حقّاً، وقلبه كفَّ عن الخفقان. وقد أراد الشيطان أن يستهزئ بالعظة عن المُقام مِن بين الأموات بواسطة موت أحد مستمعيه. فاستاء بولس مِن كيد الشَّيطان، وصوّر الرّوح القدس أمامَ عينيه ما عمله النَّبي إيليا في الصرفند، حيث وضع رجل الله نفسه ثلاث مرّات على ابن الأرملة الميت فأعاده بصلاة الإيمان إلى الحياة (الملوك الأوّل 17:17-24) فارتمى بولس أمام كلّ الحضور على الميت، ليس ثلاث مرّات كإيليا، بل مرّة واحدة باسم يسوع وعانقه فتنفّس. لقد استخدم المسيحُ بولسَ كما استخدم بطرسَ في يافا لإقامة ميت، وحقّق في هذين الزَّعيمَين مِن الرسل ما أمر به تلاميذه في إنجيل متّى 10: 7 قائلاً: وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين قد اقترب ملكوت السماوات، اشفوا مرضى طهّروا برصاً، أقيموا موتى أخرجوا شياطين. مَجَّاناً أخذتم مَجَّاناً أعطوا.

وإقامة الميت في ترواس حصلت بسرعة حتّى إنّ الجمع النازل مِن العلّية ما كاد يصل إلى الجنينة إلاّ وأبصر الميت حيّاً. وأتى بولس إليهم وقال: لا تخافوا. ارجعوا واصعدوا مرَّةً أُخرى إلى العِلِّيّة، لنكمل العظة. الشاب حيّ حقّاً. والرسول لم يتفاخر بهذه الأعجوبة. ولوقا الطبيب الحاضر لم يَذكر إلاّ قليلاً عن هذا العمل المثير. ولكن في نهاية الاجتماع أتى أقرباء الشّاب به إلى بولس ليشكر الرسول لخلاصه. أمّا بولس فدفع كلّ مَجدٍ عن نفسه إلى يسوع، وعظّمه وحده، لأنّه هو القادر على إقامة الأموات، وغفران الخطايا، وإخراج الشياطين.

وانتصار المسيح هذا الشامل الدنيا والآخرة، كان مضمون عظة بولس الّّتي امتدت إلى الصبح. ولم يتكلّم فقط، بل كسر أيضاً مع الحضور الخبز المقدَّس، وشرب معهم مِن كأس الخلاص، لكي يصبحوا معاً خبزاً واحداً وأعضاء في جسد المسيح متّحدة، ويشتركوا في قوّة حياته، ويتقدّسوا بدمه الثمين. فحلول المسيح في قلوب المؤمنين. وتوحيد أتباعه في جسده الرّوحي، هما السرّ العظيم في كنيسة المسيح عبر القرون.

أيّها الأخ، أأنت نعسانٌ تعبانٌ أو شبعان؟ أَم تُريد أَن تسمعَ المزيد مِن كلمة المسيح وتنتعش مِن بشرى الخلاص لأنّ المخلّص حرّر العبيد مِن الخطيئة والموت ليرافقوه في موكب انتصاره؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك لأنّك أقمت أمواتاً بواسطة رسلك الكرام. نشتاق إليك ونتمنَّى مجيئَك، لكي تقيمنا نحن أيضاً بكلمتك القويّة، لأنّك جعلتنا واحداً في جسدك الرّوحي، وتتمركز في قلوبنا بواسطة روحك القدّوس. نشكرك مِن صميم قلوبنا طالبين بركاتك وإرشادك لكنائس العالم كُلِّها.

8مِن ترواس إلى ميلينوس

(20: 13 – 16)

20: 13 وَأَمَّا نَحْنُ فَسَبَقْنَا إِلَى السَّفِينَةِ وَأَقْلَعْنَا إِلَى أَسُّوسَ، مُزْمِعِينَ أَنْ نَأْخُذَ بُولُسَ مِنْ هُنَاكَ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَتَّبَ هكَذَا مُزْمِعاً أَنْ يَمْشِيَ 14فَلَمَّا وَافَانَا إِلَى أَسُّوسَ أَخَذْنَاهُ وَأَتَيْنَا إِلَى مِيتِيلِينِي 15ثُمَّ سَافَرْنَا مِنْ هُنَاكَ فِي الْبَحْرِ، وَأَقْبَلْنَا فِي الْغَدِ إِلَى مُقَابِلِ خِيُوسَ، وَفِي الْيَوْمِ الآخَرِ وَصَلْنَا إِلَى سَامُوسَ، وَأَقَمْنَا فِي تُرُوجِيلِيُّونَ، ثُمَّ فِي الْيَوْمِ التَّالِي جِئْنَا إِلَى مِيلِيتُسَ، 16لأَنَّ بُولُسَ عَزَمَ أَنْ يَتَجَاوَزَ أَفَسُسَ فِي الْبَحْرِ لِئَلاَّ يَعْرِضَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ وَقْتاً فِي أَسِيَّا، لأَنَّهُ كَانَ يُسْرِعُ حتّى إِذَا أَمْكَنَهُ يَكُونُ فِي أُورُشَلِيمَ فِي يَوْمِ الْخَمْسِينَ.

لم ينم بولس ومندوبو الكنائس المختلفة في تلك الليلة العجيبة، بل أقلعوا صباحاً في سفرتهم إلى أورشليم. إلاّ أنّ بولس انفصل عن زملائه الّذين سافروا بحراً حول شبه الجزيرة، بينما مشى هو مسافة الخمسة والعشرين كيلو متراً على قدميه إلى ميناء أسوس. وقد أراد بولس الاعتزال والمسير منفرداً، ليجد وقتاً كافياً للصّلاة والشكر والحمد والتعظيم، لأنّ يسوع قد عمل شيئاً عجيباً في هذه الليلة، وإليه أراد بولس أن يقدّم كلّ مجد، فانفصل عن إخوته لكيلا يشخصوا فيه كرجل غريب ولا يداهنوه، بل يفكّروا معاً ويدركوا ماذا عمل الرّبّ يسوع بإقامة الشّاب في ترواس. فإنّ هذه الإقامة هي الدليل على قوّة الله العاملة، والرمز لإقامة كثيرين مِن الخطايا في كلّ مكان يُكَرز فيه بملء الإنجيل الصافي. وقد مشى بولس على قدميه مسافات طويلة، فكان له وقت أكثر مِنَّا، نحن الّذين نسافر بالسيّارات بسرعة بين البلاد، متكلِّمين أكثر مما نبتهل. فصلّى الرسول في انعزاله واشترك بالأبديّة ورحاب المسيح.

هل أخذت خارطة تركيا واليونان وتأمّلت فيها؟ فتّش عن أسماء الجزائر الكبيرة ميتيليني وخيوسا وساموس الواقعة بين تركيا واليونان فتجد خطوط سفرة موكب انتصار المسيح.

وفي هذه المرّة لم ينطلق المسافرون إلى الكفاح الرّوحي كجنود، بل شابهوا سفينة تفيض بغنائم، أو شحنةً ملآنةً ببركات الحصاد. لقد أتى بولس برزمة محترمة مِن كلّ كنيسة. وكان المال المتبرَّع به الّذي معهم رمزاً على أنّ ذبيحة المسيح ربّت الكنائس الحديثة على فكر التضحية وهذا كان بعد خمسة وعشرين عاماً مِن موته على الصّليب. فالجميع ما قدّموا لربّهم فضّة وذهباً كمساعدة للمحتاجين فقط، بل قدّموا أنفسهم ذبيحة حيّة، وضحّوا بأوقاتهم وقوّتهم رغم الخطر والمتاعب. فهل صرت أنت ذبيحة كاملة للمسيح أم ما زلت أنانيّاً بخيلاً؟

أراد بولس الوصول إلى أورشليم في عيد الخمسين، لأنّ هذا العيد اليهودي القديم كان عيد الشكر في نهاية الحصاد، وهو في الوقت نفسه عيد بداية الكنيسة المسيحيّة، فقد أتى بولس بحصاد كثير، لم يلبث أن تحوّل إلى نقطة انطلاق تبشير العالم. ولم يأتِ أحدٌ قَطّ برزم عديدة مثله. فبعد مضي ربع قرن فقط مِن حلول الرّوح القدس على التلاميذ المصلّين أسست في كلّ المراكز والعواصم بين أورشليم وروما كنائس ممتلئة مِن هذا الرّوح المبارك، هذه هي العجيبة الكبرى في الفترة الأولى مِن تاريخ الكنيسة. وهذه العواصم تشبه القلوب الّّتي تطرد دم الحياة إلى أطراف الجسد. هكذا يتسرّب الإنجيل إلى كلّ المناطق، وهذا كلّه تمّ بدون ضربة سيف واحدة، وبدون مؤسسة مركزيّة، وبدون تمويل مادي، وبدون عون دولي. فأشرق اسم يسوع مخلّصاً على كلّ الشّعوب؛ علماً أنّ الإنجيل لم يكن مكتوباً آنذاك في اللغة اليونانيّة، كما أنّ رسالة الخلاص توقّفت على شهادة شفهيّة مِن الشهود أو على رسائل الرسل فقط. فالأناجيل كتبت بعدئذ لتقوية الكنائس الحديثة الّّتي أرادت معرفة سيرة يسوع وتاريخ أعماله. فلم يكن الإنجيل الكتابَ الأوَّلَ في بداية الكنيسة، بل رسائل الرسل المرافقة بسلوك حياتهم برهاناً لقوّة الخلاص.

إنّنا حتّى هذا اليوم نعيش مِن القوّة الإلهيّة النابعة مِن رسل المسيح، لأنّ رسائلهم ليست إلاّ عظات وتحذيرات وتوبيخات وتعزيات لكنائسهم. فهل تريد إدراك الحياة الرّوحيّة في الكنائس الأولى؟ ادرس إذاً رسائل الرسل، فتشترك في ملء بركة الرّوح القدس الّذي لا يزال يعمل في العالم حتّى اليوم، ويصفّي المؤمنين، ويُثبِّت المطيعين في المسيح.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك أقمت نخبة مِن الأموات في الذنوب والخطايا، وأحييتهم بكلمتك رمزاً لنعمتك. ساعدنا لنقدّم أنفسنا وأجسادنا ذبيحة مرضيّة أبديّة، ليس بكلمات وشعور فقط، بل بعمل ووقت ومال وتعب وحقّ.

9العظة الوداعيّة أمام الأساقفة والشيوخ

(20: 17 – 38)

20: 17 وَمِنْ مِيلِيتُسَ أَرْسَلَ إِلَى أَفَسُسَ وَاسْتَدْعَى قُسُوسَ الْكَنِيسَةِ 18فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ:أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَّوَلِ يَوْمٍ دَخَلْتُ أَسِيَّا، كَيْفَ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ الّزَمَانِ، 19أَخْدِمُ الرَّبَّ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، وَبِتَجَارِبَ أَصَابَتْنِي بِمَكَايِدِ الْيَهُودِ 20كَيْفَ لَمْ أُؤَخِّرْ شَيْئاً مِنَ الْفَوَائِدِ إِلاَّ وَأَخْبَرْتُكُمْ وَعَلَّمْتُكُمْ بِهِ جَهْراً وَفِي كُلِّ بَيْتٍ، 21شَاهِداً لِلْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللّهِ وَالإِيمَانِ الَّذِي بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ22وَالآنَ هَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّداً بِالرُّوحِ، لا أَعْلَمُ مَاذَا يُصَادِفُنِي هُنَاكَ 23غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلاً: إِنَّ وُثُقاً وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي 24وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلا نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حتّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللّهِ.

توقّفت سفينة بولس في ميناء ميليتس فطلب الرسول إلى شيوخ الكنيسة والمسؤولين في أَفسس ومحافظتها آسيا، أن يأتوا إليه، رغم أنّ المسافة ستون كيلو متراً بين بلدهم والميناء ميليتس، لأنّ زياراته إلى أفسس لم يرها حكيمة بعدما شاغب ضدّه الشعب هناك علانيّة. والإخوة الأمناء أسرعوا إليه، ليروا أباهم الرّوحي في المسيح، ويستمعوا إليه وينالوا مِنه البركة والقوّة الإلهيّة لخدمتم في الرّوح القدس.

وقد حدَّثَنا لوقا بهذه المناسبة عن العظة الفريدة في أعمال الرسل الّّتي ألقاها بولس على زملائه في الخدمة، وعلى المسؤولين في الكنائس. وَخَيْرٌ لكلّ مؤمن خادم للمسيح أن يتعمّق بكلّ كلمة في هذا الخطاب، لأنّه يتضمّن الإرشاد لخدمة مثمرة في التبشير والكنيسة. وأظهر بولس لنا فيها ثلاثة أُمور:

1 – كيفيّة خدمته

2 – مضمون كرازته

3 – إيضاح الرّوح القدس للمستقبل

لقد كان بولس سفير المسيح لكلّ الأمم، لكنه أتى خادماً متواضعاً بسيطاً، مثلما كان المسيح وديعاً ومتواضع القلب. وكلُّ مَن لا يأتي بهذا المبدأ إلى الكنيسة، ولا يقوم بهذه الفضائل في خدماته ووظائفه، فإنّه يهدم ولا يبني.

مع العلم أنّ وجهة خدمة خدّام الرّبّ ليست الكنيسة أولاً، بل الرّبّ نفسه الّذي أمامه هم مسؤولون، وإيّاه يحبون، ويريدون أن يقدّموا له الكنيسة كعروس مقدّسة. وهذه الخدمة ليست لذيذة كلحس العسل، بل تعني تحرير الأسرى مِن قيود الخطايا، وتطهير الساقطين في أوحال الإِثم، واحتمال المعاندين الثائرين، وهداية الأطفال في الإيمان بصبر فائق، ومباركة الأعداء الّذين يضطهدونهم. والشَّيطان يقصد أوَّلاً خُدَّام الرّبّ ليسقطهم مِن علو المحبّة إلى وحل الزِّنا والبغضة والكراهيّة بواسطة التَّجارب والحيل والعنف. فلذلك يشهد بولس لخدّام الرّبّ أنّ دموعاً كثيرة وأَسىً وحزناً هي شعار الخدمة، وليس ثماراً وفرحاً وتمتّعاً واستراحة. فمَن يُرِدْ خدمة الرّبّ يجب أن يستعدّ للضيقات والرفض والخصام وليس لزيادة المعاش أو التكريم أو الأوهام والخيالات الروحية الجامحة.

مثَّل بولس في شخصيته التعليم المسيحي أمام الكنيسة، فعاش ما قال، وسلك حسب

تبشيره. فكانت قدوته خلاصة بشارته، وأعماله مهمة ككلماته. مما يدلّنا على أنّ سلوكنا في محيطنا هو شهادةٌ واضحةٌ لفداء المسيح ومحبّته وقدرته. فكلّ ما ليس متجسّداً فيك، لن يفهمه مستمعوك مِن كلامك، فسلوكك هو الأساس لتبشيرك.

واتّبع بولس في عرض معاني بشارته ثلاثة أساليب، وهي: التَّبشير والتَّعليم والشَّهادة.  فوجد لكلّ إنسان الكلمةَ المناسبةَ، حسب قدرته على الإدراك، فلم يُعطِ الأطفال في الرّوح طعاماً مكثّفاً بل حليباً ولبناً، ليستطيعوا فهم بشارته وهضمها. ولكنّ الغاية الأخيرة في شهادته هي نُموُّ المؤمنين في المسيح، وأن يفهموا مع الوقت كلّ معاني كلمة الله، ولا ينقصهم فيتامين واحد لإنشاء الحياة الرّوحيّة فيهم. فلم يخبّئ بولس شيئاً مِن ملء المسيح، بل أعلن للكنيسة خطّة خلاص الله الشاملة، مبتدئاً بالوعود والنعم والإمكانيات الرّوحيّة، وأرشد المؤمنين إلى البركات والقوى والتّعزية، وحثَّهم على الرجاء، والاستعداد لمجيء المسيح، والمجد المقبل على منكسري القلوب.

ولم يكتف بولس بعظاته أثناء اجتماعات الكنيسة، بل زار العائلات في بيوتها، وتكلّم مع الأفراد في مهنهم أو في الشوارع، وأقنعهم ليتخلّصوا مِن غضب الله، ويثبتوا في نعمة المسيح.

كان الموضوع الأوّل في عظة بولس التوبة والرجوع إلى الله وتغيير الذهن، لكيلا يحب طلاّب الله فيما بعد أموالهم وأنفسهم، بل يتعمّقوا في القدّوس ويدرسوا إرادته، ويدركوا خطاياهم ويعترفوا بعيوبهم ويخجلوا لأجل فضائحهم، فلا يكون الإيمان حقيقيّاً بدون توبة عميقة، ولا تحقيق غفران بدون معرفة الخطايا. فهل ارتجفت مِن نفسك، واشمأززت مِن ماضيك؟ هل تخاف الله؟ وهل تنكر نفسك، وتعترف بذنوبك أمام القدّوس، وتعيش باستمرار في توبة وانكسار؟

إنّ الهدف الأوّل لمعرفتنا بالله هو انكسار أنانيتنا المنتفخة، وأمّا الهدف الثاني فهو التجاؤنا إلى المسيح، لأنّه لا رجاء للعالم لا حاضراً ولا مستقبلاً إلاّ في المسيح يسوع. وهذا الاتحاد بالمسيح هو إيماننا الّذي يبتدئ بسماعنا عن شخصيته، واهتمامنا به، واقترابنا مِنه، وثقتنا فيه، وتسليمنا إليه، وثباتنا بشخصه، وترقبنا لمجيئه. عندئذٍ ندرك أنّنا قبل أن نطلبه فكّر هو فينا، وصالحنا مع الله، وانتظر رجوعنا، وجذبنا إليه في محبّته، وقَبِلنا نحن الضّالين، فطهّرنا، وقدّسنا، وملأنا بروحه القدّوس، وأدخلنا في شركة القدّيسين، ودعانا إلى خدمة الله. فنجد في إيماننا بالمسيح حركةً مزدوجة: ذهابنا إليه، ومجيئه إلينا. فهل التقيتَ المسيحَ شخصيّاً، وثبتَّ في العهد الجديد؟ إنّه مستعدٌّ أَن يخلِّصك، فهل أنت مؤمنٌ به؟

سمّى بولس نفسه مقيّداً بالرّوح القدس، لأنّه استغنى عن حرّية حياته الدنيويّة، وعاش في المسيح ولأجله، فلم يذهب في طرق خاصّة، بل أصغى دائماً إلى إرشاد الرّوح القدس. وهذا المرشد الإلهي الّذي أرسله إلى أورشليم، قال له مسبقاً إِنَّه سينتظره هناك ضيقٌ أليم في نهاية سيرته الرسوليّة، كما تألَّم ربُّه بنهاية حياته في أورشليم فلم تكن نتيجة عمله وثمره المكافأةَ والاحترامَ، بل ضَرباتٍ وسجناً واحتقاراً.

لم يهرب بولس مِن الكارثة المقبلة عليه، بل تقدّم إليها واعياً ولم يعتبر نفسه شيئاً، ولم يكتب سيرة حياته، ولم يجمع اختباراته، بل اعتبر نفسه باطلاً، واتّكل على عمل الرّبّ الحيّ اتّكالاً كليّاً ليت الرّبّ يمنحنا هذا الموقف في حياتنا، لنعتبر أنفسنا بطّالين، فيصبح هو الكلّ فينا.

وإلى جانب هذا الإنكار الذاتي قصد بولس كذلك شيئين آخَرين وهما: أوَّلاً: أن يبقى في التجارب المقبلة عليه أميناً لربّه، ولا يقع في ذنوب وبغضة، بل يحب أعداءه ويغفر تعدّيهم عليه، ويكمل سيرته بالقداسة والنّعمة. ثانياً: لم يكتف بإكمال الأمانة في سيرته الخاصّة، بل أراد إكمال خدمته المقدّسة أيضاً، لأنّه لم يعش لذاته، وإنّما لربّه وكنيسته. فلم يطلب بولس هذه الخدمة لنفسه ولم يقدر على تنفيذها، بل المسيح اختاره ومنحه القدرة على القيام بواجباته.

فماذا كانت خلاصة حياته في الخدمة؟ لم تكن إلاّ الشهادة بالنّعمة! فالله القدّوس لم يغضب علينا منذ برّرنا المسيح؛ بل أظهر نفسه أباً لنا، واهباً الرّوح القدس مجّاناً لكلّ الّذين يحبّون يسوع، جاعلاً مِن الخطاة الفاسدين أولاداً له في القداسة. أليست هذه نعمة، نعمة حقّة؟

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نسجد لك بفرح وشكر وحمد، لأنّك لم تهلكنا لأجل خطايانا العديدة، بل رحمتنا بيسوع المسيح وجعلتنا أولاداً لك بالنّعمة. فساعدنا لنسلك كما يحقّ للنعمة، ونبشّر بفضائلك كلّ عديمي الرجاء.

20: 25 وَالآنَ هَا أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لا تَرَوْنَ وَجْهِي أَيْضاً، أَنْتُمْ جَمِيعاً الَّذِينَ مَرَرْتُ بَيْنَكُمْ كَارِزاً بِمَلَكُوتِ اللّهِ 26لِذلِكَ أُشْهِدُكُمُ الْيَوْمَ هذَا أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْجَمِيعِ، 27لأَنِّي لَمْ أُؤَخِّرْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِكُلِّ مَشُورَةِ اللّهِ 28اِحْتَرِزُوا اِذاً لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اللّهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ 29لأَنِّي أَعْلَمُ هذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لا تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ 30وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ، لِيَجْتَذِبُوا التَّلامِيذَ وَرَاءَهُمْ 31لِذلِكَ اسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَاراً، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ 32وَالآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي لِلّهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثاً مَعَ جَمِيعِ الْمُقَدَّسِينَ.

تأكّد بولس مِن طريقه بواسطة الرّوح القدس الّذي قال له إنّه لن يرى أولاده الرّوحيين فيما بعد. وقَبِلَ بولسُ هذا الإعلان الإلهي متواضعاً، وودّع أقرباءه مِن عائلة الله، وقد عرفوا لحظة الفراق، والدموع تسيل مِن مآقيهم، وعانقوا الرسول الصالح، وأطاعوا أمر الله.

وعلم بولس في صميم ضميره أنّه بريء أمام الله تجاه أهل أفسس، بالنسبة إلى كرازته وإكمالها على أتمّ وجه، لأنّه أعطاهم البشارة الكاملة، ودعاهم إلى التوبة، وحثّهم على الإيمان الحقّ، وأنزل عليهم ملء نعمة الإنجيل، وأعلن لهم حقائق وقوّة ملكوت الله، بدون نقصان؛ فعرض على أهل أفسس الخلاص الكامل، ووضّح لهم كيف يصيرون أهلاً لرعوية المسيح الملوكيّة، وأدخلهم في رحاب الرّوح القدس؛ فاختبروا قوّة دم المسيح وحمايته العمليّة. ولم يكن ملكوت الله فكراً نظريّاً للكنيسة، بل حضور الله معهم بكلّ ما تعني هذه الكلمة. فانتظروا ظهور مجد هذا الملكوت في مجيء المسيح الثاني القريب. هكذا أصبحوا ناضجين في الإيمان ومسؤولين عن معرفتهم واختباراتهم ومواهبهم الإلهيّة.

وأكثر مِن هذا، فقد كشف بولس لشيوخ الكنيسة كلّ أسرار مشورة الله، وأعلن لهم مقاصد القدّوس مِن الخلق إلى الكمال، مِن اختيار المؤمنين إلى تغيّرهم في المجد العتيد. إنّ الدراسات اللاهوتيّة عميقةٌ وواسعةٌ وعاليةٌ، فلا تَظُنَّنَّ شامخاً أنّك عالم مشيئة الله علماً شاملاً، لأنّك ما زلت تلميذاً تحبو وتحتاج إلى تعمّق في مسرَّة الله، لأنّ هدف إيماننا ليس علم أسرار إلهيّة وحسب، بل تنفيذها في الحياة العمليّة في سبيل المحبّة، لأنّ الإيمان بلا أعمال ميتٌ وباطلٌ بطلاناً كبيراً.

سمّى بولس شيوخ الكنيسة أساقفة، ولم يكن هنالك قسوس كما نقرأ في الترجمة العربيّة في العدد 17 مِن هذا الأصحاح ولا مطارنة ولا بابوات، بل خدّام أمناء في الكنيسة، مسؤولون عن ترتيب الاجتماعات والتدبير المالي، وقد اجتمعوا للصلوات، وزاروا المرضى، وبشّروا الضالين، وعزَّوا الحزانى. فلم توجد لهم وظيفة معاشيّة ولا حقوق مدنيّة، ولا شرف زائد إلاّ سلطان المسيح الرّوحي الّذي أغدقه عليهم. وهو مستعدّ أن يحلّ في كلّ مؤمن بهذا المقدار نفسه. ولا يوجد في الكنيسة نوعان مِن الرّوح القدس، ولكن نجد مواهب مختلفةً ونُضْجاً زائداً في الأفراد. فكلُّ مسيحيٍّ مَدعُوٌّ ليصبح قدوةً للآخَرين وخادماً فرحاناً في وسط المحتاجين.

في كلّ الّذين يقدّمون الإنجيل كاملاً، ويطبّقونه بسلوكهم، يتحقّق أمر المسيح: اقبلوا الرّوح القدس. مَن غفرتم خطاياه تُغفر له ومَن أمسكتم خطاياه أُمسِكَت.لم يختر بولس هؤلاء الشُّيوخَ حسب اختياره الخاص أساقفةً للكنيسة، بل الرُّوحُ القدس نفسُه عينَّهم ودَعاهم وملأهم، وأثمرهم بثماره العديدة. فويلٌ لِلَّذي يشتهي بدون دعوة الرّوح القدس خدمةً في الكنيسة، أَو إبرازَ نفسه، أَو صَبَّ أفكاره الدُّنيويَّة على المؤمنين. إنّه يضرّ ذاته ويُهيِّجُ الرَّعيَّة كُلَّها، ونهايته الفشل واليأس.

يقول بولس بقوّة لجميع الّذين ينكسرون في التوبة، ويسلكون بالتواضع: احترزوا لأنفسكم، لست كاملاً بل مجربّاً مِن الشيطان، الّذي أخذك غرضاً لسهامه. فالمخرّب يريد أن يسقط الشيوخ والمسؤولين في الآثام والشكوك والتشامخ، لكي تتبدّد الرعيّة تلقائيّاً. فكثيراً ما يحقّ أن يُقال: كما الراعي هكذا الرعيّة. فحيث يطلب الواعظ مِن الله أن يسكب على أعضاء كنيسته المواهب والبركات والقوّة، يتغيّر بيته جذريّاً. فالرّبّ يمطر بأنهر نعمته على كنيسته، لأنّ المسيح يصبّ قوّته في الكنيسة بواسطة الرعاة، مع العلم أنّ الراعي ليس هو غاية المسيح، بل الرعيّة الّّتي هي أهمُّ عِندَه مِن الرُّعاة.

إِنَّما المسؤولون في الكنيسة هم مفوضو الله ووكلاؤه على خصوصياته، فالله اقتنى الكنيسة لنفسه بدم ابنه الفريد، وهو لم يدفع ثمنَ فدائنا فضَّةً أو ذَهباً أو بلاتيناً أو جواهرَ أو أورانيوماً، بل ضحّى بأثمن ما عنده، أي نفسه، ليخلِّصنا إلى التَّمام لهذا السبب يأمر الرسول الشيوخ باليقظة البالغة والحراسة المستمرّة في الكنيسة، ليسمعوا دائماً صوت الخرفان، ويفكّروا بهم مليّاً، ويراقبوا حركات الأفراد نهاراً وليلاً، لأنّه لا بدّ أنّ الذئاب آتون، والأعداء زاحمون، والسرّاق والكذّابون ليسوا بعيدين، فحالة الكنيسة دائماً في خطر ومِن الضروري أن ندرك أننا لا نعيش في سلام، بل وسط المعركة بين السّماء وجهنّم.

ويستخدم الشرّير الحيل والمكر لإضلال المؤمنين، فتطفو تعاليم منحرفة ودعاية لمزج الأديان وتيّار السطحيّة المحايدة. وفي الوقت نفسه ، ويا للعجب، يتشبّث في البعض التعصّب الناموسي (الشريعي)، حيث يطلبون التقديس الزائد عن غفران المسيح، ويريدون خلاص أنفسهم في مجهوداتهم الذاتيّة. وإذا اضمحلّ الإيمان الصحيح الكتابي هناك تزول المحبّة والرجاء أيضاً. فليس الاضطهاد والضيق هما مخرِّبا الكنيسة بالدرجة الأولى، بل التعليم الخاطئ. فبأيِّ صفاتٍ تعرف المضلّ:

1 – لا يريد ربح الأفراد للمسيح، بل يربطهم بنفسه، وينتظر احتراماً مِن الجميع وشهرةً، ويريد أن يكون محور الكلّ.

2 – لا يشفق على الرعيّة في حالة الخطر والضيق، بل يهرب في أوّل ضيقة. وحتّى في الأيام الطَّيِّبة يُفضِّلُ خرابَ الكنيسة على أن يَخسرَ قليلاً مِن شهرته أو ماله.

3 – يلوي التعليم ليّاً ويُدخل أفكاراً بشريّة في الإنجيل الإلهي، كَمَن يَدُّس السُّمَّ في الدَّسَم فَيَقضي على كلّ أعضاء رعيته، وهو يقدّم سمّه كعسل لذيذ، بأفكار دنيويّة إنسانيّة ومشاريع اجتماعيّة، أمّا التوبة فينكرها، والخلاص في الصّليب لا يعرفه.

فمِن الصفات الهامّة لشيخ الكنيسة تمييز الأرواح، ليدرك سريعاً رائحة دخول أرواح غريبة، ويغلبها بتواضع محبّته، ويطرد الذئاب بصلواته وبكلمة سلطانه، لتثبت الكنيسة سليمة ونشيطة وعاملة. هكذا خدم بولس نفسه لمدّة ثلاث سنوات في أفسس، وثبّت الأفراد في ملء حقّ المسيح ومحبّته. فليست الاجتماعات الضخمة هي الطريقة لتدريب المسؤولين في المستقبل، بل الخدمة الفريدة والمكالمة الطويلة مع المختارين مِن الرّبّ. فالكنيسة لا تدوم إلاّ حيث يجري بنيان النفوس فرداً فرداً.

وبجانب هذه النصائح كلّها الّّتي قالها بولس، عرف هذا الرسول الكريم أن كلّ النصائح لا تساعد حقّاً إلاّ بالتوبة والانتباه فأعرض عن الشيوخ وقصد ربّه الحيّ وتكلّم معه، واستودعه الأَساقفةَ والكنيسةَ معاً، لأنّ يسوع وحده هو الراعي الصالح، القادر أن يحفظ الجميع. فبولس وضع حمله بين يَدي المسيح عربوناً لإيمانه.

وفي الوقت نفسه دلّ الرسول مستمعيه على الينبوع الوحيد للقوّة الإلهيّة أي كلمة النّعمة، لأنّنا لا نجد مصدراً لقدرة الرّوح ولمعرفة الله ولجرأة الإيمان ولدافع المحبّة، إلاّ في كتاب العهد الجديد. فهكذا يأمرك الرسول أن تقرأ يوميّاً الكتاب المقدّس مصليّاً، وإلاّ تفنى روحيّاً وتزول.

أمّا التأمّل اليومي في كلمة النّعمة فيثبِّتك في المسيح، ويخلق فيك ثمر الرجاء المستبشر. فكلّ مسيحي سينال حصّة سماويّة، ليس في هذه الدنيا بل في الآخرة. فلا تنتظر مالاً مِن الرّبّ ولا شرفاً، ولا أبنية ولا صحّة ولا سيارات، بل اطلب ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. فمع جميع القدّيسين الراقدين والأحياء، سنرث ملكوت أبينا السماوي، ليس لاستحقاقنا، بل لأجل النّعمة فقط. فمَن يتمسّك بالدنيا، يفقد السّماء. فاختَر: هل تُحب الله أَم المال؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، احفظنا مِن إله الذهب وفلسفة مزج الأديان، وأسّسنا في ملء كلمتك، لتصبح نعمتك خطاً لمسيرنا؛ فنسهر مصلّين وسط رعيتك. نَطلب إليك أن تُخلِّص كثيراً مِن الضَّالين وتحفظنا مِن المضلّين.

