
الرَّبُّ بِرُّنَا
رسَالَة بولس الرسول
إلى الكنيسة في رُوْمِيَة
مع تأملات فيها و صلوات
ومسابقات
َبدُ المسِيح وزُمَلاؤه
الحياة الفضلى – بيروت – لبنان-
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية 2006
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
اشترِك في دراسة الكِتَاب المُقَدَّس بالمراسلة
أصدَرْنا منذ سنوات تفسيراً للكتاب المُقَدَّس. فندعوك، باسم المَسِيْح، لتدرس معنا العَهْد الجَدِيْد، وأهمَّ أجزاء العَهْد القَدِيْم بطريقةٍ منظَّمةٍ متواصلة، لتنال النُّضج في معرفة الإِنْجِيْل. وإن نجحت في الإجابة عن المسابقات التّسع سنرسل لك:
شهادة في معرفة الإِنْجِيْل
مُدوَّناً فيها الأسفار الَّتِي أجبتَ عن أسئلتها. ومَن يدرس معنا العَهْد الجَدِيْد ويُجيب عن كلّ مُسَابَقاته يحصل على:
شهادة النُّضْج في معرفة الإِنْجِيْل
وبالإضافة إلى هاتين الشَّهادتَين، نرسل لكل متسابق ناجح كتاباً كجائزة، يُعمِّقُك بطريقةٍ أُخرى في ملء كلمة الله، لتُصبح له خادماً مسروراً، نافعاً لكلِّ عملٍ صالحٍ.
اقرأ الكِتَاب المُقَدَّس يوميّاً مصلِّياً، فتكسب كنزاً عظيماً للزَّمن والأبَد، وتستطيع مقاومة الأمواج الإلحاديَّة، وتَعِيش حَقَّاً. لأنَّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج مِن فم الله.
ونطلب منك أن تكتب مسابقاتك على أوراق مستقلَّة، بدون ملاحظات أخرى، لأنَّ أجوبتك تصل إلى لجنة خاصَّة بمركزنا لتصحيحها. جميع الملاحظات والطّلبات المضافة المكتوبة عليها تُهمَل. لا تنسَ أن تكتب لنا اسمك وعنوانك الكامل لكي لا تضيع نتيجة اجتهادك سُدىً
.هلُمَّ للاشتراك والتَّعمُّق في الإِنْجِيْل
َالتَّمهيد للرِّسالة إلى أهل رُوْمِيَة
إِنَّ مِن أعظم الهبات الَّتِي قدَّمها الرَّب المسيح المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ لكنيسته، في كلِّ زمانٍ، الرِّسَالَة المُهمَّة الَّتِي ألهم سفيره بُوْلُس بكتابتها إلى المؤمنين السَّاكنين في العاصمة الرُّومانيَّة.
سَبَب وغايَة الرِّسَالَة
كان رسول الأمم في ذلك الوقت قد أتمَّ تبشيره في آسية الصُّغرى والمناطق اليونانيَّة، خلال سفراته التَّبْشِيْرِِيّة الثلاث، حيث أسَّس كنائس حيَّة في المدن الرَّئيسيَّة، وثبَّت المؤمنين في خدمات المحبَّة، وعيَّن لرعايا الكنائس شيوخاً وقسوساً وأساقفةً. وبَعْدَئِذٍ رأى أنَّ خدمته في شرق حوض البحر المتوسِّط قد اكتملت، فاتَّجه غرباً ليقيم ملكوت المسيح في فرنسا وإسبانيا (رُوْمِيَة 15: 22- 24).
وانسجاماً مع هذه المخطَّطات، كتب رسالته الشَّهيرة إلى أعضاء الكنيسة في رُوْمِيَة، ليكسب ثقتهم بهم، موضحاً لهم أنَّه رسول المسيح لجميع الأمم، بواسطة الدِّراسة الدَّقيقة المُنظَّمة للإِنْجِيْل المُودَع بين يديه. وحاول إثارة قلوبهم ليشتركوا في رحلته التَّبْشِيْرِِيّة إلى الغرب، كما ساندت كنيسة أَنْطَاكِيَة في سوريا سفراته وكرازته وآلامه بصلواتها الأمينة. فالرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة تتضمَّن دراسة أساسيَّة مبدئيَّة، وتُشبه غسل دماغ للكنيسة، بُغية تثبيتها في الإيمان الحقّ، وإعدادها وتجهيزها لتبشير العالم بواسطة فرق مشتركة.
مَن أسَّس الكنيسة في روما؟
لم يؤسِّس الكنيسة في العاصمة روما لا بُوْلُس ولا بطرس ولا أيّ رسول أو شيخ آخَر.
بل إنَّ يهوداً مِن المهاجرين إلى روما حجّوا إلى القدس في يوم العنصرة، حيث سكب المسيح الرُّوْح القُدُس على المُصلِّين التَّائبين، ففاضت ألسنتهم بعظائم الله. ثمَّ عادوا بعد ذلك إلى روما، وشهدوا للمصلوب القدير في اجتماعاتهم، وتكلمَّوا عن خلاصه مع زملائهم مِن اليهود والأمم، وأنشأوا حلقات في البيوت لدراسة التَّوْرَاة وفهم النُّبُوَّات الدَّالَّة على المسيح.
والتقى بُوْلُس الرَّسُوْل مراراً، في أثناء تجواله في آسيا واليونان، أشخاصاً مؤمنين مِن رُوْمِيَة، وبخاصَّة بعد طَرْد اليهود مِن العاصمة، في عهد القيصر “كلوديوس” قبل سنة 54 م. (أَعْمَال الرُّسُل 18: 2). فأراد بُوْلُس أن يتعرَّف شخصيّاً بكنيسة رُوْمِيَة، ويُعطيها مِن مواهب الرُّوْح القُدُس العامل فيه. ولم يفكِّر بالبقاء طويلاً في عاصمة المسكونة آنذاك، لأنَّه رأى هناك كنيسة حيَّة مستقلَّة، فتابع طريقه في شركة هؤلاء الإِخْوَة في الرَّبّ ليَنشر إِنْجِيْل الخلاص في المناطق المُقفَلَة.
مَن هو كاتب الرِّسَالَة؟ ومتى كتَبها؟ وأين؟
كتب الرَّسُوْل بُوْلُس هذه الرِّسَالَة سنة 58 م. لمَّا نزل في بيت “غايوس” في مدينة كورنثوس. ولخَّص فيها اختباراته الرُّوْحِيّة وتعاليمه الرَّسُوْلية. ولا يقدر أحدٌ أن يكتب مثلما كتب بُوْلُس في هذه الرِّسَالَة، لأنَّ المسيح الحيَّ وقف شخصيّاً في طريقه حين حاول، مدفوعاً بغيرته على الشَّريعة، أن ينقل اضطهاد المَسِيْحِيّين إلى دمشق. وإذ درَّبه النُّور الإلهي السَّاطع أدرك الحقيقة العُظمى وهي أنَّ يسوع النَّاصِرِيّ المُحتقَر حيٌّ، وهو ربُّ المَجد الَّذي لم يفسد جسده في القبر بعد صلبه، بل غلب الموت وقام حقّاً، وبرهن بنفسه أنَّه ضابط الكُلِّ. وعِنْدَئِذٍ فهم بُوْلُس أنَّ ابن الله لم يدن مضطهده ولم يُهلكه، بل رحمه وبرَّره مجَّاناً ودعاه إلى خدمته التَّبْشِيْرِِيّة، ليس لأيِّ استحقاقٍ فيه، بل بمُقتضى النِّعْمَة فقط. وهكذا انكسر التَّقيُّ المتعصِّب، وآمن بنعمة الله وجوهر البِرِّ الجديد. فلم يتَّكل بعد على أَعْمَاله البشريَّة حسب الشَّريعة، بل انطلق إلى أنحاء العالم عبداً لمحبَّة المسيح الإلهيَّة، داعياً جميع الضَّالِّين والفاسدين لقبول المصالحة مع الله.
ما هي الأساليبُ البارزة في هذه الرِّسَالَة
قصَد بُوْلُس أن يُوضح هذا الانقلاب الدِّينيَّ لكلِّ عضوٍ في كنيسة رُوْمِيَة. لكنَّه لم يؤلِّف لذلك كتاباً باللُّغة الفصحى المُنَمَّقَة الجذَّابَة، ولم يكتب بحثاً مقارناً طويلاً، بل تحدَّث بكلّ طلاقة ووضوح، وأجاب عن الأسئلة الَّتِي توقَّع أن يطرحها اليهود والرومانيون عليه. وأملى بُوْلُس رسالته هذه على أخيه في الرَّبّ “ترتيوس”، متصوّراً بروحه المؤمنين المخاطبين الَّذين كتب إليهم. فوجَّه كلماته مرَّةً إلى المبتدئين في الإيمان، مُعالجاً سطحيَّتهم، في قَدَاسَة الله المُنقِّية، وبَعْدَئِذٍ جذب المنكسرين إلى الإيمان الحي بالتَّبرير التَّام في المسيح الَّذي هو الرَّجاء الوحيد للبشر. ومرَّةً أُخرى زعزع النَّامُوْسِيّين المُنتفخين وكسر برَّهم الذَّاتي، مُبيِّناً فَسَادهم وفشلهم المُطلَق، وكيفيَّة تقَدُّسهم بالإيمان المتواضع لخدمات محبَّة الله في إطاعة الرُّوْح القُدُس.
وعلى هذا النَّمط ربط الرَّسُوْل، في رسالته التَّبشير الفعَّال بالتَّعليم المنظَّم الرَّصين. فلم يُوجِّه في هذه الرِّسَالَة كلماته إلى هيئة معيَّنة، بل إلى فئات المستمعين كافَّةً، مِن أمميِّين ويهود، شيوخ وأحداث، بسطاء ومُثقَّفين، أحرار وعبيد، رجال ونساء. فالرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة هي، حتَّى يومنا هذا، المُعلِّم الأوَّل للمسيحيَّة جمعاء، كما شهد بذلك الدُّكتور “مارتن لوثر” حين قال: “إنَّ هذا الكتاب هو الجزء الرَّئيسيُّ مِن العهد الجديد، فهو أصفى إِنْجِيْل، ويستحقُّ أن يحفظه كلّ مسيحيٍّ غيباً، وأن يسير معه يوميّاً ككنزٍ روحي للنَّفس، لأنَّنا نجد أنَّ هذه الرِّسَالَة غنيَّة بكلّ ما يجب على المؤمن أن يعرفه: الشَّريعة والإِنْجِيْل، الخطيئة والدَّيْنُوْنَة، النِّعْمَة والإيمان، البِرّ والحَقّ، المسيح والله، الأَعْمَال الصَّالحَة والمحبَّة، الرَّجاء والصَّلِيْب. ونعرف أيضاً كيف يجب أن نتصرَّف مع كلِّ إنسانٍ مهما كان تقيّاً أو خاطئاً، قويّاً أو ضعيفاً، صديقاً أو عدوّاً، وحتَّى كيفيَّة معالجة أنفسنا. فأقترح على كلِّ مسيحيٍّ أن يُدرِّب نفسه بمُقتضاه”
أيُّها الأخ العزيز، إن أردتَ أن تُعمِّق دراستك وتُدرِّب إيمانك، فتأمَّل في هذه الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة، لأنَّها تشبه جامعة الله الحافلة بالمعارف والقوى والروح. عِنْدَئِذٍ يُحرِّرك المسيح مِن استكبارك واتِّكالك على نفسك، ويُثبِّتك في البرِّ الكامل، لتُصبح عبداً مُقتدراً على ممارسة المحبَّة الإلهيَّة، فتنمو في الإيمان يوماً بعد يوم.
تنظيم الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة
تعريف بُوْلُس بنفسه إلى الكنيسة في رُوْمِيَة، مع البركة الرَّسُوْلية،
وإبراز بِرِّ الله كشعار لرسالته. 1: 1- 17
الجزء الأوَّل: بِرُّ الله يُبرِّرنا
جميعنا خطاةٌ، والله يديننا حتماً بحسب الشَّريعة
الَّتِي تكسر رواسب كبريائنا. 1: 18- 23
الله يُبرِّر جميع النَّاس مجَّاناً بموت المسيح الكَفَّارِيّ، إن آمنوا به. 3: 24- 25
روح الرَّبّ يحلُّ في المؤمنين، ويُعطيهم الرَّجاء والغلبة على الخطيئة،
فيسلكون في قوَّة الرّوح متحرِّرين مِن الشَّريعة. 5: 1- 8: 39
الجزء الثَّاني: بِرُّ الله في التَّاريخ
الله يَثْبُت بارّاً رغم رفض شعب العهد القديم نعمته. 9: 1- 11: 26
الجزء الثَّالث: بِرُّ الله في الحَيَاة العَمَليَّة
الإيمان الحَقُّ يُغيِّر سلوكنا وحياتنا إلى أَعْمَال المحبَّة والخضوع المُتبادَل. 12: 1- 16: 27
إنَّ دراسة هذه الرِّسَالَة ليست سهلةً، بل تتطلَّب منك تفكيراً وصلواتٍ وتأمُّلات عميقة حتَّى يمكنك أن تتمتَّع ببركاتها فتتوب حقّاً وتتجدَّد في ذهنك، وترى أفقاً جديداً للحياة في المسيح. وكما أنَّ هذه الرِّسَالَة لم تحمل أهل رُوْمِيَة على الاسترخاء الرُّوْحِيّ والاكتفاء ببرِّهم الجديد، بل بالحريِّ جهَّزتهم لخدمة التَّبشير في مُحِيْطهم وفي بلدان أخرى، هكذا يدعوك المسيح أنت أيضاً إلى الامتلاء مِن نعمته، كي يُرسلك مع إخوتك الأبرار إلى الجماهير الخالية مِن المحبَّة والرَّجاء. فاسمع وصَلِّ وانْطَلِقْ.
الأسئلة:
1- ما هُما سبب وغاية الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة؟
2- مَن أسَّس الكنيسة في رُوْمِيَة؟
3- مَن هو الَّذي كتب هذه الرِّسَالَة؟ وأين؟ ومتى؟
4- ما هي الأساليب الَّتِي استخدمها بُوْلُس في رسالته؟
5- ما هو تنظيم هذه الرِّسَالَة؟
الافتِتَاحيَّة
تحيَّةٌ وشُكرٌ لله
وإبراز “بِرِّ الله”
شعاراً لرسالته
(رُوْمِيَة 1: 1- 17)
أ: التَّعريف، والبَرَكَة الرَّسُوْلِيَّة
(رُوْمِيَة 1: 1- 7)
1 بُوْلُس عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ الْمَدْعُوُّ رَسُولاً الْمُفْرَزُ لإِنْجِيْلِ اللهِ
عندما وُلد بُوْلُس دُعي اسمه “شَاْوُلَ” على اسم الملك الفخور مِن سبط “بنيامين”. ولكن بعدما عاين مضطهدُ الكنيسة مجدَ المسيح، أدرك أنَّه لا شيء، فقَبِل اللَّقب “بُوْلُس” الَّذي معناه “الصَّغير”. واستهلَّ رسالته الشَّهيرة بالكلمات: “أنا الصَّغير عبدٌ ليسوع المسيح”.
وبقوله إنَّه عبدٌ للمسيح، وافق على أنَّه قد فقد حرِّيَّته وخضع لسيِّده خضوعاً تامّاً، لأنَّه أخلى نفسه طوعاً، واتَّضع جدّاً، ومات عن استكباره، فعاش لدوافع روح المسيح في نفسه، وتَمَّم مشيئة ربِّه بفرح عظيم. وهذا يعني أنَّ المسيح الحيَّ نفسه هو كاتب هذه الرِّسَالَة إلى أهل رُوْمِيَة، إذ ألهم بها عبده السَّامع. ولكنَّ هذا الإلهام لم يتمّ رغماً عن بُوْلُس، بل طوعاً، وفي انسجامٍ لطيفٍ، لأنَّ المسيح لا يَستعبد المؤمنين به، بل يُعطيهم الحرِّية للإيمان والمحبَّة، وحتَّى الاستقلال عنه. لكنَّهم لا يريدون الانفصال عنه، وهو مَصدر المحبَّة، بل يُغرقُون أنفسهم فيه.
بلغ بُوْلُس مركزاً سامياً جدّاً باتِّضاعه كعبد للمسيح، لأنَّ ربَّه دعاه رسولاً خاصّاً له لنشر ملكوته بين الأمم، وأعطاه سُلطاناً وحُقوقاً، وفوّض إليه مهمَّاتٍ كتلك الَّتِي يُفوِّضها الملوك والرُّؤساء إلى سفرائهم، شريطة بقائهم على اتِّصالٍ دائمٍ بهم، وتفاهمٍ مُستمرٍّ وإيَّاهم. هكذا يدعوك المسيح اليومَ مُباشرةً إلى خدمته، ويُرسلك كما أرسله أبوه السَّمَاوِيّ. فافتح قلبك لدعوة يسوع، وسلِّم حياته له كُلِّيّاً، دون تأخير، في خضوعٍ وتواضعٍ تامٍّ، فتجري قوَّته منك إلى الآخرين. ولئن كان بُوْلُس سفير المسيح إلى الأمم، فقد استطاع برسائله أن يُغيِّر العالم كلَّه. فليس بعد المسيح مِن شخصيَّةٍ أعظم مِن بُوْلُس “الصَّغير”.
وماذا كانت بشارة بُوْلُس عبد المسيح؟ إنَّها ليست سوى إِنْجِيْل الله المجيد. فبُوْلُس لم يأتِ بأفكارٍ مِن عنده، بل وضَّح الإِنْجِيْل الوحيد للعالَم الشَّقي. وكانت عبارة “إِنْجِيْل” مألوفة آنذاك في رُوْمِيَة، وكان معناها إعلاناً رسميّاً للقيصر ضمن حاشيته، إذا وُلد له مولودٌ، أو انتصرت جيوشه، فتعمّ الفرحة أهل العاصمة. فقدَّم بُوْلُس البشرى مِن الله إلى النَّاس، شاهداً بوجود المسيح، وانتصاره على القوى المضادَّة له، ونتائج خلاصه، كي يتقدَّس السَّامعون، ويَدخلوا البرَّ الإلهيَّ.
لقد أفرز الله القُدُّوْسُ بُوْلُسَ النَّامُوْسِيَّ (الشريعي)، وحرَّره مِن عبوديَّته للشِّرير، كي يُحرِّر هو بدوره المُثقَلين بنير النَّاموس مِن تمسُّكهم بالأَعْمَال الصَّالحة الموهومة، إلى عصر النِّعْمَة، كي لا يفدوا أنفسهم بأنفسهم، بل يدخلوا السَّماء بواسطة المسيح الَّذي هو الباب الوحيد المؤدِّي إلى أبيه.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنَّك دَعَوت عبدك بُوْلُس، وأرسلتَه إلى العالم، كي نَسمع كلمتك بلسانه. اغفر لنا استكبارنا واكتفاءنا الذَّاتي، وساعدنا على التَّواضع، فنُصبح عبيد محبَّتك، ونُتمِّم مشيئة لُطفِك مع جميع المؤمنين في العالم.
السُّؤَال:
6- ما هي الألقاب الَّتِي اتَّخذها بُوْلُس لنفسه في أوَّل جملةٍ مِن رسالته؟
1: 2 الَّذِي سَبَقَ فَوَعَدَ بِهِ بِأَنْبِيَائِهِ فِي الْكُتُبِ الْمُقَدَّسَةِ 3 عَنِ ابْنِهِ، الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ 4 وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَة بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ، يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا
مِثلما يُنعِشُ النِّيلُ الصَّحارى، فيهبها لها حياةً بعد موت، هكذا يَهَبُ إِنْجِيْلُ الله قُوَّةً لكلِّ إنسانٍ فانٍ، فيؤمن ويمتلئ بالبشارة المفرحة. إنَّ السِّر المُتضمَّن في الإِنْجِيْل هو مجيء يسوع المسيح والأَعْمَال الَّتِي يقوم بها. فأنت مدعوٌّ للإيمان ليس بمجرَّد كتابٍ، بل بشخصٍ تاريخيٍّ أزليٍّ. منذ آلاف السِّنين أعلن الله بواسطة أنبيائه أنَّه سيُولَد إنسانٌ مِن روح الله بواسطة عذراء عفيفة، وأنَّه يُدعى ابن الله الوحيد. والتَّوْرَاة حافلةٌ بالنُّبُوَّات الَّتِي تتحدَّث عن هذه الولاة العجيبة. فالنَّبيُّ الحقُّ هو مَن اعترف في رسالته بأنَّ المسيح هو ابن الله. فمَن هو الَّذي يشاء أن يُعارض الله القُدُّوْس الَّذي أعلن ذاته بوحدته ثالوثاً أقدس، كي يقلب الأفكار الجامدة، ويُحرِّرنا إلى بصيرة جديدة عميقة؟ لقد علمنا، منذ مجيء المسيح، أنَّ الله أبٌ مُحبٌّ حنونٌ. فصورة الابن الرَّحيم عكست في أذهاننا صورة أبيه المحب، وأعطتنا فكرةً جديدةً عن الله وهي أنَّه المحبَّة عينها.
وصار ابنُ الله إنساناً حقّاً، مولوداً مِن نسل الملك داود، النَّبي المُرنِّم، الَّذي كان قد نال وعداً مِن الله أنَّ مِن أنساله يأتي ابنٌ للعليِّ (2 صموئيل 7: 14). فبهذا التَّجسُّد لبس المسيح الأزليُّ ضعفَ أجسادنا، وأصبح مجرَّباً مثلنا.
بيد أنَّه لم يخطئ قطّ، ولم يتمكَّن الموت منه، لأنَّ الرُّوْح القُدُس الَّذي حلَّ بملئه في جسده غلب الخطيئة دائماً. وقد برهن يسوع على سلطانه، على نحوٍ قاطع،ٍ بقيامته مِن القبر منتصراً على عدوِّ البشر. وأثبت الله بنوَّة يسوع، فعيَّنه عن يمينه رَبّاً حقّاً، حيث يَمْلِكُ كما قال: “دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ” وهو يحيا مع الآب والرُّوْح القُدُس إلهاً واحداً إلى الأبد.
وقد جرى سُلطان المسيح مِن بُوْلُس إلى الكنائس. وقوَّة يسوع تعمل حتَّى هذا اليوم في الَّذين يعترفون بأنَّ المولود مِن العذراء هو ربُّنا الحيُّ نفسه. فالعبارة: “يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا” هي خلاصة إيماننا منذ بداية المَسِيْحِيّة. وتتضمَّن معاني سرِّ الثَّالُوث الأَقْدَس كلَّها، وقوَّة الخلاص والرَّجاء.
الصَّلاَة: نسجد لك يا ابن الله، لأنَّك تجسَّدت في سبيل المحبَّة، وغلبتَ الخطيئة والموت في جسدك. اقبَل حياتنا الفانية شُكراً لك، وطهِّرنا بروحك القُدُّوْس، لنُصبح أهلاً لملكوت محبَّتك. نلتمس منك أن تُهيمِن على أفكارنا وأقوالنا وأَعْمَالنا لنكون لك شهوداً أمناء، مع جميع عبيد أمانتك في أُمَّتنا.
السُّؤَال:
7- ما معنى العبارة أنَّ المسيح هو ابن الله؟
1: 5 الَّذِي بِهِ لأَِجْلِ اسْمِهِ قَبِلْنَا نِعْمَةً وَرِسَالَةً لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ فِي جَمِيعِ الأُمَمِ 6 الَّذِينَ بَيْنَهُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا مَدْعُوُّو يَسُوعَ الْمَسِيحِ. 7 إِلَى جَمِيعِ الْمَوْجُودِينَ فِي رُوْمِيَة أَحِبَّاءَ اللهِ مَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ
إنَّ يسوع المسيح هو مفتاح مواهب الله كلِّها. لا يستطيع أحدٌ سواه، لا الأنبياء ولا القدِّيسون ولا مريم العذراء، أن يتوسَّط لك عند الله بالنِّعْمَة والبركة. فالآب السَّمَاوِيّ يستجيب صلواتنا لأجل يسوع المسيح، لأنَّه الوحيد الَّذي يشفع فينا عند الله. فاسمه هو القناة الَّتِي تمرُّ عبرَها صلواتُنا إلى الله، وتأتينا عبرها أيضاً المواهب الرُّوْحِيّة كلُّها. لم يُصالحنا مع القُدُّوْس أحدٌ سواه. وهكذا ننال منه ملء النِّعْمَة المتضمِّنة الغفران والسَّلام والخلاص والبِرّ. أمَّا البركات الإلهيَّة الأُخرى كلُّها فليست سوى نعمة لا نَستحقُّها.
فالنِّعْمَة هي خلاصة رسالة بُوْلُس. وقد اختبرها بنفسه، لأنَّه كان مُضطهِداً للكنيسة. فليست غيرته ولا صلواته ولا أَعْمَاله الحسنة هي الَّتِي خلَّصَته، بل رحمة الله المنعمة عليه في المسيح. فبشِّر النَّاس جميعاً بالنِّعْمَة المُطلقة العظيمة، لأنَّ المسيح قد وهب لك نعمةً وعفواً وسلاماً.
إنَّك، أخي العزيز، حالما تُدرك مبدأ النِّعْمَة وتُقِرّ بها، تُصبح حاملاً للنِّعمة، ومُبشِّراً بمحبَّة الله، ورسولاً للتَّبرير المجَّانيِّ. فهل وضع الرُّوْح القُدُس رسالته في قلبك؟ أم إنَّك لا تزال صامتاً حزيناً راسفاً في قيود خطاياك؟
إنَّ مَن يُدرِك رسالة النِّعْمَة يُحبُّ اللهَ ومسيحه، ويُطيع وصايا لُطفه. أمَّا العبارة “إطاعة الإيمان” فتعني، عند بُوْلُس، جواب الإنسان لهذه النِّعْمَة. فالله لم يَطلب منَّا إطاعةً رغماً عنَّا بالحقد والعصيان، بل تكريساً كاملاً وكُلِّياً كشُكرٍ وتَسليمٍ مِن المُخَلَّص لفاديه المُخَلِّص. لقد لقَّب بُوْلُس نفسَه “عبد يسوع المسيح”، وفسَّر بلقبه هذا العبارة “إطاعة الإيمان” بدقَّةٍ. فهل أنت عبدٌ للمسيح؟ لقد غفر الله تعالى لجميع الناس، في كلّ زمان ومكان، ذنوبهم لأجل المسيح. وإذ لا نجد رسالةً أُخرى تحمل للبشر ما تحمله هذه الرِّسَالَة مِن خيرٍ وفائدة، لذلك ندعو كلَّ مَن نعرفه إلى أن يخضع لله ويُحبَّ مسيحه، مُختبراً قوَّة نعمته. ما أعظم الرِّسَالَة! فهلاَّ دعَوْتَ زُملاءك إلى إطاعة الإيمان بوَهَّاب النِّعَم كُلِّها؟
لقد دُعي أعضاء كنيسة روما مِن قِبَل المسيح مُباشرةً، وليس مِن قِبَل بُوْلُس أو غيره. وهذا هو سِرُّ الإيمان الصَّحيح: ألاَّ يدعو إنسانٌ إنساناً آخَر للخلاص، إلاَّ إذا كان الدَّاعي في أحسن حالٍ مِن الإيمان، لأنَّنا لسنا سوى أدوات في يدَي ربِّنا. فيسوع هو الَّذي يختار أتباعه ويُناديهم شخصيّاً وبكلّ وضوح، وصوته يخترق أعماق القلوب، لأنَّه صوت مُقيم الأموات. أمَّا كلمة “الكنيسة” فتعني شركة المَدعُوِّين الَّذين تركوا جماهير المتشائمين، وحملوا مسؤوليَّة المحبَّة في خدمة الله. فهل أنت مِن مَدعُوِّي يسوع المسيح، أم أنّك لا تزال تعيش على هامش الحَيَاة مُضيِّعاً سنوات عمرك سُدىً؟ إنَّ دِيننا هو دين الدَّعوة.
إنَّ كُلَّ مَن يَقبل هذه الدَّعوة الإلهيَّة ويُتمِّمُها هو مِن أحبَّاء الله. ما أجمل وأمجد العبارة الَّتِي تُفسِّر مَن هم المَسِيْحِيّون! إنَّهم أقرباء العَليِّ، المَعروفون عنده، والمُحتَرَمون قُدَّامه. وفوق ذلك كلِّه قد نزل الله في المسيح إلى مستواهم، وجعلهم لأجل كفَّارته مستحقِّين لشركته. إنَّ محبَّة الله أعظم وأطهر بكثير مِن محبَّة البشر، وهي تفوق في عمقها وقداستها محبَّة الوالدين لأولادهم ومحبَّة العروسين بعضهما لبعض. وهذه المحبَّة الإلهيَّة القُدُّوْسة لا تَسقُط أبداً. فهل أنت حبيب الله؟ هل أنت ممتلئٌ بمحبَّته، وسالكٌ في قداسته؟
لقد دعانا المسيح إلى الغفران والإطاعة والاتِّباع. وقمَّة هذه الصِّفات القَدَاسَة. ليس أحدٌ مِنَّا قدِّيساً مِن نفسه، بل بواسطة ارتباطنا بالمُخلِّص الفادي صرنا مستحقِّين أن ننال الرُّوْح القُدُس. فبواسطة النِّعْمَة وحدها نُصبح قدِّيسين وبلا لَومٍ قُدَّام الله في المحبَّة. والقدِّيسون جميعاً مُفْرَزُون مِن العالم، ومُعيَّنون لخدمة الله، فهم لا يخصُّون بعد أنفسهم ولا أقرباءهم، بل قد أضحوا خاصَّة الله لأَعْمَال القَدَاسَة. فهل أنتَ منهم، قدِّيسٌ حقّاً بالنِّعْمَة؟
الصَّلاَة: إلهَنا القُدُّوْس، قَد دَعَوتنا بيسوع المسيح لنكون قدِّيسين كما أنت قُدُّوْس. إنَّنا نَعترف بظُلمنا، ونلتمس منك غفران جميع خطايانا المعروفة وغير المعروفة. ونشكرك لأنَّك تُحبُّنا وتُطهِّرُنا بدم المسيح، وتُقدِّسُنا بروحك القُدُّوْس. غيِّر حياتَنا كلَّها لكي نخصَّك بكلِّ قُوَّتنا وَوَقْتنا، ونُحبَّك كما تُحبُّنا.
السُّؤَال:
8- ما هي النِّعْمَة؟ وما هو جواب الإنسان لها؟
1: 7 نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
إنَّ البركة الرَّسُوْليَّة الَّتِي يستهلُّ بُوْلُس بها مُعظم رسائله هي خلاصة معرفته اللاّهوتيَّة، وركيزة قوَّته الرَّسُوْلية، وشمول بركاته العديدة الَّتِي يُغدِقُها على قُرَّائه. فضع نفسك واعياً تحت وابل النِّعْمَة في هذه الكلمات، وراعها في قلبك، تَغْنَ في الله. احفظ البركة الرَّسُوْلية غيباً، وتلذَّذ بها كلمةً كلمةً.
أوَّل ما يُقدِّمه لك الرَّسُوْل هو النِّعْمَة الكاملة، لأنَّك ضالٌّ وهالكٌ، واللهُ يُحبُّك ولا يشاء أن يُهلكك، وهو لأجل ابنه الوحيد لا يُقاضيك بعد، بل يُبرِّرك. فالنِّعْمَة هي القالب الشَّرعيُّ لمحبَّة الله. أمَّا القُدُّوْس فيَثبتُ بارّاً، ولو برَّرك أنت الَّذي لا تستحقُّ التَّبرير. إنَّ مواهب الله كلَّها لك، وما استجابات صلواتك إلاّ نعمة، لأنَّك لا تستحقُّ غير الغضب.
ولكن، منذ مَوت المسيح، تغيَّرَت حالتنا تجاه الله. فكنَّا سابقاً في حالة خصام وعداوة مع الله بسبب خطايانا، أمَّا اليوم فقد عمَّ السَّلام نتيجة المصالحة الَّتِي تمَّت على الصَّلِيْب. فالقُدُّوْس الأزليُّ لا يُهلكنا البتَّة. وقد كانت أوَّل عبارة نطق بها المسيح بعد قيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ هي: “سلامٌ لكم”. فهو قد أكمل جميع متطلّبات الشَّريعة، ولم تبقَ أيّ شكوى علينا أمام الله، لأجل دم المسيح الَّذي يُطهِّرنا. وابتدأ بالتَّالي عصرٌ جديدٌ في السَّلام الحقيقيِّ الحالِّ في القلوب المُطهَّرة.
إنَّ مَن يَقْبَل نعمة المسيح الشَّاملة ويعيش في سلام مع الله، يُدرك الأُعجوبة العظمى وهي أنَّ الخالق وضابط الكلِّ ليس طاغيةً ظالماً، بل إنَّه يَرفض أن نسجد له برعب خوفاً منه، لأنَّه أبونا ويُحبُّنا ويعتني بنا، ولا يَتركنا بل يصبر علينا بلا نهاية. ولا توجد عبارةٌ في العهد الجديد أجمل مِن عبارة “الله أبونا”. وهذا العلم اللاهوتي قد أتى به المسيح نفسه، وفكرة أبوَّة الله هي الأمر الجديد في ديانتنا. كما أنَّ غاية الصَّلِيْب ليست إلاَّ تطهيرنا، كي نستحقَّ التَّبني والولادة الثَّانية وحلول الحَيَاة الأَبَدِيَّة، ليكون الله في الحقيقة أبانا ونحن أولاده.
هل عرفتَ يسوع المسيح؟ هل أدركتَ عظَمته وتَواضعه؟ إنَّه إنسانٌ وإلهٌ معاً في شخصه. قَد أَخلى مجده، وتواضَع جِدّاً لِيفدينا. وبعدَما أكمل الكفَّارة عن جميع البشر، صعد إلى أبيه، وهو جالسٌ الآن عن يمين الآب مُكرَّماً كلّ التَّكريم، لأنَّه وحده استطاع أن يُصالح العالم مع الله، ولذلك ورث سلطان الله كلَّه. إنَّه الرَّبّ نفسه. فهل هو ربُّك أيضاً؟ إنَّه يشاء أن يملك ويُدير جميع نواحي حياتك، لِيُطهِّرك ويُقدِّسك ويُرسلك كما يشاء.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، أنت أبي بيسوع المسيح. لقد اختَرتَني أنا الضَّالّ النَّجِس لأكون ابناً لك. أقع على قدميك الطاهرتين بكلِّ خُشوعٍ، وأسجد لك، وأحبُّك، وأُسلّم لك ولابنك حياتي ومالي وقُوَّتي ووقتي. اجعل منِّي ما تشاء، كي لا أُسبِّب لك عاراً، بل أُمجِّد أُبوَّتك بسلوك يليق باسمك. أشكرك لأنَّك أرسلت ابنك يسوع، ليُخلِّص جميع الخطاة. أسجد لك بتسابيح أبديَّة.
السُّؤَال: 9- أيّ عبارة في البركة الرَّسُوْلية تعتبرها الأهم والأكثر فعاليةً بالنِّسبة لحياتك؟
ب: الرَّسُوْل يشتاق للسَّفَر إلى روما
(رُوْمِيَة 1: 8- 15)
1: 8 أَوَّلاً أَشْكُرُ إِلَهِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ أَنَّ إِيمَانَكُمْ يُنَادَى بِهِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ. 9 فَإِنَّ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي فِي إِنْجِيْل ابْنِهِ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ بِلاَ انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ 10 مُتَضَرِّعًا دَائِمًا فِي صَلَوَاتِي عَسَى الآنَ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِي مَرَّةً بِمَشِيئَةِ اللهِ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ. 11 لأَِنِّي مُشْتَاقٌ أَنْ أَرَاكُمْ لِكَيْ أَمْنَحَكُمْ هِبَةً رُوحِيَّةً لِثَبَاتِكُمْ، 12 أَيْ لِنَتَعَزَّى بَيْنَكُمْ بِالإِيمَانِ الَّذِي فِينَا جَمِيعًا إِيمَانِكُمْ وَإِيمَانِي
كان بُوْلُس قد سمع الكثير عن الكنيسة في روما، والتقى بعضَ أعضائها مراراً في رحلاته التَّبْشِيْرِِيّة، فوجد أنَّ إيمانهم صحيحٌ وحيويٌّ وناضجٌ. وشكر الله مِن صميم قلبه على هذه الأعجوبة، لأنَّ كلَّ مسيحيٍّ حيٍّ هو أعجوبة المصالحة بالمسيح، وكيانه يقتضي شُكرنا. وحيثما تَخدم جماعةٌ كاملةٌ بالرُّوْح القُدُس اللهَ والابنَ ينبغي أن نسجد للآب ونُسبِّحه ونحمده بغبطة وفرح بكرةً وأصيلاً.
دعا بُوْلُس اللهَ “إلهي” وكأنَّه مُلكه. فقد علم أنَّ نفسَه مرتبطةٌ به بعهدٍ جديدٍ، وأحبَّه حُبّاً جمّاً. بيد أنَّه، على الرَّغم مِن هذه العلاقة الحميمة، لم يُصلِّ باسمه الخاص إلى الله الجليل، باسم المسيح وحده، عالماً أنَّ أدعيتنا البشريَّة كلّها وحتَّى شكرنا لا تستحقُّ الصُّعود إلى مجد الله. فانسكابات قلوبنا كلُّها تحتاج إلى قوَّة دم يسوع المسيح المطهِّرة. وبواسطة هذا التَّطهير وحده نستطيع أن نُصلِّي إلى الله الَّذي يمنحنا روحه لنُقدِّس اسمه الأبوي ونَعبده بفرح. وجميع خُدَّامه قدسٌ له، ويخصُّونه كعبيد لمحبَّته.
أمَّا مضمون خدمتهم فهو الإِنْجِيْل. ونُلاحظ أنَّ بُوْلُس، في العدد الأوَّل مِن هذه الرِّسَالَة، دعا الإِنْجِيْل “إِنْجِيْل الله”، بينما نجد هُنا، في العدد التَّاسع، عبارة “إِنْجِيْل ابنه”. وهو يَقصد بهذه العبارة أنَّ بشرى الخلاص الإلهيَّة تتوقَّف على كيان ابن الله. فطموح بُوْلُس كلُّه يدور حول بنوَّة المسيح وأبوَّة الله. وكلُّ مَن يُنكر هذا الإِنْجِيْل عَن وعي ويرفضه عن سابق تصوُّر وتصميم هو ملعونٌ مِن الله.
عاش بُوْلُس في شركة حميمة مع الآب والابن والرُّوْح القُدُس. وكان يدعو وحدة الثَّالُوث الأَقْدَس كي تشهد أنَّه كان يفكِّر بالكنيسة في روما على الدَّوام، ويُصلِّي لأجلها. فرسول الأمم لم يَنْسَ الكنائس القائمة على الرَّغم مِن شواغله الكثيرة، كما أنَّه صلَّى لأجل أفرادٍ بكلّ أمانةٍ وإخلاص. فالمواظبة على الصَّلاَة هي وحدها الَّتِي تصنع الرَّاعِي الأمين، والواعظ بسلطان الرُّوْح القُدُس. ولَئن خرجت قُوَّة الله مِن إنسانٍ، فإنَّ سبب جريانها هو المحبَّة والصَّلاَة والاشتياق إلى الله والنَّاس.
كان بُوْلُس متشوِّقاً للسَّفر إلى روما، قبل ذلك بزمان طويل، ولا سِيَّما في الفترة الَّتِي يُسمِّيها “الآن”، أي في وقت انتهاء خدمته في الأناضول ومكدونية واليونان. فرأى أنَّ الوقت قد حان لِلُبْس الجزمة الإيطاليَّة.
بَيْدَ أنَّه لم يُقرِّر السَّفر بناءً على أمانيه ومُخطَّطاته هو، بل خضع لإرادة أبيه، عالماً أنَّ كلَّ عملٍ شخصيٍّ لا ينسجم انسجاماً تامّاً مع مشيئة أبيه مصيره الفشل والبؤس والضّيق. فلم يكن بُوْلُس أسير رغباته الشَّخصيَّة، بل رتَّب حياته كلِّياً حسب إرشادات أبيه السَّمَاوِيّ.
لكنَّ هذا الخضوع لم يُخمد نار رغبته الشَّديدة في التَّعرُّف بكنيسة روما الَّتِي كانت غير معروفة لديه حينئذٍ. لقد علم أنَّه امتلأ مِن الرُّوْح القُدُس، فكان أشبه ببركان يقذف حمم سلطان الله في كلّ اتِّجاه، فتمنَّى أن يُشرك كنيسة روما في سلطة المسيح الموهوبة له، كي تنتعش وتستعدَّ للخدمة وتثبت في المحبَّة والإيمان والرَّجاء الصَّحيح. وقد كان تثبيت المؤمنين هذا مِن صميم هدف أَعْمَال الرُّسُل.
ولم يشَأ بُوْلُس أن يدخل روما دخول الواهب العظيم، بل انحنى جدّاً، وكتب أنَّه لم يأتِ ليُعطي فقط، بل ليأخذ أيضاً بواسطة السَّمع والبصر، كي يختبر ما عمله الله بدونه مباشرةً في مؤمني العاصمة، فيتعزَّى وجميع الرُّسُل بواسطة شهادة المُعزِّي الإلهي في قِدِّيسي روما.
