
التَّمهيد لرسالة فِيْلِبِّي الجزء الأول (فِيْلِبِّي 1 – 4)
| 1:1 | 1 – التَّحيَّات والبرَكة الرَّسُولية (فِيْلِبِّي1: 1- 2) |
| 2:1 | تكملة |
| 3:1 | 2- صلاة الرَّسُول لأجل الكَنِيْسَة (فِيْلِبِّي 3:1-11) |
| 7:1 | تكملة |
| 12:1 | 3- حالة الرَّسُول بُولُس في السجن وانتشار الإِنْجِيْل في روما (فِيْلِبِّي 1: 12- 26) |
| 18:1 | تكملة |
| 21:1 | تكملة |
| 27:1 | 4- نصائح للوحدة والتَّوَاضُع (فِيْلِبِّي 1: 27-2: 18) أ- السُّلوك حسب الإِنْجِيْل (فِيْلِبِّي 1: 27-30) |
| 1:2 | ب- لاَ بُدَّ مِن الوحدة في الكَنِيْسَة (فِيْلِبِّي 2: 1- 4) |
| 5:2 | ج- المَسِيْح قدوتنا الحقيقيَّة (فِيْلِبِّي 2: 5- 11) |
| 9:2 | تكملة |
| 12:2 | د- خضوعنا لمشيئة اللّه يُطلِقُنا للعمَل بنشاطٍ (فِيْلِبِّي 2: 12- 18) |
| 14:2 | تكملة |
| 16:2 | تكملة |
| 19:2 | 5- الأخبار عن أسفار تِيْمُوْثَاوُس وأَبَفْرُودِتُسَ (فِيْلِبِّي 2: 19 -30) |
| 25:2 | تكملة |
| 1:3 | 6- جواهر إيماننا الغنيّة (فِيْلِبِّي 3: 1-4: 9) أ- وجودنا في المَسِيْح أبطل برّ الشَّريعَة (فِيْلِبِّي 3: 1-11) |
| 2:3 | تكملة |
| 4:3 | تكملة |
| 8:3 | تكملة |
| 12:3 | ب- سباق المتبرِّرين إلى الكمال (فِيْلِبِّي 3: 12-16) |
| 17:3 | ج- رجاؤنا المجيد يشمل أجسادنا أيضاً (فِيْلِبِّي 3: 17-21) |
| 20:3 | تكملة |
| 1:4 | د- الثَّبَات في المَسِيْح يأتي بالوحدة والتَّوَاضُع (فِيْلِبِّي 4: 1-3) |
| 4:4 | هـ – الوصيَّة بالفرَح الدَّائِم (فِيْلِبِّي 4: 4-6) |
| 7:4 | و- سلام اللّه يحفظنا في فضائله (فِيْلِبِّي 4: 4-9) |
| 8:4 | تكملة |
| 10:4 | 7 – شكر الرَّسُول لِلْهِبة الماليَّة (فِيْلِبِّي 4: 10-20) |
| 14:4 | تكملة |
| 21:4 | 8- خَتم الرِّسَالَة بالنِّعْمَة (فِيْلِبِّي 4: 21-23) |
التَّمهيد لرسالة فِيْلِبِّي
كتب بُولُس رسول الأمم هذه الرِّسَالَة الفائضة بالفرح إِلَى أهل الكنيسة في مدينة فِيْلِبِّي المكدونيَّة سنة 62 بعد الميلاد، عندما كان سجيناً في روما، مضيَّقاً عليه ومحبوساً مِن أجل اسم المَسِيْح، لشكاية اليهود ضدَّه، ومنتظراً محاكمته النِّهائية أمام القيصر، الَّتي ستقرِّر حياته أو موته. وفي غمرة هذا التَّوتر العصبي، وفي انتظار الحكم الفاصل، اختبر الرَّسُول قرب المَسِيْح وقوَّته المعزية، حتى عزى هو أصدقاءه ودعاهم إلى الفرح الإلهي الفائق.
وكانت غاية بُولُس مِن هذه الرِّسَالَة إظهار محبَّته وشكره للمؤمنين في فِيْلِبِّي، لأجل الهبة المالية الكبيرة، الَّتي قدَّموها له ليخفِّفوا ضيقه. لأنَّ وجوده في السِّجن منعه مِن العمل بيديه لسدِّ حاجاته. فبِفَضْلِ هذه البادرة الطَّيبة، كتب الرَّسُول هذه الرِّسَالَة الممتلئة بالفرح، وقوَّى بها المضحِّين في الكَنِيْسَة، مُظهراً لهم عواطفه، ومفيضاً عليهم لطف اللّه، وطالباً لأجلهم مزيداً مِن بركة القدير ومعرفته.
لقد أسَّس الرَّسُول هذه الكَنِيْسَة في جولته التَّبْشِيرِيَّة الثَّانية، كأوَّل كَنِيْسَة في أوروبا. واختبر خلال تأسيسها اضطهاداً وآلاماً عنيفة في السجن هناك. ولكن الرَّبّ بارك رسوله، ومنحه باكورةً شهيَّةً، وهي التَّاجرة لِيدِيَّةُ والسجان، اللَّذان أصبحا مِن أركان الكَنِيْسَة الحيَّة.
وفرح الرَّسُول خاصّة، لأنَّ جميع أعضاء الكَنِيْسَة في فِيْلِبِّي اشتركوا في نشر الإِنْجِيْل منذ بداية إيمانهم، ورافقوا رحلات الرَّسُول بصلواتهم، وموّلوا خدماته بتبرعاتهم رغم الاتّهام والضغط عليهم في بلدتهم الخاصة. فشجَّعهم الرَّسُول الأسير المربوط بسلاسل بيد أحد حراسه، وأثَّرت بشارته قولاً وسلوكاً في الجند، حتّى آمنوا بالمَسِيْح وتجدَّدوا. وبلغ هذا الخبر بيتَ القيصر. فاهتمّ البعض بالسجين وإِنْجِيْله، ومالوا إلى المخلِّص، وأفراد منهم أصبحوا قدّيسين.
وسمع الرَّسُول في سجنه أن كَنِيْسَة فِيْلِبِّي كانت عرضة لتجارب متنوعة؛ حيث كانت مدينة فِيْلِبِّي مركزاً للعسكر الروماني في الجبال اليونانية، ليس بعيداً عن تسالونيكي.
والفرح في الرُّوح لم يمنع بُولُس مِن أن يحذِّر كنيسته المحبوبة مِن خطر الانشقاق، الَّذي يتبع المشاريع المبنية على الكبرياء. فدلَّهُم على سيرة المَسِيْح المركَّزة على التَّوَاضُع وبَذل النفس، لكي يتعلَّم كلّ عضو أن يتواضع مثله، ويعتبر نفسه أصغر جميع الإخوة.
وكان ثمَّة خطرٌ آخر مُقبلاً على الكَنِيْسَة، وهو تعليم الختان وحِفظ السَّبْت، كأنَّ الإنسان يستطيع أن يضيف شيئاً إلى نِعمة المَسِيْح مِن خلاله جهوده الشَّخْصِيّة، ليتقدّس إلى التمام. فحذَّرهم بولس بشدَّة مِن الفهم الخاطئ للكمال، وأراهم ينابيع سرمدية للتَّغلُّب على الذَّات والفرح الحقيقي، كي يَثبتوا في الرَّبّ وفي قدرته الفادية.
وأراد بُولُس أن يرسل إلى كَنِيْسَة فِيْلِبِّي مرّ َةً أخرى تِيْمُوْثَاوُس لتقوية المُؤْمِنِيْن. وكان هذا الشاب، بعد طرد الرَّسُول، خليفته هناك، مع لوقا الطبيب، ليُعمِّقا الكَنِيْسَة في ملء كلمة اللّه، ويقوداها إلى النُّضْج في الخدمات والمحبَّة. وتمنَّى الرَّسُول أن يسمح الرَّبّ له أيضاً بزيارة كَنِيْسَة فِيْلِبِّي مرَّة أخرى، بعد إطلاقه مِن السجن. فأرسل مسبقاً أَبَفْرُودِتُسَ المرسل إليه بالهبة المالية، والَّذي كان قد شفي مِن المرض الَّذي كاد يفتك به، ليمهّد الطريق له. فيكمل فرحهم إذ يجتمعون مرَّة أخرى مبتهجين.
فاضت هذه الرِّسَالَة المكتوبة على مشارف الموت بالمحبَّة والغبطة والشُّكر، أكثر مِن جميع الرَّسَائِل الأخرى مِن يد الرَّسُول. فهي تملؤنا بفرح اللّه، وتُريحنا مِن مشاكل عصرنا، لأنَّ منها تجري قوى عظيمة، إذ عاش الرَّسُول قرب ربِّه، مفارقاً دنيانا وداخلاً الحياة الحقيقيَّة. ولعلَّ هذه الرِّسَالَة هي آخِر ما كتبه الرَّسُول إلى المُؤْمِنِيْن. فأصبح “الفرح في الرَّبّ” موضوع وختم رسائله كلّها.
| السؤال: 1. متى وأين كتب بُولُس هذه الرِّسَالَة؟ |
| 2. ما أهم الأحداث الَّتي رافقت تأسيس كَنِيْسَة فِيْلِبِّي؟ (أعمال الرسل 11:16-40). |
| 3. ما سبب وغاية هذه الرِّسَالَة؟ |
| 4. بمَ تمتاز هذه الرِّسَالَة عن رسائل بُولُس الأخرى؟ |
1 – التَّحيَّات والبرَكة الرَّسُولية (فيلبي 1: 1- 2)
1 بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ.
لم ينفرد الرَّسُول بُولُس بكتابة رسالته، بل بحثها قبلاً مع رفيقه الأمين تِيْمُوْثَاوُس. وصلّى معه لأجل الفِيْلِبِّيين، لتصبح رسالتهما مشحونة بقوَّة اللّه وبركاته. وكان تِيْمُوْثَاوُس خليفة الرَّسُول في رعاية الكَنِيْسَة والمسؤول عن مصيرها روحيّاً وإيمانيّاً.
ولم يُسمِّ أحدهما نفسَه أسقفاً أو راعياً، بل سمَّيا نفسيهما عَبْدَي يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لأنَّهما لم يَطلبا الاستكبار والتَّعالي، ولا الكتابة بأفكارهما الخاصة، بل كتبا هذه الرِّسَالَة بإرشاد روح المَسِيْح. فلم يريدا الحركة أو الكتابة مستقلَّين عنه، بل اعتبرا نفسيهما عَبْدَي يَسُوعَ الْمَسِيحِ في جميع مراحل حياتهما، حرّين كانا أم سجينَين.
وكُتبت هذه الرِّسَالَة إلى المُؤْمِنِيْن بالمَسِيْح، الَّذين حلّ فيهم الرُّوْح القُدُس. فجعلهم قدّيسين بكلّ معنى الكلمة، لا لصلاحهم الشَّخْصِيّ. بل لأجل إيمانهم باللّه الحيّ، الَّذي تعاهد وإيَّاهُم، وشملهم بلطفه، حتّى تغيّروا جميعاً إلى صورته.
وهكذا دخلوا إلى رحابه، وثبتوا في ملكوته. فأصبحوا “في المَسِيْح” واحداً في الرُّوْح القُدُس. واختبروا يومياً حمايته. فمَن يثبت في المَسِيْح يعِش كأنه في السَّمَاء، رغم المضايقات الَّتي تحيط بنا في دنيانا على هذه الأرض.كان يوجَد في كَنِيْسَة فِيْلِبِّي أساقفةٌ متواضعون وخدّام للرَّبّ، مُعيَّنين مِن الرُّوْح القُدُس للخدمات والأتعاب في الكَنِيْسَة، وكان هؤلاء مثالاً في إِنْكَار الذَّات. ولكن بالمقابل لم يَعتبر أصحابُ الرتب أنفسَهم أعظمَ وأحسنَ مِن بقية أعضاء الكَنِيْسَة، عالمين أنَّ الرُّوْح القُدُس واحدٌ والمغفرة واحدة. أمَّا المَسِيْح فيوزِّع الخدمات حسب اختياره، ويعطي المواهب لِمَن يشاء. والسِّر في سُلْطَان الأحبار هو التَّوَاضُع. كما أنَّ ذِكْرهم هُنا يأتي بَعد القِدِّيْسِيْن، حيث كان شعب الكَنِيْسَة أهمَّ مِن رعاتها.
وإن تعمَّقت في الرِّسَالَة لأهل فِيْلِبِّي، ترَ أنّ هناك كلمتين تتكرَّران، وهما “يَسُوع المَسِيْح”. وهذه العبارة ليست اسماً بل جملة تامَّة تدلّ على المعنى أنَّ يَسُوع هو المَسِيْح. فمَن هو يَسُوع؟ وما معنى كلمة “المَسِيْح”؟ إنَّ الإنسان يَسُوع وُلد مِن امرأةٍ تحت الشَّرِيْعَة، وعاش في مدينة صغيرة اسمها الناصرة في منطقة الجليل. وتعلَّّم القراءة والكتابة، واشتغل نجَّاراً إلى أن صار عمره حوالي ثلاثين سنة. وجُرّب كالبشر بتجارب عدّة ، ولكنَّه بقي بلا خطيئة. فقد كان الإنسان الوحيد القُدُّوْس الَّذي تجلّت فيه صورة اللّه. وكمالُه أثبت حقيقة عدم ولادته مِن أب دنيوي، بل مِن الرُّوْح القُدُس مباشرة؛ ولذلك استحقَّ اسم ابن العلي. وبسُلْطَان مِن أبيه السَّمَاوِِيّ قام بمعجزات كثيرة، غافراً الخطايا، ومصالحاً العالم مع اللّه أبيه. فيَسُوع هو ابن الإنسان، وابن اللّه في آنٍ واحدٍ معاً.
أمَّا لقب المَسِيْح فمعناه الممسوح بملء الرُّوْح القُدُس، أي إنَّ جميع صفات اللّه قد حلّت فيه. و قد أدرك اليهود مِن نبوات العَهْد القَدِيْم، أن اللّه سيرسل مَسِيْحه إليهم، ولكنَّهم فسّروا هذا الوحي بطريقتهم الخاصّة، كأنَّ المسيّا هو ملك سياسي منشئ دولة السَّلاَم الَّتي مركزها أورشليم، ومقيم الموتى والآتي بالسَّمَاء إلى الأرض.
ولكن عندما دعا يَسُوع اليهود إلى التَّوْبَة، ولم ينصرهم على الرومان، ولم يُنكر بنوَّته للّه، سلَّموه للصَّلب. أمَّا المَسِيْح فغلب الموت، وقام مِن القبر، وصعد إلى السَّمَاء وجلس عن يمين الآب، وأرسل قوَّة الرُّوْح القُدُس إلى جميع المُؤْمِنِيْن به.
وهكذا دعا مختاريه مِن العالم، وعانقهم كيلا يكونوا منعزلين فيما بعد، بل “في المَسِيْح يَسُوع”. فاسمه يعني قوَّة روحيَّة عظيمة تشملنا وتحملنا وتضمننا. ومَن يختبر هذا السرّ في حفظ المَسِيْح يَسجد له. ويعتبر نفسه عبداً لمحبَّته، كما قال بُولُس وتِيْمُوْثَاوُس عن نفسيهما. فهل أنت ثابتٌ في المَسِيْح يَسُوع وجاعلٌ مِن نفسك عبداً لرحمته؟
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ المنتصر. نسجد لك، لأنَّك دعوتنا مِن عالم الخطيئة بواسطة رسلك الكرام، لندخل إلى رحابك. ونثبت في قدرتك. ونختبر حماية اسمك. اغفر لنا ذنوبنا. واجعلنا قدِّيسين بلا لوم قدَّامك في المحبَّة. آميـن.
السؤال: 5. ماذا تعني العبارات “يَسُوع المَسِيْح” و “في المَسِيْح” و “عَبد المَسِيْح” ؟
1 – التَّحيَّات والبرَكة الرَّسُولية
(فِيْلِبِّي1: 1- 2) – تكملة
2 نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللَّهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
بعد التَّحية الافتتاحية، أفاض الرَّسُول بركته على الرَّعية كخلاصة تعليمه وقوَّته. فمَن يضع نفسه تحت هذه البركة الرَّسُولية ويتمسّك بها، لا يبقَ إنساناً عادياً فيما بعد، بل يتغيَّر، ويتبرَّر، ويمتلئ نعمة وحقّاً. ويثبت في سلام مع اللّه.
فالنِّعْمَة في العَهْد الجَدِيْد تعني محبَّة اللّه المستمرّة الشرعيّة للآخرين غير المستحقّين بنظرنا. فهذه النِّعْمَة تتوقف على الصَّلِيْب، لأن بدون موت المَسِيْح نيابة عنا لا توجد نعمةٌ حقَّة، ولا يحق لِلَّهِ أن يُنعم علينا، بل لمتطلبات قداسته ينبغي أن يهلكنا. ففي المَسِيْح ابتدأ عصر النِّعْمَة. وصارت رحمة اللّه حقّاً شرعيًّا لكل مؤمن به.
والسَّلاَم مع اللّه هو ثمر المصالحة المبني على مصالحة يَسُوع. فمَن يقبل موته النيابي عن البشر، يحلّ فيه روح اللّه، الَّذي هو السَّلاَم نفسه. لأن ليس في اللّه اضطراب أو خصام، بل مسرَّة ومحبَّة ووحدة. فجميع المَسِيْحِيِّيْنَ المولودين ثانيةً مِن الرُّوْح القُدُس يشتركون في هذه الصِّفة الإلهيَّة، السَّلاَم. كما أنّ أوَّل كلمة قالها المَسِيْح بعد قيامته هي: سلامٌ لكم.
فإيمانُنا كلُّه يتعلَّق بهاتين الكلمتين: النِّعْمَة والسَّلاَم. ومَن يَثبت في هذه الحقائق الإلهيَّة، يتجرّأ ويَدْعُ اللّهَ أباه. وهذا الاسم الفريد هو محور الإِنْجِيْل كلِّه، متضمّناً الجواب الصَّحيح لأسئلة الأديان والفلسفات جميعها. فلم يبقَ اللّه مُهلكاً غاضباً بعيداً مجهولاً، بل أعلن نفسه في المَسِيْح كمحبَّة سرمدية. فلا نعرف اللّه إلاَّ بتجسُّد المَسِيْح الَّذي يريد أن يكون لأبيه أولاد كثيرون يسلكون في فضائله، ليتقدّس اسم الآب عملياً. فهل أصبحت مِن أبنائه مولوداً مِن روح محبته؟
والمَسِيْح هو الرَّبّ الحيّ، الجالس عن يمين الآب، المالك معه الكون كلَّه في وحدة أبدية. وهو رأسنا، فنحن له وهو لنا. وهكذا نسلّم أنفسنا له طوعاً، لأنَّه بذل ذاته فدية عن كثيرين. وأتمَّ الخلاص. فدُفع إليه كلّ سُلْطَان في السَّمَاء وعلى الأرض. وكلّ مَن يؤمن ويلتصق به، يشترك في نشر اسمه وملكوته، وينتظر مجيء الرَّبّ في المجد، لينشئ مملكة السَّلاَم على أرضنا القلقة.وإن درست الكلمات الافتتاحية لرسالة بُولُس إِلَى أَهْلِ فِيْلِبِّيْ، تَكُن قد أمسكت بمفتاح رسالة الفرح كلّها.
الصلاة: أَيُّهَا الآبُ، نعظّمك لبحر محبَّتك. فبركتك قرَّبتنا منك. وموت ابنك كفَّر عن خطايانا. وروحك القُدُّوْس يقدِّسنا إلى التمام. فنسجد لك ولابنك. ونلتمس منك الامتياز أن نشترك في نشر ملكوتك، ليتقدّس اسمك الأبوي. ويخلص كثيرون مِن عالم الفساد. آميـن.
السؤال: 6. ما هي المعاني البارزة في البركة الرَّسُوليَّة؟
2- صلاة الرَّسُول لأجل الكَنِيْسَة
(فِيْلِبِّي 3:1-11)
3 أَشْكُرُ إِلَهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ
4 دَائِماً فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّماً الطِّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ،
5 لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ.
6 وَاثِقاً بِهَذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحاً يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
كان بُولُس إنساناً مصلّياً في سُلْطَان الرُّوْح القُدُس. ففاض مِن فمه الشكر والتسبيح لأجل نعمة اللّه المعطاة لأهل فِيْلِبِّي. إنَّ القُدُّوْس نفسه حضر في كنيسته وسط الدنيا المضطربة. وهذه هي المعجزة الكبرى في زمننا اليائس، أن اللّه العظيم يحلُّ في المُؤْمِنِيْن الممسوحين بالرُّوْح القُدُس. فهل تحمده لهذا الامتياز، وتُقدِّم له الشكر على الدَّوام؟
ذكر بُولُس في صلاته كلّ عضو في كَنِيْسَة فِيْلِبِّي، وابتهل لأجلهم فرداً فرداً بالأمانة في أدعيته اليومية، وسبّح الآب السَّمَاوِِيّ لأجل عمل روحه المتشابك في الجميع. إنَّ الكَنِيْسَة الخالية مِن الابتهال المتبادل تموت. فأوَّل ما نلاحظه في رسائل الرَّسُول بُولُس هو دائماً الصَّلاَة، وبعدئذ التَّعليم. هذا النّظام يغيِّر دروسنا وتقوانا مبدئياً، لأن ليس العلم والفكر والعقائد أساس الكَنِيْسَة، بل الشكر والابتهال والصَّلاَة للرَّبّ الحيّ، لأنَّه هو العامل والمعطي. فلا حركة روحيَّة إلاّ به.