20: 33 فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ 34أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ 35فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرّبّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ 36وَلَمَّا قَالَ هذَا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ جَمِيعِهِمْ وَصَلَّى 37وَكَانَ بُكَاءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْجَمِيعِ، وَوَقَعُوا عَلَى عُنُقِ بُولُسَ يُقَبِّلُونَهُ 38مُتَوَجِّعِينَ، وَلا سِيَّمَا مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا: إِنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا وَجْهَهُ أَيْضاً ثُمَّ شَيَّعُوهُ إِلَى السَّفِينَةِ.

لقد لخّص بولس تعليمه، خلال خدمته السنوات الثلاث في أفسس، وربّما كلّ تبشيره في الأناضول واليونان أيضاً، بهذه العظة الفريدة. وليس ممكناً أن نفسّر غنى هذه الأفكار في أسطر قليلة، لأنّ معاني هذه العبارات تكفي لعظات لمدّة ثلاث سنوات. فمِن الضروري أن تعيد قراءة الأصحاح 20 مِن العدد 17 إلى 38 لتستخرج الكنوز الكامنة في كلّ كلمة.

وللعجب لم يتكلّم بولس في نهاية عظته عن الأمور الرّوحيّة، بل عن المال، لأنّ في استعمال المال تظهر الرّوح. فلم يكن بولس مستعدّاً أن يقبل لمصلحته الخاصّة عطايا أو تبرعات، ولم يشته غنى أفراد الكنيسة، لأنّه احتقر ثروات هذه الدنيا الفانية، كما قال إنّه اعتبر كلّ شيء نفاية لكي يربح المسيح، فمات عن شهواته إلى الميول الماديّة والجنسيّة، لأنّه قد صُلب مع المسيح ودُفن وعاش لأجل الأمور السماويّة. ولأجل حاجات حياته اشتغل بولس بيديه، وكان مجتهداً وماهراً في مهنته، لأنّه طبّق أقواله على نفسه: “خادمين بنيّة صالحة كما للربّ ليس للناس” فربح مالاً فائضاً كفاه وكفى زملاءه معه، لقد أرى الأساقفةَ يديه بافتخار، لأنّ جلدهما كان خشناً مقشراً، وغليظاً مِن جراء التعب والإرهاق اليدوي، وقد اعتبر بولس هذه العلامات الواضحة شرفاً له، فلم يرفع أقلاماً رصاصيّة ولم يكتب كتباً ولا واحداً، بل اشتغل بيديه، وتكلّم بلسانه، وجال على قدميه مسافات طويلة. لقد قدّم جسده ذبيحة حيّة مرضيّة لله ومسيحه، وليس أفكاراً فقط.

وبولس لا يوافق على أيّ مسيحي متقاعس، ينتظر مجيء ربّه بكسل وفتور واسترخاء فيسقط بيته في الضّيق والجوع، لأجل تحمّسه الكسول. إنَّ بولس أضنى جسده ليلاً نهاراً في مهنته، ليربح وقتاً كافياً لتمجيد اسم ربّه.

وللعجب فإنّه لم يصرف ماله لسد حاجته وحاجة أصدقائه فقط، بل ضحّى لأجل الفقراء أيضاً. فالراتب الشهري أو الأجرة اليوميّة ليست لكفاية أنفسنا فقط، بل لنساعد ونخدم ونعطي ونضحّي، وقد قال المسيح الفقراء معكم في كلّ حين.          والمرضى والضعفاء والأرامل والأيتام كثر، وهم ينتظرونكم، ولا تجدنَّ المسيحَ إلاَّ عندهم، لأنّه قال: كنت عرياناً ومحبوساً ومريضاً ومحتاجاً، ولم تزوروني ولم تكسوني، ولم تهتموا بي البتّة. فإلى متى تنتظر حتّى تبدأ بحياة التضحية والدخول إلى سبيل الخدمة؟ هل قلبك مِن حجر؟ أم إِنَّكَ ما زلتَ أعمى، ولا ترى المتضايقين؟

وخلاصة لأقواله أخبرنا بولس بكلمة مِن المسيح غير مسجّلة في الأناجيل، إنّما هي خلاصتها، وشعار لكلّ الرسائل البولسيّة وهي: مغبوط هو العطاء أكثر مِن الأخذ. فهذه الآية تعلن لنا عمق قلب الله، الّذي هو مغبوط ومسرور وفرحان، لأنّه يبارك باستمرار، ويعطينا خيرات على الدوام. وقد أتى المسيح ليضحّي بذاته لأجل الأثمة.

فمبدأ التضحية وبذل النفس للآخرين هو الأساس الرّوحي للمسيحيّة ومحبَّة الله تدفعنا إلى التبرعات والخدمة والنّشاط والحركة، ليس إرضاءً لأنفسنا، بل لأجل الآخرين غير المستحقّين لهذه المحبّة. وكما بذل المسيح نفسه فدية لكثيرين، هكذا يدعونا الربّ لنضحّي بأموالنا وأوقاتنا لنساعد النّاس، في عائلتنا ومهنتنا وكنيستنا وشعبنا. ولن تصبح مسروراً إن لم تضحّ بذاتك لله والنّاس. وهكذا أصبحت ذبيحة المسيح شعار الكنيسة وشعاراً لأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا. هل أنت مسرور في أعماق قلبك؟ أدرك إذاً الجملة الرسوليّة أنّه ينبغي أنكم تتعبون، وتعضدون الضعفاء. فلا بد مِن كلمة (ينبغي) وإلاّ لا تكون مسيحيّاً حقّاً و لا شيخاً ولا مسؤولاً في الكنيسة.

وما كان بولس فيلسوفاً نظريّاً، بل مصليّاً واقعيّاً. لا ثمار بلا صلاة. فالكلام الكثير لا ينفع والله وحده يبارك، ويبني. لقد جثا الرسول مع شيوخ الكنيسة، وصلّى مِن كلّ قلبه. هل قرأت مرَّةً الصَّلاةَ الرَّسوليَّة الّّتي نَبَعَتْ مِن صميم قلب بولس؟ اقرأ في رسالة أفسس الأصحاح 1: 3-14 و1: 17-23 و3: 14-21 واشترك في هذه الصَّلَوات الرَّسوليَّة بوعي وتفكير، فتدرك فقر أدعيتنا الخاصّة. اطلب مِن يسوع روح الصّلاة، لأنّ طلبة البارّ تقتدر كثيراً في فعلها.

أدرك الشيوخ أَنَّ هذه الصّلاة كانت الكلمةَ الأخيرةَ الّّتي سمعوها مِن فم بولس، ففاضت دموعهم شُكراً ومحبّةً، حزناً وألماً، فليس عاراً إن بكى الرجل في سبيل العواطف الطاهرة. وهنا انهلّت الدموع لأنّ رجل الله فتح الباب إلى السّماء لأجلهم، وخدم بتعب جسده بينهم، وكان مزمعاً أن يدخل الآن إلى الألم والضيق، فقبّلوه فرداً فرداً، علامة لعلاقتهم الشخصيّة في عائلة الله السرمديّة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك ونشكرك لأنّ كلمتك تمنحنا ملء الخلاص والقوّة للمحبّة والتعزية في الرجاء. علّمنا أن نشتغل باجتهاد في المدرسة والمهنة والبيت، لكيلا نكون كسالى، بل نضحّي بأملاكنا وأوقاتنا للآخرين، كما بذلت أنت نفسك لأجلنا نحن الضّالّين آمين.

10الإبحار مِن الأناضول إلى لبنان

(21: 1 – 6)

21: 1 وَلَمَّا انْفَصَلْنَا عَنْهُمْ أَقْلَعْنَا وَجِئْنَا مُتَوَجِّهِينَ بِالاسْتِقَامَةِ إِلَى كُوسَ، وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي إِلَى رُودُسَ، وَمِنْ هُنَاكَ إِلَى بَاتَرَا 2فَإِذْ وَجَدْنَا سَفِينَةً عَابِرَةً إِلَى فِينِيقِيَةَ صَعِدْنَا إِلَيْهَا وَأَقْلَعْنَا 3ثُمَّ اطَّلَعْنَا عَلَى قُبْرُسَ، وَتَرَكْنَاهَا يَسْرَةً وَسَافَرْنَا إِلَى سُورِيَّةَ، وَأَقْبَلْنَا إِلَى صُورَ، لأَنَّ هُنَاكَ كَانَتِ السَّفِينَةُ تَضَعُ وَسْقَهَا 4وَإِذْ وَجَدْنَا التَّلامِيذَ مَكَثْنَا هُنَاكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَكَانُوا يَقُولُونَ لِبُولُسَ بِالرُّوحِ أَنْ لا يَصْعَدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ 5وَلكِنْ لَمَّا اسْتَكْمَلْنَا الأَيَّامَ خَرَجْنَا ذَاهِبِينَ، وَهُمْ جَمِيعاً يُشَيِّعُونَنَا مَعَ النِّسَاءِ وَالأَوْلادِ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ فَجَثَوْنَا عَلَى رُكَبِنَا عَلَى الشَّاطِئِ وَصَلَّيْنَا 6وَلَمَّا وَدَّعْنَا بَعْضُنَا بَعْضاً صَعِدْنَا إِلَى السَّفِينَةِ وَأَمَّا هُمْ فَرَجَعُوا إِلَى خَاصَّتِهِمْ.

مَن يسافر اليوم في الطائرة فوق جزيرة رودس، ويعبر جزيرة كوسى نحو أثينا يمرّ عميقاً تحته البرّ البني المحروق مِن الشّمس وسط البحر المتوسط الأزرق البلوري. وإذ يقطع المسافر اليوم في دقائق قليلة وبسرعة هائلة بضجيج جنوني المسافات الشاسعة، فإنّ بولس قبل ألفي سنة قد سافر ببطء بسفينة شراعية مجتازاً مَضَايِقَ وخلجاناً ورؤوساً صخريّةً في انسجامٍ وتناسقٍ مع الموج والرياح.

وكان لبولس، أثناء هذه السفرة الطويلة، وقتٌ كافٍ ليتكلّم مع مرافقيه عن يسوع، ويعمّقهم إلى ملء التوراة، وينوّرهم بحريّة الإنجيل. فهذه السفرة كان معناها التدريب الرّوحي لزعماء الكنيسة في المستقبل، وشركة الصّلاة المتواصلة. فالمجتمعون فكّروا بكنائسهم في اليونان والأناضول، وطلبوا وهم في أشداق اليم أنهر الرّوح القدس على المبتدئين بالإيمان في أوطانهم، لكي تظهر جميع ثمار محبّة المسيح في تابعيه.

ولمّا وجد الرسول وصحبه سفينة مسافرة إلى سوريا رأساً، انتقلوا إليها بفرح، لأنّهم يوفّرون على أنفسهم مشقّة ووقتاً، بدلاً مِن أن يلفّوا حول الشواطئ والموانئ، ويتوقّفوا في طرسوس وأَنطاكية ومثيلاتها، ولم يتوقّفوا في جزيرة قبرس في مينائها بافوس؛ ولكنّ بولس لا بدّ أنّه قد أخبرهم كيف غلب المسيح الشيطان، لمّا ابتدأ الرسول وبرنابا رحلتهما التبشيريّة ضمن هذه الجزيرة الجميلة، ولكن ليست الجزائر البديعة هي الهدف الأوّل للتبشير، بل الطرق الشّاقة في الصحارى والقفار والاندفاع نحو العواصم المكتظة كفاحاً وتبشيراً، كما يرشد الرّبّ عبيده.

وبعدئذ وصل موكب انتصار المسيح إلى صور المدينة الغنيّة، الجزيرة الّّتي ربطها الاسكندر ببرّها قبل المسيح بثلاثمائة سنة. وهناك أفرغت السفينة بضاعتها ونزل بولس وزملاؤه إلى الأسواق، طالبين الإخوة في الإيمان، الّذين كانوا أقليّة هناك، ولكنّهم نشيطون في أوساط التّجار والصّيادين، فألفاهم الرسول في بيوتهم، ومكث أسبوعاً كاملاً في هذه المدينة يبشّر بملكوت الله، ويعظ القلوب المؤمنة.

وفي هذه السفرة الأخيرة لم يزر الرسول أفسس العاصمة الكبرى، ولم يعرّج على كنيستها القويّة، إذ كانت قد تأصّلت ونمت بعون الله وبقوّة الرّوح القدس. أمّا صور، فها هو قد أقام فيها، لأنّه أراد أن يقوّي ضعفها، ويملأها بقوّة روح الله.

وإنّنا لا نعلم الزمن الّذي تأصّل فيه اسم يسوع في قلوب الصوريين. ولكن لا شكّ أنّ روح الرّبّ تكلّم بوضوح وجلاء النبوّة بقلوبهم وألسنتهم، والموضوع الّذي أعلنه الرّوح القدس سابقاً في أفسس ظهر أيضاً في صور، أَنَّ على بولس أن يتألم في أورشليم ويتعذّب كثيراً، وأَنَّ نهاية خدمته التبشيريّة باتت وشيكةً. ولم يتكلّم الرّوح القدس مانعاً بولس مِن الذهاب إلى القدس، بل أهل الكنيسة عارضوا ذهاب الرسول إلى الضّيق. هذا ردّ فعل بشري، محبّة بسلامته. ولكنَّ عبد المسيح أراد اتِّباع ربّه لآخر درجة في تمثّله، فظهر سفر بولس أخيراً مِن كورنثوس إلى أورشليم ليس كموكب لانتصار المسيح فقط، بل طريقاً إلى الآلام والضيق أيضاً كآلامه. وقد اتّجه بولس عمداً إلى القدس مستعدّاً لإكرام ربّه بتقديم ذبيحة ذاته، والمؤمن الحقّ لا يهرب مِن الضيق، لأنّ الموت له ربح آتٍ إليه بإعلان مجد المسيح في أتباعه.

وقد رافقت كنيسة صور كلّها بولس ورفاقه إلى شاطئ البحر، والرجال والنساء والأولاد والعبيد وشيوخ الكنائس مِن آسيا وأوروبا جثوا مع الرسول، ولم يبالوا بالنّاس حولهم، بل صلّوا معاً وودعوا الرسول ، عالمين أنّهم لن يروه فيما بعد.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، طرقك مقدّسة، ومحبّتك غير محدودة. علّمنا أن نثق بك وأن نبني مستقبلنا على هداك. ساعدنا ألاّ نخاف مِن الضيق، ولا نهرب مِن العذاب لأجلك. اغفر خطايانا وقدّسنا، وطهّر كلّ عضو في كنيستك في العالم.

11مِن صور إلى قيصرية

(21: 7 – 14)

21: 7 وَلَمَّا أَكْمَلْنَا السَّفَرَ فِي الْبَحْرِ مِنْ صُورَ، أَقْبَلْنَا إِلَى بُتُولِمَايِسَ، فَسَلَّمْنَا عَلَى الإِخْوَةِ وَمَكَثْنَا عِنْدَهُمْ يَوْماً وَاحِداً 8ثُمَّ خَرَجْنَا فِي الْغَدِ نَحْنُ رُفَقَاءَ بُولُسَ وَجِئْنَا إِلَى قَيْصَرِيَّةَ، فَدَخَلْنَا بَيْتَ فِيلُبُّسَ الْمُبَشِّرِ، إِذْ كَانَ وَاحِداً مِنَ السَّبْعَةِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ 9وَكَانَ لِهذَا أَرْبَعُ بَنَاتٍ عَذَارَى كُنَّ يَتَنَبَّأْنَ 10وَبَيْنَمَا نَحْنُ مُقِيمُونَ أَيَّاماً كَثِيرَةً، انْحَدَرَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ نَبِيٌّ اسْمُهُ أَغَابُوسُ 11فَجَاءَ إِلَيْنَا، وَأَخَذَ مِنْطَقَةَ بُولُسَ، وَرَبَطَ يَدَيْ نَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَ:هذَا يَقُولُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ: الرَّجُلُ الَّذِي لَهُ هذِهِ الْمِنْطَقَةُ هكَذَا سَيَرْبُطُهُ الْيَهُودُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى أَيْدِي الأُمَمِ 12فَلَمَّا سَمِعْنَا هذَا طَلَبْنَا إِلَيْهِ نَحْنُ وَالَّذِينَ مِنَ الْمَكَانِ أَنْ لا يَصْعَدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ 13فَأَجَابَ بُولُسُ:مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي لأَنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضاً فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ اسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ14وَلَمَّا لَمْ يُقْنَعْ سَكَتْنَا قَائِلِينَ: لِتَكُنْ مَشِيئَةُ الرَّبِّ

.

سافر بولس بسفينة أخرى إلى الجنوب، وتوقّف يوماً في عكّا وسلّم على الإخوة المؤمنين هناك، ثم أكمل طريقه إلى العاصمة الرومانيّة في فلسطين (قيصرية) حيث سكب الرّبّ روحه القدّوس لأوّل مرّة على عدد كبير مِن الأمم. وللعجب فإنّنا لا نقرأ شيئاً عن هذه الكنيسة مِن الأمم، ربّما لأنّهم انتقلوا إلى مدن أخرى، لأنّ تلك المدينة كانت مركزاً رومانيّاً يخدم فيها الموظفون لمدّة وجيزة، ثم تنقلهم الحكومة إلى مناطق أخرى حسب نظامها.

وكان يسكن قيصريةَ المبشِّرُ النشيط فيلبس، أحد الشمامسة السبعة، الّذي كان عليه سابقاً بعد رجم زميله استفانوس أن يهرب مِن شاول الغيور، حتّى لا يموت أيضاً. وها هو بولس الآن داخل بيته ضيفاً معزّزاً، فالعدوّ صار بواسطة محبّة الله أخاً في المسيح. تصوّر كيف شكر هؤلاء الإخوة معاً المسيح لنعمته! وكيف أنّ لوقا استخبر مِن هذا الشاهد عن الحوادث التاريخيّة حول بداية الكنيسة، لأجل تأليف سِفره – أعمال الرسل-! وكان فيلبس موافقاً تماماً على تبشير الأمم، لأنّه قد عَمّد قبل كلّ الرسل وزير كنداكة الحبشي، وقد استخدمه المسيح لنشر ملكوته في أماكن عدة. فسكن بولس في بيت فيلبس أياماً كثيرة بانسجام روحي وفرح عظيم.

وكان المبشّر الشهير متزوّجاً، لأنّ الزواج ليس عاراً بل هبة مِن الرّبّ. وكانت بناته الأربع مؤمنات، ممتلئات بروح النبوّة الحقّة؛ فتكلّمن في الكنيسة، لأنّ الرّوح القدس أعلن بواسطتهم مشيئة الله بسلطان ووضوح، فبركة الآب خيّمت على بيته بأكمله.

ودخل إلى فرح هذه الكنيسة نبيٌّ مِن أورشليم، الّذي ذكر لوقا اسمه سابقاً في الأصحاح 11: 28 ألا وهو أغابوس. فأتى هذا مِن الكنيسة القويّة في القدس، لأنّ روح الرّبّ كان قد أعلن له مسبقاً أنَّ بولسَ آتٍ في السَّفينة بحراً ومتقدّمٌ نحو أورشليم. فحذّر الرسول ليبعده على طريق آلامه، ووضَّح النّبي توضيحاً تامّاً أنّ اليهود سيربطون بولس ، ويحكمون عليه بالقصاص المميت، كما فعلوا بيسوع؛ وسيسلمونه إلى أيدي الأمم، عاراً وتنكيلاً. وقد أنبأ المسيح آنذاك بطريق آلامه بنفسه، لأنّه خاتم الأنبياء. أمَّا بولس فقد تنبّأ له أعضاء الكنائس، لأنّ روح النبوّة صار منتشراً مِن المسيح في كثير مِن المؤمنين.

ولمّا ظهر إعلان الله عن مصير بولس، أمام أعين الكنيسة القيصرية، عمل الإخوة نفس ما عمله سابقاً بطرس، لمّا حاول منع ربّه مِن التَّوجُّه إلى الصَّليب، ولكنَّ بولس علم كالأنبياء الآخرين مشيئةَ ربّه فوافق عليها، وانفصل اختياريّاً مِن خدمته التبشيريّة في العالم، مستعدّاً للتمثّل بربّه في الآلام، وفضّل ترك الكنائس على أن يخطئ غاية ربّه. ولكنَّ قلبه انكسر وبكى مع الباكين، واستمرّ عزمه ثابتاً، بالرغم مِن ذلك، لأنّه أراد تمجيد ربّه يسوع بإطاعة الإيمان.

وبهذه المناسبة، نطق بولس بعقيدة الكنيسة الأولى قائلاً: إِنَّ الإنسان يسوع هو الرّبّ. ففي هذين الاسمين نجد ملء اللاَّهوت جسديّاً مستتراً في النّاسوت بصورة متواضعة. وربّ المجد قد غلب بولس، فعبده هذا طيلة حياته، وأراد اتباعه إلى آخر لحظة، مستعدّاً للمضي إلى مصير حمل الله، فثبت في كلّ التجارب المتلاطمة حوله، حتّى أدرك جميع أعضاء الكنيسة أنّ بولس لا يخضع للميول البشريَّة، بل يتمّم مشيئة الرّبّ في الصميم. وهذا اليقين هو الشعار لكلّ الحوادث التالية.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك أنت الإله الحقّ والإنسان الحقّ. قد فديتنا مِن الموت والخوف والجبانة، وقوَّيتنا وتُقوِّينا في طريقنا الأخير، لنذهب مطمئنين إلى أشداق الضِّيقِ والعذابِ والشَّهادة لتمجيدِ اسمِك.

هُمْ جَمِيعاً يُشَيِّعُونَنَا مَعَ النِّسَاءِ وَالأَوْلادِ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ

فَجَثَوْنَا عَلَى رُكَبِنَا عَلَى الشَّاطِئِ وَصَلَّيْنَا

(توديع أهل صور بولس الرسول حسب أعمال الرسل 21: 5)

خامساً: سجن بولس في أورشليم وقيصرية

(21: 15 – 26: 32)

1الوصول إلى القدس وإخبار الرسول الإخوة عن خدماته

 (21: 15 – 20)

21: 15 وَبَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ تَأَهَّبْنَا وَصَعِدْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ 16وَجَاءَ أَيْضاً مَعَنَا مِنْ قَيْصَرِيَّةَ أُنَاسٌ مِنَ التَّلامِيذِ ذَاهِبِينَ بِنَا إِلَى مَنَاسُونَ، وَهُوَ رَجُلٌ قُبْرُسِيٌّ، تِلْمِيذٌ قَدِيمٌ، لِنَنْزِلَ عِنْدَهُ 17وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا الإِخْوَةُ بِفَرَحٍ 18وَفِي الْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ الْمَشَايِخِ 19فَبَعْدَ مَا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئاً فَشَيْئاً بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ اللّهُ بَيْنَ الأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ20فَلَمَّا سَمِعُوا كَانُوا يُمَجِّدُونَ الرَّبَّ.

اندفع شركاء الآلام مِن سهول الشواطئ إلى مرتفعات جبال أورشليم، وباتوا في منتصف الطريق عند رجل قبرسي اسمه مناسون، ولعلّه كان صديقاً لبرنابا وعضواً منذ البدء في شركة القدّيسين، مترقّباً مجيء ربّه بشوق، ومنه سمع لوقا تفاصيل عديدة عن عجائب الرّوح القدس منذ تاسيس الكنيسة

.

وأخيراً وصل موكب انتصار المسيح إلى أورشليم البهيّة، حيث باتوا بين إخوة وأصدقاء فرحوا مِن أعمال الرّبّ الحيّ في كلّ العالم، وعظّموه لأجل كسب كثير مِن  الأمم أعضاء لكنيسته. فالجناح المؤيّد لتبشير الأمم لم يضمحلّ في الكنيسة الأورشليميّة، إنّما كان رجاله قِلَّةً بِالنِّسبةِ للجناح النَّاموسي (الشريعي) المتعصِّب للشَّريعة.

وفي الغد تقدّم بولس ورفقاؤه إلى يعقوب أخي المسيح وشيوخ الكنيسة الأورشليميّة. ولسنا نعلم إن كان بطرس ويوحنّا في تلك الأيام حاضِرَين في القدس، فظهر يعقوب المصلّي الناموسي (الشريعي) مقداماً للكنيسة، وكان لوقا آنذاك مرافقاً لبولس ومعهما الرفاق الممثلون لكلّ الكنائس الأوروربيّة والأسيويّة، وقدّموا معاً التبرعات الضخمة، الّّتي جمعوها مِن كنائسهم هبة لكنيسة أورشليم المتضايقة. ويا للعجب! فإنّ لوقا لا يذكر تسليم هذه العطيّة، ولو بكلمة واحدة، لأنّه اعتبر المال أمراً ثانويّاً، ولا يستحقّ ذكراً. فالنّاس كانوا أهم مِن المال والمؤمنون مِن الأمم، الّذين حلّ فيهم الرّوح القدس، هم الأمر العجب المدهش، وتضحية محبّتهم ظهرت عربوناً لانتصار المسيح فيهم.

قَصَّ بولس في حضور هؤلاء الشهود مِن الأمم، القصصَ عن أعمال المسيح في فيلبي وتسالونيكي وبيريا وكورنثوس وترواس وأفسس وسواها، وعظَّمَ قُدرةَ المُقام مِن بين الأموات، الّذي جعل الخطاة قدّيسين، الّذين لم يكونوا شعباً جعلهم شعبه الخاص. ولم يستطع الناموسيون (الشريعيّون) إلاّ الانسجام مع الحمد والتسبيح لهذا الخلاص العالمي، لأنّ الإخوة الحاضرين كانوا البرهان الملموس لسلطان المسيح العامل بين الأمم.

 2قبول بولس التطهير

 حسب الناموس (الشريعة)

(21: 20 – 26)

وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا الأَخُ كَمْ يُوجَدُ رَبْوَةً مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُمْ جَمِيعاً غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ (للشريعة) 21وَقَدْ أُخْبِرُوا عَنْكَ أَنَّكَ تُعَلِّمُ جَمِيعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ بَيْنَ الأُمَمِ الارْتِدَادَ عَنْ مُوسَى، قَائِلاً أَنْ لا يَخْتِنُوا أَوْلادَهُمْ وَلا يَسْلُكُوا حَسَبَ الْعَوَائِدِ 22فَإِذاً مَاذَا يَكُونُ؟ لا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَجْتَمِعَ الْجُمْهُورُ، لأَنَّهُمْ سَيَسْمَعُونَ أَنَّكَ قَدْ جِئْتَ 23فَافْعَلْ هذَا الَّذِي نَقُولُ لَكَ: عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عَلَيْهِمْ نَذْرٌ 24خُذْ هؤُلاءِ وَتَطهَّرْ مَعَهُمْ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ لِيَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ، فَيَعْلَمَ الْجَمِيعُ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا أُخْبِرُوا عَنْكَ، بَلْ تَسْلُكُ أَنْتَ أَيْضاً حَافِظاً لِلنَّامُوسِ(للشريعة) 25وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الأُمَمِ، فَأَرْسَلْنَا نَحْنُ إِلَيْهِمْ وَحَكَمْنَا أَنْ لا يَحْفَظُوا شَيْئاً مِثْلَ ذلِكَ، سِوَى أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ، وَمِنَ الدَّمِ، وَالْمَخْنُوقِ، وَالّزِنَا 26حِينَئِذٍ أَخَذَ بُولُسُ الرِّجَالَ فِي الْغَدِ، وَتَطَهَّرَ مَعَهُمْ وَدَخَلَ الْهَيْكَلَ، مُخْبِراً بِكَمَالِ أَيَّامِ التَّطْهِيرِ، إِلَى أَنْ يُقَرَّبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقُرْبَانُ.

لم يَصْفُ فرح القلوب الممتلئة بالسرور في الكنيسة المقدّسة، لأنّ الهموم حول الناموس (الشريعة) قيّدتهم. صحيحٌ أنّهم سمّوا بولس أخاً في المسيح، واعتبروه ابناً لله الآب، ولكنهم فكّروا في الوقت نفسه بألوف المسيحيين الّذين هم مِن أصل يهوديّ، ولا يزالون يهوداً ومسيحيين في الوقت نفسه، ولم يتقدّموا إلى الحرية مِن الناموس، (الشريعة) وبقوا مرتبطين بحرفية الوحي في العهد القديم، غير مدركين عظمة الإلهام مِن الرّوح القدس في العهد الجديد؛ علماً أن أورشليم كانت تسيطر عليها في تلك الأيام العناصر الثوريّة الوطنيّة المتطرفة، الّّتي تمخّضت عن ثورة لاهبة سنة 70 ب م وكان مِن نتائجها تهديم المدينة المقدّسة والهيكل العظيم. وبعد لقاء بولس ويعقوب بقليل مِن الزمن، رجم هؤلاء الثوّار المتعصّبون أخا المسيح حتّى الموت. فقد كان يعقوب يشعر مسبقاً بالخطورة، وما ستؤول إليه الأحداث. وهذا يبيّن لنا سبب طلبه مِن بولس التَّقيُّد بالناموس (الشريعة) في محاولة منه لتخليصه مِن الشبهة والاعتداء.

ولمّا كان بولس في آسيا الصغرى واليونان قبل ذلك بسنوات طويلة، كانت تتسرب أخبار وروايات غير صادقة، أنّ بولس يحرّض اليهود المهاجرين على الارتداد عن العهد الإلهي وعدم ختن أبنائهم. وذلك كذب وهراء، لأنّ بولس قد ختن بيده تيموثاوس لإرضاء اليهود. وعلم يعقوب والشيوخ في القدس أنّ الحكايات عن بولس تحمل اتّهامات مبالغاً فيها، فلم يصدّقوها. إنّما علموا أيضاً أنّ كثيرين مِن المسيحيين اليهود لم يفهموا المغزى الحقيقي للمواضيع الّّتي تطرّق بولس إليها، وكتبها في رسائله الشهيرة فاضطربت الكنيسة في أورشليم (رومية 5: 20 – و7: 6 وغلاطية 5: 4). فهؤلاء المؤمنون لم يدركوا الحرية الرّوحيّة مِن الناموس.(الشريعة) واعتبروا أعمال الناموس (الشريعة) أعظم مِن البرّ الصادر مِن الإيمان، ولم يستيقنوا أنّ برّ المسيح يسبّب أعمال المحبّة.

لم يطلب يعقوب في هذا الاجتماع بحثاً لهذه المبادئ لأنّها حُلَّتْ في مؤتمر الرسل المذكور في الأصحاح 15 نهائيّاً. فأثبت مقدام الكنيسة يعقوب أمام ممثلي كنائس الأمم، أنّهم أحرار مِن الناموس (الشريعة) ما عدا بعض أحكام المحبّة، الّّتي ينبغي أن يخضعوا لها لدوام الشركة بين المؤمنين اليهود والأمم. فبقي البرّ بالنّعمة غير مزعزع وثبت أساساً للكنيسة، وما زال حتّى اليوم لبّ الإنجيل وسرّه العميق. ولكنّ يعقوب وجّه لبولس الطلب أن يشهد أمام المؤمنين بالمسيح مِن اليهود إنّه لا يزال برغم الاتّهامات المتعدّدة يهوديّاً أصليّاً كاملاً، ويحفظ أحكام الناموس (الشريعة) لنفسه ولم يرفض الناموس، (الشريعة) وذلك لأجل محبّته لشعبه والعهد مع الله. إنّما غلب الرسول داخليّاً الفهم التقليدي للشريعة، ولم يكن بحاجة إليها لتبريره وتقديسه، إذ الخلاص كلّه هبة مِن الله. ولكنّه خضع للناموس (للشريعة) ليربح اليهود للمسيح حسب قوله، إنّه صار لليهود كيهوديّ وللأمم كأمميّ ليربح هؤلاء وأولئك لربّه العظيم. مع العلم أن بولس كتب في رسالته إلى رومية بكلّ وضوح أنّ الناموس (الشريعة) في ذاته صالحٌ ومقدَّس، ولكنَّ النّاسَ خُطاةٌ وغيرُ قادرين أن يحفظوه بقدرتهم الخاصّة (رومية 3: 31 و7: 12).

فوافق بولس على اقتراح يعقوب أن يقصّوا شعره كتائب، ويتطهّر سبعة أيام بلياليها

 للسجود لربّه، وهذا الاستعداد يتضمن الرشّ بماء التقديس في اليومين الثالث والسابع.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، لقد كنتَ عضواً في العهد القديم، وحفظتَ الشَّريعة الموسوية وأكملتَها، ومنحتَنا العهدَ الجديدَ بحرّيته وقوّته ومحبّته. فنشكرك لأجل نعمتك، ونطلب إليك لأجل المتديّنين أَن تُحرِّرهم مِن روح التعصّب، وتثبّتهم في لطف برّك المتين.