كما شهد بُوْلُس، مُسبقاً، أنَّه لم يأتِ بإيمانٍ جديدٍ، بل إنَّ الاعتقاد والمعرفة والقوَّة نفسها تعمل في جميع المَسِيْحِيّين الحقيقيِّين، الَّذين هُم أعضاء في جسد المسيح الرُّوْحِيّ. فكُلُّ مَن يزعم أنّه توجد أكثر مِن كنيسة واحدة هو كاذبٌ، لأنَّ الرُّوْح القُدُس واحدٌ، والمسيح واحدٌ، والآب واحدٌ، وحيثما يجتمع المؤمنون المخلصون يلتقون كأولادٍ لأبٍ واحدٍ، وإنْ كانوا لا يعرفون بعضهم بعضاً قبل ذلك. فيفرحون فرحاً كبيراً، وينسجمون ويتوافقون معاً في مبدأٍ واحدٍ، لأنَّهم مولودون مِن روحٍ واحدٍ.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الآب، لأنَّك تجمع كنيستك في العالم أجمع، وتُثبِّتها وتملأُها بصِفاتك. علِّمنا أن نُصلِّي لأجل إخوتنا في كلِّ مكان. نشكرك لأجل جميع أولادك المخلصين، لأنَّ كلَّ مولودٍ مِن روحك القُدُّوْس هو في ذاته أعجوبةٌ. افتح عيوننا كي نفهم ونُحبّ بعضنا بعضاً، ونفرح بحضورك. وامنحنا الحكمة والمسامحة كي تقوى الشَّركة فيما بيننا، فنُحفظ في حقِّك، ولا نبتعد عن شركتنا معك ومع الابن والرُّوْح القُدُس.
السُّؤَال:
10- لماذا كان بُوْلُس يشكر الله دائماً؟
1: 13 ثُمَّ لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَة أَنَّنِي مِرَاراً كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ، لِيَكُونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا فِي سَائِرِ الأُمَمِ. 14 إِنِّي مَدْيُونٌ لِلْيُونَانِيِّينَ وَالْبَرَابِرَةِ لِلْحُكَمَاءِ وَالْجُهَلاَءِ. 15 فَهَكَذَا مَا هُوَ لِي مُسْتَعَدٌّ لِتَبْشِيرِكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ فِي رُوْمِيَة أَيْضًا.
يفتح بُوْلُس – في هذه الرِّسَالَة – قلبَه لأهل كنيسة روما، ويُظهر لهم كم قصد مراراً أن يزورهم، بل وخطَّط لهذه الزِّيارة؛ ولكنَّ الله كان في كلَّ مرَّةٍ يعرقل خططه، فتعلَّم الرَّسُوْل العظيم مبكراً أنَّ أفكار الله ليست كأفكاره، وأنَّ طرق الله تعلو طرقه علوَّ السماء عن الأرض. لقد منعه روح المسيح مِن تنفيذ مخطَّطاته، وإن بدَت له نافعة وصالحة ومقدَّسة. وحتَّى حين أضحت الفرصة سانحة للسَّفر منعه الله أيضاً مِن تحقيق أمنيته.
كانت فكرة تبشير العالم قد استحوذت على قلب بُوْلُس، فأراد أن يبني – في فترة حياته – ملكوت الله في روما وفي سائر الأمم. لم يُفكِّر في بُنيان النُّفوس في الأفراد فحسب، بل كان اهتمامه منصبّاً على الشُّعوب والأمم ككُلٍّ، لأنَّه كان واثقاً ببركة المسيح العاملة معه، وهو قد عاين ربَّه المجيد، فكان متيقِّناً أنَّ العالم كلَّه لملك الملوك، وأنَّ انتصاره لا ريب فيه.
اعتبر رسول الأمم نفسه مديوناً لجميع النَّاس، ليس لأنَّه أخذ مالاً مِن أحد، بل لأنَّ اللهَ استودع فيه سلطانه وقُوَّته، فينبغي له بالتَّالي أن يهَبَهما لجميع المختارين في المسيح. إنَّنا، في الواقع، نعيش جميعنا حتَّى اليوم مِن المواهب الَّتِي وهبها الله لبُوْلُس، لأنَّه برسائله يُشركنا بقوَّته. وبهذا المعنى أصبحنا مديونين لكم، كما أنتم مديونون لجميع الَّذين حولكم. فالرُّوح العامل فينا ليس لنا، بل هو مستعدٌّ للحلول في قلوب الكثيرين.
عمل بُوْلُس في صفوف اليونانيين المثقَّفين، والرَّب ثبَّت خدمته في الضّعف. فأنشأ كنائس في حوض البحر المتوسِّط اليوناني. وكان – في فترة كتابته هذه الرِّسَالَة – قد عزم على العمل بين البرابرة في فرنسا وإسبانيا وألمانيا. لقد أراد أن يُخبر الناس جميعاً أنَّ لله ابناً قد فدانا على الصَّلِيْب. فكان في فورة حماسه واندفاعه أشبه بصاروخ عابر للقارات مهيّأ للانطلاق في كلّ لحظةٍ إلى حيث تشاء مشيئة القدير. وهو في محبّته للبرابرة تمنى أن يربح الرومان كي يرافقوه إليهم ويُشاركوه في تبشير الأمم. فشاء أن يُبشِّر المؤمنين في رُوْمِيَة كي يُصبحوا هم أيضاً مبشِّرين، لأنَّ الحصول على الخلاص يَخلق في المُخلَّص الرَّغبة في تخليص الآخرين أيضاً. فوضع بُوْلُس نصب عينيه كنيسة روما، ليخلق منها مركزاً ونقطة انطلاق لتبشير العالم كله.
واستجاب الله صلاة رسوله بطريقة أخرى. فلم يرسل سفيره إلى روما مباشرةً، بل أعاده أوَّلاً إلى أورشليم ليُقبَض عليه ويُسجَن. وهكذا، وبعد سنوات طويلة مؤلمة، وصل بُوْلُس العاصمة روما أخيراً مُقيَّداً، أسيراً، عبداً للمسيح. ورغم ذلك كلّه لم تنطفئ قوَّة الله فيه، حتَّى وهو رازحٌ في قيوده، فبشَّر العالم كلَّه برسائله. ورسالته إلى أهل رُوْمِيَة لا تزال تبشِّر الأمم والشُّعوب حتَّى يومنا هذا.
وها نحن، أحفاد هؤلاء البرابرة الَّذين قصد بُوْلُس أن يبشِّرهم آنذاك، ننشر اليوم بفرحٍ إِنْجِيْل الله كما كان مودعاً في يدي بُوْلُس. ولعلَّ هذا الأخير لم يخطر بباله آنذاك أنَّ رسالته هذه إلى أهل رُوْمِيَة هي في الواقع تحقيقٌ لأمنيته بتبشير العالم كلّه. فما مِن سفرٍ إلى جانب إِنْجِيْل يوحنا قد قلب العالم وغيَّره كهذه الرِّسَالَة الَّتِي كُتبَت بصلوات الروح وأنَّاته الكثيرة.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ، أنت الملك، وتهدي عبيدك حسب مشيئتك. اغفر لنا كل قصد أو تصميم لا ينسجم مع مشيئتك. أخضع نفوسنا كليّاً لإرشادك، فلا نحيد قيد أنملة عن خطة محبَّتك، بل نطيع أوامر روحك، ونُتمِّم أمانيك بفرحٍ حتَّى وإن كانت مخالفة لتصوُّراتنا. اللَّهمَّ طريقك قُدُّوْس، ونحن نستسلم لعنايتك، ونشكرك لأنَّك لا تسمح بأن نسقط مِن رحمتك.
السُّؤَال:
11- كيف وكم مرّة عرقل الله مخطَّطات بُوْلُس؟
ج: بِرُّ الله ثابتٌ ومُتحقِّقٌ فينا باستِمرار الإيمان
(رُوْمِيَة 1: 16- 17)
1: 16 لأَِنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيْلِ الْمَسِيحِ لأَِنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ.
عَلِم بُوْلُس أنَّ كلمة “إِنْجِيْل” كانت مألوفةً ومُحترَمةً في روما، بسبب وجود الكثير مِن الأناجيل “أي الإعلانات السَّارَّة الَّتِي تصدر عن دائرة القيصر” الَّتِي كان أهل العاصمة يتشوَّقون لسماعها.
فرفع بُوْلُس بشرى الخلاص، منذ البداية، على مستوى إعلانات القيصر، وكأنَّه يقول: “لستُ أخجل مِن رسالتي الصَّادرة مِن المستعمرة الصَّغيرة فلسطين، بل أُبرزها وسط العاصمة، لأنِّي أُبشِّركم بأنَّ لله الوحيد ابناً فريداً انبثق منه قبل كلِّ الدُّهور، وتجسَّد ليقترب منَّا بألوهيَّته، ويَفدي جميع البشر بموته وقيامته. فرسالتي لا تَحمل بُشرى ميلاد ولد فانٍ لقيصر الزَّائل، بل بشرى ميلاد ابن الآب الأزلي، الَّذي لا يزول. ولئن بشَّرَتكم أناجيل القيصر بفتوحاته وانتصاراته العسكريَّة، أو أعلنت لكم عن احتفالات أو ألعاب أو توزيع طعام لإرضاء الجماهير، فإنِّي أُبشِّركم بأنَّ العالم كلَّه قد فُدي مِن الخطيئة والموت والشَّيْطَان وغضب الله ودينونته. وأؤكِّد لكم أنَّ إِنْجِيْلي هذا أعظم مِن الأناجيل الرومانية كلّها، لأنَّه إِنْجِيْل كونيٌّ، سامٍ، أبديٌّ، قويٌّ، عظيمٌ، مجيدٌ. وهذا الإِنْجِيْل ليس مبنيّاً على فلسفاتٍ أو كُتُبٍ أو رجاءٍ فارغٍ، بل يدور حول شخصٍ واحدٍ لا يَخُصُّ عائلة القيصر، بل يخصُّ المسكونة كلَّها”.
لم يعرف الرومانيون المعاني المتداخلة لكلمة “المسيح” عند اليهود، ففهموا فقط أنَّه “الممسوح”. وربَّما كان “المسح” أيضاً لديهم آنذاك مِن وظائف القيصر نفسه الَّذي كان يُعتبَر، إلى جانب وظيفته المدنيَّة، رئيساً للكهنة، فكان القيصر مُوحِّداً في شخصه المسؤوليات السياسيّة والعسكريّة والشرعيّة، إلى جانب الخدمات الرُّوْحِيّة المختصّة بمصالحة الجماهير مع الآلهة والأرواح الموهومة، وكأنَّه الوسيط لكلّ بركة وسلام.
أمَّا المسيح فهو ربُّ الأرباب المجيد الَّذي عرشه فوق كلّ عرشٍ، الَّذي دُفِعَ إِلَيهِ كُلُّ سُلْطانٍ في السَّماءِ وَعَلَى الأَرْضِ، رئيس الكهنة الحقيقي، الوسيط الشّفيع الوحيد عند الله.
وبهذا الإعلان لم يُوضح بُوْلُس، مِن بداية إِنْجِيْله، بُنُوَّة المسيح لله، وطبيعته الإلهيَّة فحسْب، بل وضَّح أيضاً وظيفته بصفته الرَّب والقاضي والملك والحاكم والمُصالِح والَّذي يستحقُّ وحده اللَّقب: “مُخلِّص العالم” الَّذي كان وقفاً على القياصرة وحدهم آنذاك.
وهذه البُشرى بوجود ابن لله وخدماته المختلفة ليست مجرَّد فكرةٍ، بل هي قُوَّةٌ مُفجِّرةٌ للقلوب المتحجِّرة، تفوق في عظمتها قوى الخليقة كلِّها، لأنَّ الإِنْجِيْل يتضمَّن قوَّة الله كلَّها، والرَّب نفسُه حاضرٌ في الإِنْجِيْل، يتكلَّم مِن خلال حروفه السَّوداء، منشئاً بواسطتها حياةً جديدةً في السَّامعين، ومجدِّداً المدعوِّين. فلا تضع كتاب الحَيَاة وأقدس الكتب على رفوفك كأيِّ كتابٍ آخر، بل ارفعه في مكانٍ لائقٍ، لأنَّ هذا الكتاب يدين الكتب الأخرى كلَّها. فالإِنْجِيْل كاملٌ كمالَ الله نفسه، وقويٌّ وقادرٌ على خلق عالمٍ جديد.
وقوَّة الله هذه الَّتِي أتت إلى العالم بواسطة إِنْجِيْل المسيح، لم تأتِ لِتُخرِّب عالمنا الشِّرير، بل لتُخلِّصه. فالله يريد أن جميع الناس يَخلصون وإلى معرفة الحقِّ يُقبلون. فأبونا السَّمَاوِيّ ليس دكتاتوراً، وهو لا يُجبر أحداً على قبول إِنْجِيْل ابنه، بل يُقدِّم حقَّه للجميع مجَّاناً. فمَن يفتح قلبه لكلام المسيح ويتَّكل عليه، يَختبر قوَّة الله الدَّاخلة فيه، لأن لا خلاص بدون إيمان. فكلُّ مَن يؤمن يتَّحد بابن الله، فيُحِلُّ المسيحُ ألوهيَّتَه في المؤمن، ويُطهِّره، ويُقدِّسه، ويُنعشه.
فالإيمان بالمسيح يُنشئ خلاصاً أبديّاً في كلِّ مَن يفتح قلبه له. والثِّقة بابن الله هي السَّبيل الوحيد للخلاص. وبواسطة الإيمان ينال الإنسان الغُفران والقيامة مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. فالإيمان هو الفعل الحاسم في الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة، لأنَّك بدون الإيمان لا تعرف إلهك ولا تشعر بقوَّته. أمَّا بالإيمان فتتبرَّر وتحيا حقّاً.
وهذه الحقيقة المفرحة اختبرها اليهود أوَّلاً، على الرَّغم مِن أنَّ مُعظمهم قد رفضوا المسيح وأبغضوه وصلبوه، إنَّما النُّخبة المتواضعة عرفته وآمنَت به، وامتلأت مِن الرُّوْح القُدُس، وثبتَت في محبَّة الله. وقوَّة الثَّالُوث الأَقْدَس تحلُّ، حتَّى يومِنا هذا، في البشر، بواسطة شهادة الرُّسُل الأوَّلين.
وبعدَما قبِلَت أقلِّيَّة اليهود خلاص المسيح، تبعَتهُم جماهير اليونانيين وسائر الأُمم الَّذين فتحوا قلوبهم لإِنْجِيْل الخلاص، واختبروا أنَّ هذه الرِّسَالَة لم تكن كلاماً فارغاً، بل كانت ممتلئةً بقوَّة الله الَّتِي تربط المؤمنين بالمسيح الحيّ في عهدٍ أبديٍّ.
أخي العزيز، إنْ قَرأتَ إِنْجِيْل المسيح بانتباه، وفتحتَ قلبك لكلمته، وأمنتَ بألوهيَّة يسوع، وتحدَّثت إليه بالصَّلاَة، فستختبر أنَّ المسيح المصلوب والمُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ هو المخلّص الحقيقي، والكاهن الأعظم، والملك المُقتدِر، وفادي العالمين. فاجرؤ على بناء حياتك بالتَّمام على الإِنْجِيْل، تَعظُم قُوَّة الله في ضعفك.
الصَّلاَة: نُعظِّمك أيُّها الله الآبُ والابنُ والرُّوْحُ القُدُس، لأنَّك تُعلِن نفسَك في إِنْجِيْل المسيح، وتُطهِّرنا بالإيمان، وتَحلّ فينا بملئك. ونُعظِّمك أيضاً لأنَّ قوَّتك الكاملة تَعمل في أحرُف الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة، وتَنبع مِن أسفار العهد الجديد كلَّها. افتح عيوننا وأذهاننا كي نسمع صوتك، ونثق بك، ونُسلم حياتنا بالتَّمام لعنايتك وإرشادك.
السُّؤَال:
12- ما هي، في رأيك، أهمّ عبارة وردت في الآية 16؟ ولماذا؟
1: 17 لأَِنْ فِيهِ مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ لإِيمَانٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا
توجد في علم اللاهوت عقدةٌ كبيرةٌ هي بِرُّ الله. ولو كان دينُنا سطحيّاً، لَمَا وُجِدَت هذه العقدة. ولكنْ حين نَعلم أنَّ قَدَاسَة الله تقتضي قَتْل كلِّ خاطئٍ، وأن ليس بارٌّ أمام الله ولا واحدٌ، فإنَّنا نحزن لأنَّ البشريَّة كلَّها تستحقُّ الموت فوراً. أمَّا الله فليسَ قُدُّوْساً وقاضياً عادلاً فحسْب، بل هو أيضاً أبٌ رحيمٌ ممتلئٌ محبَّةً وجودةً وطول أناة. وهو لا يشاء أن يموت الخاطئ، بل أن يخلص.
ولذلك لم يقدر الله، لأجل قداسته وحقِّه، أن يغفر لِمَن يشاء ومتى يشاء، رغم أنَّه يشاء أن يُسامح الجميع مجَّاناً؛ لأنَّ قَدَاسَة الله هي الَّتِي تُحدِّد ذاته.
وحَلاًّ لهذه المشكلة، أوجد حقَّ النِّيابة في الذَّبيحة الَّتِي تُنْحَر عوضاً عن الخاطئ. وإذ لم تكن ثمَّة ذبيحة حيوانيَّة أو بشريَّة في عالمنا هذا تُرضى متطلَّبات قَدَاسَة الله، وَلَدَ الله ابنَه قبل كلّ الدُّهور، ليتجسَّد في ملء الزَّمان ويموت عوضاً عنَّا، فيكفِّر عن ذنوبنا، ويُبرِّرنا حقّاً. أمَّا موضوع الرِّسَالَة في رُوْمِيَة فهو ليس تبريرنا الخاص، بل برّ الله نفسه: كيف يَثبت القُدُّوْس بارّاً على الرَّغم مِن تبريرنا نحن الخطاة؟ إنَّ المسيح هو الجواب الوحيد لهذا السُّؤَال.
وإذ جدَّف أهل النَّاموس على الصَّلِيْب قائلين: “إذا كان في وسع كلِّ إنسانٍ أن يتبرَّر بواسطة الإيمان بموت المسيح، فلا شيء يمنعنا من الانغماس أكثر في خطايانا، طالما أنَّ نعمة المصلوب تُبرِّرُنا تلقائيّاً”؛ دانهم بُوْلُس بحدَّة، وشهد لهم أنَّ الإيمان المَسِيْحِيّ ليس مُجرَّد تصديقٍ، بل هو ربط الحَيَاة بالمسيح، كي تعمل قوَّته في عجزنا. وهو يخلق فينا ثمار روحه، فاتّباع يسوع يشبه سلسلة إيمان حلقاتها إجراءات الإيمان الممتلئة شكراً ومحبَّةً للمسيح الَّذي يُبرِّرنا ويُقدِّسنا ويُكمِّلنا. فلسنا نحن الَّذين نُخلِّص أنفسنا، بل إنَّنا ننفتح كلٍِّياً للنعمة. والمتبرِّر يعيش مِن الإيمان وحده، سائراً مِن إيمان إلى إيمان. وهو لا يعتبر نفسه بارّاً في ذاته، بل المسيح هو الَّذي برَّره، وهو الَّذي يحفظه ويُقدِّسه يوماً فيوماً بأَعْمَال روحه. وهكذا يَثبت اللهُ بارّاً، لأنَّه يَغفر لنا يوميّاً، ويُقدِّسنا في كُلِّ ثانيةٍ. فنحن خاصَّته مُقدَّسون له.
وبرزت مسألةٌ أخرى في أهل العهد القديم، وَضعَت بِرَّ الله موضع التَّساؤل؛ وهي رفض اليهود للنِّعمة، لأنَّ أكثريَّتهم قد صلبت ابن الله، وأخطأت بذلك هدف تاريخ خلاصها، فعارضت دائماً صوت الرُّوْح القُدُس الَّذي حاول جذبها للتَّوبة والإيمان. وتحت وطأة هذا الواقع المُرِّ تساءل بُوْلُس وسائر الرُّسُل: “كيف يَثبُت اللهُ بارّاً، إذا كان قد اختار آل إبراهيم، وارتبط وإيَّاهم بعهدٍ أبديٍّ؟” بيد أنَّنا نرى في أيَّامنا هذه أنَّ الله يُقسِّيهم ويَرفضهم، لأنَّهم لم ينفتحوا لروحه القُدُّوْس. فهل فشل الله؟ يجيب بُوْلُس قائلاً: “كلاَّ وحاشا!” وهو يُوضح جواب الوحي في (رُوْمِيَة 9 إلى 11) ليس لتبرير اليهود، بل لإبراز برّ الله فقط، حيث غار رسول الأمم على ألوهية وقَدَاسَة وبرّ أبي ربِّنا يسوع المسيح.
إنَّ كلَّ مَن يحصل على الإيمان الحقّ، ويستسلم لقيادة الرُّوْح القُدُس، يتجدَّد في ذهنه، ويستطيع العيش في القَدَاسَة مع جميع المتبرِّرين في العهد الجديد. فعلم الأخلاق المَسِيْحِيّة لا يتوقَّف عند تربية الإنسان، أو القوى البشريَّة، بل يتخطَّاها إلى إطاعة جَذْب محبَّة الله وقُدرة خلاصة الشَّامل كلَّ مَن يؤمن بالابن. فسلوك المَسِيْحِيّين يُقدِّسُ اسم الآب، ويُظهِر بِرَّه. وإظهار بِرِّ الآب هو موضوع الرِّسَالَة إلى أهل رُوْمِيَة.
الصَّلاَة: أيُّها الإله الثَّالُوث الأَقْدَس، نسجد لك لأنَّك جذبتنا إلى الإيمان الحقّ، وبرَّرتَنا مجّاناً، وتُقدِّسنا يوميّاً، وتُرشدنا بالصَّواب. أنتَ البارُّ، وتَثبتُ بارّاً، حتَّى ولو لم نفهم كثيراً مِن حركات الشُّعوب في تاريخ العالم. قدِّسْنا إلى التَّمام، وانزع رواسب الخطيئة مِن أخلاقنا كي نُصبح حمداً ورائحةً زكيَّةً بين النَّاس أجمعين.
السُّؤَال: 13- ما هي علاقة برِّ الله بإيماننا؟
الجزءُ الأوَّل
بِرُّ الله يَدينُ جميعَ الخطاةِ
ويُبرِّر ويُقدِّس
المؤمِنين بالمَسِيح
(رُوْمِيَة 1: 18- 8: 39)
أوَّلاً: الْعَالَم كُلّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ
والله يدينُ الجميعَ بالعَدل
(رُوْمِيَة 1: 18- 3: 20)
1- غضَب الله مُعْلَنٌ على الأُمَم
(رُوْمِيَة 1: 18- 1: 32)
1: 18 لأَِنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ الَّذِينَ يَحْجُزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. 19 إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَِنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. 20 لأَِنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. 21 لأَِنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلَهٍ بَلْ حَمُِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ.
بعدَما حيَّا بُوْلُس كنيسةَ رُوْمِيَة بتواضعٍ ومحبَّةٍ وشوقٍ، مُبرزاً لهم شعار وموضوع الإِنْجِيْل في برِّ الله بالمسيح، ابتدأ الجزء الأوَّل مِن بحثه العميق، معلناً أنَّ غضب الله العادل نازلٌ على فجور الناس وإثمهم. فنحن اليوم لا نعيش عصر النِّعْمَة فحسب، بل عصر غضب الله أيضاً الَّذي هو دافع وسرُّ أيَّامنا. إنَّ اشمئزاز الله مِن الفواحش، وانتقامه العادل مِن خطايا البشر هما شعار أيَّامنا. وكلُّ مَن يَعرف القُدُّوْس يخافه ويرتعد مِن غيظه. ولا يعرف أحدٌ نفسَه إلاَّ وقد أدرك قليلاً مِن أشعَّة قَدَاسَة القُدُّوْس. وذنب الإنسان يَظهر في جلال اللاَّهوت.
لقد خلق الله النَّاس على صورته. ولكنَّهم في استكبارهم الخبيث، اختاروا الاستقلال الغبيَّ عنه. أمَّا الإله الصَّبور فلم يُهلك العُصاة الأغبياء، بل انتظر رجوعهم إليه شاكرين، وخضوعهم لربِّهم وخالقهم. ولكنَّهم أحبّوا أنفسهم أكثر مِن الله، وتمادوا في ابتعادهم عنه حتَّى أصبحوا عُمياً روحيّاً، فلم يشعروا بعد بمجد القُدُّوْس، بل ثبتوا في الشَّر، مُفسدين أنفسهم بأنفسهم، مانعين غيرهم مِن قبول الخلاص، زاعمين أنَّ ظُلمهم وفسادهم هما الطَّريق السَّويُّ.
ولا يزال الإنسان، على الرَّغم مِن سقوطه في الخطيئة، قادراً على إدراك وجود الله، من خلال عجائبه في الطَّبيعة. ادرس تركيب النَّبات، وقوَّة الذَّرَّات، وعظمة النُّجوم بأعدادها الهائلة ونظامها العجيب على امتداد الفضاء اللانهائي، فتسجد للخالق الحكيم القدير السَّرمديّ. تأمَّل جمال نفسك، وإحساس ضميرك، وإبداع عقلك… اسمع دقَّات قلبك الَّذي يخفق مائة ألف مرَّةٍ يوميّاً كي يُوصل دمك إلى أطراف جسمك. إنَّ هذه العجائب ليست تلقائيَّةً، بل هي هبة الخالق لك.
مَن لم يُدرك مجد الله في الطَّبيعة؟ مَن لا يشاء أن يتأمَّل عظمة الله وقُدرته وجلاله؟ إنَّ كلَّ ما حولنا يشهد ويَنطق بمجده العظيم. لكنَّ إنسان عصر السُّرعة والمادَّة لا يجد لديه مُتَّسعاً مِن الوقت للقراءة في كتاب الطَّبيعة المفتوح المرقوم بخطَّ الله الواضح.
إنَّ مَن لا يُكرم الخالق، ويشكره على وجوده، ويخضع لجلاله، يفقد في غبائه حكمة الرُّوْح القُدُس، فتعمى بصيرته، ويتحوَّل إلى حيوانٍ يسعى إلى كلّ ما هو مادِّي ودنيويّ وزائل، فيشوِّه الصورة الَّتِي خلقه الله عليها. فَسَبِّح الله يا أخي بمحبَّةٍ، واحمده بخوفٍ، لأنَّه خلقك على صورته، ونفخ فيك نسمة الحَيَاة. فأنت خاصَّته، ولا تقدر أن تعيش بدونه.
إنَّ كلَّ مَن لا يعبد الله عبادةً حقَّةً هو ضالٌّ كافرٌ، لأنَّه فقد قبلته، وخنق ضميره، فأظلم جوهره، ورأى في الكذب حقيقةً، فلوى معرفة الله ومنعها بعنف. فاطلب من ربِّك إيماناً حقّاً، وأرشد الآخرين إلى الإيمان بوجود الله، لأنَّ كلَّ مَن لا يثق بمجد الله، ويسبِّح لرحمته، يهلك في غضبه المُعلَن مِن السَّماء على كلِّ فاجرٍ وآثِم.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس القادر على كلِّ شيءٍ، نشكرك لأنَّك خلقتَنا وأوجَدتَنا بأحسن تكوين. اغفر لنا سطحيَّتنا وإهمالنا لتسبيحك، وساعدنا على الرُّجوع إليك، والاعتراف بوجودك جهراً، والثَّبات في محبَّتك يوميّاً، وتعظيمك على الدَّوام، وإعلان غضبك العادل على جميع فجور الناس وإثمهم، كي يتوبوا ويرجعوا إليك.
السُّؤَال:
14- لماذا غضب الله مُعلَنٌ؟
1: 22 وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ 23 وَأَبْدَلُوا مَجْدَ اللهِ الَّذِي لاَ يَفْنَى بِشِبْهِ صُورَةِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَفْنَى وَالطُّيُورِ وَالدَّوَابِّ وَالزَّحَّافَاتِ.
لا يستطيع الإنسان الفاني أن يعيش بدون الله، وهو وإنْ أنكر ربَّه في أعماقه، فإنَّه يستسلم لآلهةٍ أُخرى باطلة؛ لأنَّ الإنسان قد خُلق ليُؤمِن. وحتَّى الملحدون سواء كانوا مُثقَّفين أو جهلة، لكلٍّ منهم أصنامه الصَّغيرة الَّتِي يركن إليها، ويُحبُّها، ويُمجِّدُها، ويهتمُّ بها، ويُضحِّي في سبيلها. فالجماهير تؤلِّه الزُّعماء، وتُعلِّق عليهم الآمال، والجميع يتهافتون على المال والثَّروة لضمان حياتهم وراحة مستقبلهم، والمُثقَّفون يغرقون في كتبهم وفلسفاتهم الفارغة، ظنّاً منهم أنَّهم أهل المعرفة والثَّقافة وهم ليسوا إلاَّ خُطاة، وأهل السِّياسة يرجون فوزهم بأيِّ وسيلةٍ مشروعة أو غير مشروعة، والطَّلبة ينشدون التطور العلمي، والنَّاشطون يستسلمون لروح الثَّورة. والخوف يُخيِّم على الجميع، لأنَّ سلام الله ليس في قلوبهم.
يضع سائق سيَّارة الأجرة خرزة زرقاء على مرآة سيَّارته لتحفظه مِن العين الشِّريرة، فيُنكر بذلك قدرة الله على حفظه وحمايته ويحطُّ مِن قَدرها ويستهين بها. ويُعلِّق بعض المسافرين في عنقه رقية مكتوبة لتقيه مِن مخاطر السَّفر. ويلجأ كثيرون إلى العرَّافين، وينتظرون دورهم في صفوف طويلة للاتِّصال بالأموات والأرواح للاستفسار عن خفايا العالم وخبايا المستقبل. ولك عزيزي القارئ أن تعدَّ كم مرَّة يتعدَّى فيها البشر يوميّاً على وصيَّة الله الأولى: أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.
لقد عَمِيَ العالم عن حقيقة مجد الله، فبات البشر في ضلالهم يسعون وراء سرابٍ خادعٍ، معلِّلين النَّفس ببلوغ الرَّجاء والسَّلام المنشودَين لقلوبهم الفارغة. وأضحى الكثيرون
ضحايا اليأس والتَّشاؤم، وكثُرَت حوادث الانتحار نتيجة اليأس والقنوط وفقدان الرَّجاء.
يستأثر روَّاد الفضاء باهتمام البشر، وكذلك أهل الفنِّ ونجوم السِّينما، فيصفِّقون لهم ويهتفون، ويقضون ساعاتٍ طويلةً في متابعة أخبارهم، أمَّا وصايا الله فلا تجد مَن يكترث أو يهتمّ بها أو يسلك فيها، وهم لذلك سائرون في غيِّهم، ماضون في ضلالهم، يُفنون سني عمرهم في إرضاء أنانيتهم وشهواتهم، فيقتتلون ويتناحرون ثمّ يغادرون هذه الدُّنيا بتفاهاتهم وحماقاتهم.
امتحن نفسك يا أخي. هل تحبُّ نفسَك، أو أيَّ مخلوقٍ آخَر، أكثر مِن الخالق؟ هل تعتمد على مُحرِّك سيَّارتك؟ هل أنت مفتونٌ بجمالك ومظهرك الخارجي؟ هل ترجو مِن البشر واسطةً؟ إنَّ ميولك الدُّنيويَّة كلَّها تُنقص مِن احترامك لله. فأحبّ ربَّك مِن كلِّ قلبك، ومِن كلِّ نفسك، ومن كلِّ قدرتك، وعِنْدَئِذٍ تموت أصنامك وآلهتك، وحتَّى أنانيتك، ويُشرق عليك مجد الرَّبّ وعونُه.
الصَّلاَة: أيُّها الآب، نشكرك لأنَّك خلقتَنا على صورتك، وأعلنتَ جوهرك في الابن. نَطلب إليك أن تُعلن محبَّتك لجميع النَّاس، لكي يتلاشى الكفر في كلّ مكان، ويتقدَّس اسمُك الأبويُّ. اغفر لنا إن كانت لدينا آلهة أخرى في حياتنا، وامحها من تفكيرنا. ولْيَملِك ابنك وحده فينا إلى الأبد.
السُّؤَال:
15- لماذا يضطرُّ الإنسان العائشُ بدون الله إلى صُنع آلهة دنيويَّة لنفسه؟
1: 24 لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ، 25 الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ آمِينَ.
تُرينا الآية 24 الدَّرَجة الأولى مِن إعلان غضب الله. فالدَّيَّان القُدُّوْس يترك جميع الَّذين يعرفونه ولا يُكرمونه، ليسقطوا في شهوات قلوبهم. لقد عموا روحيّاً بسبب عصيانهم، فلم يروا الله فيما بعد محوراً للكون، بل ابتدأوا يدورون حول أنفسهم، لأنَّ الأنانية تبتدئ في كلّ مَن لا يُحبّ الله. وهكذا ينعكس اتِّجاه الحَيَاة، فيصبح هدف الملحدين ليس الإله الخالق، بل أنفسهم ورفاهيتهم وشهواتهم وأماني قلوبهم.
وحيثما تَستعبد شهوةُ الإنسان إرادتَه، تتسلَّط الخطيئة لتُثبت أنَّها ليست مجرَّد نظريَّة، بل هي واقعٌ مُرٌّ، ليس في الفكر فحسب بل وفي الجسد أيضاً، لأنَّها تسيطر على الشُّعور الباطنيِّ. فمعظم الخطايا تحدث خارج جسد الإنسان بعد أن تُنجِّسه مِن الدَّاخل. فيثور الضَّمير على كلّ نوعٍ مِن النَّجاسة، علماً منه أنَّك بممارستها تُفسِد صورة الله فيك، لأنَّ جسدك قد خُلق ليكون هيكلاً للروح القدس. إنَّ الله يريد أن يسكن فيك، فماذا تفعل؟ وأيّ روحٍ يسكنك؟ وما هي ثمار الرّوح الحالّ في ذهنك.. أطَهارةٌ أم نجاسة؟ هل تَقْبَل أن تُهين نفسك المخلوقة على صورة الله؟
إنَّ النَّجاسة درجاتٌ. والإنسان بدون الله يسقط مِن النِّظام الطَّبيعي في شرك الممارسات غير الطَّبيعية، فيسمِّي الحرام حلالاً، لأنَّ تحريف حقِّ الله هو تمهيدٌ للخطيئة الَّتِي يردعها وازعٌ أو ضمير. فالإنسان الشَّاذُّ لا يُبالي بنواميس الطَّبيعة، بل يُستعبَد لشهواته المنحرفة، فيخرِّب أُناساً آخرين، ويغويهم في سبُل النَّجاسة. وما أوسع بحر التَّجربة، وخراب النّفس والجسد، واللَّعنات الصَّادرة مِن حياة ليس فيها روح الله! تَظهر الخطيئة في البداية لذيذةً شهيَّةً، ولكن بعد ممارستها يحسُّ الإنسان بالاشمئزاز منها، ومِمَّن أضلَّه، ويَخجل مِن نفسه، ويؤنِّبه ضميره على الإهانة الَّتِي ألحقها بنفسه وبجسده. وفي الدَّيْنُوْنَةِ الأخيرةِ ستحمرُّ وجوه كثيرين خجلاً مِن كشف فواحشهم.
إنَّ لُبَّ الخطيئة ليس الشُّذوذ الجنسي، بل هو العبادة الخاطئة. فتحوُّل الإنسان عن الله يُخرِّب موقفه الدَّاخلي، لأنَّه حالما يبتعد عن ربِّه يصبح بدون قبلة. وكلُّ مَن يُدرك الله، يضطر إلى صنع أصنام لنفسه، لأنّه لا يستطيع أن يعيش بدون قبلة. ولكنَّ أصنام النّاس كلها باطلةٌ فانيةٌ مصنوعات أيدٍ بشريَّة. ليت الإنسان يستطيع أن يُميِّز بين الدُّنيا والأَبَدِيَّة، لأنَّه إن استطاع ذلك لما سمح لنفسه أن يكون عبداً للمال والأرواح والكتب والناس.
واحدٌ هو المستحقُّ تقديرنا، وهو القادر على كلّ شيءٍ، الَّذي بدونه لا يحدث أيّ شيء، العليم الحكيم الرّؤوف بمخلوقاته. فلْيكُن حمده دائماً في أفواهنا. هو المتعالي عن كلّ خطيئة، الَّذي ليس فيه جورٌ أو ظلمٌ، الَّذي محبَّته تتجدَّد كُلَّ صباحٍ، وأمانته عظيمةٌ، لا يموت ولا يتغيَّر، ويحفظنا بصبره البالغ. ليت النّاس جميعهم يعودون إلى خالقهم، فيجدوا أساساً لحياتهم، ومقياساً لقيمتهم، وهدفاً لرجائهم.
ختم بُوْلُس عبارته عن الخالق المُبارَك إلى الأبد بالكلمة “آمين”، مُظهراً محاضرته كصلاة وشهادة. والكلمة “آمين” معناها هكذا يكون. أي إنَّ الَّذي هو مُبارَكٌ إلى الأبد هو صدقٌ ويقينٌ، وهكذا يكون. فليت الرَّبّ يجعل لاهوته القصدَ الرَّئيسي لأفكارنا ومخطَّطاتنا وأَعْمَالنا، فتصحّ حياتنا وأذهاننا، لأنَّ الحَيَاة بدون الله، في هذه الدُّنيا، جحيمٌ يَزُجُّ أهل النَّجاسة بأنفسهم فيه، بواسطة تخريب أنفسهم بنجاساتهم القبيحة، نتيجة استسلامهم لشهوات قلوبهم، قبل انتقالهم إلى الجحيم الأبديّ.
الصَّلاَة:
نسجد لك أيُّها الإله القُدُّوْس، لأنَّك الأزلي الطَّاهر العادل، وقد خلقتَنا على أحسن تقويم، وتحفظنا في لُطفك. نُحبُّك ونسألك أن تحصرنا في محبَّتك، فنحيا لك، ونكرمك في كلّ حين، ونشكرك بلا انقطاع. اغفر لنا كلّ ابتعاد عنك، وطهِّرنا مِن نجاساتنا. حرِّرنا مِن الأصنام الَّتِي صنعناها لأنفسنا، كي لا نَعبد ونُحبّ ونُكرم في هذه الدُّنيا سواك.
السُّؤَال: 16- ما هي نتيجة عدم عبادة الله الحقَّةِ؟
1: 26 لِذَلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَِنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاِسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ، 27 وَكَذَلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ. 28 وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ
كتب بُوْلُس العبارة المرعبة “أَسْلَمَهُمُ اللهُ” ثلاث مرَّاتٍ في الأَصْحَاح الأوَّل. وهذه العبارة تتضمَّن في معناها الحسم والغضب والدَّرجة الأولى مِن الدَّيْنُوْنَة. فويلٌ للَّذين أسلمهم الله إلى سُلطة الشَّر، لأنَّهم قد سقطوا مِن عناية ضابط الكلِّ وحمايته.
ويتجلَّى هذا الانفصال عن الله في استعار القلوب بالشَّهوات الدَّنسة، وامتلاء العقول بالأفكار الإلحاديَّة، فينساقون كالبهائم وراء شهواتهم، ولا يفكِّرون إلاَّ في إشباع رغباتهم الجسديَّة. فالإنسان الَّذي لا يَسكن الرُّوْح القُدُس قلبه، ويضبط جسده وشعوره الباطني على الدَّوام، يتحوَّل إلى فاجر، حتَّى وإن لبس قناع الأدب والتَّهذيب.
ونجد اليوم في عصر مساواة المرأة بالرَّجل نساءً يزعمنَ أنَّ لهنَّ الحقّ في إشباع رغباتهنَّ الجنسيَّة بالاستغناء عن الرَّجل. كما تدعو بعض المؤسَّسات إلى إباحة اللواط والمثلية كي لا يتكاثر النسل في الدُّنيا. أمَّا بُوْلُس فيعتبر جميع الَّذين يستسلمون لغرائزهم بالطُّرق المنافية للطَّبيعة مُسلَّمين إلى خداع النَّفس تحت غضب الله.
وهؤلاء جميعاً يحملون ضرراً بالغاً، وعقداً ملتوية في أنفسهم، وخراباً في أذهانهم، لأنَّهم ليسوا بعد أُناساً طبيعيِّين، بل هم يحلمون ويفعلون ما لا يُريدون. إنَّ مَن يعمل الخطيئة هو عبدٌ للخطيئة، ومَن لا يَثبُت في نظام الله يرسف في قيودٍ وارتباطاتٍ شيطانيَّةٍ تُبعده عن ربِّه حتَّى تفصله نهائيّاً عنه.