وقد سمع أهل فِيْلِبِّي بشارة الخلاص وآمنوا بها إيماناً مسلِّماً. ولم يسترخوا بعدئذٍ كسالى في أفراحهم، متَّكلين على معرفة خلاصهم؛ بل انتعشوا وتحركوا وتقدموا إلى الآخرين، وأشركوهم في قوة الإِنْجِيْل. ورافقوا الرَّسُول بُولُس واجتهاداته بصلواتهم وتبرُّعاتهم المستمرّة. فقوّة الإِنْجِيْل تجعلنا عبيد محبَّة المَسِيْح، لا منتفخين بالعلم الجاف.
كان أعضاء كَنِيْسَة فِيْلِبِّي مبتدئين في الإيمان والمحبة والرَّجَاْء. ولكن حيث يستسلم الأفراد للمَسِيْح وكلمته، فهو الشفيع ويتم خلاصه فيهم. هل وضعت يدك في يد المَسِيْح لعهدٍ أبديّ؟ عِِنْدَئِذٍ يظلّ هو أميناً لك، ويغيِّرك إلى صورته في التَّوَاضُع وإِنْكَار الذَّات والفرح والسّرور.
وعِِنْدَئِذٍ تترقَّب أهمّ يوم في التَّاريخ، إذ يأتي الفادي المجيد ليجتذب كنيسته إليه. فمجيء المَسِيْح هو الهدف الوحيد لحياتنا. عِِنْدَئِذٍ تَظهر صحّة ديننا، ويتجلّى الجوهر الموهوب لنا مِن أبينا السَّمَاوِِيّ، علماً أنَّ ذلك اليوم ليس يومنا بل يوم يَسُوع المَسِيْح، الَّذي أخلى نفسه، وصار إنساناً لخلاصنا. وصُلب محتقَراً، فأعطاه اللّه اسماً فوق كل اسم، لتجثو كل ركبة ليَسُوع لأنه الرب نفسه.
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح. نُسبِّحك لأنك اشتريتنا بدمك الثمين مِن عبودية الخطيئة في العالم الشرير، ودعوتَنا إليك بكلمتك الخالقة. اغفر لنا برودة قلوبنا وإسكات صوت الضَّمِيْر فينا. واملأنا بروح محبتك لنسابق بعضنا بعضاً في الإحسان والتبشير والتبرعات، لنشر ملكوتك، معدّين طريقك. تعال أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع، ليعظم اسمك في يومك المجيد.آميـن.
السؤال: 7. ما هو مضمون صلاة بُولُس لأجل أهل فِيْلِبِّي الأحِبَّاء؟
2- صلاة الرَّسُول لأجل الكَنِيْسَة
(فِيْلِبِّي 3:1-11) – تكملة
7 كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هَذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ.
8 فَإِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
9 وَهَذَا أُصَلِّيهِ، أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضاً أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ،
10 حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ،
11 مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللَّهِ وَحَمْدِهِ.
لا تُعْنَى كَنِيْسَة المَسِيْح الحيَّة، خلال اجتماعاتها، بما يرتديه أعضاؤُها مِن أزياء جديدةٍ. ولا مكان فيها لعرض الوجوه المتفاخرة، ولا لإعطاء الأذهان فرصة أثناء الوعظ للتفكير بما قد أعدّته الزَّوجات مِن طعامٍ لذيذٍ، وما إلى ذلك مِن أُمورٍ دنيويَّةٍ تافهةٍ. بل الكَنِيْسَة الحية هي شركة القِدِّيْسِيْن العاملين في المحبَّة، المتسابقين في الاحترام والتَّعَاوُن والتَّضْحِيَة.
حمل بُولُس جميعَ أعضاء رعيته في أحشاء قلبه، لأنَّ له قلباً أبوياً واسعاً،ً وطاقةً دائمةً للاحتمال، فقد انسَكَبَت محبة اللّه في ذهنه.
ولم يستَحِ أعضاءُ رعيته به حين أُلْقِي في السجن، بل حملوا عوضاً عنه إِنْجِيْل الخلاص بجرأة وجسارة إلى محيطهم، عالمين أنَّ بُولُس قد سُجن لأجل الدفاع عن الإِنْجِيْل الصحيح، وللشهادة أمام الملوك، وحتّى القيصر نفسه. فلم يخافوا رغم الاضطهاد، إنَّما اشتركوا جميعاً في الشَّهَادَة والصَّلاَة لنشر بشرى السَّمَاء. وهكذا برهنوا على أنَّهم شركاء في النِّعْمَة والقوَّة الإلهيّة. فالَّذي يَنقل الإِنْجِيْل لا يُبشِّر بتعليم فقط، بل يقدّم قوَّة العلي للآخرين. فمَن يؤمن يخلص. ومَن يعترف بيَسُوع، يُسَرّ في مسرّته.
واشتاق الأسير بُولُس إلى رؤية شركائه الأحبّاء، وإلى المساهمة معهم في دمة الرَّبّ، لأنَّ فيه كانت تكمن المشاعر والدوافع نفسها الَّتي أنزلها المَسِيْح سابقاً مِن السَّمَاء، وهي المحبَّة الإلهيَّة والرثاء والرحمة. فكأنّه وهو داخل المَسِيْح وبأحشاء رأفته أحبَّ زملاءه.
ونابَ بُولُس، في عزلته الَّتي لم تسمح له بالاشتراك في الجهاد الروحي، عن شهود الخلاص، مصلياً لأجلهم أمام عرش النِّعْمَة بحرارة وقوَّة، أن يمنحهم الآب السَّمَاوِِيّ أهمّ شيء في التبشير: وهو الامتلاء بالمحبَّة المقدَّسة، فينموا في قوَّة معرفة اللّه، ويحصلوا على موهبة تمييز الأرواح والأحوال، ويستطيعوا كأطباء ماهرين أن يعالجوا أخطاء الضّالين، ويبنوا خلاصهم، بلياقة وشعور لطيف.
وكان لتفكير الرَّسُول هدف واحد كشعار رئيسي لحياته، وهو مجيء الرَّبّ الَّذي أعطى كلماته وصلواته توجيهاً أبديّاً. وفي هذا الرُّوح تأكَّد أنَّ المَسِيْح نفسه سيُخلِّص كنيسته، ويعمل فيها ويحفظها ويُكمِّلها ليجعلها تثمر؛ لأنَّ الفضائل الروحيَّة المطلوبة منَّا تنضح منه شخصيّاً. وكما يُحرِّك الرَّأسُ أعضاء الجسد، هكذا يُرشد المَسِيْح المُؤْمِنِيْن به إلى خدمات لطفه، ليعظم حمد اللّه ويتقدّس اسمه الأبوي. فهل أنت عضوٌ في جسد المَسِيْح، مجتهدٌ في كنيستك، أم تراك تهدر وقتك خارج الرحاب المقدّسة؟
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، أنت رأسنا ونحن أعضاؤك. املأنا بصدق محبّتك، وأنرنا لمعرفة مشيئتك في جميع أحوال حياتنا، كيلا نخاف مِن السجون والاضطهادات لأجل إِنْجِيْلك، بل نمتلئ فرحاً ويقيناً بأنَّك آتٍ عن قريب لتخليص العالم القلق. تعال أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع.
السؤال: 8. كيف أحبَّ بُولُسُ الرَّسُول أهلَ فِيْلِبِّي؟ وماذا صلّى لأجلهم؟
3- حالة الرَّسُول بُولُس في السجن وانتشار الإِنْجِيْل في روما
(فِيْلِبِّي 1: 12- 26)
12 ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الإِنْجِيلِ،
13 حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلاَيَةِ وَفِي بَاقِي الأَمَاكِنِ أَجْمَعَ.
14 وَأَكْثَرُ الإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلاَ خَوْفٍ.
15 أَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيحِ، وَأَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ مَسَرَّةٍ.
16 فَهَؤُلاَءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ لاَ عَنْ إِخْلاَصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقاً.
17 وَأُولَئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ.
18 فَمَاذَا. غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهَذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضاً.
شكر الرَّسُول السجين ربَّه لأجل مؤمني فِيْلِبِّي، واشتاق إليهم، وصلّى لأجلهم بحرارة وأمانة. ورغم قيوده بقي مبشِّراً، ولم يهمل النَّاس في محيطه القريب. فكان شاهداً للمَسِيْح في السجن داخل المعسكر. وعرف حرَّاسُه مِن تصرُّفاته وطول أناته صورة المَسِيْح ونوعيَّة تبشير جديدة؛ حيث كان تحت ضبط فرقة جنود القيصر المختصّ بحماية الإمبراطور، فقاد بُولُس بعضهم إلى تفكير جديد، هو أنَّ يَسُوعَ المَسِيْح مُخلِّصُ البشَر وربُّ العالمين، الَّذي ملكوت محبَّته أعظم مِن محاكم الدنيا قاطبةً.
وكان الشَّيْطَان يقصد أن يعزل بُولُس ويُبطل شهادته، عندما أخذه مِن حرّيته الجزئية، إذ كان مراقباً في بيته، وغير مسموح له بالخروج منه، ونقله إلى داخل الثكنة، فانفصل عن أصدقائه وعن العالم. ولكنَّ المَسِيْح استخدم وجود بُولُس في مركز السلطة، شهادةً خارقةً للكثيرين، حتّى إنَّ بشرى الخلاص وصلَت إلى أفراد حاشية القيصر. فتيقَّنوا مِن ألوهية الإِنْجِيْل بواسطة الأسير بُولُس.
واعتبر الرَّسُول نفسَه عبد المَسِيْح وأسيره، حرّاً كان أم محبوساً. وقد أسلم نفسه له. وكانت إرادتُه مقيَّدةً في مشيئته، ولسانُه مربوطاً بروح ربِّه، وعواطفُه خاضعةً لإرشاد رأسه يَسُوع؛ فلم يولول، ولم يحزن للضيقات، بل علم أنَّ المَسِيْح كان معه في السجن، لأنَّ الرَّبّ حمل مَسْؤُوْلِيَّة حياته.
وشاء المُخلِّص، على الرَّغم مِن توقيف رسول الأمم، ، أن يستمرَّ تبشيرُ العالم الهالك. فاختار الصغار للخدمة. كما أنّه اليوم لا يدعو أساقفة ورعاة ومعلّمين للخدمة فقط، بل يدعو أيضاً إخوةً وشيوخاً وشبّاناً ممتلئين بمحبَّة المخلِّص وَمُندفعين برأفةٍ لتخليص الضَّالين.
هل دعاك المَسِيْح للخدمة وعيّنك شاهداً له عند الغوغائيين أو المتعلّمين؟ تقدَّم إليهم ولا تسكت، بل أعلِن خلاص ربّك واسمه بتواضع وحكمة في المحبّة.
لم يكن هؤلاء الشهود، في زمن بُولُس، كاملين بلا خطيئة، بل كانوا محتاجين يوميّاً إلى التَّوْبَة والغفران. ووجد بينهم الحسد وخطف الخراف والأنانية والاستكبار لأجل الأثمار الموهوبة لهم. وربَّما مال البعض إلى أفكار ناموسيّة، كالختان وحفظ السبوت. وتأثَّر البعض الآخر بالبلاغة أو العبقرية الفلسفية الفارغة، الَّتي كافح الرَّسُول ضدّها طويلاً. وهؤلاء المنحرفون فرحوا عندما سُجن بُولُس، لأنَّ الحقل صار لهم مفتوحاً، فاستطاعوا أن يُضلُّوا الناس بمبادئهم العوجاء، واستهزأوا بالأسير المُقَيَّد، قائلين: “انظروا، المَسِيْح ليس معه. وقد تركه وهو في السجن. أمَّا نحن فالرَّبّ معنا؛ وإِنْجِيْلنا هو الصحيح”.
فماذا عمل بُولُس في هذه الحالة المرهقة المؤلمة؟ لقد وثق بربّه، وأعلن خبث الحُصَّاد، وفرح رغم تخطيطهم الملتوي، لأنَّه آمن باسم يَسُوع، فوثق بالقدرة العالمة في اسم يَسُوع أكثر مِن خشيته أخطاءَ حاسديه الَّذين لم يَصلبوا حياتهم كُلِّيّاً مع المَسِيْح، ولم يُنكروا أنفسهم يوميًّا. وبُولُس لم يرفض دعوتهم، بل كان يُصلّي لأجلهم لتتقدس حياتهم كلِّيّاً وتأتي بثمر كثير.
أمَّا أصدقاء بُولُس، فأدركوا أنَّ الرَّسُول لم يُسجَن لذنْبٍ خاص، بل المَسِيْح أوقفه في هذا المكان العاري ليدافع عن حقّ الإِنْجِيْل. فأدركوا إرشاد اللّه وتقدّم ملكوته، حتّى في السجن وبيت القيصر. وتشجَّعوا بهذه البصيرة، وبشَّروا بجرأة جميع النّاس مِن حولهم. فكان فرحُ الرَّسُول مزدوجاً لسببَين: الأوَّل غيرة أعدائه، والثَّاني محبَّة أصدقائه، وهذا السَّبَبان خدَما هدفاً واحداً، هو إعلانُ المَسِيْح ملك الملوك ورَبّ الأَرْبَاب.
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، نشكرك لكل شاب وشابة وشيخ وامرأة، يشهدون باسمك جهراً ليعترفوا بك ويستسلموا لمحبتك. أرسل الكثير مِن المُؤْمِنِيْن في أيَّامنا إلى الَّذين لا يعرفونك، وإلى بلدتنا، وأعطهم القوَّة والصبر والفرح، ليحتملوا الإخوة الَّذين لا يحبّونهم. وقدِّسهم جميعاً إلى التمام، ليتجلّى لطفك في الجميع. آميـن.
السؤال: 9. لماذا فرح الرَّسُول في السجن؟
3- حالة الرَّسُول بُولُس في السجن وانتشار الإِنْجِيْل في روما
(فِيْلِبِّي 1: 12- 26) – تكملة
18 فَمَاذَا. غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهَذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضاً.
19 لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطِلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،
20 حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذَلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ.
فرِح بُولُس وسط التوتّر وتشابك الأفكار قبيل محاكمته النهائية، وتمنّى مِن ل قلبه أن يَمثُل أمام القيصر شخصيًّاً، ليعلن له اسم الرَّبّ يَسُوع غالب الموت وقاهر الشَّيْطَان. وكان بُولُس متأكّداً أنَّ نتيجة الحكم ستكون لمصلحته. لأنّه لا يمكن أن ينزل عليه حكمٌ إلاَّ بإرادة ربّه.
وعلم الرَّسُول أنَّ أهل كَنِيْسَة فِيْلِبِّي صلَّوا بأمانة لأجله. وتيقَّن أنّ الرُّوْح القُدُس شخصيًّا قوّاه، وخدمه، وأرشده، وملأه بمواهب وفرح.
وسمّى بُولُس الرُّوح الإلهي في هذه المناسبة روح يَسُوع المَسِيْح، لأنَّ وحدة الأَقَانِيْم الثلاثة لا ريب فيها. فالرُّوْح القُدُس كان صميم يَسُوع نفسه. وأدرك أنَّه لن يتركه وسط سجنه، بل هو حالٌّ فيه. فاطمأنَّ الرَّسُول، عالماً أنه لا يحدث شيء بدون علم وإرادة ربّه الَّذي هو عبده المطيع.
ولم يرجُ بُولُس، في الدَّرجة الأولى إطلاقَه مِن السجن، بل أن تثبت شهادة سلوكه بلا لوم، ولا يفشل نتيجة الضغط والتَّعذيب والمكايد، فيُقلِّل مِن مجد اسم يَسُوع. كانت له أمنيةٌ واحدةٌ، أن يُعظِّم المَسِيْح في حياته وموته. وهذا تماماً عكس الاستكبار. فماذا في نيَّتك؟ أن تُعظِّم اسمك أم اسم المَسِيْح؟ يشاء الرُّوْح القُدُس أن يقودك وجميع المُؤْمِنِيْن إلى تمجيد المصلوب الحيّ، لأنَّه هُوَ الْخَرُوفُ الْمَذْبُوحُ المستحقُّ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ.
عزم بُولُس أن يمجِّد المَسِيْح بجسده، وليس بإيمانه وأفكاره وعواطفه فقط. فكان جسده محبوساً، ولكنَّ نفسه وأفكاره كانت حرّةً في المَسِيْح طاهرةً مقدَّسةً. فلم يعتبر بُولُس جسدَه، كالفلاسفة اليونان، شيئاً ضئيلاً دنساً، بل وجد فيه وسيلة لتمجيد اللّه، حتّى كتب لأهل رومية الكلمة الشَّهيرة: “أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.”
وقد رأى بُولُس طريقتين لتعظيم المَسِيْح بجسده: بثمار حياته، وبشهادة موته. فالحياة تعني عند الرَّسُول ملء الثمار بقوَّة الرُّوْح القُدُس. واعتبر الموت تتويجاً لسيرة إيمانه بالمقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ الَّذي أقامه معه عندما اتّحد به مؤمناً. فدينُنا هو دين الحياة، ونحن لا يُخيِّم علينا تشاؤم الموت، لأنَّ المَسِيْح قد أحيانا بحياته، ففقد الموت رعبه أمامنا.
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ الحي والحاضر معنا والسَّاكن فينا. نشكرك لأنَّك لم تتركنا في ساعات الخطر، ولا تتركنا في ساعة الموت، أو عند توجيه التُّهَم الكاذبة إلينا. فلا يحدث لنا شيءٌ إلا بموافقتك. أنت ربّنا، وروحك يُعزّينا. قد أحييتَنا، فالموت لا يستطيع إلينا سبيلاً.
السؤال: 10. لماذا تيقَّن بُولُس أنَّ أيَّ حكمٍ تصدره المحكمة سيكون لمصلحته؟
3- حالة الرَّسُول بُولُس في السجن وانتشار الإِنْجِيْل في روما
(فِيْلِبِّي 1: 12- 26) – تكملة
21 لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ.
22 وَلَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ. لَسْتُ أَدْرِي.
23 فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاِثْنَيْنِ، لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً.
24 وَلَكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ.
25 فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهَذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ،
26 لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضاً عِنْدَكُمْ.
يتعلّق بعض الأشخاص بأشيائهم الدنيوية كسياراتهم أو بيوتهم مثلاً. والبعض الآخر بأولادهم أو أصدقائهم أو بأشخاصٍ يُغرَمون بهم، ويكونون هم محور حياتهم ليلاً ونهاراً.
وكثيرون يحبُّون أنفسهم وينتفخون. أما بُولُس فأحبَّ يَسُوع، وتعلّق به، ونسي ذاته. فإرادة الرَّبّ كانت هي خطَّة الرَّسُول. وقوة المَسِيْح كملت في ضعف خادمه؛ ووحدة المحبَّة بين المَسِيْح وعبده عَظُمَت بمقدار سكناه فيه. فالعَهْد الجَدِيْد ليس عقيدةً معقَّدةً، بل هو تعاهدٌ وارتباطٌ والتصاقٌ واتِّحادٌ بالمَسِيْح. فهل يَسُوع هو حياتك؟ لقد حمل خطاياك، ومات موتك، واحتمل الدَّيْنُونَة عنك، وحرّرك مِن غضب اللّه. فمحبّته لك عظيمة، حتّى إنَّه عاش تجربة حياتك البشرية بضعفاتها، وهو الإله، لتبغض خطيئتك وتتركها بسُلْطَان قوَّته، وتَثبت في الحياة المقدّسة معه.
هل يسكن المَسِيْح فيك؟ وهل ملؤهُ هو معنى حياتك؟ استطاع الرَّسُول بُولُس أن يوجز جميع مقاصده وأفكاره وأمانيه بعبارة وجيزةٍ شهيرة “لي الحياة هي المَسِيْح”. فعبد الرَّبّ هذا مات عن نفسه وعن شهواته، ومحبَّته للمصلوب أشركته في صلبه. فثبت الرُّوْح القُدُس فيه، وهو حياة يَسُوع نفسها، وظهر سُلْطَان عمل الرَّبّ مِن خلاله. فهل الحياة لك هي المَسِيْح، أم أنّك لا تزال تعيش لِذاتك، متّكلاً على قدرتك المهلهلة؟ إنَّ كل حياةٍ في عالمنا بدون المَسِيْح، هي حياةٌ مسمَّمةٌ بالموت. أمَّا الشَّركة مع المخلِّص فهي تجارةٌ مربحةٌ، تجعل حياتك مستحقَّة أن تسمّى حياة.