3هجوم اليهود على بولس وحفظ عسكر الرومان له

 (21: 27 – 40)

21: 27 وَلَمَّا قَارَبَتِ الأَيَّامُ السَّبْعَةُ أَنْ تَتِمَّ، رَآهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي الْهَيْكَلِ، فَأَهَاجُوا كُلَّ الْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ الأَيَادِيَ 28صَارِخِينَ:يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، أَعِينُوا! هذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُعَلِّمُ الْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدّاً لِلشَّعْبِ وَالنَّامُوسِ (الشريعة) وَهذَا الْمَوْضِعِ، حتّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ وَدَنَّسَ هذَا الْمَوْضِعَ الْمُقَدَّسَ 29لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي الْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ الأَفَسُسِيَّ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى الْهَيْكَلِ 30فَهَاجَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا، وَتَرَاكَضَ الشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ الْهَيْكَلِ وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ الأَبْوَابُ 31وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ الْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيمَ كُلَّهَا قَدِ اضْطَرَبَتْ، 32فَلِلْوَقْتِ أَخَذَ عَسْكَراً وَقُّوَادَ مِئَاتٍ وَرَكَضَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَأُوا الأَمِيرَ وَالْعَسْكَرَ كَفُّوا عَنْ ضَرْبِ بُولُسَ 33حِينَئِذٍ اقْتَرَبَ الأَمِيرُ وَأَمْسَكَهُ، وَأَمَرَ أَنْ يُقَيَّدَ بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَطَفِقَ يَسْتَخْبِرُ: تُرَى مَنْ يَكُونُ وَمَاذَا فَعَلَ؟ 34وَكَانَ الْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَالْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ فِي الْجَمْعِ وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَعْلَمَ الْيَقِينَ لِسَبَبِ الشَّغَبِ، أَمَرَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ 35وَلَمَّا صَارَ عَلَى الدَّرَجِ اتَّفَقَ أَنَّ الْعَسْكَرَ حَمَلَهُ بِسَبَبِ عُنْفِ الْجَمْعِ، 36لأَنَّ جُمْهُورَ الشَّعْبِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ صَارِخِينَ: خُذْهُ! 37وَإِذْ قَارَبَ بُولُسُ أَنْ يَدْخُلَ الْمُعَسْكَرَ قَالَ لِلْأَمِيرِ: أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئاً؟ فَقَالَ: أَتَعْرِفُ الْيُونَانِيَّةَ؟ 38أَفَلَسْتَ أَنْتَ الْمِصْرِيَّ الَّذِي صَنَعَ قَبْلَ هذِهِ الأَيَّامِ فِتْنَةً، وَأَخْرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعَةَ الآلافِ الرَّجُلِ مِنَ الْقَتَلَةِ؟39فَقَالَ بُولُسُ: أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ طَرْسُوسِيٌّ، مِنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ غَيْرِ دَنِيَّةٍ مِنْ كِيلِيكِيَّةَ وَأَلْتَمِسُ مِنْكَ أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُكَلِّمَ الشَّعْبَ 40فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ، وَقَفَ بُولُسُ عَلَى الدَّرَجِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّعْبِ، فَصَارَ سُكُوتٌ عَظِيمٌ فَنَادَى بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ قَائلاً.

هل فهمت تواضع بولس ومحبّته؟ لقد أتى إلى أورشليم كعميد جيش ربح معارك كثيرة، وجاء بغنيمة ضخمة؛ فطلب إليه الإخوة، الّذين لم يبرحوا الوطن، أن ينسى كلّ كفاحاته والنهضة الكنسية الّّتي أحدثها في العالم، ويصبح خادماً لأربعة أنفار مِن المنغلقين المتأخّرين. وقد أنكر بولس نفسه متخليّاً عن ذاته، متناسياً انتصاراته، خاضعاً لنير عبوديَّة النَّاموس،  (الشريعة) ودفع لأجل المساكين الأربعة الّذين عليهم نذر ثمن ذبائحهم، وأكمل واجب المحبّة لكيلا يصبح هو عثرة للإخوة، بل يبقى خادماً للضعفاء في الرّوح. فهكذا أتمّ وصيّة المحبّة الّّتي طلب مِن الكنائس إكمالها، لكيلا تنشقَّ الوحدةُ بين الإخوة.

ولكن لمّا انتهت أيام التطهير، شاهد بعض اليهود، العائدون إلى أورشليم مِن محافظة آسيا ومدينة أفسس، بولسَ يجول في أسواق أورشليم، متعانقاً مع تروفيمس المسيحي مِن الأصل الأممي، ولقد رأوه مرّة أخرى منفرداً في ساحة الهيكل. وظنّاً مِنهم أنّه قد جاء بذلك الأممي إلى داخل الحرم، اغتاظوا وصرخوا بصوت عالٍ: النَّجدة النَّجدة! هوذا رجل يهدم ديننا، ويعلّم النّجسين الدخول إلى رعويّة الله بلا ختان وبلا حج إلى الهيكل، وبدون حفظ الناموس(الشريعة) إنّه ضدّ الله، فاعزلوا هذا المضل مِن وسطكم فوراً، وأهلكوه حالاً.

فابتدأ الهياج في الجماهير المتراكضة، لأنّ مَن نجّس الهيكل غضب الله على المدينة وَيُعتبرَ العدوَّ الأوَّل للوطن، فتنجيس الهيكل هزّ المدينة مِن أساساتها؛ فتجمّع النّاس مِن كلّ الأزقة والبيوت، وقبضوا على بولس وجرّوه وراءهم، وتمشيّاً مع العرف امتنعوا عن سفك دمه داخل جدار الحرم. ولمّا صار الصائحون خارج باب الحرم أقفل حرّاسه الأبواب حفاظاً على قداسته وهدوئه.

أمّا في الخارج فها هم أولاء الغوغاء قد انهالوا ضرباً على بولس، ولطموه وركلوه محاولين قتله نهائيّاً. ولعلّ بولس فكّر آنئذ باستيفانوس، الّذي رُجم قبل ربع قرن مِن الزمن، لمّا أسلم هذا الشهيد روحه تحت وابل الحجارة، وقد كان بولس يومها شابّاً، فشاهد تلك المأساة وفرح بها. أمّا الآن فها هوذا يقع في العذاب نفسه. وتحقّقت كلمة المسيح مرّة أخرى عن أورشليم وظلمها، لمّا قال سابقاً: يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها!

ويا للأسف! لم يظهر أحد مِن تلك الربوات والجموع المؤمنة مِن الأصل اليهودي، الّّتي أخبر يعقوب بها بولس، ليساعده في وقت الشدّة. وربّما فرح بعضهم بإنهاء حياة هذا المشاكس. ولكن يسوع كان له تخطيطٌ آخر بالنسبة لعبده، الّذي لم تحن وفاته وما أرسل الله ملاكاً في بهاء مجده بل استخدم قائداً تحت إِمرته ألف عسكري. فهذا أسرع ببعض ضباطه وجنوده إلى مكان الحادث، لأنّ المدينة كلّها ضجّت بهذا المشكل الرهيب، فأراد إطفاء الشغب في بدايته. ففزع المتعصّبون وكفّوا قليلاً عن ضرب بولس، مما أتاح الفرصة للقائد ليمسكه، فأمر بربطه كمجرم ليخلّصه مِن الجماهير. وسأل القائدُ بعضَ النَّاس عن سبب الهياج، فما فهم جواباً مِن الضوضاء والصياح. ولمّا أمر باقتياد الأسير إلى الثكنة العسكريّة، زمجر الغاضبون، لأنّه قد أفلت مِن أيديهم، فحمل الجنود بولس على رؤوسهم لكيلا يجهز عليه المتظاهرون، ولعلّه ما استطاع الصعود على الدرج بسبب جروحه. وصرخت الجماهير كما صرخت سابقاً ضدّ المسيح: خذوه، اذبحوه، اقتلوه سريعاً.

وعند باب الثكنة – برج أنطوان – المشرفة على الحرم، طلب بولس مِن القائد باحترام وبيونانيّة بليغة أن يستمع له، موضحاً له سوء فهمه له، أنّه ليس النّبي الكذاب مِن مصر، الّذي أضلّ أربعة آلاف، وقادهم عبر جبل الزيتون إلى الصحراء، للقاء المسيح الآتي، ليستخدم هذا الجيش لتحرير الوطن مِن الرومان. كلاّ! بل هو إنسان مهذَّب، غير ثائر، مِن مدينة رومانيّة محترَمة. وبرهن بهذا الجواب على هدوء أعصابه، رغم مشارفته على الموت وتَفاقُم جروحه الداميّة.

فوافق القائد على طلبه، ورخّص له بأن يوجّه كلمة إلى الجمهور، لعلّه يكشف مِن حديثه سبب الخصومة بينه وبين الشعب الهائج. فوقف بولس على أعلى درجة في السلم كأنّه على منبر، وأشار بيده للجماهير المزدحمة، وابتدأ يخاطب شعبه، وما كان يجد فرصة ثمينة كهذه لمخاطبة جماهير اليهود، لولا اتهامه بتنجيس الهيكل. فاستخدم يسوع آلام عبده ليوجّه عظة توبة عظمى للشعب اليهودي. فحلّ صمتٌ كبير على الساخطين، فكلّهم أرادوا الاستماع لأقوال المضلّ وفهم المستمعون المصغون كلّ كلمة قالها بولس.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، قد تألّمت لأجلنا، ورسلك اختبروا لأجل اسمك آلاماً وعذاباً وعيوباً. علّمنا السلوك في حضورك، وأعطنا أن نكون أمناء لاسمك. لتكن مشيئتك في حياتنا لكي يسمع كثيرون إِنجيلك.

4احتجاج بولس أمام شعبه

(22: 1 – 29)

 22: 1أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ وَالآبَاءُ، اسْمَعُوا احْتِجَاجِي الآنَ لَدَيْكُمْ 2فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ يُنَادِي لَهُمْ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ َعْطُوا سُكُوتاً أَحْرَى فَقَالَ: 3أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّباً عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالائِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ النَّامُوسِ (الشريعة) الأَبَوِيِّ، وَكُنْتُ غَيُوراً لِلّهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ الْيَوْمَ 4وَاضْطَهَدْتُ هذَا الطَّرِيقَ حتّى الْمَوْتِ، مُقَيِّداً وَمُسَلِّماً إِلَى السُّجُونِ رِجَالاً وَنِسَاءً، 5كَمَا يَشْهَدُ لِي أَيْضاً رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَجَمِيعُ الْمَشْيَخَةِ، الَّذِينَ إِذْ أَخَذْتُ أَيْضاً مِنْهُمْ رَسَائِلَ لِلإِخْوَةِ إِلَى دِمَشْقَ، ذَهَبْتُ لآتِيَ بِالَّذِينَ هُنَاكَ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّدِينَ لِكَيْ يُعَاقَبُوا 6فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ 7فَسَقَطْتُ عَلَى الأَرْضِ، وَسَمِعْتُ صَوْتاً قَائِلاً لِي: شَاوُلُ شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ 8فَأَجَبْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ لِي: أَنَا يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ.

سمّى بولس قتلته إخوةً وآباء، ولم يحاسبهم على بغضتهم وتعصُّبهم، بل أحبَّهم وسامح جهلهم. وحسب العهد الجديد ليس عامة اليهود أعضاء في عائلة الله مولودين مِن الرّوح القدس، ولكنَّهم حسب الوعود الّّتي جاءت في العهد القديم لقّبوا أنفسهم بهذه الألقاب، فخاطب رسول الأمم الجماهير الصامتة بلغتهم الصَّميمة، وأكرمهم لأجل كرامة آبائهم. وها هي ذي ملابسه ممزّقة وجلده دامٍ، والسِّلسلتان المقيّد بهما تخشخشان عند كلّ حركة مِن جسده أثناء خطابه.

سمّى بولس خطابه احتجاجاً، فماذا كانت شكاية اليهود عليه؟ لم ينزل الرسول إلى مستوى الاتّهام السطحي، إنّه نجّس الهيكل الكريم بإدخاله أمميّاً إليه، فهذا كان قولاً تافهاً لا يحتاج إلى ردّ؛ بل تقدّم الرسول مباشرةً إلى جوهر الاضطهاد الّذي وقع عليه، لأنّهم قالوا إنّه يعلّم الارتداد عن الدين اليهودي، ويعلّم بقبول الأمم غير المختونين في العهد مع الله. وفي جوابه أرى بولس مستمعيه العبوسين، أنّه لم يخترع هو إنجيل النّعمة، وما أراد تبشير الأمم مِن نفسه، بل أن الرّبّ الحيّ ظهر له شخصيّاً وأمره مباشرةً بأن يشهد له. فمبتدع المذهب الجديد لم يكن بولس، بل الرّبّ المُقام مِن بين الأموات. فتدخُّل المسيح في حياة بولس كان إعلاناً لإِنجيل النِّعمة وتبشير الأمم.

وأبرز في القسم الأوّل مِن خطابه حداثته اليهوديّة الغيورة. فقد وُلد في طرسوس، المدينة النّبيلة اليونانيّة الأصل، ولكنّه تأثّر بالدرجة الأولى بمحيطه في أورشليم، حيث تطبَّع بالرّوح والحضارة اليهوديَّتَين.

وبلغ هذا الانتقال والتطوّر الذّروة بخضوعه للمعلّم العليم غمالائيل، الّذي كان حُجَّةً ومرجع ثقةٍ  لعلماء التوراة لسنين عديدة. ولم يحفظ الشاب شاول تفاصيل الناموس (الشريعة) غيباً فقط، بل حفظها عمليّاً بغَيرةٍ وتعصُّب، وكان شديداً على نفسه وإرادته وجسده، فكان غيوراً على الله، ساعياً لخدمة القدّوس وتكريمه وتعظيمه في اجتهاده الخاص وطاقته البشريّة الضئيلة.

فأبغض المسيحيين كلّ البُغض، لأنّهم اتّكلوا على النّعمة ورفضوا الناموس (الشريعة) طريقاً لله، وألقَوا رجاءَهم بالتَّمام على محبَّة القدّوس، الّّتي ظهرت في المسيح المعلن نفسه الطريق الوحيد إلى الآب. فتقرّب بولس في غيرته على الله وناموسه إلى درجة أنّه اضطهد المسيحيين. ففي غليان بغضته لم يكتف بإزهاق أرواح الرجال، بل أمات أيضاً نساءً، الأمر الّذي كان يحسب في زمنه غير جائز. وإذا لم يصدّقه اليهود العائدون مِن آسيا والمشتكون عليه، فلهم أن يسألوا رئيس الكهنة والمشيخة كلّها عن صحة كلامه.

وهذه الهيئة كانت قد وكّلت إلى هذا الشاب الغيور أن يذهب إلى دمشق، ليبيد اليسوعيّة. ولكن في طريقه أعلن له يسوعُ النَّاصريُّ ذاتَهُ وسط الصحراء القاحلة. ويسوع المجيد الحيُّ الحاضر الّذي فكّر بولس أنّه قد تفتت واضمحلّ في القبر بعد صلبه، حطّم كلّ الأسس الّّتي كانت في حياة بولس مِن امتيازات وألقاب وشرف وتكبّر. ففي ضوء وجه المسيح ظهرت له الغَيرة التَّقيَّة لأجل الناموس (الشريعة) باطلةً، وأُظهِرَ شاول المعتدُّ بتقواه عدوّاً لله.

ولكنّ العليَّ في ملء رحمته لم يُبدِ العدوَّ المتعصِّبَ الجاهلَ، بل سامحه مجّاناً، وأعلن له محبّته للكنيسة الحقّة، وأنّه واحدٌ معها بالرُّوح القدُس. فبهذا الإعلان دخل عالم جديد وحقّ جديد إلى حياة بولس، ولم يتأخّر بل خضع رأساً لربّه الجديد، وسأله أوامره لينفّذها حالاً. فهل جاءك الرّبّ يسوع بكلمته، وظهر لك مجد شخصيته المجيدة في العهد الجديد؟ وهل استسلمت له بلا قيد ولا شرط، وأصبحت ثابتاً في كنيسته؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك، لأنّك ظهرت لمضطهدك شاول، وغيّرته إلى عبد محبّتك. غَيِّرْنا نحن أيضاً مع كثيرينَ غيرنا مِن طُلاَّب الله إلى صورتِك، لكي نعيش جَميعاً لمحبَّتِكَ طاهرين أنقياء.

22: 9 وَالَّذِينَ كَانُوا مَعِي نَظَرُوا النُّورَ وَارْتَعَبُوا، وَلكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الَّذِي كَلَّمَنِي 10فَقُلْتُ: مَاذَا أَفْعَلُ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ لِي الرَّبُّ: قُمْ وَاذْهَبْ إِلَى دِمَشْقَ، وَهُنَاكَ يُقَالُ لَكَ عَنْ جَمِيعِ مَا تَرَتَّبَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ 11وَإِذْ كُنْتُ لا أُبْصِرُ مِنْ أَجْلِ بَهَاءِ ذلِكَ النُّورِ، اقْتَادَنِي بِيَدِي الَّذِينَ كَانُوا مَعِي، فَجِئْتُ إِلَى دِمَشْقَ 12ثُمَّ إِنَّ حَنَانِيَّا رَجُلاً تَقِيّاً حَسَبَ النَّامُوسِ، (الشريعة) وَمَشْهُوداً لَهُ مِنْ جَمِيعِ الْيَهُودِ السُّكَّانِ 13أَتَى إِلَيَّ، وَوَقَفَ وَقَالَ لِي: أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، أَبْصِرْ! فَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ نَظَرْتُ إِلَيْهِ 14فَقَالَ: إِلهُ آبَائِنَا انْتَخَبَكَ لِتَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، وَتُبْصِرَ الْبَارَّ، وَتَسْمَعَ صَوْتاً مِنْ فَمِهِ 15لأَنَّكَ سَتَكُونُ لَهُ شَاهِداً لِجَمِيعِ النَّاسِ بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ 16وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيّاً بِاسْمِ الرَّبِّ.

عند وصولهم إلى مشارف دمشق رأى رفقاء شاول بهاء مجد المسيح، ولكن لم يدركوا المقام الحيّ، الّذي أشرق ففاق بضيائه نور الشّمس، وصوته أيضاً لم يسمعوه، وربّما سيكون نظير هذا في قيامة الأموات، أنّ المؤمنين المختارين هم الّذي يرونه حقّاً ويفهمون صوته، لأنّهم تعوَّدوا رُوحَ محبَّته، وحياته ثابتة فيهم. وأمّا الكفّار والسَّطحيُّون فإنّهم سييأسون مِن مجده الدَّيَّان ولا يسمعون صوته، إلاّ في رعد الدينونة.

وفي تجلّي المسيح ترك بولس رأساً برّه الخاص المبني على أعمال الناموس، (الشريعة) وآمن بالرّبّ المسيح ونعمته. وهذا الرّبّ أرسله إلى دمشق، ليمتحن إيمانه، ليسمع هناك ما هي مشيئة الله الجوهريّة، وأنّه قد أنعم على المجرم المتبرّر شاول ليفتح أمامه خدمة مقدّسة بين الأمم.

واختار المسيح أخاً بسيطاً مِن بين المؤمنين، ليكسر كبرياء الفقيه المتعلّم. فحنانيّا كان مؤمناً مِن أصل يهودي وعضواً في أسرة الله بواسطة إيمانه بالمسيح، فأتى باسم ربّه إلى بولس وتوسّط لإعادة البصر إليه. ففجأة استطاع الأعمى أن يرى. لقد أعماه مجد المسيح سابقاً، ولكن الرّوح القدس استخدم ظلامه الدامس، وأنشأ فيه التوبة والإيمان حتّى أصبح بواسطة وضع يدي حنانيّا مبصراً وممتلئاً بالرّوح القدس. فأوّل مَنْ رآه بولس كان أخاً في المسيح، وبواسطته اكتشف كنيسة الله الساكن فيها روحه، وهي سرّ عصرنا الحاضر.

لكنّ المسيح لم يفتح لنا أعيننا الرّوحيّة للتمتّع الذاتي، بل لندرك مشيئة الله، ونتغيّر في تفكيرنا حسب طرقه. فسمع بولس مِن حنانيّا أنّ إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب قد اختاره، هو القاتل الناموسي، (الشريعي) ليدرك صميم مشيئته مِن جديد، ويعلنها للعالم. فما هي مشيئة الله الأصليّة؟ إِنَّها ليست سوى إدراكنا يسوع أنّه البارّ القدّوس، المولود مِن الرّوح القدس والإيمان بتجسّد إلهنا. فهل انفتحت عيناك؟ وهل أدركت في شخص يسوع اللطف الإلهي ومحبّته الناعمة وصبره في احتمال الصّليب ومجده حاليّاً؟ ادرس سيرة يسوع لتعرفه وتسمع صوته، لأنّ ربّنا ليس ميتاً، بل هو حيٌّ ومتكلِّمٌ ومُعَزٍّ وآمِرٌ. وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج مِن فم المسيح. أَصغ إلى صوت المخلّص، فيثبِّتكَ في عهده وفي شركته، وتصبح قدّيساً حسب صورته.

عندئذٍ تُصبِح شاهداً متواضعاً لمشيئة الله الظاهرة في شخص يسوع، وليس الناصري لك إنساناً عاديّاً نكرة، بل ربّاً مقتدراً، التقيته في الإنجيل وتراه بصفاته، وتعرفه بيقين الرّوح القدس، وتطيع هداه يوميّاً. فاعلم أنّك مختارٌ مِن ربّك لتكون شاهداً له، لتعلن لجميع النّاس مَن هو، وماذا عمل، وكيف يُخلِّصُ اليوم أناساً. فإعلانُ يسوع الرّبّ بواسطة الشهادة لجميع النّاس هو مشيئة الله الجوهريّة.

لم يترك حنانيّا وقتاً لبولس ليتفلسف، بل سرعان ما بسط أمامه مشيئة الله الرئيسيّة، ووضع شهادة النّعمة في فمه. فهذا العمل الإلهي، يتطلّب فعلاً لا تخيّلاً. ولكن كان لا يزال هناك مانعٌ في حياة بولس، وهو خطاياه وقد كثرت خطاياه. خصوصاً لأجل جهالته المتعصّبة وعداوته لله، وقتله أنفساً بريئة. ولكن كلّ هذا محاه يسوع على الصّليب. تيقَّن أيّها الأخ أَنَّ دمَ المسيح غسل كلّ خطيئته نهائيّاً، وقبل ولادته أصبح بولس بارّاً بالنّعمة، ولكن كان عليه أن يقبل هذا الحقّ، ويؤمن ببرّه الموهوب له مجّاناً، ويعلن هذا القرار بواسطة المعموديّة. فكان على المتعلم الفقيه أن يموت لنفسه في رمز التعميد، ويعترف بحاجته إلى تطهير كامل، طالباً خلاصه مِن المسيح وحده، ويسلّم ذاته إليه بدون قيد أو شرط.

فيا أيّها الأخ، هل أنت متعمّد؟ وهل تركت حياتك القديمة، ودخلت بعزم وثبات إلى رحاب المسيح؟ إِنَّك بارٌّ لأجل الصَّليب، فآمن بخلاصك المكتمل في المسيح، واقبل معنى معموديتك أَنَّكَ مقبولٌ عند الله القدّوس لأجل موت المسيح وشفاعته. ادعُ ربَّك اليوم فستحيا إلى الأبد.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أشكرك لأنّك محوت خطاياي نهائيّاً. أعترف قدّامك بأغلاطي وعيوبي، وأطلب إليك ألاّ تطرحني مِن وجهك، بل أَنْ تُعلِنَ صورتك قُدَّام عَينَيْ نفسي، لكي أتجدَّد، وأدخلَ إلى شركتك في رمز معموديَّتي.

22: 17  وَحَدَثَ لِي بَعْدَ مَا رَجَعْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَكُنْتُ أُصَلِّي فِي الْهَيْكَلِ, أَنِّي حَصَلْتُ فِي غَيْبَةٍ, 18 فَرَأَيْتُهُ قَائِلاً لِي, أَسْرِعْ وَاخْرُجْ عَاجِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ, لأَنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ شَهَادَتَكَ عَنِّي. 19 فَقُلْتُ, يَا رَبُّ, هُمْ يَعْلَمُونَ أَنِّي كُنْتُ أَحْبِسُ وَأَضْرِبُ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِكَ. 20 وَحِينَ سُفِكَ دَمُ اسْتِفَانُوسَ شَهِيدِكَ كُنْتُ أَنَا وَاقِفاً وَرَاضِياً بِقَتْلِهِ, وَحَافِظاً ثِيَابَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ. 21 فَقَالَ لِي, اذْهَبْ, فَإِنِّي سَأُرْسِلُكَ إِلَى الأُمَمِ بَعِيداً.

لم يكن بولس هو موجد إنجيل النّعمة، وما خلق رمز المعموديّة، إنّما يسوع قد أمره أن يشهد بكيانه المجيد، كباب وحيد مؤدّ إلى الله لكلّ الّذين يؤمنون به. فشهد بولس، أمام الجمع الضخم الصامت في ساحة الهيكل، بظهور آخرَ مِن المسيح له، فرآه أثناء سفرته الأولى إلى أورشليم وسط الهيكل، وهذا يعني معجزة مدهشة تتحقّق، اعتبرها كثير مِن اليهود تجديفاً شنيعاً، إنّ يسوع المصلوب المرفوض مِن الأمّة ظهر وسط مسكن الله القدّوس. فهذه العبارة طعنت قلب كلّ يهودي وجرحته مِن جهتين الأولى: دلالتها أنّ يسوع إله حق، واحد مع القدّوس الساكن في الهيكل، منسجم معه مِن الأزل إلى الأبد. والثّانية أَنَّ اليهود هم قاتلوه. فحكم على كلّ اليهود مرّة واحدة بالهلاك، لقتلهم ابن الله وعدم إدراك مجده. وليس أحد مِن الحضور في الهيكل رأى يسوع إلاّ بولس.

وربّه لم يلتق به كما أمام دمشق شخصيّاً، بل ظهر له في غيبوبة. وكان هذا الإعلان الثاني مِن المُقام مِن بين الأموات حقيقيّاً أيضاً. فأقام بولس شهادته عن مجد شخص يسوع، كشهادة عن الحقيقة أمام مستمعيه، فلم يباحثهم في قضايا الناموس (الشريعة) البتة، بل شهد بشخص يسوع الحيّ.

لم يعلن يسوعُ نفسَه تنفيذاً لمأرب روحيّ خاصّ، بل ليبني كنيسة الله في العالم كلِّه. فكان يأمره: أسرع، اركض، امش، اذهب، تحرّك لا تبق جالساً، بل اترك القدس وشركة القّديسين ولا تبشّر المتعصّبين، وابتعد عن الناموسيين، (الشرائعيين) لأنّهم لا يسمعون. ولكن يا للعجب! كان بولس عنيداً وما أراد الذهاب بعيداً، بل فضّل البقاء قرب مسكن الله، حيث ظهر له يسوع، وأصرّ على أن يشهد لليهود أنَّ يسوعَ حيٌّ، ورجا أن يؤمنوا بشهادته، لأنّه كان شاهد الشَّرفَ عند رجم استفانوس، وكان معروفاً كقاتل المسيحيين. فجسد بولس وإرادته كانا بطيئَين غير فعّالين فلم يخترع هو تبشير الأمم، ولم يرد جذب الوثنيين إلى العهد مع الله. ولكنّ ربَّه الحيّ أمره بكلّ وضوح أَن يذهب إلى الأمم، لأنّه أرسله إلى البعد البعيد. فالعهد الجديد للناس كلّهم، وليس لليهود فقط. فالرّبّ يسوع نفسه فجَّر حدودَ العهد القديم، وفتح البابَ المؤدِّي إلى الله للبشر جميعاً. فعَصرُ الأمم قد ابتدأ، والنّعمة تمطر على كلّ طلاب الله المخلّصين.

22: 22 فَسَمِعُوا لَهُ حتّى هذِهِ الْكَلِمَةَِ، ثُمَّ صَرَخُوا قَائِلِينَ:خُذْ مِثْلَ هذَا مِنَ الأَرْضِ، لأَنَّهُ كَانَ لا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ 23وَإِذْ كَانُوا يَصِيحُونَ وَيَطْرَحُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَرْمُونَ غُبَاراً إِلَى الْجَّوِ، 24أَمَرَ الأَمِيرُ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ، قَائِلاً أَنْ يُفْحَصَ بِضَرَبَاتٍ، لِيَعْلَمَ لأَيِّ سَبَبٍ كَانُوا يَصْرُخُونَ عَلَيْهِ هكَذَا 25فَلَمَّا مَدُّوهُ لِلسِّيَاطِ، قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ الْوَاقِفِ:أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَاناً رُومَانِيّاً غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟ 26فَإِذْ سَمِعَ قَائِدُ الْمِئَةِ ذَهَبَ إِلَى الأَمِيرِ، وَأَخْبَرَهُ قَائِلاً:انْظُرْ مَاذَا أَنْتَ مُزْمِعٌ أَنْ تَفْعَلَ! لأَنَّ هذَا الرَّجُلَ رُومَانِيٌّ 27فَجَاءَ الأَمِيرُ وَقَالَ لَهُ:قُلْ لِي أَأَنْتَ رُومَانِيٌّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ 28فَأَجَابَ الأَمِيرُ:أَمَّا أَنَا فَبِمَبْلَغٍ كَبِيرٍ اقْتَنَيْتُ هذِهِ الرَّعَوِيَّةَ فَقَالَ بُولُسُ:أَمَّا أَنَا فَقَدْ وُلِدْتُ فِيهَا 29وَلِلْوَقْتِ تَنَحَّى عَنْهُ الَّذِينَ كَانُوا مُزْمِعِينَ أَنْ يَفْحَصُوهُ وَاخْتَشَى الأَمِيرُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ، وَلأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَهُ.

تمسّك اليهود باختيار إبراهيم ونسله، وتشبّثوا بوعود الله في عهده مع موسى، فكان مستحيلاً لهم، أن يفتح الله الأبواب فجأةً لدخول الوثنيين النجسين إلى رعويته، واعتبروا الناموس (الشريعة) والختان والسبت والهيكل عربوناً لحضور الله معهم، فاغتاظوا وأنكروا التصوّر أن تكون هذه الكنوز الثمينة كلّها باطلة، وأن تنال الأمم النعم جميعها، بدون تعبها في حفظ الناموس، (الشريعة) بواسطة الإيمان فقط. لقد فاق هذا التصور قُدرةَ تفكير اليهود، فانفجروا ورأوا في بولس لاوياً للحقّ ومجدِّفاً كنوداً، وعدواً لله لدوداً، وطلبوا إبادته فوراً، وتحوّل غضب الجمهور إلى ضجة جهنّميّة، حتّى أنّهم مزّقوا ثيابهم ورموا الغبار في الجو، بينما وقف بولس محفوظاً وسط الهيجان. ولم يدرك اليهود دعوةَ المسيح الأخيرة إلى التوبة. لقد أرسل يسوع بولس إلى الشّعوب، وليس بولس هو مرسل نفسه. ولكنَّ ذهنَ اليهود العنيدَ تقسَّى ضِدَّ جَذْبِ روح الله نهائيّاً.

وفي القصّة التالية أخبر لوقا مستلم سفره، الموظف الروماني ثاوفيلوس الشريف، كيف أنّ الضباط الرومان تصرّفوا مع بولس باستقامة، لمّا عرفوا أنّه روماني، وقصدوا قبل معرفته أن يستخرجوا منه اعترافاً بالحقّ بواسطة التَّعذيب، لأنّ الأمير لم يفهم خطاب بولس الّذي كان باللّغة العبرانيّة، إنّما شاهد الصياح والضجيج نتيجة لذلك الخطاب.

ومع أنّ بولس كان مستعدّاً للموت، كافح في سبيل بقائه شاهداً للمسيح، واستخدم حقّه المدني للحصول على الحرية، وأخبر الضابط الّذي أعدَّه للعذاب بالخطر المقبل عليه، إن هو جَلدَ رجلاً رومانيّاً، لأنَّ مَن يجلد رومانيّاً يُحكَم عليه بالموت مباشرةً. فأسرع هذا الأمير المسؤول عن ألف جندي إلى بولس المقيد خائفاً في صميم قلبه، لأنّه ربط رومانيّاً حرّاً بسلاسل. وبواسطة احتجاج الرسول نعلم أَنَّ والديه أصبحا رومانيَّين على الأغلب، لمّا زار القيصر أنطونيوس مع كليوباترا طرسوس في زواجهما، مانحا ً كلّ أهالي المدينة المستقرين فيها الرعويَّة الرُّومانيَّةَ مجّاناً، ولولا هذا الامتياز لألهبت ظَهرَ بولسَ السِّياطُ المحدّدة وكشطت ظهره كما فعلوا بيسوع.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك اختَرتنا، نحن غير المستحقّين وكلّ مَن يسمع ويحفظ كلمتك، لنصبح شعبَكَ المختارَ بالنِّعمةِ وحدها، وبدون حفظ الشريعة. اغفر لنا شكرنا الناقص، وساعدنا لنسلكَ قدّيسين بلا لوم قدّامك في المحبّة، ونبلغ خلاصك للمشتاقين إلى سلامك، ولا نصمت بل نتكلّم.