إنَّ سبب تداعي الحضارة عميقٌ. وإنَّ جوهر الشَّر ليس الشُّذوذ الجنسيَّ في حدِّ ذاته، بل هو الفاسدون المُفسدون الَّذين لم يشاءوا إبقاء الله في ذاكرتهم، بل أحبّوا أنفسهم والعالمَ أكثر مِن الله، ولذلك سقطوا مِن النَّجاسة إلى الفحشاء. ومَن يقرأ شهادات مِن أناس خلَّصهم المسيح، يُدرك سريعاً أنَّهم كانوا قبل خلاصهم بعيدين عن الله. ونتيجةً لعدم إيمانهم، استُعبِدوا لكلِّ ضلالٍ جنسيٍّ، ونجاسةٍ قبيحة. ولكنَّ المسيح، عندما وجدهم، منحهم الغفران والتَّطهير والتَّجديد والتَّعزية والقوَّة والرَّجاء والفرح.
أمَّا مَن يتعمَّد البقاء بعيداً عن الله، ويُقاوم جذب الرُّوْح القُدُس له إلى التوبة والفداء، فيحصل على ذهنٍ مرفوضٍ. ليس ثمَّة حكمٌ على إنسانٍ أشدّ وطأةً مِن العبارة “مرفوض” الَّتِي تختصر غضب الله على ذلك الإنسان، لأنَّ مَن يَرفضه الله لا يقدر أن يرجع إلى الله، فالرُّجوع يحتاج إلى تغيير الذِّهن. وكلمة “التّوبة” في اللغة اليونانية تعني حرفيّاً “تغيير الذِّهن”. فالله يريد انقلاباً ذهنيّاً في الإنسان حتَّى يَقبله ويُجدِّده.
فما هي حالة قلبك، عزيزي القارئ؟ وهل ذهنك مفتوحٌ لروح الله وخَلاصه وطهارته، أم أنت ممَّن يعيشون بلا مبالاةٍ، ويبتعدون عن الله بأذهانهم الشِّريرة؟ ارجع ما دام الوقت يُدعى اليوم، واطلب من ربِّك أن يُنقِّي شعورك الباطني ويُغيِّر قلبك. لا تسمح بأن يبقى ماضيك نجساً، فربُّك يشفيك، ويغفر لك ويُطهّرك. وهو وحده القادر أن يحلّك مِن جميع ارتباطاتك الماضية وشهواتك النَّجسة، إن أردتَ ذلك مِن كلّ قلبك. إنَّك لا تستطيع أن تُخلِّص نفسك بنفسك أبداً، إلاَّ بالإرادة، والتَّصميم، والطَّلب إلى الرَّب، وقبول خلاصه. وهو مستعدٌّ دائماً ليُنَجِّيْك.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، أنت تعرفني، وكلُّ فكرٍ مِن أفكاري مكشوفٌ أمامك. وتَعرف ماضِيَّ، وكلَّ إنسانٍ أخطأتُ إليه. اغفر لي شهواتي، وطهِّر شعوري الباطني. اجذبني إلى كلمتك لأُحبَّك. لا أريد أن أخطئ فيما بعد. فاخلق فيَّ إرادةً ثابتةً كي أنال حُرِّيَّتي على يدك. خلِّصْني مِن ذهني المرفوض، ومن جسدي الفاسد. أنتَ طبيبي ومُخلِّصي. عليكَ اتِّكالي.
السُّؤَال: 17- كيف صوَّر بُوْلُس ظهور غضب الله؟
1: 29 مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرٍّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا 30 نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ مُبْغِضِينَ لِلَّهِ ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ 31 بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضًى وَلاَ رَحْمَةٍ 32 الَّذِينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ
يضع بُوْلُس قائمة الرَّذائل أمام أعيننا، كتفسير للوصايا العشر، ليس لنناقش العبارات على نحوٍ موضوعيٍّ كفلاسفة، ولا لنقيس الآخرين بها وندينهم بموجبها، بل لنتأمَّل أنفسنا بخوف، ونُدرك مكامن الخطيئة في ذواتنا. إنَّ مَن يعِش بدون الخالق يمتلئ إثماً وظُلماً، لأنَّ روح الشِّرير يأتي بثمار متنوِّعة في مَن خلَت قلوبهم مِن الرُّوْح القُدُس. فالإنسان يعيش إمَّا في المسيح، أو في الشِّرير، لأنَّه لا توجد منطقة محايدة.
يعتبر يسوع ورسوله بُوْلُس الزِّنى الخطيئة الأولى، لأنّه يُفكِّك رباط الحبِّ الطَّاهر ويُزيل الثِّقة بأمانة القرين الآخَر، فيدخل الإلحاد إلى العائلة، وتسلب الشّهوة الشِّريرة كلَّ مَن لم يُنكر نفسه بقوَّة الله. ومُعظم الناس زناةٌ سواء في الفكر، أو القول، أو العمل. فهل تعرف نفسَك؟ إنَّ ضميرك يُكلمِّك بصراحةٍ ووضوح، فلا تُنكر ماضيك، بل أقرّ بما فعلت.
هل تعلم أنَّ الإنسان بدون الله لا يُمكن أن يكون صالحاً أبداً، بل هو شرِّيرٌ. وإنَّ ما يُشيعه أتباع المذهب الإنساني عن قدرة الإنسان على تحقيق الذَّات بدون الله هو محض افتراء. فلماذا يتحدَّث هؤلاء وسواهم مِن المربِّين عن الإنسانية والتربية والخدمة الاجتماعيَّة، إذا كانت البشريَّة في ذاتها شرِّيرة فاسدة؟ إنَّنا لا نحتاج إلى إصلاح الأوضاع، وتهذيب الأخلاق، بقدر ما نحتاج إلى خلق جديد، وتجديد للقلوب والأذهان.
إنَّ كلَّ مَن لا يَعرف الله يُحبُّ المال، ويَبني حياتَه على هذا المعبود الفاني، فيصبح رصيده المصرفي هاجسه وشغله الشَّاغل. لقد أصبح المال إلهاً إليه تتَّجه الأفكار والطموحات، وفي سبيله يقتتل الناس ويُضحُّون بحياتهم ووقتهم، فيُمسون له عبيداً.
وكلُّ مَن يملك فيهم الذِّهن المرفوض يمتلئون خبثاً وحيلةً وانتقاماً ورياءً وكذباً وخداعاً ومكراً. فيتربَّص الخبيث بأعدائه وأصدقائه على حدٍّ سواء، ويُوقعهم في فخاخه، متظاهراً أمامهم بالصَّلاح، فيما قلبه وكرٌ للأفاعي.
والدَّافعُ في الخبيث عادةً هو الحسد. فالخبيث لا يفرح ببركات الله على الآخرين ، بل يُريد لنفسه المستوى نفسه مِن الغنى، ومِن ثمَّ يطلب المزيد، كي يكون هو الأغنى والأجمل والأذكى والمُكرَّم فوق الجميع. إنَّ البخل والحسد هما أصل معظم الشُّرور. وتستغلّ الدِّعاية التِّجاريَّة الحديثة هذه الدَّوافع الخبيثة في الإنسان لترويج بعض السِّلع، فتُذكي نار الطَّمع والاشتهاء في قلوب النّاس للحصول على هذه السِّلع بأيِّ ثمنٍ.
وروح الخبث والحسد والطَّمع يَدفع بصاحبه إلى القتل والتَّشهير بالآخرين والكراهية. وقد علَّمَنا يسوع أنَّ رفض الآخرين واحتقارهم وكراهيتهم هي والقتل سَواء. لأنَّ نيَّة القتل هي في ذاتها جريمة قتل. ونحن جميعنا في عيني الله قتلة وأبناء قتلة.
عندما نتسبَّب في إحداث انشقاقاتٍ أو تحزُّباتٍ، سواء في عائلاتنا أو في مجتمعاتنا، سُرعان ما يَظهر هذا الرُّوح المُخرِّب في أقوالنا وفي أَعْمَالنا. أمَّا الرُّوْح القُدُس، فيَدفعنا إلى الصّلح والتَّوسُّط بين المتنازعين، لنكون مِن صانعي السَّلام. فهل أنت ممَّن يُسبِّبون اضطراباً وتحزُّباً بين أبناء المعصية؟ أم أنت مِن دعاة الصّلح والوفاق والمسامحة؟ هل تصبّ الزَّيت على النار، أم تسعى إلى إخماد نار الفتنة؟
المكر صفةٌ مِن صفات إبليس. وهو ليس مِن صفات إلهنا أبداً. وكلُّ مَن يُنفِّذ مخطَّطاته بواسطة الحيلة، مستغلاًّ البسطاء بالكلام المعسول هو ابنٌ للشِّرير، لأنَّ ثمر الرُّوح الإلهي هو الحقّ والصَّراحة والاستقامة والصِّدق. أمَّا الكذب وما يتفرَّع عنه فشرٌّ أصيلٌ.
ومِن ثمار جهنَّم النَّميمة، وتشويه سمعة أخينا الإنسان، بُغية إبراز أسمائنا لامعةً. فشفاهنا ممتلئة بالسّم، وأقدامنا سبَّاقةٌ إلى الإساءة وارتكاب المعاصي، ونحن في سبيل تخليص أنفسنا وإبراز ذواتنا مستعدُّون لإنكار أقرب الأقرباء، ومُعاداة أحبّ الأحبَّاء.
وكلّ الَّذين يرتكبون هذه الخطايا، سواء قصداً أو دون قصد، يُبغضون الله. لأنَّ مَن يُحبُّ ربَّه يُحبُّ النَّاس أيضاً. فعندما تتكلَّم بطريقة بذيئة عن النّاس، وتحتقرهم، وتدينهم، يكون الروح الَّذي يتكلَّم منك بهذه السَّيئات هو أنت. تأمَّل إنساناً ما تنكره وتكرهه، واعلم أنَّك مِن خلال بغضك هذا عينه تنكر الله وتكرهه، لأنَّ الله محبَّةٌ، ومَن يَثبُت في المحبَّة يَثبُت في الله، فيغفر، ويُبارِك، ويُحبُّ جميع النّاس على اختلاف مشاربهم، حتَّى الغوغاء والأعداء والمنبوذين، انسجاماً مع مصدر المحبَّة.
وكما الشَّيْطَان مستكبرٌ في عمق ذاته، هكذا الأشرار مستكبرون. وهم يعرفون في صميم قلوبهم خطاياهم وخبثهم ونقائصهم، ولذلك يعمدون إلى تمويه حقيقتهم الشِّريرة، فيتعالون ويشمخون ويتظاهرون بالأنفة ويَختالون بين الناس كالملوك، وهم في حقيقتهم أقلُّ شأناً مِن الناس جميعاً، لأنَّهم عبيد لشهواتهم وأطماعهم، ممتلئون خبثاً وحيلةً، يَظهرون للناس كموهوبين ومُهمِّين، ولكنَّهم يسمعون في قرارة نفوسهم، كُلَّما خلوا إلى أنفسهم، حُكم الله عليهم بكلمة واحدة: “مرفوض”.
وهُم بكشفهم ضعفاتِ الآخرينَ، واستغلالهم لُطفهم، يضاعفون الشَّرَّ بواسطة مكرهم وخداعهم. ويَظهر روحهم الشِّرير في عائلاتهم على شكل عصيان. فلا يرضخون لسلطة والديهم، ولا ينظرون إليهم كأولياء الله لهم، بل يطالبون بخشونة بالحرية والمال والاستقلال والحقوق، دون أن يُبدوا أيَّ استعدادٍ للخدمة أو التَّضحية أو المحبة أو العمل. وهكذا يدوسون بأقدامهم المحبَّة الَّتِي وهبتها لهم الحَيَاة، ويحتقرون والديهم ويُعيِّرونهم بالغباء ونقص الثقافة والمعرفة، غير عالمين أنَّ رأس الحماقة الخطيئة، كما أنَّ رأس الحكمة مخافة الله. فجميع الَّذين لا يخضعون لروح الله لا يفهمون شيئاً كما يليق، بل ينظرون إلى الأمور بمنظار خاطئ، لأنَّهم فقدوا المقياس لأنفسهم وللمجتمع أجمع.
وهم، في هذه الحالة، لا يجدون القدرة على الأمانة في أنفسهم، فيصبحون غير جديرين بالثِّقة. وكذلك لا يستطيع غير المرتبطين بالله أن يتعاونوا مع البشر، لأنَّ أمانة الله تجعل الإنسان أميناً. أمَّا مَن يعيش بدون ربِّه فهو تائهٌ ضالٌّ مسكينٌ.
إنَّ إلهنا هو المحبَّة والرَّحمة والشَّفقة. وويلٌ للَّذين يتركون مصدر كلِّ خير، لأنَّ قلبهم يتقسَّى، فيصبحون محبِّين لأنفسهم ومُبغضين للآخَرين. تأمَّل نفسك يا أخي، هل أنت تحبُّ أعداءك؟ هل تشفق على المساكين؟ لقد تحنَّن يسوع على شعبه المُبدَّد، وتألمَّ من خطاياهم. فهل أنت تدين أُمَّتك، أم تحبُّها؟ هل أنت خالٍ مِن الرَّحمة والرَّأفة، أم قد جدَّدكَ روح الله لتَمْثُل أمامه ككاهن ينوب عن الخطاة؟
إنَّ خطايانا كثيرةٌ كرمل البحر. اعرف الله تَعرف نفسك. إنَّ كلَّ مَن ينفصل عن صفات مصدره الإلهي يستحقّ الموت والدَّيْنُوْنَة. فجميع الناس أشرارٌ منذ حداثتهم، وأنت تستوجب الموت اليوم لأجل تعدِّياتك وإثمك، وقَدَاسَة الله تقتضي إفناءك. ليس لك الحقُّ في البقاء، فحقوق البشر كذبةٌ كبرى. لا حقَّ لنا إلاَّ أن نموت لأجل خطايانا. إنَّك تجول في بلدتك محكوماً عليك بالإعدام، ليس مِن قبل البشر، بل مِن قبل الله. فمتى تُغيِّر ذهنك، وتتوب توبةً روحيَّةً نصوحاً؟
إنَّك، إن لم تتُب نهائيّاً، تشترك في أشنع الذُّنوب كلِّها، وهي ألاَّ تُفكِّر بالشَّر وتنطق به وتمارسه فحسب، بل تبتهج أيضاً وتُسَرُّ إذا أقدم غيرك على ارتكاب المعاصي. وقد تُضلُّ الآخرين وتُغريهم على اقتراف الإثم وتُعلِّمهم الحرام، فتحمل إليهم عدوى روح الموت. ألا يكفيك أنَّك شرِّيرٌ بذاتك؟ وهل مِن الضَّروريِّ أن تُفسد المجتمع أيضاً؟ انظر إلى نفسك. هل أنت سعيدٌ في خطاياك؟ هل أنت راضٍ عن غلاظةِ قلوب الآخَرينَ؟ ألا تذرفُ دموعَ التَّوبةِ لأجل نفسك وشعبك؟ هل أرشدك روح الله إلى النَّدامة الحقيقيَّة، أم ما زلت متكبِّراً؟
الصَّلاَة: اللَّهُمَّ ارحمني أنا الخاطئ. أنت تعلم أنَّ كلّ نقطةٍ مِن دمي شرِّيرة، وأنَّ الأفكار النَّجسة معشِّشةٌ في خلايا جسدي. أنا إنسانٌ هالكٌ، وأحكامك عادلةٌ يا ربّ. فتمهَّل بغيظك، ولا تُهلكني بقضائك العادل. غيِّرني وجميع أصدقائي وأقربائي كيلا نسقط جميعاً في جهنَّم. هَبْ لي ولبني أُمَّتي معرفة الخطيئة، فنتجدَّد في قلوبنا وأذهاننا، وتبتدئ فينا خليقةٌ جديدةٌ. ارحمنا حسب رحمتك، وروحك القُدُّوْس لا تنزعه مِنَّا.
السُّؤَال:
18- ما هي الخطايا الخمس، مِن ضمن جدول الخطايا في رسالة رُوْمِيَة، الَّتِي تعتبرها أكثر انتشاراً في أيَّامنا هذه؟
آية للحفظ
غَضَبُ اللهِ
مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ
عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ
(رُوْمِيَة 1: 18)
2- غَضَبُ الله مُعْلَنٌ على اليَهود
(رُوْمِيَة 2: 1- 3: 20)
أ: الَّذي يَدين غَيرَه يَحْكُم على نَفْسِه
(رُوْمِيَة 2: 1- 11)
الأَصْحَاح الثَّاني: 1 لِذَلِكَ أَنْتَ بِلاَ عُذْرٍ أَيُّهَا الإِنْسَانُ كُلُّ مَنْ يَدِينُ، لأَِنَّكَ فِي مَا تَدِينُ غَيْرَكَ تَحْكُمُ عَلَى نَفْسِكَ، لأَِنَّكَ أَنْتَ الَّذِي تَدِينُ تَفْعَلُ تِلْكَ الأُمُورَ بِعَيْنِهَا. 2 وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ دَيْنُونَةَ اللهِ هِيَ حَسَبُ الْحَقِّ عَلَى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ.
إنَّ تاج الإثم هو الرِّياء. تَرى النَّاس، على الرَّغم مِن عِلْمهم عِلْمَ اليقين أنَّهم بالنِّسبة إلى قَدَاسَة الله أشرارٌ جدّاً، يتظاهرون بالصَّلاح والحكمة والتَّقوى، حاسبين أنفسهم المثل الأعلى الَّذي يستحقّ كلّ تكريم وتبجيل. وهُم فوق مراءاتهم هذه يدينون زملاءهم، ويتحدَّثون عنهم باحتقار وازدراء، وكأنَّهم حثالة القوم.
ولكنَّ بُوْلُس يحطِّم استكبارك، فيُطيح بقناع ريائك وكذبك، ويُريك أنَّك لا تُميِّز الحقيقة. هل تعرف إنساناً كذّاباً؟ إنَّك أكذب منه. أرأيتَ قاتلاً؟ إنَّك أقتل منه في بغضتك. وما الفكرة الَّتِي تحاول ترويجها عن نفسك إلاَّ كذبة. فروح الله هو الَّذي يدينك. وهو يطعن بالمتظاهرين بالتقوى أوَّلاً، الظَّانين أنفسهم أفضل مِن باقي النَّاس الغوغاء الخُطاة. فيسوع لم يصلبه الغوغاء والأُمِّيون والسُّذَّج، بل معلِّمو الشَّريعة الفقهاء المثقَّفون المُختالون كالطواويس في ثياب التَّقوى، وهم في داخلهم قبورٌ نتنةٌ.
ولا يدينك الله بحسب أَعْمَالك فقط، بل بحسب نيَّاتك وأفكارك وأمانيك أيضاً. فأحلامك شرِّيرةٌ منذ حداثتك، وأنت في أعماق نفسك أنانيٌّ، وثائرٌ على الله، ومُعارضٌ لمقاصده، ومُتعَدٍّ على وصاياه، ومُحتقِرٌ لأخيك الإنسان. فأنت زانٍ في روحك، ومُنفصلٌ عن خالقك. ومِن قلبك تَخرج أفكارك الشِّريرة. وستسمع في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة كلماتك المُسجَّلة، وترى أَعْمَالك المُصوَّرة، وخُبْث نيَّاتك، فترتعد خوفاً، وتَصمُت، لأنَّك خاطئٌ وفاسدٌ. فاعترف بخُبثك جهراً، ولا تحتقر خاطئاً آخَر. قد يكون جارك شرِّيراً جدّاً. ولكنَّ شَرَّه لا يُبرِّر شرَّك ولا يُخلِّصُك منه، بل إنَّك تموت عن خطاياك أنت، لأنَّك أنت المسؤول عن ذاتك أمام الله. فاعرف نفسك المُجرمة في قَدَاسَة الله الطَّاهرة.
قد لا تَقبَل هذه الكلمات القاسية، أو لعلَّك تَقبلها عقليّاً فقط، بدون أن تنكسر في كبريائك وتبكي أمام الله نادماً. ألا فاعلم أنَّ عدم إدراكك لحالتك لا يُخلِّصُك مِن الدَّيْنُوْنَة الإلهيَّة. إنَّنا في دُنيانا الزَّائلة نختبر حقوق الآخرين علينا، ومِن ثمّ الحقَّ العامَّ الَّذي تُطالبنا به الدَّولة. أمَّا الحقُّ الإلهيٌّ الَّذي سيُلاحقنا به الله فلا نُعيره الاهتمام الَّذي يستحقُّه. فللقاضي الأزلي والدَّيان الأعظم حقوقٌ سيديننا بموجبها. وجميع الأديان الرَّئيسيَّة في العالم تعترف بيوم الدّين وتعلم قليلاً عنه، ويُسمِّيه بعضُها بالقارعة، ويوم الحساب. ولا يُنكر المثول أمام الله سوى الملحدين الكُفَّار. في ذلك اليوم تنكشف أسرارك كلُّها وأفكارك وأقوالك وفواحشك أمام الجميع، ويُطلَب منك أن تُعطي حساباً عن كلّ كلمة بطَّالة نطَقْتَ بها، وكلّ قرش أنفقته بطيش، وكلّ دقيقة لم تستخدمها لتمجيد إلهك، لأنَّك وكيلٌ على مواهب الله، وهو سيُحاسبك عن كلِّ ما أودعك إيَّاه. وأشعَّة مجد الله، الَّتِي تفوق في قوَّتها ودقَّتها وتطوُّرها كلَّ أجهزة الأشعَّة الَّتِي نَعرفها في مستشفياتنا الأرضيَّة، ستَنْفُذُ في داخلك وفي ماضيك، وستُعرِّيك وتكشفك على حقيقتك. وهكذا ستقف أمام الدَّيَّان الأعظم.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، أنت أزليٌّ وبارٌّ. أمَّا أنا فمُذنِبٌ هالكٌ. اغفر لي كلَّ تظاهري بالتَّقوى، وافتح قلبي لتخرج كلّ قذارة منه أمام نورك. أعترف أمامك بخطاياي كلِّها، وألتمس منك أن تمنحني روح محبَّتك، كي لا أرفض أحداً أو أدينه أو أكرهه، بل أُدرك بقوَّة روحك أنَّني أوَّل الخُطاة. ارحمني حسب رحمتك، وحطِّم آخر أسوار كبريائي ودُكّ آخر معاقل حساسيتي، كي أصبح متواضع القلب، وديعاً.
السُّؤَال:
19- كيف يحكم الإنسان على نفسه فيما يدين غيره؟
2: 3 أَفَتَظُنُّ هَذَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تَدِينُ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هَذِهِ وَأَنْتَ تَفْعَلُهَا أَنَّكَ تَنْجُو مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ. 4 أَمْ تَسْتَهِينُ بِغِنَى لُطْفِهِ وَإِمْهَالِهِ وَطُولِ أَنَاتِهِ غَيْرَ عَالِمٍ أَنَّ لُطْفَ اللهِ إِنَّمَا يَقْتَادُكَ إِلَى التَّوْبَةِ. 5 وَلَكِنَّكَ مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ
هل تعلم أنَّ أنجس الخطايا ليس الزِّنى، ولا الكبرياء، ولا البغضة لله، بل المراءاة؟ يَتظاهر المرائي بالصَّلاح والاستقامة والتَّقوى، ولكنَّه في داخله مُفعمٌ بالكذب والرَّجاسةِ والخداع. والمُراءاة مكرهة الرَّب. وهو سينزع قناعك عن وجهك، ويكشف أمام جميع النّاس والقدِّيسين حقيقة ذنوبك، لأنَّك تظاهرتَ أمامهم بالقَدَاسَة، بينما نجاساتك أقبح ممَّا تَعلم. فلا تُعلِّل النَّفس برجاء خاطئ، فكما أنَّه لا مهرب مِن التَّفتيش الدَّقيق قبل دخول الطَّائرة، كذلك لا مهرب مِن الدَّيْنُوْنَة العادلة قبل دخول الأَبَدِيَّة. لماذا يخاف مُعظم النَّاس مِن ساعة موتهم، ويرتجفون فَرْقاً مِن دنوّ الحَصَّاد الرَّهيب؟ لأنَّهم يعون فجأةً أنَّهم قد أخطأوا هدف حياتهم، وأنَّ ساعة الدَّيْنُوْنَة قد دقَّت.
في يوم الدَّيْنُوْنَة العظيم سيجتمع أمام الله جميع الشُّعوب والأمم، سوداً وصفراً وحمراً وسمراً وبيضاً، الأغنياء والفقراء، الأذكياء والأغبياء، الشُّيوخ والأحداث، الرِّجال والنِّساء، الأحرار والعبيد. وعِنْدَئِذٍ ستُفتح كتبٌ، وتبرز أَعْمَال وأقوالٌ وأفكارٌ. وبما أنَّنا نعيش في عصر المسجّلات، وكاميرات المراقبة، والأفلام المصغَّرة جدّاً، فليس مِن الصَّعب علينا أن نُدرك قدرة الخالق على رصد وجمع وحفظ تحرُّكات البشر جميعاً، وقراءة ضمائرنا الَّتِي تسجِّل دقائق حياتنا. وليس في الأَبَدِيَّة وقتٌ أو عَجَلة. ولذلك يكون للقاضي الأزلي الوقت الكافي للنَّظر والتَّدقيق في تفاصيل حياتك، وعِنْدَئِذٍ لا يفيدك دفاعك عن نفسك، ولا إلقاء اللَّوم على الآخرين، ولا إلقاء التَّبعة على والديك أو معلميك أو غيرهم، لأنَّ المُذنب الحقيقي هو أنت، والمسؤول الأوَّل والأخير هو أنت، والله سيدينك أنت. فكن مستعدّاً للوقوف أمام الدَّيَّان العظيم، لأنَّك لن تستطيع الهرب مِن تلك المواجهة الرَّهيبة في ساعة الحقيقة.
ليتك تُدرك اليوم في إعلان مجد الله أنَّك مُلوَّث. فلا تبدأ بالتَّأسُّف والتَّحَسُّر، بل اركع الآن واعترف بذنبك أمام الله. أَنْكِر نفسك، ودن ذاتك الشِّريرة دون أن تشفق عليها أو تجد لها الذَّرائع. انطق بما فعلت، ولا تُخْفِ شيئاً أمام خالقك الَّذي يعرف خفاياك كلَّها. اعترف في حضرة القُدُّوْس بأنَّك سَيِّئٌ في جميع نيَّاتك. إنَّ هذا الانكسار الكامل للأنا المتكبِّر هو السَّبيل الوحيد لخلاصك. فدخول جمل مِن ثقب إبرة أيسر مِن دخول إنسان متكبِّر إلى ملكوت الله.
أمَّا اللهُ فرحيمٌ شفوق، وليس ظالماً مستبدّاً. فهو يُحبُّ الخطاة التَّائبين العازمين على ترك الخطيئة؛ ويعلم أنَّ جميع النَّاس فاسدون، وليس أحدٌ صالحاً أمام قداسته. وهو صبورٌ وممتلئٌ محبَّةً ولُطفاً. ولأجل رأفته لا يُميت الخطاة فوراً، بل يُمهلهم ليتوبوا، علماً أنَّ عدله يقتضي إدانة ومحاكمة كلّ إنسان اليوم، ولكنَّ جودته تُتيح لنا الفرصة للتَّوبة. جميعنا عائشون من تأنِّي الله الَّذي له الحقّ والقدرة أن يُنهي كرتنا الأرضيَّة بضربة واحدة. ولكنَّه يُحافظ ويحنو علينا، ولا يتسرَّع، بل يرجو رجوع الجميع وتغيير أذهانهم. فهل تُبْتَ إلى الله نادماً وطالباً قلباً جديداً وروحاً مستقيماً؟ أم إنَّك تستغلُّ لُطفه لتُكمل أَعْمَال إثمك متستِّراً بعباءة البرّ والتَّقوى؟ هل تهين محبَّة الله، منحرفاً إلى منعطفات خطرة وفلسفات مضلِّلة، متهرِّباً مِن حقيقة الدَّيْنُوْنَة؟ إنَّ كلَّ مَن لا يُنكر نفسه ويموت عن ذاته الخبيثة يحتقر فاحص القلوب والكلى الَّذي لا ينعس ولا ينام، بل يرى ويسمع ويعرف كلّ كبيرة وصغيرة في حياتنا.
تمسَّك بلُطف الله فتخلص. تعمَّق في نعمة رحمته فتكسب رجاءً أبديّاً. جدِّد ذهنك وأدرك محبَّة الله فتعرف مَن هو الله: إنَّه أبٌ حنونٌ، وليس قهَّاراً مُستبدّاً، ولا طاغيةً متعسِّفاً. إنَّ مَن خلقك على صورته يَعرفك حقَّ المعرفة، ويَدعوك، ويَفهمك في عمق سرائرك، ويعرف أجدادك ويتفهَّم ظروف حياتك وتأثير بيئتك. وهو يُبصر تجاربك ويُدرك حدود طاقاتك وإرادتك. ليس الله ظالماً، بل هو مستعدٌّ ليغفر لك، ويُطهِّرك، إن استسلمتَ له كلِّياً، وأبغضتَ نفسك الخبيثة، واعترفتَ له بذنوبك وخطاياك، وعزمتَ باسمه على أن تتركها نهائيّاً.
ويلٌ لك إن عرفتَ قَدَاسَة الله ولُطفه ولم تتُب، لأنَّ قلبك عِنْدَئِذٍ سيتقسّى، وذهنك سيغلظ. إنَّ المرائي العنيد يُصبح شيطاناً في روحه، ولا يستطيع الرُّجوع، فلا يسمع دعوة الله بعد، ولا يفهمها بسهولة، وإن قرأ كلمة الله فلا يتأثَّر بها. فتُب ما دام الوقت يُدعى اليوم، وارجع إلى ربِّك وأنت على قَيد الحَيَاة، قبل أن ترحل عن هذه الدُّنيا فتنتهي فرصة خلاصك نهائيّاً.
إنَّ لهيب نار غضب الله، في يوم غضبه المخيف، سيحرق بخاصّةٍ الَّذين سمعوا عن لطفه وأهملوه، ولم يرجعوا منكسرين منسحقينَ. فهؤلاء لا رجاء لهم في يوم الدِّين. ففي ذلك اليوم يُدركون أنَّهم مَدينون، لأنَّهم بذَّروا رأس مالهم الرُّوْحِيّ بإهمالٍ وطيشٍ، فلم يُقدِّموا بأيديهم لله إلاَّ الذّنوب والرّجاسات والبغضة والعيوب والظُّلم. ولأنَّهم لم يتوبوا، بل امتنعوا عن الاعتراف، لا بُدَّ لهم في الآخرة مِن أن ينكشفوا ويُلاموا ويُدانوا.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبُّ القُدُّوْس، امنحني توبةً مستمرَّةً حقَّةً في إرشاد روحك القُدُّوْس. أرجعني إليك، لأنَّ رجوعي ليس كاملاً. ساعدني على ألاَّ أُهمل قداستكَ ومحبَّتك، بلْ أُدرك في صبرك عدم صبري. يا ربّ، أنا هالكٌ في غضبك العادل، فلا تحكم عليّ بغيظك، بل أدِّبْني بحنانك، واكسر كلّ كبرياء وشبه كبرياء فيَّ، لأموت عن نفسي وأعيش مِن لطفك. حرِّرني مِن كلّ رياءٍ، ولا تسلمني إلى قساوةِ القلب. أنت قاضِيَّ ومُخلِّصي، وعليك اتِّكالي.
السُّؤَال:
20- ما هي الأسرار الَّتِي يُعلنها لنا بُوْلُس عن دينونةِ الله؟
2: 6 الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالهِ. 7 أَمَّا الَّذِينَ بِصَبْرٍ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ يَطْلُبُونَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْبَقَاءَ فَبِالحَيَاة الأَبَدِيَّة. 8 وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ التَّحَزُّبِ وَلاَ يُطَاوِعُونَ لِلْحَقِّ بَلْ يُطَاوِعُونَ لِلإِثْمِ فَسَخَطٌ وَغَضَبٌ 9 شِدَّةٌ وَضِيْقٌ عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. 10 وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ، 11 لأَِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ مُحَابَاةٌ
أخي العزيز، هل تعرف مبادئ دينونة الله؟ العالم موشكٌ على نهايته، والإنسان العاقل هو مَن يتَّخذ الخطوات الفوريَّة والحاسمة للوقوف أمام الدَّيَّان الأعظم. ورسول النِّعْمَة يُعلن لنا بكلِّ وضوحٍ أنَّ أَعْمَال الإنسان الصَّالحة والطَّالحة سوف تُفحَص في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة كأساس للحكم عليه. وقد أوضح لنا المسيح بكلّ تحديد، في الأَصْحَاح 25 مِن إِنْجِيْل متَّى، أنَّ محبَّتنا العمليَّة للمرفوضين والأصاغر والمحتقَرين والفقراء والمساكين هي الأَعْمَال المرضيَّة عن الله. لم يَذكر المسيح الصَّوم والصَّلاَة والحجَّ والزّكاة كأَعْمَال حسنة، بل تحدَّث عن الرَّحمة العمليَّة للمحتاجين.
إنَّ أَعْمَال محبَّتك الَّتِي تقوم بها في الخفاء هي الَّتِي تُبرهن هل أنت إنسانٌ قاسي القلب، متعجرفٌ، مترفِّعٌ عن البسطاء والجهَّالِ والأرامل والأيتام، أم أنت شفيقٌ رحيمٌ تدفعك محبَّة المسيح إلى تجسيد هذه المحبَّة على صعيد الواقع. إنَّ أَعْمَال محبَّتك وحدها، وليس تعبُّداتك وتمسُّكك بالعقائد، هي الَّتِي ستُلاقي في الدَّيْنُوْنَة الأَجر والمُكافأة والثَّواب.
يَدُلُّك بُوْلُس على الطَّريقة الوحيدة لانسكاب محبَّة الله في قلوبنا: إنَّ مَن يُوجِّه ذهنه إلى مجد الله، ولا يتهافت على الغنى البائد والشَّرَف الزَّائل، يقترب مِن الله، ويتغيَّر إلى رحمته. فمَن يَطلُب جلال الله حقّاً، ينكسر في كبريائه، ويُنكر شرفه الشَّخصي. وهو بتوبته ينفتح لغفران الله، ويتمسَّك برحمته متَّخذاً منها ترساً قويّاً. إنَّ كلَّ مَن يُدرك أنَّه فانٍ، ويتوق إلى الحَيَاة الأَبَدِيَّة، ويَقبلها بالإيمان، يشترك في مقاصد الرُّوح الأبديّ. فانتبه: ليست أَعْمَالك هي الَّتِي تُخلِّصُك، بل إنَّ شوقك إلى الله يجذب قوَّته في ضعفك، فتغلُب محبَّتُه نفسك، لتُنفِّذ دوافع محبَّته. فهلاَّ تَطلب الله لتحيا إلى الأبد؟
إنَّ مَن يعمل الشَّر لا يَعمله لأنَّه قد وُلِد آنيةً للغضب، وكُتِب عليه الإثم قضاءً وقدراً مِن ربِّه، بل لأنَّه، بكلّ بساطةٍ، لا يُريد أن يُطيع الحَقَّ. فالأَعْمَال الرَّديئة لا تتمُّ عادةً على نحو مُفاجئٍ، بل هي حصيلة أخطاء متعاقبة ومتفاقمة. وضميرنا يُعارض كلَّ عملٍ لا يليق، ويُحذِّرُنا ويؤنِّبنا ويَنهانا عن إحزانِ روح الله. ولكنَّ مَن يعند، ويرفض صوت الله، ويستسلم لروح المعصية، يَقترف جرمه بكلّ وقاحةٍ، خانقاً ضميره. فأَعْمَالنا السَّيئة هي نتيجة استسلامنا للتَّجارب المُحِيْطة بنا، مِن كتب، وأفلام، وعشرة سيِّئة، وحتَّى أفكار وتصوُّرات قلوبنا الشِّريرة.
إنَّ مَن يقاوم جذب روح الله يَسقط في الدَّيْنُوْنَة، لأنَّه أغلق قلبه في وجه هِبات الله، فأهان العليَّ واستفزَّه. ولا بُدَّ لعقوبات الله مِن أن تنال كلَّ مُتمرِّدٍ عاصٍ، جالبةً معها الضّيق والعذاب. فهل أنت عائشٌ في قوَّة المسيح على مستوى المحبَّة، أم رازحٌ تحت غضب الدَّيَّان العادل؟ لا مفرَّ لك مِن الإجابة عن هذا السُّؤَال. فاستعدّ ليوم الفصل بين الخير والشَّر.
إنَّ بُوْلُس، بقوله إنَّ الدَّيْنُوْنَة تقع أوَّلاً على اليهود، يقصد أنَّ العهد القديم ألقى بمسؤوليَّاتٍ ضخمة على اليهود، والله سيحاسبهم أوَّلاً بكلّ تدقيق. وكلّ مَن يتقرَّب منهم مِن الله بأَعْمَال الرُّوْح القُدُس سيتمتَّع بالمجد الأبدي، أمَّا مَن يثبت منهم في قساوة قلبه وعناده، فسيكون مصيره نار جهنَّم قبل غيره، لأنَّه لم يسمح لروح الله أن يُغيِّر روح العصيان فيه.
سيكون لجميع الشُّعوب والألسنة، مِن يونانيِّين و منغوليِّين وزنوج وسواهم، الحقّ في التَّقدم إلى الله، لأنَّه خالق الشُّعوب كلِّها، وهو لا يَعرف العنصريَّة البغيضة الَّتِي أوجدها البشر، فالجميع أمام الله سواء. وسَيَخبو بريق الأثرياء والمشاهير ونجوم العالم أمام بهاء مجد الله وجلاله، لأنَّنا جميعنا لا شيء أمام خالق الكلّ. وقد يفوق بريقُ الأمَّهات الصَّالحات والإِخْوَة البسطاء بريق زُعماء العالم وأساقفته وكبار رجالاته.
سَيَقِيْسُنَا الله بمقياس محبَّته. فمَن سمح بتغيير نفسه وفقاً لمقياس المحبَّة الإلهية يُقبَل. أمَّا مَن تقسَّى وأحبَّ نفسه أكثر مِن غيره، فيسقط في البعد عن الله والازدراء الشَّديد. إنَّ الرَّبّ عادلٌ وأمينٌ، وليس عنده محاباةٌ.
صحيحٌ أنَّه لا يوجد أحدٌ صالحٌ في ذاته ورحيمٌ كالله. ولكن مَن يغرف مِن نبع المحبَّة يصلح، لأنَّ قوَّة الآب السَّمَاوِيّ تُغيِّر كلَّ مَن يطلبه. لكن لا تظنّ أنَّ هذا التَّغيير والتَّجهيز لعمل رحمة الله يتمُّ بسرعةٍ، لأنَّ التَّغلُّب على الأنا المتكبِّر يحتاج إلى زمن. وقليلون يُريدون أن يُصبحوا خُدَّام السَّاقطين. ولذلك سبقنا يسوع، وأكل مع الزُّناة والعشَّارينَ، لكي ننكر قلوبنا القاسية، وننال قلباً لطيفاً، ونُحبّ الخُطاة كما يُحبُّهم الله.
هل سمعتَ ما هي مكافأة الَّذين يثبتون في أَعْمَال المحبَّة بصبر طويل؟ إنَّ اللهَ يُلبِسُ جميع المنفتحين لروح النِّعْمَة مجدَه الخاصَّ. لذلك ليس هدف الله النِّهائي بأقلّ مِن قصده الأوَّل. فهو قد خلق الإنسان على صورته، وشاء أن يسكب في هذا الإناء أمجاده وصفاته كلَّها. فالعليُّ يُكرم الَّذين يرحمون المطرودين. وسلامه يحلُّ في قلوب المرفوضين لأجل بِرِّه.
إنَّ هدف الدَّيْنُوْنَة هو فرز المُحبِّين المنتقلين إلى المجد في فرح الله عن الَّذين قسّوا قلوبهم تجاه جذب الرُّوْح القُدُس، السَّاقطين في غضب العذاب الأبدي. لاَ تَضِلُّوا. اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا.
الصَّلاَة: يا ربّ، محبَّتي ضئيلة، وأنانيتي كبيرة. أنا رجسٌ أمامك، مع أهل بيتي وأصدقائي. اغفر لي ذنوبي، وافتح عينيَّ على أَعْمَال محبَّتك. أرشدني إلى حياة التَّضحية، واغلبني للقيام بأَعْمَال صالحة، لأن ليس فيَّ شيءٌ صالحٌ. خلِّصني مِن نفسي، لكي تملأ محبَّتُك قلبي، فأطلُب المحتقَرين، وأجلس مع الغوغاء، وأُحبّهم وأُباركهم، كما طلبتَ أنتَ الضَّالِّين لتُخلِّصهم.
السُّؤَال:
21- ما هي المبادئ الإلهيَّة في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة؟
ب: النَّاموس أو الضَّمير يدين الإنسان
(رُوْمِيَة 2: 12- 16)
2: 12 لأَِنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ (الشريعة) يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. 13 لأَِنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. 14 لأَِنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَِنْفُسِهِمِ 15 الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16 فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيْلي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ
كانت الكنيسة في روما مؤلَّفةً مِن فريقَين: الأوَّل مسيحيُّون مِن أصلٍ يهودي، والثَّاني مؤمنون مِن العالم الرُّوماني اليوناني. وكان الفريق الأوَّل على معرفة بالوعود والنَّاموس، وقد رتَّب أموره بحسب العهد القديم، أمَّا الثَّاني فلم يعرف نظاماً إلهيّاً لحياته، لأنَّه كان يسلك في قوَّة روح المسيح.