إنَّ الموت هو للمؤمن سبب فرح، لأنَّ بحصوله تَظهر وحدتنا بالمَسِيْح بطريقة مجددة. فلا نخاف مِن ساعة الوفاة، بل نعرف أننا نثبت في الوحدة مع يَسُوع بدون انقضاء. وتجرَّأ بُولُس على القول إنَّ الموت لأجله أفضل جداً مِن الحياة. ولو تجاوب مع عواطفه لفضّل الموت حالاً، ليلاقي المَسِيْح، ويشاركه المجد والمسرّة والغبطة. لم يفكِّر الرَّسُول بالبرزخ، بل بإظهار وحدته مع الرَّبّ، الَّتي هي سرُّ سيرته. إنَّ لنا رجاءً عظيماً ومستقبلاً مجيداً. والموت ارتبط بالحياة الغالبة.
وعلم بُولُس أنَّ الأنانيةَ الرُّوحية خطيئة. فاختار الحياة المتعبة في دنيانا، ليس ليُخدَم بل ليَخدُم، وليعذّب نفسه بأسفار وعظات وأشغال يدويّة لكسب معيشته، كي تنمو جميع الكَنَائِس في محبة يَسُوع، وتزداد معرفتهم العمليّة للخدمة، بواسطة معرفة اللّه المتزايدة، والمسبّبة فرحاً فوق فرح وغبطة على غبطة. وكان بُولُس متيقّناً أنَّ الرَّبّ سيوفّره لخدمات جديدة. ورأى في إطلاقه مِن السجن انتصاراً ليَسُوع، الَّذي سيبّين نفسه لاحقاً أقوى مِن القيصر. فبقاء وكيان بُولُس بعد المحاكمة سيكون فخراً ليَسُوع. لذلك يحقُّ للمؤمنين الافتخار به لأجل تدخل يَسُوع، لأنَّ سلطته تفوق سلطة الإمبراطور؛ والبرهان هو بُولُس الطَّليق.
هل أدركت كم مرّة استخدم الرَّسُول، وهو مشرف على الموت إعداماً، كلمة الفرح؟ ضع خطاً تحت هذه الكلمة في كتابك، فتدرك الخيط الأحمر في رسالة الفرح، لأنَّ الابتهاج في المؤمن يغلب السَّلاسل والسجن والحكم والموت. فحقيقة المَسِيْح تغلب كُلَّ ضيق.
الصلاة: أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِِيّ، نشكرك لأنك دعوتنا شركاء ابنك يَسُوع المَسِيْح. ساعدنا على أن نُكرمه دوماً بسلوكنا وشهاداتنا، ونعيش لتعظيمه، وننكر أنفسنا لخدمة الآخرين الَّذين لا يعرفون المَسِيْح بعد. اغفر لنا اهتمامنا بأنفسنا، وثبِّتنا في محبّتك، كيلا نخاف مِن الموت، بل نتمسّك بالرَّجَاْء الحيّ الموضوع أمامنا، وتثبت حياتنا في المَسِيْح يَسُوع. آميـن.
السؤال: 11. لماذا سمّى بُولُس الحياة بالنسبة له المَسِيْح؟
4- نصائح للوحدة والتَّوَاضُع
(فِيْلِبِّي 1: 27-2: 18)
أ- السُّلوك حسب الإِنْجِيْل
(فِيْلِبِّي 1: 27-30)
27 فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِباً أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ،
28 غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ، الأَمْرُ الَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاَكِ، وَأَمَّا لَكُمْ فَلِلْخَلاَصِ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ.
29 لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ.
30 إِذْ لَكُمُ الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَالآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ.
هل أدركت فداءك في يَسُوع المَسِيْح، وقبِلته بفرح وثبات؟ هل ملأتْكَ حياة اللّه، مشركة إيّاك في محبّته؟ عِش لمجد ربّك، لتصبح سيرتك كلّها شكراً لخلاصك.
افتح أعماقك لقيادة الرُّوْح القُدُس في جميع نواحي حياتك، لتتقدّس في أفكارك وأقوالك وأعمالك. فقوَّة إيمانك تتحقّق في سلوكك، مُظهرةً فيك العفَّة والطهارة واللطف والفرح.
والرُّوْح القُدُس، لن يتركك وحدك منعزلاً، بل يرشدك إلى شركة الإخوة في كنيستك وجمعيتك، كيلا تكون مؤمناً منفرداً وصلاتك وشركتك مع اللّه منعزلة، بل ترتصّ وجماعة القِدِّيْسِيْن، وتكون أصغرهم. هل أنت عضوٌ في كنيستك كما أنت عضو في جسد المَسِيْح؟ هل تربطك محبته بالمُؤْمِنِيْن الآخرين كعضو فعَّال في فرقة الجهاد الروحي؟
للمؤمنين سلام في قلوبهم، إذ يثبتون متواضعين ومحتملين بعضهم بعضاً في الكَنِيْسَة. ولكن الكفاح الرُّوحي يعصف حولهم، إمَّا نتيجة لاشتراكهم في الحملات التَّبْشِيرِيَّة، أو للدفاع بصبر عن اتهامات كاذبة. فالشرط الأساسي لنجاح الكَنِيْسَة، هو الوحدة الرُّوحيّة والانسجام الفكري.
ورغم الصعوبات، تستمرّ دعوة الخطاة إلى ترك إهمالهم وتعصُّبهم، واللُّجوء إلى المَسِيْح وبرّه. فلا تتعجبوا إنْ هاجمتكم جيوش جهنّم بمكر وتجارب وضيق وسُلْطَان لتُسقطكم مِن وحدة المحبّة والإيمان الصحيح، إلى اليأس والشكوك والانشقاقات. اثبتوا في المحبّة الخالية مِن الرياء ولا تستكبروا، لأنَّنا لسنا شيئاً بالنِّسبة إلى قدرة المَسِيْح العاملة في المتواضعين. ولا تخافوا عدوّاً أو تقليداً أو جماهير، لأنَّ محبّتكم البسيطة تُوحِّدكم بالله، فالَّذي معكم أعظم مِن الَّذي ضدّكم.
هل تعيش للمَسِيْح، كما يعيش هو لك؟ هل تخدمه عملياً، لأنَّه حمل خطاياك؟ هل تتألّم لأجله بفرح، لأنه تألّم لأجلك بدون تذمُّر؟ لقد وهَبَ يَسُوع محبَّته لك، وكلّلك برحمته، كي تتمكَّن مِن مواصلة الجهاد لأجله، والَّذي لا يتمّ دون تضحية. فهذا الجهاد لا يتمّ بأقوال أو أفعال فقط، بل بآلام وعذاب أيضاً. فهل تعتبر آلامك في سبيل سيِّدك امتيازاً وسبباً للفرح والشكر؟
كان الرَّسُول بُولُس مِثالاً رائعاً للكَنِيْسَة في حياة التَّضْحِيَة، عندما كان يسبح اللّه مع سيلا رفيقه، وهما مقيَّدان في سجن فِيْلِبِّي، بالرّغم مِن جلدات السّجان الَّتي مزَّقت جسديهما. وكان أيضاً مثالاً للفرح حين اقتفى خُطى سيده وسط الآلام، وهو في سجن روما. ففرح الرَّبّ لا يسقط أبَداً، لأنَّ حياتنا مستترةٌ في المَسِيْح يَسُوعَ الحي. فهل تعترف بهذه الحقيقة، أم أنّك لا تزال جباناً وتتنكّر لمحبّة ربّك؟
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ، نشكرك لأنَّك دعوتنا إلى شركة القِدِّيْسِيْن، لنشهد معاً في وحدة الرُّوْح القُدُس باسمك. أعطنا الجرأة والثَّبَات في أيام الخطر، كيلا تَفْتُرَ محبّتنا،أو تنشقّ وحدتنا مع الإخوة، بل نُحب أعداءنا، ونباركهم باسمك، ونكرمك بالشَّهَادَة الواضحة الفعّالة. آميـن.
السؤال: 12. كيف أرشد بُولُس كنيسته إلى الكفاح المَسِيْحِيّ؟
ب- لاَ بُدَّ مِن الوحدة في الكَنِيْسَة
(فِيْلِبِّي 2: 1- 4)
2 فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئاً وَاحِداً،
3 لاَ شَيْئاً بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
4 لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضاً.
وهب المَسِيْح للكَنِيْسَة موهبة الوعظ والتعزية في الخلاص. فالشَّرِيْعَة تكشف خطاياك، وتدين كلَّ خبث كامن في الأعماق. أمَّا الإِنْجِيْلُ فيُريحك، ويؤكِّد لك الغفران الأكيد بالمصلوب؛ وإيمانك به يملؤك بقوَّة محبّته المقدّسة، لتسامح وتحبّ خصومك.
وهذه الدوافع كلُّها هي أعمال الرُّوح الَّذي أشركنا بجوهره الخاصّ، لنخدم بعضنا بعضاً بلطف اللّه في نعمة المَسِيْح. فالكَنِيْسَة هي عبارة عن الشركة مع الثَّالُوْث الأَقْدَس.
لا تعرف الكَنِيْسَة تخطيطاً بشريّاً أو مقاصد سياسيّة، بل إصغاءً متبادلاً باحترامٍ، واحتمالاً للمصاعب والضّيقات بصبر، وتجنباً للمجادلات العقيمة حول العقائد المختلفة. نطلب إلى الرَّبّ أن يغلب فينا الآراء والمعارف المتناقضة، مصلّين أن يُنهي الكبرياء والتحزّب والأنانية بين المُؤْمِنِيْن.
طَلَبَ الرَّسُولُ بُولُس عدّة مرّات، وبكلمات مفعمة بالمحبَّة القويّة الصادقة، مِن أعضاء الكَنَائِس أن يسعوا إلى الوحدة الفكرية والانسجام في المحبَّة، رغم الاختلافات المتنوّعة في الأخلاق والتقاليد. فلا نقرأ أنَّ المَسِيْح أمر تلاميذه بقصِّ شعور رؤوسهم بطريقةٍ أو تسريحةٍ موحَّدة، أو أنَّه أمرهم بارتداء ملابس موحَّدة، ولكنَّه أكّد لهم أنه سيسكب محبّته الخاصّة في قلوبهم، كي يُحبُّوا هم أيضاً بعضهم بعضاً، كما أحبهم هو. فلاَ بُدَّ مِن وحدة الكَنِيْسَة مهما كلّف الأمر. إلاّ أنّنا لا نفقد الحق في محاولتنا توحيد الفرقاء المختلفين. فالمحبة بدون الحق كذب. كما أن الحقّ بدون المحبَّة قتل. فلْنَسعَ إلى وحدة المحبَّة بين الكَنَائِس، مرفقةً بالاحترام المتبادَل، طالبين إلى الرَّبّ أن يوحِّد الأفكار في العقائد والتَّعَالِيْم والطقوس، كي يتجسَّد هو فينا، لأنَّه هو الحقّ الواحد.
أخي الكريم، هل يُدَغْدِغُ نفسَك حُبُّ الظُّهور والتَّكريم والأُبَّهة في جماعة كنيستك؟ إنْ كنتَ هكذا فانظر ألاَّ تقع وتسقط مِن إيمانك. ابقَ صغيراً وخادماً، لأنَّ العبد الأمين هو أفضل الجميع. اعتبر أصدقاءك أهمّ مِن نفسك، فتظلّ ركناً لجماعتك. ولا تَدِن الكَنَائِس الأخرى، بل أحبها واعتبرها أقوى وأمجد مِن جماعتك.
هل تشتاق للسّلطة والمال والمُلك؟ حذار أن تعارض روح الحقّ الَّذي يقودك للتضحية وإنكار الذَّات، وإلاَّ تملَّكك الشَّيْطَان. لا تفكِّر بنفسك أوَّلاً، بل اشعر بضيقات الآخرين. فالتَّوْبَة الحقَّة، تعني تغيير الفكر مِن الدوران حول الذّات إلى الاهتمام باللّه والنّاس على حدٍّ سواء. فهل تحبّ أعضاء كنيستك عملياً؟ وكيف تظهر محبّتك لهم؟
الصلاة: أَيُّهَا الرَّبُّ القُدُّوْس، رأسي ممتلئٌ بأفكار دنيويّة، ومقاصدي أنانيةٌ، وأحلامي غير مقدّسة. اغفر لي عدم محبتي، وجدِّد ذهني بروحك القُدُّوْس، لكي أصغي لأصدقائي، واجعل قلبي شغوفاً ورحيماً. ساعدني على أن أُنكر ذاتي، وأعتبر نفسي الأصغر، والأضعف، والأكثر احتياجاً إليك في جماعتنا. آمين.
السؤال: 13. كيف نحصل على وحدة القلوب والأفكار في كنيستنا ؟
ج- المَسِيْح قدوتنا الحقيقيَّة
(فِيْلِبِّي 2: 5- 11)
6 الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللَّهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ.
7 لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ.
8 وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ.
يقصد الإنسان عادةً التدرج في سير حياته إلى العلاء. ويصبو إلى الزيادة في الرَّاتب والشرف والاعتبار مِن الجميع. وهذه هي خطيئتنا الأصلية أن نسعى إلى التَّفوق، فنسقط إلى الأسفل، ونخرّب أنفسنا بأنفسنا محاولين الفوز على الآخرين.
أما بُولُس فيعلِّمنا عكس ذلك: التنازل والتَّوَاضُع وإنكار الأنا. فادخل إلى مدرسة الرُّوْح القُدُس، وهناك تتعلّم التفكير الجديد كما افتكر يَسُوع نفسه.
لم يكن الرَّبّ يَسُوع مستكبراً ولا منتفخاً، رغم أنّه كان معادلاً للّه منذ البدء، حاوياً في ذاته ملء اللاهوت حقاً. فلم يرفع المَسِيْح نفسه عن أبيه، مثلما فعل الشَّيْطَان في شهوته إلى الاستقلال، ومثلما اشتهى الإنسان الأول في الجنة. بل خضع لأبيه طوعاً ودائماً، رغم أنّه في ذاته كان مجيداً وحاملاً كل صفة لاهوتية. ولم يخطئ بكونه ابن اللّه لأنّه كان إلهاً حقّاً مِن إلهٍ حقّ، ذا جوهر واحد مع الأب، مولوداً غير مخلوق قبل جميع الدهور، ومالكاً معه ومع الرُّوْح القُدُس في وحدة المحبَّة الأبديّة.واختارت مسرَّة الثَّالُوْث الأَقْدَس ليَسُوع طريقاً منحدراً، لا يقدر العقل البشري المتكبّر أن يتصوّره. فأخلى المَسِيْح مجده، وترك أباه المحبوب، ونزل مِن السَّمَاء وصار إنساناً صغيراً محتقَراً كعبد، ليبيد افتخارنا وانتفاخنا. وقد احتمل أثقال جسد خطيئتنا، ليغلب الشهوات الدّنسة في جسمه ودمه. فظهَرَ المَجيدُ وديعاً محتاجاً في المذود إلى أقمطة. واختبر في حياته التّعب والحزن والدموع. هكذا صار ابن اللّه بشراً، لكي يصير البشر أبناء اللّه. ولكن لا يتمّ هذا فينا إلاّ إذا خلعنا كبرياءنا ولبسنا المَسِيْح نفسه. فلاَ بُدَّ مِن نزولنا إلى أدنى درجة أمام اللّه والنّاس.
تواضَعَ يَسُوعُ إلى مستوى ضيقنا، وغلب تمرُّدنا بطاعته لمشيئة أبيه، وحمل في محبّته العظيمة خبثنا الشرّير وذنوبنا القبيحة، مستعدّاً أن يشرب كأس الغضب عوضاً عنّا. ومات حقّاً على خشبة العار، مرفوضاً متروكاً محتقَراً مِن الجميع. لم يُحتقَر إنسانٌ كما احتُقِرَ المَسِيْحُ، ولم يُترَك إنسانٌ كما تُرِك المَسِيْح حتّى مِن قِبل أبيه بسبب خطايانا. فغضَب القُدُّوْس على آثامنا أماته، وعصياننا صَلَب ابنَ اللّه. لكنَّه بتواضعه حرَّرنا مِن استكبارنا، لِنَقْبَلَ التَّنازل، ونحبّ التَّوَاضُع. فهل يسكن فكرُ المَسِيْح فيك حقاً؟ عِِنْدَئِذٍ لا تسعى إلى التدرّج المتصاعد نحو العلياء في دنيانا، بل تنكر نفسك وتتنازل، وتتبع المَسِيْح الَّذي اتَّضَعَ إلى مستوى الخطاة، كي يُشركهم بقدرة محبّته.
| أَيُّهَا الرَّبُّ المَسِيْح، نسجد لك، لأنك أخليت نفسك، وأصبحت إنساناً ضعيفاً، ونزلت إلى درجة عبد محتقَر، لتُحرِّرنا مِن فخرنا وخبثنا الشرّير. اغفر لنا كبرياءنا وعصياننا. وأطلِقْنَا إلى تواضعك، فنخلع ذواتنا، ونلبس روحك، ونترك أهداف الدنيا، ونتبعك في خدمة الآخرين، ونحبهم وننسى أنفسنا، ونكون مِن الخادمين. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 14. ماذا يُعلِّمنا تجسّد المَسِيْح؟ |
| ج- المَسِيْح قدوتنا الحقيقيَّة (فِيْلِبِّي 2: 5- 11) – تكملة |
| لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللَّهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اسْماً فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ | 9 |
| لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، | 10 |
| وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللَّهِ الآبِ. | 11 |
قَبِلَ اللّه ذبيحة ابنه الَّذي صالح العالم مع القُدُّوْس، واحتمل انسكاب الغضب على نفسه. لقد احتمل يَسُوع عذاب الجحيم عوضاً عنا، ونزل إلى أسفل درجات الكون. ولكنَّه بتواضعه هذا قهر سُلْطَان الظلمة، وتغلب على غضب اللّه بمحبته الصافية. وهذا الخلاص لم يقدر أن يُؤمِّنه لنا لا ملاكٌ ولا بارٌّ، ولا حتَّى الآب القُدُّوْس نفسه في شخصيته لم يكن قادراً أن يموت عوضاً عنّا، ويدين العالم في الوقت نفسه. فالمَسِيْح هو الفَادي الوحيد والمخلِّص الفريد الَّذي غفر خطاياك حقّاً. وهذا الغفران سرّ عظيم، وحقيقة ملموسة لكل مَن يؤمن. ولا يوجد اسمٌ آخر في السَّمَاء وعلى الأرض يعطيك خلاصاً. فاسمُ “يَسُوْع” هو أهمُّ الأسماء كلِّها. ونرجو ألاَّ يتمكَّن أحدٌ مِن إخفاء هذا الاسم مِن شعورك الباطني، أو مِن تحريف هذا الاسم الفريد إلى “عيسى”، لأنَّ اسم “يَسُوْع” هو المفتاح الوحيد إلى اللّه.
لا يَعرف كثيرون مِن النّاس قوَّة هذا الاسم بعد، لأن غبطة السَّمَاء لم تدخل قلوبهم، فبقيت وجوههم حزينة. أسرِع وأخبرهم ببشرى الخلاص، أنَّ يَسُوع قد غفر ذنوبهم، والرُّوْح القُدُس يوشك أن يحلّ فيهم، ويفكّ قيود قلوبهم.
عرفت المَلاَئِكَة والشَّيَاطِيْن منذ الصَّلِيْب، أنَّ المَسِيْح هو المنتصر، لأنّ اللّه رفعه إلى يمينه، حيث يجلس حياً ومالكاً مع أبيه، إلهاً واحداً في وحدة الرُّوْح القُدُس. وجماهير المَلاَئِكَة تحمده وتسبحه ليلاً نهاراً، لأنَّ هبة مصالحة العالم لم يتمّها أحدٌ إلاّ هو. والشَّيَاطِيْن ترتجف خوفاً مِن هذا الانتصار، لأنّها تعرف أنَّ لها وقتاً قصيراً إلى أمد مجيئه. واسم يَسُوع يجبر كلّ شيطان أن يجثو أو يهرب، لأنّ المَسِيْح هو الرَّبّ الحقّ. وعند مجيئه الثَّاني سيقوم الأموات، ويسجدون له متعجّبين متهلّلين، مع جماهير الأحياء والأرواح والمَلاَئِكَة. فهل ستكون في صفوف الفرحين السَّاجدين، والمُؤْمِنِيْن بأنّ يَسُوعَ المَسِيْح هو الرَّبّ؟
هذه هي المعرفة والاعتراف والأساس المتين في الكَنِيْسَة الحقة، أنَّ يَسُوع هو الرب. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يُسمِّي المَسِيْحَ ربّاً إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. ولا يَقْدِرُ فيلسوفٌ ولا نبي أن يُدرك سرّ وحدة الثَّالُوْث الأَقْدَس، إلاّ المولود ثانيةً مِن محبة اللّه. والاسم الجديد ليَسُوع إنَّما هو عثرة للهالكين. ولكنَّه قوَّة اللّه لنا نحن المُخَلَّصين.