5بولس أمامَ المجلس اليهوديِّ الأَعلى

(22: 30 – 23: 10)

22: 30 وَفِي الْغَدِ إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ الْيَقِينَ: لِمَاذَا يَشْتَكِي الْيَهُودُ عَلَيْهِ؟ حَلَّهُ مِنَ الرِّبَاطِ، وَأَمَرَ أَنْ يَحْضُرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَكُلُّ مَجْمَعِهِمْ فَأَحْضَرَ بُولُسَ وَأَقَامَهُ لَدَيْهِمْ.

23: 1 فَتَفَرَّسَ بُولُسُ فِي الْمَجْمَعِ وَقَالَ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ لِلّهِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ2فَأَمَرَ حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ، الْوَاقِفِينَ عِنْدَهُ أَنْ يَضْرِبُوهُ عَلَى فَمِهِ 3حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ بُولُسُ:سَيَضْرِبُكَ اللّهُ أيّها الْحَائِطُ الْمُبَيَّضُ! أَفَأَنْتَ جَالِسٌ تَحْكُمُ عَلَيَّ حَسَبَ النَّامُوسِ، (الشريعة) وَأَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِي مُخَالِفاً لِلنَّامُوسِ (للشريعة)؟ 4فَقَالَ الْوَاقِفُونَ: أَتَشْتِمُ رَئِيسَ كَهَنَةِ اللّهِ؟ 5فَقَالَ بُولُسُ:لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّهُ رَئِيسُ كَهَنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: رَئِيسُ شَعْبِكَ لا تَقُلْ فِيهِ سُوءاً“.

أرشد يسوعُ بولسَ، أمامَ المجمع الأعلى اليهودي، ليشهد بالحقِّ أمامهم، مثلما شهد الرّبُّ نفسُه، وبطرس ويوحنّا وجميع الرسل واستفانوس، وهزّوا وجوه الشعب. وفي هذه المناسبة الأخيرة لإعلان الإيمان المسيحي أمام المجمع اليهودي، ترأّس الجلسة رئيسُ الكهنة المسمَّى حنانيّا. فلم يعرف بولس هذا الزعيم الماكر الجديد، لأنّ قيافا وحنان والشيوخ الآخرين، الّذين هم مِن زمن يسوع وغمالائيل، كانوا قد توفّوا منذ مدّة، وقليل مِن الأعضاء في المجمع، كانوا يعرفون بولس شخصيّاً، لمّا تعاون معهم وفوّضوا إليه اضطهاد المسيحيين في دمشق.

ولكنَّ الجيل الجديد في المجمع اليهودي، عرفوا اسم بولس تماماً، وأبغضوه بغضاً شديداً. ورغم أنّهم لم يشاؤوا الخضوع لأمر القائد الروماني، تراكضوا ليعرفوا مهلك اليهوديّة في كلّ العالم، وإن أمكن ليبيدوه حالاً. ولم يأتوا بلباس رسمي، فكأنّهم جاءوا مصادفةً، ولم ينصاعوا لأوامر الرومان، فلم يقدر بولس أن يميز رئيس الكهنة عن غيره، لأنّه لم يرتد لباسه الكهنوتي الخاص.

لم يَمْثُلْ رسولُ الأمم أمامَ هيئة شعبه العليا كتَائبٍ منكسر، بل وقف كسفير المسيح حسب مشيئة الله في سلطانه، ولم يجعل الشريعة مقياس أقواله وأساس الحقّ، بل ضميره الخاص. لقد طهّر المسيح فؤاده بدمه، والرّوح القدس عزاه لأجل غيرته الخاطئة قبل اهتدائه.

كان بولس يومئذٍ يَظنّ أَنّه يخدم الله بضمير صالح، حسب الشريعة، فقتل المسيحيين بضمير مرتاح، ولكن بعد التقائه بالحيّ، أصبح بولس منعشاً ضمائر الملايين، الّذين حصلوا مِن بشارته على الحياة الأبديّة. وحتّى اليوم، فإننا نتعزى مِن شهادة بولس. فكان سرّ حياته، منذ البدء، أنّه لم يعش لنفسه بل لله وحده، فهذا كان شرفه الحقّ؛ فلم يبرز اسمه الخاص، بل مجد الآب والابن والرّوح القدس على الدوام، وعاش في انسجام مع الأزلي.

فتلك الجملة الحاسمة، الّّتي قالها في أول احتجاجه أمام المجمع الأعلى، تعني أن الحقَّ معه مبدئيّاً، وأنّهم هم الرؤوس والوجوه ونوّاب الشعب جد خاطئين، إن لم يخضعوا حالاً ليسوع. فبولس كلّمهم في سلطان الله ثابتاً في ربّه، كأنّ القدّوس يكلّم المسؤولين مباشرة، وينقش كلماته في ضمائرهم، لعلّهم يتوبون أو يندمون.

عندئذ أمر حنانيّا الماكر خدَّامَه، أن يضربوا بولس رأساً على فمه، علامة على رفض قوله، وظنّاً ألاّ ضمير صالح لأيّ إنسان، وكلّ المخلوقات خاطئة. وأراد قبل كلّ شيء أَن يُحطِّم كبرياءَ المضلّ مِن أوّل لحظة، وأن يدنّسه أمام وجوه الشعب وضبّاط الرومان.

فثار بولس وفار دمه، لأنّه لم يقف هنالك لغرض شخصي له، بل لأجل اسم المسيح. وتنبّأ في بصيرة الرّوح القدس بلعنة الله الحالة على الرئيس المرائي، الّذي أهانه بدون استجواب، وإنّما في سبيل تقوى مزيفة لأجل كرامة المجمع الأعلى. وعرف بولس تفاصيل الشريعة، وضرب المسؤول بأسلحته الخاصّة، وسمّاه حائطاً مشقّقاً مبيّضاً ومجصّصاً بالظاهر فقط، وتأسّف بولس حسب مقتضى الشريعة لتكلّمه السريع، لمّا عرف أنّ الّذي أمر بضربه كان حنانيّا رئيس الكهنة. ولكنّ نبوّة بولس عنه قد تمّت سريعاً، لأنّ حنانيّا قتل بعد سنوات قليلة بيد الفدائيّين اليهود بتهمة عميل للرومان.

23: 6 وَلَمَّا عَلِمَ بُولُسُ أَنَّ قِسْماً مِنْهُمْ صَدُّوقِيُّونَ وَالآخَرَ فَرِّيسِيُّونَ، صَرَخَ فِي الْمَجْمَعِ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ابْنُ فَرِّيسِيٍّ عَلَى رَجَاءِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ 7وَلَمَّا قَالَ هذَا حَدَثَتْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ، وَانْشَقَّتِ الْجَمَاعَةُ، 8لأَنَّ الصَّدُّوقِيِّينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ قِيَامَةٌ وَلا مَلاكٌ وَلا رُوحٌ، وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَيُقِرُّونَ بِكُلِّ ذلِكَ 9فَحَدَثَ صِيَاحٌ عَظِيمٌ، وَنَهَضَ كَتَبَةُ قِسْمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَطَفِقُوا يُخَاصِمُونَ قَائِلِينَ:لَسْنَا نَجِدُ شَيْئاً رَدِيّاً فِي هذَا الإِنْسَانِ! وَإِنْ كَانَ رُوحٌ أَوْ مَلاكٌ قَدْ كَلَّمَهُ فَلا نُحَارِبَنَّ اللّهَ 10وَلَمَّا حَدَثَتْ مُنَازَعَةٌ كَثِيرَةٌ اخْتَشَى الأَمِيرُ أَنْ يَفْسَخُوا بُولُسَ، فَأَمَرَ الْعَسْكَرَ أَنْ يَنْزِلُوا وَيَخْتَطِفُوهُ مِنْ وَسَطِهِمْ وَيَأْتُوا بِهِ إِلَى الْمُعَسْكَرِ.

أدرك الرسول أَنَّ الرُّؤَساء المجتمعين، لم يقصدوا امتحان إنجيله، بل اجتمعوا ليُخضعوه ويحكموا عليه، وقبل ذلك حقد الصَّدُّوقيُّون على المسيحيين، لأنَّ هذا الإِيمان الجديد كان مبنيّاً على قيامة المسيح وحده، ولكن المفكّرين المتفلسفين اعتبروا كلّ الظهورات والرُّؤَى والملائكة والأحلام وقيامة الأموات مزَّيفةً. وكانوا بالحقيقة رجالاً بلا رجاء، عائشين حسب منطقهم ومثلهم العليا، سطحيِّين نظريِّين، ولم يجد بولس بينهم وبين نفسه شيئاً مشتركاً. لقد كانوا أردأ مِن كلّ الوثنيين. أمّا الفريسيون، فكانوا لا يزالون يؤمنون، بجانب حفظهم الناموس (الشريعة)، بكيان الملائكة، وترقّبوا قيامة الأموات أجمعين. فحاول بولس، في الجلسة الأولى أمام المجمع الأعلى، أن يجد قاسماً مشتركاً بينه وبينهم، وأن يخاطبهم من صميم منطقهم، وشهد على نفسه، حتّى وهو رسول، أنّه فَرِّيسيٌّ صميم مِن أرومة فريسيّة، وسمّى أعداءه إخوة، لأنّه وجد بينه وبينهم ارتباطاً بالرَّجاء المشترك في مجيء المسيح، وقيامة الأموات عند ظهوره العتيد. فأبرز بولس هذه الحقيقة الجوهريّة أساساً لإيمانه الخاص، وهدفاً لكلّ الكون، ولم يكلّم المجتمعين عن الصّليب، ولا عن قيامة المسيح مِن القبر، ولا عن انسكاب الرّوح القدس، لأنّ الشيوخَ لم يقدروا أن يستمزجوا هذا كلّه ويفهموه. فربط قوله بهدفهم المعروف، ألا وهو مجيء المسيح المنتظر.

وهذه الشهادة علقت في الرؤوس بسرعة، حتّى ولو كان المسيح الّذي ينتظره بولس هو غير ذاك الّذي ينتظره الفريسيون. لقد علم الجميع أنَّ بولس تكلَّم أمساً في ساحة الهيكل عن ظهور يسوع له، فالفريسيّون كانوا يؤمنون بإمكانية ظهور كهذا، ولم يتجاسروا، كما لم يتجاسر غمالائيل العليم مِن قبل، على معارضة إعلانات إلهيّة مثل هذه، فأصبحوا متردّدين في نفوسهم في تصديق ادعاء بولس وتكذيبه، ورفضوا الحكم عليه، مع العلم أنّهم لم يؤمنوا بيسوع ولكنّهم لم يرفضوا إمكانية كينونته بعد الموت، فهاج الجمع الحاضر في المحكمة، ولم يعد أحد يفهم مِن الآخر.

فقد توصّل بولس في احتجاجه إلى أسس الأديان، وهي الوحي والإلهام والرؤى، وظهر مِن وراء هذا البحث الفساد والانشقاق في المجمع الأعلى اليهودي بنفسه.

عندئذٍ تدخَّل القائدُ الرُّوماني، وأمر بخطف بولس مِن الجمهور الغاضب.لم يَفهم ما هو سبب الشكوى على بولس، ولماذا نَشبت الضَّجة بين الوجوه، فعَمل واجبه كضابط، وخلَّص بولسَ مِن أيدي النوّاب. ولكنّ هؤلاء لم يفهموا الدعوة الأخيرة مِن قبل المسيح للمسؤولين عن كلّ الأمّة، ولم يتوصّل بولس إلى إبراز صميم إيمانه، ولم يذكر اسم يسوع في هذه الجلسة، فالكلّ تورّط في أسئلة تمهيديّة عن الضمير والوحي، ولم يصلوا إلى صميم العقيدة. فخسر زعماء اليهود آخر فرصة للتَّوبة        والنِّهايةُ أقبلَتْ عليهم.

 الصّلاة: أيها الرّبّ يسوع، افتح آذاننا لصوت روحك القدّوس، لنفهم أقوالك،

 ونغلق قلوبنا على الإيحاءات الغريبة. طهّر ضمائرنا بدمك الثمين، وأرشدنا إلى

إطاعة الإِيمان في أعمالٍ صالحةٍ لكي نخدمك وأباك السماوي دائماً.

6ظهور المسيح لبولس ليلاً

(23: 11)

23: 11وَفِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ وَقَفَ بِهِ الرَّبُّ وَقَالَ:ثِقْ يَا بُولُسُ، لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضاً

كان ضمير بولس مستريحاً دائماً، لأنّه خدم الله ليلاً نهاراً، ولم يتصرف طائشاً بدخوله إلى أورشليم، ولم يفتعل هو الأزمة الّّتي حدثت، بل أطاع إرشاد الرّوح القدس، وكان مستعدّاً للموت، ولكن ربّه فكّر بخلاف ذلك، وظهر له شخصيّاً في الليل الدامس، وقال له ثق ولا تخف، ليس الموت على الباب، وإن جال حولك كذئاب جائعة، فهذه لن تؤذيك، لأنّي أنا معك، وأقفل أفواه الوحوش، وأكون سوراً ناريّاً حولك.

لقد انفضّ الإخوة مِن حول بولس، ولم يرافقه صديق ما مِن آسيا أو أوروبا إلى السجن، ولم يظهر يعقوب مع مؤمني اليهود الألوف، لنجدته أو التوسّط له أو التعزية كأنّه بخار متبدّد. إلاّ أنَّ المسيح بشخصه كان معه، فهو كان تعزيته وبرّه وقوّته ورجاءه. أيّها الأخ ليس لك رجاء في الدنيا والآخرة، إلاّ حضور المسيح، كما كتب بولس آنذاك “المسيح فيكم رجاء المجد”. فهذا اليقين في قوّة الرّوح القدس، يَثْبُتُ حتَّى في الموت والعذاب، فلا يستطيع غسل الأدمغة أن يمحو هذا اليقين.

أعلن المسيح لبولس ما أعدّه له منذ الأزل، أن يكلّل خدمته بإرساله إلى روما عاصمة الكون آنذاك، فبالوصول إلى هذا الهدف، حقَّق موكب انتصار المسيح غايته. وفي أكبر هزيمة، وفي ليلة اليأس، أعطاه المسيح أمراً بالنهضة الجديدة ليكمل الجزء الأخير مِن سفراته التبشيريّة. وهذه الحركة هي الشِّعار السِّرِّي في سِفر أَعمال الرُّسُل: مِن أورشليم إلى روما. فوقف بولس كمتسابق في بداية الرحلة الأخيرة للإنطلاق. ولكن ربّه شاء ألاّ ينتقل في هذه المرحلة حرّاً فائزاً، بل أسيراً مقيّداً، ولكنّه في صميمه حُرٌّ حرّيةً مسيحيّة حقّة، عالماً أنّه ما من شيءٍ يحدث له إلاّ ما رتبّه المسيح له. وهكذا سمَّى نفسه مِن الآن فصاعداً أسيرَ المسيح، وبهذه الكيفية في السلاسل والأغلال، انطلق إلى روما ليربح العاصمة لربّه.

يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ

(أمر يسوع المسيح حسب أعمال ألرسل 23: 11)

7مؤامرة الفدائيين اليهود على بولس

(23: 12 – 22)

23: 12 وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ صَنَعَ بَعْضُ الْيَهُودِ اتِّفَاقاً، وَحَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَائِلِينَ إِنَّهُمْ لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ حتّى يَقْتُلُوا بُولُسَ 13وَكَانَ الَّذِينَ صَنَعُوا هذَا التَّحَالُفَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ 14فَتَقَدَّمُوا إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ وَقَالُوا:قَدْ حَرَمْنَا أَنْفُسَنَا حِرْماً أَنْ لا نَذُوقَ شَيْئاً حتّى نَقْتُلَ بُولُسَ 15وَالآنَ اَعْلِمُوا الأَمِيرَ أَنْتُمْ مَعَ الْمَجْمَعِ لِكَيْ يُنْزِلَهُ إِلَيْكُمْ غَداً، كَأَنَّكُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْحَصُوا بِأَكْثَرِ تَدْقِيقٍ عَمَّا لَهُ وَنَحْنُ، قَبْلَ أَنْ يَقْتَرِبَ، مُسْتَعِدُّونَ لِقَتْلِهِ 16وَلكِنَّ ابْنَ أُخْتِ بُولُسَ سَمِعَ بِالْكَمِينِ، فَجَاءَ وَدَخَلَ الْمُعَسْكَرَ وَأَخْبَرَ بُولُسَ 17فَاسْتَدْعَى بُولُسُ وَاحِداً مِنْ قُّوَادِ الْمِئَاتِ وَقَالَ:اذْهَبْ بِهذَا الشَّابِّ إِلَى الأَمِيرِ، لأَنَّ عِنْدَهُ شَيْئاً يُخْبِرُهُ بِهِ 18فَأَخَذَهُ وَأَحْضَرَهُ إِلَى الأَمِيرِ وَقَالَ: اسْتَدْعَانِي الأَسِيرُ بُولُسُ، وَطَلَبَ أَنْ أُحْضِرَ هذَا الشَّابَّ إِلَيْكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ شَيْءٌ لِيَقُولَهُ لَكَ 19فَأَخَذَ الأَمِيرُ بِيَدِهِ وَتَنَحَّى بِهِ مُنْفَرِداً، وَاسْتَخْبَرَهُ:مَا هُوَ الَّذِي عِنْدَكَ لِتُخْبِرَنِي بِهِ؟ 20فَقَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ تَعَاهَدُوا أَنْ يَطْلُبُوا مِنْكَ أَنْ تُنْزِلَ بُولُسَ غَداً إِلَى الْمَجْمَعِ، كَأَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَسْتَخْبِرُوا عَنْهُ بِأَكْثَرِ تَدْقِيقٍ 21فَلا تَنْقَدْ إِلَيْهِمْ، لأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَامِنُونَ لَهُ، قَدْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ لا يَأْكُلُوا وَلا يَشْرَبُوا حتّى يَقْتُلُوهُ وَهُمُ الآنَ مُسْتَعِدُّونَ مُنْتَظِرُونَ الْوَعْدَ مِنْكَ 22فَأَطْلَقَ الأَمِيرُ الشَّابَّ مُوصِياً إِيَّاهُ أَنْ: لا تَقُلْ لأَحَدٍ إِنَّكَ أَعْلَمْتَنِي بِهذَا

أخبر لوقا الموظف ثيوفيلس في روما بدقّة، كيف أنّ فدائيين يهوداً لم يوافقوا على استجواب بولس مِن قبل المجمع الأعلى، وتآمروا في تطرفهم ليبيدوا هذا المفسد للأمة

 اليهوديّة في العالم، وخطّطوا حيلة وَأجبروا المجمع الأعلى على الموافقة، فصار بولس على شفا خطر جسيم.

أمّا المسيح فإنّه استخدم القائد الروماني، الّذي بإِمرته ألف جندي، ليحرس بولس الروماني المحبوس بكلّ عنايته، وينتشله مِن الخطر المحدق. فأبرز لوقا في أخباره تصرّفات الضابط الروماني الإيجابية، كأنّما أراد أن يصلح موقفه بعد الخطأ الّذي ارتكبه.

والمدهش في هذه الأخبار قراءتنا عن وجود أخت شقيقة لبولس، كانت تسكن أورشليم متزوجة ولها أولاد نِشاط، ولربّما كان والدا بولس قد انتقلا مع أولادهما منذ مدّة مِن طرسوس عائدين إلى وطنهم أورشليم، حتّى يدفنا في آخر العمر في الأرض المقدّسة، كما كانت العادة عند الكثيرين مِن اليهود. وما عرفنا هل كانا مؤمنين بيسوع كابنهما بولس، ولكنّنا نرى أن ابن شقيقته كان محبّذا للثوّار الشريعيين المتعصّبين؛ فسمع عن مؤامرة أربعين رجلاً ابتغوا قتل بولس. ولمّا سمعت أخته بالمؤامرة، رغبت في إنقاذ شقيقها، حتّى إِنَّها جازفت بحياتها، لأَنّ الثوار لو علموا بأمرها لغضبوا عليها. وهكذا أرسلت ابنها إلى الأسير، لكي يطلعه على الخطر المتربص به. وإذ علم بولس بالمؤامرة المبيتة، أرسل ابن شقيقته هذا إلى القائد، الّذي غضب مِن الشعب، وبادر فوراً إلى أخذ الاحتياط لحماية بولس، وإرساله إلى قيصرية مركز الوالي الروماني، لكي يحكم بنفسه في هذه القضيّة.

وأورشليم كلّها كانت هائجة، لأنّ بولس مهلك الوحدة اليهوديّة، كان محفوظاً في حماية الرومان في وسطهم، فازدادت بغضة المتعصبين، وتآمروا لقتل بولس، ولعنوا أنفسهم إن لم يبيدوه، ممتنعين عن الشَّراب والطعام في الليل والنّهار، حتّى يميتوا بولس نهائيّاً. فجاعوا وعطشوا وقتاً طويلاً بلا رجاء، لأنّ المسيح حفظ عبده، وعيّنه لخدمات جديدة، وأرسل الأسير إلى روما، ليرى الجميع أنّ الحريّة الحقَّة ليست الحريّة المدنيّة، بل هي الفِداء مِن الخطايا والموت وغضب الله، كما قال يسوع سابقاً طوبى للّذين حرّرهم الابن فهم أحرار بالحقيقة. وإننا نشاهد في بولس أنّ حريّة المسيح الرّوحيّة تتحقّق أيضاً تحقيقاً فعليّاً في أسير مقيّد، لأنّ المسيح يحرّر القلوب مِن شهواتها وكبريائها، ويقودنا جميعاً إلى حمد الله مهما كانت الظروف حولنا.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك، لأنّك حيّ، وتهتمّ بعبيدك حتّى ولو كانوا في السجون، وتحفظهم كحدقة عينك. احفظنا بحضورك على الدوام، وعزِّ كلّ المحبوسين لأجل اسمك، لكي يتمتعوا بسلامة ضمائرهم.

8نقل بولس مِن أورشليم إلى قيصرية

(23:23 – 35)

23: 23 ثُمَّ دَعَا اثْنَيْنِ مِنْ قُّوَادِ الْمِئَاتِ وَقَالَ:أَعِدَّا مِئَتَيْ عَسْكَرِيٍّ لِيَذْهَبُوا إِلَى قَيْصَرِيَّةَ، وَسَبْعِينَ فَارِساً وَمِئَتَيْ رَامِحٍ، مِنَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ اللَّيْلِ 24وَأَنْ يُقَدِّمَا دَوَابَّ لِيُرْكِبَا بُولُسَ وَيُوصِلاهُ سَالِماً إِلَى فِيلِكْسَ الْوَالِي 25وَكَتَبَ رِسَالَةً حَاوِيَةً هذِهِ الصُّورَةَ: 26كُلُودِيُوسُ لِيسِيَاسُ، يُهْدِي سَلاماً إِلَى الْعَزِيزِ فِيلِكْسَ الْوَالِي 27هذَا الرَّجُلُ لَمَّا أَمْسَكَهُ الْيَهُودُ وَكَانُوا مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، أَقْبَلْتُ مَعَ الْعَسْكَرِ وَأَنْقَذْتُهُ، إِذْ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ 28وَكُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ الْعِلَّةَ الَّتِي لأَجْلِهَا كَانُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلْتُهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ، 29فَوَجَدْتُهُ مَشْكُّواً عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَسَائِلِ نَامُوسِهِمْ(شريعتهم) وَلكِنَّ شَكْوَى تَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ 30ثُمَّ لَمَّا أُعْلِمْتُ بِمَكِيدَةٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَصِيرَ عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْيَهُودِ، أَرْسَلْتُهُ لِلْوَقْتِ إِلَيْكَ، آمِراً الْمُشْتَكِينَ أَيْضاً أَنْ يَقُولُوا لَدَيْكَ مَا عَلَيْهِ كُنْ مُعَافىً 31فَالْعَسْكَرُ أَخَذُوا بُولُسَ كَمَا أُمِرُوا، وَذَهَبُوا بِهِ لَيْلاً إِلَى أَنْتِيبَاتْرِيسَ 32وَفِي الْغَدِ تَرَكُوا الْفُرْسَانَ يَذْهَبُونَ مَعَهُ وَرَجَعُوا إِلَى الْمُعَسْكَرِ 33وَأُولئِكَ لَمَّا دَخَلُوا قَيْصَرِيَّةَ وَدَفَعُوا الرِّسَالَةَ إِلَى الْوَالِي، أَحْضَرُوا بُولُسَ أَيْضاً إِلَيْهِ 34فَلَمَّا قَرَأَ الْوَالِي الرِّسَالَةَ، وَسَأَلَ مِنْ أَيَّةِ وِلايَةٍ هُوَ، وَوَجَدَ أَنَّهُ مِنْ كِيلِيكِيَّةَ، 35قَالَ: سَأَسْمَعُكَ مَتَى حَضَرَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكَ أَيْضاً وَأَمَرَ أَنْ يُحْرَسَ فِي قَصْرِ هِيرُودُسَ.

منذ سقوط بولس عن فرسه على مشارف الشام أثناء لقائه الرَّبَّ، لم نعد نقرأ أنّه ركب فرساً إلى أن حدثت هذه الحادثة الأخيرة، فها هوذا الآن يركب فرساً مرغماً وسط الليل، محاطاً بسبعين فارساً، وكان مئتان مِن المشاة مِن أمامهم وخلفهم يحرسونهم. وهذا المشهد يدلّ على حرب وهجوم وأخطار. فالشعب في فلسطين استاء إلى درجة أنَّ الرومان ترقّبوا، بين لحظة وأخرى، أن تنشب ثورة شعبيّة. وقد حصلت هذه الثَّورة فعلاً سنة 69-70 ب م وأسفرت عن إبادة الشعب اليهودي وتمزيقه، حتَّى بات مُشرَّداً في العالم، هارباً مِن شعب إلى شعب، طيلة ألفي سنة.

وبعد سفر يومين وصل بولس في حماية الفرسان السبعين إلى قيصرية، فسلّموه إلى الوالي، وأعطوه الرسالة مِن الأمير، الّذي شرح فيها أنّ الأسير مواطنٌ رومانيٌّ. وهذه الملاحظة غيّرت الموقف رأساً على عقب، فاليهود حاولوا قتل رجل روماني، وهذا ما يبرر تدخّل القائد، وإرساله عسكراً بهذا العدد الكبير، للمحافظة على الأسير.

وأوضح القائد، في رسالته أيضاً، أنّ بولس ليس مجرماً البتّة، ولم يعمل شيئاً ضدّ القوانين المدنيّة، ولهذا لم يجد سبباً ليقيّده أو يدينه بالموت. إلاّ أنّ قضيّته دينيّة يهوديّة روحيّة، مصدرها الاختلاف في فهم الشريعة والنبوّات.

وبما أنّ هذه المعضلات تجعل البغضة والحقد في أعماق القلوب، وقد نُمِيَ للقائد ما يكيده الأربعون متآمراً، فهو لذلك يرسل المشتكى عليه والمشتكين بأسرع وقت ممكن إلى الوالي، لمعالجة القضية بعدلٍ وإنصاف في قيصرية، المدينة الرومانيّة بنظامها وترتيبها، بعيداً عن أورشليم، مركز الحضارة اليهوديّة المفعمة بالعواطف وفوران الدم، على رجاء جلاء القضية بأكثر وضوح.

ولمّا علم الوالي فيلكس أنّ بولس هو مِن طرسوس كيليكية، قرّر أن يعالج القضية في قيصرية مباشرةً، لأنّه في طرسوس البعيدة لا يعرف أحد أسرار النواميس والعوائد اليهودية. فسجن بولس في قصر هيرودس الفخم، حيث سكن الوالي بنفسه ولكنه ربّما أُلقي أوَّلاً في قبو القصر، تحت حراسة مشدّدة، أو في داخل الدار، لكيلا يستطيع الثوار الأربعون الأورشليميون أن يتسلّلوا إلى الرسول الكريم.

وبهذا تمّت طلبة بولس الّّتي كتبها إلى أهل روما: أن يجاهدوا معه في الصلوات مِن أجله إلى الله، لكي ينقذ مِن الّذين هم غير مؤمنين في اليهودية ولكي تكون خدمته لأجل أورشليم مقبولة عند القدّيسين، حتّى يجيء إليهم في رومية بفرح بإرادة الله، ويستريح معهم ( رومية 15: 31-32 ). ولكنَّ تلك الصَّلوات أتت بغير ما رجاه الرسول. ففي السلاسل، وليس كسفير للمسيح حرّاً، اتجه في طريقه نحو رومية.

فما الّذي فكّر فيه بولس وهو في غرفة سجنه؟ لقد وصل قبل ئذٍ بأربعة عشر يوماً إلى قيصرية، وبات عند فيلبّس المبشّر، حتّى أتى إليه النّبي أغابوس وأنبأ ببصيرة الرّوح القدس عما هو مزمع أن يقع عليه مِن السلاسل والضيقات. ولكن الرّبّ زاره في الليل، وبعد شهادته عن الحي، وسط الجماهير الساخطة عليه، لمّا خاطبها على درجات الهيكل، وأخبره الرّبّ أنّه ينبغي أن يشهد باسمه أيضاً في رومية محور العالم آنذاك. وهكذا نرى في سيرة بولس، أنّه لم يكن هو المخطّط والدافع في أفكاره ورغباته، بل المسيح هو الّذي خطّط وأرشد وعمل بواسطة عبده المطيع، ليس كما أراد بولس بل كما أراد هو. وربّما كان ذلك أصعب مرحلة في حياة بولس، محرّك الشّعوب النشيط، أنّ كنائسه المتروكة تحتاج إلى عونه ونصيحته، وهو باقٍ أَيَّاماً كثيرةً في السِّجن، بلا حركة ولا نشاط.

الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ القدير، لأنّك لا ترشد عبيدك حسب مُخَطَّطاتهم الخاصَّة، بل حسب مشيئتك، وتعيينك للأوقات، فتحفظهم للشهادة الفعلية، وتستجيب صلواتهم بقوّة عظيمة. اغفر لنا طرقنا الخاصّة، وعلّمنا أَن نطيع إرشاد الرّوح القدس في كلّ حين، آمين.

9الجلسة الأولى مِن المحاكمة في قيصرية

(24: 1 – 23)

24: 1 وَبَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ انْحَدَرَ حَنَانِيَّا رَئِيسُ الْكَهَنَةِ مَعَ الشُّيُوخِ وَخَطِيبٍ اسْمُهُ تَرْتُلُّسُ، فَعَرَضُوا لِلْوَالِي ضِدَّ بُولُسَ 2فَلَمَّا دُعِيَ، ابْتَدَأَ تَرْتُلُّسُ فِي الشِّكَايَةِ قَائِلاً: 3إِنَّنَا حَاصِلُونَ بِوَاسِطَتِكَ عَلَى سَلامٍ جَزِيلٍ، وَقَدْ صَارَتْ لِهذِهِ الأُمَّةِ مَصَالِحُ بِتَدْبِيرِكَ، فَنَقْبَلُ ذلِكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ فِيلِكْسُ بِكُلِّ شُكْرٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَانٍ 4وَلكِنْ لِئَلاَّ أُعَّوِقَكَ أَكْثَرَ، أَلْتَمِسُ أَنْ تَسْمَعَنَا بِالاخْتِصَارِ بِحِلْمِكَ 5فَإِنَّنَا إِذْ وَجَدْنَا هذَا الرَّجُلَ مُفْسِداً وَمُهَيِّجَ فِتْنَةٍ بَيْنَ جَمِيعِ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي الْمَسْكُونَةِ، وَمِقْدَامَ شِيعَةِ النَّاصِرِيِّينَ، 6وَقَدْ شَرَعَ أَنْ يُنَجِّسَ الْهَيْكَلَ أَيْضاً، أَمْسَكْنَاهُ وَأَرَدْنَا أَنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِنَا (شريعتنا) 7فَأَقْبَلَ لِيسِيَاسُ الأَمِيرُ بِعُنْفٍ شَدِيدٍ وَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا، 8وَأَمَرَ الْمُشْتَكِينَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ وَمِنْهُ يُمْكِنُكَ إِذَا فَحَصْتَ أَنْ تَعْلَمَ جَمِيعَ هذِهِ الأُمُورِ الَّتِي نَشْتَكِي بِهَا عَلَيْهِ 9ثُمَّ وَافَقَهُ الْيَهُودُ أَيْضاً قَائِلِينَ: إِنَّ هذِهِ الأُمُورَ هكَذَا

علم حنانيّا، رئيس الكهنة في أورشليم، بحنق أنَّ بولسَ قد أفلت مِن بين يديه، فأعدّ العدّة رأساً للحاق به، ليقطع رأس المسيحيّة بقتله بولس. ولم يأخذ معه الثوّار الأربعين إلى قيصرية، لكيلا يظهر عنفه وقصده الإجرامي؛ ولكنّه استصحب معه خطيباً مفوّهاً، ليداهن بكلمات رنّانة مشاعر الرومان، ويدخل إلى أذهانهم ضرورة إبادة الرسول رأساً.