أكَّد بُوْلُس للمسيحيين مِن الأصل اليهودي أنَّ الله سيدينهم بحسب النَّاموس القديم الَّذي هو صورة عن قداسته. فسماع كلمة الله لا يُخلِّص التَّقي، والأفكار الرُّوْحِيّة والصَّلوات لا تكفي، لأنَّ الله يطلب تنفيذ أوامره، وتجسيد روح كلمته فينا حتَّى تصطبغ حياتنا كلُّها بكلمته. فكلُّ يهوديٍّ يتجاوز قَيْدَ شَعرةٍ مِن الشَّريعة سيُدان لأجل هذا التَّعدي، لأنَّ كلَّ تجاوزٍ هو عداوةٌ لله.
وإذ سطَّر بُوْلُس هذه الحقائق لليهود، سمع في الرُّوح مجادلة المَسِيْحِيّين مِن الأصل الوثنيِّ قائلين: “نحن ليس لنا ناموسٌ، ولا نعرف الوصايا العشر، فكيف يديننا الله؟ إنَّنا أحرارٌ مِن الدَّيْنُوْنَة”.
فأجابهم بُوْلُس بصراحةٍ أنَّ بِرَّ الله ثابتٌ في كلِّ حالٍ، حتَّى وإن دان الَّذين يجهلون النَّاموس، الَّذين لم يسمعوا بالوصايا العشر مِن قبل، ولم يعرفوا محبَّة الله وقداسته. لأنَّ الخالق قد جعل في كلِّ إنسانٍ ضميراً حسَّاساً واعياً مُراقباً محذِّراً مؤنِّباً مُبكِّتاً رادعاً شاكياً دائناً. ولئن صمت هذا المنبِّه في بعض الأحيان، إلاَّ أنَّه يقوم من جديد ويُعرِّفك بخطاياك. قد ينشب صراعٌ في داخلك، وقد تحاول أن تُخرس ضميرك، ولكنَّك لن تستطيع أن تُسكت دائماً البقيَّة المستترة مِن صورة الله فيك. فضميرك يدينك، ولا تجد راحةً إلاَّ في نعمة الله. ولذلك ترى كثيرين مِن النَّاس حزانى، شاردي الذّهن، لأنَّهم ليسوا على وفاقٍ مع ضمائرهم. فهم لا يعترفون بأنَّهم مذنبون، على الرَّغم مِن تبكيت ضمائرهم الَّتِي تراقب أَعْمَالهم. فهل تشكر الله لأجل ضميرك، هذا الدّستور الأخلاقي المطبوع فيك؟ دوزِن أوتار ضميرك على كلمة الله، واصبغه بأفكار محبة الله، فيصبح أكثر دقَّةً وتنبيهاً، ويُرشدك إلى مشورة الله، فتصير إنساناً مقبولاً متأهِّباً لكلِّ عملٍ صالحٍ. عِنْدَئِذٍ لا تسقط في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة، لأنَّك تعيش في انسجامٍ مع صوت الله في قلبك.
أمَّا إذا لم تتعمَّق في كلمة المسيح، ولم تتحرَّر مِن شكاوى ضميرك، بل تمادَيتَ في عنادك، مبرِّراً نفسك بنفسك، فسيقوم ضميرك عليك في اليوم الأخير، فيبرِّر الله ويحكم عليك. ليس مِن حلٍّ آخر لتوتُّرك الدَّاخلي سوى الالتجاء إلى الإِنْجِيْل الَّذي يُريك أنَّ ديَّانكَ هو نفسه مخلِّصك. فتعال إلى المسيح، دون تأجيل أو تردُّد، فتجد راحةً لنفسك.
هل تَعْلم أنَّ اسم القاضي الوحيد، في دينونة الله الأخيرة، ليس “المسيح” فقط، بل “يسوع” أيضاً؟ إنَّ الفرق بين هذين الاسمين هو أنَّ “يسوع” هو الاسم الشَّخصي، أمَّا “المسيح” فهو الوصف الدَّقيق لوظيفته. فيسوع هو “الممسوح” المملوء مِن مواهب الله وصفاته، ذو السُّلطان الكُلِّي، والمُفوَّض للدَّينونة والخلاص.
وهكذا استطاع الرَّسُوْل أن يقول إنَّ الله سيدين العالم بجميع أسراره حسب الإِنْجِيْل الَّذي نشره بُوْلُس عن يسوع. فمن الضَّروري، ومهما كلَّف الأمر، أن تعرف إِنْجِيْل بُوْلُس المُدوَّن في الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة، لأنَّه الأساس في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، أنت تعرفني أكثر منِّي. جميع أَعْمَالي مكشوفةٌ أمامك. أعترف بإثمي، وأطلب إليك أن تُظهر لي سيِّئاتي الخفيَّة كلَّها، لكي آتي بها إلى نور ابنك، قبل أن يأتي اليوم المُخيف. اغفر لي إنْ لم أُطِعْ صَوت ضميري فوراً، أو جاوَزْتُ صَوتَك عمداً. امنحني العزم والقوَّة لكي أُتمِّم أوامر محبَّتك.
السُّؤَال: 22- كيف يدين اللهُ الأممَ؟
ج: المعرفة لا تُخلِّص، بل العمل
(رُوْمِيَة 2: 17- 24)
2: 17 هُوَذَا أَنْتَ تُسَمَّى يَهُودِيًّا وَتَتَّكِلُ عَلَى النَّامُوسِ وَتَفْتَخِرُ بِاللهِ 18 وَتَعْرِفُ مَشِيئَتَهُ وَتُمَيِّزُ الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ مُتَعَلِّمًا مِنَ النَّامُوسِ 19 وَتَثِقُ أَنَّكَ قَائِدٌ لِلْعُمْيَانِ وَنُورٌ لِلَّذِينَ فِي الظُّلْمَةِ 20 وَمُهَذِّبٌ لِلأَغْبِيَاءِ وَمُعَلِّمٌ لِلأَطْفَالِ وَلَكَ صُورَةُ الْعِلْمِ وَالْحَقِّ فِي النَّامُوسِ. 21 فَأَنْتَ إِذًا الَّذِي تُعَلِّمُ غَيْرَكَ أَلَسْتَ تُعَلِّمُ نَفْسَكَ، الَّذِي تَكْرِزُ أَنْ لاَ يُسْرَقَ أَتَسْرِقُ، 22 الَّذِي تَقُولُ أَنْ لاَ يُزْنَى أَتَزْنِي، الَّذِي تَسْتَكْرِهُ الأَوْثَانَ أَتَسْرِقُ الْهَيَاكِلَ، 23 الَّذِي تَفْتَخِرُ بِالنَّامُوسِ أَبِتَعَدِّي النَّامُوسِ تُهِينُ اللهَ، 24 لأَِنَّ اسْمَ اللهِ يُجَدَّفُ عَلَيْهِ بِسَبَبِكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ.
وهب الله لذرّية إبراهيم امتياز النَّاموس (الشريعة)، وهو الشَّريعة المُقدَّسة الَّتِي تشهد على عظمة الله ومجده القدسيّ. فأدرك اليهود قيمة النَّاموس (الشريعة)، واتَّكلوا عليه، ظانِّين أنَّ الشَّريعة تؤدِّي بهم إلى السَّماء، ولكنَّها في الحقيقة كانت سبباً للغضب والدَّيْنُوْنَة.
عدَّد بُوْلُس مزايا اليهود ومثالبهم، فالوحي الإلهيُّ قد حقَّق لشعب البرِّية الاطمئنان والثِّقة والفخر، لأنَّهم عرفوا الله ومشيئته، فميَّزوا الطَّريق الأفضل في الحَيَاة، وأضحوا في الماضي معلِّمين للشُّعوب ونوراً للأُمم.
ولكنَّه، مِن جهةٍ أُخرى، برهن لهم أنَّ الشَّريعة لا تقوى على إصلاح البشر. صحيحٌ أنَّ اليهود عرفوا بالشَّريعة واجباتهم، ولكنَّهم لم يعملوا هذه الواجبات. فأدركوا أسرار الله، إنَّما لم يسيروا فيها. وكثيرون منهم بلغوا درجات عالية في التَّقوى النَّامُوْسِيّة الشَّكلية بإرادة صلبة، ولكنَّ إرادة الله لم تنسكب في قلوبهم.
ربَّما لم يسرقوا عمليّاً، ولكنّ قلوبهم كانت تلتهب طمعاً وجشعاً. لم يزنوا جهاراً، ولكنَّ نفوسهم كانت تفيض نجاسةً، فتجاوزوا ناموس الله ألوف المرَّات، وحتَّى الَّذين آمنوا منهم كانت حياتهم خاليةً مِن المحبَّة، كما اختبر بُوْلُس بنفسه. فهذه الآثام جميعها هي إهانةٌ لله وتجديفٌ على اسمه القُدُّوْس.
لقد أبرز بُوْلُس، كمسيحي مِن أصل يهوديٍّ، امتيازات شعبه كلّها، بمعزل عن أيّ شعور مَرَضيٍّ بالعظَمة. ولأجل إبرازه هذا كان له الحقّ في أن يطعن بخطايا أمَّته وأسرارها، حتِّى لم يبقَ شيءٌ مِن برِّها أمام ذنوبها وعيوبها الكثيرة. وليس ثمَّة شكوى على أمَّةٍ أثقل مِن أن يقال عنها إنَّ اسم الله يُجدَّف عليه بسببها، لأنَّها برهنت على عدم جدارتها بدعوة باقي الأمم للاستنارة بالنَّاموس، فكانت حجر عثرة أمام إيمان باقي الأمم. ليتنا نجد في أمَّتنا اليوم شهوداً بشجاعة وجرأة بُوْلُس، لا يُنكرون امتيازاتنا، ولكنَّهم في الوقت نفسه يُجرِّدون مجتمعنا الفاسد مِن قناع التَّقوى، فلا يبقى سوى التَّوبة والانكسار.
هل تدين أهل إبراهيم؟ انتبه! إنَّهم مذنبون مثلك.
قال الله بصراحة ووضوح: “كونوا قدِّيسين، لأنِّي أنا قُدُّوْس”. فهل أنت قدِّيسٌ ومسيحيٌّ كاملٌ، كما أنَّ أباك الَّذي في السَّماء هو كاملٌ؟ هل يُضيء نورك قدَّام النَّاس، لكي يروا أَعْمَالك الحسنة، ويُمجِّدوا أباك السَّمَاوِيّ لأجل التَّغيير الظَّاهر في حياتك؟ أم أنَّ زملاءك يحتقرون دينك، لأنَّك لست بأفضل من الَّذين يُنكرون فداء المسيح؟ هل أنت سبب للتَّجديف على اسم الله؟ أم أنَّ أبانا السَّمَاوِيّ يستطيع أن يُعلن نفسه بمحبَّتك وتواضعك؟
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس العظيم، إنَّ ذَنبي أعظم مِمَّا أَعلَم، وقد أصبحْتُ بعصياني ومُراءاتي سبباً لكفر كثيرين. فاغفر لي إذ يُجدِّف النَّاس على اسمك، لأنِّي لم أَسلُك سلوك الكمال المَسِيْحِيّ. اغفر لي نُقصان محبَّتي وطهارتي وصبري. انزع منِّي باسم يسوع كلَّ ما مِن شأنه أن يُشوِّه صورتك الَّتِي خلقتني عليها، كي يراك الناس فيّ، ويُمجِّدوك في أقوالي وأفعالي وسيرتي. خلِّصني مِن نفسي ومِن ضعفي ومِن عيوبي؛ وقدِّسني إلى التَّمام.
السُّؤَال:
23- ما هي امتيازات النَّاموس وأثقاله على اليهود؟
د: الْخِتَانُ لا يَنْفَعُ روحيّاً
(رُوْمِيَة 2: 25- 29)
2: 25 فَإِنَّ الْخِتَانَ يَنْفَعُ إِنْ عَمِلْتَ بِالنَّامُوسِ، وَلَكِنْ إِنْ كُنْتَ مُتَعَدِّيًا النَّامُوسَ (الشريعة) فَقَدْ صَارَ خِتَانُكَ غُرْلَةً. 26 إِذًا إِنْ كَانَ الأَغْرَلُ يَحْفَظُ أَحْكَامَ النَّامُوسِ (الشريعة) أَفَمَا تُحْسَبُ غُرْلَتُهُ خِتَانًا، 27 وَتَكُونُ الْغُرْلَةُ الَّتِي مِنَ الطَّبِيعَةِ وَهِيَ تُكَمِّلُ النَّامُوسَ (الشريعة) تَدِينُكَ أَنْتَ الَّذِي فِي الْكِتَابِ وَالْخِتَانِ تَتَعَدَّى النَّامُوسَ (الشريعة)، 28 لأَِنَّ الْيَهُودِيَّ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ هُوَ يَهُودِيًّا وَلاَ الْخِتَانُ الَّذِي فِي الظَّاهِرِ فِي اللَّحْمِ خِتَانًا 29بَلِ الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ. وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ
بعدَما كسر بُوْلُس شوكة تفاخر المؤمنين مِن أصل يهودي بأنّهم أهل النَّاموس (الشريعة) ومعلمو الشَّريعة، سمع في روحه البعض يردون عليه قائلين: “أجل! إنَّنا مخطئون، لأن ليس أحدٌ كاملاً إلاَّ الله. ولكن لنا وعد الختان. لأنَّ العليَّ ارتبط، في رمز النَّاموس (الشريعة) هذا، بأبينا إبراهيم وبجميع أنسالهِ. فالله معنا، ليس لأنَّنا صالحون، بل لأنَّه هو اختارنا.”
(25) فأجابهم بُوْلُس الفقيه في التَّوْرَاة على وهمهم قائلاً: “إنَّ العهد مع إبراهيم لا يَنسخ النَّاموس، لأنَّ العهد يتوقَّف على الشَّريعة، مثلما الشَّريعة متوقِّفةٌ على العهد، كما قال الرَّب لإبراهيم بصراحةٍ: أَنَا اللَّهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً (تكوين 17: 1)”. فهذه الآية كانت الشَّرط لتثبيت قطع العهد، بعدَما لم يُؤمن إبراهيم بالوعد الأوَّل، وأنجب ولده البكر إسماعيل بدون هدى الله مِن الأمَة المصريَّة.
وهكذا برهن بُوْلُس للمسيحيين مِن أصل يهودي، في روما، ألاَّ عهد بدون النَّاموس، وألاَّ قيمة للختان بدون حفظ الوصايا. فرأى في الختان مبدئيّاً رمزاً صالحاً وهو أنَّ الله يُطهِّر الخاطئ مِن أصله، فيطيع المؤمن وأنساله اللهَ.
ولكنَّ هذا المبدأ يسري فقط ما دام شريك العهد يَعمل إرادة الله. فإن تجاوز المؤمن الوصايا، وتعدَّى على الله، فيُحسَب رغم ختانه أغرلَ، كسائر الأُمم غير المختونينَ، بعيداً وغريباً عن الله.
(26) أمَّا إذا تعلَّم أُمميٌّ النَّاموسَ وحفظه في قوَّة الرُّوْح القُدُس، فيُحسب غير المختونِ بالجسدِ مختوناً أمام الله، ومُندمجاً في النَّاموس، ومُختاراً منذ الأزل، لأنَّ العهد والاختيار ليسا إلاَّ للتَّجديد وتربية المُختارين. فكلّ مَن يحقق الهدف الأدبي في سلوكه، بدون أسوار العهد القديم، يُحسَب داخل العهد.
(27) ولكن حين لا يحفظ وليد العهد أحكام الميثاق، بل إنَّ الدَّخيل غير المختون يعمل بقوَّة الله مشيئة ربِّه، يُصبح غير المختون مقياساً وقاضياً للمختونِ الَّذي تجاوزَ الوصايا كعدوٍّ لله؛ لأنَّ رمز الختان لا يُخلِّص الإنسان، بل إنَّ عمله وسلوكه المقدَّسَين هما اللّذان يبرهنان أنَّه مرتبطٌ بالله، وأنَّ قوَّته تعمل في ضعفه.
(28) بعد هذه الضربة المُحكمة الَّتِي وجَّهها بُوْلُس إلى التَّقليد اليهودي، أتى بوصف للاسم “يهودي”. ومِن الضَّروري أن نتذكَّر هذا الوصف في أيَّامنا الحاضرة، وأن نُدركه مِن جديد. فليس اليهودي مَن وُلد مِن العنصر اليهودي، أو تكلَّم العبريَّة، أو كان أنفه معقوفاً. وليس اليهودي في نظر الله مَن آمن بالنَّاموس أو اختتن أو صلَّى يوم السَّبت؛ بل إنَّ اليهودي المقبول عند الله هو الَّذي يعيش أمامه مستتراً في الخفاء، مبرهناً من خلال محبَّته وتواضعه وقداسته وكماله على علاقته بالقدير. وهذا الوصف الرُّوْحِيّ لا ينطبق على أحد سوى يسوع اليهودي المثالي الوحيد. ولأنَّ يسوع كان على عكس اليهود المُعاندين، فقد صلبوه بمراءاتهم. ولأجل روح يسوع الوديع المتواضع يَضطهد آل إبراهيم آل يسوع حتَّى يومنا هذا. فوصف معنى الاسم “يهودي” على لسان بُوْلُس يقتضي منَّا تغيير أذهاننا.
(29) ليس الختان برهاناً على أنَّ الله يخصّ أمَّةً ما أو مؤمناً ما، حتَّى وإن ورد هذا مئات المرَّات في كتاب الوحي، لأنَّ الله لا يُريد شُركاء كسالى في عهده، بل أحبَّاء بقلوب متجدِّدةٍ وممتلئةٍ بروحه القُدُّوْس. فالمولود ثانيةً هو وحده الَّذي يُحسَب أمام الله شريكاً في العهد. والله يُبارك جميع الَّذين يأتون بثمار روحه ببركاتٍ متزايدةٍ. أمَّا الَّذين يُسمُّون أنفسهم يهوداً، أو مسيحيِّين، ويُعارضون روح محبَّة المسيح، فلا يَقبلهم الله، على الرَّغم مِن عقائدهم الصَّافية، بل يَعتبرهم أعداءه، وهو قاضيهم.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، نشكرك لأنَّك ارتبطتَ في الماضي بخليلك إبراهيم وبأولاده برمز الختان. ونشكرك لأنَّك قَبِلتَنا في عهدك الجديد. اغفر لنا إنْ لم نسلك قدِّيسين تماماً، أو نتصرَّف كأنَّ قلوبنا غير مختتنة ومُتجدِّدة. طهِّرْنا مِن كلِّ روحٍ غريبٍ، وامنحنا تواضع المسيح ومحبَّته، كي نتبعه في كلِّ حينٍ.
السُّؤَال:
24- ماذا يعني الختان في العهدين القديم والجديد؟
آية للحفظ
مِنْ أَجْلِ قَسَاوَتِكَ وَقَلْبِكَ غَيْرِ التَّائِبِ
تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَبًا
فِي يَوْمِ الْغَضَبِ
وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ
الَّذِي سَيُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ أَعْمَالهِ
(رُوْمِيَة 2: 5- 6)
هـ: امتياز اليهود لا يُخلِّصهم مِن الغضب
(رُوْمِيَة 3: 1- 8)
الأَصْحَاح الثَّالث: 1 إِذًا مَا هُوَ فَضْلُ الْيَهُودِيِّ أَوْ مَا هُوَ نَفْعُ الْخِتَانِ. 2 كَثِيرٌ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ. أَمَّا أَوَّلاً فَلأَِنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ. 3 فَمَاذَا إِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ، أَفَلَعَلَّ عَدَمَ أَمَانَتِهِمْ يُبْطِلُ أَمَانَةَ اللهِ. 4 حَاشَا. بَلْ لِيَكُنِ اللهُ صَادِقًا وَكُلُّ إِنْسَانٍ كَاذِبًا، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي كَلاَمِكَ وَتَغْلِبَ مَتَى حُوكِمْتَ
5 وَلَكِنْ إِنْ كَانَ إِثْمُنَا يُبَيِّنُ بِرَّ اللهِ فَمَاذَا نَقُولُ. أَلَعَلَّ اللهَ الَّذِي يَجْلِبُ الْغَضَبَ ظَالِمٌ. أَتَكَلَّمُ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ.
قبل أن يكتب بُوْلُس رسالته إلى الكنيسة في روما، كان ثمَّة تساؤلٌ بين أعضائها. فالمؤمنون مِن أصلٍ أمميٍّ لم يعتبروا امتياز اليهود امتيازاً حقّاً، ففرحوا عندما برهن بُوْلُس في رسالته أنَّ النَّاموس والختان سيدينان شعب العهد القديم.
أمَّا المَسِيْحِيّون مِن أصل يهودي المتمسِّكون بأهداب الناموس، فقد جعلوا موضوع البِرِّ النَّابع مِن الإيمان موضع التَّساؤل، واستاءوا مِن توضيحات بُوْلُس حين كسر امتيازاتهم في الشَّريعة والعهد.
علم بُوْلُس بهذين الموقفين المختلفَين، مِن خلال رحلاته التَّبْشِيْرِِيّة في المدن العديدة، فأجاب في رسالته إلى أهل رُوْمِيَة عن أسئلتهم قبل أن يطرحوها عليه. ولعلَّه تخيَّل أحدهم يقول له: “لقد نطقت بالصَّواب يا بُوْلُس، فاليهود ليسوا بأفضل منَّا”، فردَّ عليه بُوْلُس مبتسماً: “أنت مُخطئٌ يا أخي. فاليهود ما زالوا يتمتَّعون بامتياز عظيم، وامتيازهم هذا ليس جنسهم، ولا عبقريَّتهم، ولا قوميَّتهم، فهذه كلُّها لا علاقة لها بامتيازهم العظيم الَّذي هو كلام الله المودَع بين أيديهم. فهذا الوحي سيبقى إلى الأبد مدعاة فخرهم ومسؤوليَّتهم.
ولعلَّ بُوْلُس سمع أيضاً مُعارضاً آخَر يقول: “ولكنَّهم لم يكونوا أمناء مُحافظين على ناموس العهد”. فردَّ الرَّسُوْل على هذا الادِّعاء الخطير بقوله: “هل تظنُّ أنَّ ذَنب الإنسان يُبطل مواعيد الرَّب وأمانته؟ ليس الله متردَّداً ولا كاذباً، بل إنَّ كلمته حقٌّ أبديٌّ وهي أساس الكون. فحيال عدم أمانة النَّاس تَظهر نعمة الرَّب أمينةً وثابتةً إلى الأبد. ولو إنَّ الله أبطل العهد القديم بسبب خطايا أهله، لما كان لعهدنا الجديد بقاءٌ. إنَّنا في العهد الجديد نُخطئُ، في الواقع، أكثر مِن القدماء، بالنِّسبة إلى الهبات الفائقة الموهوبة لنا. لذلك فإنَّنا لا نبني رجاءنا على فشلنا الظَّاهر، أو نجاحنا الموهوم، بل على نعمة الله وحدها. ونعترف بأنَّنا كاذبون باطلون كباقي النَّاس. ونشهد أنَّ الله هو وحده الصَّادق والأمين. فأمانته وعهوده لا تسقط أبداً.
3: 6 حَاشَا. فَكَيْفَ يَدِينُ اللهُ الْعَالَمَ إِذْ ذَاكَ. 7 فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ. 8 أَمَا كَمَا يُفْتَرَى عَلَيْنَا وَكَمَا يَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّنَا نَقُولُ لِنَفْعَلِ السَّيِّآتِ لِكَيْ تَأْتِيَ الْخَيْرَاتُ، الَّذِينَ دَيْنُونَتُهُمْ عَادِلَةٌ
وإذ أبرز بُوْلُس رجاءنا المبنيَّ على أمانة الله فقط، سمع في روحه أصواتاً شرِّيرةً تصرخ محتجَّةً: “ولكن كيف يبقى اللهُ بارّاً إذا ظهرت أمانته بواسطة خطايانا، وأبرزت ذنوبُنا نعمتَه على نحو أجلى وأوضح؟ كيف يستحقّ الله أن يدين النَّاس، إذا كانت خطاياهم تُساعد على إظهار عظمة أمانته؟ هل شرورنا هي خدمةٌ وعبادةٌ لله؟ تعالوا إذاً نُخطئ كي نمجِّده!”
لم يسكت بُوْلُس إزاء هذا الاتِّهام الخطير، بل ردَّ عليه بجلاءٍ وعمق، مِن خلال أسئلة سلبيَّة أخرى، موضحاً أنَّه لم يطرحها بصفته رسولاً، بل كإنسانٍ عاديٍّ، فقال: “لا شكَّ في أنَّه لو ظهرت أمانة الله بواسطة ظلمنا، لما استطاع الله أن يكون ديَّان العالمين. ولو أنَّ أكاذيبنا كانت سنداً لحقِّه، لما حقَّ له أن يدين العالم. صحيحٌ أنَّه، في هذه الحالة، خيرٌ لنا أن نُخطئ كي يتمجَّد الخير”.
لم يُعطِ بُوْلُس، بهذه المباحثات السَّلبية، جواباً للسُّؤال الأصلي، بل أبرز الرُّوح الشِّرير في السَّائلين، وأوضحه وطوَّره، ليأخذ مِن أعدائه كلَّ حجَّةٍ مسبقاً. وبَعْدَئِذٍ لخَّص ردَّه في عبارتين: 1- “حاشا”، ومعنى هذه الكلمة في النَّص اليوناني “ليت هذه الفكرة لم تولد فيَّ. لا أوافق عليها ثانيةً بتاتاً. والله هو شاهدي أنني لا أراعي تجديفاً مثل هذا في قلبي. 2- بَعْدَئِذٍ قال إنَّ دينونة الله العادلة ستحلُّ على هؤلاء المجدِّفين. فلا مهرب لهم مِن غضبه، وهو سيبيدهم.
نجد، من خلال هذا الأسلوب الرَّسُوْلي، أنَّنا نبلغ أحياناً في المباحثات مع أعداء المسيح، مرحلةً نضطرُّ فيها إلى قطع جميع الحجج والأسئلة، كي لا ندخل في التَّجديف. عِنْدَئِذٍ ينبغي أن نحسم الجدال بكلّ جرأة، ونضع النَّاس كلِّياً أمام الله وعدله المبين.
الصَّلاَة: إلهنا القُدُّوْس، اغفر لنا تساؤلاتنا الَّتِي تتجاوز أحياناً حدود اللِّياقة. نشكرك لأجل صبرك علينا، فأنت لا تبيدنا بسبب معاصينا وجهلنا، بل تهدينا إلى التَّعقُّل كي نسمع كلمتك ونستجيب لجذب روحك القُدُّوْس. انزع منَّا كلّ سؤال يُعارض خطَّة محبّتك، واجعلنا منسجمين مع إرادتك، فنحن لا نريد أن نكون مِن أبناء المعصية. علِّمنا تواضع ابنك، واملأنا بحكمة رُسُلك، كي لا نتكلَّم، في مباحثاتنا مع الآخرين، بذكاء البشر، بل نلتمس هداك في جميع خدماتنا.
السُّؤَال:
25- ما هي الأسئلة الأصليَّة المتناقضة في الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة، وما هي أجوبتها؟
3- جميع النَّاس فاسدون ومَلُومُون
(رُوْمِيَة 3: 9- 20)
3: 9 فَمَاذَا إِذًا. أَنَحْنُ أَفْضَلُ. كَلاَّ الْبَتَّةَ. لأَِنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِييِّنَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الْخَطِيئةِ 10 كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ.
لخَّص بُوْلُس شكواه على الأُمم باسم الله، وبرهن لهم أن ليس أحدٌ أفضل مِن الآخَر؛ فالجميع قد أخطأوا خطايا ملموسةً، فتركوا طريق الله المستقيم، وأصبحوا عبيد الشَّر مقيَّدين بشهواتهم وغرور أنفسهم. فأدخل بُوْلُس نفسه في شكواه، معترفاً معنا أنَّه خاطئٌ.
هل شاهدتَ قطّ شيئاً قبيحاً أثار اشمئزازك حتّى جاشت نفسك وكدتَ تتقيَّأ؟ اعلم إذاً أنَّ خطيَّتك قبيحةٌ جدّاً، حتَّى إنَّها تجعل روحك ونفسك تشمئزَّان مِن هول فظاعتها. قارن نفسك بشكوى الرَّسُوْل الدَّقيقة، فتدرك أنَّك الخاطئ الموصوف فيها.
3: 11 لَيْسَ مَنْ يَفْهَمُ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ. 12 الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ.
جميعنا نجسون رجسون أمام قَدَاسَة الله السَّاطعة. لا صالح إلاَّ المسيح. إنَّ عقولنا في ضبابٍ كثيفٍ، فلا نبصر الله، مقياسنا العظيم، كما هو؛ ولا نعرف فظاعة خطيئتنا. ليت النَّاس يتحلَّون بالفطنة والفهم فيطلبون مجد الله، بدل أن يمضي كلّ واحدٍ في سبيله، متمسِّكاً بشرفه، مُقيَّداً بشهوته، متمنِّياً الاسترخاء والخمول. لقد ضلَّ النَّاس جميعاً طريق ربِّهم، وليس مَن يسير في الصِّراط المستقيم. وأنت لستَ صالحاً في أخلاقك البتَّة. الجميع فسدوا وزاغوا وانحرفوا. جميعنا أشرارٌ في طبيعتنا ومجرمون. وضميرك يَعرف ذاتك حقَّ المعرفة.
3: 13 حَنْجَرَتُهُمْ قَبْرٌ مَفْتُوحٌ. بِأَلْسِنَتِهِمْ قَدْ مَكَرُوا. سَمُّ الأَصْلاَلِ تَحْتَ شِفَاهِهِمْ
يظهر فساد النَّاس مِن خلال كلامهم. فجميعنا قتلةٌ وسفَّاحون، لأنَّنا بألسنتنا الحادَّة نطعن زملاءنا في شرفهم وسُمعتهم، ونُسمم الأجواء بأكاذيبنا واتِّهاماتنا وإهاناتنا ومزاحنا السَّفيه، ونتذمَّر على الله ونستثقل إرشاداته. ومعارضتنا تُشبه تجديفاً مُرّاً في أفواهنا. فنحن عصاةٌ مُعاندون لتأديب الله، غير عالمين أنَّنا لا نستحقُّ إلاَّ الضَّربات الأليمة والدَّيْنُوْنَة.
3: 14 وَفَمُهُمْ مَمْلُوءٌ لَعْنَةً وَمَرَارَةً. 15 أَرْجُلُهُمْ سَرِيعَةٌ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. 16 فِي طُرُقِهِمِ اغْتِصَابٌ وَسُحْقٌ، 17 وَطَرِيقُ السَّلاَمِ لَمْ يَعْرِفُوهُ.
إنَّ بُغضتنا لا تزول بسرعة. فنحن لا نُحبُّ أعداءنا، بل نتمنَّى إزالتهم. وكذلك الشُّعوب والأمم، فهي تسفك أنهاراً مِن الدِّماء في حقدها على أعدائها. فالإنسان في احتدام غضبه يتحوَّل إلى وحشٍ. لا سلام فينا، رغم كثرة أحاديثنا الكاذبة عن السَّلام. جميع النَّاس مجرمون، وقلوبهم مليئةٌ بالاحتقار والأحقاد والاستكبار، لأنَّهم لا يعلمون أنَّ الله محبَّةٌ وحقٌّ وطهارةٌ. لقد فقدوا حسَّ الحقيقة، فليس لهم مقياسٌ ولا راحةٌ، بل قد أوقعوا أنفسهم في مأزقٍ حرجٍ.
3: 18 لَيْسَ خَوْفُ اللهِ قُدَّامَ عُيُونِهِمْ.
كلُّ مَن لا يَعرف الله ويخافه هو جاهلٌ وغبيٌّ، لأنَّ معرفة القُدُّوْس فهمٌ، ورأس الحكمة مخافة الله. إنَّ الإلحاد يزداد في أيَّامنا هذه، والنَّاس يتصرَّفون وكأنَّه لا يوجد إلهٌ. فلا عجب إذا تفاقم الشَّر، ورفعت الخطيئة رأسها عالياً بكلّ وقاحةٍ في الشوارع والقلوب ودور السينما وعلى صفحات الجرائد وفي كلّ مكان.
3: 19 وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقُولُهُ النَّامُوسُ فَهُوَ يُكَلِّمُ بِهِ الَّذِينَ فِي النَّامُوسِ لِكَيْ يَسْتَدَّ كُلُّ فَمٍ وَيَصِيرَ كُلُّ الْعَالَمِ تَحْتَ قِصَاصٍ مِنَ اللهِ. 20 لأَِنَّهُ بِأَعْمَال النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ، لأَِنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيئة.
ليس أتقياء العهد القديم إلاَّ خُطاة، لأنَّ النَّاموس أنشأهم على معرفة الخطيئة. صحيحٌ أنَّ الشَّريعة تَعِدُنا ببركات السَّماء كلِّها إذا حفظنا الوصايا، ولكن لا يستطيع أحدٌ أن يُنفِّذ هذا الشَّرط بحذافيره، لأنَّنا كُلَّما حاولنا الإصلاح بجهودنا الخاصَّة، تظهر ارتباطاتنا السَّيئة في دمائنا. فنحن كلُّنا نستحقُّ قصاص الله، وإحساناتنا كلُّها ملوَّثةٌ بأنانيَّتنا، وليس لنا فضلٌ عند الله. فهل توافق على هذه المبادئ البُوْلُسيَّة؟ راجع مرَّةً أُخرى ما كتبه الرَّسُوْل، فتتعقَّل وتنكسِر.
الصَّلاَة: نشكرك يا أبانا السَّمَاوِيّ لأنَّك منَحتنا رجاءً في المسيح، فلا نيأس ولا نتشاءم. جميعنا أشرارٌ في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا، أمَّا أيدينا وأرجلنا وأعيننا فهي أدوات للخطيَّة، وقلوبنا ممتلئةٌ بُغضاً وشهوةً وكذباً وغشّاً. ما أوسَخَني إنساناً! فاغفر لي ذنبي، وارسم قداستك أمام عيني لكي تتحطَّم فيَّ رواسب كبريائي، وأسجد لك وحدك. نجِّني يا ربُّ مِن خطاياي نهائيّاً.
السُّؤَال:
26- كيف أوضح الرَّسُوْل خطايانا في معرض توضيحه فساد البشر المُطْلَق؟
ثانياً: البِرُّ الجديد بالإيمان مفتوحٌ لجميع النَّاس
(رُوْمِيَة 3: 21- 4: 22)
1- ظُهُور بِرِّ الله في مَوت المسيح الكَفَّارِيّ
(رُوْمِيَة 3: 21- 26)
3: 21 وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ مَشْهُودًا لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، 22 بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، لأَِنَّهُ لاَ فَرْقَ، 23 إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ. 24 مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ
هل أنت خاطئٌ؟ إنَّ هذه الكلمات موجَّهةٌ إلى الخُطاة فقط الَّذين تألَّموا مِن أَعْمَالهم الماضية، لأنَّهم أَدركوا أنَّ دمهم شرِّيرٌ وأخلاقهم فاسدة.
تعال واسمع الإِنْجِيْل اليقين الَّذي يُحدِّثُك وسط محاكمة الله للعالم.
لقد برهن بُوْلُس للنَّاس كلِّهم أتقياء ومُذْنِبين، مُختارين وضالِّين، مُهذَّبين وبُسطاء، كباراً وصغاراً، باسم النَّاموس الطَّبيعي والإلهيّ، أنَّهم خطاةٌ بذهنٍ مرفوضٍ.
طوبى لك إن أدركتَ أنَّك ناقصٌ في مجد الله، كما هو حال النَّاس جميعاً. فإنهم فقدوا صورة الله الموهوبة لهم في الخلق. فهل تبكي على فساد نفسك؟
بماذا يُجيب الله شكوى ناموس قداسته؟ ما هو الحكم الإلهي على جماهير العُصاة الأشرار؟ وما هي دينونته العادلة عليّ وعليك؟
لقد وقعت الكلمة الثَّقيلة في السَّماء وعلى الأرض، وسط صمت ورهبة عوالم الأموات والأحياء: الجميع متبرِّرون! عقلنا يثور قائلاً: “مستحيل!”، والشَّيْطَان يصرخ: “لا!”. أمَّا روح الله فيُعزِّيك، ويدلُّك على حَمَل الله المذبوح الَّذي رفع خطيئة العالم. لقد عاقب الله القُدُّوْس ابنه عوضاً عن جميع الخطاة، فأهلك ابنه القُدُّوْس ليُقدِّس الفاسدين. فدفع المسيح ديونك الرُّوْحِيّة بآلامه الجسديَّة، كي تدخل رحاب الله مجَّاناً. فأنت حُرٌّ ومفديٌّ وطليقٌ، ولا تجد الخطيئة ولا الشَّيْطَان ولا الموت أيَّ حقٍّ أو قوَّةٍ عليك، فأنت بريءٌ ومَقبولٌ عند الله إلى الأبَد.
هل تؤمن بهذا، وهل تَقبل بُشرى الخلاص بثقة؟ إن نظرتَ إلى المرآة، فسترى نفسك مثلما كنتَ قبلاً تقريباً. ولكنَّك ستُلاحظ أمارات الشُّكر والفرح تلمع في عينيك، لأنَّ الله يُحبُّك وقد برَّرك مِن جميع آثامك بموت ابنه الوحيد. فأنت إمَّا أن تقبل هذا الحقَّ الأزليَّ أو ترفضه. أمَّا تبرير العالم كلِّه فقد تمَّ كُلياً، ولا حاجة أن يموت المسيح مرَّةً أُخرى على الصَّلِيْب. فمَن يؤمن يخلص، ومَن يتمسَّك بالخلاص لا يُدان. فإيمانك قد خلَّصك.
وكما كان الجميع أشراراً محكوماً عليهم بالموت والهلاك، هكذا برَّرهم الله أجمعين، مانحاً إيَّاهم فرصة الحَيَاة لخدمته الأَبَدِيَّة. وهذه النِّعْمَة الشَّاملة معدومة في جميع أديان العالم، ولا وجود لها إلاَّ في الإِنْجِيْل. فمحبَّة الله خلَّصَت جميع النَّاس، المحكوم عليهم مِن الشريعة والضَّالين، النُّخبة والكفرة، الفلاسفة والبسطاء، الشُّيوخ والأطفال. والله قد برَّرهم جميعاً. فإلى متى تظلُّ ساكتاً عن هذه النِّعْمَة؟ أسرع، وادعُ أصدقاءك، وأخبرهم أنَّ باب سجنهم مفتوحٌ على مصراعيه، وأنَّ لهم الحقّ في الانطلاق مرسوماً في الإِنْجِيْل الشَّريف. أسرع وأرِهِم حُرِّية الله الجديدة.
أيُّها الأخ العزيز، هل قَبلتَ المسيح وخلاصه شخصيّاً؟ هل عرفتَه كمخلِّص حنون لك؟ إنَّنا نُهنِّئك ونقترح عليك أن تشكر يسوع على آلامه وموته، لأنَّه وحده قد خلَّصك وطهَّرك وبرَّرك. فأكرمه بإيمانك، ولا تبخل بشكرك، وليكن ما بقي مِن عمرك شُكراً لنعمته المجيدة.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح الحبيب، ونُحبُّك، لأنَّك مُتَّ على الصَّلِيْب لأجلنا. نسجد لك أيُّها الآب الحنون لأنَّك غفرتَ لأجل موت ابنك الكَفَّارِيّ جميع خطايانا. نشكرك أيُّها الرُّوْح القُدُس لأنَّك منحتنا نعمة المعرفة المجَّانية، وثبَّتَّنا في التَّبرير المُطلق، وأكَّدْتَ لنا الغُفران الأكيد. نُعظِّمُك أيُّها الثَّالُوث الأَقْدَس لأنَّك أعطيتَ حياتَنا معنىً. علِّمْنا أن نشكرك إلى الأبد، وقَدِّس حياتنا، كي يُصبح سلوكنا حمداً لنعمتك العظيمة.
السُّؤَال: 27- ما هي الأفكار الأساسيَّة في تبريرنا بواسطة الإيمان؟
3: 25 الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ 26 لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لِيَكُونَ بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ بِيَسُوعَ.
لم تكن البشريَّةُ وحدها هي الَّتِي صلبَت يسوع، بل إنَّ الله هكذا أحبَّ عالمنا الشِّرير، حتَّى أسلم ابنه الوحيد إلى أيدي الأثمة، عالِماً أنَّهم سيقتلونه. والله في علمه السَّمَاوِيّ قصد أن يكون موت القُدُّوْس ذبيحةً وكفَّارةً عن جميع الخطاة في كلِّ زمان. فدمُ المسيح يُطهِّرنا مِن كلِّ إثم. ولا فداء إلاَّ بدم ابن الله البريء.