لقد أهملنا السجود للرَّبّ يَسُوع الَّذي يريد تبشير العالم كلّه، وإرشاد الكَنِيْسَة إلى الوحدة. وهو ضابط الكون، المستحقّ كلَّ احترامٍ. فمتى تجثو أمامه وتشكره، وتهب حياتك كلَّها له؟ تذكَّر أنَّ اللّهَ القُدُّوْس قد أصبح أباك الحنون لأجل ذبيحة يسوع الفريدة.
والسجود للرَّبّ يَسُوع، لا يعني التضييق على مجد اللّه الآب، بل على العكس، إنَّنا بسجودنا للابن نُظهِر أبوَّة اللّه وبنوَّتنا له. فمنذ مجيء المَسِيْح ظهر الاسم الجديد للّه أنّه أبونا. فليس العلي منفرداً، بل له عائلة مؤلفة مِن المولودين روحيّاً والمطهَّرين بذبيحة الابن. فكلُّ متجدِّدٍ عائشٍ في روح يَسُوع يُمجّدُ الآبَ، كما علَّمنا يَسُوع أن نصلي: ليتقدَّس اسمك الأبوي.
| أَيُّهَا الآبُ القُدُّوْس، نسجد لك ولابنك في إرشاد الرُّوْح القُدُس، لأنك فديتنا بموته مِن سُلْطَان الخطيئة وخداع جهنّم. لقد أصبحنا أولادك المحروسين بدم ابنك إلى الأبد. فنسرع إليك بتسابيح، ونُقبِّل يدَي وقدَمَي يَسُوع المثقوبة، ونبشِّر باسم المخلِّص يَسُوع فادي العالمين. فأنر الملبوسين بأرواح العالم في محيطنا، ليتحرّروا ويسجدوا معَنا ليَسُوع لمجدك الأبدي. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 15. ما هُمَا الاسم الأعلى ليَسُوع، واللقب الفريد للّه، اللَّذان تعترف بهما كلُّ كَنِيْسَة بفرح؟ |
| د- خضوعنا لمشيئة اللّه يُطلِقُنا للعمَل بنشاطٍ (فِيْلِبِّي 2: 12- 18) |
| إِذاً يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ الآنَ بِالأَوْلَى جِدّاً فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، | 12 |
| لأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ. | 13 |
بعدَ ما رسم بُولُس الرَّبّ يَسُوع ومجدَ الآب أمام أعين الفليبيين، فسَّر لهم كيف يتحقّق فيهم الخلاص الَّذي قد تم على الصَّلِيْب.
فأوَّل شرط هو إطاعةُ روح المَسِيْح. لأنَّ الإيمان لا يعني تفكيراً مجرَّداً، أو إرادة متزمّتة، أو شعوراً بعقائد وطقوس، بل إطاعة وخضوعاً. لأنَّ اللّه القُدُّوْس ضحَّى بابنه لأجلنا. فيدعونا الرَّسُول بالنِّداء الإلهي: “تصالحوا مع اللّه”. والسَّبيل الوحيد لهذه الدعوة هو قبول المسيح، الَّذي صالحنا مع الله وخلَّصنا مِن غضبه.
وإن أطعنا صوت الرُّوْح القُدُس، يكشف لنا خطايانا حين نقترب مِن اللّه العظيم، ويُحْدِث فينا رهبةً وفزعاً وخجلاً وندامة. فهل اختبرت ساعات الرَّهبة في حضور القُدُّوْس؟
طوبى لك إن انكسرت في كبريائك، وأدركت نفسك الدنسة وصرخت: النجدة النجدة، خوفاً مِن الدّيان وهلاكه المبين! وهذا الانكسار لا ينتهي ما دمت حياً. فكلّما اقتربت مِن عظمة اللّه، تدرك أكثر نقائصك في ضوء محبّته. والقدّيسون هم الَّذين يعرفون خطاياهم ونعمة اللّه معاً. فاطلب مِن الرَّبّ أن يكشف لك خطاياك تماماً، وامتحن نفسك في شريعة المَسِيْح، فتعرف أصول الخطيئة وتبترها، وتصلّي قائلاً: اللهمّ ارحمني أنا الخاطئ.
إنَّنا بالإضافة إلى معرفة مدى نقائصنا، ندرك في ضوء دراسة الإِنْجِيْل مدى محبّة اللّه الواسعة الظاهرة في المَسِيْح، الَّذي ختم صراعه على الصَّلِيْب بالصرخة: “قد أُكمِل”! غافراً لنا ذنوبنا مجّاناً ومُخلِّصاً العالمين. فإنْ آمنت به وارتبطتَ بمحبّته يحلّ الرُّوح المبارك كمجد اللّه في قلبك المطهّر. ولكنَّ هذا الرُّوح، لا يحلّ فيك بدون إرادتك، بل يطلب قبولك للخلاص عن عمدٍ وتصميم، وعن وعي وإدراك.
وحين تضعف إرادتك، وتشدّك شهوة الجسد لتُبعدك عن صدق مشاعرك في تقديس سيرة حياتك، يمنحك روح اللّه شيئين جديدين: إرادة إلهيّة، وقوّة أزليّة، لإتمام أعمال المحبَّة المطلوبة منك. إنما بقدر ما يهب اللّه لك مِن إرادة مصمّمة وقوَّة روحيّة، يريدك أن تستعمل هذه المواهب. عِِنْدَئِذٍ تحبّ الرَّبّ بملء إرادتك مِن كلّ قلبك ومِن كلّ قوَّتك، وتحبّ قريبك كنفسك عمليّاً ودائماً.
يُدرك الناضج في الإيمان يوميّاً هذا التوتر الغريب بين نعمة اللّه المخلِّصة ومسؤوليتنا الشَّخْصِيّة لإتمام خلاصنا. فالمَسِيْح يطلب منك إطاعة الإِنْجِيْل، وبذل نفسك للآخرين طوعاً، رغم أنّه قد أتمّ الخلاص على الصَّلِيْب، ومنحك الفداء هبة. فإن آمنت بهذا السرّ المزدوج، لا تتكل على برّك الذاتي، ولا تحاول تقديس نفسك بتقشّف وصوم، بل تقف مسؤولاً أمام اللّه واثقاً بالمَسِيْح رئيس إيمانك ومكمّله.
أسألك عزيزي القارئ أن تراجع هذه الآية مراراً، وتحفظها غيباً، وتخبّئها في قلبك، فتجد كنزاً عظيماً: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ لأَِنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ”.
| أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِِيّ، نشكرك لأنّك لم تجعلنا عبيداً لمشيئتك، بل اخترتنا أبناء مسؤولين. فنعترف أمام قداستك بخطايانا، خائفين مرتعبين. ونقبل بشُكرٍ وحَمْدٍ تطهيرَنا بدم ابنك الوحيد. امنحنا كلّ يوم الإرادة القوية، لإتمام المحبّة، لكي نعيش لمسرّتك، ويتمجّد اسمك الأبوي في أعمالنا الصالحة. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 16. لماذا ينبغي لنا أن نُتمِّم خلاصَنا بخوف ورعدة ما دام قد أكمله يَسُوع على الصَّلِيْب؟ |
| د- خضوعنا لمشيئة اللّه يُطلِقُنا للعمَل بنشاطٍ (فِيْلِبِّي 2: 12- 18) – تكملة |
| اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، | 14 |
| لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَداً لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. | 15 |
بعدما علّم بُولُس كَنِيْسَة فِيْلِبِّي نظرياً كيف تؤثّر النِّعْمَة الإلهية في إيماننا وحياتنا وتنظِّمهما مبدئياً، أوضح لهم كيف يتحقّق العيش حسب الإِنْجِيْل عمليّاً. فإن قبلنا عمل قدرة اللّه الآب فينا، فإننا عِِنْدَئِذٍ ننكسر لكبريائنا ونخضع لإرشاده طوعاً، ولا نعمل شيئاً بدونه. فالتَّوَاضُع يتوقّف على البصيرة، إنَّ اللّه هو القادر على كلّ شيء. وهو يحبّ الخطاة، ويمنحهم الهدى. فندرك أنَّ المَسِيْح المخلِّص هو ضابط الكل. فلا يحدث شيءٌ في حياتنا بدون إرادته. عِِنْدَئِذٍ نمارس واجباتنا في كلّ حين بلا تذمر ولا تقلقل، واثقين أنَّ الرَّبّ يهتمّ بنا كلّ الاهتمام، ولا يطلب منّا فقط أن نُتمّم بعض الواجبات بدون تذمّر، بل أن نتمّم جميع خدماتنا وتصرفاتنا وأعمالنا بلا معارضة أو حقد أو خصام.
فهل أنت تتذمَّر مِن الناس والأوضاع في مهنتك المرهقة، أو مدرستك الظالمة، أو عائلتك المتعبة، أم سلّمت أثقالك ومشاكلك مصلياً إلى المَسِيْح، وانتظرت منه جواباً حالاً، وحلاً عملياً، ورؤية مباركة؟ فالمؤمنون يغيّرون الأوضاع، ليس بفتنة أو شدّة، بل بصبر وصلاة.
ولقد أوصى بُولُسُ، مراراً في رسائله، العبيدَ الَّذين اشتراهم أسيادهم مِن السوق وأخضعوهم لمشيئتهم سالبين إيَّاهم حرّيتهم، أن يمارسوا أعمالهم بلا دمدمة، ليبرهنوا للعالم الملحد أنهم “في المَسِيْح” صاروا أحراراً في الرُّوح، لأنَّه حرّرهم وجميع أتباعه مِن عبودية الذنوب، ومِن سجن الكبرياء، ووهب لهم وداعة وصبر تواضعه، ليعيشوا بلا لوم، ككهنة ملوكيين، مصلّين، ومبتهلين في سلام وفرح القلب، وسط الكدّ والشتائم والعذاب. فلا يخدمون بخداع ومرارة، بل كأنَّما يخدمون الرَّبّ يَسُوع نفسه بمحبَّةٍ وإخلاصٍ.
ومَن ثبت في مشيئة اللّه الآب، وأنكر نفسه الخاصّة وأمات أنانيته، فقد تغيّر وصار ابناً للّه مختاراً مِن جيل دنيانا الملتوي إلى ملكوت السماوات.
ينفِّذ الإنسان إرادته الخاصّة عادةً بعنفٍ وحيلة. ويشترك هكذا في المرض العقلي كاليهود، الَّذين تذمَّروا في البرية، وثاروا ضدّ طرق اللّه، فلم يدخلوا الرَّاحة. وأمَّا بُولُس فقد علَّمَنا الثَّبَات في هدى محبَّة اللّه في جميع مراحل حياتنا، كيلا نخور ونضعف كأَهْلِ العَهْد القَدِيْم.
هل تعيش راضياً وقنوعاً في إرشاد اللّه ومحبّته، أم تخدم أمانيك وشهواتك كعبدٍ لأنانيتك؟ هل تخدم اللهَ والناس، شاكراً هذا الامتياز الإلهي، أم تتذمر بمرارة معارضاً طرق الرَّبّ؟ إنَّ إجابتك لهذين السُّؤالَين تُحدِّد نوعيتك. فإمَّا أن تُشرِق ككوكب متلألئ في عالم البغضاء، مفعماً بقوَّة الرُّوْح القُدُس. أو أن تكون مُظلماً كعالمنا المظلم، حاقداً منتقماً خدّاعاً.
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، أنت رَبُّ الأَرْبَاب والقادر على كلّ شيء. سامحني إن تذمّرت مِنَ الطقس أو السياسة، أو عارضت أفكارك وهداك في بيتي ومهنتي. غيّر ذهني وإرادتي، لكي أتواضع وأصبح وديعاً مثلك، وأحتمل جميع الناس، في مدرستي، وكنيستي، وعائلتي. اقلب قلوبهم وبدِّل شعورهم الباطني، لكي يكونوا أولاداً لأبينا السَّمَاوِِيّ ممتلئين بتواضعك ولطفك. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 17. لماذا طلب بُولُس مِن الناس أن يعملوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ ؟ |
| د- خضوعنا لمشيئة اللّه يُطلِقُنا للعمَل بنشاطٍ (فِيْلِبِّي 2: 12- 18) – تكملة |
| مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لاِفْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلاً. | 16 |
| لَكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضاً عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ وَأَفْرَحُ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. | 17 |
| وَبِهَذَا عَيْنِهِ كُونُوا أَنْتُمْ مَسْرُورِينَ أَيْضاً وَافْرَحُوا مَعِي. | 18 |
يُعلِّمنا الكِتَاب المُقَدَّس أنَّ الإنسان الطَّبيعي ليست عنده قوَّة روحيّة إيجابيّة، فلا يقدر أن يطيع اللّه حقّاً. وحتَّى المؤمن ما كان في وسعه أن يعيش متواضعاً بدون النَّظَر اليوميِّ إلى المَسِيْح والثَّبَات فيه. واستمداد هذه القوَّة يتمّ عملياً بالتعمّق في الإِنْجِيْل والصلوات المتواصلة. فلقد خَلق الخالق عالمنا بكلمة قدرته. والمَسِيْح هو الكلمة المتجسِّد، الواهب الحَيَاة الأَبَدِيَّة لنا. فالَّذي يفتكر أنَّ فلسفة ما أو ديناً أو علماً ينيره في معرفة اللّه ويمنحه قوَّة بنّاءة، هو مسكين خادع نفسه. لأنَّ كلمة المَسِيْح وشهادة رسله هما وحدهما اللذان يخلقان فينا الحَيَاة الأَبَدِيَّة. اعكف على قراءة كلمة اللّه يوميّاً، وأصغِ إلى صوت روحه القُدُّوْس، فتحلّ فيك قوَّة مِن العالم غير المنظور تُغيِّر قلبك ومشاعرك المتمردة إلى محبَّة وحنان.
وهذا هو فخر الرسل، إنَّهم نقلوا إلينا بتعب كلمة اللّه الصحيحة كما بشَّرنا المَسِيْح شخصيّاً. ولولا شهادتهم، لما حصلنا على الحَيَاة الأَبَدِيَّة. فسفراتهم المتعبة واضطهاداتهم المرَّة، حملت لنا الخلاص.
ولكنّ شهاداتهم لا تعني كلمات وتعليمات فقط. بل هي مبنية على التَّضْحِيَة وشهادة الموت. لأنَّ مَن يخدم الإِنْجِيْل يُنكر ذاته، ويَمُتْ عَن الأنا وسط الاستهزاء والرفض العام. وعِِنْدَئِذٍ تحبّ أعداءك، وتصلّي لأجل المتمرّدين، لأنَّ رئيس الكهنة يَسُوع دعاك لممارسة الشكر والابتهال لأجل جميع العصاة والخطاة. وهذه الخدمة تُعتبر الذبيحة الإيمانية اليومية والتسابيح المرضيّة عند اللّه. فاشهد للبعيدين عن الخلاص، وأدْخِلهُم رحابَ المَسِيْح، فتمارس بذلك الطّقوس المقبولة عند اللّه.
واعتبر بُولُس موته بسفك دمه بالسيف والحكم عليه بالإعدام أمراً متوقَّع الحدوث. لكنَّه سمّى قَتْلَه ذبيحةً صغيرة بسيطة، كذبائح الشّرب الَّتي كانت تُسكَب على المذبح في العَهْد القَدِيْم، إلى جانب المحْرَقات الرسميّة الكبرى. فاعتبر الذبيحة الكبرى هي موت المُؤْمِنِيْن عن الأنانية، وكفاح إيمانهم في فِيْلِبِّي. وأمَّا موته فلا شيء. ما أعظم هذا التَّوَاضُع!
وقد فرح بُولُس لبذل المُؤْمِنِيْن حياتهم للمَسِيْح في خدمة المحبَّة. كما سرّه موته هو لمجد الرب؛ فطلب إليهم الفرح والغبطة، وليس البكاء واللطم. وهذه النظرة إلى الموت تختلف كل الاختلاف عن العادات والتقاليد الشَّائعة عند أكثريّة النّاس، الَّذين يولولون عند الوفاة. فبُولُس يحضُّنا جميعاً على التَّسليم الكُلِّي لمشيئة الآب السَّمَاوِِيّ، ولخدمة المَسِيْح، في حياتنا الدنيوية، ويؤكِّد لنا أنَّ الموت هو مناسَبةٌ للفرح والابتهاج لا للحزن والبكاء.
| أَيُّهَا الآبُ، نعظّمك لأنّ كلمة ابنك جعلتنا أحياء في الرُّوْح القُدُس، فلا نموت إلى الأبد، بل قد انتقلنا إلى الحياة فيك. أَسْمِعْنَا صوتَ كلمتك يومياً، كي نمارس محبّتك في التَّضْحِيَة والابتهال والاهتمام بالناس مِن حولنا. نشكرك لأجل جهود الرسل الَّذين ضحَّوا بحياتهم في سبيل نقل رسالة الخلاص إلينا. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 18. ماذا اعتبر الرَّسُول قتلَه بالسَّيف بالنسبة لخدمة الكَنِيْسَة؟ |
| 5- الأخبار عن أسفار تِيْمُوْثَاوُس وأَبَفْرُودِتُسَ (فِيْلِبِّي 2: 19 -30) |
| عَلَى أَنِّي أَرْجُو فِي الرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ سَرِيعاً تِيمُوثَاوُسَ لِكَيْ تَطِيبَ نَفْسِي إِذَا عَرَفْتُ أَحْوَالَكُمْ. | 19 |
| لأَنْ لَيْسَ لِي أَحَدٌ آخَرُ نَظِيرُ نَفْسِي يَهْتَمُّ بِأَحْوَالِكُمْ بِإِخْلاَصٍ، | 20 |
| إِذِ الْجَمِيعُ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ لأَنْفُسِهِمْ لاَ مَا هُوَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. | 21 |
| وَأَمَّا اخْتِبَارُهُ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَوَلَدٍ مَعَ أَبٍ خَدَمَ مَعِي لأَجْلِ الإِنْجِيلِ. | 22 |
| هَذَا أَرْجُو أَنْ أُرْسِلَهُ أَوَّلَ مَا أَرَى أَحْوَالِي حَالاً. | 23 |
| وَأَثِقُ بِالرَّبِّ أَنِّي أَنَا أَيْضاً سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعاً. | 24 |
في السَّنوات الألفَين الماضية، أرسل المَسِيْح خدَّامه المجتهدين، مرَّةً تلو الأُخرى إلى كَنَائِسه. كما كان عنده تلاميذ متنوّعون أثناء وجوده على الأرض، فدربّهم وعلّمهم وقوّاهم وأرسلهم لتبشير العالم. ولكن لم يكونوا كلّهم أمناء، ولم يضحوا بأنفسهم كلياً. وحاول كثيرون، في تاريخ الكَنِيْسَة، أن يخدموا اللّه والأنا معاً. وهذا يشبه الانفصام في الذَّات. ولكن ماذا عنك عزيزي القارئ، هل تعتبر نفسك ومالك وكتبك وشهاداتك وأمنك أهمّ مِن المَسِيْح وملكوته، أو توليها الأهمية نفسها الَّتي توليها للمسيح وملكوته، أم تقصد تعظيم مخلِّصك وحده؟ اعلم يا أخي أنَّك لا تقدر أن تخدم سيِّدَين، فَإِمَّا أَنْ تُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَتُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ تُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَتَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَخْدِمَ اللهَ وَالْمَالَ.
وقد منح المَسِيْحُ رسولَه بُولُس نعمةً خاصّة. فأعطاه زميلاً في الخدمة، كان أميناً في القليل والكثير. فأقامه بُولُس عدّة مرَّات نائباً عنه في الأماكن الَّتي كان مطروداً منها. وأرسله بالتتالي كسفير المَسِيْح إلى الكَنَائِس، ليحلّ المشاكل المتعدّدة. وهذا السفير هو تِيْمُوْثَاوُس ابن رجل أممي وسيّدة يهوديّة، آمنت بالمَسِيْح. لهذا كان له امتياز معرفة لغتين مختلفتين، كما أنه عاش في تقاليد حضارتين متنافرتين. وأهمّ شيء أنّه كان ممتلئاً بالرُّوْح القُدُس وموافَقاً عليه مِن شيوخ الكَنَائِس، ويُعتبر بالنسبة لبُولُس كابن روحي. فخدم الرَّسُول كأب له في المَسِيْح بحنان وأمانة مستمرّة، وبانسجام تامّ. وفي الوقت نفسه اهتم بالكَنَائِس، واعتنى بها بمواظبة، لأنَّه كان شفيقاً؛ فأشفق على الأفراد، وفهم حاجات الجميع، وحمل هموم الشيوخ، وعاش مع الشبيبة، ونبّههم وعزّاهم وقوّاهم وأرشدهم للحياة في القَدَاسَة والخدمة.