ولمّا استحضر الأسير إلى جلسة المحاكمة، ابتدأ الخطيب بمسايرة الوالي وإطرائه ليربحه إلى جانبه، فأجزل له المديح كأنّما السّلام الروماني قد حلّ بفلسطين بفضله هو، وكأنّ حكمته الشخصيّة وتدبيره للأمور سبَّبا للأمة اليهوديّة تقدّماً وأمناً ورفاهيّة ونظاماً، وراوغ كاذباً بقوله، إِنَّ المجلس اليهودي الأعلى مستعدّ أن يقبل تنظيماته ويتعاون معه بإخلاص.

ولكن بما أنّ هذه الصفات والفضائل يعرفها الوالي بنفسه، وهي ظاهرة كالشّمس، فهم لا يريدون أن يضجروه بذكر درجات وأنواع فضائله، بل ينتقلون رأساً إلى وصف الرجل الخطير بولس. فوصموه بثلاث جرائم دوليّة: أوَّلاً أنّه لم يفسد السّلام في فلسطين فقط، بل في كلّ محافظات الدّولة الرومانيّة أيضاً، فهو حرَّضَ اليهود على الفتنة والشغب والخصام. ثانيّاً أنّ المتّهم هو مقدام المسيحيّة كلّها، فهو رأسها المدبِّر وقلبها النَّابض، مما يرينا أنّ المجلس الأعلى أدرك بدقّة أنّه ليس بطرس ولا يوحنّا ولا يعقوب، بل بولس هو المحرّك في المسيحيّة، وسبب تدويل الفكر اليهودي وتغييره إلى رسالة أمميّة، على أساس نعمة المسيح المفتوحة لكلّ البشر. ثالثاً احتقار بولس للهيكل وتدنيسه إياه، رغم أنّه حتّى الحكّام الرومان قد كرّموه، وحفظوا حقوقه، واحترموا مركز الحضارة اليهوديّة. فلم يقدّم اليهود أشياء جوهريّة للوالي كالبرّ الشريعي أو مجيء المسيح، بل وصفوا رسول الأمم بالمفوّض لسلام الدّولة والمفسِد لقداسة الهيكل.

وفوق ذلك اشتكى اليهود على ليسياس القائد في أورشليم، لأنّه خطف بولس بعنف مِن أيديهم واضعاً بهذا التصرف النِّظامَ الروماني فوقَ الناموس (الشريعة) اليهودي، فكانت الشكوى بصميمها طلباً مستتراً لحرّية الحقوق اليهودية، لأنّ الرومان أخذوا مِن اليهود الحقّ بقتل الخطاة حسب شريعتهم، وكلّ رؤساء الكهنة ساندوا هذه الشكوى، وسمّوا بولس دملة الطاعون في العالم، الّذي تخرج مِنه العدوى، وخطر الموت على كلّ النّاس. فمِن الضروري أن يعمل الوالي على إبادة هذا الخطر رأساً، واقتلاع هذا الدمل مِن جسد العالم. ومِن هذا الادعاء يستبين التعصّب الأعمى، الّذي لا يستطيع إدراك محبّة المسيح، واعتبار يَنبوعِ البركة مَصدرَ الموت. فالشّيطان أبٌ لكلّ الكذّابين الّذين يُحرِّفون الحقَّ بالاحتيال، ويظنُّون في قساوة القلوب، أنّهم مستقيمون أبرار.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك الحقّ المبين. ولا بُدَّ لكلِّ كذب أو نميمةٍ مِنْ أَن يتحطّم بقوّة استقامتك. علّمنا النطق بالصدق والمحبّة، وأرشدنا إلى التَّبشير بحكمةٍ وشجاعة.

23: 10 فَأَجَابَ بُولُسُ، إِذْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ الْوَالِي أَنْ يَتَكَلَّمَ:إِنِّي إِذْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مُنْذُ سِنِينَ كَثِيرَةٍ قَاضٍ لِهذِهِ الأُمَّةِ، أَحْتَجُّ عَمَّا فِي أَمْرِي بِأَكْثَرِ سُرُورٍ 11وَأَنْتَ قَادِرٌ أَنْ تَعْرِفَ، أَنَّهُ لَيْسَ لِي أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً مُنْذُ صَعِدْتُ لأَسْجُدَ فِي أُورُشَلِيمَ 12وَلَمْ يَجِدُونِي فِي الْهَيْكَلِ أُحَاجُّ أَحَداً أَوْ أَصْنَعُ تَجَمُّعاً مِنَ الشَّعْبِ، وَلا فِي الْمَجَامِعِ وَلا فِي الْمَدِينَةِ 13وَلا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُثْبِتُوا مَا يَشْتَكُونَ بِهِ الآنَ عَلَيَّ 14وَلكِنَّنِي أُقِرُّ لَكَ بِهذَا: أَنَّنِي حَسَبَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَقُولُونَ لَهُ شِيعَةٌ هكَذَا أَعْبُدُ إِلهَ آبَائِي، مُؤْمِناً بِكُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ (الشريعة) وَالأَنْبِيَاءِ 15وَلِي رَجَاءٌ بِاللّهِ فِي مَا هُمْ أَيْضاً يَنْتَظِرُونَهُ: أَنَّهُ سَوْفَ تَكُونُ قِيَامَةٌ لِلأَمْوَاتِ، الأَبْرَارِ وَالأَثَمَةِ 16لِذلِكَ أَنَا أَيْضاً أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِماً ضَمِيرٌ بِلا عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللّهِ وَالنَّاسِ 17وَبَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ جِئْتُ أَصْنَعُ صَدَقَاتٍ لِأُمَّتِي وَقَرَابِينَ 18وَفِي ذلِكَ وَجَدَنِي مُتَطَهِّراً فِي الْهَيْكَلِ – لَيْسَ مَعَ جَمْعٍ وَلَا مَعَ شَغَبٍ – قَوْمٌ هُمْ يَهُودٌ مِنْ أَسِيَّا، 19كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْضُرُوا لَدَيْكَ وَيَشْتَكُوا، إِنْ كَانَ لَهُمْ عَلَيَّ شَيْءٌ 20أَوْ لِيَقُلْ هؤُلاءِ أَنْفُسُهُمْ، مَاذَا وَجَدُوا فِيَّ مِنَ الذَّنْبِ، وَأَنَا قَائِمٌ أَمَامَ الْمَجْمَعِ، 21إِلاَّ مِنْ جِهَةِ هذَا الْقَوْلِ الْوَاحِدِ الَّذِي صَرَخْتُ بِهِ وَاقِفاً بَيْنَهُمْ: أَنِّي مِنْ أَجْلِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ أُحَاكَمُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ

 22فَلَمَّا سَمِعَ هذَا فِيلِكْسُ أَمْهَلَهُمْ، إِذْ كَانَ يَعْلَمُ بِأَكْثَرِ تَحْقِيقٍ أُمُورَ هذَا الطَّرِيقِ، قَائِلاً:مَتَى انْحَدَرَ لِيسِيَاسُ الأَمِيرُ أَفْحَصُ عَنْ أُمُورِكُمْ 23وَأَمَرَ قَائِدَ الْمِئَةِ أَنْ يُحْرَسَ بُولُسُ، وَتَكُونَ لَهُ رُخْصَةٌ، وَأَنْ لا يَمْنَعَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَخْدِمَهُ أَوْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ.

لم يداهن بولس الوالي في ابتداء احتجاجه، كما عمل الخطيب المفوّض مِن المجلس الأعلى في بداية شكايته عليه، بل أبرز بثقة أنّ فيلكس كان منذ سنين كثيرة حاكماً في فلسطين، فهو عارف النّاس وعواطفهم، خصوصاً أنّ امرأته كانت يهودية. وهذه المعرفة ساعدت بولس على الدفاع عن نفسه باطمئنان وراحة داخليّة، وهو عالم أنّه لم يقف في المحكمة لاسمه الشَّخصي، بل لأجل يسوع؛ فألقى بسرور خطابه الّذي ستتوقَّف عليه حياته أو موته.

فالشكاية الأولى أنّه فوضويٌّ مزعجٌ للسَّلام الروماني العام، أبطلها بولس بدليله أنّه لم يمكث في سفرته الأخيرة في أورشليم، إلاّ اثني عشر يوماً، ولم يلجأ إلى مباحثة ما، لا في الهيكل، ولا في الكنيس، ولا في المدينة، ولا في أيّ كورةٍ أو مكانٍ آخر، لأنّه كان معدّاً نفسه للسجود لاجئاً إلى الهدى. وجواباً لاتِّهامه بإثارة الشغب في أفسس، طلب بولس إحضارَ اليهود الآسيويين شهوداً، ولكنّهم لم يحضروا عمداً، لأنّ المشكلة الّّتي حدثت هناك لم يسببها بولس، بل ديمتريوس الصائغ، وبالأغلب بمساندة ودافع مِن اليهود، فلم يسبّب بولس الاضطرابات في المدن الأناضوليّة والمكدونيّة، بل خصومه كانوا يلجأون إلى العنف، إذ لم يقدروا أن يغلبوا الرسول في مباحثاتهم الكنسيّة.

وبعدما رفض بولس هذه الاتهامات عن إخلاله بالهدوء وإقلاق السّلام الروماني العظيم، اعترف جهراً أنّه ينتسب إلى طريق المسيح، الّذي ليس هو بدعة، بل طريق الله الحقّ كما جاء في الشريعة والأنبياء. لقد رخّص الرومان للأديان الهامة في زمنهم برخص تتيح إقامة شعائرها، ولكنّ المذاهب الجديدة كانت تحت المراقبة أو الاضطهاد أو المنع. فاهتمّ بولس كلّ الاهتمام أَن يبرهن أنّ العهد الجديد ليس ديناً منفصلاً مستقلاً عن العهد القديم، بل هو مكمّله وتاجه. وخيرٌ لنا أن ندرك هذا المبدأ في تجاربّنا الحاضرة. علماً أنّ بولس وضع الأهميّة الكبرى على قيامة الأموات، فلم يعش في التقليد ورواسب الماضي، متّجهاً إلى الوراء فقط، بل امتدّ قبل كلّ شيء إلى الأمام إلى هدف البشر كلّهم.

وهذا الإيمان الواسع الحيوي المثير، أيقظ ضميره. وأكثر مِن ذلك، فبعدما طهّر دم المسيح فؤاده، ومنحه الرّوح القدس قلباً جديداً، درّب رجل الله هذا ضميره الممتلئ بالرّوح القدس، ليبقى بلا عثرة في الشركة مع الله. فما هو حال ضميرك؟ هل تقيم فيه خطايا غير مغفورة؟ أَم أنّك اعترفت بكلّ أفكارك الشرّيرة، وكلماتك النجسة، وأعمالك الرديّة أمام عرش المسيح، طالباً الغفران والتطهير، ومختبراً التقديس والتثبيت؟ إِنَّ ضميرك يعلّمك الشعور بدستور الله، ويحذّرك ألاّ تعملن خطايا، ويكون شاهداً على أعمالك الشرّيرة، ويسجّلها أبداً، ويشتكي عليك، أَصغِ لصوت ضميرك، ولا تخنقه بسطحيّة ولهو وضجيج. إِنَّ المسيح يقصد أَن يُطهِّر شعورك الباطني، ويملأك بحقّه وطهارته ونعمته، وعلى قدر اقترابك مِن الله، فإنّ ضميرك يصير أكثر وعياً وحساسيّة، ويرشدك إلى العمل الصالح الحكيم؛ والرّوح القدس يعزّي فؤادك، ويدلّك على الصّليب ينبوع برّنا واطمئناننا.

لم يعش بولس في مشاعر نفسانيّة خاصّة ناظراً إلى نفسه، بل عمل ما قاله الرّوح القدس. وناظراً إلى الإخوة المحتاجين جمع عطايا كثيرة وأتى بها إلى أورشليم، ووزّعها بين فقراء شعبه. فلم يأتِ بولس إلى أورشليم ليسرق ويسلب، بل ليعطي ويهب مالاً. فلم يكن رجل فتنة بل رجل سلام.

لاحظ الوالي فيلكس بسرعة مَن هو الرسول بولس، وعرف أيضاً مذهب المسيحيين، لأنّ الضابط الروماني كورنيليوس أصبح في الأيام الماضية مؤمناً بالمسيح في قيصرية. ولا شكّ أنّ الاستخبارات الرومانية علمت أنّ اليهود كانوا يترقّبون مسيحاً مِن السّماء ليحرّرهم مِن نير الاستعمار. ولكنّ بولس لم ينضم إلى الجناح السياسي الحربي مِن اليهود، بل كان رجلاً خادماً وديعاً، لأنّ قدوته يسوع فضّل الموت مصلوباً على أن يدافع تلاميذه عنه بالسيف. فرجلٌ مثل بولس، ومسيحٌ ميتٌ مصلوبٌ لم يكونا سبب خوفٍ للرومان، فلم يهتمّوا بالأمر، بل ابتسموا لبولس.

ولكن في الوقت نفسه ، لم يرد فيلكس أن يثير مشكلة مع المجلس اليهودي ورؤساء الكهنة، فاتّخذ حلاً وسطاً مريحاً، فلم يحكم على بولس بالموت، بل أتاح له التمتّع بكل ما يريحه مِن زيارات وشركة مع المؤمنين في قيصرية، وفي الوقت نفسه حافظ على شبه الحقّ والتعاون أمام رؤساء الكهنة، قائلاً إنّه يريد في مسألة تدنيس الهيكل أن يفتّش ويسأل قائد الجيش في أورشليم عن أسباب تدخله بعنف. وهكذا ظلم الوالي بولس، وحاول خدمة سيدين، مما سبب لبولس سجناً أكثر مِن سنتين، وكان هذا وقتاً طويلاً ملأه بولس بالصَّلوات والتأملات. وربّما كتب في هذه الفترة رسالتيه إلى أهل أفسس وكولوسي، وفاض مِن ملء بصيرته، كشلال النّعمة، غنى المسيح على مستمعيه. فلم يتشاءم بولس في السجن، بل كانت نفسه عاملة مهتمّة نشيطة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ، قد احتملت الظلم هادئاً. علّمنا ألاّ نضطرب ونتمرمر إذا أضرّنا أعداؤك، واملأنا بروحك القدّوس، لكي نعظّمك ونحبّك، ونتعلّم ونمارس الابتهال لأجل الآخَرين المعانِدين.

10بولس على انفراد مع الوالي وامرأته

(24:24 – 27)

24: 24 ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَ فِيلِكْسُ مَعَ دُرُوسِلاَّ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ يَهُودِيَّةٌ فَاسْتَحْضَرَ بُولُسَ وَسَمِعَ مِنْهُ عَنِ الإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ 25وَبَيْنَمَا كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنِ الْبِرِّ وَالتَّعَفُّفِ وَالدَّيْنُونَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَكُونَ، ارْتَعَبَ فِيلِكْسُ، وَأَجَابَ:أَمَّا الآنَ فَاذْهَبْ، وَمَتَى حَصَلْتُ عَلَى وَقْتٍ أَسْتَدْعِيكَ 26وَكَانَ أَيْضاً يَرْجُو أَنْ يُعْطِيَهُ بُولُسُ دَرَاهِمَ لِيُطْلِقَهُ، وَلِذلِكَ كَانَ يَسْتَحْضِرُهُ مِرَاراً أَكْثَرَ وَيَتَكَلَّمُ مَعَهُ 27وَلكِنْ لَمَّا كَمِلَتْ سَنَتَانِ، قَبِلَ فِيلِكْسُ بُورْكِيُوسَ فَسْتُوسَ خَلِيفَةً لَهُ وَإِذْ كَانَ فِيلِكْسُ يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً، تَرَكَ بُولُسَ مُقَيَّداً.

دروسلا امرأة الوالي، هي ابنة الملك هيرودس أغريباس، الّذي سمعنا عن موته الشنيع في الأصحاح الثاني عشر. كانت هذه المرأة الرائعة الجمال متزوجة أوّلاً مِن أحد ملوك سوريا، ولكنّ فيلكس استعمل حيلةً بواسطة ساحر يهودي، ففصلها عن زوجها وأخذها لنفسه وتخبرنا الروايات أنّها ماتت سنة 79 في وقت انفجار بركان فيزوف، واحترقت بموادّه المنصهرة.

وقد حرّضت زوجها لمّا كانت في قيصرية على إحضار بولس المثير، ليشاهدا رواية مسليّة ومُشوِّقة، فما أبدعها فرصة لبولس أن يعمل على تحرير نفسه! وقد اتّكأ فيلكس الغني الماكر الرّخيّ البال على وسادته، وبجانبه امرأته المثيرة الزانية الجميلة، ووقف قدّامهما الأسير الموسوم بآثار الضربات والحجارة، وبداخله قوّة اندفاع روحي كبركان ناري لخلاص البشر. هل سيقع بولس في ساعة التجربة ويداهن الزوجين؟ لا، فهو لم يفكّر ثانيةً واحدةً في خلاص نفسه، بل رأى الإنسانين المسكينين أمامه، الغارقين في الشهوة وضميرهما الفاسد، فالتهب قلبه لخلاصهما. وكما الطبيبُ الصالح لا يُدلِّكُ الورمَ بسطحيّة، بل يشقّه بمبضع بضربة واحدة، هكذا طعن بولس الوالي الظالمَ مباشرةً، لأجل تصرفاته غير المستقيمة، وأراه أَنَّ الله يطلب الحقَّ والعدلَ والبرَّ وشهدَ للمرأة بحاجتها إلى العفّة والزهد والطّهارة، لأنّه لا يدخل زانٍ ملكوتَ الله. وبعدما أيقظ الرسولُ الأسيرُ ضميرَ المتَّكِئَين أمامه، أوقفهما أمامَ دينونة الله العادلة، وأعلن لهما غضَب القدُّوس. فليس بولس هو الّذي أهلكهما، بل الله نفسه هو الّذي كشفهما بنوره الساطع. ففيلكس ومعنى اسمه “السعيد”، فزع مرتعباً، لأنّه لم يتجرّأ أحد حتّى تلك اللحظة أن يقول له الحقّ بصراحة. وربّما اغتاظت المرأة وأبغضت رسول الله، لأنّه كشف كذب حياتهما، حتّى إِنَّها حرَّضَتْ بعدئذٍ زوجَها على ألاّ يترك بولس حرّاً. وظهر فيلكس في قضيّة ضميره متأرجحاً، وحاول أن يتّخذ موقفاً معتدلاً وحلاً وسطاً؛ فلم يرفض دعوة الله للتوبة، ولكنّه لم يطع صوت ضميره أيضاً، فأجّل القرار عن خلاص نفسه كما أجّل القرار لتخلية بولس.

وفوق ذلك فقد شمّ رائحة المال، لأنّ بولس تكلّم سابقاً عن العطايا المقدَّمة إلى أهالي أورشليم، فتأمّل الوالي أن يستخرج مِن مقدام الكنيسة فداء كبيراً عن نفسه، ولا ريب أنّ الكنائس كانت مستعدّة أن تجمع أيّ مبلغ لتحرّر به رسول الأمم، ولكنّ بولس نفض مثل هذه الأفكار بعيداً عنه، ليس لإراحة ضميره فقط، بل أيضاً ليخلّص فيلكس مِن طمعه، ممثّلاً أمامه قدوة الاستقامة في الحياة. وحقّاً لم يستطع الوالي أن يتخلّص مِن تأثير رسول الحقّ فيه، فكان يستشيره دائماً في الأمور الإنسانيّة والإلهيّة، لأنّ كلّ حاشيته كانت تداهنه الكذب، ولكن ها هوذا حق الله ماثل أمامه ببولس، الّذي اخترق ضميره مرّةً تِلْوَ الأُخرى بكلماته الصادقة. ولكن لم ينكسر الوالي أمام الله، رغم كلّ تلك الإعلانات الرّوحيّة، لأنّنا لا نقرأ حرفاً عن إيمانه أو خلاصه البتة.

11الجلسة الثَّانية لمحاكمة بولس أمام الوالي الجديد

(25: 1 – 12)

25: 1 فَلَمَّا قَدِمَ فَسْتُوسُ إِلَى الْوِلايَةِ صَعِدَ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ قَيْصَرِيَّةَ إِلَى أُورُشَلِيمَ2فَعَرَضَ لَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَوُجُوهُ الْيَهُودِ ضِدَّ بُولُسَ، وَالْتَمَسُوا مِنْهُ 3طَالِبِينَ عَلَيْهِ مِنَّةً، أَنْ يَسْتَحْضِرَهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَهُمْ صَانِعُونَ كَمِيناً لِيَقْتُلُوهُ فِي الطَّرِيقِ 4فَأَجَابَ فَسْتُوسُ أَنْ يُحْرَسَ بُولُسُ فِي قَيْصَرِيَّةَ، وَأَنَّهُ هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَنْطَلِقَ عَاجِلاً 5وَقَالَ:فَلْيَنْزِلْ مَعِي الَّذِينَ هُمْ بَيْنَكُمْ مُقْتَدِرُونَ، وَإِنْ كَانَ فِي هذَا الرَّجُلِ شَيْءٌ فَلْيَشْتَكُوا عَلَيْهِ 6وَبَعْدَ مَا صَرَفَ عِنْدَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، انْحَدَرَ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ، وَفِي الْغَدِ جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلايَةِ وَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِبُولُسَ 7فَلَمَّا حَضَرَ، وَقَفَ حَوْلَهُ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ انْحَدَرُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، وَقَدَّمُوا عَلَى بُولُسَ دَعَاوِيَ كَثِيرَةً وَثَقِيلَةً لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُبَرْهِنُوهَا 8إِذْ كَانَ هُوَ يَحْتَجُّ:أَنِّي مَا أَخْطَأْتُ بِشَيْءٍ، لا إِلَى نَامُوسِ (شريعة) الْيَهُودِ وَلا إِلَى الْهَيْكَلِ وَلا إِلَى قَيْصَرَ 9وَلكِنَّ فَسْتُوسَ إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً قَالَ لِبُولُسَ:أَتَشَاءُ أَنْ تَصْعَدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِتُحَاكَمَ هُنَاكَ لَدَيَّ مِنْ جِهَةِ هذِهِ الأُمُورِ؟ 10فَقَالَ بُولُسُ:أَنَا وَاقِفٌ لَدَى كُرْسِيِّ وِلايَةِ قَيْصَرَ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ أُحَاكَمَ، أَنَا لَمْ أَظْلِمِ الْيَهُودَ بِشَيْءٍ، كَمَا تَعْلَمُ أَنْتَ أَيْضاً جَيِّداً 11لأَنِّي إِنْ كُنْتُ آثِماً، أَوْ صَنَعْتُ شَيْئاً يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، فَلَسْتُ أَسْتَعْفِي مِنَ الْمَوْتِ وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا يَشْتَكِي عَلَيَّ بِهِ هؤُلاءِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَلِّمَنِي لَهُمْ، إِلَى قَيْصَرَ أَنَا رَافِعٌ دَعْوَايَ 12حِينَئِذٍ تَكَلَّمَ فَسْتُوسُ مَعَ أَرْبَابِ الْمَشُورَةِ، فَأَجَابَ:إِلَى قَيْصَرَ رَفَعْتَ دَعْوَاكَ إِلَى قَيْصَرَ تَذْهَبُ“.

كان في الدّولة الرومانيّة نظامٌ يقضي بنقل الموَّظفين مِن وقت إلى آخر مِن مكان إلى آخَر، لكيلا يتمكنوا مِن استغلال وظائفهم للربح الشخصي، إن عاشوا مدّة طويلة في إحدى المناطق.

وفيلكس السعيد بضميره المريض فضّل في آخر ولايته، أن يربح منّة اليهود لتوسّطهم عند القيصر لأجله، على أن يقضي حسب مشيئة الله ويترك بولس حرّاً. فأسرع هذا الطَّمَّاع في المال والمنصّب إلى دينونة الله العتيدة.

وأتى الوالي الجديد فستس بنشاط وحركة، وأراد أن ينهي القضايا العالقة مِن مخلّفات سلفه. فسافر رأساً إلى المركز اليهودي – أورشليم – وهناك استغلّ الرؤساء الماكرون الفرصة، وطلبوا مِنه منّة أن يستحضر بولس إلى القدس ليحاكموه معاً على خروجه ضدّ الناموس (الشريعة). وكان طلبهم ماكراً، لأنّهم قصدوا قتل بولس في الطريق.

أراد فستس بطريقة بارعة أن يجذب الأحبار إلى بيته في قيصرية، وطلب مِنهم وفداً قادراً أن يوضح القضيّة. ولمّا نزل بعد أيام إلى عاصمته على شاطئ البحر عقد جلسة رسميّة للمحاكمة، فأتى اليهود بادّعاءات ثقيلة، مشتكين على بولس أنّه يزعزع أسس الدنيا، وقد نجّس الهيكل، وطعن في عصمة التوراة، وهو يعمل حتّى ضدّ القيصر، حيث أنّه يدعو المسيح ربّاً وملك الملوك.

وأجاب بولس عن هذه الشكايات موضحاً أَنَّ كلّ هذه الاتهامات إنّما هي حيل ملتوية وأكاذيب واضحة، لأنّه لم يظلم يهوديّاً واحداً. وكان بولس مستعدّاً للموت، لو ارتكب أيّ ظلم. ولكن لم يستطع المشتكون أن يثبتوا عليه أيّ ذنب مدني.

وقد أدرك الوالي بسرعة أنّ القضيّة هي قضيّة دينيّة فقط، فاقترح على بولس أن يقبل المحاكمة في أورشليم برئاسته، لكي تتضح في مركز دينه الأسئلة الغامضة على الوالي الروماني. فلم يخف بولس مِن البحث اللاهوتي حول التوراة والإنجيل، لكنّه علم حقد أعدائه وبغضتهم وعزمهم المتعصّب أن يقتلوه، مهما كلّف الأمر، وأنّهم غير مستعدّين لمحاكمة عادلة، فطلب حكماً رومانيّاً موضوعيّاً، ورفض هلاكه بتعصّب اليهود وعنادهم، لأنّه لم يكن ثمة شكّ في أنّ المجلس الأعلى اليهودي كان ضدّ يسوع الناصري وأتباعه، كما اتّضح ذلك في مدّة الثلاثين سنة، الّّتي مرّت منذ صلب المسيح وحتّى محاكمة بولس هذه.

ولمّا لاحظ بولس أنّ الوالي كان مستعدّاً لتسليمه إلى المجلس الأعلى اليهودي، ليجد بداية حسنة في تعاونه مع المواطنين، تشبَّث بآخر وسيلة منحه الله إيّاها منذ ولادته، ألا وهي رعويته الرومانيّة، كي يخلّص نفسه مِن الهلاك. وهذا الحقّ استخدمه في فيلبي، لمّا فتح السجن على مصراعيه بهزّة أرضيّة، وقبل جلده في أورشليم. وأخيراً ليمنع تسليمه، للمحاكمة بأيدي أعدائه في القدس، فصرخ طالباً حقّه في أن يحاكم عند قيصر شخصيّاً. ولم يقدر أحد أن يمنعه مِن هذا الطلب.

ولكن في هذه الأيام كان نيرون قد تولَّى زمام الحكم في روما، وكان رجلاً شهوانيّاً سفّاحاً، نصف مجنون؛ فابتسم فستوس، وهو يؤكّد لبولس أنّه سيرسله ليحاكم بين يدي هذا القيصر الطاغية، لأنّه سيختبر في روما الفساد والليونة والخداع والكذب في مراكز الدّولة العليا، وسيرى بطء سير المعاملات في دوائر العدليّة. فانتظر بولس سجناً طويلاً، ولكنّه وجد في قلبه التأكيد أن ربّه هو الّذي أرشده إلى روما. فلم يختر بولس هذا الطريق، بل ربّه أراد أن يدخل سفيره إلى العاصمة، أسيراً لا حُرَّاً مُنتصِراً. ففضَّل بولس أن يذهب إلى روما مقيَّداً على أن يضيع سنين طويلة تحت حكم والٍ لا يقرّر ولا يهتمّ بقضية بولس لأجل تعاونه مع خصومه اليهود.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، علّمني الحكمة والحقّ والجرأة والتواضع، فلا أَختارُ في الضيق طَريقاً معوجاً لتخليص نفسي، بل أُدرِّبُ نفسي على الصَّبر، ولا أخفي الحقَّ، بل أَشهدُ باسمك مع كُلِّ المؤمنين المعذَّبين.

12بولس أمام الملك أغريباس الثاني وحاشيته الملكيّة

 (25: 13 – 26: 32)

25: 13 وَبَعْدَمَا مَضَتْ أَيَّامٌ أَقْبَلَ أَغْرِيبَاسُ الْمَلِكُ وَبَرْنِيكِي إِلَى قَيْصَرِيَّةَ لِيُسَلِّمَا عَلَى فَسْتُوسَ 14وَلَمَّا كَانَا يَصْرِفَانِ هُنَاكَ أَيَّاماً كَثِيرَةً، عَرَضَ فَسْتُوسُ عَلَى الْمَلِكِ أَمْرَ بُولُسَ، قَائِلاً:يُوجَدُ رَجُلٌ تَرَكَهُ فِيلِكْسُ أَسِيراً، 15وَعَرَضَ لِي عَنْهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَمَشَايِخُ الْيَهُودِ لَمَّا كُنْتُ فِي أُورُشَلِيمَ طَالِبِينَ حُكْماً عَلَيْهِ 16فَأَجَبْتُهُمْ أَنْ لَيْسَ لِلرُّومَانِ عَادَةٌ أَنْ يُسَلِّمُوا أَحَداً لِلْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُّوُ عَلَيْهِ مُواجَهَةً مَعَ الْمُشْتَكِينَ، فَيَحْصُلُ عَلَى فُرْصَةٍ للاحْتِجَاجِ عَنِ الشَّكْوَى 17فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَى هُنَا جَلَسْتُ مِنْ دُونِ إِمْهَالٍ فِي الْغَدِ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلايَةِ، وَأَمَرْتُ أَنْ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ 18فَلَمَّا وَقَفَ الْمُشْتَكُونَ حَوْلَهُ لَمْ يَأْتُوا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِمَّا كُنْتُ أَظُنُّ 19لكِنْ كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ مَسَائِلُ مِنْ جِهَةِ دِيَانَتِهِمْ، وَعَنْ وَاحِدٍ اسْمُهُ يَسُوعُ قَدْ مَاتَ، وَكَانَ بُولُسُ يَقُولُ إِنَّهُ حَيٌّ 20وَإِذْ كُنْتُ مُرْتَاباً فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ هذَا قُلْتُ: أَلَعَلَّهُ يَشَاءُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَيُحَاكَمَ هُنَاكَ مِنْ جِهَةِ هذِهِ الأُمُورِ؟ 21وَلكِنْ لَمَّا رَفَعَ بُولُسُ دَعْوَاهُ لِكَيْ يُحْفَظَ لِفَحْصِ أُوغُسْطُسَ، أَمَرْتُ بِحِفْظِهِ إِلَى أَنْ أُرْسِلَهُ إِلَى قَيْصَرَ 22فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِفَسْتُوسَ: كُنْتُ أُرِيدُ أَنَا أَيْضاً أَنْ أَسْمَعَ الرَّجُلَ فَقَالَ: غَداً تَسْمَعُهُ.

الملوك يتزاورون، والأمراء يتهادون هدايا نفيسة، وكُلٌّ يكرم ندَّه للتعاون معاً. وليس الرجل البسيط بين الأقوياء إلاّ كحبّة القمح المهروسة بين حجري الرحى.

كان أغريباسُ الثاني ابنُ الملك هيرودس أغريباس الأوّل (الأصحاح 12) أخاً لدروسلا، امرأة الوالي الروماني فيلكس الّذي ترك فلسطين. فزار أغريباس الثاني الوالي الجديد فستوس وبرفقته أخته الثانية برنيكي، ولم يكن لهذا الملك حقوق كثيرة ولا سلطة هامة، ولكن كان له الامتياز أن يعيّن رئيس الكهنة ويعزله مِن خدمته، مما يجعل له أهميّة كبيرة في قضيّة بولس.