لقد أعمى عصرُنا التكنولوجي أبصارنا عن إدراك السُّلطة الفعَّالة في تاريخ العالم، وهي غضب الله ودينونته اللَّذان يفوقان في أهمِّيتهما وقوَّتهما جميع الطائرات والغوّاصات والدبابات والقنابل الهيدروجينيَّة. إنَّ كلَّ خطيئةٍ مِن خطايانا تستوجب الجزاء والكفَّارة، لأنَّنا محكومٌ علينا بالموت مبدئيّاً. وذبيحة المسيح النِّيابيَّة عنَّا هي المخرج الوحيد لخلاصنا. ولهذه الغاية تجسَّد ابن الله، ليحترق على مذبح الصَّلِيْب في لهيب غضب الله. فمَن يَدْنُ منه مؤمناً يتبرَّر. وقد اختبر ملايين البشر أنَّ قوى الله كلَّها تعمل في دم المسيح المسفوك. لذلك ندعوك أيُّها الأخ ألاَّ تبقى بعيداً عن المصلوب، بل أن تضع نفسك وبيتك وعملك وماضيك ومستقبلك وكنيستك كلّياً وإلى الأبد تحت رشِّ دم حَمَل الله، فتبقى أيُّها الحبيب بارّاً مُقدَّساً ومحفوظاً في حقِّ الله إلى الأبد. لا توجد أيُّ حمايةٍ مِن شكاوى الشَّيْطَان وضربات غضب الله إلاَّ في دم يسوع المسيح.
احفظ الآيات مِن 21 إلى 28 غيباً، واقرأها كلمةً كلمةً بدقَّةٍ، وحرِّك معانيها في قلبك، فتدرك أنَّ المهمَّ في هذا الدَّرس ليس تبرير الخاطئ، بل إظهار برّ الله، الَّذي يؤكِّد عليه بُوْلُس ثلاث مرَّاتٍ في هذا المقطع وحده.
فالله المُحبُّ الرَّحيم لم يُهلك المذنبين في الماضي، كما يقتضي النَّاموس (الشريعة)، بل صفح عن آثام الجميع وأهملها لأجل محبَّته وصبره، ريثما تحين اللحظة الَّتِي انتظرتها الخليقة كلُّها، وهي لحظة مصالحة العالم مع الله، في موت المسيح على الصَّلِيْب، حين تهلَّّلت الملائكة جميعها، لأنَّ في قيامة المصلوب تمَّ تبرير الخُطاة.
إنَّ مَن يقول إنَّ الله قادرٌ على أن يغفر، مِن تلقاء نفسه، لمَن يشاء وحيثما يشاء، هو إنسانٌ جاهلٌ، وجهله ظاهرٌ في منطقه البشري السَّطحي؛ لأنَّ الله ليس حُرّاً مُطلقاً، بل قد حدَّد نفسه بكلمات ومعاني قداسته. فهو يُضطرُّ إلى إماتة كلّ خاطئٍ. كما أنَّه أوحى بأنَّه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة. فلولا حدوث ذبيحة المسيح، لكان الله مَلُوماً لو غفر مِن تلقاء نفسه، بدون إتمام مقتضيات البِرِّ.
أمَّا الآن، فقد تمَّ في صليب المسيح أمران: أعلن الله برَّه غير المبكّت، وبرَّرنا تبريراً تامّاً في الوقت نفسه.فالقُدُّوْس ليس بظالمٍ إن سامحنا، لأنَّ يسوع قد استوفى شروط البرِّ كلَّها. فعاش النَّاصِرِيّ بدون خطيئةٍ، قُدُّوْساً متواضعاً، واستطاع، كوحيدٍ بين الخلائق، أن يحمل ثقل خطيئة العالم، ليحقّق قُدرة محبَّته. فلنسجد ليسوع ونحبّه ولنعظِّم أباه القادر على كلّ شيء الَّذي تمنّى أن يموت عوضاً عن ابنه لو أمكن ولكن لأجل دوام الكون وضرورة الدَّيْنُوْنَة على المصلوب، لم يستطع أن يُميت نفسه عوضاً عنَّا.
خاطب يسوعُ اللهَ، في صلاته الكهنوتيَّة في إِنْجِيْل يوحنا 17، بقوله: “أيُّها الآب القُدُّوْس”. وتجد في هاتين الكلمتين تفسيراً عميقاً لبِرِّ الله. فالخالق ممتلئٌ محبَّةً وحقّاً، وليس فيه محبَّةٌ ظالمةٌ، بل هو يبني رحمته على العدل. ففي موت المسيح اتَّحدت جميع مقتضيات صفات الله. ونحن نُطلق على هذه المحبَّة غير المحدودة المبنيَّة على الحقِّ الشَّرعي اسم “النِّعْمَة”، لأنَّها تأتينا بتبرير مجَّاني، كما أنَّ الله يَثبت بارّاً، رغم أنَّه يُحبُّنا ويعفو عنَّا.
الصَّلاَة: أيُّها الثَّالُوث الأَقْدَس، الآب والابن والرُّوْح القُدُس، نَسجد لك، لأنَّ محبَّتك تفوق الإدراك، وقداستك أعمق مِن البحار. لقد فديتَنا مِن الخطيئة والموت وسُلطان الشَّيْطَان، ليس بفضَّةٍ أو ذهب، بل بواسطة آلام المسيح المريرة وموته على خَشَبَة اللَّعنة. فدمه الثَّمين الغالي طهَّرنا مِن جميع خطايانا، فأصبحنا أبراراً وقدِّيسين بالنِّعْمَة. نُعظِّم ذبيحة يسوع، ونُكرِّس حياتنا شُكراً لك لأجل فدائك في تبريرنا.
السُّؤَال: 28- ما معنى العبارة “إظهار بِرِّ الله”؟
الْجَمِيعُ
أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ
مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا
بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي
بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ
(رُوْمِيَة 3: 23- 24)
2- بِرُّ الله يتحقَّق فينا بالإيمان بالمسيح
(رُوْمِيَة 3: 27- 31)
3: 27 فَأَيْنَ الاِفْتِخَارُ. قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ. أَبِنَامُوسِ الأَعْمَال. كَلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ. 28 إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَال النَّامُوسِ (الشريعة).
لقد تمَّ تبرير العالم ومصالحتنا مع الله على الصَّلِيْب مبدئيّاً. ولكنَّهما لا يتحقَّقان في الإنسان إلاَّ بالإيمان. نقرأ كلمة “الإيمان” تسع مرَّاتٍ في الآيات من 21 إلى 31، لأنَّ الرَّسُوْل يشهد لك أنَّ تبريرك لا يتمُّ إلاَّ بإيمانك الحيِّ.
ويعني هذا المبدأ انقلاباً تامّاً في معتقدات مختلف الأديان والفلسفات، لأنَّ الله قد غفر للجميع خطاياهم كلَّها بدون الاقتصاص منهم. وهكذا تسقط مبادئ العالم القائمة على الاجتهاد والثَّواب والصَّدقة وحفظ الشَّريعة، لأنَّ الله قد فدانا مجَّاناً، فنقلنا إلى عصر نعمته، وحرَّرنا مِن لعنة النَّاموس (الشريعة). فأنت على الرَّغم مِن صومك وصدقاتك وتقواك وجهودك الشَّخصية تظلُّ خاطئاً إن لم تَقبل دم المسيح وبرَّه بإيمانٍ وشُكر. إنَّ هذا البرَّ المقدَّس لا يد ولا فضل لك فيه، لأنَّه يأتيك هبةً مِن الله الَّذي برَّرك تماماً، ليس لأجل استقامتك وصلاحك، بل لأنَّ دم المسيح قد طهَّرك في شعورك الباطني. ما أعظم النِّعْمَة!
إنَّ قبول هذه النِّعْمَة، والشُّكر لأجلها، والاتِّحاد بواهبها، يعني إيماناً. فالمصلوب هو عطيَّة الله لنا نحن المجرمين. وفيه يأتي الخالق إليك ويُطهِّرك، واهباً ذاته لك أيُّها المذنب المتبرِّر. فالتصق بالمسيح مصلِّياً ومؤمناً، فتَقْوَى قُدرة بِرِّه فيك. سَلِّمْ حياتك له شُكراً لمحبَّته.
الإيمان يُبرِّرُ الخاطئ، ويَقلب التَّفكير في قدرة الإنسان، ويُنْهي أنواعاً مِن البرِّ الذَّاتي،
وافتداء النَّفس، والعقد المنتفخة، لأنَّنا عرفنا بالمسيح أنَّنا أغبياء خبثاء فاسدون صعاليك. لا خلاص لنا إلاَّ بيد الله الرَّحيم. عِنْدَئِذٍ لا تبني نفسك على تقليد ما أو تربية سطحيَّة أو قوميَّة محدودة، لأنَّ الَّذي خلَّصك ليس عشيرتك ولا شهاداتك ولا مواهبك، بل إيمانك بالمسيح. فارتبط بابن الله، وتعاهد معه في العهد الجديد، لأنَّ حياتك بدونه تظلُّ ميتةً في الخطايا، ولكنَّك فيه تتقدَّس حقّاً، ويَثبت برُّك على الدَّوام. لا يوجد طريق آخر لإرضاء الله إلاَّ قبول دم المسيح والثَّبات فيه. لقد وضع الله برَّه عليك، فآمِنْ به، لأنَّ الإيمان وحده يُشركك في جميع حقوق بركات المسيح وقواها.
3: 29 أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ. أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا. بَلَى لِلأُمَمِ أَيْضًا. 30 لأَِنَّ اللهَ وَاحِدٌ هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. 31 أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ (الشريعة) بِالإِيمَانِ. حَاشَا. بَلْ نُثَبِّتُ النَّامُوسَ (الشريعة).
كتب بُوْلُس هذه الرِّسَالَة الحاسمة إلى الكنيسة في روما. وبعدما وصف التَّبرير وصفاً قويّاً موجزاً، سمع في داخله أصواتاً معارضةً.
فاليونانيون قالوا: “إذا كان موت المسيح قد أظهر برَّ الله في غفرانه الخطايا المهملة الَّتِي ارتكبها أهل النَّاموس (الشريعة)، فالصَّلِيْب إذاً يخصُّهم وحدهم، ونحن نصبح خارجاً.”
فأجابهم بُوْلُس قائلاً: “ولكنَّ الله قد غفر لجميع الشُّعوب ذنوبهم. فلا يوجد إلهٌ لليهود، وآخَر لباقي الشُّعوب، لأنَّ الله واحدٌ. ولقد برَّر يسوع بموته على الصَّلِيْب المختونين وغير المختونين، لأجل إيمانهم.
عِنْدَئِذٍ صرخ بعض اليهود: “مستحيلٌ، لأنَّ الأمم بذلك تصبح مبرَّرةً بدون ختانٍ وبدون ناموسٍ. إنَّ هذا كفرٌ بالله! وأنت يا بُوْلُس تقلب وحي الله رأساً على عقب”.
فردَّ بُوْلُس على هؤلاء المتعصِّبين قائلاً: “حاشا لي أن أُغيِّر وحي النَّاموس (الشريعة). بل إنَّنا على العكس نثبت النَّاموس (الشريعة) ببشارتنا عن الصَّلِيْب، ونوضح أنَّ الشَّريعة هي التَّمهيد لذبيحة الله. فالصَّلِيْب يُخمد جميع مقتضيات الشَّريعة فينا”.
نُدرك مِن خلال صراع بُوْلُس مع المتطرِّفين والمحايدين مِن الفريقين أن ليس جميع المؤمنين يُدركون برَّ الله وعظمته، لأنَّهم يخافون من البشارة بأنَّ جميع الناس يتبرَّرون بالإيمان. قليلون هم الَّذين يتقدَّمون إلى حرِّية المَسِيْحِيّين المبنيَّة ليس على النَّاموس (الشريعة) أو العُنصُريَّة أو أيّ ارتباط بشريّ، بل فقط على إيماننا الَّذي يعني ارتباط قلوبنا بيسوع، والثِّقة بمَن أحبَّنا منذ الأزل.
الصَّلاَة: أيُّها الآب، نشكرك لأنَّك حرَّرتنا مِن برِّنا الذَّاتي، وبرَّرتنا بقدرة المسيح. نحن خطاةٌ عندما ننظر إلى أنفسنا، ولكنَّنا عندما ننظر إلى ابنك نجد برَّنا الموهوب لنا. حرِّرنا مِن عباداتنا الخاطئة، فلا نسعى إلى أَعْمَال بشريَّة لتبرير أنفسنا بأنفسنا، بل نكتفي بما عمله ابنك لأجلنا. اقبل ذواتنا تسبيحة شُكرٍ مِنَّا إلى أبد الأبدين.
السُّؤَال: 29- لماذا نتبرَّر بالإيمان وحده، وليس بأَعْمَالنا الصَّالحة؟
الإِنْسَانُ
يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ
بِدُونِ أَعْمَال النَّامُوسِ
(رُوْمِيَة 3: 28)
3- إبراهيم وداود قُدْوَتان في بِرِّ الإيمان
(رُوْمِيَة 4: 1- 24)
أ: إيمان إبراهيم حُسِب له بِرّاً
(رُوْمِيَة 4: 1- 8)
الأَصْحَاح الرَّابع: 1 فَمَاذَا نَقُولُ إِنَّ أَبَانَا إِبْرَاهِيمَ قَدْ وَجَدَ حَسَبَ الْجَسَدِ. 2 لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِالأَعْمَال فَلَهُ فَخْرٌ. وَلَكِنْ لَيْسَ لَدَى اللهِ. 3 لأَِنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ. فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا. 4 أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. 5 وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا. 6 كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضًا فِي تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَال. 7 طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ. 8 طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيئةً.
أراد بُوْلُس أن يساعد المؤمنين مِن أصل يهوديٍّ في روما على الإيمان الحقّ بمستوى العهد الجديد، فاتَّخذ أباهم إبراهيم والنَّبي داود مثلَين لهم، ليُبرهن أنَّهما نالا الغفران بواسطة إيمانهما، ليس لأجل أَعْمَالهما الصَّالحة.
عاش إبراهيم كأيِّ إنسانٍ آخَر. ولم يكن لا أفضل ولا أشرَّ مِن غيره. وعرف الرَّب آثامه الكثيرة وقلبه الفاسد. ولكنَّ العليم وجد في شوق عبده إليه استعداداً للطَّاعة الرُّوْحِيّة. فكلَّم الله إبراهيم مباشرةً، ودعاه إليه. وآمن هذا الشَّيخ البدويُّ بدعوة ربِّه، فلم يفهم مواعيد الله بكلّ أعماقها ومعانيها، ولكنَّه وثق بالله نفسه، بأنَّ كلمته صادقةٌ، وأنَّه أمينٌ في وعده. وبهذا الإيمان أكرم الله ومجَّد اسمه. لم يفكِّر إبراهيم بقدرته الشَّخصية ولا بضعفه الصَّريح، بل اتَّكل على قوَّة الله وإمكانياته غير المحدودة. فاتِّكاله هذا وارتباطه الإيماني بالله أخمدا ظمأ قلبه.
لم يكن سبب برّ إبراهيم فهمه العقائدي، بل إيمانه الواثق المطلَق. فهو لم يكن بارّاً في نفسه، بل إنَّ إيمانه حُسب له بِرّاً. كان خاطئاً مثلنا، لكنَّه استجاب لاختيار الله، وأصغى إلى كلمته باهتمام، وقَبل وعده مسلّماً، وحفظه في نفسه المشتاقة.
نقرأ في الأَصْحَاح الرَّابع، مرَّاتٍ عديدةً، أنَّ هذا النَّوع مِن الإيمان قد حُسب برّاً للمؤمِن. وقد أصبحت هذه العبارة “حُسِب له بِرّاً” شعار الإصلاح. فكُلّ مَن يُكرم الله بإيمانه، ويَقبل بشارة الصَّلِيْب، بدون قيد أو شرط، ويبني حياته على المسيح، يتبرَّر تماماً، بدون أَعْمَال النَّاموس (الشريعة)، وبدون أيّ جهدٍ شخصيّ.
هل سمعت ما تقوله كلمة الله عن كذبك ونجاساتك وقلّة محبّتك؟ هل تؤمن أنَّ الدَّيْنُوْنَة ستقع عليك؟ هل أنت نادمٌ تائبٌ مستغفرٌ؟ إن انكسرت وتواضَعْتَ، يَرسم الرُّوْح القُدُس ابنَ الله المصلوب أمام عينيك، باسطاً يديه لك وقائلاً: “قد غفرتُ ذنبك. أنتَ لستَ صالحاً في ذاتك، أمَّا أنا فأُصلحك. لستَ طاهراً، أمَّا أنا فأُقدِّسُك إلى التَّمام.
هل سمعتَ كلمة الله؟ هل اخترقت كلمته أعماق ذهنك البليد، وقلبك القاسي، وروحك السَّطحي؟ اقبل قول ربِّك، وآمن بإِنْجِيْل الخلاص، وتمسَّك بالصَّلِيْب، فيعتبرك الله بارّاً حقّاً. أكرم المصلوب بإيمانك، فتتقدَّس بشركتك معه.
إنَّ الملك المرنِّم الملهَم داود، الَّذي كان خاطئاً، قد اختبر سرَّ التَّبرير الإلهي في نفسه. فهو لم يتكبَّر ويتعاظم بمزاميره الرَّائعة، ولم يتبرَّر بانتصاراته القاهرة، ولم يفتخر بصلواته الحارَّة ولا بتبرُّعاته السَّخيَّة، بل طوَّب الإنسان الَّذي ينال غُفران خطاياه مِن نعمة ربِّه. فالبِرُّ الموهوب لك في المسيح هو أعظم هبةٍ مِن هِبَات الله.
الصَّلاَة: أيُّها الإله العظيم القُدُّوْس، نحمدك لأنَّك وهبت لنا كلمتك، متجسِّداً في ابنك، وعرَّفتنا بنعمتك المبرِّرة في صليبه. افتح آذاننا لنسمع مواعيدك، ونفهمها، ونؤمن بك. نشكرك لأنَّك برَّرتنا مجَّاناً مع جميع المتَّكلين عليك في كُلِّ مكان. ساعِد زُملاءنا على قبول هذه الدَّعوة واختبار قوَّة صليب ابنك.
السُّؤَال:
30- كيف تبرَّر إبراهيم وداود؟
ب: بِرُّ الإنسان غير مُتعلِّقٍ بالختان
(4: 9- 12)
4: 9 أَفَهَذَا التَّطْوِيبُ هُوَ عَلَى الْخِتَانِ فَقَطْ أَمْ عَلَى الْغُرْلَةِ أَيْضًا. لأَِنَّنَا نَقُولُ إِنَّهُ حُسِبَ لإِبْرَاهِيمَ الإِيمَانُ بِرًّا. 10 فَكَيْفَ حُسِبَ. أَوَهُوَ فِي الْخِتَانِ أَمْ فِي الْغُرْلَةِ. لَيْسَ فِي الْخِتَانِ بَلْ فِي الْغُرْلَةِ. 11 وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ لِيَكُونَ أَبًا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضًا الْبِرُّ. 12 وَأَبًا لِلْخِتَانِ لِلَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْخِتَانِ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَسْلُكُونَ فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي الْغُرْلَةِ.
هاجم بُوْلُس معتقدات اليهود، وحطَّم أحد مبادئهم المقدَّسة، وهو الختان. كان شعب البرِّية يعتبر هذه العلامة مِن أهمِّ رموز العهد القديم، فكان مَن يختتن يُعتبر مِن خاصَّة الله، أمَّا مَن لا يختتن فهو كافرٌ. ولذلك طلب اليهود مِن كلّ مؤمنٍ جديدٍ أن يختتن، كرمزٍ لتطهيره الأصلي الَّذي يؤهِّله للدُّخول في العهد مع الله.
لكنَّ بُوْلُس برهن لهؤلاء التَّقليديِّين، بواسطة سيرة إبراهيم، أنَّ الإيمان وحده، وليس الختان، هو الَّذي يُبرِّر الإنسان. فإبراهيم سمع دعوة ربِّه، وآمن بها قبل ختانه. وهذا الإيمان كان سبباً وأساساً لبِرِّه. فالختان عنده هو بمثابة ختم وليس حقّاً لرجوعه إلى الله، وهو لم يُساعده في الواقع، لأنَّه تعاهد مع ربِّه بالإيمان فقط.
وتجاسر بُوْلُس أن يقول بكلمته الجريئة إنَّ إبراهيم صار أوّلاً أباً لجميع المؤمنين مِن أصل أممي، قبل أن يصبح أباً للمختونين، لأنَّه تبرَّر وهو أمميٌّ وليس كمختونٍ. وبرهن رسول الأمم بهذه الحجَّة أنَّ كلَّ أمميٍّ مؤمنٍ هو أقرب إلى الله مِن المختونين الَّذين يؤمنون بالمسيح. فإيمان القلب وتجدُّد الذِّهن، وليس الرموز الجسدية والطّقوس التقليدية، هما اللّذان يمجِّدان الله.
اغتاظ اليهود اغتياظاً كبيراً حين أوضح لهم الرَّسُوْل خداعهم لأنفسهم، ودحض يقينهم الموهوم بحكمة. ولكنّه في محبّته شهد لهؤلاء المتعصبين أنَّهم يستطيعون أن يربحوا إبراهيم أباً لهم أيضاً إن هم آمنوا بإِنْجِيْل النِّعْمَة. فالسّبيل إلى الله ليس الأرومة ولا الختان، بل هو الاتَّكال على المصلوب. وهذا يعني لنا أن ليس كلّ مسيحي معتمد بارّاً لأجل معموديَّته، بل إنَّه لا يتبرَّر إن لم يؤمن إيماناً فعليّاً، لأنَّ إيمان القلب وحده، وليس الطُّقوس أو الرُّموز، هو الَّذي يُبرِّر الإنسان أمام الله.
الصَّلاَة: أيُّها الآب القُدُّوْس، إنَّنا لا نستحقُّ أن نتقدَّم إليك بسبب فسادنا وعيوبنا. ولكنَّ ابنك الحبيب قد أعلن محبَّتك لنا، وبرَّرنا على الصَّلِيْب. ولذلك فإنَّنا نؤمن بكلمته، ونتعلَّق بشخصه، ونبني أنفسنا على خلاصه، ونتبع قدوته، لأنَّك قد برَّرتنا وقدَّستَنا مجَّاناً مع جميع الَّذين يُحبُّونك في جميع أرجاء المسكونة.
السُّؤَال:
31- لماذا الإيمان وحده، وليس الختان، هو الَّذي يُبرِّر؟
ج: النِّعْمَة تُبرِّرُنا وليس النَّاموس (الشريعة)
(4: 13- 18)
4: 13 فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإِبْرَاهِيمَ أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثًا لِلْعَالَمِ بَلْ بِبِرِّ الإِيمَانِ. 14 لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً فَقَدْ تَعَطَّلَ الإِيمَانُ وَبَطَلَ الْوَعْدُ، 15 لأَِنَّ النَّامُوسَ يُنْشِئُ غَضَبًا إِذْ حَيْثُ لَيْسَ نَامُوسٌ لَيْسَ أَيْضًا تَعَدٍّ. 16 لِهَذَا هُوَ مِنَ الإِيمَانِ كَيْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النِّعْمَة لِيَكُونَ الْوَعْدُ وَطِيدًا لِجَمِيعِ النَّسْلِ لَيْسَ لِمَنْ هُوَ مِنَ النَّامُوسِ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا لِمَنْ هُوَ مِنْ إِيمَانِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ أَبٌ لِجَمِيعِنَا، 17 كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ أَبًا لأُِمَمٍ كَثِيرَةٍ، أَمَامَ اللهِ الَّذِي آَمَنَ بِهِ الَّذِي يُحْيِي الْمَوتَى وَيَدْعُو الأَشْيَاءَ غَيْرَ الْمَوجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ. 18 فَهُوَ عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ لِكَيْ يَصِيرَ أَبًا لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ.
بعدَما حطَّم بُوْلُس ثقة اليهود الخاطئة بالختان، دمَّر الرُّكن الثَّاني من برِّهم الوهميّ، ألا وهو اتِّكالهم على النَّاموس (الشريعة).
لقد ظنَّ شعب البرِّية أنَّ الله يجلس على لوحي العهد، ويُعلن نفسَه منهما، ويَملك مِن عرشه هذا على العالمين. فرجوا أن يبقى الله معهم ما داموا حافظين للنَّاموس بأحكامه الكثيرة. ولكنَّهم لم يُدركوا فظاعة خطيئتهم، ولم يشعروا بمحبَّة الله العظمى لجميع النَّاس. فأصبحوا عبيداً للنَّاموس، وتحجَّرت قلوبهم، وتكبَّروا في عماهم الرُّوْحِيّ، ولم يروا غضب الله النَّازل عليهم، كما لم يُدركوا المسيح العائش بينهم.
ويلٌ للكنيسة، أو الجماعة الَّتِي تهتمُّ بحفظ التَّقاليد والمحرَّمات والأحكام، أكثر مِن الإيمان البسيط بالمسيح الحيِّ. فالضَّعيف في الإيمان خيرٌ مِن النَّامُوْسِيّ غير المحبّ. وإنَّه لسرٌّ كبيرٌ أن تسبِّب القوانين والشَّرائع الغضب، وتُحرِّض على تجاوزها، وتأتي بالعقوبات. ولذلك يضع المربُّون الحكماء القليل مِن الأحكام في بيوتهم ومدارسهم، لأنَّ المسيح قد حرَّرنا كي نحبّ ونثق ونصبر ونغفر، بدلاً مِن أن نُستعبَد للأنظمة، ونُدقِّق في تفسيرها، وفي تطبيقها، وفي العقوبات الَّتِي تنصّ عليها.
برهن بُوْلُس للنَّاموسيِّين، مرَّةً أُخرى، أنَّ إبراهيم تبرَّر بواسطة الإيمان، قبل أن يأتي موسى بالنَّاموس بزمنٍ طويل. وعندما وثق إبراهيم بالله لم يكن النَّاموس (الشريعة) قد وُجد بعد. فالوصايا جاءت متأخِّرةً، هدايةً للمؤمنين، وتحطيماً لكبريائهم. إنَّ الإيمان برحمة الله هو القوَّة الحقيقيَّة الَّتِي تبني الحَيَاة الرُّوْحِيّة، وتُشجِّع المؤمن على خدمة الله، وتدفعه إلى الأَعْمَال الحسنة. أمَّا القوانين والأنظمة فتضيِّق علينا، وتديننا، وتُعاقبنا، وتُميتنا.
لم ينظر إبراهيم آنذاك إلى سلوكه وسيرته وحفظه للنَّاموس (الشريعة)، بل نظر إلى وعد الله وحده، ووثق بربِّه؛ فأصبح القدوة والأب الرُّوْحِيّ لجميع المؤمنين. وإذ آمن إبراهيم بالوعد، بأنَّ فيه يتبارك جميع الأمم، مع أنَّه لم يكن له ولدٌ بعد، ربح بإيمانه هذا الشُّعوب والأمم، حتَّى سمَّاه بُوْلُس “وارث العالم”.
وهكذا ابتدأ الرُّوْح القُدُس في إبراهيم، البدوي البسيط، خطة البركة الَّتِي حلَّ فيها المسيح شخصيّاً، واجتذب إليه جميع الَّذين يتبرَّرون بالإيمان.
ورُبَّما فاق إبراهيم مُعظم شخصيَّات العهد القديم بإيمانه العظيم. فوعده الله أن يُبارك بنسله جميع الأُمم، وقصد بذلك المسيح نفسه. فكلمة “بنسله” العبرانيَّة وردت في صيغة المفرد، وهي بالتَّالي لا تدلُّ على الجمع. وهكذا يرث المتبرِّرون بالمصلوب السَّماءَ بجميع كنوزها، لأنَّ ثقتهم بالمسيح تُوحِّدهم بحياة الله وقوَّته وبركاته.
تعال إلى المخلِّص، فتقم مِن موتك. وإن ثبتَّ في كلمته يخلق الرُّوْح القُدُس فيك وفي مُحِيْطك حياةً جديدةً. وإذا وُجد في كنيستك أو جماعتك إيمانٌ بوعد الله، فإنَّ هذا الإيمان يغلب الموت في الخطايا، ويُنشئ شيئاً جديداً لم يكن موجوداً مِن قبل، لأنَّ الله يخلق ويعمل بواسطة إيمانك. فصرخة اتِِّكالك وثقتك يسمعها الله، وكلمته الَّتِي تَقبلها تُغيِّرك وتُغيِّر العالم أيضاً.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، إنَّ تفكيرنا ضيِّقٌ وناموسيٌّ ويدين الآخرين؛ فوَسِّع قلوبنا لتحلّ فيها ثقة الإيمان المُطلَق بشخصك، واسمح لروحك القُدُّوْس أن يُحرِّرنا ويُطْلِقنا كي نُحبّ ونستبسل ونُقيم الأموات في الخطايا، فيعظم حمدك في أُمَّتنا. اخلق فينا إيمانك كي تعمل أنت بواسطتنا أَعْمَالك المُخلِّصة.
السُّؤَال:
32- لماذا ينال البركة مَن يؤمن بوعود الله، وليس مَن يتبع النَّاموس (الشريعة)؟
د: إيمان إبراهيم الشُّجاع قُدوتُنا
(رُوْمِيَة 4: 19- 22)
4: 19 وَإِذْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي الإِيمَانِ لَمْ يَعْتَبِرْ جَسَدَهُ وَهُوَ قَدْ صَارَ مُمَاتًا إِذْ كَانَ ابْنَ نَحْوِ مِئَةِ سَنَةٍ وَلاَ مُمَاتِيَّةَ مُسْتَوْدَعِ سَارَةَ. 20 وَلاَ بِعَدَمِ إِيمَانٍ ارْتَابَ فِي وَعْدِ اللهِ بَلْ تَقَوَّى بِالإِيمَانِ مُعْطِيًا مَجْدًا لِلَّهِ، 21 وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضًا. 22 لِذَلِكَ أَيْضًا حُسِبَ لَهُ بِرًّا.
سمع إبراهيم كلمة الله عن المستقبل، أنَّه مختارٌ ليكون أباً لشعوبٍ كثيرةٍ، في الوقت الَّذي لم يكن له ابنٌ شرعيٌّ. فلم يبتسم ويهزّ برأسه مُنكراً وهو في التَّاسعة والتِّسعين مِن عمره، عند سماعه كلمات الوحي هذه، بل آمن أنَّ الله يمنح رجاءً حين ينتهي كلُّ رجاءٍ بشريٍّ. لقد فشل إبراهيم في كفاحه الإيماني سابقاً، حين ولدت له الجارية “إسماعيل”. ولكنّه عندما رأى أنَّ مِن المستحيل أن تأتي امرأته العجوز بولد، لم ينظر إلى الحقائق الطَّبيعيَّة، بل حصر نظره في الله الَّذي أوجد جميع قوانين الطَّبيعة، والقادر وحده أن يُغيِّرها ويتحكَّم بها. لم يسمح إبراهيم لفكرة استحالة إنجابه ولداً مِن امرأته سارة بأن تستحوذ عليه، بل تقوَّى في الإيمان، وتمسَّك بكلمة الله، واتَّكل على حقِّها السَّرمدي، وأيقن أنَّ ربَّ المجد لا يكذب، بل هو قادرٌ على تنفيذ ما وعد به، حتَّى وإن لم يجد العقل البشري سبيلاً لتحقيق الوعد.
إنَّ تمسُّك إبراهيم بوفاء الله، في هذا الكفاح الإيماني، قد حُسب له بِرّاً (تكوين 15: 1- 6 و 17: 1- 8).
والمسيح يدعوك اليوم إلى هذا الكفاح الإيماني نفسه. إنَّنا إذ ننظر إلى أنفسنا، ونتعمَّق في كنائسنا، نجدها مُتعَبة وعاجزة بل وميتة روحيّاً، بينما يشاء المسيح أن يهب الحَيَاة الأَبَدِيَّة للملايين بواسطة إيمانك وإيماني. إنَّه يُريد أن يُبارك شهاداتنا كي تتجسَّد محبَّته أَعْمَالاً وأفعالاً. فهل تؤمن بوعد يسوع ودعوته، لتُنجب ذرِّيةً مُبارَكةً بكلمة إيمانك؟ هل تثق بأنَّه يستطيع أن يتغلَّب على عدم قدرتك، وأن يُنعش كنيستك، ويُنشئ لنفسه مِن القلوب الغليظة أولاداً لروحه، كما قال المعمدان إنَّ الله قادرٌ أن يُنشئ مِن الحجارة المرميَّة في البرِّية أولاداً لإبراهيم، إن لم تتوبوا توبةً نصوحاً؟ هل تكرم الله؟ هل تتَّكل على ربِّ المجد وتثق به بدلاً مِن التَّشاؤم واليأس مِن أخلاقك المريضة ومِن كنيستك الفاترة؟ إنَّه يُنعم عليك أيُّها الفاشل، ويستخدمك في نقل سلطان حياته إلى الكثيرين. ثِقْ أنَّ إله إبراهيم وربَّ بُوْلُس هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، وهو ينتظر إيمانك، لأنَّ هذه هي الغلبة الَّتِي تغلب العالم إيماننا. فلا تنم ولا تيأسْ، إن طال صراع إيمانك سنواتٍ وعشرات السِّنين، كما حدث في حياة إبراهيم، ريثما نضجت فيه أخيراً ثمرةٌ واحدةٌ صغيرةٌ هي إسحق الوديع. فإبراهيم هذا قد قوَّاه الله في روحه، وجعله أبا الأنبياء. إنَّ ربَّك حيٌّ، وهو يُريد أن يُبرِّرك بإيمانك. فارفع قلبك، وقوِّم يديك المسترخيتين، وركبتيك المخلَّعتَين، لأنَّ الرَّبّ حيٌّ، وهو يسبقك في جهادك الرُّوْحِيّ.
4: 23 وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ 24 بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ، 25 الَّذِي أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لأَِجْلِ تَبْرِيرِنَا.
لقد نمت معرفة إيماننا نموّاً كبيراً بالنِّسبة للوحي إلى إبراهيم. فالله لا يُظهر نفسه اليوم كقديرٍ عظيمٍ مُستترٍ فحسْب، بل قد أرسل إلينا ابنه يسوع، لكي نُدرك في محبَّته الإله الأبوي. وقد حدث الأمر المستحيل، وهو أنَّ ابن الله الوحيد مات ليمحو خطايانا. لم يُمت الله القُدُّوْس الخطاة لأجل جرمهم، بل أمات نفسه، لكي نخلص نحن الأشرار. هذا هو إلهنا الرَّحيم، المحبّ، المضحّي بذاته، المُنعم علينا، الصبور، بحر الرأفة والحنان.
وبعدَما قام المسيح مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، ظهر ظَفَر ذبيحته. فلم يتركه أبوه، بعدَما صبَّ جام غضبه على الحَمَل البريء المُعلَّق على الصَّلِيْب، بل أقامه، وأثبت بوضوح أنَّ قربانه الفريد قد تمَّ وفقاً لمشيئته الإلهيَّة. وهكذا تؤكِّد لنا قيامة المسيح حقيقة تبريرنا. ولا مبرِّر قطعاً لما يدَّعيه البعض بأنَّ المسيح قد صعد إلى السَّماء قبل أن يُقبَر، ليُصبح بعد ذلك مِن المقرَّبين لله. كلاَّ، لقد أقامه الله مِن الموت، لنراه ونتأكَّد أنَّ في الصَّلِيْب تمَّت المصالحة بين الله والعالم.
واليوم يجلس شفيعنا الوحيد عن يمين الله، ويتوسَّط بيننا وبين القُدُّوْس، ويُحقِّق نتائج
ذبيحته، كي لا نتزعزع، بل نثبت في إيماننا بأنَّ المسيح قادرٌ أن يُخلِّص إلى التَّمام جميع الَّذين يتقدَّمون إلى الله بواسطته، لأنَّه حيٌّ، ويَشفع فينا في كلِّ حينٍ.
فأين إيمانك في مشاكل الحَيَاة ومخاوفها وأخطارها؟ أين رجاؤك بالنِّسبة لمجيء ملكوت الله اليوم، والولادة الثَّانية في الملايين؟ لقد صالحنا المسيح مع الله. وهو اليومَ حيٌّ، ليُثبت تبريرنا بشفاعته. فآمِن بأنَّ مِن إيمانك تجري مياهٌ حيَّةٌ إلى صحراء القلوب الميتة. آمِن ولا تشكّ، لأنَّ المسيح حيٌّ حقّاً.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ الإله، أنت حيٌّ، وأنت تُرسلنا لنبشِّر العالم. لقد آمن عبدُك إبراهيم أنَّ جسده الميت، وجسد سارة العجوز يستطيعان أن يأتيا بابنٍ مِن رحمتك، لتتبارك جميع الشُّعوب بواسطته. اغلُب قلَّة إيماننا، وقَوِّ ثقتَنا، لكي نتَّكل عليك في مواجهة تجاربنا، على الرَّغم مِن حالة الكنيسة المؤلمة، فتكمل قوَّتك في ضعفنا. نشكرك لأنَّك أكَّدْتَ لنا أنَّ في أيَّامنا يُولد الملايين روحيّاً، إذ إنَّك حيٌّ وتملك إلى الأبد.
السُّؤَال:
33- ماذا نتعلَّم مِن كفاح إبراهيم الإيماني؟
ثالثاً: التَّبرير يَربطنا بعلاقةٍ جديدةٍ مع الله والنَّاس
(5: 1- 21)
أ: السَّلام والرَّجاء والمحبَّة تحلُّ في المؤمِن
(5: 1- 5)
الأَصْحَاح الخامس: 1 فَإِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ 2 الَّذِي بِهِ أَيْضًا قَدْ صَارَ لَنَا الدُّخُولُ بِالإِيمَانِ إِلَى هَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي نَحْنُ فِيهَا مُقِيمُونَ وَنَفْتَخِرُ عَلَى رَجَاءِ مَجْدِ اللهِ.
يعيش الإنسان الطَّبيعي في خصام مع الله، وجميع الناس يتعدَّون على القُدُّوْس، لأنَّ خطايانا تُحسَب تعدِّياً. وغضب الله معلَنٌ على جميع فُجور النَّاس وإثمهم.
أمَّا وقد مات المسيح على الصَّلِيْب، وصالح البشر مع ربِّهم، فقد دخلنا عصر السَّلام، لأنَّ الابن رفع الخطيئة الفاصلة، فظهرت نعمة الله المخلِّصة لجميع الناس. ما أعظم البركة والفرج والطُّمأنينة في الَّذين يؤمنون بالله عن طريق المسيح المخلِّص. لا سلام للأشرار، ولا راحة للقلوب، إلاَّ بواسطة الإيمان بالمصلوب.
لقد طهَّرنا المسيح وقدَّسنا، لكي يقبل كلُّ مؤمن في العهد الجديد الامتياز العظيم الَّذي كان مُعيَّناً في العهد القديم لرئيس الكهنة فقط، الَّذي كان يدخل قُدس الأقداس، مرَّةً واحدةً في السَّنة، ليُكفِّر عن ذنوب الأُمَّة. ولكن في ساعة موت المسيح انشقَّ الحجاب أمام قدس الأقداس، فصار لنا حقُّ المُثول في حضرة القُدُّوْس الَّذي يدعونا إلى التَّقدُّم إليه بثقةٍ. فنُدرك إذاً أنَّ الله ليس مُخيفاً، ولا مُهلِكاً، ولا بعيداً عنَّا، ولا متعالياً علينا كما يُصوِّره البعض خطأً، بل هو الآب المخلِّص الَّذي يفيض محبَّةً ورأفةً، الَّذي ينتظر صلواتنا، ويستجيب ابتهالاتنا، ويستخدمنا لنشر إِنْجِيْل ابنه، كي تحلّ بركة ذبيحة الصَّلِيْب على جميع النَّاس الَّذين يطلبون الراحة لقلوبهم.
بادَرَ المسيح تلاميذه، مراراً، بعد قيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، بقوله لهم: “سلامٌ لكم”. وقد قصد بكلمته هذه أن يقول لهم الأمرَين التَّالييَن:
1- لقد غفر الله لكم ذنوبكم جميعها لأجل آلام يسوع.
2- فقوموا واذهبوا، وانشروا السَّلام الإلهي.
إنَّ يسوع يُبادرك بقوله: “كما أرسلني الآب أُرسلك أنا”. فالمؤمن بيسوع مشحونٌ بسلامٍ ليس لاستهلاكه الشَّخصي، بل ليكون مِن صانعي السَّلام الَّذين يُطوِّبهم المسيح، ويدعوهم “أبناء الله الحقيقيين”.
إلى جانب سلام القلب النَّابع من التَّبرير، وحقّ الدُّخول إلى عرش القُدُّوْس، وإرسالنا لنشر النِّعْمَة، يؤكِّد لنا بُوْلُس أنَّ لنا رجاءً يفوق كلّ عقلٍ وتصوُّرٍ. فقد خلقنا الله على صورته، ولكنَّنا بسبب خطايانا فقدنا المجد الموهوب لنا. أمَّا الآن فقد حلَّ الرَّجاء في قلوبنا بواسطة الرُّوْح القُدُس. والله يُعيد إلينا المجد نفسه الَّذي يملكه هو ويشعُّ مِن ابنه. فهل أنت تفتخر بمجد الله؟ هل تتمسَّك بالرَّجاء الموضوع أمامك؟ ليس مستقبلنا مجرَّد فكر وظَنّ وأمنية، بل قد تحقَّق بواسطة قوَّة الرُّوْح القُدُس فينا، الَّذي هو عربون المجد العتيد.