وثبت تِيْمُوْثَاوُس في المَسِيْح، حتّى صار عبد محبّته كبُولُس تماماً. فخرجت منه أنهر قوى روحيّة، لأنَّ يَسُوع ملأ قلبه. فلم يطلب تِيْمُوْثَاوُس ما هو لنفسه، بل عاش وتألّم لأجل فاديه المصلوب الحيّ. هل سلَّمت نفسك ومالَك للمَسِيْح، أم إنَّ تيار الشهوة هو الَّذي يقود حياتك؟ الكَنِيْسَة بحاجة ماسّة إلى خدَّام أمناء. فتشجَّع يا أخي، وكُن أحدهم.
| أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِِيّ، نشكرك لأنّك منحتَ بُولُسَ زميلاً أميناً في الخدمة. إنَّنا حين ننظر إلى أنفسنا، نعترف بميلنا إلى الأنانية والاتكال على الذّات. علِّمنا أن نخدمك، بكلّ جزء فينا وإلى الأبد، ونضحّي بأنفسنا، ليتقدّس اسمك الأبوي، ويأتي ملكوتك الأبدي، وتجري مشيئتك الخلاصيّة في أمَّتنا وبلادنا. وامنح كَنَائِسك في عصرنا خدَّاماً أمناء، يبذلون ذواتهم لمجد اسمك القُدُّوْس. آميـن. | الصلاة: |
| السؤال: 19. ما هي الصّفات البارزة في تِيْمُوْثَاوُس؟ |
| 5- الأخبار عن أسفار تِيْمُوْثَاوُس وأَبَفْرُودِتُسَ (فِيْلِبِّي 2: 19 -30) – تكملة |
| وَلَكِنِّي حَسِبْتُ مِنَ اللاَّزِمِ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ أَبَفْرُودِتُسَ أَخِي، وَالْعَامِلَ مَعِي، وَالْمُتَجَنِّدَ مَعِي، وَرَسُولَكُمْ، وَالْخَادِمَ لِحَاجَتِي. | 25 |
| إِذْ كَانَ مُشْتَاقاً إِلَى جَمِيعِكُمْ وَمَغْمُوماً، لأَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضاً. | 26 |
| فَإِنَّهُ مَرِضَ قَرِيباً مِنَ الْمَوْتِ، لَكِنَّ اللَّهَ رَحِمَهُ. وَلَيْسَ إِيَّاهُ وَحْدَهُ بَلْ إِيَّايَ أَيْضاً لِئَلاَّ يَكُونَ لِي حُزْنٌ عَلَى حُزْنٍ. | 27 |
| فَأَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ بِأَوْفَرِ سُرْعَةٍ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمُوهُ تَفْرَحُونَ أَيْضاً وَأَكُونُ أَنَا أَقَلَّ حُزْناً. | 28 |
| فَاقْبَلُوهُ فِي الرَّبِّ بِكُلِّ فَرَحٍ، وَلْيَكُنْ مِثْلُهُ مُكَرَّماً عِنْدَكُمْ. | 29 |
| لأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِ الْمَسِيحِ قَارَبَ الْمَوْتَ، مُخَاطِراً بِنَفْسِهِ، لِكَيْ يَجْبُرَ نُقْصَانَ خِدْمَتِكُمْ لِي. | 30 |
اختارت كَنِيْسَة فِيْلِبِّي رجلاً رصيناً مِن أعضائها، وكلّفته بإيصال المال المجمع لديها إلى الرَّسُول في سجن روما. وهذا الرجل المختار اسمه أَبَفْرُودِتُس. وكان ماهراً في اللّغات والأسفار والقضايا الجمركيَّة، كما كان في الوقت نفسه أميناً موثوقاً به ومؤمناً بالمَسِيْح.
وقد دعاه بُولُس أخاه في الرُّوح، لأنَّ اللّه كان أباهم الحقيقي. فعلينا أن نتخاطب بالكلمة “أخ” في كَنَائِسنا وجمعياتنا بحذر، لأنَّ هذا اللقب يدلّ على إحدى الصِّفات العليا الَّتي تربطنا باللّه أبينا.
فمَن يخصّ عائلة اللّه، يصبح عاملاً مجتهداً حسب طبيعته الجديدة، وخادماً متواضعاً ومُتَجَنِّداً مع المَسِيْح وسفيره إلى العالم الملحد. لأنَّ جميع أعضاء عائلة اللّه ممتلئون بروح محبّة المَسِيْح الَّذي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ وَحدَة الثَّالُوْث الأَقْدَس يُقْبِلُونَ. هل أنت أخٌ لنا بيَسُوع المَسِيْح؟ إن كنت كذلك، فبأيِّ دوافع تظهر قرابتك للّه؟ وهل تريد أن تكون عاملاً مُتَجَنِّداً لخدمة يَسُوع، أم كسولاً مهتماً بنفسك؟مَرِضَ أَبَفْرُودِتُسُ، في أثناء خدمته لبُولُس في رومية، وشارف على الموت. وخدّام المَسِيْح عرضةٌ للتّجارب قَبل غيرهم. والمرض ليس ناجماً دائماً عن خطيئة ما، بل قد يكون العكس عند المؤمن. هذا ما أراد بُولُس أن تفهمه الكَنِيْسَة، لكي لا يظن البعض أن سفيرهم قد اختلس شيئاً مِن الأمانة، وأنَّ الله وبَّخه على ذلك. فحمد الرَّسُولُ أَبَفْرُوْدِتُسَ بألقابٍ شريفةٍ روحيَّةٍ ساميةٍ.
والرَّبّ القُدُّوْس شفى المريض، واعتبره مستحِقّاً خدماتٍ أخرى. فكان على أهل فِيْلِبِّي أن يستقبلوه بشرف، ويشتركوا مع بُولُس بالفرح والشكر للّه لأجل الشفاء العجيب لخادم الرَّبّ هذا.
إنَّ المشاكل والتجارب والآلام ترصّ الأعضاء في الكَنِيْسَة وتضمُّ بعضهم إلى بعضٍ بالصَّلاَة، لكي يُحفَظوا مَعاً في محبَّة يَسُوع. وصلاةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا.
| أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِِيّ، نحمدك ونُعظِّمك لأنك جعلتنا أولاداً لك في المَسِيْح. اغفر لنا قلّة إيماننا، والشكّ في الإخوة، وقوِّنا على القيام بخدماتٍ متنوِّعة، لنثبت في فرح ابنك، فلا يكون للعدو الشرير سُلْطَان علينا، واحفظنا مِن الأمراض، واشفنا إنْ دخل المرضُ أجسادَنا. أنت القدير، وعليك اتِّكالنا. نشكرك لأنّك شفيتنا حقّاً. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 20. ما هي الألقاب الَّتي لقَّب بُولُس بها أَبَفْرُوْدِتُس؟ |
| 6- جواهر إيماننا الغنيّة (فِيْلِبِّي 3: 1-4: 9) أ- وجودنا في المَسِيْح أبطل برّ الشَّريعَة (فِيْلِبِّي 3: 1-11) |
| أَخِيراً يَا إِخْوَتِي افْرَحُوا فِي الرَّبِّ. كِتَابَةُ هَذِهِ الأُمُورِ إِلَيْكُمْ لَيْسَتْ عَلَيَّ ثَقِيلَةً، وَأَمَّا لَكُمْ فَهِيَ مُؤَمِّنَةٌ. | 1 |
لخَّص بُولُس رسالته، مبرزاً شعارها مرَّةً أخرى، قائلاً: “افرحوا معاً في المَسِيْح.” وهذا السرور يبثّه الإِنْجِيْل فينا دائماً. فلا يجوز للمؤمن أن يمشي كامداً حزيناً، بل مبتهجاً وفَرِحاً، لأنَّ اللّه صالحه وغفر ذنوبه القبيحة، فيفيض منه الشكر والغبطة. فمَن يقُل: اللّه لا يحب الفرحين يكذب، لأنّ العكس صحيح. المَسِيْح منحَنا فرحه هو، ويشاء أن يُكمل فرحَنا. كما أنّ إلهنا ليس حجراً صلباً بلا شعور وعواطف، بل هو نبع الفرح والمسرّة. فإيمانك بالمَسِيْح يحرّرك مِن كلّ عقدةٍ وحقدٍ، لأنَّ إلهنا محبَّة.
منذ قبولنا الغفران لا يفصلنا خطأٌ، ولا ذنبٌ، ولا غضبٌ، ولا دينونةٌ عن القُدُّوْس، لأنَّه أصبح أبانا بالرُّوح والحقّ. فحَقٌّ لِلمَسِيْحِيّ أن يفرح، حتّى في الضيق والموت، لأنَّ حياته مستترةٌ في المَسِيْح الحيّ. فاقبلوا وصيَّة الرَّسُول، وافرحوا في الرَّبّ، لأن المُؤْمِنِيْن متضامنون ومضمونون فيه.
وحتّى في أوقات الحروب الفتَّاكة والتشاؤم العام، ينبغي أن نفرح ونقول للبشر المساكين: ليتكم تعرفون دواء اللّه لأمراض مجتمعنا، إنّه الإِنْجِيْل الَّذي يقدر على شفاء كلّ علّة وخطيئة وهَمٍّ. ودم المَسِيْح يطهِّرنا مِن كلّ إثم، والرُّوْح القُدُس يمنحك الغلبة على خطاياك. فلست متروكاً بدون رجاء. وليس الشرّ في أخلاقك أقوى مِن ربّك. إنّه يجعلك مِن صانعي السَّلاَم وسط الجيل الملتوي الكاذب. آمِن أنَّ اللّه وحده يحرِّرك مِن قيود الظلمة وشهواتك القبيحة. آمِن ولا تيأس، فيجري الفرح مِن إيمانك في أحشاء قلبك.
إنَّ المَسِيْح هو المنتصر على الشَّر وعلى سُلْطَان جهنم المتصاعد في أيامنا. فاحفظ كلمة الرَّسُول: افرحوا “في الرَّبّ”. لأنّ فيه تجد قوَّة عظيمة، وحماية مِن هجمات إبليس. امتحِن نفسك: هل تعيش “في المَسِيْح” ؟ هل دخلت رحابه وثبتّ فيه؟ هل هو مصدر انتصارك؟ هل ابتدأ فرحه فيك بنعمته المفرحة؟ عِِنْدَئِذٍ ترنّم وترتّل وتسبّح وتبتهل في فؤادك، متجنباً أغاني الحبّ الخداعة وأناشيد الحرب الصلبة، معترفاً بأنَّ المَسِيْح هو المخلِّص وينبوع أفراحنا. فمَن يؤمن به يعِش في غبطة، ومَن يتمسَّك به لن يموت.
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح. أنت معلم فرحنا ومصدره وواهبه. وموتك على الصَّلِيْب فدانا مِن خطايانا القبيحة، ومِن الموت الخانق والشَّيْطَان الشرّير. فنحمدك ونسجد لأبينا السَّمَاوِِيّ، لأننا أصبحنا أولاداً أبديين لمحبّتك. ونسبِّحك مع جميع القِدِّيْسِيْن على كرتنا الأرضية، لأنَّ فرحك فينا يدوم. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 21. كيف يستطيع الرَّسُول أن يأمرنا قائلاً: “افْرَحُوا فِي الرَّبِّ”؟ |
| 6- جواهر إيماننا الغنيّة (فِيْلِبِّي 3: 1-4: 9) أ- وجودنا في المَسِيْح أبطل برّ الشَّريعَة (فِيْلِبِّي 3: 1-11) – تكملة |
| اُنْظُرُوا الْكِلاَبَ. انْظُرُوا فَعَلَةَ الشَّرِّ. انْظُرُوا الْقَطْعَ. | 2 |
| لأَنَّنَا نَحْنُ الْخِتَانَ، الَّذِينَ نَعْبُدُ اللَّهَ بِالرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى الْجَسَدِ | 3 |
ربَّما عَلِمَ الرَّسُول، أثناء إملائه هذه الرِّسَالَة، أنَّ بعض المَسِيْحِيِّيْنَ الَّذين مِن أصل يهودي قد اندسُّوا ككلابٍ برِّيةٍ في قطيع الغنم، مفترسين القطيع ومبلبلين الحظيرة، فأخذوا يؤذون المسرورين في المَسِيْح، ويزعجون الكَنَائِس كلّها. عِِنْدَئِذٍ انفجر رسول الأمم، وقطع رسالة الفرح، وهاجم مخرِّبي الكَنِيْسَة بأشدِّ الكلمات. وقد سمَّى المَسِيْح هؤلاء المرائين ذئاباً في لباس حملان، لأنّهم يؤذون المختارين أكثر مِن الأعداء المكشوفة عداوتهم، والهاجمين للقتل. فأعداء الكَنِيْسَة يوحِّدون الكَنِيْسَة ويقوُّونها ويرسِّخونها. أمَّا المراؤون مِن الداخل فيفسدون ويمزّقون الوحدة والمحبَّة.
فما هو العمل الشرّير والتعليم السَّام، في رسل جهنّم، الَّذين يُحوِّلون فرح المُؤْمِنِيْن إلى آلام مُرَّة؟ إنهم علَّموا أنَّ الطريق الوحيد إلى اللّه هو الختان وحفظ الشَّريعة والفرائض المتنوّعة، وليس الإيمان بالمَسِيْح المصلوب وحده. فرفعوا أعمال الإنسان فوق النِّعْمَة، وخلطوا الخلاص في المَسِيْح بِالبِرِّ الذَّاتي.
أما بُولُس فما اعترف بفداء آخر غير الفداء المبني على الصَّلِيْب والرُّوْح القُدُس. لأنَّ الغفران والولادة الثَّانية أوجَدا فينا أفقاً إلهياً جديداً. لقد اختبرنا حقيقة نعمة اللّه، وفاز المَسِيْح في أنفسنا. فعرف بُولُس أنَّ لا صلاة ولا صوم ولا زكاة ولا حجّ ولا تقوى مبنيّة على الفرائض الكنسية تخلِّص الإنسان البتّة، أو تصلحه، أو تملأه محبّة. فقد تكون المحبَّةُ وقتيَّةً تتبع أهواءه وأحاسيسه. لذلك نجد أنَّ جميع الأديان والكَنَائِس الَّتي تقوم على الشَّرَائِع والتَّعَالِيْم الإِنْسَانِيّة، ولا تتَّخذ الكِتَاب المُقَدَّس أساساً لها هي بعيدةٌ كلَّ البُعد عن روح الصَّلِيْب ومضادة له، لأنَّها معدَّة وفقاً لتعاليم البشر الَّتي يتدخَّل فيها الشَّيْطَان كي تكون ملبِّيةً لحاجاتهم الدُّنيوية، والَّتي تجعل الأفراد متَّكلين على ذواتهم.
المَسِيْح وحده مخلِّصنا الَّذي منحنا برَّ اللّه وقوَّته مجَّاناً. فكلُّ عمل بشري وإرادة دنيويّة هو باطلٌ أمام هذا الخلاص. واللّه لا يُخلِّصك لأنّك بارٌّ أو مُضحٍّ أو مُصَلٍّ أو متديِّنٌ محترمٌ، بل لأنّه يحبّك أنت الخاطئ. وقد اختارك بملء مسرَّته، وضحَّى بابنه لأجلك، وليس مكافأةً على إنسانيَّتنا الموهوبة مِن اللّه، لأنّه يبرّرنا لأجل الإيمان وليس لأجل الأعمال. ويلٌ للذي يبني رجاءه على اجتهاداته وتقشُّفه وحسَناته، وينسى الإيمان، فيسقط معها إلى جهنّم. أمَّا نحن فنصلِّي قائلين:
دمُ المَسِـيْحِ زِينَتــي وبِــرُّهُ قَداـَتي
ولستُ أدخل السَّـما إنْ كنـتُ لـم أنهَلـها
أيضاً عزائي في الحـياة كـذاك مِن بَعدِ المَمـات
فَلْيَكُن الدَّمُ الثَّميــن رَجَـايَ في الرَّبِّ الأمِين
| السؤال: 22. لِماذا سَمَّى بُولُسُ مُعلِّمي الختان كلاباً؟ |
| 6- جواهر إيماننا الغنيّة (فِيْلِبِّي 3: 1-4: 9) أ- وجودنا في المَسِيْح أبطل برّ الشَّريعَة (فِيْلِبِّي 3: 1-11) – تكملة |
| مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضاً. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالأَوْلَى. | 4 |
| مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. | 5 |
| مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ. | 6 |
| لَكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحاً فَهَذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. | 7 |
كان بُولُس يهودياً أصيلاً. فلم يكُن والداه دخيلَين على دِين العَهْد القَدِيْم، بل عبرانيَّين هاجرا مِن فلسطين إلى طَرْسُوسَ، وحفظا الشَّريعة والأحكام والتقاليد بالتَّدقيق. فسمَّيا ابنهما باسم الملك الباهر الَّذي مِن سبطهم بنيامين “شاول” الَّذي رفع معنويات الأسباط الاثني عشر بالسيف والعنف. وقصدا بتلك التسمية أن يعطيا ابنهما شعار الزعامة لحياته. وختناه في اليوم الثَّامن، ليبني بِرّه مِن البداية على أساس الجسد والشَّريعة. فكان بُولُس يهوديّاً أصيلاً شرعاً ودماً.
وكان مِن جهة موقفه الخاص مثالياً؛ لأنّه لم يختر كفارة الذبائح ولا الحرية المحدثة كطريق هيّن لإراحة الضَّمِيْر، بل درس الشَّرِيْعَة وحفظ أحكامها بالتَّدقيق، وقصد بغيرته وضبطه لجسده إنشاء بِرّ كامل في ذاته وفي مجتمعه.
ولذلك جُنَّ هذا الشاب المتعصب حين سمع أنَّ بعض المَسِيْحِيِّيْنَ الَّذين مِن أصلٍ يهودي آمنوا بالإنسان يَسُوع، واعتبروه المَسِيْح المنتظَر، بينما اعتبره المجلس اليهودي مُضِلاً ومحكوماً عليه بالإعدام. فهاجم المَسِيْحِيِّيْنَ بعنف وشدّة، وقاومهم بلا شفقة ليُعيد شرف أمَّته ويحفظها مِن العار. وهكذا لمع في البِرّ الذاتي أكثر مِن جميع الفقهاء الآخرين. ولكن عندما أراد دخول دمشق متكبّراً ومرتفعاً على فرس، أسقطه المَسِيْح مِن عُلَى فَخره، واخترق بِمجده البهيّ خداع ذاته، فأشرق شَخصُ المَسِيْح في ظلمة شاول الحاقد، وأظهر له أنَّ تقواه المتزمّتة هي وهمٌ وتجديفٌ واضطهادٌ وجريمةٌ. فكان خادمُ اللّه هو بالحقيقة عدوَّه.
فانقلبت أحشاء بولس، في صراعه مع الرُّوْح القُدُس. وأدرك هذا الأعمى المنكسر نعمةَ المَسِيْح المنعمة عليه، وفَهم أنَّ القُدُّوْس لا يرفضه ولا يبيده، بل قد أعلن له اسمه، وكلَّمه، وأرشده، ودعاه إلى الخدمة بسُلْطَان روحه. إنَّها لعجيبة كبرى أنَّ المَسِيْح اختار عدوَّه ومضطهِدَه لإنارة العالم. عِِنْدَئِذٍ ألقى بُولُس كلَّ شرفه وتقواه القديمة بعيداً عَن نفسه. وبنى حياته ومستقبله على المَسِيْح ونعمته فقط.فما هو أساس حياتك: استقامتك وتقواك، أم دم المَسِيْح ونعمته العظيمة؟
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، أنت حيٌّ ومجيدٌ. اغفر لنا إنْ خضعنا للفساد، أو لغيرة مضادَّة لروحك القُدُّوْس. أنت تحبنا، وتمنحنا برَّك، وتدعونا إلى عائلة أبيك، وقد خلَّصتنا. فأمِتْ كبرياءنا لنتعلّق بك وحدك، ونترك كلَّ اعتقاد خاطئ، ونسعى في خدمة الضّالين. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 23. ماذا كان بُولُس قبل ظهور المَسِيْح له، وماذا أصبح بعد هذا الظُّهور؟ |
| 6- جواهر إيماننا الغنيّة (فِيْلِبِّي 3: 1-4: 9) أ- وجودنا في المَسِيْح أبطل برّ الشَّريعَة (فِيْلِبِّي 3: 1-11) – تكملة |
| بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ | 8 |
| وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللَّهِ بِالإِيمَانِ. | 9 |
| لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ، | 10 |
| لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ. | 11 |
عرف بُولُس كثيراً مِن الناس والفلسفات والأديان والدول والجيوش والملوك وأسرار الشَّرَائِع. وكان مفتخراً بمعلوماته. ولكنَّه عندما عرف المَسِيْح، ألقى بهذه المعارف كلِّها ورفضها، ليعيش في كلمة وحيدة: “يَسُوع المَسِيْح هو ربي”. لأنَّ معرفته تفوق كلّ عقل وعلم. وقد أدرك الرَّسُول في المصلوب محبَّة اللّه المتجسّدة، وعرف أنَّ المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ هو المنتصر الحقيقي في عالمنا.