والوالي فستوس، النشيط قصّ على الملك أغريباس قصّة بولس الغريبة، الّّتي يصعب على أيّ روماني أن يفهمها. فالمجلس الأعلى اليهودي طلب مِن الوالي، بكلّ إلحاح، أن يحكم على بولس بقتله سريعاً، عربوناً لاستعداده للتعاون مع المواطنين. ولكنّ شعور العدالة في الوالي الروماني عارض هذا الإلحاح، وطالب بعقد محاكمة رسميّة يتمثّل فيها الادعاء والدفاع. ولم يقدر اليهود أن يُلصقوا ببولس ذَنباً مدنيّاً، فظهر الرسول بالحقيقة بارّاً بريئاً.

أمّا الوالي الجديد، فسرعان ما أدرك، كالوالي القديم، أنّ الخلاف بين الطَّرفَين إنّما يدور حول أمور دينيّة غير متعلّقة بالسرقة أو الفتنة أو القتل، وتبلورت في ذهن الوالي المعرفة، مِن جراء الشكوى والاحتجاج، أَنَّ المسائل كلَّها كانت مرتكزةً على شخص واحد اسمه يسوع الناصري، وهذا قد مات. ولكنّ بولس يقول عنه إِنَّه حيّ. ويا للعجب! إذ أدرك فستوس الرجل الدنيوي سريعاً لبّ الإنجيل، وهذا هو اعترافنا وجوهر إيماننا، أنّ يسوع قد صُلب وقام مِن بين الأموات حيّاً إلى الأبد. فهل هذه الحقيقة التاريخيّة هي إيمانك أيضاً؟ وهل تجد في موت المصلوب وقيامته خلاصك ورجاءك وقوّتك؟ أَمْ لا تزال أعمى كالوالي المثقّف الّذي أدرك لبّ القضية، ولم يدرك جوهر يسوع حقّاً؟

25: 23 فَفِي الْغَدِ لَمَّا جَاءَ أَغْرِيبَاسُ وَبَرْنِيكِي فِي احْتِفَالٍ عَظِيمٍ، وَدَخَلَا إِلَى دَارِ الاسْتِمَاعِ مَعَ الأُمَرَاءِ وَرِجَالِ الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّمِينَ، أَمَرَ فَسْتُوسُ فَأُتِيَ بِبُولُسَ 24فَقَالَ فَسْتُوسُ:أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ وَالرِّجَالُ الْحَاضِرُونَ مَعَنَا أَجْمَعُونَ، أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ هذَا الَّذِي تَوَسَّلَ إِلَيَّ مِنْ جِهَتِهِ كُلُّ جُمْهُورِ الْيَهُودِ فِي أُورُشَلِيمَ وَهُنَا، صَارِخِينَ أَنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَعِيشَ بَعْدُ 25وَأَمَّا أَنَا فَلَمَّا وَجَدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، وَهُوَ قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى أُوغُسْطُسَ، عَزَمْتُ أَنْ أُرْسِلَهُ 26وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ يَقِينٌ مِنْ جِهَتِهِ لأَكْتُبَ إِلَى السَّيِّدِ، لِذلِكَ أَتَيْتُ بِهِ لَدَيْكُمْ، وَلا سِيَّمَا لَدَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، حتّى إِذَا صَارَ الْفَحْصُ يَكُونُ لِي شَيْءٌ لأَكْتُبَ 27لأَنِّي أَرَى حَمَاقَةً أَنْ أُرْسِلَ أَسِيراً وَلا أُشِيرَ إِلَى الدَّعَاوِي الَّتِي عَلَيْهِ“.

كان أغريباس الثاني يطمح منذ زمن لرؤية بولس لولب المسيحيّة، فمهّد فستوس للقاء بينهما، وهكذا دخل ملك اليهود الأخير مع أخته وحاشيته بأبواق الموسيقى والهتاف إلى صالون الاستقبال الملكي، وبعده جاء فستوس الوالي ببهاء ووراءه ضبّاطه الأقوياء. وكان قد طلب مِن وجهاء المدينة في قيصرية أن يحضروا هذا الاجتماع الرسمي. وأخيراً طلب بولس الأسير المستضعَف ليمثلَ أمامَ هذا المشهد الباهر، بعد ما حبس سنتين ظلماً، لكنَّ المسيحَ قد حضر لبولس هذا الجمع الحاشد مِن النبلاء، الّذي لم يشهده رسولٌ أو مُبشِّرٌ مِنْ قَبْل.

وابتدأ الوالي هذه الجلسة بوصف طلب اليهود بأن يحكم هو على بولس مباشرة بالموت، وزاد على أخباره السابقة أنّ المجمع الأعلى في أورشليم ساند هذا المطلب بواسطة مظاهرة صاخبة في أزقّة القدس، ولكن لم يجد الوالي الروماني في محاكمته الأولى لبولس شيئاً يستحقّ به الموت. وبينما كان يستعدّ لإرساله إلى أورشليم للمحاكمة ثانيةً على يد اليهود، بناء على طلبهم، اغتنم بولس الفرصة، وقال إِنَّه يريد المثول لمحاكمته أمام القيصر. وهنا ابتدأت المشكلة عند فستوس، الّذي لم يَدْرِ كيف يُبرّر سَجن بولس مدّة سنتين، ولم يفهم أسباب المخالفة للشَّريعة اليهوديّة، الّّتي اتّهم بها بولس، إلاّ أنّ إنساناً ما اسمه يسوع قد مات وقام، ولا يريد أن يكتب هذا للقيصر لئلاّ يستهزئ به ويظنّه مصدقاً بالتقمّص والأشباح.

وللعجب فإن فستوس في العدد 26، وأمام المجمع العظيم، لم يسمّ القيصر سيّداً فقط بل الرّبّ، كما نقرأ في النَّصِّ اليوناني الأصلي، مما يدلّنا على أنّه في ذلك الوقت كان قد ابتدأ تأليه القيصر، الأمر الّذي سبب لكثير مِن المسيحيين بعدئذ، الاضطهاد والعذاب والألم والموت بوحشيّة، لأنّهم لم يسجدوا للقيصر، بل سلّموا أنفسهم لربّهم يسوع. فالمؤمنون به سموه الرّبّ بكلّ معنى الكلمة، فهو أعظم مِن القياصرة، وهو الله بنفسه وبهذا اللقب الّذي أطلقه الوالي على القيصر تَزلُّفاً، صار قريباً مِن المشكلة الهامة في كلّ زمان، وهي أنّه لا يستحقّ أحد أن يسمّى ربّاً إلاّ يسوع. فمَن هو ربّك؟ وَمَنْ تَخص؟ ومَن تخدم في كلّ حين؟

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نحمدك ونعظّمك ونسجد لك، لأنّك لست ميتاً، بل حيّاً، وأنت ربّ المجد، وقد غلبت الموتَ والشِّرِّيرَ والخطيئة. ثَبِّتْنا في ملكوتك، وَأَدخِلْ كثيرين مِن طالبيك إلى الحياة الأبديّة.

26: 1 فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ:مَأْذُونٌ لَكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ لأَجْلِ نَفْسِكَ حِينَئِذٍ بَسَطَ بُولُسُ يَدَهُ وَجَعَلَ يَحْتَجُّ: 2إِنِّي أَحْسِبُ نَفْسِي سَعِيداً أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، إِذْ أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَحْتَجَّ الْيَوْمَ لَدَيْكَ عَنْ كُلِّ مَا يُحَاكِمُنِي بِهِ الْيَهُودُ 3لا سِيَّمَا وَأَنْتَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْعَوَائِدِ وَالْمَسَائِلِ الَّتِي بَيْنَ الْيَهُودِ، لِذلِكَ أَلْتَمِسُ مِنْكَ أَنْ تَسْمَعَنِي بِطُولِ الأَنَاةِ 4فَسِيرَتِي مُنْذُ حَدَاثَتِي الَّتِي مِنَ الْبُدَاءَةِ كَانَتْ بَيْنَ أُمَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ يَعْرِفُهَا جَمِيعُ الْيَهُودِ، 5عَالِمِينَ بِي مِنَ الأَّوَلِ – إِنْ أَرَادُوا أَنْ يَشْهَدُوا – أَنِّي حَسَبَ مَذْهَبِ عِبَادَتِنَا الأَضْيَقِ عِشْتُ فَرِّيسِيّاً 6وَالآنَ أَنَا وَاقِفٌ أُحَاكَمُ عَلَى رَجَاءِ الْوَعْدِ الَّذِي صَارَ مِنَ اللّهِ لآبَائِنَا، 7الَّذِي أَسْبَاطُنَا الاثْنَا عَشَرَ يَرْجُونَ نَوَالَهُ، عَابِدِينَ بِالْجَهْدِ لَيْلاً وَنَهَاراً فَمِنْ أَجْلِ هذَا الرَّجَاءِ، أَنَا أُحَاكَمُ مِنَ الْيَهُودِ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ 8لِمَاذَا يُعَدُّ عِنْدَكُمْ أَمْراً لا يُصَدَّقُ إِنْ أَقَامَ اللّهُ أَمْوَاتاً؟ 9فَأَنَا ارْتَأَيْتُ فِي نَفْسِي، أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ أُمُوراً كَثِيرَةً مُضَادَّةً لاسْمِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ 10وَفَعَلْتُ ذلِكَ أَيْضاً فِي أُورُشَلِيمَ، فَحَبَسْتُ فِي سُجُونٍ كَثِيرِينَ مِنَ الْقِدِّيسِينَ، آخِذاً السُّلْطَانَ مِنْ قِبَلِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَلَمَّا كَانُوا يُقْتَلُونَ أَلْقَيْتُ قُرْعَةً بِذلِكَ 11وَفِي كُلِّ الْمَجَامِعِ كُنْتُ أُعَاقِبُهُمْ مِرَاراً كَثِيرَةً، وَأَضْطَرُّهُمْ إِلَى التَّجْدِيفِ وَإِذْ أَفْرَطَ حَنَقِي عَلَيْهِمْ، كُنْتُ أَطْرُدُهُمْ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي فِي الْخَارِجِ 12وَلَمَّا كُنْتُ ذَاهِباً فِي ذلِكَ إِلَى دِمَشْقَ، بِسُلْطَانٍ وَوَصِيَّةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، 13رَأَيْتُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ فِي الطَّرِيقِ، أَيُّهَا الْمَلِكُ، نُوراً مِنَ السَّمَاءِ أَفْضَلَ مِنْ لَمَعَانِ الشَّمْسِ قَدْ أَبْرَقَ حَوْلِي وَحَوْلَ الذَّاهِبِينَ مَعِي 14فَلَمَّا سَقَطْنَا جَمِيعُنَا عَلَى الأَرْضِ، سَمِعْتُ صَوْتاً يُكَلِّمُنِي بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ: شَاوُلُ شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ 15فَقُلْتُ أَنَا: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ.

وقف بولس أمام نبلاء شعبه وضبّاط القوى الاستعماريّة، بدون عقد نفسيّة أو خجل بضعفه، بل امتلأ برسالته ورفع يده، كأنّه يريد أن يهدّئهم، ودافع عن نفسه بسرور، لأنّ الملك أغريباس الثاني كان يعرف إِلى حَدٍّ ما مستوى وعمق المسائل اليهوديّة الدينيّة، فرجا بولس أن يكون الملك فاهماً المشكلة.

لم يبتدئ بولس احتجاجه بسرد مبادئ وأسئلة وأفكار، بل رسم أمام مستمعيه تاريخ حياته. فالرَّسول كان واقعيّاً روحيّاً، متجنّباً الآراء الفارغة، وضاحكاً على التَّخيُّلات الخدَّاعة، وبنى نفسه على تدخّل الله في تاريخ البشر.

وكان اليهود، الّذين أرادوا أن يعرفوا شيئاً دقيقاً عن ماضي بولس، قد استخبروا أنّه كان فريسيّاً مُتزمِّتاً، ولم يتفلسف بحفظ الشريعة وقتاً طويلاً، بل أَحبَّ الله بكلّ قوّة إرادته وروحه ونفسه وجسده. فالقدُّوس المجيد كان هدفَ تفكيره، وحفظ الناموس (الشريعة) حَرفيّاً، ظهر له أنّه الطريقُ الوحيدُ إليه، وبالإضافة إلى هذا التَّعصُّب الدِّيني، ترقّب بولس مع كلّ الناموسيين (الشريعيين) تَحقُّقَ الوعود الإلهيّة لآباء الإيمان، أنَّ الرَّجاءَ العظيمَ سَيتمُّ قريباً، ويأتي المسيح بحكمه وسلطانه وسلامه إلى الأرض، فلأجل ترقّب المسيح كان بولس واقفاً أمام المحكمة.

وربّما ظهر في هذه اللحظة عُبُوسٌ على محيّا الملك، كأنّما يريد أن يقول لبولس: ليس لأجل الرجاء بمجيء المسيح أنت واقفٌ هنا، بل لاِدِّعائك أنّه قد أتى وصُلب ودُفن وقام. هذا لبّ المشكلة الخطيرة.

وقد قرأ بولس ما كان يجول بخاطر الملك، وقبل أَن ينطق به جاوبه الرسول قائلاً: لم لا تؤمنون إذاً بالله، إنّه قادرٌ أن يقيم الموتى؟ فالسؤال حول المسيح يتمركز دائماً في القبر الفارغ، وفي انتصار الرّبّ على الموت، فآية يونان تبقى حجر عثرة أو أساساً للكنيسة. فبماذا تفكّر أنتَ شخصيّاً؟ هل تعتقد أنّ جسد يسوع قد فسد في القبر، أَم تؤمن أنّ الإنسانَ يسوع عائشٌ في المجد، ومالكٌ مع أبيه وآتٍ إلينا قريباً؟ إنّ هذا الإيمان ليس سهلاً، بل يتمّ بواسطة إنارة الرّوح القدس، وينمو في الّذي يقرأ كلمة الله باستمرار.

وقد أبغض بولس في السابق هذه الرسالة، ورفض بغيظ الفكرة أنَّ يسوعَ الناصري المصلوب المحتقر، هو المسيح وابن الله بالذات، واعتبر بولس هذه العقيدة تجديفاً، وابتدأ باسم المجلس اليهودي اضطهاداً شاملاً ضدّ المسيحيين، وأغلق بيده أبواب السجون على المؤمنين السجناء، واشتكى على القدّيسين الممتلئين بالرّوح القدس أمام المحاكم المحليّة، حتّى قتلوا بالجملة. وخلال الاستنطاق في كلّ مجامع أورشليم وكورة اليهودية، كان يجبر المؤمنين على الارتداد والشهادة الزائفة بأنَّ يسوع ليس هو المسيح، وأنّهم يرفضون ألوهيته. فأصبح شاول (بولس) سبباً للتجديف مِن البسطاء، لأنّ هذا المتفقّه بالتوراة أجبرهم، ضدّ اختبارات ضمائرهم، على رفض الخلاص بيسوع. وحصل شاول على السلطان مِن المجلس الأعلى، أن يسطو أيضاً في المدن الأجنبيّة على هذه البدعة الخطيرة، فيستأصلها مِن جذورها. وقد مرّن نفسه على ممارسة هذا التعدّي بغيرة وبغضة وحمق.

وبعدئذ ها هوذا يسوع يقف في وجه هذا الشاب، ويضربه بنوره الساطع، فيقع عن فرسه مبهوراً. فبهاء ظهور المسيح كان أعظم مِن إشراق أشعة الشّمس، وضياؤُهُ أسدّ لمعاناً مِن وميض البرق. فاحترق صميم فؤاد بولس وتزعزع قلبه، وظنّ بارتعاب أنّ دينونة الله حلّت عليه وعلى العالم كلّه فجأةً.

إنّ البشير لوقا ذكر هذه القصّة عن لقاء المسيح لبولس، على مشارف دمشق ثلاث مرّات في سفره (الأصحاحات 9 و22 و26)، لكي ندرك أنّ هذا الاختبار هو محور وسرّ كتاب أعمال الرسل، والدافع الحقّ في إنجيله.

والرّبّ المجيد لم يهلك شاول، قاتل قدّيسيه، حسب العدل والحقّ، بل أعلن له في رحمته، أنّه رغم غيرته المتعصّبة لله، فهو عدوّه وضِدٌّ للمسيح، وباطلاً يضطهد المسيحيين، لأنّهم واحد مع ربّهم إلى الأبد. فظنّ بولس في طموحه أنّه كان يُرضي الله، إن هو عذّب المسيحيين وأهلكهم. أمَّا الآن فكشف المسيح له أنّه ليس هو، بل المضطهَدون هم الّذين يُرضون الله، ولكنّ شاول كان عبد الشرّير نابعاً عن البغضة والتجديف والقتل والأحقاد.

في هذه اللحظة انكسر في بولس كلّ كبرياء وشبه كبرياء، وذاب اعتقادُه ببِرِِّهِ الشَّريعي، فأبغضَ نفسَه واستحيا مِن ذاته، وشعر في الوقت نفسه، في صميم قلبه، أنّ الرّبّ العظيم لم يهلكه، بل يحبّه؛ فتجاسر مؤمِناً، وسأله عنِ اسمه طالباً إعلان شخصيته له، ملتمساً نعمة المعرفة، مترقِّباً جواباً مِنَ السَّماء، عالماً أنّه في ذاته مجرمٌ قاتلٌ عدوُّ الله.

ولم يرفض يسوع الطَّالِبَ، بل كلَّمه بلغةٍ واضحةٍ كأنَّهُ يقول: إنّي أَنا يسوع، وأنت متفكّرٌ أنّي مَصلوبٌ ميتٌ فاسدٌ ومتفتِّتٌ، لا أنا حيٌّ مجيد، وواحدٌ معَ الله يا شاول يا مسكين، لقد فكّرت أن الصّليب كان عقوبتي. لا ثمّ لا، فأنا قد مت لأجلك واحتملت عقوبة البشر جميعاً، أنا البارّ بذلت نفسي لأجلكم أنتم الظالمين. أنا بريءٌ أمّا أنتَ فهالكٌ. فتُب عاجلاً وارجع إليَّ، وغيِّر أفكارَكَ لأنّي ها أنذا حَيٌّ وكياني هو حَجرُ الزَّاوية، فإِمَّا أن تبني نفسك عليّ، أو تنسحق بواسطتي.

أيّها الأخ العزيز، هل أدركتَ يسوعَ حقّاً؟ هل رأيتَه أمامَك حيّاً؟ هل سلّمتَ له حياتك نِهائيّاً؟ هل تَعيشُ في انسجامٍ مع روح الله؟ لا تنسَ أنَّ المسيحَ المنتصرَ حيٌّ كائنٌ وحاضرٌ في كلّ حينٍ ومكان، ويضم كُلَّ مؤمنٍ في موكبِ نُصْرَتِه.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، إِنَّكَ حيٌّ، وحاضرٌ، وآتٍ بواسطة إنجيلك إلينا. وأنتَ لا تُهلِكُنا حسبَ آثامنا، بل تُخلِّصُنا بمحبّتك الأبديّة. اكشف ذنوبنا بنورك، وأَمِتْ عنادنا، لِنحبَّ جَذبَ روحك، ولنستسلمَ لكَ نهائيّاً، ونَقبلَ نعمتك فَتحلّ في قلوبنا. تعالَ أيّها الرّبّ يسوع إلى قلبي، وإلى قلوب الّذين ينتظرونك. أشكرك لأنّك حيّ، وحللت فيّ. آمين.

26: 16 وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ، لأَنِّي لِهذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِماً وَشَاهِداً بِمَا رَأَيْتَ، وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ، 17مُنْقِذاً إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ، 18لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللّهِ، حتّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا، وَنَصِيباً مَعَ الْمُقَدَّسِينَ19مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ لَمْ أَكُنْ مُعَانِداً لِلرُّؤْيَا السَّمَاوِيَّةِ، 20بَلْ أَخْبَرْتُ أَّوَلاً الَّذِينَ فِي دِمَشْقَ وَفِي أُورُشَلِيمَ، حتّى جَمِيعِ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ، ثُمَّ الأُمَمَ، أَنْ يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللّهِ عَامِلِينَ أَعْمَالاً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ 21مِنْ أَجْلِ ذلِكَ أَمْسَكَنِي الْيَهُودُ فِي الْهَيْكَلِ وَشَرَعُوا فِي قَتْلِي 22فَإِذْ حَصَلْتُ عَلَى مَعُونَةٍ مِنَ اللّهِ بَقِيتُ إِلَى هذَا الْيَوْمِ، شَاهِداً لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَأَنَا لا أَقُولُ شَيْئاً غَيْرَ مَا تَكَلَّمَ الأَنْبِيَاءُ وَمُوسَى أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ: 23إِنْ يُؤَلَّمِ الْمَسِيحُ، يَكُنْ هُوَ أَّوَلَ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، مُزْمِعاً أَنْ يُنَادِيَ بِنُورٍ لِلشَّعْبِ وَلِلأُمَمِ“.

لم يسمح المسيح لشاول المنسحق أن يتشاءم وييأس في معرفة خطاياه، بل طلب منه إطاعَة الإيمان رأساً، وشجّعه وأمره أن يعمل خطوات جريئة إلى الأمام، لأنّ ظهور المسيح عنى للقاتل العنيد رحمةَ الغفران، ودعوةً إلى الخدمة، وإرساله إلى الفاسدين. لم يختر يسوعُ بولسَ شاهداً له، لكي يناقش معارف نظرية، أو يشعر بتموّجات العواطف، بل ليقول لجميع النّاس ويخبرهم كيف رأى الرّبَّ الحيَّ. هكذا أصبح المسيح المجيد مضمونَ شهادة بولس. وربّه أكّد له حمايته الشَّخصيّة ومرافقته، لكي لا يذهب منفرداً إلى اليهود والأمم، بل ممتلئاً باسم يسوع في قوّته، فمَن يعمل ضدّ بولس ويقبض عليه يتعدّى على الله بالذات.

أيّها الأخ، هل سمعت دعوة المسيح إلى التبشير؟ هل أدركت يسوع في مجده في الإنجيل؟ إِذاً فادرس معنا أمر الرّبّ للشهادة والخدمة الفعالة في العدد 18 حرفيّاً، فتفهم مقاصد المسيح ومعاني التبشير السبعة.

1 – أخوك الإنسان يحتاج لانفتاح عينيَ ذهنهِ الأعمى، بواسطة شهادتك عن المسيح الحيّ الحاضر.

2 – عندئذٍ يعرف ربَّه يسوعَ نور العالم، ويترك ظلماته بعزم وتوبة صادقة.

3 – وبما أنّ كلّ إنسان طبيعي مقيَّد بسلاسل الشَّيطان وقدرته الخبيثة، فهو يحتاج إلى خلاص المسيح، الّذي يحرّره في أعماق قلبه بقدرته الإلهيّة.

4 – مَن يؤمن بالمسيح المصلوب، يخلص مِن غضب الله والدينونة، ويتقدّم إلى القدّوس، خادماً ساجداً فرحاً.

5 – في ارتباطنا بالله يتحقّق غفران خطايانا وتطهير قلوبنا عمليّاً.

6 – حيث يحلّ الرّوح القدس في قلب مستعدّ يكون هو عربون المجد الآتي فينا.

7 – إِنّنا لا نكسب هذه المواهب الرّوحيّة كلّها بواسطة حفظ الشرائع، بل بواسطة الإيمان بالمسيح الحيّ، الّذي يعمل ويخلّص كلّ الّذين يلتجئون إليه.

أيّها القارئ العزيز، هل تحرّرت شخصيّاً مِن سلطان الشيطان، وتخدم الله بقلب مطهّر؟ هل اعترفت بخطاياك، وتركتها حقّاً، وتسلك في نور المسيح؟ عندئذ يدعوك الرّبّ القدير أن تخبر النّاس بخلاصه، لكي يَخلص كثيرون بواسطة شهادتك. أصغِ بدقّة إلى ما يقوله الرّوح القدس لك:

وقال بولس للملك أغريباس: إنّ ظهور المسيح وأمره غلباني، فأطعتُ رأساً ربّ المجد، فالتقائي بالمسيح هو دافع أعمالي، فكان ينبغي لي أن أبشّر بالتوبة والرجوع إلى المخلّص في دمشق والقدس، وفي كلّ أماكن المسكونة، إنّ المسيح حي، فأبشّر وأنادي وأقول لهم: ارجعوا عن أعمالكم الميتة، واخدموا الله القدّوس. موتوا لكبريائكم، ونفّذوا إرادة الرّبّ في قوّة الرّوح القدس. لا تستمرّوا في تخيّلاتكم الأنانيّة، ولا تبنوا مستقبلكم على استقامتكم الموهومة، بل أدركوا أنّكم تكادون تكونون شياطين. عندئذٍ تمدُّون أيديكم نحو المسيح ليخلّصكم أنتم، أيّها الأتقياء الوجهاء الشريعيون، أكثر حاجة إلى مخلّص، أمَّا الخطاة والمجرمون فهم يعرفون تلقائيّاً حاجتهم إلى التوبة والحياة الجديدة.

ولأجل هذه الشهادة عن حاجة النّاس للخلاص الّذي تمّ في المسيح، المصلوب والمُقام مِن الأموات، أبغض اليهود بولس، فليس تنجيس الهيكل، ولا الفتنة، ولا إنكار الشريعة هي الأسباب لهجوم المتعصّبين في أورشليم على بولس، بل محبّته ليسوع المسيح وشهادته الفعّالة، فلهذا حاول اليهود قتله، لأنّهم لم يؤمنوا أنّ يسوع المصلوب حيّ، فامتنعوا عن هذا الفكر، ولولاه لكان عليهم أن يعترفوا أنّهم كلّهم قتلة ابن الله وهالكون.

والرّبّ يسوع حفظ عبده في الهيكل مِن الجمهور الصاخب، لكي يستطيع أن يستمرّ بشهادته، أمام الملوك والبسطاء، الفلاسفة والجهلاء، بحقّ الحقيقة الإلهيّة. وشهادته تنسجم تماماً مع التوراة والأنبياء، أنّ ابن الله لم يأت كمخلّص سياسي، إنّما هو حمل الله الّذي يرفع خطيئة العالم. فلهذا وُلد الإنسان يسوع مِن روح الله، ليصالح البشر مع الله فلم يستطع أحدٌ آخر القيام بهذه المهمّة، إلاّ هو، فأثبت أنّه القادر على كلّ شيء، لأنّه قد غلب الموت، ومنحنا الحرّية مِن عبوديّة الخطيئة، وأعفانا مِن غضب الله. فليس الخلاصُ لليهود فقط، بل هو مفتوحٌ لكلِّ الأمم. المسيح هو المنتصر، وإنجيله ينتقل إلى كلّ البلدان بلا مانع، ونوره يشرق في الظلمة.

26: 24 وَبَيْنَمَا هُوَ يَحْتَجُّ بِهذَا، قَالَ فَسْتُوسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: أَنْتَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! الْكُتُبُ الْكَثِيرَةُ تُحَّوِلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ 25فَقَالَ: لَسْتُ أَهْذِي أَيُّهَا الْعَزِيزُ فَسْتُوسُ، بَلْ أَنْطِقُ بِكَلِمَاتِ الصِّدْقِ وَالصَّحْوِ 26لأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ هذِهِ الأُمُورِ، عَالِمٌ الْمَلِكُ الَّذِي أُكَلِّمُهُ جِهَاراً، إِذْ أَنَا لَسْتُ أُصَدِّقُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ، لأَنَّ هذَا لَمْ يُفْعَلْ فِي زَاوِيَةٍ 27أَتُؤْمِنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ بِالأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ 28فَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِبُولُسَ: بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيّاً 29فَقَالَ بُولُسُ: كُنْتُ أُصَلِّي إِلَى اللّهِ أَنَّهُ بِقَلِيلٍ وَبِكَثِيرٍ، لَيْسَ أَنْتَ فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً جَمِيعُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَنِي الْيَوْمَ، يَصِيرُونَ هكَذَا كَمَا أَنَا، مَا خَلا هذِهِ الْقُيُودَ.

26: 30 فَلَمَّا قَالَ هذَا قَامَ الْمَلِكُ وَالْوَالِي وَبَرْنِيكِي وَالْجَالِسُونَ مَعَهُمْ، 31وَانْصَرَفُوا وَهُمْ يُكَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَائِلِينَ: إِنَّ هذَا الإِنْسَانَ لَيْسَ يَفْعَلُ شَيْئاً يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ أَوِ الْقُيُودَ 32وَقَالَ أَغْرِيبَاسُ لِفَسْتُوسَ: كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُطْلَقَ هذَا الإِنْسَانُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَفَعَ دَعْوَاهُ إِلَى قَيْصَرَ“.

أدرك الوالي الفخور أنَّ بولس سمَّى بكلماته السابقة كلَّ آلهة الرومان واليونان ظلمة، وأبرز المسيح كنور العالم الوحيد، وكان هذا صعب الاحتمال على الوالي المتعجرف، لأنّ الأسير قال أمامه إِنَّ ميتاً قد أضحى مخلّصاً للعالم، وهو أقوى مِن القيصر، وألمع مِن كلّ آلهة الدنيا؛ فصرخ فستوس بصوت عالٍ أمام الحضور، قائلاً: أنت تهذي يا بولس، وقد تجاوزت مقياس أفكارك. فتأمُّلاتك التَّوراتيَّة وصَلَواتُكَ المستمرَّة قد جعلت عينيك تغبشان.

فهم بولس أَنَّ الوالي لم يقدر أن يفهمه، لأنّه ليس أحد يستطيع أن يدعو يسوع ربّاً إلا بالرّوح القدس، فجاوب ذلك الفخور: أنا لستُ مجنوناً، بل أتكلّم بتأنّ وبحذر الحقّ عينهِ، فلست غارقاً بالتحمّس، ولا مأخوذاً بغيبوبة، بل أثبت في حقيقة المسيح، الّذي هو حيٌّ ومجيدٌ. وفجأةً أشار بولس للملك أغريباس، وجعله شاهداً، أنّه يعلم كلّ هذه الأمور، لأنّ كلّ يهودي كان عالماً أنّ يسوع الناصري قد صُلب والمسيحيون يشهدون بقيامته فرحين.

وكلّم بولس الأسير الملك المتعجرف أمام حاشيته شخصيّاً، وسأله بالصواب: هل تؤمن أنت بالإنجيل المذكور في الأنبياء؟ هل تعترف بالمسيح مُعذّباً ومُقاماً مِن الأموات حسب التوراة؟ وأبصر بولس كيف اضطرب قلب الملك، ولم يغلط نفسه تجاه الحقّ المعلن في العهد القديم، ولم يجب بحرف. فقال الرسول عوضاً عن المتباطئ في الإجابة: أنا أعلم أيُّها الملك أنّك تؤمن. لقد كان بولس نبيّاً، وقرأ أفكار الملك، وجذبه إلى الاعتراف بإيمانه. ولكنَّ هذا الملك استمرَّ متباطئاً، وخجل مِن الجمهور، وقال متمتماً: لعلّني صرت مؤمناً وإن أتممتَ قولك تُقنعني، وتملأ رأسي بأفكارك، فأسقط فريسة لمسيحك.

عندئذ تهلّل بولس في قلبه، لمّا رأى عمل الرّوح القدس في فؤاد ملك أمّته، وصرخ: لست أنا الأسير، بل أنتم العبيد في خطاياكم. تعالوا إلى يسوع المخلّص، فهو يحرّركم. فأنا حرٌّ رغم قيودي. ليتَ الله يمنحك أيّها الملك الامتلاء بالرّوح القدس مع أختك برنيكي، والوالي الروماني، وكلّ الضباط والموظفين ووجهاء قيصرية.

فواجه بولسُ الجميعَ وهاجمهم بمحبّته. كانت كلماته ناراً ساطية. وخرجت مِن عينيه أشعة رحمة. فلقد امتلأ مِن الرّوح القدس.

عندئذ قام الملك ولم يُجب بشيء، لأنّ قوّة الإنجيل أصابته، وحرّكت ضميره، وكلّ الحضور لاحظوا أنّ بولس رجلٌ مستقيمٌ، وشهدوا ببراءته فليس أحدٌ ترك قاعة المحاكمة، إلاّ وقد تأثّر بهذا الاحتجاج الغريب، حيث أدان الأسير المفتشين، وأصاب كلّ القلوب بكلمة الله. وقال الملك أخيراً متأثّراً بالجو: لقد كان ممكنا أن نطلق هذا الإنسان، ولكنّه طلب بنفسه نقل محاكمته إلى حضرة القيصر؛ فعلينا إرساله إلى روما. وهذا الجواب الملكي لم يعنِ أنّ بولس كان حقّاً سيطلق حُرّاً لولا طلبه المثول أمام القيصر، لأنّ المجلس اليهودي الأعلى لم يوافق قَطّ على تخلية سبيله والوالي فستوس كان مضطراً أن يتعاون مع نوّاب الشعب، فبقي بولس أسير رومية حسب إرادة ربّه الحيّ.

الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك، لأنّك حيّ. وقَد فَديت كلّ تائب. ساعدنا لننقل برّك وحقّنا إلى كلّ الأنحاء، لكي يَخلص كثيرون مِن خطاياهم، ويتحرّروا مِن سلطة الشيطان العنيفة. املأنا بصبر وعزم روحك القدّوس، لكي نتقدّم بجرأة وتواضع مُنادين بإنجيلك العظيم.

آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ

فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ

(شهادة بولس الرسول حسب أعمال الرسل 16: 31)

سادساً: الإبحار مِن قيصرية إلى روما

(27: 1 – 28: 31)

1الانتقال إلى صيدا ثم إلى كريت

(27: 1 – 13)

27: 1 فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الرَّأْيُ أَنْ نُسَافِرَ فِي الْبَحْرِ إِلَى إِيطَالِيَا، سَلَّمُوا بُولُسَ وَأَسْرَى آخَرِينَ إِلَى قَائِدِ مِئَةٍ مِنْ كَتِيبَةِ أُوغُسْطُسَ اسْمُهُ يُولِيُوسُ 2فَصَعِدْنَا إِلَى سَفِينَةٍ أَدْرَامِيتِينِيَّةٍ، وَأَقْلَعْنَا مُزْمِعِينَ أَنْ نُسَافِرَ مَارِّينَ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي فِي أَسِيَّا وَكَانَ مَعَنَا أَرِسْتَرْخُسُ، رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ مِنْ تَسَالُونِيكِي 3وَفِي الْيَوْمِ الآخَرِ أَقْبَلْنَا إِلَى صَيْدَاءَ، فَعَامَلَ يُولِيُوسُ بُولُسَ بِالرِّفْقِ، وَأَذِنَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَصْدِقَائِهِ لِيَحْصُلَ عَلَى عِنَايَةٍ مِنْهُمْ 4ثُمَّ أَقْلَعْنَا مِنْ هُنَاكَ وَسَافَرْنَا فِي الْبَحْرِ مِنْ تَحْتِ قُبْرُسَ، لأَنَّ الرِّيَاحَ كَانَتْ مُضَادَّةً 5وَبَعْدَ مَا عَبَرْنَا الْبَحْرَ الَّذِي بِجَانِبِ كِيلِيكِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ، نَزَلْنَا إِلَى مِيرَا لِيكِيَّةَ 6فَإِذْ وَجَدَ قَائِدُ الْمِئَةِ هُنَاكَ سَفِينَةً إِسْكَنْدَرِيَّةً مُسَافِرَةً إِلَى إِيطَالِيَا أَدْخَلَنَا فِيهَا 7وَلَمَّا كُنَّا نُسَافِرُ رُوَيْداً أَيَّاماً كَثِيرَةً، وَبِالْجَهْدِ صِرْنَا بِقُرْبِ كِنِيدُسَ، وَلَمْ تُمَكِّنَّا الرِّيحُ أَكْثَرَ، سَافَرْنَا مِنْ تَحْتِ كِرِيتَ بِقُرْبِ سَلْمُونِي 8وَلَمَّا تَجَاوَزْنَاهَا بِالْجَهْدِ، جِئْنَا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُالْمَوَانِي الْحَسَنَةُ الَّتِي بِقُرْبِهَا مَدِينَةُ لَسَائِيَةَ 9وَلَمَّا مَضَى زَمَانٌ طَوِيلٌ، وَصَارَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ خَطِراً، إِذْ كَانَ الصَّوْمُ أَيْضاً قَدْ مَضَى، جَعَلَ بُولُسُ يُنْذِرُهُمْ 10قَائِلاً: أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَنَا أَرَى أَنَّ هذَا السَّفَرَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ وَخَسَارَةٍ كَثِيرَةٍ، لَيْسَ لِلشَّحْنِ وَالسَّفِينَةِ فَقَطْ، بَلْ لأَنْفُسِنَا أَيْضاً 11وَلكِنْ كَانَ قَائِدُ الْمِئَةِ يَنْقَادُ إِلَى رُبَّانِ السَّفِينَةِ وَإِلَى صَاحِبِهَا أَكْثَرَ مِمَّا إِلَى قَوْلِ بُولُسَ. 12وَلأَنَّ مَوْقِعَ الْمِينَا لَمْ يَكُنْ صَالِحاً لِلْمَشْتَى، اسْتَقَرَّ رَأْيُ أَكْثَرِهِمْ أَنْ يُقْلِعُوا مِنْ هُنَاكَ أَيْضاً، عَسَى أَنْ يُمْكِنَهُمُ الإِقْبَالُ إِلَى فِينِكْسَ لِيَشْتُوا فِيهَا، وَهِيَ مِينَا فِي كِرِيتَ تَنْظُرُ نَحْوَ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ الْغَرْبِيَّيْنِ 13فَلَمَّا نَسَّمَتْ رِيحٌ جَنُوبٌ، ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ مَلَكُوا مَقْصَدَهُمْ، فَرَفَعُوا الْمِرْسَاةَ وَطَفِقُوا يَتَجَاوَزُونَ كِرِيتَ عَلَى أَكْثَرِ قُرْبٍ.

مَضَى على بولس سنتان طويلتان وهو في السجن، وقد ملأهما بالصلوات والهدوء والتأمّلات والرسائل، والتكلّم المباشر مع أفراد. وأخيراً أرسل الوالي بولسَ إلى روما. ولم يتمّ هذا الإبحار في باخرة فخمة، إنّما أُرسل الرسول كأسيرٍ مع مقيَّدين آخرين، ما كانوا على الأغلب رومانيين، بل أَسرى مبعوثين إلى روما، ليُلقَوا إلى السيرك، حيث عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم أمام الأسود الجائعة، وإلاّ التهمتهم الوحوش.

ولم يكن بولس منفرداً، بل رافقه لوقا الطبيب وأرسترخس الوفي، ومِن الآن فصاعداً، نقرأ مرّة أخرى في أعمال الرسل الأخبار بصيغة الجمع “نحن”. فلم تنته شركة القدّيسين عند الآلام والضيقات، بل تأصّلت أكثر، وثبتت في أخطار الموت. وقد جمع لوقا خلال السنتين مِن سجن بولس تفاصيل إنجيله، وسِفر أعمال الرسل مِن شهود العيان، ونسخ نصوصاً مِن كلمات المسيح المجموعة، وحمل هذا الكنز الفريد الثَّمين معه في السفر الخطر الطويل، ولم يذكر نفسه بأخباره ولا بكلمته ولا في إنجيله المُخبَّأ في محفظة، لكي لا يتسرّب الماء إليه، فنرى بهذه السفرة تعزية أنّ رجالاً ثلاثة اجتمعوا في شركة المحبّة، غالبين بصلواتهم كلّ العراقيل، الّّتي تعوقهم عن الاستمرار نحو رومية.

فاتجهوا بحراً إلى صيداء، حيث كان يعيش فريق مِن المؤمنين، فأَذِنَ الضابطُ والإنسانيُّ يوليوس لبولس أن ينزل إلى الشاطئ واثقاً به، إذ عرفه مِن سجنه في قيصرية. والأغلب أنّ بولس في هذا الوقت كان مقيّداً يداً بيد، مع جندي حسب النظام الروماني، ولكن ما كانت السلسلة لتمنع بولس مِن التبشير بالإنجيل الكامل.

 وبعد إقلاعهم صوب الأناضول، ابتدأت الرياح تهبّ ضدّ اتجاه السفينة، وبما أنّ الشراع كان ثابتاً غير منتقل، فلم تستطع السفينة التقدّم ضدّ الريح، بل اضطروا للتجديف مع التيّار رغم انقفال الشراع والتفافه، فأبحروا في حماية الجبال القبرصية بدون ريح إلى الغرب نحو روما البعيدة، وأخيراً وصلوا إلى ميراليكيّة الأناضوليّة، حيث وجدوا سفينة شراعية كبيرة شاحنة القمح إلى روما، فنقل الأسرى عليها. وهكذا اكتملت على ظهر هذه السفينة الشحنة المعتادة، لأنّ العاصمة كانت تتطلّب خبزاً وألعاباً، أي غذاء رخيصاً مِن المستعمرات وعبيداً لاعبين في السيرك، حيث تسفك دماؤهم أنهراً، وبهذه الطريقة أرضى القياصرة الغوغاء الكسالى في روما، لكي يساندوا حكمهم. وحتّى اليوم نجد المبادئ نفسها في بعض الدول، الخبز الكثير للغوغاء والألعاب العجيبة للتغلّب على الملل.

وكانت الرياح مضادة لسفرة بولس الأخيرة على طول الخط، كأنّ أرواح الشرّ كانت تمانع تَقدُّمَ الإنجيل إلى رومية، وبغضة جهنّم استعدّت للسطو على بولس ورفقائه، وشعر الرسول بتألب الظلمة على نفسه، وتنبأ بالضيق المقبل، وحذّر الضابط والربّان وصاحب السفينة مِن إكمال السفر، لمّا وصلوا إلى ميناء بسيط على جزيرة كريت، واسمه على غير حقيقته (الميناء الصالح). وحقّاً فإنّ المسؤولين استغنوا عن خُطَّتهم للإبحار إلى رومية وسط العواصف الشَّتويّة، ولكنهم أرادوا أن يُشَتُّوا في بلدة يتمتّعون فيها، وليس في قرية جدباء، فأبحروا عند أوّل هبوب للريح الّذي بان كأنّه صالح، ولكنّه كان كطعم مِن الشرّير ليجذبهم إلى قاعه، ليخرّب السفينة ومَن عليها برياح أرواحه. لا يريد إبليس منعَ الإنجيل فقط، بل محوه وإبادة رسل المسيح أيضاً بدون رحمة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ الحنون، ساعدنا لنصغي دائماً إلى صوتك، لكيلا نهلك أنفسنا وَأَنفُسَ أصدقائنا. علّمنا أن نطيع صوتك، ونثبت في حمايتك.

2العاصفة البحريّة وانكسار السفينة عند جزيرة مالطة

 (27: 14 – 44

27: 14 وَلكِنْ بَعْدَ قَلِيلٍ هَاجَتْ عَلَيْهَا رِيحٌ زَوْبَعِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا أُورُوكْلِيدُونُ 15فَلَمَّا خُطِفَتِ السَّفِينَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تُقَابِلَ الرِّيحَ، سَلَّمْنَا، فَصِرْنَا نُحْمَلُ 16فَجَرَيْنَا تَحْتَ جَزِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا كَلَوْدِي وَبِالْجَهْدِ قَدِرْنَا أَنْ نَمْلِكَ الْقَارِبَ 17وَلَمَّا رَفَعُوهُ طَفِقُوا يَسْتَعْمِلُونَ مَعُونَاتٍ، حَازِمِينَ السَّفِينَةَ، وَإِذْ كَانُوا خَائِفِينَ أَنْ يَقَعُوا فِي السِّيرْتِسِ، أَنْزَلُوا الْقُلُوعَ، وَهكَذَا كَانُوا يُحْمَلُونَ 18وَإِذْ كُنَّا فِي نَوْءٍ عَنِيفٍ، جَعَلُوا يُفَرِّغُونَ فِي الْغَدِ 19وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَمَيْنَا بِأَيْدِينَا أَثَاثَ السَّفِينَةِ. 20وَإِذْ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ وَلا النُّجُومُ تَظْهَرُ أَيَّاماً كَثِيرَةً، وَاشْتَدَّ عَلَيْنَا نَوْءٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ، انْتُزِعَ أَخِيراً كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا 21فَلَمَّا حَصَلَ صَوْمٌ كَثِيرٌ، حِينَئِذٍ وَقَفَ بُولُسُ فِي وَسَطِهِمْ وَقَالَ:كَانَ يَنْبَغِي أَيُّهَا الرِّجَالُ أَنْ تُذْعِنُوا لِي وَلا تُقْلِعُوا مِنْ كِرِيتَ، فَتَسْلَمُوا مِنْ هذَا الضَّرَرِ وَالْخَسَارَةِ 22وَالآنَ أُنْذِرُكُمْ أَنْ تُسَرُّوا، لأَنَّهُ لا تَكُونُ خَسَارَةُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ إِلاَّ السَّفِينَةَ 23لأَنَّهُ وَقَفَ بِي هذِهِ اللَّيْلَةَ مَلاكُ الإِلهِ الَّذِي أَنَا لَهُ وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، 24قَائِلاً: لا تَخَفْ يَا بُولُسُ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَقِفَ أَمَامَ قَيْصَرَ وَهُوَذَا قَدْ وَهَبَكَ اللّهُ جَمِيعَ الْمُسَافِرِينَ مَعَكَ 25لِذلِكَ سُرُّوا أَيُّهَا الرِّجَالُ، لأَنِّي أُومِنُ بِاللّهِ أَنَّهُ يَكُونُ هكَذَا كَمَا قِيلَ لِي 26وَلكِنْ لا بُدَّ أَنْ نَقَعَ عَلَى جَزِيرَةٍ

.

دوّت الزوبعة حول جزيرة كريت، وأهاجت البحر وطردت السفينة مِن الميناء القريب. فحاول البحّارة بكلّ قدرتهم الوصول إلى ذلك الميناء فلم يفلحوا، لأنّ قوَّة العاصفة دفعت السفينة الضخمة بركّابها الستة والسبعين والمائتين في عرض البحر الهائج. والقارب الصغير المجرور وراء السفينة رفعوه إلى السطح، لكيلا يمتلئ ماء ويغرق. وشاهدوا أَثناء انزلاق وتضعضع سفينتهم جزيرةً صغيرة (كلودي) وكأنَّها تمرّ بهم بسرعة؛ ولم يستطيعوا الرسوّ في خليجها، لتدفق الأمواج الهائلة عليهم. وبعدئذ ربطوا السفينة وسط الرياح المدوِّية بحبال غليظة، وأحاطوها بتلك الحبال كشبكة كبيرة، لئلاّ تتكسّر ألواحها في ضربات الأمواج العاتية، إذ كان صنّاع السفن آنذاك يصنعون سفنهم مِن الخشب، ولم يكن لديهم الأدوات الحديثة، الحديد والبراغي الشديدة في تثبيت الأخشاب بعضها ببعض، وبعد ذلك حاول البحّارة إنزال لوحة خشبيّة مثقلة بحجارة، لوضعها في مواجهة الأمواج أمام السفينة، لتخفيف ضربات الأمواج عنها.

وفي اليوم الثاني من مصارعة الأمواج خوفاً مِن الغرق، ألقوا جزءاً مِن القمح في البحر، لكي تخفّ حمولة السفينة، فترتفع عن أشداق الأمواج. ولمّا لم تخفّ حدّة الزوبعة في اليوم الثالث، ألقوا أثاث السفينة إلى البحر، وقطعوا السَّارية الخشبيَّة أيضاً، ورموها مع أشرعتها إلى الموج بكلّ الأدوات الثقيلة، ولكنّ العاصفة دوّت مقهقهة، والبحر زمجر هائجاً، وأكثريَّةُ الرُّكابِ تقيَّأوا وداخوا، ولم تشرق عليهم شمس ولا قمر، فصلّى كثيرون بلجاجة، وصاموا لكي يستجيب لهم الله، ومضت أيام طويلة

 بلياليها، وأصبحت الدقائق كالساعات، ونما اليأس وخيّم التشاؤم، ولم يأت الطبّاخ بالغذاء، فأصبح البحارة والأسرى والعساكر ضعفاء مُتْعَبِين.

عندئذ قام بولس وشجّعهم. ورغم هيجان العناصر، لم يستطع أن يوفّر عليهم التقريع والتوبيخ واللوم. فقال لهم إنّ هذه الكارثة كانت بسبب عدم استماعهم لكلماته، وعدم الثقة بخبرته الصائبة، فكلّ عدم إيمان ينتج خسارة ويكلّف كثيراً مِن المصائب. ولكنّ بولس صلّى لمّا صرخ الآخرون، ورفقاؤه اجتمعوا معه لأجل الابتهال عن العُنُد، فترابطت شركة المحبّة ثابتة في هيجان جهنّم، والمسيح استجاب صلواتهم، وأرسل إلى بولس، في وسط البحر المزمجر، ملاكاً يؤكّد له أنّه لا يموت حتّى يقول للقيصر الروماني الإنجيل. أَجَل نعم إنّ السفينة ستغرق، لأجل عناد صاحبها وربّانها، ولكن كلّ نفس حيّة ستخلص هبة لبولس المصلّي ورفقائه.

أليست هذه الحادثة مثلاً عظيماً لحاضرنا؟ربّما يكون العالم بكامله قد أسلمه غضب الله بسبب خطايانا إلى سلطة الشيطان وأجناده المخرّبة، ولكنّ قدرة المصلّين تحفظ البشر أحياء، فالله يهدي للجميع البقاء لأجل صلوات المؤمنين ورجاء الكنيسة الخادمة.

لم يُلْقِ بولسُ على البحَّارة وركَّاب السَّفينة عظة تبشيريَّةً أو دَرساً لاهوتيّاً، لأنّ السفينة كانت تتمايل وتتأرجح كثيراً، والفزع ملك نفوسهم جميعاً، فشهد بولس بإيمانه الخاصّ الثابت، وهو واقف كصخرة في مهب الأمواج؛ ووثق الرسول بالله، أنّه سيتمّ كلّ شيء كما أخبره الملاك، فصار ينتظر اقترابهم مِن جزيرة واصطدام سفينتهم برمل الشاطئ حتماً، فلا بدّ مِن الخراب! ولكن وسط الخراب كان الخلاصُ أكيداً. أليس هذا جواب الله على مستقبل أوطاننا؟ صلّوا لكي تنجوا وإخوتكم جميعاً، لأنّنا واقعون مع الكلّ في السّفينة المشرفة على الهلاك نفسها، والشيطان يريد أن يهلك حاملي الإنجيل في قلوبهم. فاسهروا وصلّوا، لكيلا تسقطوا في تجربة.

الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ يسوع، لأنّك أرسلت إلى بولس ملاكاً عزّاه وسط اليأس. أرسل إلى كلّ سجينٍ ومتضايقٍ لأجل اسمك معزّي المحبّة، وخلّصنا أيضاً وأهالي أوطاننا في العاصفة الرُّوحيَّة المقبلة على حضارتنا.

27: 27 فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةُ، وَنَحْنُ نُحْمَلُ تَائِهِينَ فِي بَحْرِ أَدْرِيَا، ظَنَّ النُّوتِيَّةُ نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَنَّهُمُ اقْتَرَبُوا إِلَى بَرٍّ 28فَقَاسُوا وَوَجَدُوا عِشْرِينَ قَامَةً وَلَمَّا مَضَوْا قَلِيلاً قَاسُوا أَيْضاً فَوَجَدُوا خَمْسَ عَشْرَةَ قَامَةً 29وَإِذْ كَانُوا يَخَافُونَ أَنْ يَقَعُوا عَلَى مَوَاضِعَ صَعْبَةٍ، رَمَوْا مِنَ الْمُؤَخَّرِ أَرْبَعَ مَرَاسٍ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ 30وَلَمَّا كَانَ لنُّوتِيَّةُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَهْرُبُوا مِنَ السَّفِينَةِ، وَأَنْزَلُوا الْقَارِبَ إِلَى الْبَحْرِ بِعِلَّةِ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَمُدُّوا مَرَاسِيَ مِنَ الْمُقَدَّمِ،

31قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ وَالْعَسْكَرِ: إِنْ لَمْ يَبْقَ هؤُلاءِ فِي السَّفِينَةِ فَأَنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْجُوا 32حِينَئِذٍ قَطَعَ الْعَسْكَرُ حِبَالَ الْقَارِبِ وَتَرَكُوهُ يَسْقُطُ 33وَحتّى قَارَبَ أَنْ يَصِيرَ النَّهَارُ، كَانَ بُولُسُ يَطْلُبُ إِلَى الْجَمِيعِ أَنْ يَتَنَاوَلُوا طَعَاماً، قَائِلاً: هذَا هُوَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ عَشَرَ، وَأَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ لا تَزَالُونَ صَائِمِينَ، وَلَمْ تَأْخُذُوا شَيْئاً 34لِذلِكَ أَلْتَمِسُ مِنْكُمْ أَنْ تَتَنَاوَلُوا طَعَاماً، لأَنَّ هذَا يَكُونُ مُفِيداً لِنَجَاتِكُمْ، لأَنَّهُ لا تَسْقُطُ شَعْرَةٌ مِنْ رَأْسِ وَاحِدٍ مِنْكُمْ 35وَلَمَّا قَالَ هذَا أَخَذَ خُبْزاً وَشَكَرَ اللّهَ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَكَسَّرَ، وَابْتَدَأَ يَأْكُلُ 36فَصَارَ الْجَمِيعُ مَسْرُورِينَ وَأَخَذُوا هُمْ أَيْضاً طَعَاماً 37وَكُنَّا فِي السَّفِينَةِ جَمِيعُ الأَنْفُسِ مِئَتَيْنِ وَسِتَّةً وَسَبْعِينَ.

أربعة عشر يوماً في خطر الأمواج، ذلك وقت طويل، ونصف شهر على سفينة متأرجحة، كأنّما هو الأبديّة، ومَن يفقد اتجاهه وينظر إلى عيني الموت، فإنّه يموت ميتات كثيرة. لكنّ بولس صلّى وآمن واطمأن، لأنّه لم يفقد اتجاهه إلى فوق، وعقرب بوصلته اتّجه نحو الله دائماً، وضميره كان مستريحاً ومطهَّراً بدم المسيح وبِرِّه.

وفجأةً في منتصف الليل أحس البحّارة بِبَرٍّ قريب، وقاسوا العمق سريعاً، فإذا به يتناقص بالتَّتابع كثيراً، فخافوا أن تتحطّم السفينة على الصخرة، فَأَلقوا المراسي إلى القعر لتتمهّل في سيرها، وأنزلوا القارب ليفرّوا به ناجين بأنفسهم. ما أبشعها مِن خيانة! وأدرك بولس الخبير حيلة البحّارة، وأخبر الضابط الّذي لم يتأخّر عن الأمر بقطع حبال القارب، فسقط مبتعداً عن السفينة. لقد أخبر الملاك بولس أنّ الجميع سيخلصون، وليس بعضهم؛ فالشَّيطان حاول، بخداع البحّارة، أن يبطل خطّة الله. وتلك الخديعة قد فشلت فشلاً ذريعاً بسبب انتباه الرسول.

وبعدئذ أدرك بولس أنّهم باتوا بحاجة إلى قوّة جسديّة ونشاط بدني فيلزمهم الأكل، والعون كان قريباً فلا حاجة للاستمرار بالصّيام، فاقترح بولس أن يأكل الجميع جيداً في الليل المدلهم ودويّ العاصفة المخيفة، وظهر مِن هذا أنّ بولس صارت له مكانة الزعيم الرّوحي في السفينة، فسلطانه وتأنّيه وإيمانه وجرأته أثّرت في الجميع، فتطلّعوا إليه بانتباه، لمّا أعلن انتهاء الصِّيام، فكسر الخبزَ، وصلّى أمام الجميع، وشكر الله وسط العاصفة لنعمته، فاندفعوا يأكلون الطعام بشهيّة، بعد الجوع الشديد، مؤمنين أنّ الله سيخلّصهم وقد أكّد لهم بولس باسم ربّه، أنّه لا تسقط شعرة مِن رؤوسهم، رغم أنّ السفينة آنئذ كانت متخلخلة تتلاعب بها الأمواج، وقد دخلتها المياه مِن بعض جوانبها. لكنّ إيمان الرَّسول نما رغم نمو الصعوبات وتزايدها، وكان وعد المسيح له أهمَّ مِنَ الضيق الذي واجهه.

27: 38 وَلَمَّا شَبِعُوا مِنَ الطَّعَامِ طَفِقُوا يُخَفِّفُونَ السَّفِينَةَ طَارِحِينَ الْحِنْطَةَ فِي الْبَحْرِ 39وَلَمَّا صَارَ النَّهَارُ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ الأَرْضَ، وَلكِنَّهُمْ أَبْصَرُوا خَلِيجاً لَهُ شَاطِئٌ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ السَّفِينَةَ إِنْ أَمْكَنَهُمْ 40فَلَمَّا نَزَعُوا الْمَرَاسِيَ تَارِكِينَ إِيَّاهَا فِي الْبَحْرِ، وَحَلُّوا رُبُطَ الدَّفَّةِ أَيْضاً، رَفَعُوا قِلْعاً لِلرِّيحِ الْهَابَّةِ، وَأَقْبَلُوا إِلَى الشَّاطِئِ 41وَإِذْ وَقَعُوا عَلَى مَوْضِعٍ بَيْنَ بَحْرَيْنِ، شَطَّطُوا السَّفِينَةَ، فَارْتَكَزَ الْمُقَدَّمُ وَلَبِثَ لا يَتَحَرَّكُ وَأَمَّا الْمؤَخَّرُ فَكَانَ يَنْحَلُّ مِنْ عُنْفِ الأَمْوَاجِ 42فَكَانَ رَأْيُ الْعَسْكَرِ أَنْ يَقْتُلُوا الأَسْرَى لِئَلاَّ يَسْبَحَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَيَهْرُبَ 43وَلكِنَّ قَائِدَ الْمِئَةِ، إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخَلِّصَ بُولُسَ، مَنَعَهُمْ مِنْ هذَا الرَّأْيِ، وَأَمَرَ أَنَّ الْقَادِرِينَ عَلَى السِّبَاحَةِ يَرْمُونَ أَنْفُسَهُمْ أَّوَلاً فَيَخْرُجُونَ إِلَى الْبَرِّ، 44وَالْبَاقِينَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَلْوَاحٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى قِطَعٍ مِنَ السَّفِينَةِ فَهكَذَا حَدَثَ أَنَّ الْجَمِيعَ نَجَوْا إِلَى الْبَرِّ.

وفي الفجر أدركوا بفرح أنّ الله لم يرشدهم إلى منطقة صخريّة على الشاطئ بأمواج ضاربة هائجة مميتة، بل قادهم نحو خليج صغير هادئ وشاطئه رملي لطيف؛ فتشجّعوا لأنّ القادر على كلّ شيء، قاد سفينتهم المتراقصة وسط هيجان العناصر إلى جزيرة مالطة، ولم تنكسّر السفينة قبل الوصول. وأخذت الريح تقودهم في النهاية نحو الشاطئ الضحل المياه، وفجأة حدثت صدمة عظيمة، لأنهم اصطدموا بكثيبٍ رمليٍّ، فانغرز مقدّم السفينة في الرمل بشدّة، بينما انكسرت مؤخّرتها مِن عنف الصدمة وتلاطم الأمواج، فدخلها الماء كشلالات أنهر، فرفع العساكر سيوفهم سريعاً لقتل الأسرى، لأنّهم إن تركوهم يفلتون مِن بين أيديهم، فسيُلقَون هُم إلى الأسود بدلاً منهم. وهكذا أراد الشيطان حتّى آخر لحظة إبطال خلاص بولس، ومنع وصول الإنجيل إلى روما.

ولكنّ المسيح استخدم الضابط الإنسانيّ يوليوس الّذي راقب بولس في الأيام الماضية الصعبة وضيقاتها الهائلة، فوثق بنبوّة الرسول أَنَّ البَرَّ الّذي أمامهم هو جزيرةٌ، فلا يستطيع أحد الأسرى الهروب مِنها، فأمر بعدم قتل السجناء، ونظّم بانتباه طريقة إنزال جميع المسافرين عند انفجار السفينة، فسبح البعض إلى الشاطئ، وتمسّك بعضهم الآخر بألواح خشبيّة، ولم يغرق أحَدٌ في الأمواج المتعالية، فالجميع البالغ عددهم 276 شخصاً وصلوا إلى البرّ سالمين، ووقفوا على الصخور مبتلّين، مرتجفين مِن البَرْدِ وعظَّموا الله لخلاصهم.

ولقد أتمّ المسيح وعده لبولس، ومنح لأجله الحياةَ للضابط، والربّان، وصاحب السفينة، وكلّ ركّابها وسجنائها. وبنجاة بولس ورفيقيه، لوقا وأرسترخس، نجت نصوص ومخطوطات إنجيل لوقا وسِفر الأعمال، الّّتي كانت مخيّطة ضمن جلد، لا تتسرّب إليه المياه. فأراد المسيح ونفّذ إرادته، أن يصل الرسول والإنجيل إلى روما. ولا أحد يقدر أن يمنعه مِن تحقيق إرادته الخلاصيّة.

الصّلاة: أيّها الرّبّ القدير، نشكرك لأنّك خلَّصت بولس وكلّ رُكاب السفينة مِن الغرق في البحر. فنؤمن أنّك تحفظنا نحن أيضاً مِن الغرق في الدينونة الأخيرة والتجارب الّتي تسبقها. ساعدنا لنحمل إنجيلك بقلوبنا وألسنتنا وسط بحر الشّعوب الهائج، ليخلص كثيرون ويطمئنُّوا رغم الهجومات الجهنّمية.

3المشْتَى في مالطة

(28: 1 – 10)

28: 1 وَلَمَّا نَجَوْا وَجَدُوا أَنَّ الْجَزِيرَةَ تُدْعَى مَلِيطَةَ 2فَقَدَّمَ أَهْلُهَا الْبَرَابِرَةُ لَنَا إِحْسَاناً غَيْرَ الْمُعْتَادِ، لأَنَّهُمْ أَوْقَدُوا نَاراً وَقَبِلُوا جَمِيعَنَا مِنْ أَجْلِ الْمَطَرِ الَّذِي أَصَابَنَا، وَمِنْ أَجْلِ الْبَرْدِ 3فَجَمَعَ بُولُسُ كَثِيراً مِنَ الْقُضْبَانِ وَوَضَعَهَا عَلَى النَّارِ، فَخَرَجَتْ مِنَ الْحَرَارَةِ أَفْعَى وَنَشِبَتْ فِي يَدِهِ 4فَلَمَّا رَأَى الْبَرَابِرَةُ الْوَحْشَ مُعَلَّقاً بِيَدِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا بُدَّ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ قَاتِلٌ، لَمْ يَدَعْهُ الْعَدْلُ يَحْيَا وَلَوْ نَجَا مِنَ الْبَحْرِ 5فَنَفَضَ هُوَ الْوَحْشَ إِلَى النَّارِ وَلَمْ يَتَضَرَّرْ بِشَيْءٍ رَدِيءٍ 6وَأَمَّا هُمْ فَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ أَنَّهُ عَتِيدٌ أَنْ يَنْتَفِخَ، أَوْ يَسْقُطَ بَغْتَةً مَيْتاً، فَإِذِ انْتَظَرُوا كَثِيراً وَرَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ شَيْءٌ مُضِرٌّ، تَغَيَّرُوا وَقَالُوا:هُوَ إِلهٌ!

فلا يُحبُّ الشَّيطانُ الله ولا أولادَه مطلقاً، بل يريد إبادتهم ومنع إيمانهم، ولكنّ عناية المسيح تحفظنا ليلاً نهاراً، كما كتب الرسول بولس: إِنَّ محبَّة المسيح تحصرنا.

هكذا اختبر المساكين لطفَ الله أوَّلاً، لمّا نزلوا إلى الشاطئ. فلم يسلبهم سكان الجزيرة

الخاضعون لسلطة قرطاجة آنذاك ويقتلوهم، بل قدّموا إليهم إحسانات أكثر مِن العادة، فجمعوا وسط المطر والعاصفة كومة مِن الحطب كبيرة، وأشعلوها لتدفئتهم، وبولس نفسه انحنى وجمع قضباناً لتظلّ النّار متّقدة. لكن الشيطان المغيظ مِن خلاص الرسول ونجاته مِن أشداق اليم، أرسل حيَّة سامَّة نشبت مِن لهيب النار ولدغته في رسغه، غارزةً أنيابها في كفّه بشدّة، حتّى أنّها لم تستطع نزع نابها مِن جسمه بعدَما لدغته. فأخذها بولس بقوّة وألقاها إلى النار، لتحترق رمزاً لمصدر الشيطان ومجيئه وعودته نهائيّاً إلى نار غضب الله.