5: 3 وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا فِي الضِّيْقَاتِ عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيْقَ يُنْشِئُ صَبْرًا 4 وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً 5 وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي لأَِنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوْح القُدُس الْمُعْطَى لَنَا.
إنَّنا لسنا عائشين في السَّماء، بل على الأرض. فكما اجتاز يسوع مراراً مُرَّ العذاب والاضطهاد، هكذا سنختبر بإيماننا المتزايد وثمارنا الرُّوْحِيّة مهاجمة الناس والأمراض ووسوسات الشَّيْطَان. لا يذكر بُوْلُس هذه الحقائق بدموع وأنَّاتٍ، بل يقول إنَّنا نفتخر أيضاً بضيقاتنا، لأنَّها رمز اتِّباعنا يسوع، لأنَّنا مثلما نتبعه في ضيقاته، هكذا سنتبعه أيضاً إلى المجد. فافعل كلَّ شيءٍ دون تذمُّرٍ أو دمدمة، لأنَّ ربَّك حيٌّ، ولا يتمُّ شيءُ قبل أن يمرَّ مِن أمام عرش نعمته.
إنَّ احتمال الأعباء الدُّنيويَّة يقودنا إلى إنكار أنانيتنا، وموت حساسيتنا، وتنقية مقاصدنا، وإخضاع إرادتنا لهُدى يسوع. فينمو الصَّبر فينا، ونمتدّ في الرَّجاء نحو يسوع وتدخُّله. وفي مدرسة الآلام نتعلَّم أنَّنا لا نقدر أن نحقِّق شيئاً مِن أنفسنا، متأكِّدين كإبراهيم أنَّ الله سينتصر أخيراً رغم ضعفنا وفشلنا.
بَيْدَ أنَّ لنا في هذا الكفاح الإيماني امتيازاً نتقدَّم بموجبه على إبراهيم نفسه، لأنَّ في عصر النِّعْمَة قد انسكبت محبَّة الله نفسها على مركز حياة قلوبنا بواسطة الرُّوْح القُدُس، الإله الحقيقي المُعطَى لنا. كم هي عظيمةٌ وجميلةٌ هذه الآية الخامسة في الأَصْحَاح الخامس! إنَّنا نخشى إن نطقنا بها أن نُفقدها شيئاً مِن جلالها وبهائها. إنَّها مِن جواهر الكِتَاب المُقَدَّس، فاحفظها غيباً في قلبك، وازرعها في جوانحك. إنَّ ما انسكب في قلوبنا ليس محبَّةً أو رحمةً إنسانيَّةً، بل محبَّة الله الأَبَدِيَّة القويَّة الطَّاهرة، الَّتِي هي الله نفسه. وهذه المحبَّة الإلهيَّة لم تحلّ في قلوبنا حلولاً، بل قد انسكبت انسكاباً، ليس لأجل صلاحنا، بل لأنَّ دم يسوع المسيح قد طهَّرَنا. ولهذا السَّبب استطاع الرُّوْح القُدُس أن يحلّ ويسكن فينا، جاعلاً من أجسادنا الفانية هياكل مقدَّسة لله. إنَّ هذا العنصر السَّمَاوِيّ هو جوهر الله وقوَّته القُدُّوْسة الَّتِي يهبها المسيح لكلِّ مَن يؤمِن به. وجميع الَّذين ينالون روح محبة الله، يختبرون الولادة الثانية والتَّجديد وتحقيق الحَيَاة الأَبَدِيَّة فيهم. إنَّما حُلول الرّوح الإلهي فينا لا يتمُّ لأجل إنشاء سلام أنفسنا فقط، بل لتقوية صبرنا، حتَّى نحتمل المُعاندين بفرح، ونُحبّ أعداءنا عمليّاً، ولا نفشل في مواجهة المشاكل الكثيرة في حياتنا. فالمسيح لم يتركنا يتامى، بل وهب لنا قوَّته ومحبَّته وعربون المجد الآتي في آنٍ واحدٍ.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الآب والابن والرُّوْح القُدُس، لأنَّك لم تَرفضنا نحن الدِّيدان المسكينة الفانية، بل سكبتَ محبَّتك القُدُّوْسة في أجسادنا الفانية، لنحبَّ في قوَّة روحك، ونرجو، ونؤمِن، كي تصبح حياتنا مثلاً لرحمتك العظيمة. نشكرك، ونحمدك، ونفرح بحضورك في قلوبنا. ساعدنا على أن نعمل محبَّتك بحكمة.
السُّؤَال: 34- كيف يتحقَّق سلامُ الله في حياتنا؟
ب: المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ يُكمل برَّه فينا
(5: 6- 11)
5: 6 لأَِنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَِجْلِ الْفُجَّارِ. 7 فَإِنَّهُ
بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَِجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَِجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضًا أَنْ يَمُوتَ. 8 وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَِنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَِجْلِنَا.
يُرشدنا بُوْلُس، بعد إعلان غضب الله ودينونته العادلة، إلى التَّوبة الحقَّة وانكسار الأنا استعداداً لقبول التَّبرير بالإيمان، والتَّمسك بالرَّجاء العظيم، والثَّبات في محبَّة الله الأمينة. كما أنَّنا نحتاج، على الرغم من قبولنا الخلاص، إلى تذكُّر ماضينا، مرَّةً تلو الأخرى، كي لا نستكبر.
إنَّ المواهب الرُّوْحِيّة كلَّها، السلام والنِّعْمَة والمحبّة والتزكية والإيمان والرجاء والصبر، لم تخرج من أنفسنا، ولا نستطيع أن نُخرجها بقوانا البشريَّة، بل هي نتيجة موت يسوع الَّذي بذل نفسه، ليس مِن أجل إخوته الأحبَّاء، بل مِن أجل الفُجَّار. تلك هي الصِّفة الَّتِي يرانا بها الله. فكلٌّ منَّا يُشبه قنبلة شرٍّ لا تُهلكه وحده فحسْب، بل تؤذي بشظاياها الآخرين أيضاً. لقد أحبَّنا المسيح رغم قباحاتنا ومات لأجلنا.
نرى مِن خلال تواضع الله عظمة محبَّته. فالإنسان قد يُضحِّي لأجل أخيه الإنسان بوقته وماله وقوَّته، ولكن ليس بحياته. وهو وإن بذل نفسه في سبيل وطنه أو أحبَّائه، كبَذْل الأمّ نفسَها في سبيل حماية أولادها؛ إلاَّ أنَّنا لا نجد إنساناً مستعدّاً للتَّضحية بنفسه في سبيل المجرمين أو الأعداء أو المرفوضين.
أمَّا إلهنا القُدُّوْس فقد أحبَّنا، ونحن أعداؤه المعاندون العُصاة، وعاشر الخطاة في ابنه، ومات كفَّارةً عن قَتَلَته. وهذا تاج ديننا. “لَيْسَ لأَِحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَِجْلِ أَحِبَّائِهِ.” مِن قول يسوع هذا نفهم أنَّه سمَّى أعداءه أحبَّاءه، لأنَّه أحبَّ الجميع حتَّى الموت.
ومحبَّة الله لنا عظيمةٌ، حتَّى انَّه قبل أن نولَد ونُخطئ، غفر لنا ذنوبنا كلَّها على الصَّلِيْب. فلا حاجة لنا للقيام بأيِّ جهودٍ شخصيَّةٍ لتبرير أنفسنا. ما علينا إلاَّ قبول النِّعْمَة الإلهيَّة، والإيمان بأنَّنا قد تبرَّرْنا، فتتحقَّق قوَّة خلاص يسوع فينا.
5: 9 فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ. 10 لأَِنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. 11 وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ
افرح وابتهج.. لقد أصبحنا متبرِّرين أمام الله، لأجل اتِّحادنا الإيماني بالمسيح. فلا يحقُّ للشَّيطان أن يشتكي علينا، لأنَّ دم المسيح يُطهِّرنا، جسداً ونفساً وروحاً. وهذه الحالة تدوم إلى الأبد، لأنَّ شفاعة يسوع تُخلِّصنا مِن غضب الله يوم الدَّيْنُوْنَة.
يُعمِّقُنا بُوْلُس في يقين حقيقة الخلاص بالمعاني التَّالية:
أوَّلاً: لقد صُولِحْنا مع الله في الوقت الَّذي قضيناه في معاداته والتَّمرّد عليه. وهذه المصالحة الَّتِي لم نكن لنقوى لا على إنجازها، ولا على تكبُّد ثمنها الباهظ، وحتَّى إنَّنا لم نكن نستحقُّها، وهبها لنا الله مجَّاناً كهبة مِن هبات نعمته السَّخية. فأصبحت هذه المصالحة ممكنة، بل وحقّاً لنا، بواسطة ابن الله الَّذي تجسَّد ومات لأجلنا.
ثانياً: إذا كان موت يسوع قد أحدث انقلاباً مثيراً وتغييراً جذريّاً، فكم هو عظيمٌ بالحريّ الأثر الَّذي تُحْدثه حياته في تحقيق الخلاص، لا سيَّما وأنَّنا قد صُولِحْنا الآن مع الله بملء إرادتنا وصدق عزيمتنا، ونريد أن نعمل مشيئته مِن كلِّ قلوبنا، ونحبّ يسوع حتّى تعمل قوَّته عملها فينا، ونلنا، بواسطة إيماننا بحَمَل الله، الحَيَاة الأَبَدِيَّة الَّتِي ليست إلاَّ حياة المسيح نفسه، الرُّوْح القُدُس جوهر محبَّة الله. إنَّ هذه الآيات الإلهيَّة تُنشئ في قلوبنا سلاماً وفرحاً واطمئناناً وحمداً، فروح الرَّبّ هو عربون مستقبلنا المجيد، لأنَّ مَن يثبت في المحبَّة، يَثْبُت في الله، والله فيه.
ثالثاً: بلغت ببُوْلُس الجرأة حدَّ تسلُّقه درجات المجد كلِّها، حتَّى وقف على قمَّتها وقال: “بل نفتخر أيضاً بالله”، بمعنى أنَّ القُدُّوْس نفسه يحلُّ فينا، ونحن نَثبت فيه، لأنَّنا لم نتصالح وإيَّاه فحسب، بل إنَّ الرُّوْح القُدُس، الَّذي هو الله نفسه، قد جعل أجسادنا هيكلاً للاَّهوت.
فهل تَفتخر بحضور الله فيك؟ ألا فانكسِرْ أيُّها الإنسان، لأنَّك لست سوى عدم، واسجُد لربِّك الَّذي جعلك في شركةٍ معه، أنت الَّذي لا تستحقّ سوى الهلاك والموت. انظر كم رفعك موت المسيح، وإلى أيّ درجةٍ رقَّاك.
الصَّلاَة: نسجد لقدرة المحبَّة المعلَنة في يسوع المصلوب، ونُسلم أجسادنا لدوافع المحبَّة الإلهيَّة الَّتِي تشملنا ونحن بذهن مرفوض. إنَّنا لا نريد أن نُفكِّر بأنفسنا، بل نريد أن نغرق في بحر المحبَّة الإلهيَّة.
السُّؤَال: 35- كيف ظهرت محبَّة الله؟
ج: نِعمةُ المسيح غلبَت الخطيئة والنَّاموس (الشريعة) والموت
(5: 12- 21)
5: 12 مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بَإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيئةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيئةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. 13 فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ (الشريعة)كَانَتِ الْخَطِيئةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيئةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. 14 لَكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي.
يوضح بُوْلُس لنا سرَّ الموت، مُبيِّناً أنَّ خطيئتنا هي سببُ فنائنا. فالأبوان الأوَّلان، ابتدأا ثورتهما ضدَّ الله، فجنيا حُكم الموت، واجتذبا جميع المخلوقات إلى فسادهما، لأنَّنا مِن جنسهما. ومنذ ذلك التَّاريخ، يجثم شبح الموت على المخلوقات كلِّها، وحتَّى على النَّامُوْسِيّين والأتقياء في العهد القديم، لأنَّ بظهور النَّاموس (الشريعة) ظهرت الخطيئة وحُكم الموت.
فجميعنا محكوم علينا بالموت لأننا جميعنا خطاة. وليست ثمة حياةٌ أبديَّةٌ في عالمنا البشري، بل إنَّنا نتدرَّج إلى الموت، لأنَّنا نحمل بذور الموت فينا. ولكنَّ الله يُعطينا فرصةً للتَّوبة، لنقبل المخلًِّص، وندخل الحَيَاة الأَبَدِيَّة بإيماننا المَسِيْحِيّ.
5: 15 وَلَكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيئةِ هَكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيئةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَة الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ. 16 وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هَكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَِنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. 17 لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيئةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَة وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ سَيَمْلِكُونَ فِي الحَيَاة بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
رأى بُوْلُس في خطيَّة أبينا آدم الأصليَّة ونتائجها من جهة، وفداء المسيح ونتائجه من جهةٍ أُخرى موازنةً عظيمةً، حتَّى إنَّه سمَّى آدم مثالاً للمسيح الآتي (14).
بيد أنَّه لم يقُل إنَّه كما دخلت الخطيئة والموت بواسطة آدم إلى الكثيرين، هكذا أتت نعمة الله وهبة الحَيَاة الأَبَدِيَّة بالإنسان يسوع إلى الكثيرين أيضاً؛ لأنَّ المسيح أعظم من آدم، ويختلف عنه. فربُّنا لا يهب لنا قليلاً من النِّعْمَة والهِبات السَّمَاوِيّة، بل يُغدق علينا بسخاء، ويفيض بنعمه، ويجزل العطاء. فنعمة الله ليست حالةً جامدةً، بل إنَّها تُنشئ حياةً منتعشةً مثمرةً ناميةً قويَّةً.
ابتدأت دينونة الله بالإنسان الأوَّل، وانتقلت تلقائيّاً إلى الجميع. أمَّا التَّبرير فلم يكن شأنه كشأن الدَّيْنُوْنَة، لأنَّه لم يبتدئ بخاطئ واحد، بل بجميع الخطاة، لأنَّ يسوع برَّر الخطاة جميعاً دفعةً واحدةً، فكُلّ مَن آمن به يتبرَّر.
ولئن أصبح الموت بسبب خطيَّة الأبوين الأوَّلين حُكماً يشمل البشر جميعاً، فقد فتح يسوع، بنعمته العُظمى، ينبوعاً من الفرج والخير، يفيض حياةً أبديَّةً، لجميع المؤمنين. ولكنَّ حياة الله لا تملك على قلوب المؤمنين رغماً عنهم، كما يملك الموت، بل إنَّ المُطهَّرين يملكون مع المسيح ربِّهم ومُخلِّصهم إلى الأبد. ليس ثمَّة، في الواقع، مجالٌ للمقارنة بين عظمة المسيح وآدم، لأنَّ نعمة الله وحياته تختلف كلَّ الاختلاف عن الموت والدَّيْنُوْنَة.
5: 18 فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ هَكَذَا بِبِرٍّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِتَبْرِيرِ الحَيَاة. 19 لأَِنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً هَكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا. 20 وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيئةُ. وَلَكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيئةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَة جِدًّا 21 حَتَّى كَمَا مَلَكَتِ الْخَطِيئةُ فِي الْمَوْتِ هَكَذَا تَمْلِكُ النِّعْمَة بِالْبِرِّ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّة بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.
يعود بُوْلُس إلى مقارنته الشَّرعية بين آدم والمسيح. ولكنَّه، في هذه الفقرة، لا يُقارن بين الشَّخصَين، بل بين أَعْمَالهما ونتائجها. فبخطيَّةٍ واحدةٍ صار حكم الدَّيْنُوْنَة على جميع النَّاس، ولكن بفعلة برٍّ واحدةٍ صار التَّبرير والحقٌّ في الحَيَاة الأَبَدِيَّة لجميع النَّاس. ما أعظم هبة السَّماوات! أجل، بعصيان الإنسان الأوَّل أصبحنا جميعنا أسرى الخطيئة؛ ولكن بإطاعة المسيح أصبحنا جميعاً أحراراً أبراراً.
وأخيراً، يُدْخِل بُوْلُس، في مقارنته بين آدم وخطيَّته من جهة، والمسيح وبرّه من جهةٍ أُخرى، مشكلةَ النَّاموس الَّذي لم يكن عوناً على خلاص العالم، لأنَّه يُظهر التَّعدي بكلِّ وضوح، ويُحرِّض الإنسان على العصيان التَّام. فالنَّاموس يُقسِّي الإنسان ويُساهم في تفاقم واستفحال خطيَّته. أمَّا المسيح فيُقرِّبنا من مصدر كلِّ نعمةٍ، ويُقدِّم لنا ملء القوَّة والبرّ الدَّائم، حتَّى تجري أنهار النِّعْمَة إلى جميع صحارى العالم. يتهلَّل بُوْلُس، ويهتف قائلاً: “إن كانت الخطيئة قد ملكت بواسطة الموت على جميع الناس في الماضي، فقد انتهى الآن ذلك التسلط الشرير، لأنَّ النِّعْمَة قد تُوِّجَت ملكةً على عصرنا، ودعائم مُلكها برُّ الله المُعَزَّز بصليب يسوع.
لكلِّ إنسانٍ أسبابٌ ليشكر بها الله ويحمده، فموت المسيح وقيامته قد فتحا لنا مرحلةً تاريخيَّةً جديدةً دُحِرَتْ فيها سلطة الخطيئة والموت. وإنَّنا نشهد اليوم تطوُّرات النِّعْمَة، وثمارها، وحياتها الأَبَدِيَّة، وقوَّة الله العاملة بواسطة الإِنْجِيْل في جميع المؤمنين بالمسيح.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الرَّب يسوع لأنَّك المنتصر على الخطيئة والموت والشَّيْطَان. وقد نقلتنا إلى عصر النِّعْمَة، وأشركتنا بأطايب حياتك. قَوِّ إيماننا، وأنِرْ بصيرتنا كيلا ننحرف إلى سُلطان الماضي المدحور، وثبِّتْنا في نعمتك، وأنشئ فينا جميع ثمار روحك، برهاناً على أنَّ نعمتك تملك حقّاً، وأنَّها أقوى من الموت. نشكرك لأنَّك تُغْدِق علينا بسخاء مِن فيض نعمتك، وتحفظنا بأمانتك القديرة.
السُّؤَال:
36- ماذا أراد بُوْلُس أن يُرينا في مقارنته بين آدم ويسوع؟
المُسَابَقَة الأولى
في رسالة رُوْمِيَة من لجزء الأَوَّل
أيُّها القارئ العزيز،
إن أجبت عن 25 سؤالاً فقط من هذه الأسئلة ستكون قد تعمَّقت في كلمة الله، ونحن سنرسل لك بدورنا الكتاب الَّذي تختاره من قائمة مطبوعاتنا جائزةً لاجتهادك.
1- ما هُما سبب وغاية الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة؟
2- مَن أسَّس الكنيسة في رُوْمِيَة؟
3- مَن هو الَّذي كتب هذه الرِّسَالَة؟ وأين؟ ومتى؟
4- ما هي الأساليب الَّتِي استخدمها بُوْلُس في رسالته؟
5- ما هو تنظيم هذه الرِّسَالَة؟
6- ما هي الألقاب الَّتِي اتَّخذها بُوْلُس لنفسه في أوَّل جملةٍ مِن رسالته؟
7- ما معنى العبارة أنَّ المسيح هو ابن الله؟
8- ما هي النِّعْمَة، وما هو جواب الإنسان لها؟
9- أيّ عبارة في البركة الرَّسُوْلية تعتبرها الأهم والأكثر فعاليةً بالنِّسبة لحياتك؟
10- لماذا كان بُوْلُس يشكر الله دائماً؟
11- كيف وكم مرّة عرقل الله مخطَّطات بُوْلُس؟
12- ما هي، في رأيك، أهمّ عبارة وردت في الآية 16؟ ولماذا؟
13- ما هي علاقة برِّ الله بإيماننا؟
14- لماذا غضب الله مُعلَنٌ؟
15- لماذا يضطرُّ الإنسان العائش بدون الله إلى صُنع آلهة دنيويَّة لنفسه؟
16- ما هي نتيجة عدم عبادة الله الحقَّة؟
17- كيف صوَّر بُوْلُس ظهور غضب الله؟
18- ما هي الخطايا الخمس، مِن ضمن جدول الخطايا في رسالة رُوْمِيَة، الَّتِي تعتبرها أكثر انتشاراً في أيَّامنا هذه؟
19- كيف يحكم الإنسان على نفسه فيما يدين غيره؟
20- ما هي الأسرار الَّتِي يُعلنها لنا بُوْلُس عن دينونة الله؟
21- ما هي المبادئ الإلهيَّة في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة؟
22- كيف يدين اللهُ الأممَ؟
23- ما هي امتيازات النَّاموس (الشريعة) وأثقاله على اليهود؟
24- ماذا يعني الختان في العهدين القديم والجديد؟
25- ما هي الأسئلة الأصليَّة المتناقضة في الرِّسَالَة إلى رُوْمِيَة، وما هي أجوبتها؟
26- كيف أوضح الرَّسُوْل خطايانا في معرض توضيحه فساد البشر المُطْلَق؟
27- ما هي الأفكار الأساسيَّة في تبريرنا بواسطة الإيمان؟
28- ما معنى العبارة “إظهار بِرِّ الله”؟
29- لماذا نتبرَّر بالإيمان وحده، وليس بأَعْمَالنا الصَّالحة؟
30- كيف تبرَّر إبراهيم وداود؟
31- لماذا الإيمان وحده، وليس الختان، هو الَّذي يُبرِّر؟
32- لماذا ينال البركة مَن يؤمن بوعود الله، وليس مَن يتبع النَّاموس (الشريعة)؟
33- ماذا نتعلَّم من كفاح إبراهيم الإيماني؟
34- كيف يتحقَّق سلامُ الله في حياتنا؟
35- كيف ظهرت محبَّة الله؟
36- ماذا أراد بُوْلُس أن يُرينا في مقارنته بين آدم ويسوع؟
الحياة الفضلى – ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
http://www.geocities.com/alhayat_alfudla
أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَ
(عبرانيين 10: 38)
رابعاً: قُوَّة الله تُحرِّرُنا مِن سلطة الخطيئة
(6: 1- 8: 27)
1- المؤمن يعتبر نفسه ميتاً عن الخطيئة
(6: 1- 14)
الأَصْحَاح السَّادس: 1 فَمَاذَا نَقُولُ. أَنَبْقَى فِي الْخَطِيئةِ لِكَيْ تَكْثُرَ النِّعْمَة. 2 حَاشَا. نَحْنُ الَّذِينَ مُتْنَا عَنِ الْخَطِيئةِ كَيْفَ نَعِيشُ بَعْدُ فِيهَا. 3 أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، 4 فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الحَيَاة.
أرانا الرَّسُوْل بُوْلُس في الأَصْحَاح 3- 5 أنَّ المؤمن بالمسيح قد تبرَّر حقّاً، وتحرَّر مِن غضب الله ودينونته شرعيّاً، كما وضَّح لأهل روما ولنا أنَّ هذا التَّبرير جعلَنا في حالة سلام مع الله، ومحبَّة للعالَم.
وبعد هذا العَرض المبدئي، أجاب الرَّسُوْل عن السُّؤَال المهمِّ الَّذي طرحه أعداء البِرِّ المجَّاني مجدِّفين: “هل نستمرُّ في الخطيئة، كي تكثر النِّعْمَة، وتظهر أمانة الله؟”
ورسم لنا بُوْلُس، بجوابه عن هذا السُّؤَال الخبيث، الطَّريق المؤدِّية إلى الغلبة النِّهائية على سلطة الخطيئة في حياتنا، حتَّى إنَّ المؤمن لا يتعافى حقّاً إلاَّ إذا قرأ هذه الفقرة ومارسها عمليّاً في حياته. فبحثُنا ليس درساً نظريّاً، بل هو إرشادٌ للحياة في القَدَاسَة.
لا يقول الرَّسُوْل لك: “حارب خطاياك واغلبها صراحةً”، لأنَّه يعلم أنَّ ما مِن إنسانٍ يستطيع أن ينتصر على خطيئته بقوَّته الذَّاتية. فهو لا يدعوك إلى الجهاد ضدَّ نفسك، بل يُريك أنَّه لا يوجد حلٌّ آخَر لإنسانك القديم وأخلاقك الفاسدة غير موتك موتاً معنويّاً.
فكيف نموت عن الخطيئة المتسلِّطة علينا؟ يجيبنا بُوْلُس بكلِّ بساطةٍ: “إنَّنا متنا”، وكأنَّ إفناء الشَّر سهلٌ جدّاً. وهو يكتب ذلك بصيغة الماضي، وكأنَّ الموت قد تمَّ في الماضي. فموتنا إذاً لا علاقة له بجهدنا الشَّخصي، ولا داعي للجهاد في سبيله بعد. فمعموديَّتنا تعني دفن الإنسان الشِّرير وموت الأنانية فينا. فالمعموديَّة ليست مجرَّد احتفال نفرح فيه ونبتهج، بل هي حُكمٌ وموتٌ ودَفنٌ، لأنِّك بمعموديَّتك تشهد أنَّ ربَّك قد حكم عليك بالموت الَّذي تُنفِّذه بإغراقك وتغطيسك. فإماتة الإنسان الطَّبيعي لم تتمُّ جسديّاً بل روحيّاً، لأنَّنا قبلنا موت المسيح النِّيابي عنَّا. فمعموديَّتنا تعني اتِّحاداً نهائيّاً بالمسيح في عهد الإيمان، وانصهاراً كلِّياً في بوتقة محبَّته، وثباتاً في قدوته الأمينة.
عندما حمل يسوع خطايانا، متنا معه عن كبريائنا. فالصَّلِيْب سدَّد طعنةً نجلاء في صميم إنساننا الفاسد. ومَن يؤمن يُنكر نفسه ويحمل الصَّلِيْب معترفاً أنَّ كلَّ إنسانٍ يستحقُّ الإبادة يوميّاً. لذلك فإنَّ موتنا لا يتمُّ بواسطة الصراع النفسي، بل قد تمَّ في الماضي، حين صرخ يسوع وهو على خَشَبَة اللَّعنة قائلاً: “قد أُكمل”. فإن آمنت خلصتَ، وتحرَّرْتَ مِن سلطة الخطيئة.
لم يمُت المسيح ويُدفَن ليُوحِّدنا بموته ودفنه فحسْب، بل قد قام أيضاً ظافراً مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، جاذباً إيَّانا إلى قيامته، مانحاً إيَّانا حياته الأَبَدِيَّة. فنحن، إلى جانب إنكار الذَّات، قد اتَّحدنا بالمسيح في قوَّة حياته أيضاً. فإيماننا ليس مجرَّد معرفة وعلم وعقيدة، بل هو قوَّةٌ ناميةٌ فينا، كأنَّ المسيح قد وُلد في أحشائنا، وينمو ويعمل وينتصر ويغلب الشَّر في أجسادنا. فلسنا نحن، بل هو المنتصر فينا.
وكانت القيامة مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ تصراً مبيناً لأبي ربِّنا يسوع المسيح، لأنَّه أعلن مجده السَّرمدي وبرَّه غير المتزعزع بقبوله مصالحة ابنه، وغلبته على الموت، وإظهار حياته القُدُّوْسة. لقد كانت قوة الله تعمل جليّاً في قيامة المسيح، وجدَّة هذه الحَيَاة الإلهيَّة تعمل في المؤمنين المرتبطين بالمسيح في الإيمان. فالمَسِيْحِيّة ليست دين خوف وموت، بل هي دين الرَّجاء والحَيَاة والقوَّة.
إنَّنا، بسجودنا للمسيح، نعترف بأنَّه لا يسكن بعيداً عنَّا فوق الكواكب والنُّجوم، وبأنَّه ليس متعالياً عنَّا حتَّى إنَّنا قلَّما نخطر بباله. إنَّنا بسجودنا للمسيح نعترف بأنَّه قد ارتبط بنا برباطٍ لا ينفصم، وبأنَّه ساكنٌ فينا بملء قوَّته، وباقٍ معنا مدى الدَّهر، يقودُنا إلى سلوكٍ مقدَّسٍ.
فمعموديَّتنا إذاً هي اتِّحادٌ بالمسيح، وموتٌ، وحياةٌ. وإيمانك هو عبارةٌ عن عهدٍ جديدٍ. فمن يتمسَّك بالمسيح يَعترف بأنَّه قد مات معه على الصَّلِيْب، وقام فيه إلى الحَيَاة الجديدة.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يسوع، قد أكملت موتي على الصَّلِيْب، وأعلنت حياتي بقيامتك. فأسجد لك مع جميع المؤمنين بك، المائتين معك في الإيمان، والمُقامين معك أيضاً في الرُّوح. نسجد لك يا أبا المجد، شاكرين لك إظهار عظَمتك بقيامة ابنك وإحيائنا فيك. ساعدنا على الثَّبات في نعمته، والسُّلوك حسب أمره في الطَّهارة والعفَّة والصِّدق والمحبَّة والصَّبر، لكي تظهر حياتك في جميع المؤمنين.
السُّؤَال:
1- ماذا تعني المعموديَّة؟
تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى
اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
لِغُفْرَانِ الْخَطَايا فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوْح القُدُس
(أَعْمَال الرُّسُل 2: 38)
6: 5 لأَِنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ 6 عَالِمِينَ هَذَا أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيئةِ كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ لِلْخَطِيَّةِ. 7 لأَِنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ تَبَرَّأَ مِنَ الْخَطِيئة. 8 فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ الْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ 9 عَالِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ بَعْدَمَا أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يَمُوتُ أَيْضًا. لاَ يَسُودُ عَلَيهِ الْمَوْتُ بَعْدُ. 10 لأَِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي مَاتَهُ قَدْ مَاتَهُ لِلْخَطِيئةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالحَيَاة الَّتِي يَحْيَاهَا فَيَحْيَاهَا لِلَّهِ. 11 كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسَِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيئةِ وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.
هل أدركت أنَّ يسوع قد تألَّم على الصَّلِيْب ومات حقّاً بسبب خطاياك النَّجسة؟ لقد احتملَ حكمَ الله على ذنبك، وصار لعنةً لأجلك، بقبوله الصَّلب بدلاً منك على خَشَبَة العار، لأنَّك بسبب خطاياك وفساد أخلاقك تستحقُّ العذاب الأبديَّ في الدُّنيا والآخرة.
لكنَّك إن قبلتَ محبَّة يسوع المُخلِّصة، وعمله الخلاصي، بإيمانٍ، فستخجل مِن خطاياك، وتذرف دموع النَّدم، فلا تُريد بعد أن تعمل شرّاً، ولا أن تُفكِّر بعمل الشَّر، بل ستحتقر ذاتك وتُنكرها وتدينها، وتَقبل أن تُدان، مُعتبراً نفسك ميتاً ممحوّاً، ولا خلاص للأنا الفاسد فيك إلاَّ بموتك عن إنسانك القديم، لكي يحيا المسيح فيك.
لا يُمكن اتِّباع المسيح بدون إنكار الذَّات. ونجد شهادةً مبدئيَّةً لبُوْلُس يُردِّدُها في رسائله، وهي: “إنَّنا مع المسيح صُلِبنا وقُمنا، لنحيا معه في وئام وانسجام”. إنَّ المصلوب، كما نعلم، لا يستطيع أن يتحرَّك كما يشاء، ولكنَّه يتمجَّد ويموت بعاصفة آلامه الشَّديدة.
يشهد بُوْلُس أنَّ هذا الموت قد تمَّ فينا عندما ابتدأنا نؤمن بالمصلوب. ففي تلك اللَّحظة اتَّحَدْنا بموته، واعترفنا أنَّ موته هو موتنا. فقد متنا شرعيّاً، وليست لنا حقوقٌ أو أمانٍ فيما بعد، لأنَّ غضب الله قد أهلكنا نهائيّاً في المسيح.
وكما أنَّ الشَّريعة المدنيَّة لا تُقدِّم للميت طلبتا الحق، هكذا لا يجد الناموس (الشريعة) فينا حقّاً بعد، ولا تجد التَّجربة نقطة انطلاق في أجسادنا الشِّريرة، لأنَّنا نعتبرها ميتةً.
لكنَّ ثمَّة أُناساً قد ماتوا شبه ميتةٍ، أو نصف ميتةٍ، وما زال فيهم بقيَّةٌ مِن الحَيَاة. فهؤلاء يمشون بَعْدَئِذٍ. لكن تصوَّر ميتاً يقوم ويمشي بجثَّته النَّتنة في شوارع مدينتك! أفلا يبعث هذا على الاشمئزاز؟ ألا يهرب الجميع مِن رائحته الكريهة؟ ليس ثمَّة شيءٌ أقبح وأدعى للاشمئزاز مِن مسيحيٍّ مرتدٍّ إلى خطاياه الماضية، يلبس جسده الفاسد مِن جديد، ويُستعبَد لشهواته الفاسدة. إنَّ الثَّبات في إنكار ذواتنا شرطٌ لإيماننا، فنعتبر أنفسنا، في كلِّ حينٍ، أمواتاً في المسيح.
بيد أنَّ إيماننا لا يُبرِّر الأمور السَّلبية فقط، كأن نكتفي بخلع الإنسان القديم واعتبار أنفسنا مصلوبةً ومُماتةً. كلاَّ، فديننا دينٌ إيجابيٌّ، بل هو دين الحَيَاة، لأنَّ اتِّحادنا بالمسيح في المحبَّة يُشركنا في قيامته وانتصاره وقُوَّته. وكما ترك يسوع قبره صامتاً، واجتاز بجسده الرُّوْحِيّ عبر الصُّخور والجدران، هكذا يلبس المؤمنُ يسوعَ المسيح، عالماً أنَّ حياة ربِّنا الأَبَدِيَّة تجري في كلِّ مَن يلتصق به.
المسيح لا يموت. والموت، هذا العدو الأصيل، لا سلطة له على القُدُّوْس، لأنَّ حَمَل الله الَّذي مات لأجل خطايانا وأوجد لنا فداءً أبديّاً قد غلب الموت. لقد مات المسيح خدمةً لله وللناس، فكم سيبذل نفسه بالحري اليوم عن الله والناس، لأنَّه حيٌّ ويُمجِّد أباه في كلِّ حينٍ، ليولد له أبناء وبنات كثيرون، يُقدِّسون اسمه الأبديَّ بسلوكهم الحسن.
هل أدركت شعار إيماننا؟ لقد أنكرنا أنفسنا كلِّياً عندما اعترفنا بخطايانا، واتَّحدنا بالصَّلِيْب. ولهذا السَّبب غرس يسوع قوَّة حياته فينا، لنقوم روحيّاً، ونعيش لله في بِرٍّ أبديٍّ أبرياء وسُعداء، كما قام هو مِن الموت، ويحيا ويملك إلى الأبد.
لكنَّ ثمَّة فرقاً قاطعاً بيننا وبين المسيح. فهو كان قُدُّوْساً في ذاته منذ الأزل، أمَّا نحن فلم نحصل على القَدَاسَة الحقَّة، إلاَّ بواسطة اتِّحادنا الإيماني به. فالرَّسُوْل لا يدعونا إلى خدمة الله، بل يُرشدنا إلى خدمته (في المسيح). إنَّنا لا نستحق أن نأتي إلى القُدُّوْس مِن تلقاء أنفسنا. ولكن حينما نغرق في المخلِّص، وتموت أنانيتنا في محبَّته، ونثبُت فيه، تَعمل قوَّته ولطفه وفرحه فينا، كي يَعظُم انتصارنا على ضعفاتنا بالَّذي أحبَّنا. علماً أنَّنا، بالإيمان فقط مع إرادةٍ منكسرة، نشترك في هذا الامتياز. فهل تؤمن أنَّك صُلِبْتَ مع المسيح، ودُفِنْتَ معه، وقُمْتَ بقيامته حقّاً؟
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ المسيح القُدُّوْس، أنت نائبي على الصَّلِيْب، وقد حمَلْت ذنوبي ودينونتي. أشكرك لهذا الخلاص العظيم المُحِبّ. أكمِل فيَّ إنكار الذَّات، وثبِّتْني في معرفة أنني محكومٌ بالموت، كي أعتبر نفسي ميتاً في موتك حقّاً. أشكرك لأجل آلامك ومقاصدك، وأُعظِّمك لأنَّك غرستَ حياتك فيَّ، لكي أحيا لك وأُمجِّد أباك وأتَّحد بك مؤمناً. أيُّها الرَّب القُدُّوْس، أنت تجعل من المجرمين قدِّيسين، ومن الأولاد غير الشَّرعيِّين والسَّاقطين أبناءً أحبَّاء لك. ما أعظم نعمتك! اقبل سُجودنا وحياتنا.
السُّؤَال:
2- كيف صُلبنا مع المسيح، وقُمنا في حياته؟
6: 12 إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيئةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ. 13 وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيئةِ بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ لِلَّهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بِرٍّ لِلَّهِ. 14 فَإِنَّ الْخَطِيئةَ لَنْ تَسُودَكُمْ لأَِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ (الشريعة) بَلْ تَحْتَ النِّعْمَة.
إنَّ المتحرِّر مِن سلطة الخطيئة، والثَّابت في الشَّركة مع المسيح، يُبغض الإثم، ويقشعِرُّ منه، ولا يشاء أن يرتكبه. فالشَّهوة قويَّةٌ، ولكنَّ محبَّة المسيح أقوى. ومَن يثبت في الإِنْجِيْل، ويُواظب على الصَّلاَة، يجد وينل القوَّة لمقاومة جميع رغبات نفسه وجسده، فلا يخدم ذاته، لا يتبع أيَّ مذهبٍ شرِّيرٍ، بل يمتنع طوعاً عن كلِّ تأثيرٍ خبيثٍ. فأنت لا تسمع نداءات التَّجربة بعد، لأنَّك قد ثبَتَّ في الشَّركة مع يسوع المنتصر. وقوَّة المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ أقوى مِن دوافع الموت في جسدك. والرُّوْح القُدُس يُنشئ فيك معارف أكثر حكمةً مِن جميع فلسفات العالم.
فامتنِع عن كلِّ تأثيرٍ رديءٍ، سواء كان كتباً، أو أفلاماً، أو تلفزيوناً، أو معاشرةً فاسدةً. لا تسمح لها بأن تفصلك عن شركتك مع المسيح. لا تؤمِن بقدرة خطيئتك، بل ثِقْ بالمسيح وبقدرة خلاصه.
لقد أصبحتَ خاصَّةً لله، تتنفَّس روحه؛ واختبرتَ الحقَّ الأزليَّ، فهل تُفكِّر بطُرُقك بعيداً عن الله؟ قدِّم نفسك لربِّك، جنديّاً للجهاد المقدَّس. سلِّم له كلَّ وقتك، وقوَّتك، ومالك. ليست تضحيتك فريضةً، بل هي امتيازٌ وشُكرٌ ومسرَّةٌ. اسأل ربَّك أين يُريد أن يستخدمك، لأنَّ الحصاد كثيرٌ، ولكنَّ الفعلة قليلون. فاطلُب مِن ربِّ الحصاد أن يُرسل فَعَلةً إلى حصاده. ولكن لا تَخدم ربَّك بتسرُّعٍ وعناد، بل استسلم لهُداه، لأنَّه يُريد أن يُقيم بواسطتك أمواتاً في الذُّنوب، ليعيشوا في حياته الأَبَدِيَّة. فقدِّم جسدك وما لك أسلحةً لبرِّ الله.
ولا تنسَ الشُّكر. لأنَّك، في ذاتك، كُنتَ ميتاً في الخطايا. أمَّا الآن، فأنت حيٌّ في المسيح. فأعِد مواهبك لله، لكي يستخدمها هو أدواتٍ لخلاص كثيرين. إنَّ القُدُّوْس يؤهِّلك لأجل المسيح، ويُرسلك لِتُعظِّم قُدرة بِرِّه في ضعفك. فلماذا تتأخَّر؟ لقد سمَّى بُوْلُس الرَّسُوْل نفسه “عبد المسيح”، فمتى تتبعه حقّاً، مُقدِّماً حياتك لخدمة الله على الدَّوام؟
إنَّ جميع الَّذين يخدمون كبُوْلُس في شركة محبَّة الله، يختبرون يوميّاً قُدرة الرُّوْح القُدُس، ويُدركون أنَّ التَّغيير المبدئيَّ قد تمَّ في قلوبهم. فلم تَعُد الخطيئة تتربَّع في عرش قلوبهم مُبتسمةً، بل المسيح نفسه يملك في قلوبهم. وبحلول المسيح فينا يبدأ عصرٌ جديدٌ في حياتنا. فلا نرى في إطاعة وصايا الله فرضاً مُستحيلاً، بل نشتاق إلى إطاعتها بفرحٍ، مدفوعين بقوَّة الرُّوح اللَّطيف. إنَّ كلَّ مسيحيٍّ موهوبٌ بقوَّة النِّعْمَة، فلا يملك فيه الموت والفساد، بل إنَّ الَّذي يملك في قلبه وذهنه هو المسيح بنعمته العظيمة.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح، نحمدك ونُسبِّحك بكرةً وأصيلاً، صباحاً ومساءً، لأنَّك ارتبطتَ بأجسادنا الميتة، لتُشركنا في الحَيَاة الأَبَدِيَّة. أنت وحدك مالك قلوبنا. علِّمنا أن نسلك بحكمة، كي نحمدك وأباك السَّمَاوِيّ، بكلِّ عقولنا وقدرتنا وأموالنا، فنكون مع جميع المؤمنين، في كلّ حين، عبيد محبَّتك.