فكيف نتمسّك بعد بأشياء دنيوية، واللّه قد وهبنا في ابنه كلَّ شيء؟ ففي يَسُوع تكمن جميع كنوز الحكمة والمعرفة والبِرّ والقَدَاسَة والفداء والمحبَّة. وبدون المَسِيْح لا معنى لحياتك، لأنَّه هو وحده قيمتك.
إزاء عظَمة المَسِيْح يَظهر كلُّ مخلوق نفاية. فاترك كلَّ ما أحببته في دنياك لتربح المَسِيْح حقاً بإيمانك. استسلم له ليصبح هو ربّك ليس اسمياً فقط، بل عمليّاً أيضاً. إنك مدعو لتربح المَسِيْح اليوم.
وهو يرحمك ويغفر خطاياك إنْ وقفتَ أمامه منكسراً نادماً ، ويضمُّك إلى صدره، ويتَّحد بك في روحه، لتصبح عضواً في جسده “فتوجد فيه”. ما أعظم هذه العبارة الَّتي تصف تماماً جوهر إيماننا!
عِِنْدَئِذٍ لا ترجو شيئاً مِن برِّك الذاتي، بل تضحك على ما كنت تحسبه في الماضي شرفاً وكرامةً، وترفض كلَّ أجرة ومكافأة متصوَّرة، وتدرك فسادك الشامل في ضوء بِرّ اللّه الَّذي وهبه لك يَسُوع بواسطة سفك دمه، لتتبرّر وتتقدس إلى الأبد. فالمؤمن بالمَسِيْح ينال جوهر بِرّ اللّه مجاناً بواسطة الإيمان. وهذا البِرّ الجديد يلاشي البِرّ النَّاموسي (شريعة موسى) القديم، ويُبطل تقوانا المنتفخة وإنسانيتنا المتكبّرة.
فكلُّ مَن تحرَّر مِن جودته الكاذبة يَعرف المَسِيْح ربَّه ومخلِّصه أكثر فأكثر، ويشترك في قوة قيامته؛ فتجري حياة اللّه فيه. عِِنْدَئِذٍ يموت الأنا القديم في المؤمن المسلم. وتبقى خطيئته مصلوبة في المصلوب. إنَّ كيان المَسِيْحِيّ، يعني كفاحاً عنيفاً ضدّ الخطيئة، وإماتتها يومياً، ليس بقوَّة الأدب أو الصوم، بل بالإيمان وبالشركة مع المَسِيْح الَّذي لا يحتمل أن يظل فيك نجاسة أو كذباً أو بغضة، بل يغلبك ويطهِّرك ويقوِّيك إلى الحَيَاة الأَبَدِيَّة.
والَّذي يعيش مع المَسِيْح، وفيه، يمتلىء مِن مقاصده، ويعمل معه لأجل فداء العالم، ويشهد لحقيقة الخلاص، حتّى تحت الضغط والاضطهاد والآلام. لأنَّ المَسِيْح نفسه اختبر الاحتقار والرَّفض والموت لأجل عمله الخلاصي. فمَن يتبعه يتبعه في الآلام أيضاً. لأن لا خلاص إلاّ بالصَّلِيْب، كما قال يَسُوع: “إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيَتْبَعْنِي.”
وفي هذا الكفاح ضدّ الخطيئة في أخلاقنا، والمصارعة مع الأرواح النجسة، والاضطهاد مِن قِبَل أعداء المَسِيْح، نشتاق إلى مجيء مخلّصنا الثَّاني، لتظهر شركتنا معه في المجد، فنبلغ القيامة إلى الحياة. مع العلم أن بُولُس لم يكن كسولاً بصدد خلاصه الشَّخصي، بل عاش حسب قوله “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ.”
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح. أنت مخلّصنا وربّنا وفادينا. نشكرك مِن صميم قلوبنا لأنّك وهبت لنا برَّ أبيك وجودته، وأحيَيتنا بروحك. ساعدنا أن نعتبر كنوز الدُّنيا كلَّها نفاية، فنربحك، ونختبر قوَّتك، ونعظِّم اسمك أمام الناس، ونؤمن بأنَّك ستَنْتَشِلنا، عند مجيئك، مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، مع جميع الأحياء في روحك. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 24. ماذا يتضمن إيماننا بالمَسِيْح؟ |
| ب- سباق المتبرِّرين إلى الكمال (فِيْلِبِّي 3: 12-16) |
| لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلَكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضاً الْمَسِيحُ يَسُوعُ. | 12 |
| أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلَكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئاً وَاحِداً، إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. | 13 |
| أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جِعَالَةِ دَعْوَةِ اللَّهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. | 14 |
| فَلْيَفْتَكِرْ هَذَا جَمِيعُ الْكَامِلِينَ مِنَّا، وَإِنِ افْتَكَرْتُمْ شَيْئاً بِخِلاَفِهِ فَاللَّهُ سَيُعْلِنُ لَكُمْ هَذَا أَيْضاً. | 15 |
| وَأَمَّا مَا قَدْ أَدْرَكْنَاهُ، فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذَلِكَ عَيْنَهُ. | 16 |
يقول بُولُس لجميع المتجدِّدين المعتدِّين بأنفسهم إنَّه هو نفسه ما زال غير كامل، بل إنَّه يجد نفسه على الطريق إلى الشركة الظاهرة مع اللّه التي ستتحقَّق عند مجيء المَسِيْح الثَّاني. كان هذا الهدف التَّاريخي مهمَّاً جدّاً له، حتَّى إنَّه شبّه نفسه برياضي على أرض السِّباق، وهو يستعدّ بين المتسابقين للانطلاق، ومِن ثمَّ ينطلق بكل قوَّته ليصل إلى الهدف، وينال الجائزة الثمينة.
لذلك لا يجلس المَسِيْحِيّون في الظِّل، حالمين كسالى، ومتَّكلين على اللّه بدون اجتهاد. بل يتحرّكون، ولهم هدف واضح؛ فيبذلون أقصى قواهم، ويسرعون إلى اللّه العظيم؛ وهم لا ينظرون إلى الوراء، ولا يهتمُّون بما كان مِن مخطَّطاتٍ ومشاكل وذنوب ماضية، لأنَّ الكلَّ قد دُفن في موت المَسِيْح. فالمؤمن السَّاعي ينال مِن اللّه القوَّة والحكمة لمواصلة السباق الروحي؛ فيصبح قدّيساً في المحبَّة، ومتواضعاً في الطّهارة، وأميناً في خدماته.وقد ابتدأ هذا السِّباق إلى اللّه حين أوقف المَسِيْحُ المُؤْمِنِيْن به على خطّ السباق الأبدي؛ فدعاهم مِن بين جماهير التَّافهين المتفرجين المسترخين، إلى الرَّكض غير مبالين بأقاويل الآخرين وانتقاداتهم. والرَّاكضون إن سقطوا، لا يبقون ساقطين، بل يقومون وينهضون فوراً، ويُتابعون الجري حتّى بلوغ الهدف الَّذي هو الرَّبّ نفسه. فإلى الأمام اركض، لكي تصبح الأول في كنيستك بالمحبَّة والصّدق والتَّوَاضُع والطهارة.
يعتبر الرَّسُولُ جميع المشتركين في السِّباق الرُّوحي كاملين، لأنَّ المَسِيْح طهَّرهم حقاً، والرُّوْح القُدُس ملأهم بجوهره. فهل تركض في الطريق إلى اللّه؟ وهل يدفعك الرُّوْح القُدُس بهداه؟ عِِنْدَئِذٍ تشترك في كمال اللّه، ليس لصلاحك، بل لفضل دم المَسِيْح وبرِّه الكامل.
هل ترتقب القيامة مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ؟ إنها تتحقّق في ظهور مخلّصك الَّذي سيعطيك إكليل الحياة، إنْ ثَبَتَّ في سبيل النِّعْمَة. عِِنْدَئِذٍ يظهر كمال اللّه فيك، كما قال يَسُوع: “كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ”.
| أَيُّهَا الآبُ، نشكرك لأنَّك أشركتنا في سباق المحبّة والحقّ والطّهارة، ومنحتنا بغفران المَسِيْح وحلول الرُّوْح القُدُس فينا الشركة في كمالك. مَن نحن لنخدمك؟ لا تسمح بأن نكلَّ أو نتكاسل، بل أعطنا دائماً أن نسعَى إلى هدف الأهداف، وهو مجيء ابنك مع جميع المدعوِّين مِن العالم. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 25. ماذا يعني فكر الكمال عند المَسِيْحِيِّيْنَ؟ |
| ج- رجاؤنا المجيد يشمل أجسادنا أيضاً (فِيْلِبِّي 3: 17-21) |
| كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعاً أَيُّهَا الإِخْوَةُ، وَلاَحِظُوا الَّذِينَ يَسِيرُونَ هَكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ. | 17 |
| لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَاراً، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضاً بَاكِياً، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ، | 18 |
| الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلَهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ. | 19 |
لا تبشير قبل تقديس المُبَشِّر، لأنَّ كلامك عن المَسِيْح كلَّه لا ينفع إنْ لم يكن كلامك هذا مطابقاً لسلوكك. فتصرُّفاتك وأعمالك أبلغ بياناً وأفصح عبارةً مِن كلمات شهادتك.كان بُولُس قدوة صالحة في المَسِيْح. لأنَّ قوَّة المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ، غيَّرت حياته، وحوّلت سيرته إلى محبة عملية. فبُولُس لم يبشِّر بعظاته فقط، بل أيضاً بأتعابه في المهن. فجُرحَت يداه وتورَّمَتا. وكان يسلّم لربّ العمل شغله متقناً أميناً، كما علَّمنا بقوله: “وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ.” فبهذه القاعدة المهنية يصبح كلّ شغل في المهن، أو المدرسة، أو المطبخ، خدمة للّه، وعبادة مقدَّسة، وليس لمجرَّد كسب المال.
وفوق هذا كلِّه، كان الفرح وقوَّة المسيح يفيضان مِن وجه الرَّسُول. وكان الَّذين حوله يتفهَّمون بشارته مِن دون أن ينطق بها، لأنَّه مات عن بِرِّه الخاص، وأنكر أمانيه البشرية، والتصق بربّه، وتعلّق بإرادته، فأصبح أسيره. وهو لم يُحبَس بموجب قرار اليهود أو الرومان، بل بمشيئة ربّه الحيّ. فهذا الالتصاق الكامل بيَسُوع يجعل حياته قدوة لنا. لأنَّ فرح حرية بُولُس ثبت رغم قيوده وضيقه.
ولم تكن للكَنِيْسَة في بداية عهدها تقاليد، ولا مقاييس معيَّنةٌ، ولا مُثُلٌ عليا، ولا قدوةٌ صالحة. ولم تعرف كيف يتحقّق الإيمان بالإِنْجِيْل في خِضَمِّ الحياة اليوميّة. فما علَّم يَسُوع تلاميذه فقط، بل قدَّم نفسه أيضاً قدوةً عظمى، قائلاً: “تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَِنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ.” وعاش الرسل الأمناء في هدى الرُّوْح القُدُس، حتّى أصبح كيانهم كلُّه شهادةً عن الخليقة الجديدة وبشرية المستقبل التي ابتدأها يَسُوع فيهم.
لا نعرف تماماً مَن هم الَّذين سماهم الرَّسُول بُولُس أعداء صليب المَسِيْح في مدينة فِيْلِبِّي. ولكن علينا الاعتراف بأنَّ جميع الَّذين يحاولون الخلاص، بشريعةٍ وصيام معتمدين على قدراتهم الشَّخصية، ويريدون قمع الوحش السَّاكن فيهم بالاجتهادات والطقوس، إنما هم معقَّدون ووجوههم كئيبة، ولا يلمع فرح المَسِيْح وانفراجه فيهم. وكلَّما حاولوا السيطرة على بطونهم، نشَبَتْ أفكارهم وأحلامهم ضدّ الخلاص البشري. فكلّ تقشُّف هو عداوةٌ لصليب المَسِيْح مُضيِّقٌ لفخره. فكأنَّما الإنسان يجد خارج المَسِيْح إمكانيات وقوى لخلاصه وتقديسه الذاتي. فما أشدّ خطأه وضلاله!
لم يتكلّم بُولُس في هذا النصّ عن البَطِرِيْنَ والسِّكِّيْرِينَ الَّذينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذينَ إِلَهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ، فيُشبهون الحيوانات لا الناس. لكنَّه يدلُّنا على النَّاموسيين (شريعة موسى) الَّذين يحاولون بأساليب بشرية تقديس أجسامهم النجسة وروحهم الفاسد. فهؤلاء مُنافقون وأشَرُّ مِن البَطِرِيْنَ والسِّكِّيْرِينَ لو كانوا يعلمون. فلا خلاص إلاّ بصليب المَسِيْح.والإيمان الحقّ به يُغيِّرنا ويُغَيِّر حتّى أجسادنا؛ فنعيش بطهارة في قدرته. ومحبّتنا له تقدِّسنا تقديساً حقّاً.
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع، نشكرك لأنك متَّ على الصَّلِيْب لأجلنا. وضحَّيت بجسدك المقدَّس لأجلنا. نعظّمك ونحمدك لأنَّ دمك يُطهِّر أجسادنا الفاسدة. فاحفظنا مِن التَّقَشُّف ومِن التَّقْدِيْس الذاتي. فنتكل عليك كي تقدِّسنا بقدرتك الإلهية، فلا نهلك، بل نتغيّر ونمتلئ بحضورك. أنت رجاؤنا، فأعِنَّا على إنكار أنفسنا واللُّجوء إليك. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 26. لماذا شهادة السُّلوك هي أهَمُّ مِن شهادة الكلام؟ |
| ج- رجاؤنا المجيد يشمل أجسادنا أيضاً (فِيْلِبِّي 3: 17-21) – تكملة |
| فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، الَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، | 20 |
| الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ. | 21 |
ثمَّة نوعٌ مِن الناس هم أفقر وأبسط مِن غيرهم. إنّهم العديمو الرعويّة، الَّذين ليس لهم وطنٌ ينتسبون إليه على كرتنا الأرضيّة. فجميع الدُّول تطردهم. وفي حالة الضيق والاضطراب يبغضهم الجميع.
أمَّا المَسِيْحِيّون فليسوا بلا وطن، لأنَّ وطنهم الحقيقي هو في السَّمَاء. ولهم الحق أن يعيشوا عند اللّه. فقد يفقدون على الأرض حقوقهم المدنيّة، ويُطردون مِن بلادهم. ولكن في السَّمَاء تُكتب أسماؤهم في سفر الحياة بدم يَسُوع المَسِيْح. فلنا قدوم إلى الآب لأجل ذبيحة شفيعنا. في القديم لم يكن أحدٌ قادراً أن يتقدَّم إلى اللّه إلاّ رئيس الكهنة. أمَّا الآن فكلُّ مَسِيْحِيّ مدعوٌّ إلى الاقتراب مِن القُدُّوْس، وإلى أن يكون كاهناً مبتهلاً ومبشِّراً مباركاً. فينبغي أن تتقدّم إلى العظيم، طالباً إليه مزيداً مِن البركة للضّالين، ومِن ثَمَّ تعود إلى مضطهديك وتباركهم. فكلُّ مؤمنٍ حقيقيٍّ هو نائب اللّه في عالم الفساد، وسفير المَسِيْح للخطاة، ونورٌ ساطعٌ في الظُّلمة المتصاعدة.
إِنَّ مَن يتعمَّق بوعيٍ في إتمام النبوات المختصّة بنهاية العالم، ويقارنها بالتطورات السياسيّة والاقتصاديّة والكونيّة، يرَ ازدياد الشر عامَّةً، وانتشار ملكوت الشَّيْطَان خاصَّةً. أمَّا نحن فلا نيأس، بل نعرف شفيعنا، ونعلَم أنَّه آتٍ بالتَّأكيد. وكلَّما حاول الشرّ افتراسَنا، ننظر إلى المَسِيْح بترقُّب أكثر، ونشتاق إلى قداسته. لا أحد مِنَّا يعيش بلا تجربة. فالَّذي يسير في الشوارع، يُشاهد إعلانات الأفلام النَّجسة، والَّذي يقرأ المجلاَّت تُواجهه الصور العارية، والَّذي يُصغي إلى وسائل الإعلام ومُكبِّرات الصَّوت والمبتكرات التِّقنية الحديثة للدِّعاية تضجّ في أذنيه الدَّعوات إلى الثورة والعصيان والتَّمرُّد، حتَّى يمتصّ شعورنا الباطني هذه الدَّعوات الشِّريرة، فنتشبَّع بهذا التحريض على حياة الجسد والأنانية والبغض والطمع، حتَّى تألف آذاننا، ومِن ثمّ ضمائرنا هذه الرُّوحيَّة النَّجسة لتُصبح جزءاً مِن تفكيرنا. لكنَّ الرُّوْح القُدُس يُريد أن يغسل أدمغتنا ويُطهِّرها مِن هذه النَّجاسات، فيُكافح فينا، مبكِّتاً ضمائرنا على كلّ فكر شرّير أو كلمة باطلة أو عمل سَيِّء. وعند ذاك نصرخ قائلين: “تعال أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع، وخلِّصنا مِن أنفسنا، واحفظنا مِن تجارب العالم الشرّير، لكي نعيش في القَدَاسَة والطهارة في قربك المقدّس. غَيِّر أجسادنا الضعيفة، ونَقِّ شعورنا الباطني، كيلا نوافق على أيّ تجربة مِن أيّ نوع.
ووعد يَسُوعُ أهلَ ملكوته بمكافأة ثمينة على كفاحهم الإيماني، تفوق جميع تصوُّراتنا، وهي مجد اللّه نفسه. حتّى تظهر صورةُ الآب في أولاده. فلا نُشبه في هذه الحالة الأرواح أو المَلاَئِكَة أو الأشباح، بل المَسِيْح نفسه. ونكون صورةً حيَّةً لمجده. وكما كان له في قيامته جسدٌ ملموسٌ ظاهرٌ معروفٌ، هكذا سيكون لنا. ومجيء المَسِيْح سيعلن بهاء مجيداً يفوق كلَّ عقلٍ، ويشملنا حتّى كأنَّنا نعيش داخل الشَّمس.يبتدئ يسوع بتغيير جسدك اليوم، إن فتحت قلبَك لكلمته ولروح فرحه. فهو لا يدعوك إلى انتحارٍ شنيعٍ، بل إلى تسليم كامل لمحبّته. عِِنْدَئِذٍ تنكر نفسك، وتتجه إلى المخلّص، وتختبر سُلْطَانه. فلا يصدر منك شيءٌ صالحٌ، إذ الكلُّ مِنه.
