إنجيل المسيح حسب البشير متى مع التأملات والصلوات والمرشد الى شريعة المسيح

تفسير الكتاب المقدس حسب البشير متى. الحياة الفضلى

كتاب

إنجيل المسيح حسب

البشير متى مع التأملات والصلوات

والمرشد الى شريعة المسيح

تُوبُوا

لأَنَّهُ قَد اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَات

(متى ٤: ١٧)

تأملات في إنجيل المسيح حسب البشير متى

عبد المسيح وزملاؤه

الحياة الفُضلى – بيروت – لبنان


لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ،

بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللّهِ. متى ٤:٤


جميع الحقوق محفوظة

لمركز الدراسة: الحياة الفضلى

الطبعة الأولى: ٢٠٠١

مزرعة يشوع – ص ب ٢٢٦ المتن – لبنان.


 تعمّق معنا في دراسة الكتاب المقدس وتفسيره

نقدم لكم، بعون الرب، إنجيل المسيح حسب البشير متى مع التأملات والصلوات والمرشد الى شريعة المسيح، تأملات تظهر أهم المبادئ لتفسير هذا الإنجيل الأول، مع البنود الأساسية لشريعة المسيح.

نقصد من هذه التفسيرات أن تدرك الأسس في تعاليم المسيح، وتتعمق في حقوق شرعيته كما نتمنى ثباتك التعبدي وتعلقك بالمنجي المخلص، من خلال دعواته للتوبة والإيمان والمحبة.

ستجد في نهاية التأملات، صلوات نموذجية، فحاول أن تصليها معنا وتتممها من خلال إضافة كلمات مناسبة من عندك، وذلك حسب احتياجاتك الخاصة بإرشاد الروح القدس، لتتقرب وترتبط براعيك الصالح.

 في نهاية التأملات والأدعية، ستجد أسئلة، تساعدك وتشجعك على التعمق أكثر في كلمة الله المقدّمة لك. إن أجبت على ٩٠ % من هذه الأسئلة، بإيجاز، وأرسلت لنا مجموعة أجوبتك من الكتاب كله عن طريق البريد العادي، فلا تنس ذكر إسمك وعنوانك الكاملين، كما يمكنك إرسال أجوبتك عن طريق البريد الإلكتروني ، فسنرسل لك:

شهادة النّضوج في دراسَة إنجِيل المسِيح حسَب البَشِير مَتى من مركز الحياة الفضلى وسيتم الاتصال بكم من طرف هيئة التدريس والبحوث من خلال العنوان البريدي.

وكذلك سنرسل لكم عبر الايميل جائزة قيمة، عبارة عن كتاب مفيد، يعينكم على معرفة الكتاب المقدس، ولتقديم بشرى الخلاص للذين لم يتعرفوا بعد على المسيح الحي.

إن كانت عندكم أسئلة حول الإيمان، أو عن الإنجيل، فنرجو كتابتها على ورقة مستقلّة او على عنواننا البريدي وارسلوها لنا، مع ذكر إسمكم وعنوانكم الكاملين.

نصلي لأجلكم، حتى يبارككم الرب ويحرسكم، ليضيء الرب بوجهه عليكم، ويمنحكم سلاماً.

مركز الدراسة: الحياة الفُضلى، مزرعة يشوع المتن. ص ب ٢٢٦ – لبنان.

   E-mail: family@hayatfudla.org

طُوبَى للْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. (متى ٥: ٦)


فهرس الكتاب

حسب التسلسل التاريخي

التمهيد:كتابة إنجيل المسيح حسب البشير متى ٧
الجزء الأول:فترة قبل خدمة المسيح ( ١:١ –٤: ٢٥)                               ١١
الجزء الثاني:خدمات المسيح في الجليل والمناطق المجاورة ( ٥: ١ – ١٨: ٣٥)  ٩١
الجزء الثالث:خدمات يسوع في وادي الأردن أثناء سفره إلى أورشليم (١٩: ١ – ٢٠: ٣٤)٣٥٣
الجزء الرابع:خدمات يسوع الأخيرة في أورشليم ٢١: ١- ٢٥: ٤٦٣٨٣    
الجزء الخامس:آلام يسوع وموته على الصليب ( ٢٦: ١ – ٢٧: ٦٦)                     ٤٨١
الجزء السادس:قيامة يسوع من بين الأموات والمأمورية العظمى ( ٢٨: ١-٢٠)  ٥٣٥
الجزء السابع:المرشد إلى شريعة المسيح حسب البشير متى٥٥٧


التمهيد: كتابة إنجيل المسيح حسب البشير متى

لحياة المسيح وأقواله وموته وقيامته شهود عيان كثيرون. نعلم من شهادتهم أن المسيح لم يكتب كتباً، رغم أنه كان قادراً على الكتابة باللغة العبرية. نعتبر ونؤمن في إنجيل المسيح حسب البشير متى مع التأملات والصلوات والمرشد الى شريعة المسيح، انه كلمة الله المتجسد، إذ عاش ماقاله، فسيرته وسنَّته يشكلان ويكونان الإنجيل المفتوح لكل من يحب الحق. ليس كلام  المسيح تعليماً وحسب، بل هو قوة الله البناءة. إن كلمة إنجيل تعني بشرى معزية، لأنه يقدم لنا غنى لطف الله ونعمته في المسيح يسوع.