شاهدَ سُكَّانُ الجزيرة بارتعابٍ الحيَّةَ تتلوَّى على يد بولس، فقالوا: إِنَّ غضبَ الله لحقه، لأنَّهُ هَربَ مِن عُقوبةِ البحر الهائج فالتقفه الحنش دينونةً لذنوبه، وترقّبوا أن يتلوّى بولس بأوجاع جسده الّذي تسرّب إليه السم، أو أَنْ يتورّم ذراعه وجسمه تماماً. ولكنَّ رسول الأمم بقي مطمئنّاً، ووثق بوعد المسيح أنّ مرسليه سيدوسون الحيّات والأفاعي، ولا يُصيبهم مكروه، لأنّ قوّة المسيح تعمل فيهم.

ولمّا ثبت بولس سليماً فزع أهل الجزيرة، ووشوش بعضهم بعضاً أنّه إله، لقد زارنا أحد الآلهة. وحقّاً كلّ مؤمن بالمسيح هو ابن الله، ليس مِن الآلهة السَّخيفة التي  تصوَّرها اليونانيون والرومان، بل إنّه ممتلئ مِن الرّوح القدس ملتصق بالمسيح، حتّى أنّ الله الآب يتكلّم بواسطته، ويمنحه مِن حياته الأبديّة. فالشيطان علم بدقّة لماذا أراد إهلاك بولس. لقد كان بولس المقدام في تبشير المسكونة، وأراد إخضاع عاصمة العالم للمسيح، ومِنها ينطلق التبشير لبقيّة الأرض، وهذا التقدّم إلى روما تجنّدت ضدّه كلّ قوى جهنّم: المجلس اليهودي، والولاة المتغطرسون، والأرواح المضادة، والعاصفة المميتة، والبحر الهائج، والأفعى السّامة. إنّما المسيح هو المنتصر، وليس أحد يقدر أن يمنع تقدّم موكب انتصاره.

28: 7 وَكَانَ فِي مَا حَوْلَ ذلِكَ الْمَوْضِعِ ضِيَاعٌ لِمُقَدَّمِ الْجَزِيرَةِ الَّذِي اسْمُهُ بُوبْلِيُوسُ، فَهذَا قَبِلَنَا وَأَضَافَنَا بِمُلاطَفَةٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ 8فَحَدَثَ أَنَّ أَبَا بُوبْلِيُوسَ كَانَ مُضْطَجِعاً مُعْتَرًى بِحُمَّى وَسَحْجٍ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ بُولُسُ وَصَلَّى، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ فَشَفَاهُ 9فَلَمَّا صَارَ هذَا، كَانَ الْبَاقُونَ الَّذِينَ بِهِمْ أَمْرَاضٌ فِي الْجَزِيرَةِ يَأْتُونَ وَيُشْفَوْنَ 10فَأَكْرَمَنَا هؤُلاءِ إِكْرَامَاتٍ كَثِيرَةً وَلَمَّا أَقْلَعْنَا زَّوَدُونَا بِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ.

دعا بوبليوس رئيس الجزيرة الضابط مع جنوده وأسراه لينزلوا عنده، واعتنى بهذا العدد الكبير بضيافة عظيمة. وبعدئذ أصابَ مرضٌ مُعدٍ والدَ بوبليوس الكريم، فأشرف على الموت، ولكنّ بولس شاكراً للمحسن اعتناءَه بهم، تقدّم إلى بيت أبيه وشفاه باسم المسيح يسوع. فطلبة البارّ تقتدر كثيراً في فعلها، إذ يثبت بدون خطيئة. فبإرادة المسيح يقدر المؤمنون أن يشفوا الأمراض بوضع الأيادي على المرضى، وحقّاً فقد جرت قوّة الله مِن الرسول إلى الضَّعيف فشُفي حالاً.

وهذه المعجزة كانت مدهشة لأهالي الجزيرة، فالخبر تسرّب مِن بيت إلى بيت بسرعة، فتهلّل النّاس مفكّرين أن الآلهة الصَّالحة زارتهم، فجلبوا كلّ المرضى إلى بولس ولوقا الطبيب وأرسترخس، الّذين صلَّوا معاً وشفَوا باسم المسيح الكلّ. ومِن هذه الخدمات،اختبر الرجال الثلاثة إكرامات كثيرة، فتركوا الجزيرة مزوَّدين بكلّ احتياجاتهم. وممّا لا شكّ فيه، أنّ بولس بشّر أيضاً في هذه الجزيرة بقدر ما أمكنه ذلك باللّغة البربريّة وبقدر ما سمح له القائد، لأنّ الشفاءاتِ المسيحيّةَ كُلَّها ليست سحراً واتصالات بقوى غامضة، بل آيات ظاهرة تدلّ على يسوع المسيح وسلطانه.

4إكمال السفر في الربيع إلى روما

(28: 11 – 14)

28: 11 وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ أَقْلَعْنَا فِي سَفِينَةٍ إِسْكَنْدَرِيَّةٍ مَوْسُومَةٍ بِعَلامَةِ الْجَوْزَاءِ، كَانَتْ قَدْ شَتَتْ فِي الْجَزِيرَةِ 12فَنَزَلْنَا إِلَى سِيرَاكُوسَ وَمَكَثْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ 13ثُمَّ مِنْ هُنَاكَ دُرْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى رِيغِيُونَ وَبَعْدَ يَوْمٍ وَاحِدٍ حَدَثَتْ رِيحٌ جَنُوبٌ، فَجِئْنَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي إِلَى بُوطِيُولِي، 14حَيْثُ وَجَدْنَا إِخْوَةً فَطَلَبُوا إِلَيْنَا أَنْ نَمْكُثَ عِنْدَهُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَهكَذَا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ.

إنّها لأعجوبة كبرى، أنّ الله لم يحطم السفينة أثناء العاصفة في البحر الغاضب، ولم يرشدها إلى شاطئ مجهول خطر، بل قاد الضالين إلى جزيرة مالطة الشهيرة، وهناك كانت سفن كثيرة تشتّي، وفي وسط شهر شباط تعود السفن إلى الإبحار حول العالم. ولم يَخْشَ بولسُ الدُّخولَ إلى سفينةٍ تُبحر باسم إله الجوزاء وتمثاله المذهّب، لأنّ الرسول علم أنّ الآلهةَ والأصنامَ كُلَّها باطلةٌ وزائلةٌ، فالرّبّ وحده هو العظيم. وهكذا سافروا إلى عاصمة صقلية، ومِن هناك إلى مقدّمة الجزمة الإيطالية واستمرّوا متابعين الإبحار، مارين ببركان سترومبولي، حتّى وصلوا إلى خليج البركان فيزوف، فنزلوا عندئذ في ميناء بوطيولي القريب مِن نابولي.

وهناك كان المسيحيون يعيشون إخوةً في الإيمان، قبل أن يصلهم بولس. فلمّا جاءهم الرسول، رحّبوا به وبمرافقيه الكثيرين، وأضافوهم أسبوعاً كاملاً. ونرى مِن هذا الاستقبال، أنّ بولس لم يكن مجهولاً في إيطاليا، بل عرفوا أنّه سفير المسيح أنّى حلّ. وبدا مِن هذه الصحبة قرب نابولي، أنّ الضابط يوليوس قد أصبح مسيحيّاً، لأنّ إيمان بولس وراحة ضميره، ومحبّته الصابرة للناس، وسلطانه الرّوحي أثّرت في هذا الضابط، حتّى اتبع الأسير، وليس العكس. إنّه لاَنتصارٌ للمسيح كبير.

ومشت الفرقة الكبيرة مِن هناك على الطريق الواسع نحو روما، ولم يَترك لوقا وأرسترخس الرَّسولَ، بل بقيا أمينَين له في شركة الآلام. فبهؤلاء المؤمنين الثَّلاثة وصل موكب انتصار المسيح إلى عاصمة الحضارة آنذاك.

الصّلاة: نسجد لك أَيُّها الرَّبُّ يسوع المسيح، لأنّ أبواب جهنّم لا تستطيع أَن تتغلَّب على كنيستك. نشكرك لأجل حفظك بولس ورفاقه، ولبركاتك على جميع الموجودين في السفينة معهم. احفظنا في اسمك، لنصبح بركة لكثيرين.

5بداية خدمات بولس في رومية

(28: 15 – 31)

28: 15 وَمِنْ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعَ الإِخْوَةُ بِخَبَرِنَا، خَرَجُوا لاسْتِقْبَالِنَا إِلَى فُورُنِ أَبِّيُوسَ وَالثَّلاثَةِ الْحَوَانِيتِ، فَلَمَّا رَآهُمْ بُولُسُ شَكَرَ اللّهَ وَتَشَجَّعَ 16وَلَمَّا أَتَيْنَا إِلَى رُومِيَةَ سَلَّمَ قَائِدُ الْمِئَةِ الأَسْرَى إِلَى رَئِيسِ الْمُعَسْكَرِ، وَأَمَّا بُولُسُ فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ وَحْدَهُ مَعَ الْعَسْكَرِيِّ الَّذِي كَانَ يَحْرُسُهُ.

كان بولس معروفاً في كنيسة رومية التي كانت تعرف حتَّى تفاصيل أفكاره، لأنّه قد كتب للمؤمنين هناك أشهر رسائله كلّها، الّّتي ما زالت حتّى اليوم معلمة المسيحيّة كلّها. والإخوة في روما كانوا تجّاراً، ويهوداً متغرّبين، وجنوداً مؤمنين، وعبيداً متجدّدين، فهبّ هؤلاء لملاقاة بولس وصحبه، وساروا إليهم، وقابلوهم مرحّبين بعيداً عن أسوار المدينة. فتشجّع بولس لأنّه كان متمنيّاً مِن كلّ قلبه أن يبشّر، بالتعاون مع هذه الكنيسة، كلّ إيطاليا وأسبانيا والمسكونة جمعاء، فترحيبهم الأخوي ظهر له كباب مفتوح معدّ مِن الله، فشكره لأجل هذه التطوّر في انتقال الإنجيل إلى العالم.كان بولس في روما أسيراً مع امتيازات لطيفة، إلا أنّه بقي ليلاً نهاراً مقيّداً يداً بيد مع عسكري، يراقب كلّ كلمة أو تصرف مِنه. فلم يكن بولس يبشّر كرجل حرّ، بل في هيئة متواضعة كأسير وعبد للمسيح، ليعظّم مجدَ ربِّه في ضعفِه.

28: 17 وَبَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ اسْتَدْعَى بُولُسُ الَّذِينَ كَانُوا وُجُوهَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ لَهُمْ:أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ، مَعَ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ شَيْئاً ضِدَّ الشَّعْبِ أَوْ عَوَائِدِ الآبَاءِ، أُسْلِمْتُ مُقَيَّداً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَيْدِي الرُّومَانِ 18الَّذِينَ لَمَّا فَحَصُوا كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُطْلِقُونِي، لأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِيَّ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لِلْمَوْتِ 19وَلكِنْ لَمَّا قَاوَمَ الْيَهُودُ، اضْطُرِرْتُ أَنْ أَرْفَعَ دَعْوَايَ إِلَى قَيْصَرَ – لَيْسَ كَأَنَّ لِي شَيْئاً لِأَشْتَكِيَ بِهِ عَلَى أُمَّتِي 20فَلِهذَا السَّبَبِ طَلَبْتُكُمْ لأَرَاكُمْ وَأُكَلِّمَكُمْ، لأَنِّي مِنْ أَجْلِ رَجَاءِ إِسْرَائِيلَ مُوثَقٌ بِهذِهِ السِّلْسِلَةِ 21فَقَالُوا لَهُ:نَحْنُ لَمْ نَقْبَلْ كِتَابَاتٍ فِيكَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَلا أَحَدٌ مِنَ الإِخْوَةِ جَاءَ فَأَخْبَرَنَا أَوْ تَكَلَّمَ عَنْكَ بِشَيْءٍ رَدِيٍّ 22وَلكِنَّنَا نَسْتَحْسِنُ أَنْ نَسْمَعَ مِنْكَ مَاذَا تَرَى، لأَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَنَا مِنْ جِهَةِ هذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُقَاوَمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ 23فَعَيَّنُوا لَهُ يَوْماً، فَجَاءَ إِلَيْهِ كَثِيرُونَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَطَفِقَ يَشْرَحُ لَهُمْ شَاهِداً بِمَلَكُوتِ اللّهِ، وَمُقْنِعاً إِيَّاهُمْ مِنْ شريعة مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ بِأَمْرِ يَسُوعَ، مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الْمَسَاءِ 24فَاقْتَنَعَ بَعْضُهُمْ بِمَا قِيلَ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا 25فَانْصَرَفُوا وَهُمْ غَيْرُ مُتَّفِقِينَ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ، لَمَّا قَالَ بُولُسُ كَلِمَةً وَاحِدَةً:إِنَّهُ حَسَناً كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ 26قَائِلاً: اذْهَبْ إِلَى هذَا الشَّعْبِ وَقُلْ: سَتَسْمَعُونَ سَمْعاً وَلا تَفْهَمُونَ، وَسَتَنْظُرُونَ نَظَراً وَلا تُبْصِرُونَ 27لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَبِآذَانِهِمْ سَمِعُوا ثَقِيلاً، وَأَعْيُنُهُمْ أَغْمَضُوهَا لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِأَعْيُنِهِمْ وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ وَيَرْجِعُوا، فَأَشْفِيَهُمْ.

لا يخبرنا لوقا أيّ شيء يختصّ بمحاكمة بولس في رومية، ولا كيف عاش هناك وكيف كانت ميتته، كأنّما شخص بولس غير مهم البتّة إنّما الأهميّة هي للإنجيل، وكيف وصل إلى رومية، وبشّر به جهراً بكلّ وضوح. فليس الأشخاص المقدّسون هم غاية سِفر أعمال الرسل، بل انطلاق الإنجيل وأعمال المسيح في كلّ الدنيا.

ابتدأ بولس خدمته كالعادة في كنيس اليهود، ودعا الرؤساء والوجهاء إلى منزله الّذي استأجره، وبيّن لهم أنّه صديقهم وليس عدوّهم، رغم أنّ المجلس الأعلى اليهودي اشتكى عليه للموت، وسلّموه للرومان ظلماً، فشهد بولس ببراءته، وباستعداد الرومان أن يطلقوه، ورغم كلّ ذلك فإنّه ما جاء إلى روما للانتقام، ولا لتقديم شكواه كروماني على قومه اليهود عند القيصر، إنّما اعتبر نفسه واحداً مع أمّته، ومقيّداً بها في الرجاء الحيّ، أنّ المسيح آتٍ مِن الله مخلّصاً ومعطياً السّلام العام، وقال بولس إِنَّه لأجل إيمانه بيسوع يحمل هذه السلاسل، وأراهم إياها شهادةً لمحبَّته بالمسيح.

ولمّا لاحظ اليهود في رومية المشاكل الدِّينيَّة العميقة، والأخطار السِّياسيَّة المحدقة بهم وَالمتعلِّقة باسم بولس، شهدوا أَوَّلاً أَنَّهم لم تصلهم شكوى ضدّ بولس مِن أورشليم، ولم يعرف عنه شيء رديء في روما، على عكس ما ادّعاه اليهود في فلسطين، أنّه مسبّب فتنة وثورة في كلّ المسكونة. إلاّ أنّ الوجهاء اليهود في رومية أثبتوا أنّ المسيحيّة تعتبر انشقاقاً عن اليهوديّة ومعارضة لها في كلّ مكان. أمّا المعارضة ضدّ الإنجيل، فهي دليل صحته. فلهذه الأسباب كان اليهود في رومية مسرورين، لأنّه قد أتى إليهم في بولس اختصاصي في التوراة وفرّيسي مِن أورشليم، الّذي اعترف شخصيّاً باسم يسوع، فطلبوا مِنه بياناً جليّاً لحقيقة المسيح في اجتماعٍ ثانٍ هامّ.

وفي ذات يوم جاء عددٌ وفيرٌ مِن اليهود إلى منزل بولس، فبيّن لهم العلاقة بين ملكوت الله ويسوع الّذي هو الملك السَّماوي، وهذا الفكر كان صعباً عليهم، أن يصبح ابن الله إنساناً بسيطاً، واقتضى موته على خشبة العار، ليدخل أهل ملكوته للشركة مع الله فبدون تطهير بدم المسيح، لا يوجد دخول إلى ملكوت السماوات. الرّبّ هو الباب، وهو المجيد الجالس عن يمين الآب، وجلاله كان مستتراً على الأرض، ولكنّ شخصيته تتضمن كلّ إمكانيات ملكوته، تلك الإمكانيات والفضائل والقوّة المنتشرة اليوم في كنيسته. فأثناء مجيء المسيح سيظهر أنْ ليست إسرائيل هي ملكوت الله، بل كلّ المؤمنين بالمسيح مِن يهود وأمم يحملون هذا الملكوت مستتراً في قلوبهم.

لم يتفلسف بولس، ولم يبتدع أفكاراً من عنده، بل برهن إنجيله مِن التوراة والأنبياء، وفسّر الوعود المجيدة بالمسيح كتعزيات الله على متطلبات الناموس (الشريعة). فالإيمان بالمسيح، وليس حفظ الشريعة الناقصة، هو الّذي يخلّص الضّالين الخطاة. وقد أصغى بعض اليهود إلى الرسول بدقّة، ومالوا لجذب الرّوح القدس. ولكنّ الآخرين تقسّت قلوبهم تدريجيّاً. وامتنعوا قصداً عن الإيمان. وحيث لا يُطيع الإنسان بمحبّةٍ إنجيلَ الخلاص، لا تنمو معرفةُ الله وقوَّتُه فيه، بل يتطوّر إلى عكس ذلك، فيصبح مُصمِّماً سمعه عن استماع بشرى الخلاص، ولا يستطيع إدراك المخلّص؛ وهكذا يصير ِضدّاً للمسيح، ولا يشعر بجذب الرّوح اللطيف، لأنّه عصى مِن البداءة طريق اهتدائه، ولم يرد الخضوع لله. فمَن أَنت؟ هل أنت عدوٌّ لله أَم مسيحيٌّ متواضعٌ مُحِبّ؟

28: 28 فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ أَنَّ خَلاصَ اللّهِ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى الأُمَمِ، وَهُمْ سَيَسْمَعُونَ 29وَلَمَّا قَالَ هذَا مَضَى الْيَهُودُ وَلَهُمْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ 30وَأَقَامَ بُولُسُ سَنَتَينِ كَامِلَتَينِ فِي بَيْتٍ اسْتَأْجَرَهُ لِنَفْسِهِ وَكَانَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ إِلَيْهِ، 31كَارِزاً بِمَلَكُوتِ اللّهِ، وَمُعَلِّماً بِأَمْرِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، بِلا مَانِعٍ.

لقد دوّى صوت بولس كبوقٍ، بشعار عصرنا الجديد على رؤوس اليهود المنقسمين. يرسل الله خلاصه إلى الأمم، أمّا الشعب اليهودي فقد رفض نعمة المسيح. فمِن الآن وصاعداً يَفتح الرُّوحُ القدسُ قلوبَ جميع الأمم المستعدّين، لينالوا آذاناً جديدة لسماع كلمة الله، ولينالوا قوَّةً جديدةً لحفظ الوصايا، وليس ليصبحوا عبيداً للشَّريعة وأحكامها الكثيرة. إنَّهم أَولادُ الله، الّذين اشتراهم المسيح بدمه الثمين مِن سوق نخاسة الخطيئة، وقدّسهم بمجد الرّوح القدس الأزلي.

وقد خدم بولس في روما سنتين كاملتين، معلِّماً ومبشِّراً ونبيّاً ورسولاً، ولم يجد الإمكانيات لاجتماعات ضخمة، أو للقيام بعظة في أزقّة الطرق، بل كان ليلاً نهاراً مربوطاً إلى يد عسكري، وهكذا تكلّم مع الأفراد الّذين زاروه، وشهد بسلطة الله علماً أنّه متيقن أنّ القدّوس قادر أن يحلّه مِن قيوده بكلمة واحدة، فاحتمل السلاسل بدون تذمّر، ورأى فيها علامة لجودة أبيه.

وبقي بولس أكثر مِن سبعمائة يوم في روما، يفسّر غنى نعمة يسوع الّذي ظهر له ربّاً مجيداً حيّاً أمام دمشق فلم يطلب الرسول مجده الخاص، ولم يعظّم اسمه الشخصي الّذي ما عاد يظهر في الآيات الأخيرة مِن أعمال الرسل مطلقاً، فكان لرسول الأمم هدفٌ واحدٌ وهو تمجيد الآب والابن والرّوح القدس، وقام بهذه المهمة بجرأة كبيرة، وبدون تباطؤ، والمسيح فتح أمامه باباً واسعاً، فلم يقدر أحد على منعه مِن تأدية رسالة انتصار المسيح لكلّ مَن أراد أن يسمع ويؤمن.

والعجيب أَنَّنا لا نقرأ شيئاً عن نمو الكنيسة وانتشارها في روما، ولا ذكراً لبطرس أو البابوات الأخر، فهذا كلّه ثانويٌّ، إنّما المهم فقط هو دعوة الإنجيل ووصول رسالته إلى الكرة الأرضيّة جميعها، فالرسالة ينبغي أن تنطلق ولو مات الرسل.

وربّما عرف تيوفيلس الموظّف الروماني الكبير بولس شخصيّاً في روما، وساعده في أثناء محاكمته، وقد طلب مِن لوقا، أن يجمع الإنجيل وسِفر الأعمال، ليعرف بدقّة تطوّر المسيحيّة مِن بدايتها حتّى انتشارها في كلّ العالم، فلهذا لم يجد لوقا ضرورةً في أن يكتب شيئاً عن أحوال بولس في رومية، لأنّ تيوفيلس كان قد عرفه شخصيّاً.

أيّها الأخ القارئ العزيز،

 بما أنّنا قد وصلنا الآن إلى نهاية تفسير سِفر أعمال الرسل، وشهدنا قدامك بمجد المسيح الحيّ وخلاصه المبين، فإنّنا نضع في يدك مشعل الإنجيل، ونقول لك: أَكمِلْ تاريخَ أعمال الرُّسل، واحمل بُشرى الخلاص إلى محيطكِ ليَخْلُصَ كثيرون. يسوعُ الحيُّ يدعوك وربُّك مستعدٌّ لمرافقتك، فماذا يمنعك مِن الانطلاق المتواضع؟ هل ترى موكب انتصار المسيح يمرّ وسط أمّتنا؟ آمن وصَلِّ وتهلّل، لأنَّ ربَّك الحيَّ يسبقك وينتظرك.

الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نسجد لك ونتهلّل، لأنّ ابنك صالحنا معك وروحك القدّوس أوجد كنيسةً حيَّةً في كلِّ الشُّعوب والأزمنة. نشكرك لأنّك دعَوتَنا ونحنُ خطاة، لنصبح حلقةً في سلسلة أعمال الرسل، لكي تعظم قوَّتك في ضعفنا. نؤمن أنّ ملكوتك الرُّوحي يأتي وسط محيطنا، وأَنَّ مشيئتك تتحقَّق وسطَ فوضى عالمنا. خَلِّص كثيرين، وادفعنا إلى خدمةٍ فعليَّة، واحفظنا مِن الشِّرِّير.آمين.

المسابقة الرابعة لسفر أعمال الرسل:

هل عرفت أواخر الحوادث مِن أعمال الرسل؟

إن جاوبت بصحّة على 24 سؤالاً مِن هذه الأسئلة الثلاثين الّّتي تعالج الأصحاحات 19-28 نرسل لك كتاباً مِن مطبوعاتنا لتقوية إيمانك ومحبّتك ورجائك.

1     –     لِم كان ينبغي لبولس أن يذهب إلى رومية؟

2     –     لِم سخط الصائغ ديمتريوس على بولس؟

3     –     لماذا وكيف ترك بولس كنيسة أفسس؟

4     –     ماذا يعني العدد الكبير لمرافقي بولس؟

5     –     ماذا يعني إقامة الشّاب بواسطة بولس، والعشاء الرّبّاني في أوّل يوم مِن

               الأسبوع في ترواس؟

6     –     لماذا مشى بولس منفرداً مِن ترواس إلى أفسس؟

7     –     ما هي كيفية ومضمون وخلاصة كرازة بولس الرسول؟

8     –     لماذا يجب على رعاة رعيّة الله السهر على الدوام؟

9     –     لِم كان العطاء مغبوطاً أكثر مِن الأخذ؟

10   –     ما هي اختبارات بولس في صور؟

11   –     لِم لم يرهب بولس التألّم في أورشليم؟

12   –     لِم طلب يعقوب مِن بولس التطهير للسجود في الهيكل؟

13   –     لماذا أراد اليهود قتل بولس؟

14   –     ماذا يعني ظهور الرّبّ يسوع لشاول الغيور على الشَّريعة؟

15   –     ما هو جوهر مشيئة الله؟

16   –     لِم انفجر اليهود لمّا قال بولس إِنَّ يسوع قد أرسله إلى الأمم؟

17   –     لِم اعتمد بولس على ضميره لا على الشريعة؟ ولم برّره الفريسيون

              لأجل إيمانه بالمسيح الآتي والقيامة مِن الأموات؟

18   –     لِم أراد الفدائيون اليهود قتل بولس ولِم وَجَبَ عليه أَن يسافر إلى روما؟

19   –     كيف ولماذا نقل بولس إلى قيصرية؟

20   –     ما هي النقاط الثلاث في الشكوى على بولس؟ وما خلاصتها؟

21           لماذا أثبت بولس أنّ الدين المسيحي غير منفصل عن العهد القديم؟

22         أَيٌّ مِن تصرّفات بولس، خلال سجنه تحت حكم الواليين الرومانيَّين،

              كان له أكبر الأثر في نفسك؟

23       لِم لم يدرك الوالي فستوس معنى موت المسيح وقيامته؟

24   –     لماذا نجد في التقاء المسيح ببولس أمام الشام محور سِفر أعمال الرسل؟

25   –     ما هي المبادئ السبعة في أمر المسيح بالتبشير؟

26   –     مَن هم رجال الله الثلاثة المجتمعون في هذه السفرة إلى روما؟

27   –     لم كان الله مستعداً أن يخلّص كلّ النّاس في السفينة رغم عدم إيمانهم؟

28   –     ما هي الحوادث الثلاث الّّتي خلّص المسيح بواسطتها الرسول ورفاقه؟

29   –     ماذا تعني الحيّة الّّتي عضت بولس؟ وماذا تفهم مِن الشفاءات الحاصلة في

              جزيرة مالطة؟

30   –     لِم لم يخبرنا لوقا شيئاً عن إكمال محاكمة بولس وموته في رومية؟ وما هو

             شعار سِفر أعمال الرسل؟

نطلب إليك أن تكتب أجوبة المسابقة الّّتي ترسلها إلينا على ورقة مستقلّة دون أن تضع فيها أيّ خطاب أو ملاحظة أو أسئلة، ونصلّي ليبارك الرّبّ الحيّ حياتك!

الحياة الفضلى

ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان

أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ،

 لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ

كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ،

 وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللّهِ،

حتّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي

 غُفْرَانَ الْخَطَايَا

وَنَصِيباً مَعَ الْمُقَدَّسِينَ

(كلمات المسيح في أعمال الرسل 26: 17- 18)

الْحَصَادُ كَثِيرٌ

وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ

فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ

أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ

(أمر يسوع لتلاميذه حسب البشير متى 9: 37 -38)

نَزرعُ صباحاً كِلمةَ الأَلطافِ

ظُهراً ومَساءً         ليلاً ونهار

آمِلينَ نَجْني           ثَمرَ القِطَافِ

فارِحينَ نأتي           نَحمِلُ الأَغمارَ

                              نَزرعُ في غَيمٍ          كَما في الصَّفاءِ

في حَرٍّ وَبَردٍ          لا نَخافُ العار

هَا الحِصادُ آتي       وَقتَ الانتهاءِ

فارِحِينَ نأتي           نَحمِلُ الأَغمارَ

نَخرُجُ في حُزنٍ نَزرعُ لِلرَّبِّ

بِارتجاءِ نَصرٍ          نَقْبَلُ الأَضرارَ

في انتِهاءِ نَوحٍ        نُلتَقى بالرُّحبِ

فارِحِينَ نأتي           نَحمِلُ الأَغمارَ

        يواكيم الراسي

عرض خاص

 للمجتهدين

أيّها القارىء العزيز:

 إن كسبتَ مِن تلاوة أحد كتبنا ربحاً روحياً لنفسك ولأصدقائك فنقترح عليك التعمق في كتبنا الأخرى “لتتقوَّى في الرب وفي جدّة قوّته. ونعرض لك الكتب التالية:

أَوَّلاً: أسفار الكتاب المقدّس (مع تأمّلات تفسيرية وصلوات ومسابقات)

إنجيل المسيح حسب البشير متّى       (528 صفحة)

إنجيل المسيح حسب البشير لوقا               (448 صفحة)

أعمال الرسل حسب البشير لوقا              (432 صفحة)

رؤيا يوحنّا اللاهوتي (الجزء الأول)             (194 صفحة)

رؤيا يوحنّا اللاهوتي (الجزء الثاني)              (128 صفحة)

ثانياً: مجلّة “الحياة الفضلى”( مع تأمّلات وعظات ومحاضرات لمواضيع أساسية)

العدد الأول:        لقاء المسيح مع بولس وتعاليمه الجوهرية.

العدد الثَّاني:        دخول المسيح إلى القدس وما تعلّق بهذا الحدث الجلل.

العدد الثالث        ميلاد المسيح ومعاني تجسّده وسجود الرعاة والمجوس له.

العدد الرابع:        المزمور 103 وطلب المسيح منّا:كونوا كاملين

                كما أَنَّ أباكم في السماء هو كامل.

العدد الخامس:     شهادة بطرس الجريئة و قول المسيح:

                    أنا هو الطريق والحقّ والحياة

ثالثاً: سلسلة “الحافظ”:

 آيات ذهبيةمِن الكتاب المقدّس للحفظ غيباً باللّغتين العربية والإنكليزية معاً.

      يحتوي كُلُّ كُتيِّب على مئتي آية مِن الوحي.

رابعاً: منشورات منعشة: (باللّغتين العربية والإنكليزية للتوزيع بين المشتاقين

 إلى سلام الله ومسرّته)

سلامٌ لكم                                           أَعِدُّوا طريقَ الرَّب       

تُحبُّ الرَّبَّ إلهك مِن كلّ قلبك               اللَّهُمَّ ارحمني أنا الخاطىء           هل تعرف يسوع؟                                   لا تخَفْ لأَنِّي فديتك

باركي يا نفسي الرَّبَّ                             مَن هو المسيح؟                    افرحوا في الرَّبِّ كلَّ حين.                         الرَّبّ يُعزِّيك             اتبعني

يحقّ لك أن تطلب هذه الكتب مجَّاناً إن درستَ المسابقات في نهاية كلّ كتاب وأَرسلتَ أجوبتك إلينا، ومِن الله التَّوفيق والبَركة والسَّلام.

الحياة الفضلى

مزرعة يشوع– ص. ب. 226

المتن – لبنان

احفظ آيات الله غيباً

مَن يقرأ كتباً يكسب أفقاً واسعاً، ومَن يحفظ آيات الله يملأ شعوره الباطني بقوَّة من السَّماء. نشجِّعك أن تحفظ مقاطع مهمَّةً مِن سفر أعمال الرسل غيباً، وخاصة الآيات الّتي طبعناها بخط كبير في هذا الكتاب.

نضيف للآيات المذكورة آيات أخرى لبنيان نفسك في السَّلام الروحيّ وفرح الرّبّ:

2  : 42  كَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ وَالشَّرِكَةِ وَكَسْرِ الْخُبْزِ وَالصَّلَوَاتِ

4  :        29   امْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ.

10:15  مَا طَهَّرَهُ اللَّهُ لاَ تُدَنِّسْهُ أَنْتَ.

15:11  بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ.

16:31   آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ.

20:35   مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ.

28:28    أَنَّ خَلاَصَ اللَّهِ قَدْ أُرْسِلَ إِلَى الأُمَمِ, وَهُمْ سَيَسْمَعُونَ.

المسابقة الخاصة: أيّة آية مِن الآيات المدرجة أعلاه نطق بها يسوع المسيح أَو بطرس أو بولس أو البشير لوقا؟  مَن يُجِب على هذا السؤال ينل مِن مركزنا مجاناً كُتيِّبَ “الحافظ” الّذي يتضمَّن 200 آية مختارة مِن الكتاب المقدس باللُّغتَين العربية والانكليزيَّة معاً او أحد كُتبنا الأخرىز

الحياة الفضلىمزرعة يشوع – ص. ب. 226 – المتن – لبنان

أعمال

الرسل

حسب البشير لوقا

مع تأمّلات تفسيرية

وصلوات ومسابقات

عبد المسيح وزملاؤه

الحياة الفضلى لبنان