وقد أعلن ربّنا، بإحدى كلماته الأخيرة، أنّه دُفع له كُلُّ سُلْطَان فِي السَّمَاء وَعَلَى الأَرْضِ. فهل تؤمن بهذه الكلمة؟ إنَّ تقشُّفك وصيامك بقصد تقديس نفسك باطلان. فاطلب إلى يَسُوع أن يتدخَّل هو مباشرةً لتقديسك، هو الَّذي غلب جهنم والموت والخطيئة وغضب اللّه، القادر أن يغلبك أنت أيضاً إن سلَّمت نفسك كُلِّياً إليه. المَسِيْح قادرٌ أن يخلِّص أيضاً إلى التمام الَّذين يتقدّمون به إلى اللّه، إذ هو حيٌّ كلَّ حين ليشفع فيهم.
| نُعظِّمك أيها المخلِّص القُدُّوْس، لأنَّك القادر على كلِّ شيء. لم تَرفضنا لحياتنا النَّجسة، بل قدَّستنا في حقِّك، ونظَّفتنا كما ينظِّف الأب ابنه السَّاقط في الوحل، وستُنظِّفنا مرَّة بعد مرَّة وتُربِّينا وتمنحنا محبَّتك، لنتقدَّس بقدرتك. نشكرك لأنّك وعدتَنا أن تُغيِّر أجسادنا إلى المجد، لنشابه جسدك المجيد، ومحبَّتك الملتهبة، وحقَّك المبين. أَيُّهَا الرَّبُّ مخلِّصنا، أكمل قداستك فينا. نحن بين يدَيك مُنتظِرون. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 27. ما هو هدَف المَسِيْحِ مِن أجسادنا البشريَّة؟ وكيف يُحقِّق مقاصدَه فينا؟ |
| د- الثَّبَات في المَسِيْح يأتي بالوحدة والتَّوَاضُع (فِيْلِبِّي 4: 1-3) |
| إِذاً يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ وَالْمُشْتَاقَ إِلَيْهِمْ، يَا سُرُورِي وَإِكْلِيلِي، اثْبُتُوا هَكَذَا فِي الرَّبِّ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ. | 1 |
| أَطْلُبُ إِلَى أَفُودِيَةَ وَأَطْلُبُ إِلَى سِنْتِيخِي أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْراً وَاحِداً فِي الرَّبِّ. | 2 |
| نَعَمْ أَسْأَلُكَ أَنْتَ أَيْضاً، يَا شَرِيكِي الْمُخْلِصَ، سَاعِدْ هَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي الإِنْجِيلِ، مَعَ أَكْلِيمَنْدُسَ أَيْضاً وَبَاقِي الْعَامِلِينَ مَعِي، الَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ. | 3 |
اشتاق بُولُس إِلَى أَهْلِ كَنِيْسَةِ فِيْلِبِّي، وتاقت نفسُه إلى هذه الهيئة الحيَّة المفعَمة بالمحبة. وقد استخدم اللّه في السَّابق رسوله لينقل هؤلاء الأفراد إلى الحَيَاة الأَبَدِيَّة. فأصبحوا ثمار إيمانه وتعزيته في السِّجن وإكليله في المجد.لهذا طلب إليهم مرَّة أخرى، أن يثبتوا في الإيمان اليقيني، والمحبَّة الأمينة، والرَّجَاْء الفعَّال. لأنَّ المَسِيْحِيِّيْنَ الحَقِيْقِيِّيْنَ ليسوا سَطْحِيِّيْنَ، بل هم متأصِّلون في المَسِيْح الَّذي هو معلِّمهم وربُّهم وضابطهم. وهو أيضاً كرمتهم وخبزهم ورأسهم. إنّهم يعيشون فيه ومعه ومنه وله. فالمَسِيْح لهم هو الكلُّ في الكلِّ. فهل هو أساس حياتك أيضاً؟
وأسماء الأفراد المذكورين هنا مِن أهم أخبار هذه الرِّسَالَة. لأن بُولُس صلَّى وتألّم مِن أجل هؤلاء الأحباء واعتنى بهم.كما أنَّ المَسِيْح نفسه شفع فيهم، وقصدهم عند موته وقيامته. فليس التعليم أنَّ الكتب أو الأفكار هي هدف إيماننا، بل الإخوة والأخوات في المَسِيْح. فلا توجد مَسِيْحِيّةٌ بدون شركة القِدِّيْسِيْن. وأنت، هل تعيش منعزلاً انطوائيّاً؟
ابتدأت كَنِيْسَة فِيْلِبِّي بامرأةٍ واحدة مؤمنة، اسمها ليدية. ثمَّ آمنت نساء أخريات معها. فاشتركن مع بُولُس في نشر الإِنْجِيْل بنشاط. فليس واجباً على النساء المؤمنات أن يصمدن أو يتصرَّفن كطبقة ثانية مِن البشر، بل هن أيضاً ممتلئات بالرُّوْح القُدُس. وفيهنَّ قوة الشَّهَادَة الخارقة. فينبغي أن يُدرِّبن نفوسهنَّ في التَّوَاضُع وضبط اللِّسان والمشاعر، لأنَّ الوحدة في الكَنِيْسَة مُهمَّة مثل الكفاح للإِنْجِيْل. فطلب بُولُس مِن نساء الكَنِيْسَة أن يجتهدن في رباط الكمال وهو المحبة. لذلك خيرٌ لنا أن نتدرَّب على الخضوع المتبادَل، كيلا نسبِّب حزناً وانشقاقاً في كَنَائِسنا. مع العلم أنَّنا لا نستطيع النموّ في الرَّبّ وحدَنا، بل مع جميع المُؤْمِنِيْنَ، فيتاح لنا بذلك أن نتعايش معاً على الأرض، لأنَّنا في السَّمَاء سنكون إلى الأبد مع الَّذين نعاني صعوبات في التَّعامل معهم. لذلك ينبغي أن نتعلَّم الصبر، وقوة الاحتمال، والتسامح، والمحبَّة.
وعلى الرِّجال في الكَنِيْسَة، ألاَّ يتسلّطوا على النساء، ويأمروهنَّ أوامر متعجرفة، بل يساعدوهنَّ، ويخدموهنَّ، ويُرشدوهنَّ في لطف وحكمة. جميعنا سائرون تحت نير المَسِيْح. فلا حاجة إلى الكفاح للشرف الباطل داخل الكَنِيْسَة، لأنَّنا كنَّا جميعاً بحاجةٍ إلى الغفران والنِّعْمَة، كما أنّنا مجّاناً نشترك في المجد والبنوة للّه. وقد سُجِّلَت أسماؤنا بدم الحمل في سفر الحياة. هل أنت متأكِّد أنَّ اسمك مدوَّنٌ في السَّمَاء؟ هذا هو أهمّ سؤال في حياتك؟
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، نسجد لك لأنَّك اشتريتنا مِن عبودية الخطيئة، ووهبتَ لنا حرِّية الحَيَاةِ الأَبَدِيَّة بسفك دمك الثمين. ثبِّتنا في الإيمان والمحبَّة، لكي نتجدّد في أذهانِنا، ونخضع بعضنا لبعضٍ. لا تسمَح بأن نكون مِن المتمرّدين الَّذين يشقُّون الشَّركة في الكَنِيْسَة، بل أعطِنا القوَّة كي نسلك باللُّطف والتَّوَاضُع والمسامحة المستمرَّة. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 28. كيف نحافظ على الوحدة في الكَنِيْسَة؟ |
| هـ – الوصيَّة بالفرَح الدَّائِم (فِيْلِبِّي 4: 4-6) |
| اِفْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ وَأَقُولُ أَيْضاً افْرَحُوا. | 4 |
| لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفاً عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ. اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. | 5 |
| لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللَّهِ. | 6 |
بوق الفرح يخترق حزنك، لأنّ الرَّسُول يدعوك قائلاً: “افرح وسط المشاكل والكوارث. لا تفرح بقوَّتك الخاصّة، لأنَّ قلبك مفعمٌ بالمرارة والحقد، وحياتك محاطة بالتجارب، بل افرح في المَسِيْح الَّذي هو مصدر المحبَّة الدَّائِمة والابتهاج السَّمَاوِِيّ.
يُكرِّر بُولُس وصيَّته بالفرح. ولكنَّه لا يُرشدنا إلى فرح البشر، بل إلى الفرح الفريد النَّابع مِن شركتنا مع المَسِيْح.
وهذه العبارة “الفرح في الرَّب”، تُعلِّمنا الفرق بين المؤمن والملحد. فكلّ مَن يثبت في المَسِيْح، قد وجد الحَيَاة الأَبَدِيَّة، والقوَّة السَّرمدية، والتَّعزية الإلهيَّة. ليس لك رجاء أو مستقبل، إلاّ بيَسُوع الحي، فهو غِناك وفوزك.. وأخوك أيضاً. ألا ينبغي أن تفرح لأنَّ ابن اللّه وهب لك برَّه ومحبَّته، وشركته مع جميع القِدِّيْسِيْن. اشكُر المَسِيْح لامتياز إيمانك، اشكره مِن صميم قلبك، وافرح الآن في هذه السَّاعة، وفي كلِّ ساعةٍ، لأنَّ الموت لا يقدر أن يخفض فرحك. وحتّى في اليوم الأخير تَظهر قدِّيساً، لأنَّ دم المَسِيْح يطهِّرك ويحميك. فإلى متى تتأخّر في الاشتراك بفرَح المَسِيْح؟
ومَن يعِش في هذا الامتياز واعياً، يصبح لطيفاً وحليماً في قلبه، ومتسامحاً مع جميع الناس، لأنَّ فؤاده قد أضحى مفعماً بجوِّ السَّمَاء، والأمور الدنيوية صارت له ثانوية. وأصبح الرَّبّ وحده محور تفكيره وهدف اشتياقه؛ فيبتهج عند ذكر مجيئه، عالماً أنَّ ظهورَ مجد اللّه باتَ على عتبة عصرنا.
وأعلن بُولُس بسُلْطَانه الرَّسُولي قائلاً: “اَلرَّبُّ قَرِيبٌ”. وبهذه العبارة، أقَرَّ برنامجاً وموقفاً واتجاهاً للكَنِيْسَة كلِّها. مُستحيلٌ للمرء أن يعيش مع إنسان آخر في الخصام، وهو عارف أنَّ مجيء الرَّبّ قَرِيبٌ. أو أن يتعلَّق أحدٌ بالمال والثَّروة، وهو عالمٌ أنَّ العالم يزول بضجيج في نار غضب اللّه.
الرَّبُّ يَسُوع قَرِيبٌ. وقد أعلن بُولُس هذه الكلمة قبل ألف وتسعمائة سنة تقريباً. وهذا الإعلان يحثُّنا على أن نترقَّب في كلّ ثانية وصوله. وعقربا السَّاعة الكونية قد تدانيا واقتربا مِن اللَّحظة الحاسمة. فبماذا تفكّر؟ هل أنت مستعدٌّ لاستقبال ربّك؟ ماذا عَن أمانتك تجاه الأموال والأشياء الموضوعة مِن الآخرين في حوزتك؟ أسارقٌ أنت، أم أمينٌ في القليل؟ رتِّب أمورك إلى التَّمام، قبل فوات الأوان.
تبدو هموم الناس صغيرةً جدّاً أمام هذا الحدث العظيم الَّذي يجمع تاريخ البشر. ولكنَّ الرَّبّ، رغم هذه المبادئ العظيمة، لا يتركنا وحدَنا في مشاكلنا الصَّغيرة، بل يمنحنا مَنْفَذَ الصَّلاَة، التي تشبه اتِّصالاً هاتفياً بين الإنسان والسَّمَاء. فهل أنتَ تُصلِّي؟ إنَّ ربَّك يستمع إليك. كم مرَّة تصلِّي في النَّهار؟ إنَّ يَسُوع لا ينام، بل إنَّ عينيه ترعَيانِك. هل تَسمع صوته؟ المُكالمة الهاتفيَّة هي في العادة محادثةٌ بين شخصَين، وليست حديث شخصٍ بمفرده. وهكذا الصَّلاَة الحقيقيَّة هي مكالمةٌ بين الإنسان واللّه. فنحن نُجيب خطابه المعلَن في الإِنْجِيْل، ونصبُّ همومَنا وخطايانا أمامه. فكَلِّم اللّه، وكأنَّك تُكلِّم أباك. وحدِّثه لأنَّ يَسُوع أخوك. اعترف بجميع آثامك جهراً، ولا تتراءَ بمقاصد صالحة، لأنَّك فاشلٌ في حفظها. اطلب الغفران، وآمِن بوعد تبريرك. فربك يحبُّك كما أنت، وهو يُغيِّر أخلاقك مِن أساسها، لأنَّ يَسُوع لا يغيِّر الأحوال بل الناس. فواظب على الصَّلاَة، لأنَّ قوَّتنا وطاقتنا واجتهاداتنا لا تُصلِح إنساناً. المَسِيْح هو المخلِّص والمصلِح. والمصلُّون هم المشتركون في نصرته. فبدون الصَّلاَة، لا حركة انتعاشية. وإن تابَعتَ الصَّلاَةَ لأجل الآخَرين طوال حياتك، وآمَنتَ باستجابة طلباتك، تُصبح مِن أعمدة هيكل الرَّبّ. إنَّ دُعَاءَك يُحرِّكُ ذراع القدير، ويُحْدِثُ تغيُّرات في السَّمَاء، وفي جهنَّم، وعلى الأرض. فلا تنسَ الشُّكر، لأنَّ مواهب النِّعْمَة أكثر بكثير مما تفكِّر. وربك المحب هو أعظم كنوزك. اسجُد له، وافرح في حضوره، فقد حرَّرك وأعطاك القوَّة على مواجهة مصاعب العالم وهمومه، فتستطيع العيش كطفل أمام والده. إنَّ ربَّك آتٍ عن قريب، فهل أنتَ فرحان؟
| نشكرك أَيُّهَا الآبُ السَّمَاوِِيّ، لأنَّك سكبتَ فرح روحك القُدُّوْس في قلوبنا. اغفر لنا أحزاننا وهمومنا الباطلة، وطهِّرنا ليثبت إيماننا، ونلهج بالشكر الدَّائِم، وترتفع ابتهالاتنا مِن أجل جيراننا المنكوبين، كي يشتركوا معنا بفرحك، ويثبتوا في مسرَّتك، لأنَّك أنت رجاؤنا؛ ومجيء ابنك القريب قد غيَّر اتِّجاه تفكيرنا. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 29. ما هو سبَب فرح المَسِيْحِيِّيْنَ؟ |
| و- سلام اللّه يحفظنا في فضائله (فِيْلِبِّي 4: 4-9) |
| وَسَلاَمُ اللَّهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. | 7 |
العالم يتصارع ويصرخ: “السَّلاَم.. السَّلاَم!”، وحياة البشر تتّسم بالاضطراب، لأنّهم يعيشون ثورة ضدَّ اللّه الَّذي لا يؤيِّد طرُق الأفراد والشعوب العوجاء، ولا يدعمها، بل هو ضدّهم وضدك. وضدّ كلّ خطيئة، صغيرةً كانت أم كبيرةً، لأنها تَعَدٍّ على اللّه ومحاربةٌ لقوانينه. فغضبه مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاء عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ. وإهمال الوصايا يُفسد الشعوب. والعالم كلُّه يعصي القُدُّوْس.
ولكنَّ اللهَ في محبَّته العظيمة لم يُهلك الناس المتمرِّدين، بل صالح العصاة بموت ابنه يَسُوع المَسِيْح لكي ينتهي الخصام بين اللّه والبشر. والمقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ شهد بكلمته الأولى أنَّ ثمر موته قد نضج قائلاً: “سَلاَمٌ لَكُمْ”.
وهذا السَّلاَم الإلهي تحقَّق في المَسِيْحِيِّيْنَ منذ حلول الرُّوْح القُدُس في قلوبهم. فكما أنَّ اللّه محبَّة، هو سلامٌ أيضاً. فلا خصام في وحدة الثَّالُوْث الأَقْدَس، إذ إنَّ كلَّ أقنوم يُحبُّ الآخَر في سلام تامٍّ، بدون تمرد، في وحدةٍ مقدَّسة. وهذا الروح، روح السَّلاَم والمحبَّة والفرح، يَثبت في قلوب المُؤْمِنِيْن التَّابعينَ يَسُوعَ بإنكار أنفسهم. اللّه نفسه يسكن فيهم، فيرتاح القلب المضطرب.
لا تستطيع أذهاننا أن تُدرك الرُّوْح القُدُس، لأنَّ الرُّوح الإلهي ليس روحاً مخلوقاً محدوداً كما في الإنسان. ولا يستطيع حتَّى أكبر الفلاسفة والعباقرة إدراكَ ماهيَّة روح اللّه الخالق المعزِّي القُدُّوْس، هذا الرُّوح الَّذي يفحص أعماق اللاهوت، ويؤكِّد لنا تصالحنا مع اللّه في ضمائرنا، ويُعلن لنا أنَّ القُدُّوْسَ أبونا. ولا يستطيع إنسانٌ النُّطق بهذه الحقيقة، لولا أنَّ روح الرَّبّ يفتح أفواهنا للصَّلاة كأولاد: “أَبَانَا الَّذي فِي السَّمَاوَاتِ”.وكما أبدأَ روحُ الآب والابن فينا الإيمانَ والحَيَاةَ الأَبَدِيَّة، هكذا يحفظنا فيهما، ويشحذ ضمائرنا، ويملأ أذهاننا، ويغلب التَّقاليد الجامدة، ويحفظ باب قلبنا، ويراقب الأفكار الخارجة منه، ويُقدِّس شعورنا الباطني. فهو الَّذي يثبِّتنا في يَسُوع، ويجعل أمانينا وصلواتنا منسجمةً مع إرادة أبينا السَّمَاوِِيّ.
وحُلول روح اللهِ في المُؤْمِنِيْن بالمَسِيْح، هو الثَّورة الرُّوحيّة العظيمة في إيماننا. فتتغير صورة الإنسان السَّاقط في الحقيقة، لأنَّ جوهر اللهِ يشملنا، وقوَّته تُدخِلنا رحابَ المَسِيْح. سبع عشرة مرَّة يَستخدم بُولُس في رسالته إِلَى أَهْلِ فِيْلِبِّيْ العبارة البارزة: “فِيْ المَسِيْحِ”. وقد وَجد في هذه العبارة أصدق تعبير عمَّا أنشأه الرُّوْح القُدُس فينا. هل أنت “في المَسِيْح” أم خارجه؟ اطلب إلى مخلِّصك الجواب اليقين لهذا السُّؤَال، كي يحلّ روحه فيك. وربُّك مستعدُّ أن يباركك، ويملأك بعنصر محبته، إنْ طلبتَ ذلك منه بشدَّة ومواظبَة، لأنَّ المَسِيْح مات لهذه الغاية بالضَّبْط، ليحلّ روح اللّه فينا ويجدِّدنا ويقدِّسنا.
كان بُولُس متيقِّناً أنَّ سلام اللّه سيحفظ كنيسته في فِيْلِبِّي، ويثبِّتها في المَسِيْح، ويقدِّس النِّيَّات. فلم يتَّكل بُولُس على محاولات أهل فيلبِّي إصلاحَ أنفسهم، بل اتَّكل على أمانة المَسِيْح، وقدرته المتحقِّقة في عمل روحه الأمين. فاتَّكِل عليه أنتَ أيضاً، وتيقَّن أنَّ روح اللّه يغيِّر ذهنك، ويعمل في قلبك، ويؤكِّد لك غفران خطاياك، ويحذِّرك مِن الخطيئة، ويبكِّتك على كلِّ ظلم، ويدفعك إلى سلوك طاهر، ويقوِّيك لأعمال المحبَّة، كما أنه يُكمِّلك بالنِّعْمَة، ويملأك بملء سلام اللّه . فهل تَقْبَل هذا الرُّوح المبارك، وتستسلم له؟
| يا روح السَّلاَم النابع مِن قلب الآب والابن. تعال إلى أذهاننا، واملأ قلوبنا، لنعرف المَسِيْح مخلِّصنا، ونحمده طوال حياتنا. اغلب رواسب الخطيئة فينا، كيلا يفصلنا شيءٌ عن اللّه، فنعيش في انسجام معه، ونحبّ أعداءنا. لا تتركنا لأنَّنا بدونك لا نستطيع أن نفعل شيئاً. أنت واحدٌ مع الآب والابن، لا تَنْسَنا. ثبِّتْنا في الوحدة مع الإخوَة والأخوات المولودين ثانيةً، لأنَّنا لا نعرف الحياة إلاّ فيك. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 30. ما هو سلام اللّه وماذا يعمل؟ |
| و- سلام اللّه يحفظنا في فضائله (فِيْلِبِّي 4: 4-9) – تكملة |
| أَخِيراً أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هَذِهِ افْتَكِرُوا. | 8 |
| وَمَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهَذَا افْعَلُوا، وَإِلَهُ السَّلاَمِ يَكُونُ مَعَكُمْ. | 9 |
أرشد بُولُس كنيستَه إلى تحقيق محبَّة اللّه وفرحه وسلامه في حياتها اليوميَّة، وإلى الثَّبَات في جوِّ السَّمَاء وسط فوضى دنيانا؛ فحثَّ كنيسته على العيش مع البشر الَّذين لا يعرفون المَسِيْح ولا يحبّونه. فبُولُس لم يرفض الفضائل الإِنْسَانِيّة، ولكنَّه لم يأمر بتنفيذها، بل قال: “افْتَكِرُوا فيها أوَّلاً، وامتحنوا مقياس الناس، وقارنوا مبادئهم بأثمار الرُّوْح القُدُس.