السُّؤَال:
3- كيف نُقدِّم نفوسنا وأعضاء أجسادنا أسلحة برٍّ لله؟
أُدَرِّبُ نَفْسِي
لِيَكُونَ لِي دَائِمًا
ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ
مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ
(أَعْمَال الرُّسُل 24: 16)
2- التَّحرُّر مِن النَّاموس يُسهِّل تحرُّرَنا مِن الخطيئة
(6: 15- 23)
6: 15 فَمَاذَا إِذًا. أَنُخْطِئُ لأَِنَّنَا لَسْنَا تَحْتَ النَّامُوسِ (الشريعة) بَلْ تَحْتَ النِّعْمَة. حَاشَا. 16 أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ إِمَّا لِلْخَطِيئةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ. 17 فَشُكْرًا لِلَّهِ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ عَبِيدًا لِلْخَطِيئةِ وَلَكِنَّكُمْ أَطَعْتُمْ مِنَ الْقَلْبِ صُورَةَ التَّعْلِيمِ الَّتِي تَسَلَّمْتُمُوهَا 18 وَإِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيئةِ صِرْتُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ. 19 أَتَكَلَّمُ إِنْسَانِيًّا مِنْ أَجْلِ ضَعْفِ جَسَدِكُمْ. لأَِنَّهُ كَمَا قَدَّمْتُمْ أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلنَّجَاسَةِ وَالإِثْمِ لِلإِثْمِ هَكَذَا الآنَ قَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ عَبِيدًا لِلْبِرِّ لِلْقَدَاسَة. 20 لأَِنَّكُمْ لَمَّا كُنْتُمْ عَبِيدَ الْخَطِيئةِ كُنْتُمْ أَحْرَارًا مِنَ الْبِرِّ. 21 فَأَيُّ ثَمَرٍ كَانَ لَكُمْ حِينَئِذٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَسْتَحُونَ بِهَا الآنَ، لأَِنَّ نِهَايَةَ تِلْكَ الأُمُورِ هِيَ الْمَوْتُ. 22 وَأَمَّا الآنَ إِذْ أُعْتِقْتُمْ مِنَ الْخَطِيئةِ وَصِرْتُمْ عَبِيدًا لِلَّهِ فَلَكُمْ ثَمَرُكُمْ لِلْقَدَاسَة وَالنِّهَايَةُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ.
تردَّد صدى أسئلة اليهود الماكرة مرَّةً أُخرى في ذهن بُوْلُس، فسأل: “أنُخطئُ لأنَّنا لسنا تحت النَّاموس، بل متحرِّرون بالنِّعْمَة؟”
رفض بُوْلُس هذا السُّؤَال الشَّيْطَاني رفضاً قاطعاً، لأنَّه لم يكن صادراً مِن الرُّوْح القُدُس، بل مِن الطَّبقة السُّفلى. وشهد للمؤمنين أنَّهم قد وضعوا أنفسهم تحت تصرُّف المسيح طوعاً وكلِّياً لأجل محبَّته، فصاروا بذلك أحراراً مِن سلطة الخطيئة وشكاوى النَّاموس، حاملين حياة الله وبرَّه في أنفسهم. فكلّ مَن يتحدَّث عن حرِّية الإنسان بدون مخافة الله هو كاذبٌ. يُشبِّه الدُّكتور لوثر الإنسان بالحمار، فيقول إنَّ الفرد لا يستطيع أن يعيش بدون سيِّد، لأنَّه لا بُدَّ له مِن أحدٍ يركبه. فإمَّا أن يركبك الشَّيْطَان، أو الله. وعندما يُصبح الله سيِّدك وربَّك، وتحمله بسرورٍ في قلبك، وتخدمه باستمرارٍ واجتهادٍ، فعِنْدَئِذٍ ينتهي اليأس والخطيئة وسلطة الموت فيك، ويبدأ الرَّجاء والسَّلام والحرِّية الرُّوْحِيّة الحقَّة. فالمسيح قد حرَّرك ليس للاَّمُبالاة واللَّهو، بل لخدمة الله والإحسان إلى الآخَرين، في إرشاد روح البِرِّ. إنَّ إطاعة جذب هذا الرُّوح تُريح ضميرك. وبدون هذه الشَّركة بروح المسيح، تظلّ رهين يأسك وضعفك.
لقد شهد المسيح نفسه بأنَّه حامل نِير، على الرَّغم مِن أنَّه في ذاته إلهٌ حُرٌّ أزليٌّ. ولكنَّه خضع لنير أبيه بفرحٍ، فأطاعه حتَّى الموت، موت الصَّلِيْب. فالمحبَّة الإلهيَّة جعلته عبداً، ليحمل خطيئة العالم. فلماذا لا تتبعه؟ هل تتحمَّل خطيئة زملائك، وتتألمَّ مِن إهمالهم؟ لا تستأ، بل صمِّم على تخليصهم وتحريرهم روحيّاً. إنَّ محبَّة الله تدفعك إلى فداء الجميع.
والحَيَاة مع المسيح تُرشدك إلى خدمة الكثيرين، ليس نظريّاً أو عاطفيّاً، بل عمليّاً بكلِّ قوَّة وعزمٍ وتصميمٍ وتضحيةٍ. فكما وضعت في الماضي وقتك ومالك ومواهبك في اللَّهو الباطل، ضع إمكانياتك الآن لخدمة المسيح، وخلاص الآخرين. عزِّ الحزانى، وزُر المرضى، وأطعم الجياع، وساعد الضُّعفاء، وأنر طالبي البِرّ بالإِنْجِيْل.
حقّاً إنَّ محبَّة المسيح المتجسِّدة في المؤمنين هي العزاء الأبدي والرَّجاء الصَّالح في عالمنا الظَّالم. هل أصبحتَ خادماً للمسيح، وعبداً لمحبَّة ابنه؟ عِنْدَئِذٍ لن تجد الخطيئة سلطةً عليك، فأنت، إذْ عبرتَ الموت بتوبتك، وصُلبتَ مع المسيح، وامتلأتَ بروحه القُدُّوْس، وثَبَتَّ في حياته الأَبَدِيَّة. لك رجاءٌ عظيمٌ مع جميع الأحياء في المسيح.
6: 23 لأَِنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيئةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا
هذه الآية الذّهبية هي خلاصة الإِنْجِيْل كلِّه، لأنَّها تُخبرنا بكلِّ وضوح ما هي ثمرة الحَيَاة للإنسان الطَّّبيعي، وما هو الشَّيء العظيم الَّذي يمنحه المسيح يسوع.
1- إنَّنا نموت، لأنَّنا نُخطئ. فلا بُدَّ مِن الموت، لأنَّنا خُطاةٌ. وبما أنَّ جميع النَّاس خطاةٌ، فجميع النَّاس يموتون. هذه هي نتيجة الحَيَاة.
2- ولكنَّ مَن يؤمن بالمسيح ينل عطيَّة الله. وهذه العطيَّةٌ ليست فضَّةً، ولا ذهباً، ولا أيّ مادَّةٍ ثمينةٍ، ولا هي موجودةٌ بين عناصر الدُّنيا كلِّها، بل تخرج مِن قلب الله مباشرةً، لتحلَّ في قلوبنا حقّاً. إنَّها حياة الله نفسها، الحَيَاة الأَبَدِيَّة، الَّتِي يهبها لكلّ الَّذين صُلبوا مع ابنه، كي يشتركوا في حكمه إلى الأبد، لأنَّه ربُّ الأرباب، ويملك مع أبيه وروحه القُدُّوْس إلهاً واحداً إلى أبد الأبدين.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الآب والابن والرُّوْح القُدُس، لأنَّك انتشلتنا مِن تورُّطنا في الذُّنوب والخطايا، وحرَّرْتَنا مِن حبائل الموت، ونقلْتَنا إلى رحاب المسيح، وملأتَنا بحياة روحك القُدُّوْس، فلن نموت أبداً، بل نعيش معك، وفيك، لأجل نعمتك العظيمة.
السُّؤَال:
4- ما هو الفرق بين العبودية للخطيئة والموت مِن جهة، ومحبَّة المسيح مِن جهة أخرى؟
3- التَّحرُّر مِن النَّاموس (الشريعة) يُحرِّرُنا لخدمة المسيح
(7: 1- 6)
الأَصْحَاح السَّابع: 1 أَمْ تَجْهَلُونَ أَيُّهَا الإِخْوَة، لأَِنِّي أُكَلِّمُ الْعَارِفِينَ بِالنَّامُوسِ (الشريعة)، أَنَّ النَّامُوسَ (الشريعة) يَسُودُ عَلَى الإِنْسَانِ مَا دَامَ حَيًّا. 2 فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحْتَ رَجُلٍ هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ (الشريعة) بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَقَدْ تَحَرَّرَتْ مِنْ نَامُوسِ الرَّجُلِ. 3 فَإِذاً مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ (الشريعة) حَتَّى إِنَّهَا لَيْسَتْ زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ. 4 إِذًا يَا إِخْوَتِي أَنْتُمْ أَيْضًا قَدْ مُتُّمْ لِلنَّامُوسِ بِجَسَدِ الْمَسِيحِ لِكَيْ تَصِيرُوا لآخَرَ لِلَّذِي قَدْ أُقِيمَ مِنَ الأَمْوَاتِ لِنُثْمِرَ لِلَّهِ. 5 لأَِنَّهُ لَمَّا كُنَّا فِي الْجَسَدِ كَانَتْ أَهْوَاءُ الْخَطَايَا الَّتِي بِالنَّامُوسِ (الشريعة) تَعْمَلُ فِي أَعْضَائِنَا لِكَيْ نُثْمِرَ لِلْمَوْتِ. 6 وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ (الشريعة) إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسِكِينَ فِيهِ حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لاَ بِعُتْقِ الْحَرْفِ.
تمنَّى الرَّسُوْل أن يَقبل إخوته المؤمنون من أصل يهودي تعليمه، بالنِّسبة إلى موتهم الرُّوْحِيّ وقيامتهم في المسيح مؤمنين. لكنَّ بُوْلُس علم أيضاً أنَّ عليه أن يُحدِّد بوضوح موقفه تجاه النَّاموس (الشريعة)، لأنَّهم كانوا يرون فيه وحي الله وقمَّة الإعلانات كلِّها، وملء الإرادة الإلهيَّة المُعطاة لموسى.
فقال لهم بُوْلُس إنَّكم أنتم الَّذين تُعلمِّون النَّاموس (الشريعة) وتُحبُّونه، مُرتبطون به ارتباط الزَّوجين بعهد الزَّواج. وكما يُصبح أحد الزَّوجين حُرّاً مِن عهد الزَّواج بموت قرينه، هكذا أصبحتم أنتم أحراراً من النَّاموس (الشريعة) بموتكم في المسيح. فجسده المدفون صار جسدكم، وليس للناموس (الشريعة) بعد أيّ سلطان عليكم.
والمسيح قد قام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، وأنتم الأحرار، قد اخترتم رئيس الحَيَاة، لتقطعوا عهذاً جديداً مع ابن الله. فالعهد القديم كان ميثاقاً للموت لأجل الحكم المبرم من النَّاموس (الشريعة). أمَّا الآن، فقد دخلتم إلى شركة رئيس الحَيَاة، فتظهر فيكم ثمار روحه، وهي: المحبَّة والفرح والسَّلام والصَّبر والصَّلاح والعفَّة والإيمان والوداعة والتَّواضع، كما تظهر فيكم جميع صفات يسوع: الشُّكر والحقّ والطَّهارة والقناعة.
إنَّ الله ينتظر ثمار ابنه في حياتكم، لأنَّ المسيح مات وقام وسكب روحه في البشر، لكي يأتي كثيرون بملء ثماره. ومثلما يَتعب الكرَّام منتظراً الثِّمار، هكذا لله حقٌّ فيكم.
كان الإنسان، قبل المسيح، عبداً للنَّاموس (الشريعة)، حتَّى أينعت في جسده جميع الشَّهوات، لأنَّ ممانعات الشَّريعة تُحرِّض الإنسان على فعل الشَّر. فقادنا النَّاموس (الشريعة) إلى حمل المزيد مِن ثمار الموت، لأنَّ الشَّريعة لا تجرُّنا إلى التَّعدي فحسب، بل تَحكم علينا أيضاً بدون شفقة.
ولكننا في المسيح متنا عن جميع مطالب النَّاموس (الشريعة)، لأنَّ المسيح أكمل بموته الشَّريعة بكلّ مطالبها. وإذ متنا عن أنفسنا بإيماننا بالمصلوب، فقد صرنا أمواتاً، وغير مرتبطين بحرف الوحي الماضي.
وفي الوقت نفسه دعانا ابن الله إلى عهدٍ جديدٍ مبنيٍّ على وحيٍ أفضل، حتَّى لا نعثر بحرف النَّاموس (الشريعة)، بل نخدم الله في قوَّة روحه. فلم تعُد حياتنا محاطةً بممانعاتٍ تهدِّدنا، بل قد أنعشتنا دعوة المحبَّة إلى حياة الفرح في قوَّة السَّلام الإلهي. إنَّ روح العهد الجديد لا يعتق ولا يكلّ، لأنَّه الله نفسه الَّذي ليس لملئه نهاية، وليس لحكمته وجودته ولطفه ورجائه وقدرته حدود. فاستسلم كلياً لإرشاد روح الله في إِنْجِيْله، تكسب غنىً روحيّاً، وقوَّةً إلهيَّةً، وتنمو في تواضع المسيح ووداعته، لأنَّك متَّ، وها هوذا حيٌّ فيك.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، نشكرك لأنَّك دعوتنا مِن عبوديَّة النَّاموس، بواسطة موت المسيح، الَّذي أكمل المحبَّة والحقَّ في حياته وصليبه. ونُعظِّمك لأنَّك تجذبنا إلى العهد الجديد، وتحلُّ بروحك المُعزِّي في قلوبنا، لنأتي بثماره بقوَّة نعمتك.
السُّؤَال:
5- لماذا تحرَّر جميع المؤمنين مِن مطالب العهد القديم؟
بِنِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ
(أَعْمَال الرُّسُل 15: 11)
4- النَّاموس يُحرِّض الخاطئ على الخطيئة
(7: 7- 13)
7: 7 فَمَاذَا نَقُولُ. هَلِ النَّامُوسُ (الشريعة) خَطِيئةٌ. حَاشَا. بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيئةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ (الشريعة) لاَ تَشْتَهِ. 8 وَلَكِنَّ الْخَطِيئةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ أَنْشَأَتْ فِيَّ كُلَّ شَهْوَةٍ، لأَِنْ بِدُونِ النَّامُوسِ (الشريعة) الْخَطِيئةُ مَيِّتَةٌ.
سمع بُوْلُس في روحه قول أعدائه: “إن حرَّرتنا مِن الوحي الأعظم القُدُّوْس، فهل تعتبر النَّاموس ناقصاً، أو ضعيفاً، أو مُخطئاً؟” فاختصر الرَّسُوْل جميع حججهم بالسُّؤَال: “هل ناموس الله خطيئةٌ؟”، وأجابهم مُباشرةً قائلاً لهم: “إنَّ هذا القول لم يكن قطّ مِن بنات أفكاري، فمن المستحيل أن تكون وصايا الله شرّيرةً، لأنَّها تُرينا طريق الحَيَاة”.
ولكنَّ بُوْلُس حدَّد كلامه بالحرف “بل”، قائلاً: “بل إنَّني لم أعِ الخطيئة لولا وجود النَّاموس. لأنني بدونه كنت عائشاً في الخطيئة بلا مبالاة. مثلما تظهر الثمار للولد سائغةً وشهيَّةً في حديقة جاره، فيقطف منها دون أن يعرف أنَّ الأخذ منها ممنوعٌ، هكذا تظهر الخطيئة في البداية لذيذةً جميلةً، بل أمراً اعتياديّاً. وهذه هي أيضاً حالتنا الملتوية في خطايانا. فنحن نرى الأمور الملتوية والشريرة اعتيادية وصالحة، أمَّا الأمور الصالحة والمستقيمة فتظهر لنا مؤذيةً ومُستهجَنة.
7: 9 أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ (الشريعة) عَائِشًا قَبْلاً. وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيئةُ فَمُتُّ أَنَا، 10 فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ. 11 لأَِنَّ الْخَطِيئةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي.
حيثما نرفع وصيَّةً، نُسبِّب عصياناً في قلب الإنسان. والرَّغبة في التَّعدي تتزايد على الدَّوام. لقد كتب بُوْلُس عباراته، بدءاً مِن الآية السابعة فصاعداً، بصيغة المتكلِّم المُفرَد، لأنَّه قد اختبر في ذاته أنَّ الإنسان، بدون معرفة النَّاموس، يرى نفسه صالحاً، وكأن ليست ثمة خطية في نفسه، ظانّاً أنَّ الشَّر غير موجود في نفسه، وميتٌ في جسده. ولكن عندما دخلت وصيَّةُ الله حياتَه، وعى وعرف خطاياه، وسمع في ذهنه المطالبة بإنكار الشَّهوة وإماتتها، لأنَّ النَّاموس (الشريعة) يعني هجوم الله على الأنا الإنساني، حيث إنَّ نفسنا ليست إلاَّ اشتهاء وحب استطلاع. فكلّ التقاء بكلمة الله ووصيَّته يعني موتاً للذَّات.
وهكذا يوضح الرَّسُوْل لنا، مرَّةً أخرى، أنَّه لا يوجد حلٌّ آخَر لفسادنا غير إماتة الأنا كلِّياً. فبهذه الإماتة الرُّوْحِيّة تَظهر الحقيقة الغريبة، وهي أنَّ النَّاموس (الشريعة) يُرينا الطَّريق إلى الحَيَاة، ولكنَّه يقودنا إلى الموت، وبالحريِّ إلى إنكار النفس، وحكم الله علينا بالموت والهلاك.
يقول بُوْلُس إنَّ الخطيئة ظهرت لي في البداية جميلةً وجذَّّابةً. ولكنَّها قادتني إلى عصيان قَدَاسَة الله ونواميسه الطَّبيعية، وبزينتها وبهرجتها أدخلتني جهنَّم. تلك هي كذبة الشَّيْطَان، ورياء القتَّال للنَّاس مِن البدء. فهو بكلام معسول وتسهيلات ماكرة يقودنا إلى الهلاك.
7: 12 إِذًا النَّامُوسُ (الشريعة) مُقَدَّسٌ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ. 13 فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتًا. حَاشَا. بَلِ الْخَطِيئةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيئةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيئةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ.
وقف بُوْلُس، الفقيه في علوم التَّوْرَاة، مرتعباً أمام الحقيقة أنَّ وحي الله القُدُّوْس في العهد القديم لم يُصلح الإنسان حقّاً، بل قسَّاه، وحرَّضه على فعل الشَّر، لأنَّ كلَّ ممنوعٍ يخلق معارضةً واحتجاجاً على منعه، فالصَّالح يُنشئُ شرّاً يؤدي إلى الموت. وهنا صرخ بُوْلُس قائلاً: “لا.. إنَّ هذا التَّحليل خاطئٌ. بل إنَّ الصَّالح يُظهر الشَّر، ويُحرِّض على جعله شرّاً مضاعفاً، كي تُكشف طبيعة الشَّر بالنَّاموس كاملةً، وتظهر عيوبها.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ، في قداستك وكمالك يَظهر فسادي ونجاستي. اغفر لي سطحيَّتي في التَّقوى، وانزع بحدَّة ناموسك عن وجوهنا كلَّ قِناعٍ مصنوعٍ مِن ريائنا، لكي نعرف ونعترف أنَّه لا توجد طريق أخرى لخلاص نفوسنا غير قبول موتنا في صليبك. ثبِّتْنا يا ربّ في هذا الموت إلى الأبد، لأنَّ ناموسك يديننا، ويُحْدِثُ فينا عصياناً طائشاً. إنني أُسلِّم نفسي لك، أيُّها الرَّبّ، لتُعالجها، وتُخلِّصها، وتَحفظها في الموت عن الأنا، وفي الحَيَاة الأَبَدِيَّة معك.
السُّؤَال:
6- كيف يصبح النَّاموس الصالح لنا سبباً للشَّر والموت؟
اْللَّهُمَّ ارْحَمْنِي
أَنَا الْخَاطِئَ
(لوقا 18: 13)
5- الإنسانُ بِدون الْمَسِيحِ يَفشل أمامَ الخطيئة دائماً
(7: 14- 25)
7: 14 فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ (الشريعة) رُوحِيٌّ وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الْخَطِيئةِ. 15 لأَِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. 16 فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ (الشريعة) أَنَّهُ حَسَنٌ. 17 فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا بَلِ الْخَطِيئةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. 18 فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ، لأَِنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. 19 لأَِنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ الشَّرُّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. 20 فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا بَلِ الْخَطِيئةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ. 21 إِذًا أَجِدُ النَّامُوسَ (الشريعة) لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. 22 فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. 23 وَلَكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيئةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. 24 وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ. مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هَذَا الْمَوْتِ. 25 أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا. إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدُمُ نَامُوسَ (الشريعة) اللهِ وَلَكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيئةِ.
يُرينا بُوْلُس كيف يعيش الإنسان الطَّبيعي، بدون المسيح، تحت كابوس النَّاموس (الشريعة). فهو لا يُوضح لنا هذه القراءة الَّتِي هي قمَّة في إدراك النَّفس، بتخيُّلات فلسفيَّة، أو مُثُل إنسانيَّة، بل يكشف لنا الإنسان الطَّبيعي باعترافٍ شخصيٍّ مُثيرٍ، لأنَّ الرُّوْح القُدُس قد رقَّق ضميره الرَّسُوْلي، حتَّى أحسَّ كأنَّ أقل ابتعاد عن مشيئة الله هو بمثابة حادثة مميتة.
يقول بُوْلُس: إنَّني جسديٌّ ما دمتُ أنظر إلى إمكانيات ذاتي. والجميع جسديُّون، لأنَّهم فقدوا صورة مجد الله الموهوبة لهم قبلاً. إذاً الجميع أخطأوا، وفسدوا معاً، وأعوزهم مجد الله. وروح النَّاموس يعاقبهم في ضمائرهم على أنانيتهم المنتفخة. والقدِّيسون بخاصَّةٍ ييأسون من كلمة الله، لأنَّهم يسمعون القول: “كونوا قدِّيسين، لأنِّي أنا قُدُّوْس. أو ينكسرون بأمر يسوع: “كونوا كاملين، كما أنَّ أباكم الَّذي في السَّماء هو كاملٌ”. فيعترف بُوْلُس بألم نفسيٍّ أنَّ الإنسان الطَّبيعي لا يقدر أن يكمل إرادة الله بقوَّته الذَّاتية. ما أفظع الاعتراف بعدم القدرة البشريَّة!
ومع ذلك يوجد في كلِّ إنسانٍ شوقٌ عارمٌ لعمل الصَّلاح والطَّهارة والسُّلوك بقَدَاسَة. وهذا الشوق موجودٌ في أحقر الناس. لذلك ينبغي ألاَّ نتكلَّم عن الخطيئة وسلطتها فقط، وألاَّ نتعجرف على العامَّة والبسطاء مِن الناس، بل أن نُدرك بقيَّة ناموس (الشريعة) الله في أذهان الجميع، لأن ليس إنسانٌ شريراً إلى حدّ أنَّه لا يريد أن يكون صالحاً. والمُحزن الغريب أنَّ مَن يحاول التَّجاوب مع هذا الشَّوق يفشل باستمرار، ويعمل الشَّر ضدَّ إرادته الصَّالحة. هذا هو الأمر العجيب في الإنسان، أنَّه عدوُّ نفسه. فهو يخون نيَّته الحسنة، ويُجاوز صوت ضميره. فنجد أنَّ الخطيئة فينا أقوى مِن عقلنا، وأنَّ ناموس الله يحكم على كلِّ فردٍ، رغم نِيَّته الحسنة.
لماذا لا نستطيع أن نعيش طاهرين، ونثبت في محبَّة الله؟ لأنَّ الإنسان بدون المسيح تملكه الخطيئة. وكلّ مَن يعمل الخطيئة هو عبدٌ لها. وحتَّى المؤمن تتربَّص به الخطيئة، ويتعرَّض للسُّقوط فيها إن لم يحفظه المسيح. فأجسادنا لا تتمتَّع بالقوَّة اللازمة لتنفيذ مشيئة الله. وهذا أعظم اعترافٍ بإفلاس الإنسان. وقد اعترف بُوْلُس نفسه بهذه الحقيقة، إذ قال: “إنني أعلم أنَّه ليس ساكناً فيَّ (أي في جسدي) شيءٌ صالحٌ، لأنِّي لستُ أفعل الصَّالح الَّذي أُريده، بل الشَّر الَّذي لستُ أُريده فإيَّاه أفعل.” فهل تعترف مع بُوْلُس بهذا الواقع، وتُقرُّ أنَّك مُجرمٌ، فتُسلم نفسك الملوَّثة إلى نعمة القاضي الأزلي؟
يسمي بُوْلُس كلَّ إنسانٍ عبداً للخطيئة، لأنَّ سلطة الخطيئة قد تطوَّرَت إلى نوعٍ مِن النَّاموس (الشريعة)، يسميه بُوْلُس ناموس الخطيئة. فصارت عبوديتنا للشَّر شرعاً. وهذه العبوديَّة أصبحت مؤلمةً لنا، لأنَّنا بأذهاننا نعرف واجباتنا، ونُريد تنفيذها، فلا نستطيع. وهذا يعني يأساً، لأنَّ نفسك تهزُّ قضبان سجن ذاتك، ولا تقدر أن تُبارحه. جميعنا أسرى أنانيتنا. علماً أنَّ المسيح يدعوك، في الوقت نفسه، إلى كمال الله، لا أقلّ. فهل أدركتَ الانفصام الشَّخصي في كلِّ إنسانٍ؟ إنَّه يُريد عمل الخير، ولكنَّه لا يستطيع أن يعمله مِن تلقاء نفسه.
أمَا مِن عَونٍ أو نصرة؟ يُرشدنا بُوْلُس إلى آخر عمق في معرفة النفس الملوَّثة الَّتِي لا يُرجى منها أيُّ خيرٍ، فلا النفس البشرية ولا الناموس (الشريعة) يقدران أن يُخلِّصاك مِن برِّك الذَّاتي. فهل حرَّرتك شهادة الرَّسُوْل من إيمانك السَّطحي، ومِن تفاؤلك بالقدرات الإنسانيَّة؟ إنَّ دُعاة المذهب الإنساني مِن مفكّرين وعلماء تربية هم كاذبون، وكل فيلسوف تنقصه حكمة الرُّوْح القُدُس هو غبيٌّ وجاهلٌ. طوبى للمؤمن الَّذي يعرف، أمام قَدَاسَة الله، أنَّه في ذاته باطلٌ خاطئٌ هالكٌ. طوبى للرجل الَّذي يُدرك حُكم النَّاموس (الشريعة)الصارم على نفسه المستعبَدة، فيتحرَّر مِن كلِّ مَيلٍ إلى برٍّ بشري، ولا يؤمن ببطولة الإنسان، بل يتَّكل على المسيح وحده.
الحمد لله على أنَّ يسوع المسيح هو المنتصر. فبدونه نحن جميعاً ضالُّون وخادعون أنفسنا. لقد أعطانا الرَّب يسوع حقّاً وقوَّةً جديدةً. وروحه القُدُّوْس يُحْيينا، ويُعزِّينا، مانحاً إيَّانا رجاءً أكيداً بالمُخلِّص الوحيد.
الصَّلاَة: أيُّها الآب القُدُّوْس، نسجد لك ونُعظِّمك مِن صميم قلوبنا، لأنَّك لم تتركنا في اليأس، بل أرسلتَ إلينا ابنك المسيح مُخلِّصاً وفادياً للجميع. وبواسطة بِرِّه جاء روحك إلينا. فنفتح أذهاننا له، كي يفتح سجن خطايانا، ويُحرِّرنا كي نسلك بقَدَاسَة مع جميع المؤمنين في أمَّتنا وعالمنا أجمع.
السُّؤَال:
7- بماذا اعترف بُوْلُس عن نفسه، وماذا يعني هذا الاعتراف لنا؟
لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ،
لأَِنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي
وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ.
لأَِنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ
بَلِ الشَّرُّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.
(رُوْمِيَة 7: 18- 19)
6- الإنسان في الْمَسِيحِ قد تحرَّر مِنَ الخطيئة والموت والدَّيْنُوْنَة
(8: 1- 11)
الأَصْحَاح الثَّامن: 1 إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُوْنَة الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ.
يُبرهن لنا بُوْلُس الرَّسُوْل في الأَصْحَاحات مِن 5 إلى 7 عجْزَنا عن الخلاص مِن جبلتنا الشِّريرة بقوَّتنا الذَّاتية. ويُوضح لنا أنَّ الناموس (الشريعة) لا يُساعدنا، بل يُثير فينا الشَّوق إلى الخطيئة، ويديننا أخيراً. فشبح الموت مالكٌ في عظامنا، والخطيئة مسيطرةٌ على إرادتنا الصَّالحة. بهذا البُرهان جرَّد بُوْلُس الإنسانَ مِن كلِّ إمكانيَّةٍ للخلاص بقدرته الذَّاتية، ودمَّر رجاءه الموهوم بحياةٍ طاهرةٍ مستقيمةٍ بقوَّةٍ إنسانيَّةٍ، أو بوسائل أدبيَّةٍ.
وبَعد هذا البُرهان القاطع، يُرينا الرَّسُوْل الطَّريق الوحيد إلى الحَيَاة مع الله. وذلك بما كتبه لنا في الأَصْحَاح الثَّامن مِن مبادئ الحَيَاة الجديدة، المُسمَّاة (في المسيح).
فالإنسان الَّذي اتَّحد بيسوع قد دخل رحاب الفادي منذ الآن. وهو لا يسلك منفرداً متروكاً ضعيفاً مذنباً، لأنَّ ربَّه يُرافقه ويَحميه ويَشمله برعايته، ليس لأنَّ المؤمن صالحٌ في ذاته، بل لأنَّه قد سلَّم نفسه لمُخلِّصه الرَّحيم، فبرَّره وقدَّسه وجمَّله بالمحبَّة، وشمله بعنايته الأَبَدِيَّة. فالمسيح نفسه يسكن في المؤمن، ويُغيِّره، ويُطوِّره إلى ملئه. ويُسمِّي الرَّسُوْل هذه الحالة الرُّوْحِيّة (الكينونة في المسيح). فبُوْلُس لم يتكلَّم عن الثَّبات في الكنيسة، بل يطلب منَّا الاندماج في المسيح، وإغراق أنفسنا في محبَّته.
فإيماننا لا يرتكز على عقائد فكريَّة فحسب، بل يتحقَّق أيضاً في سلوكٍ مقدَّسٍ، لأنَّ المسيح أمات كبرياءنا على الصَّلِيْب، وأقامنا إلى حياة جديدة. فمن يؤمن به يلتصق بربِّه، ويَنَل منه قوَّةً سماويَّةً. إنَّ هذا الكلام ليس فلسفةً فارغةً، بل هو اختبار الملايين مِن المؤمنين الَّذين حلَّ فيهم الرُّوْح القُدُس. فالله نفسه يأتي ويحلُّ في الإنسان الَّذي يَقبل المسيح وخلاصه.
إنَّ الرُّوْح القُدُس يُعزِّي ضميرك الحائر، ويقف إلى جانبك محامياً إلهياً فريداً في وجه شكاوى إبليس، ويؤكِّد لك باسم الله القُدُّوْس أنَّك أصبحتَ بارّاً في المسيح، وأنَّ التَّيار السَّمَاوِيّ يجري فيك كي تستطيع أن تحيا حياةً طاهرةً في هذا العالم الفاسد. فحلول الرُّوْح القُدُس أن يُغيِّر حالة الإنسان، كما يقول بُوْلُس في الأَصْحَاح السابع، فلا يبقى طبيعياً جسديّاً ضعيفاً، بل يصبح قادراً في قوَّة الرُّوح على فعل ما يريده الله. فلا يفعل الإنسان بعد الشَّرَّ الَّذي لا يُريده (7: 19)، بل يختبر عظمة الخلاص في قوَّة الروح، فيفعل ما يريده الله، ويرتاح قلبه في قدرته.
ويؤكِّد هذا الرُّوح لك أنَّ المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ الظَّافر سيُرافقك أيضاًٍ في ساعات الدَّيْنُوْنَة، ويحملك على ذراعيه في لهيب غضب الله، ويحميك مِن أشعَّة القُدُّوْس، لأنَّ لا شيء من الدَّيْنُوْنَة على الَّذين هم في المسيح يسوع.
وسيساعدك اليوم أيضاً على أن تحيا الحَيَاة المَسِيْحِيّة في صبر المحبَّة، وفرح التَّواضُع، وحَقِّ الطَّهارة، ليس لأنَّك تستطيع إنشاء هذه الفضائل مِن نفسك، بل لثباتك في المسيح بلا انقضاء، كالغصن الثَّابت في الكرمة. ولذلك يقول ربُّك لك: “اثبت فيَّ وأنا فيك، فتأتي بثمر كثير”. ما أعظم رجاءنا!
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، نسجد لك ونتهلَّل لأنَّك فدَيْتنا مِن استكبارنا، وخلَّصتَنا مِن سلوكنا النَّجِس، وبرَّرتنا مِن جميع ذنوبنا، وطهَّرتَنا مِن رجاساتنا. نحمدك ونُسبِّحك لأنَّك نقلتَنا إلى حياتك الأَبَدِيَّة، وفديتَنا بمحبَّتك كي نسلك سلوكاً مقدَّساً. ثبِّتْنا في شركتك الأَبَدِيَّة مع جميع المدعوِّين في العالم.
السُّؤَال:
8- ما معنى الجملة الأولى مِن الأَصْحَاح الثامن؟
8: 2 لأَِنَّ نَامُوسَ رُوحِ الحَيَاة فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيئةِ وَالْمَوْتِ.
إيماننا مفعمٌ بالحَيَاة، لأنَّ الرُّوْح القُدُس ينسكب في قلوب المؤمنين، إن هم فتحوا قلوبهم للمسيح. وهذا الروح المُحْيِي المُنعش هو قوَّة الله الخالقة والعاملة في المتَّكلين على المصلوب.
في بدء الخَلق، كان الرُّوح الإلهي يرفّ على الكون الخرب. واليوم يخلق هذا الروح المبارَك حياة الرَّجاء في الملايين. فلا نعيش نحن المؤمنين مِن أنفسنا، بل مِن اهتمامه ودوافعه وصبره. فكلُّ مَن يَقبل عمل روح المسيح ويفتح قلبه له يمتلئ بقدرة الله. لا يُمكنك أن تخلص ولا أن تتقدَّس لا بإرادتك، ولا بتفكيرك، ولا بقوَّتك. إنَّ روح الله القُدُّوْس وحده هو خالق إيمانك، ومُنشئ محبَّتك، وينبوع سرورك، ومصدر إحسانك. هو الله الَّذي يعمل فينا، ويدفعنا إلى أَعْمَال الرحمة، ويَثبت فينا بأمانة، ويقودنا إلى الكمال في المحبَّة.
وهذه الحَيَاة مِن الرُّوح الإلهي ليست فكراً مقلقلاً كالرِّياح المتقلِّبة الَّتِي تغيِّر اتِّجاهها في كلِّ لحظةٍ، بل هي منظَّمةٌ ومُرتَّبةٌ وشرعيَّةٌ، حتَّى سمَّاها الرَّسُوْل “ناموس الحَيَاة”. بتعبيرٍ آخر، إنَّ ناموس الروح هو حياة المسيح في المؤمنين به. لقد ربط القُدُّوْس نفسه بالمؤمنين في عهده الجديد، وأسَّس في موته حقّاً يدوم رغم انتهاء الأزمنة، لأنَّ أمانته أبديَّةٌ. فالروح المنسكب من قلب الآب والابن لا يصلك لأجل صلواتك وصومك وبرِّك، بل بناءً على برِّ المسيح المتمَّم من أجلك على الصَّلِيْب. فالله أسَّس الحَيَاة الأَبَدِيَّة فيك على الحقِّ، فلا تجري قوَّته مفجِّرةً مُستعمِرةً، بل بلطفٍ مُقدَّسٍ، وتنظيمٍ مُفرِحٍ. فلا تصرخ، ولا تضجّ، ولا تخبط؛ بل تواضع وأحبّ، مثلما تواضع المسيح وأحبّ الخطاة، لأنَّه هو السَّاكن فيك وأنت فيه. فلا تسمح لأيِّ روحٍ غريبٍ أن يحلَّ فيك.
وهذه الحَيَاة الرُّوْحِيّة الموهوبة لك ليست فيك بمعزل عن المسيح، كملك خاص لك، بل هي على اتصال والتصاق دائمَين بمخلّصك، كي تصبح عضواً في جسده الرُّوْحِيّ.
ليس صحيحاً أنَّ المَسِيْحِيّ مضطرٌّ للوقوع في الخطأ. إنَّ هذه العبارة تتضمَّن إهانةً للمسيح وتجديفاً على صليبه. فنحن سنكون معرَّضين للتَّجربة أكثر مِن ذي قبل، والمسيح نفسه تعرَّض للتجربة. ويمكن أن نسقط في العديد مِن الآثام، وأن نخطئ سهواً. ولكنَّ المسيح، مبدئيّاً، قد حرّرنا مِن سلطة الخطيئة، وتبعاً لذلك لن يكون الموت أجرة حياتنا. ومِن جهة أخرى لا تعني الشريعة جهنم لنا، ولا تحرِّضنا على المزيد مِن الأخطاء، بل إنَّ النَّاموس حالٌّ في قلوبنا، لنتلذّذ به. لذلك لا نكون عبيداً للخطية، بل أولاداً لمحبَّة الله. ولا نموت كباقي الناس بلا رجاء، بل نحيا حسب ناموس روح الحَيَاة إلى الأبد، كما المسيح حيٌّ بلا نهاية.
تعمَّق في عبارات الرَّسُوْل بُوْلُس المشحونة بالمعاني، فتثبت في حقوقك، وتتحرَّر مِن ناموس الخطيئة، وتتغلَّب على الشَّر، وتعيش في تدبير الله وقوَّته بواسطة روحه الهادي.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنَّك نقلتنا مِن الموت إلى الحَيَاة، كي نُعظِّم محبَّة أبينا، ونسلك في ناموس الرُّوح. ثبِّتْنا فيك لكي تتجسَّد محبَّتك فينا، ونُمجِّدك بسلوكنا، فيشمّ الناس مِن حولنا رائحة الحَيَاة، لا نتانة الموت.
السُّؤَال:
9- ما هما النَّاموسان اللذان قارن الرَّسُوْل أحدهما بالآخَر، وما هي معانيهما؟
8: 3 لأَِنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ (الشريعة) عَاجِزًا عَنْهُ فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيئةِ وَلأَِجْلِ الْخَطِيئةِ دَانَ الْخَطِيئةَ فِي الْجَسَدِ 4 لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ. 5 فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ وَلَكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. 6 لأَِنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ وَلَكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. 7 لأَِنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ لِلَّهِ إِذْ لَيْسَ هُوَ خَاضِعًا لِنَامُوسِ اللهِ لأَِنَّهُ أَيْضًا لاَ يَسْتَطِيعُ. 8 فَالَّذِينَ هُمْ فِي الْجَسَدِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُرْضُوا اللَّهَ.
وضع المسيح عهداً جديداً، لأنَّ العهد القديم كان عاجزاً، ولم يستطع أن يتغلَّب على الشَّهوات والخطيئة الَّتِي في الجسد. فكان تجسُّد المسيح انطلاقة العهد الجديد، والمرحلة الأولى من الانتصار الإلهي على الجسد البشري الضَّعيف، لأنَّ المسيح استطاع، بالرُّوْح القُدُس السَّاكن فيه، أن يضبط جسده ضبطاً تامّاً، فلم يقدر الشَّرير أن يشتكي عليه، لأنَّه بحياته الطَّاهرة دان الخطيئة، وقيَّدها، وأماتها.
عاش المسيح طوال حياته كلِّها قُدُّوْساً، لأنَّ روح أبيه السَّمَاوِيّ جعل الخطيئة ميتةً في جسده الموروث مِن أجداده، فلم توجَد فيه علَّةٌ. وتمَّم بمحبَّته ولُطفه مطالب الناموس. وبلغ الذّروة في محبَّته ونكران ذاته حين رفع خطايانا وألقى بها على كتفيه، فحملها عنَّا ومات عنَّا، وشملنا ببرِّ الله في موته. إنَّ هذا التبرير الإلهي لا يتمُّ فينا بواسطة إيمان نظري تقليديّ، بل يتحقَّق في الحَيَاة العمليَّة. إذ إنَّ برَّ الله هو محبّته الشَّرعية المؤسَّسة على الحقِّ. وهذه المحبَّة العظيمة قد انسكبت في قلوب المؤمنين، كي يستطيعوا أن يقولوا: إنَّ المسيح يسكن فينا، ويقودنا، ويُديرنا، ويدفعنا إلى إتمام النَّاموس. فالمَسِيْحِيّ لا يسلك بحسب الجسد وشهواته المفسدة، بل حسب الرُّوح ومقاصده، في الشُّكر والفرح والانفراج.
أمَّا السُّؤَال المبدئي الموجَّه إليك فهو: هل أنت إنسان الرُّوْح القُدُس؟ هل يسكن المسيح فيك؟ هل فادي العالمين متمركزٌ في قلبك؟ هل برَّرك موته على الصَّلِيْب، حتَّى تسلك في جدَّة الحَيَاة؟ ليس الإيمان ظنّاً، ولا تخيُّلات، بل هو قوَّةٌ روحيَّةٌ حيويَّةٌ، وحضورٌ إلهيٌّ في الأجساد المتبرِّرة.
يُعرَف الإنسان الرُّوْحِيّ مِن اهتمامه. فهو يهتم بالمسامحة والسَّلام. فهل أنت مِن صانعي السَّلام؟ وهل تحاول أن تنشر الصِّلح مع الله بين جميع الناس، ليتجدَّد كثيرون، ويولد لله أولادٌ كثيرون، فتتحقَّق حياته الإلهيَّة في الجسديِّين، وتُصبح اهتماماتهم هم أيضاً روحيَّة؟
إن مَن يعش بدون روح الله، يبق جسدياً ضعيفاً معقَّداً، ويُصبح معتدياً فكراً وسلوكاً على الثَّالُوث الأَقْدَس، أسيراً لشهواته وأمانيه الدّنيوية. وفي النهاية يرث غضب الله ودينونته العادلة. لا يريد الإنسان الجسدي أن يخضع لناموس الرَّبّ، بل يثور ضدَّه بإرادته الحاقدة، فلا يُرضي الله، ولا يقدر أن يحبَّه، إن لم يَتُب، ويتغيَّر بانقلاب ذهنيّ، ويؤمن بالمسيح. فالإنسان، بدون حلول الرُّوْح القُدُس في قلبه، ضالٌّ وساقطٌ مِن هلاكٍ إلى هلاكٍ. بتعبيرٍ آخَر: إنَّ كلَّ إنسانٍ يخلو قلبه مِن الرُّوح المحب، هو إنسانٌ لا يخصّ المسيح، بل هو عبدٌ لإبليس.
أمَّا الإنسان الرُّوْحِيّ فهو إنسانٌ واعٍ، يُحافظ على سلام الله الموهوب له، ويُحبّ أعداءه، ويلتمس يوميّاً مِن الله قوَّته وحمايته، ويريد من كلِّ قلبه أن يجذب جميع الناس إلى يسوع منبع الحَيَاة والسَّلام، كي لا يهلكوا، بل تكون لهم الحَيَاة الأَبَدِيَّة. فهل أصبحتَ إنساناً ممتلئاً بروح الله، ومدفوعاً منه إلى زملائك، محقِّقاً محبَّته بعيداً عن الغرور والعجرفة؟
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يسوع، الإله المُحِبّ، إنَّ عقولنا صغيرةٌ، فلا نُدرك روحك ومحبَّتك مِن تلقاء أنفسنا. ولكنَّك بفرط نعمتك قد ملأتنا بصبرك وصفاتك، لنسبِّحك مع الآب والرُّوْح القُدُس، ونُتمِّم مشيئتك بفرح ومودَّة. احفظنا في سلامك كي نتبعك بقوَّة روحك؛ وامنحنا الحكمة والإرادة كي ندعو جميع الجسديِّين إلى الخضوع لك، فيخلصوا، ويتغيَّروا، ويتقدَّسوا حقّاً.
السُّؤَال:
10- ما هو اهتمام الإنسان الرُّوْحِيّ، وما هو إرث الجسديين؟
8: 9 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُم. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ. 10 وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيئةِ وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. 11 وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ.
شهد بُوْلُس للمؤمنين في رُوْمِيَة، وكلّ مكان، أنَّ روح الله قد غلب تكاسل أجسادهم، وخُبث أنفسهم، لأنَّ حياتهم تأسَّسَت على قوَّة الرُّوْح القُدُس ودوافعه، فخلقهم، وولدهم ثانيةً، وأنماهم، وحفظهم، وعزَّاهم، وثبَّتهم، وملأهم بمحبَّة الله، ودفعهم إلى خدمات متنوِّعةٍ، وقوَّاهم للقيام بهذه الخدمات. فسرّ المؤمن هو حلول الرُّوْح القُدُس فيه.
أمَّا مَن لم يحلّ روح الله في قلبه، فهو ليس بمسيحيٍّ، وإن كان قد وُلد مِن أبٍ وأمٍّ مسيحيَّين، لأنَّ كلمة “مسيحي” معناها ممسوح بروح الله. فكما كان المسيح نفسه ممسوحاً بملء روح أبيه، هكذا المؤمن أيضاً. فلا اسمك، ولا نسبك، ولا معموديَّتك، ولا دفعك الاشتراك الكنسي يجعلك مسيحيّاً، بل قوَّة الرَّبّ وحدها السَّاكنة فيك هي وحدها الَّتِي تجعلك عضواً عاملاً في المسيح وخاصَّةً له وحجراً في هيكله. فكل مَن لا يحصل على هبة الحَيَاة هذه، ويمتلئ مِن محبَّة الله، لا يمتُّ للمسيح بأيِّ صلةٍ، بل ينعزل عنه بعيداً. إنَّ المولود مِن الرُّوْح القُدُس هو وحده قريب المسيح، وخاصَّته، والسَّاكن في رحابه. فلا تفتر، بل اعلم أنَّ مَن لا يلتصق بالمسيح التصاقاً تامّاً وأبديّاً ليست له حصَّةٌ فيه. يُريدك المسيح بكلِّيتك، ليحلّ بملئه فيك. فلا تنفصل عنه، ولا تتردَّدْ، لأنَّ الإيمان المتردِّد ليس إيماناً.
أخي العزيز، اسجد لربِّك، لأنَّ المسيح يسكن فيك إن حصلت على مسحة محبَّته. إنَّ جميع الأحياء بالروح يشهدون لهذه الحقيقة، لأنَّه يؤكِّد لهم وجوده في أذهانهم.
ولكنْ حَذارِ أن تظنّ أنَّ المسيح والخطيئة يسكنان معاً في جسدك. فأنت لا تقدر أن تبغض إنساناً ما وتُحبّ المسيح في الوقت نفسه. ولا تقدر أن تخضع للنَّجاسة، وتدَّعي في الوقت نفسه الامتلاء مِن الرُّوْح القُدُس، لأنَّ هذا الرُّوح غيورٌ، ويُبيد خطيَّتك بلا شفقة. ولن يجد ضميرك الرَّاحة إلاَّ إذا اعترفتَ بكلّ خطيئة نطق بها لسانك، وذرفت الدُّموع لأجلها، واشمأزَّت نفسك منها، وانكسرت، وسلَّمت نفسك الملوَّثة إلى بارئك المسيح مِن جديد. فروح الله يُجاهد ضدَّ خطاياك، ويُقدِّسُك إلى التَّمام. فيسوع قد دعاك إلى القَدَاسَة وليس إلى النَّجاسة.
ودم المسيح يُطهِّرك مِن كلِّ إثم، إن أمنتَ به وبوعده، فتعظم قوَّته في ضعفك، وتقوى إرادتك، وتنكسر نفسك، وتعيش لله وحده. فيموت جسدك لأجل خطاياك، أمَّا روحك الموهوب لك مِن السَّماء فيعيش إلى الأبد. إنَّ لنا رجاءً لا مثيل له عند الآخَرين، لأنَّنا نحمل حياة الله فينا, عربوناً للمجد المتوقَّع عند مجيء ربِّنا.
إنَّ القدرة الَّتِي عملت في المسيح عندما قام مِن القبر، هي نفسها تجري وتعمل في كلِّ مؤمنٍ حيٍّ. والله سيُجري تيَّار حياته فينا، عند مجيء مسيحه ثانيةً. فتظهر نفوس الملحدين ميتةً لا حياة فيها، أمَّا نحن الأحياء بالنِّعْمَة، فسيظهر روح الله العامل فينا مشرقاً بالبهاء والفرح والقوَّة، لأنَّه الله بنفسه.
الصَّلاَة: أيُّها الإله الحيُّ، نسجد لك لأنَّك وهبتَ لنا روحك القُدُّوْس لنعيش أولاداً لك إلى الأبد، متبرِّرين بموت المسيح، ومتعلِّقين به. نشكرك لأنَّك خلَّصتنا مِن كفرنا وفسادنا، فلا يقدر الموت أن يسجننا، لأنَّنا محفوظون في يدك، وعربون مجدك حالٌّ فينا.
السُّؤَال:
11- ماذا يَمنح الرُّوْحُ القُدُسُ المؤمِنين بالمسيح؟
7- نحن أولاد الله بواسطة حُلول الرُّوْح القُدُس فينا
(8: 12- 17)
8: 12 فَإِذًا أَيُّهَا الإِخْوَة نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ، 13 لأَِنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَال الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ. 14 لأَِنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ.
ينزع الرُّوْح القُدُس منك كلّ خوف، ويأس، وتشاؤم، وضغط نفسي، واضطراب، ويمنحك الشَّجاعة والسُّرور والثِّقة بالله؛ حتَّى إنَّه يفتح فاك أيضاً لتنطق باسم الآب. وبهذا الاعتراف تُقدِّس اسم الله الجوهري، لأنَّ هذه هي المعجزة الكبرى في العهد الجديد، أنَّ الله بالمسيح قد أعلن نفسه أبانا السَّمَاوِيّ. فالخالق الغاضب على الخطايا لا يُرهقنا، ولا يُثقل علينا، بل يُرينا محبَّته، ويؤكِّد لنا جودته في هيئة أبويَّة. فهذه الصُّورة الإلهيَّة الجديدة تقلب سيرتنا كُلِّياً.
والعبارة “يا أبا الآب” لا تعني سوى الدُّعاء “أيُّها الآب”. فكلمة “أب” عبرانيَّةٌ آراميَّةٌ، وقد اقتضت أصول اللِّياقة والاحترام نقلها حرفيّاً إلى اليونانيَّة. أمَّا كلمة “الآب” فقد كُتبت باليونانيَّة، وتُرجمت إلى العربيَّة القريبة مِن العبريَّة، فظهرت الكلمتان قريبتَين في الكتابة. فكلمة “آب” تُفسِّر كلمة “أبا” وتؤكِّدها.
إنَّ المسيح في محبَّته العظيمة بذل نفسه لأجلنا، وأشركنا في حقوقه، ليتبنَّانا الله ذو الجلال. تصوَّر اسمك مكتوباً بدم ابن الله على الوجه الأوَّل مِن بطاقة الدُّخول إلى السَّماء، وعلى الوجه الثاني مِن البطاقة مكتوبٌ بأحرف نار الرُّوْح القُدُس: “مُتبَنّىً لله”، وتحت هذه العبارة إمضاء الآب والابن والرُّوْح القُدُس. هل يمكنك أن تنسى هذه البطاقة الفريدة، أو أن تُهملها، أو ترميها، أم إنَّك ستُقبِّلُها وأنت تطير فرحاً، وتُحافظ عليها ككنزٍ لا يُقدَّر بثمن؟
إنَّك في الحقيقة قد أصبحتَ، بولادتك الرُّوْحِيّة، ابن العليّ شرعاً، بالتَّبني والجوهر. والرَّسُوْل بُوْلُس يُخبرك أكثر مِن هذا، فإِنْجِيْله غنيٌّ فائضٌ بالنِّعْمَة. إنَّه يُبشِّرك أنَّك سترث الله نفسه، لأنَّ القُدُّوْس قد اقترب منك في يسوع، وهو يسكن فيك، وفي جميع القدِّيسين. وسيظهر مجده فينا جميعاً. كما أنَّ المسيح أيضاً يسكن فيك وفي جميع تلاميذه. وسيظهر بهاء مجده في أتباعه، لأنَّ الله واحدٌ.
لقد ابتدأت هذه العجائب كلُّها فينا، لأنَّ الرُّوْح القُدُس قد حلَّ في جميع الكنائس المبنيَّة على المسيح وحده. هل يلمع نور المسيح فينا؟ إن كنتَ قد اتَّحَدْتَ بالله، فهل أنت مستعدٌّ للتألُّم مِن أجله، كما تألَّم الرُّسُل لأجل اسم المسيح كثيراً؟
الصَّلاَة: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. 10 لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. 11 خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. 12 وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. 13 وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ. لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَِنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ، آمِينَ.
السُّؤَال:
12- ما هو الاسم الجديد لله الَّذي يعلِّمنا إياه الرُّوْح القُدُس، وما معناه؟
8- الأنَّاتُ الثَّلاثُ الفريدةُ
(8: 18- 27)
8: 18 فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا. 19 لأَِنَّ انْتِظَارَ الْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اللهِ. 20 إِذْ أُخْضِعَتِ الْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ، لَيْسَ طَوْعًا بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَخْضَعَهَا، عَلَى الرَّجَاءِ. 21 لأَِنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضًا سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. 22 فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّصُ مَعًا إِلَى الآنَ.
لم يكتفِ بُوْلُس بإيمانه ومحبَّته لله، بل امتدَّ إلى أكثر من ذلك، إلى غنى رجائنا في الله. هل تترقَّب ظهور مجد الله؟ وهل هذا هو هدف حياتك؟ لا ترضَ بحلِّ مشاكلك الصَّغيرة، لأنَّ قصد الله هو فداء العالم أجمع. فانتظر أعظم هديَّةٍ من الله، وهي تجديد الخليقة كلّها.
الحيوانات تتألَّم، والعشب يزول. وويلٌ للإنسان الَّذي يُسبِّب آلاماً للبهائم. هل لاحظت كيف تغمض عيون الحيوانات ويغشاها الحزن؟ ذلك لأنَّها فانيةٌ، وقد فارقها الفرح، فظهرت عليها علامات الوحشة والضيق. إنَّ الحيوانات كلَّها تترقَّب ظهور مجد أبناء الله، لأنَّه عند مجيء الرَّبّ سيتحرَّر أولاده المولودون مِن روحه مِن جسد ألمهم، وسيظهر مجده فيهم. وعِنْدَئِذٍ ستنجو المخلوقات كلُّها أيضاً. في ذلك العصر لا تحرن دابَّةٌ، ولا تؤذي بعوضةٌ نائماً، لأنَّ المسيح قد وعدنا بسلامٍ تامٍّ على الأرض، يتحقَّق بمجيء المسيح الثَّاني مع جميع قدِّيسيه وملائكته. فهل تشتاق إليه؟
إنَّ الطَّبيعة تتألَّم منذ سقوط الإنسان في الخطيئة، لأنَّ وظيفة الإنسان، وكلّ ما تحت سلطته، قد فسدت بفساده. يُفسِّر بُوْلُس لنا هذه الحقيقة مشبِّهاً الطَّبيعة بأمٍّ تتوجَّع في المخاض ريثما يأتي ابن الله إلينا، لأنَّه يتألَّم معنا ومع كلِّ حيوان. فهو يريد المجيء في أقرب وقتٍ ممكنٍ لخلاص الجميع.
8: 23 وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا. 24 لأَِنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَِنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا. 25 وَلَكِنْ إِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ.
يئنُّ أبناءُ الله في دنيانا بقوَّة روح الرَّبّ في شعورهم الباطني، طالبين أن تكمل فيهم بُنُوَّتهُم. لقد افتُدينا بالإيمان، ولكننا سنُفتدى افتداءً تامّاً. إنَّنا نحمل اليومَ الكمال جزئيّاً في نفوسنا، ولكنَّنا ننتظر الكمال التَّام.
إنَّ الرَّجاء اليقين والشُّكر المُسبق لأجل المجد الآتي هما مِن المظاهر الجوهريَّة للحياة الرُّوْحِيّة فينا. فلا نشتاق إلى الذَّهب أو الشَّهوة، بل نُريد مُعاينة الله الآب والابن والرُّوْح القُدُس.
هل تشتاق حقّاً إلى رؤية أبيك؟ هل تترقَّب شركة المسيح فاديك؟ تذكَّر أنَّ جسدك الفاني سيحترق بحضور بهاء الله، وستُصبح نوراً أبديّاً في نوره. هذا هو شوق القدِّيسين، لأنَّ حياتهم المستترة في الله ستظهر قريباً، فلا تملأ الفؤاد فحسب، بل تتغيَّر، وتتمجَّد أيضاً أجسادهم المعذَّبة والمريضة والفانية. إنَّنا نحتاج جميعاً إلى صبر وحفظ كثير في بهو الانتظار على أرضنا، لأنَّ التكنولوجيا والعلوم تحاول كسر رجائنا بإنشاء فردوسٍ فانٍ في دُنيانا الفانية. إنَّ الرُّوْح القُدُس وحده هو عربون المجد العتيد.
8: 26 وَكَذَلِكَ الرُّوحُ أَيْضًا يُعِينُ ضَعَفَاتِنَا، لأَِنَّنَا لَسْنَا نَعْلَمُ مَا نُصَلِّي لأَِجْلِهِ كَمَا يَنْبَغِي وَلَكِنَّ الرُّوحَ نَفْسَهُ يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا. 27 وَلَكِنَّ الَّذِي يَفْحَصُ الْقُلُوبَ يَعْلَمُ مَا هُوَ اهْتِمَامُ الرُّوحِ، لأَِنَّهُ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يَشْفَعُ فِي الْقِدِّيسِينَ.
إنَّ الرُّوْح القُدُس نفسه يتألَّم في أجسادنا الضَّعيفة، ويتحسَّر على عجز كياننا، ويتعذَّب لصلواتنا البخيلة، ويئنُّ لأجل معرفتنا النَّاقصة، ويحزن لمحبَّتنا الضَّئيلة، ويتعجَّب مِن قوَّتنا العليلة. فروح الله نفسه يُصلِّي ويشفع في المؤمنين، حتّى وإن لم يُصلُّوا، فهو يشفع فيهم بأنَّات روحيَّة، وفقاً للصَّلاة الربّانية، الَّتِي هي صلاة الرُّوْح القُدُس بعرضها وطولها. سلِّم نفسك إلى مدرسة الصَّلاَة هذه، فتتحرَّر مِن دعوتك الأنانية، وتنقاد إلى عاصفة الشُّكر والابتهال في سبيل المحبَّة، وتُصلِّي بحكمة ومسرَّة وقوَّة، لأنَّ روح الرَّب هو الَّذي يُصلِّي فيك، ليلاً نهاراً، ليخلص الكون كلّه. فمتى تشترك في ابتهاله إلى أبيك السَّمَاوِيّ، داعياً شاكراً مِن كلِّ قلبك؟
الصَّلاَة: أيُّها الآب القُدُّوْس، اغفر لنا صلواتنا البطيئة والأنانية، وأرشدنا إلى تقديس اسمك القُدُّوْس، لكي نعظِّم فداء المسيح بكلِّ كياننا، ونعمل متواضعين في قوَّة روحك. علِّمنا، يا ربّ، أن نُحقِّق رجاء الرُّوح، ونُصلِّي كما يُريد هو، ونشتاق إلى حضورك ومجيء ابنك في مجدٍ عظيمٍ، لكي تنجو الخليقة كلُّها مع جميع الرَّاجين في أُمَّتنا.
السُّؤَال:
13- مَن هم الَّذين يتألَّمون بالنِّسبة لمجيء المسيح، ولماذا؟
خامساً: خلاصُنا ثابتٌ إلى الأبَد
(8: 28- 29)
1- خطَّة خَلاص الله تهتف بمجدنا العَتيد
8: 28 وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعَاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. 29 لأَِنَّ الَّذِينَ سَبَقَ فَعَرَفَهُمْ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ.
يَشعر كلُّ مَن يعرف الله بأنَّه قادرٌ على كلّ شيءٍ. فلا يحدث شيءٌ في الدُّنيا بدون معرفته ومشيئته. هو ضابط الكُلِّ. لكنَّنا لا نؤمن، كبعض الأديان، بالقضاء والقدر، لأنَّنا نعرف أنَّ الله العظيم هو أبونا الحنون الَّذي يهتمُّ بنا بلا انقضاء، ولا يضرُّنا ولا يُهملنا ولا يتركنا. فنطلب إليه أن يُقوِّي ثقتنا بمحبَّته، فلا يتزعزع إيماننا في أيّ ضيق أو اضطهاد. ولتثبيت ثقتنا بمحبَّة الله لنا، يورد لنا الرَّسُوْل تأكيدات لخلاصنا الشَّخصي، كيلا نشكّ أو نضطرب.
لقد اختارك الله قبل أن تولَد، لأنَّك كُنتَ فكرةً في قلبه. وقد عرفك قبل تأسيس العالم. فهو يعرفك إذاً في صميمك، وفي مزاجك، وفي نيَّاتك. وعلاقتك بالله أعمق ممَّا تظنُّ. فأنت لستَ غريباً عنه، بل أنت قريبٌ ومعروفٌ جيِّداً منه، وهو ينتظرك، كما ينتظر الأب عودة ابنه الضَّال؛ ويشتاق إليك أكثر ممَّا تشتاق أنت إليه.
لقد عرفك الله الأزليُّ قبل جميع الدُّهور، ووضع لك هدفاً مجيداً، لأنَّه عيَّنك بملء إرادته الإلهيَّة لتكون له ابناً بواسطة يسوع المسيح الَّذي حمل خطاياك، وغلب جسد خطيَّتك على الصَّلِيْب. في المسيح وحده يثبت اختيارك. فكلّ مَن يتمسَّك بمصالحة الابن لا يتزعزع، لأنَّ القُدُّوْس أمينٌ. فاعلم أنَّ الله قد وضع هدفاً لحياتك، وعيَّنك لتُصبح مجيداً، مشابهاً لصورة المسيح ربّ المجد، الجالس بجلاله عن يمين أبيه القُدُّوْس. لا يُريد الله أنماطاً مختلفةً من الأبناء، بل يقود الجميع إلى الكمال في التواضع والوداعة، فعليك أن تُنكر نفسك، كي تسلك كما سلك المسيح على أرضنا.
8: 30 وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ فَهَؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ فَهَؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ فَهَؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا.
لقد حقَّق الله أفكار محبَّته، وكلَّمك شخصيّاً، فهل سمعتَ صوته في أعماق قلبك؟ هل اخترقَت دعوتُه أسوار كبريائك؟ لا تنسَ أنَّ اللهَ اختاركَ وأنتَ خاطئٌ، وعيَّنكَ لتكون ابناً له. فقصد أن يُجدِّدكَ أنت الميت في كبريائك وشهواتك، لتلمع في الطَّهارة والعِفَّة والصِّدق والاستقامة. لا قُوَّة فيك للحياة المقدَّسة إلاَّ كلمة الله الَّتِي تعمل فيك، إن أنت قرأتَ الإِنْجِيْل المُقدَّس باستمرارٍ. فبواسطة هذه الحروف السَّوداء يُكلِّمكَ اللهُ مُباشرةً.
وقد وضع اللهُ في مشورته الحُبِّية أساس الحقِّ لخلاصك الَّذي لا تهزُّه شكاوى الشَّيْطَان. فالله العادلُ قد برَّرك بموت ابنه الكَفَّارِيّ، ومحا آثامك دفعةً واحدةً. فأنتَ بارٌّ في تبرير المسيح، ومحسوبٌ طاهراً في فدائه. فمتى تشكر ربَّك على محبَّته الَّتِي أنعم بها عليك؟ ومتى تؤمن بهدايته، وتُسبِّح نعمته الأمينة؟
لقد عيَّن الله لك، في قدرته، أكثر مِن ذلك. فهو قد منحك عنصر الرُّوْح القُدُس، عربوناً لحياته المجيدة فيك. فمجدُ جوهر الله مُستترٌ فيك اليومَ. وكما يظهر المسيح لأعين المؤمنين فقط، تعمل محبَّته وحقُّه وطهارته وصبره فيك، ويُثمر روح الله نفسه بفضائله فيك، إن أنتَ ثبَتَّ في مخلِّصك.
لم يقل بُوْلُس إنَّ الله سيُمجِّدُك في المستقبل، بل اعترف بالإيمان أنَّ الله قد مجَّدك في الماضي. لأنَّ بُوْلُس كان متيقِّناً أنَّ يسوع هو رئيس الإيمان ومُكمِّله. فالَّذي ابتدأ الخلاص في نفسك هو أمينٌ، ويُربِّيك ويُقوِّيك ويُكمِّلُك لفضله وحده.
هل تُعاني مشاكل في حياتك؟ هل تجوع، أو تمرض؟ هل تبحث عن عمل؟ هل رسبت في امتحاناتك المدرسيَّة؟ إنَّ هذه الأمور كلّها لا أهمية لها، لأنَّ الله معك، ويُحبُّك، ويعتني بك كحدقة عينه، ولا ينساك، بل يُكمل خطة محبَّته إلى النِّهاية. إنَّ القُدُّوْس نفسه قد اختارك للبنوَّة. فأنكر نفسك، واحمل صليبك، واتْبَع ابن الله، مِن الصَّلِيْب إلى القبر حتَّى المجد، لأنَّ كلَّ الأشياء تعمل معاً للخير للَّذين يُحبُّون الله. فهل تُحبُّه؟ هل تُحبُّ الَّذي أحبَّك أوَّلاً؟
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس الثالوث في الواحد، نسجد لك لأنَّك اخترتَنا، وعرفتَنا منذ القِدَم، وعيَّنْتَنا في المسيح لنلبس مجد محبَّته. مَن نحن حتَّى تختارَنا؟ اغفر لنا ذنوبنا، وافتح آذاننا لنُصغي إلى دعوتك في الإِنْجِيْل المقدَّس، فنقبل تبريرنا بدم ابنك، ونتهلَّل ونشكرك على محبَّتك الأمينة، فنؤمن بهدايتك، ونطلب أن تثبِّتنا بثقة في الأيَّام الشِّريرة كي لا نتزعزع، بل نختبر أنَّ روحك القُدُّوْس، عربون المجد العتيد، ساكنٌ فينا.
السُّؤَال:
14- لماذا تعمل جميع الأشياء معاً للخير للَّذين يُحبُّون اللهَ؟
كُلّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعَاً لِلْخَيْر
ِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ
(رُوْمِيَة 8: 28)
2- حَقيقة المسيح تَكفل شركتَنا مع الله رغم الضِّيقات الكَثيرة
(8: 31- 39)
8: 31 فَمَاذَا نَقُولُ لِهَذَا. إِنْ كَانَ اللهُ مَعَنَا فَمَنْ عَلَيْنَا. 32 اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَِجْلِنَا أَجْمَعِينَ كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ.
بعدما أوضح بُوْلُس لنا سلسلة أفكار الله الخلاصيَّة، وتعيينه إيَّانا، لنتأكَّد من اختيارنا، أبرز سلسلة حقائق فدائيَّة، لكي نعرف أنَّ الله قد أسَّس خلاص العالم على حوادث تاريخيَّة متحقِّقة.
كان بُوْلُس متأكِّداً، في صميم قلبه، ومطمئنّاً في ذهنه، أنَّ الله لم يكن عدوَّه، بل رفيقه الأمين الكائن معه، مهما حدث في كلِّ حينٍ. وكان، فوق ذلك، مؤمناً بأنَّ ضابط الكُلِّ، وخالق السَّماوات والأرض هو أبونا. لقد ثبت الرَّسُوْل في محبَّة الله، وأكرم القادر على كلِّ شيءٍ بإيمان مُطْلَقٍ، في جميع ظروف حياته.
كيف حصل بُوْلُس على هذا اليقين النَّاقل جبال الذُّنوب، والمُقيم ملايين الأموات في الخطايا؟ لقد صار صليب المسيح له برهان محبَّة الله، وأدرك في المصلوب أنَّ لُطف القُدُّوْس قد فاض علينا، لأنَّه بذل ابنه الوحيد كفَّارةً عن خُبثنا، لكي لا يهلك كلَّ مَن يؤمن به.
أجَل، لقد وهبنا الله، نحن العصاة المعتدين، قلبه وسماءه ومجده في مجيء ابنه. فلا توجد بركةٌ في السَّماوات إلاَّ وقد قدَّمها لنا في المسيح، لأنَّه أعطانا به كلَّ شيءٍ. فأين سجودك، وتسليمك المُطْلَق له؟
8: 33 مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ. اَللَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ. 34 مَنْ هُوَ الَّذِي يَدِينُ. اَلْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي مَاتَ بَلْ بِالْحَرِيِّ قَامَ أَيْضًا الَّذِي هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ الَّذِي أَيْضًا يَشْفَعُ فِينَا.
قد تظنُّ أنَّ الخلاص والوعود تخصُّ القِدِّيسين والنَّاضجين في الإيمان، أمَّا أنا فمُبتدئٌ وفاشلٌ ومتقلقلٌ ونجسٌ. صه، واسمع حُكم الله عليك. لقد جعلك الله بارّاً مُبرَّراً، ليس لصلاحك ونجاحك، بل لأنَّك آمنتَ بالمصلوب، واتَّحدْتَ به، وتتوقَّع منه وحده قُوَّة الخلاص.
لعلَّك أصغيت قليلاً لوسوسات الشَّيْطَان، وهو يوهمك أنَّ سكوتك كان بإرادة الله. كلاَّ، يقول الرُّوْح القُدُس، ويُعزِّيك بتأني الله، ويرسم لك المسيح مصلوباً أمام عينيك، ويُذكِّرك بقيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، لتتأكَّد أنَّ المصالحة قد تمَّت، وأنَّ الله قَبِلَ الصلح. إنَّ هذا الظَّافر قاهر الموت قد صعد إلى السَّماء، وهو يتوسَّط من أجلك أمام عرش النِّعْمَة، ويُشركك في حقِّ البِرِّ بدمه. فلك وسيطٌ شفيعٌ عند الله، ولستَ وحيداً أيُّها الأخُ العزيز، لأنَّ رحمة الله معك، وهدفها فداؤك وليس هلاكك. إنَّ المسيح هو ضامن خلاصك.
هل تخاف مِن الموت؟ إذاً تذكَّر أنَّ يسوع قد قهر الموت، وقام حقّاً، وأبرز حياة الله أمام أعيننا. هل تجدَّدْتَ؟ اعلم إذاًَ أنَّ حياة الله الأَبَدِيَّة ساكنةٌ فيك، بفضل محبَّته الَّتِي لا تسقط أبداً. فالموت لا يستطيع أن يفصلك عن الثَّالُوث الأَقْدَس.
8: 35 مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ. أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ. 36 كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ. 37 وَلَكِنَّنَا فِي هَذِهِ جَمِيعِهَا يَعْظُمُ انْتِصَارُنَا بِالَّذِي أَحَبَّنَا.
لم يكن بُوْلُس شاعراً متخيِّلاً حين وصف لنا سلسلة الضِّيقات الَّتِي اجتازها، بمختلف أنواعها. فشهد لنا أننا سنتألَّم في سبيل المسيح، لأنَّ الإيمان بالآب والابن والرُّوْح القُدُس لا يَضمن لنا أمناً دنيويّاً، ولا رفاهيةً، كما ترى ذلك في سيرة يسوع المولود مِن الرُّوْح القُدُس، لأنَّه صُلب على أيدي من استحوذ عليهم روح هذا العالم. اختبر بُوْلُس الفقر والغنى، المرض والضعف، الخطر والاضطهاد، الإِخْوَة الأعداء، وخطر الموت غرقاً. لكنَّ هذه كلّها كانت أموراً ثانويَّةً له، لأنَّه عرف محبَّة المسيح وعنايته، واعتبرهما أعظم مِن كل تجارب اليأس. هكذا سيظهر إيمانك ظافراً، حتَّى في أسوأ الضِّيقات، وفي ساعة موتك، لأنَّ الرُّوْح القُدُس يبثُّ فيك الإيمان، إلى أن تتغيَّر عن شكلك، وتدخل مدرسة الله لتتعلَّم الوداعة والاتِّكال والحمد في الضِّيقات، فتصير كحمل لله تابعاً المسيح، فتحتمل كلَّ شيءٍ بدون تذمُّرٍ، وتموت عن شرفك واستكبارك، ولا تعتبر تجريحات أقربائك مُهمَّةً، بل تفرح، وتنتظر، وتصبر في قوَّة ربِّك.
لا تستطيع جميع الضِّيقات والتَّجارب أن تفصلنا عن يسوع، لأنَّ الضّيقات تُعلِّمنا الانتباه إلى الكلمة. عِنْدَئِذٍ نشتاق إلى ربِّنا بسوع الَّذي سبقنا إلى الآب. وهو يفهمنا، ولا يتركنا، بل يُرافقنا ويُقوِّينا. فنبصر محبَّته العظيمة، ونكرمه بتأنٍّ وشُكرٍ ولُطفٍ. فمحبَّة المسيح تقودنا إلى انتصارٍ ساحقٍ، فنخدم مسرورين وسط الضِّيقات والدُّموع.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوْس، أنت أبي، وابنُك شفيعي اليوم وفي الدَّيْنُوْنَة الأخيرة، وروحُك القُدُّوْس ساكنٌ فيَّ ويُعزِّيني. فأسجد لك أيُّها المحبَّة الكائنة في الآب والابن والرُّوْح القُدُس، وأومن بأنَّني لن أموت، لأنَّك تُحيطني ، وتحفظني، وتحميني بمحبتك ورعايتك وحنانك، وتُجدِّدني. نجِّني يا ربّ مِن التجارب، كي لا تفصلني خطيئةٌ عنك، ولا تتزعزع محبَّتنا لك مع جميع القدّيسين في العالم.
السُّؤَال:
15- كيف يتغلَّب المَسِيْحِيّون على الضيقات؟
8: 38 فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبِلَةً 39 وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا
كان بُوْلُس متيقِّناً ألاَّ شيء دنيوي، أو روح أخروي، يقدر أن يفصله عن محبَّة الله الظَّاهرة في المسيح يسوع. بهذه الجملة العظيمة الحاسمة يختم بُوْلُس الجزء العقائديَّ مِن رسالته إلى رُوْمِيَة. فلم يكن يقينه مجرَّد تفكير أو تحليل، بل كان اختباراً عميقاً، مِن آلام وصراعات كثيرة مبنيَّة على شهادة الرُّوْح القُدُس في قلبه. لا يقول بُوْلُس: “إن شاء الله سيكون الله معي”، بل يعترف بكلّ ثقة أنَّ معرفة محبّة الله في المسيح أعطته اليقين للاعتراف بأنَّ هذه المحبّة لا تسقط أبداً. فأمانة الله لا ريب فيها.
لم يتكلم بُوْلُس عن محبَّة إنسانيَّة، ولا عن الله الحنون المُحبّ، بل رأى الآب بواسطة الابن، ولم يعرف طريقاً إلى الله إلاّ بالمسيح. فمنذ تجسّد ابن الله نعلم مَن هو العلي أبونا. ومحبَّته الأبويَّة ليست عطفاً بشريّاً، بل إنَّ القُدُّوْس قد ضحَّى بابنه لأجل النَّجسين، كي لا نشكّ في رحمته، بل نتأكَّد أنَّه يدعونا إلى عهده، وإلى التَّبني لأجل سفك دم ابنه. فلأجل الصَّلِيْب كان بُوْلُس متيقِّناً أنَّ محبَّة الله لا تسقط أبداً.
أمَّا الشَّيْطَان فهو حقيقةٌ، والَّذي يُنكر وجوده لا يَعرف حالة الكون. لقد أبصر بُوْلُس قوىً روحيَّةً عديدةً مستعدَّةً للتَّخريب في الدُّنيا والآخرة. ولم يواجه شبح الموت مراراً فحسْب، بل صارع أيضاً ملائكة الظُّلمة، وجاهد بصلواته ضدَّ جنون جهنَّم، حتَّى قال: لو هاجمتني جهنَّم والسَّماء معاً، فمحبَّة الله في المسيح لا تتركني أبداً. ولن تقدر جميع القوى المعادية لله أن تتمكَّن منِّي أبداً، لأنَّ دم المسيح الأزلي قد قدَّسني.
كانت لبُوْلُس موهبة التَّنبؤ. فرأى المخرِّبَ الكذَّابَ القاتلَ يُهاجم الكنيسة، ولكنَّه لا يقدر عليها، لأنَّها في المسيح، ولا يقدر أحدٌ أن يخطفها من يده.
وحتَّى النَّاموس (الشريعة) لا يقدر أن يزعزع إيمان الرُّسُل، لأنَّهم ماتوا مع المسيح على الصَّلِيْب، وهو عائشٌ فيهم، ويحفظهم. وسيكون المؤمن، في الدَّيْنُوْنَة الأخيرة، محفوظاً، لأنَّ المسيح لا يزال المنتصر الأمين.
وهكذا نقول لك أيُّها الأخ العزيز، استودع روحك وجسدك ونفسك كاملةً في محبَّة الله، وتمسَّك بالثالوث الواحد الأقدس، يُكتب اسمك في سفر الحَيَاة، وتثبت في بنوَّة الله إلى الأبد.
لاحظ أنَّ بُوْلُس لم يكتب نشيد الحمد على أمانة محبة الله بصيغة المتكلَّم المفرد، بل ختم كلماته بصيغة “نحن”، فشمل جميع المؤمنين في روما، وكنائس حوض المتوسِّط. إنَّ شهادة إيمانه تشملنا نحن أيضاً، إن قَبِلْنا غسل الدِّماغ في الأَصْحَاح السَّابق. عِنْدَئِذٍ لا نشخص لما يظهر قويّاً وعظيماً في هذه الدُّنيا، بل نلتصق بمحبَّة الله الظَّاهرة في المسيح يسوع.
إنَّ الكلمة الأخيرة “ربّنا” الَّتِي يختم بها بُوْلُس نشيده، تؤكِّد لنا مِن جهةٍ أُخرى أنَّ الظَّافر على الجلجثة هو ربُّ الأرباب، الَّذي نجد في سلطانه ضمان حمايتنا. إنَّه يبسط ذراعيه لنا، ولا يتركنا، لأنَّه يُحبُّنا.
الصَّلاَة: يا يسوع، يعجز كلامي عن شُكرك. لقد خلَّصتَني فصرتُ خاصَّتك. املأني بمحبَّتك، لتصبح حياتي رسالة الحمد لقوَّتك، وأُسبِّحك في يقين الإيمان مؤمناً ألاَّ شيء يفصلني عنك، لأنَّك أمينٌ. وكما أنت جالسٌ عن يمين الآب، وهو فيك، وأنت فيه، هكذا ثبِّتْني في بِرِّه، كي لا يفصلني شيءٌ عن الآب والابن والرُّوْح القُدُس. آمين.
السُّؤَال:
16- لماذا ابتدأ بُوْلُس جملته الأخيرة بصيغة المتكلّم المفرد، ثم ّ ختمها بصيغة “نحن”؟
المُسَابَقَة الثَّانية في رسالة رُوْمِيَة
أيُّها القارئ العزيز،
إذا أحببت أن تتعمَّق في كلمة الرَّبّ، وتنال جائزةً مِن كتبنا، فأجب عن عشرة فقط مِن الأسئلة التَّالية:
1- ماذا تعني المعموديَّة؟
2- كيف صُلبنا مع المسيح، وقُمنا في حياته؟
3- كيف نُقدِّم نفوسنا وأعضاء أجسادنا أسلحة برٍّ لله؟
4- ما هو الفرق بين العبودية للخطيئة والموت مِن جهة، ومحبَّة المسيح مِن جهة أخرى؟
5- لماذا تحرَّر جميع المؤمنين مِن مطالب العهد القديم؟
6- كيف يصبح النَّاموس الصالح لنا سبباً للشَّر والموت؟
7- بماذا اعترف بُوْلُس عن نفسه، وماذا يعني هذا الاعتراف لنا؟
8- ما معنى الجملة الأولى مِن الأَصْحَاح الثامن؟
9- ما هما الناموسان اللذان قارن الرَّسُوْل أحدهما بالآخَر، وما هي معانيهما؟
10- ما هو اهتمام الإنسان الرُّوْحِيّ، وما هو إرث الجسديين؟
11- ماذا يَمنح الرُّوْح القُدُس المؤمِنين بالمسيح؟
12- ما هو الاسم الجديد لله الَّذي يعلِّمنا إياه الرُّوْح القُدُس، وما معناه؟
13- مَن هم الَّذين يتألَّمون بالنِّسبة لمجيء المسيح، ولماذا؟
14- لماذا تعمل جميع الأشياء معاً للخير للَّذين يُحبُّون اللهَ؟
15- كيف يتغلَّب المَسِيْحِيّون على الضيقات؟
16- لماذا ابتدأ بُوْلُس جملته الأخيرة بصيغة المتكلّم المفرد، ثم ّ ختمها بصيغة “نحن”؟
نِداءُ الرَّجَاء CALL OF HOPE P.O.BOX 1018
7000 STUTTGART 1 / P. O. Box 1018
(WEST GERMANY)