يَعرف الناس عادةً في أعماق قلوبهم مَا هُوَ حَقٌّ وعادلٌ وشريفٌ وطاهرٌ ونبيلٌ. مع العلم أنَّ بُولُس بدأ قائمة الفضائل بالحَقِّ الَّذي هو أساس جميع الصِّفات الحسنة، بينما يطلب الفلاسفة والشعراء ومؤسّسو الأديان، بخطبهم الملتهبة، أن يعيش جميع الناس كرماء ومستقيمين. ولكن ليست عندهم القوَّة لتنفيذ مُثُلهم الخياليَّة (أو المثاليَّات الَّتي يَدْعُون إليها) لأنَّ تحت جلد الإنسان المهذَّب قلباً معقَّداً مفعماً بالخطايا والشَّهوات.ومهما بلغت التَّربية مِن شأنٍ عالٍ وسموٍّ وفضائل، فإنّها رغم تهذيبها لا تُغيِّر الشَّر داخلَ الإنسان. ولكنَّ المؤمن بالمَسِيْح ينال قدرةً مِن اللّه على تنفيذ المحبَّة المؤسَّسَة على فرح السَّلاَم. فالمؤمن لا يكذب. وهو إن كذب كذبةً بيضاء سهواً، يعترف بها أمام مَن كذب عليه، طالباً السَّماح منه. والمؤمن في المَسِيْح يبغض كلّ نجاسةٍ، ويبتعد عن الكلام البذيء، ويتدرَّب على طهارة يَسُوع. وهو أيضاً يرفض الظلم، ويحقّق النظام مع الطَّهارة، ويمارس الاستقامة والنُّبل في بيته وفي مهنته. فيقدر الجمالَ والصَّلاح والصِّدقَ قولاً وعملاً، لأنَّه يحمل جوهر السَّمَاء في قلبه. فجميع هذه الفضائل تحتاج إلى تدريبٍ، وهي لا تصدر في يوم واحد مِن قلب المؤمن. فقد قَبِلَ الفِيْلِبِّيون مبادئ الجودة والطهارة حامدين ربَّهم، وسمعوا بها مرَّات عديدة، حتى تيقَّنت عقولهم وامتلأت أفئدتهم بها. وفوق ذلك كلِّه رأَوا تحقُّقَ شريعة المحبَّة بأعينهم، لأنَّ الرَّسُول جعل نفسه مقياساً للحياة الجديدة. وهو لم يقُل لأصدقائه: “امتحنوا سلوكي” كما قال سابقاً بالنسبة لفضائل محيطهم، بل أمرهم أن يفعلوا مثله.
إنَّ الفضائل المحقَّة هي ظلُّ مَجد اللّه . وهذا المجد قد تجسَّد في يَسُوع. ورسله تبعوه بفرح وتمثَّلوا به. فكانَ المَسِيْحُ حاضراً في بُولُس، وصار قدوةً لجميع المُؤْمِنِيْن. وأصبح أعظم مِن جميع الفلاسفة، أعظم مِن أفلاطون وأرسطو وزرادشت وغيرهم؛ لأنَّه لم ينطق بأقوالٍ وحكمٍ فحَسْب، بل عمل ما قال، وعاش كما علَّم. فهل تجسَّدَت كلمة اللّه فيك أنتَ أيضاً؟ هل أصبحتَ ممثِّل الحقّ والصلاح في كنيستك؟ إنَّ سلام اللّه يعمل بلطفه في قلبك، وهو مستعدٌّ أن يُكمل إيمانك، لتنضج ثمار الرُّوْح القُدُس فيك، ويعم سلامك.
| أبانا، محبَّتك تجعلنا مجتهدين في إتمام الفضائل الحسنى. اغفر لنا تصرُّفاتنا الحمقاء، وامنحنا مِن حكمتك، كي نستطيع تمييز الأفكار والتصرفات في محيطنا، فننسجم مع الفضائل المقبولة عندك، رافضين الكذب والظلم والنجاسة؛ ولا ننكر الصَّلِيْب، لأنَّ مِن المصلوب تجري قوَّة المحبَّة في قلوبنا. قدِّسنا وثبِّتنا في ابنك، لكي نصبح قدوةً صالحةً للجميع حولنا بدون رياء. ليتمجد اسمك العظيم. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 31. ما هو التَّدرج بالفضائل الَّذي ورد في رسالة بولس هذه؟ |
| 7 – شكر الرَّسُول لِلْهِبة الماليَّة (فِيْلِبِّي 4: 10-20) |
| ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِالرَّبِّ جِدّاً لأَنَّكُمُ الآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضاً مَرَّةً اعْتِنَاؤُكُمْ بِي الَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ وَلَكِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ فُرْصَةٌ. | 10 |
| لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِياً بِمَا أَنَا فِيهِ. | 11 |
| أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضاً أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. | 12 |
| أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي. | 13 |
فرِحَ بُولُس الرَّسُول دائماً، حتَّى وهو في السِّجن، لأنَّ المَسِيْح كان فرحه وشمسه. فاستطاع الرَّسُول أن يستمرّ في الفرح، سواء في الاضطهاد أو الشركة مع الأصدقاء، لأنَّ يَسُوع كان حياته. فآمن به وبإرشاده المطلَق في كلِّ دقيقة مِن حياته. وهكذا لم يفارقه سروره قَطّ.
وأرشد المَسِيْح أهل فِيْلِبِّي، أن يرسلوا للسَّجين هبةً ماليَّةً. ولم يَعتبر بُولُس هذا المال أهمَّ شيء، بل فرح باهتمام المُؤْمِنِيْن به ومحبَّتهم النامية، وابتهج جدّاً لأجل نمو ثمار الرُّوْح القُدُس فيهم. وهذه المحبَّة تشبه نموَّ زهور الربيع. فالنُّضْج يحتاج إلى وقتٍ وإلى صَبْرٍ.
طوبى للَّذي لا يفتكر متهلِّلاً بخلاص نفسه فقط، بل يمارس التَّضْحِيَة لأجل الآخرين أيضاً، ويعمل ما يمليه عليه قلبه وضميره. هل تعرف أخاً مؤمناً محتاجاً؟ ساعده ولا تتوانَ أو تتلكّأ أبداً.
لننظر إلى مدرسة المبشِّرين الَّتي تعارض مبادىء حياتنا المدنية وتقاليدها مائة بالمائة، حيث فتح بُولُس قلبه، وكان عليه أن يتعلَّم الجوع والشَّبع، الصَّوم والقناعة؛ لأنَّ الرُّوْح القُدُس درَّبه على العَيش في جميع الظروف بدون تذمُّر، وبدون أن يعتبر التَّقَشُّف طريقاً أو فَضلاً للبر. فالصَّوم لا يخلِّصنا، بل المَسِيْح وحده هو مخلِّصُنا الَّذي يَحفظنا.
وفي مدرسة إرشادات اللّه تعلَّم الرَّسُول أن يغلب أيضاً تجارب الغنى والرَّفاهية. فتملُّك المال ليس خطيئة، بل إنَّ الخطيئة هي التَّصرُّف بالمال بدون محبَّة، وخارج إشراف الرُّوْح القُدُس. ثمَّة أمران يتطلَّبان مِنَّا قناعة عظيمة وحكمةً بالغةً، وهما: الغنى والفقر. والمؤسِف أنَّ المدارس وعلوم التَّربية لا تُهيِّئ الأولادَ، لصراع البقاء، ولا تُدرِّبهم عليه، فيفشلون عادةً في علاقتهم بالمال وفي تجربة الغنى أو الفقر. أمَّا المَسِيْح فيعلِّمنا أن نَرضى بالجوع، وأن نَرحم في الغنى. وهو يُحرِّرنا مِن الكبرياء، كيلا نَعتبر امتلاكنا للمال، أو افتقارَنا له مقياساً لقيمة حياتنا؛ لأنَّ درجة قبولنا عند اللّه تتوقَّف على إيماننا ومحبَّتنا ورجائنا، وليس على قيمة رصيدنا المصرفيِّ.
فمَن تعلَّم في مدرسة المَسِيْح، يمكنه أن يعيش غنياً أو فقيراً، لأنه قد تحرَّر مِن مطالب الدنيا وشهواتها. فهو بالحقيقة قد أدرك أنَّ لديه قدرةً لا توجد في الآخرين. ويحقُّ له القول مع الرَّسُول: “أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذي يُقَوِّينِي.” وعِِنْدَئِذٍ يَقبل مِن يد ربِّه جميع ظروف الحياة، بلا تمرُّد أو تذمُّر؛ فتجري منه قوىً وبركاتٌ كثيرةٌ، لأنَّه قد مات عن أنانيته، ويحيا بالمَسِيْح الَّذي ينفِّذ سُلْطَانه الإلهي بواسطة صلَوات المُؤْمِنِيْن، وإيمانهم المشترَك، وشهاداتهم القويَّة.
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع، لقد تذمَّرنا كثيراً مِن الجوع، ونقص المال، وارتفاع الأسعار، والأمراض. اغفر لنا طمعَنا، لأنَّك أنت الحيُّ وتعتني بنا. علِّمنا التَّحرّر مِن تجارب الفقر والغنى، مِن مبادئ الرأسماليَّة والشُّيوعية، لنتقدَّس حقاً فيك، ونختبر قدرتك. إنَّك لا تتركنا، بل تعتني بنا، وتحفظنا ليلاً ونهاراً. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 32. لماذا استطاع الرَّسُول أن يفرَح وسط الغنى والفقر؟ |
| 7 – شكر الرَّسُول لِلْهِبة الماليَّة (فِيْلِبِّي 4: 10-20) – تكملة |
| غَيْرَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ حَسَناً إِذِ اشْتَرَكْتُمْ فِي ضِيقَتِي. | 14 |
| وَأَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ أَيُّهَا الْفِيلِبِّيُّونَ أَنَّهُ فِي بَدَاءَةِ الإِنْجِيلِ، لَمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، لَمْ تُشَارِكْنِي كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حِسَابِ الْعَطَاءِ وَالأَخْذِ إِلاَّ أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ. | 15 |
| فَإِنَّكُمْ فِي تَسَالُونِيكِي أَيْضاً أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ لِحَاجَتِي. | 16 |
| لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ الْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ الثَّمَرَ الْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ. | 17 |
| وَلَكِنِّي قَدِ اسْتَوْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَاسْتَفْضَلْتُ. قَدِ امْتَلأْتُ إِذْ قَبِلْتُ مِنْ أَبَفْرُودِتُسَ الأَشْيَاءَ الَّتِي مِنْ عِنْدِكُمْ، نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللَّهِ. | 18 |
| فَيَمْلأُ إِلَهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. | 19 |
| وَلِلَّهِ وَأَبِينَا الْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدَّاهِرِينَ. آمِينَ. | 20 |
شَكر بُولُس أهلَ كَنِيْسَة فِيْلِبِّي لأجل التَّبرّعات المستمرَّة الَّتي أرسلوها إليه. وكانت له ثقةٌ كبيرةٌ بهم، حتى قَبِل تضحياتهم؛ هذا الامتياز الَّذي لم يخصَّ به أيَّ كنيسةٍ أُخرى، لأنَّ الفِيْلِبِّيين كانوا ناضجين في المحبَّة، ورُبَّما كانوا أثرياء أيضاً، حتّى قَبِلَ هباتهم الكثيرة الَّتي أغدقوا عليه بها، وكأنهم يتبرَّعون للمَسِيْح شخصيّاً.
لكنَّ الرَّسول احتفظ أيضاً، تجاه الفِيْلِبِّيين، باستقلاله وإبائه وعفَّة نفسه. وقال إنَّه غير محتاج، ولا يطلب المال منهم. بل يَفرح أن يرى التَّبرّعات ثماراً للرُّوح القدس فيهم.
فمحبَّة المَسِيْح ليست حُبّاً أفلاطونيّاً أو عاطفيّاً، بل هي محبَّةٌ عمليَّةٌ تتحقَّق بتضحياتٍ، وتجعل الغنيَّ شريك المحتاج، والموهوب شريك المتضايق. ليت قلوبنا تصبح أكثر شفقة، فتتغيَّر ميزانية أموالنا كلِّياً.
ولا بُدَّ أن تدفعك المحبَّة في كنيستك إلى المزيد مِن البَذل والعَطاء. أليس عيباً أن يُنفِق الأفراد مِن مالهم ووقتهم على السِّينما والمطاعم والسفر، أكثر ممَّا يُنفقون على كَنَائِسهم؟ كم تدفع سنوياً ثمناً لكتبك الدِّراسية الَّتي تعتبرها ضرورية، لأنّك تحبّ الثقافة والتقدم في الحياة؟ وكم تدفع لأجل الكتب الَّتي تفسِّر لك الكِتَاب المُقَدَّس، وتُشركك بحياة اللّه الأبدية؟ ندعوك اليوم إلى المساهَمة في نفقات كنيستك. ضَع قربان شكرك، عربونَ شكرٍ للمواهب المادية والرُّوحية الَّتي أنعم الله بها عليك. إنَّك مَدِيْنٌ لربِّك، فلا تسرق اللهَ، بل قدِّم له حمداً وذبيحةً حسب مَسْؤُوْلِيَّة المؤمن النَّاضج.
وهذه التَّضْحِيَة تعني ثماراً روحية. وحيث لا يُضحِّي الأفراد في الكَنِيْسَة، فهناك علامةٌ لموت روحي وأنانية تحزن قلب اللّه. ضحِّ بعشرة بالمائة، على الأقل، مِن دَخْلِك كعطية مسرورة للهِ طوعاً. وعندئذٍ سترى أيّ بركة تمطر عليك وعلى بيتك.
قال تاجرٌ مؤمنٌ: “إنَّ ربحنا في هذه السنة قليلٌ، ولذلك ينبغي أن نضحِّي بالمزيد”. لقد فهم القوانين التِّجارية في السَّمَاء، الَّتي تُعارض مبادئ الدنيا. إنَّ للهِ كلَّ شيءٍ، وهو غير محتاج. لكنَّه يفرح بكلِّ عطيَّة صادرة مِن قلبٍ شفيقٍ، وينتظر شكرك وتضحيتك.
هكذا فرح بُولُس أيضاً لأجل المال. ولكنَّه لم ينسَ أن يكتب رسمياً عَن وصول المبلغ الكامل، لإبراء ذِمَّة مُسلِّم المبلغ.
وهو في فرحه وشكره لم ينظر إلى العطيَّة اللطيفة عينها، بل نظر إلى الوهَّاب الَّذي يحوِّل قلوب الناس كجداول المياه. وأدرك أنَّ الهبة ليست معطاةً له أوَّلاً، بل لله مباشرةً، وأنَّ كلَّ قرشٍ مضحًّى به هو ملك الله. ولكن بما أنَّ العليّ رضي قبول العطيّة، هكذا رضي بُولُس أيضاً أن يتواضع ويَقبل المساعدة.
وفي الوقت نفسه ظهرت عفَّة نفسه الرَّسوليَّة، فعبَّر عن الغنى الإلهي وملئه.
لقد تأكَّد بُولُس أنَّ الآب السَّمَاوِِيّ قد سُرَّ بهبة أهل فِيْلِبِّي، وأنَّه سيُمطر عليهم بالبركات المادية والروحية، لأنَّ هذه هي فكرة اللّه أن نُضحِّي، كما نرى في المَسِيْح الَّذي ضحَّى بنفسه لأجل الخُطاة، فارتفع إلى المجد الإلهي وقدرته غير المحدودة. فكم بالحري يُباركنا اليوم بكلِّ ما عِندَه، إن تمثَّلْنا بسيرته المضحِّية المُحِبَّة.
وهكذا رفع بُولُس عينيه، في نهاية رسالته، إلى مجد الثَّالُوْث الأَقْدَس. كلّ غنى وبهاء وجلال يخصّ الآب والابن. وسجود الرَّسُول يشبه رجوع الهبة إلى مصدرها. فمالُك أيضاً هو لربِّك. فمتى تسجد له، وتضحِّي بما تدّخر، واضعاً إيَّاه عند قَدَمَي الحبيب؟ أليست فيك محبَّة الله؟ متى تفتح محفظتك وتعطي بسرور؟
| أَيُّهَا الآبُ، أنت تمنحنا القوت والكساءَ يوميّاً. ساعدنا ألاَّ نحسد أو نطمع، بل نعطي بسخاء. فلا يصبح المال إلهَنا، بل نَثبت عبيد رحمتك، ونضحِّي بفرح وحكمة. املأنا بمحبَّتك، كي نتبع المَسِيْح في بذل الذّات والمال عمليّاً. ونتبعه أيضاً إلى المجد، لأنَّك أنت المجيد مع ابنك في وحدة الرُّوْح القُدُس. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 33. ماذا تعلَّمت مِن حياة الرَّسُول ومِن شُكره؟ |
| 8- خَتم الرِّسَالَة بالنِّعْمَة (فِيْلِبِّي 4: 21-23) |
| سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ مَعِي. | 21 |
| يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ وَلاَ سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ. | 22 |
| نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ | 23 |
المحبة تبتهل وتهدي الهدايا وتكتب الرَّسَائِل، لتُثْبِت بذلك نفسَها للبعيدين، فيفرحوا ويتشجعوا ويشتركوا في البركة.
طلبَ بُولُس مِن مستلمي رسالته، أن يسلِّموا على كلّ قدِّيس في المَسِيْح عندهم ثابت في المَسِيْح ونعمته، ليتأكّد أنَّ هناك وحدة روحية تربط الجميع، سواء كانوا مسجونين أو أحراراً. فهل يربطك رباط المحبّة المقدّس بإخوتك المُؤْمِنِيْن رغم المسافات؟
أخي المؤمن، تأتي القَدَاسَة مِن إيمانك بالمَسِيْح وبكلمته، والعمل بها، دون النظر إلى ماضيك ونفسك. وإذ ذاك ترى بركات الرب، وتشعر بقوَّة روحه الأزليِّ، فيجعل منك خادماً له، مفروزاً لخدمته.
ونؤكِّد لك، أنَّنا نصلِّي لأجلك باستمرار، ونسلِّّم عليك. ولكنْ تأكَّد أننا لسنا وحدنا مَن يفعل هذا، بل إنَّ المَسِيْح نفسه يعرفك، ويحبُّك ويشفع لك. اعلَم يقيناً أنه يدفعنا للإيمان لأجلك. كما أنّه يرشد جميع القِدِّيْسِيْن للصَّلاة لأجلك، لأنَّ الرَّبّ علَّم أتباعه، في صلاته الرَّبَّانِيَّّة، أن يُصلُّوا في صيغة الجماعة “نحن”، فيشملوك في صلاتهم أيضاً. واعلم أيضاً أنَّ جميع القِدِّيْسِيْن الأحياء يبتهلون لأجلك كلَّ يوم، وفي كلِّ مكان على الأرض. ولَئِن غربت الشَّمس في منطقةٍ مِن كرتنا الأرضية، فإنها تُشرق على الأخرى في الوقت نفسه، أي إنَّ سلسلة الصَّلاَة المَسِيْحِيّة لا تنتهي. فهل أنت حلقةٌ في هذه السِّلسلة؟
وشهد بُولُس بخاصَّةٍ أنَّ بعض عبيد القيصر وأعوانه قد أصبحوا مؤمنين بالمَسِيْح، وتقدَّسوا في سلوكهم حقّاً. ودخول الإِنْجِيْل حاشيةَ الإمبراطور يُعتبَر عجيبةً، لأنَّ هؤلاء عاشوا في محيط يكرَّم فيه القيصر كإله. فهؤلاء المُؤمِنُون أدركوا المَسِيْح ربّهم، وتحوَّلوا عن إلههم القديم إلى اللهِ الحي بعزم وثبات، رغم خطر الاضطهاد والجوّ المخيف حولهم.
وهذا يؤكِّد لك أن ليس أحد في محيطك أيضاً يقدر على معارضة ظفر الإِنْجِيْل، رغم ما ظهر مِن فوز السلطات المضادة لملكوت اللّه، والَّتي كانت مؤقَّتة. في أيامنا هذه لا يتذكَّر أحدٌ القيصرَ الَّذي حَكم أيام بُولُس. ولكنَّ الملايين مِن المُؤْمِنِيْن يعتبرون يسوع المسيح المخلِّصَ الوحيد، هذا المُخلِّص الَّذي لا يزال تأثيره يُدهش أكبر المفكرين.
ولا تنسَ أنَّنا جميعاً في سباقٍ مع الفرح، هذا الفرح الَّذي لا يَنتج مِن تلقاء نفسه، ولا بقوَّتنا الشَّخْصِيّة، بل بالمَسِيْح الَّذي يُغطِّي ضعفنا بنعمته العظيمة، ويُطهِّرُنا بدمه مِن آثامنا كلَّ يوم، ويقدِّسنا إلى التمام. فاللهُ القُدُّوْس يَقبلك، وإنْ تعبتَ أو وقعتَ يوقفك على رجليك، لتسير معنا في موكب انتصار المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ.
المَسِيْحُ حيٌّ. وهو ضامن إيمانك، ويقوّي رجاءك، ويسند محبّتك. هو مخلِّصك. فانقل هذه النِّعْمَة إلى الكثيرين، ليتغيَّروا ويثبتوا معنا في حياة الثَّالُوْث الأَقْدَس، فيزداد السَّلاَم والفرح في المَسِيْح وسطَ هذا العالم المُضطرِب.
| أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوْع المَسِيْح، أنتَ سبَب فرحنا، لأنك فديتنا وثبَّتَّنا في سرورك، وستُكملنا بالنِّعْمَة. بارِك يا ربّ المنعزلين في وطننا الَّذين لا يعرفونقدِّيساً في محيطهم. كُن قريباً منهم، وصلِّ فيهم، ليختبروا قوَّتك المخلِّصة وأمانتك. طهِّرهم باسمك إلى الأبد، وساعدنا أن نُعاين بعضنا بعضاً في مسرَّة مجدك الأبدي. آمين. | الصلاة: |
| السؤال: 34. ما الَّذي يربط الكلمات الثلاث التَّالية بعضها بِبَعض: المَسِيْح و النِّعْمَة و القِدِّيسُون؟ |