الأناجيل الأربعة

إن كلمة “إنجيل” مأخوذة من الكلمة اليونانية “إوانجليون” ومعناها “بشارة” أو “خبر طيب”. فالإنجيل إعلان الأخبار المفرحة عن الخلاص. وتستخدم الكلمة أحياناً للدلالة على قصة حياة ربنا يسوع المسيح ( مرقس١:١) بما في ذلك كل تعاليمه ( أعمال ٢٠: ٢٤).

وكلمة إنجيل الآن، تعني في المقام الأول، الرسالة التي تكرز بها المسيحية، فهي “الخبر الطيب”. إن الإنجيل عطية من الله. إنه إعلان غفران الخطايا واسترداد البنوة لله بواسطة المسيح .

وضع روح الرب بين أيدينا أربعة كتب عن سيرة المسيح، إذ أوحى بها لكُتَّابه البشيرين متى ومرقس ولوقا ويوحنا.  اثنان منهم كانا من تلاميذ المسيح المقربين له، واثنان من مرافقي رسله، وهذان استقيا الأخبار من الرسل بدقَّة. حين نتأمل الأناجيل نرى أن الثلاثة الأولى تتشابه كثيراً، حتى أنها في بعض الأحيان تظهر العبارة نفسها في كلٍّ منها، رغم أن كلاً يذكر أخباراً خاصة مميزة عن حياة المسيح، لم يذكرها غيره. فلكل إنجيل ميزة خاصة به. فلنذهب لنرى جميعا ما يتحدث عليه إنجيل المسيح حسب البشير متى مع التأملات والصلوات والمرشد الى شريعة المسيح.

من هو متى؟

 متى هو أحد رسل يسوع المسيح الإثنى عشر ( مت١٠: ١-٤ ) وهو من منطقة الجليل (أع ٢: ٧) إسمه الأصلي “لاوي بن حلفي” ( مر٢: ١٤؛ لو٥: ٢٩). وكلمة “متى” معناها ” عطية الله”. والضيافة الكبيرة التي صنعها متى في بيته ليسوع، ودعا إليها جمعاً من عشارين وآخرين، كانت بمناسبة دعوة الرب له وفرحاً بها. لكنه لتواضعه لم يعلق عليها.

كانت مهنة متى في أول الأمر عشاراً، أي أنه كان يجمع الجزية للدولة الرومانية. لذلك كان هو وأمثاله من العشارين منبوذين ومحتقرين من اليهود الذين كانوا يعتبرونهم غير مستحقين للجنسية اليهودية. وطالما اقترنت أسماؤهم بالخطاة الوثنيين (متى ٩: ١٠-١١، ١٨: ١٧). كثيراً ما تذمر الفريسيون من الرب لقبوله العشارين ودخوله لبيوتهم (لو٥: ٣٠، ١٥: ٥١، ١٩: ٧). لكن نعمة الله هي للجميع بدون استثناء، وهي قادرة أن تخلص أشر الخطاة. لقد دعت متى من مكان الجباية للرومان، ليكون رسولا للرب يسوع المسيح. وبعد أن كان نكبة على اليهود بجبايته كعشار، جعلته نعمة الله “عطية منه” لهم بإنجيله كبشير. لذلك لم يخجل أن يسمي نفسه “متى العشار”    (متى١٠: ٣).

ميزة الإنجيل حسب البشير متى

تبرز في الإنجيل حسب متى دعوة المسيح للمساكين والثقيلي الأحمال (أصحاح ١١) وبعض الأمثال عن نمو ملكوت الله (أصحاح ١٣) ومثَل العبد الشرير والفعَلة المتأخرين في الكرم (أصحاح ٢٠) وَمثَل العذارى  العشر الحكيمات والجاهلات، ووصف الدينونة الأخيرة (أصحاح ٢٥).

الإنجيل الأصلي الآرامي

تشترك الأناجيل الثلاثة الأولى في سرد مجموعة من الأخبار المختارة عن حياة المسيح وأقواله. إذ يتضح أنه قبل كتابة الأناجيل الثلاثة باللغة اليونانية، جَمَع الرسل ودونوا ما حدث في حياة المسيح وما قاله باللغة الأرامية، التي كانت الأساس لكل البشيرين في كتابة أناجيلهم (أعمال الرسل ٢:٤٢، لوقا ١:١-٤ ، يوحنا ٢٠:٣٠).

من كتب إنجيل متى؟

كان متى، كاتب الإنجيل الأول والأطول، رئيساً للجباية، محتقراً من الشعب لأنه موظف ماهر للدولة المستعمِرة. واسمه الأصلي لاوي (مرقس ٢:١٤ ،لوقا ٥:٢٧). لكن المسيح اعطاه اسماً جديداً  «متى» أي “عطية الله”.

نجد أقدم شهادة عن إنجيل متى عند شيخ الكنيسة بابيوس، إذ نقرأ في سجلاته أن متى جمع أقوال الرب أولاً  باللغة الآرامية. ونجد مصداقية ذلك في الكلمات المتعددة التي كُتبت بلفظها الأرامي في الإنجيل، مثل رقا (أي رأس فارغ) ومامون (أي مال). فالأرجح أن الرسل فوَّضوا متَّى، وهو أمهرهم باللغات ليجمع أقوال المسيح ويترجمها تحت إشرافهم إلى اللغة اليونانية. كما أن الأدلة الداخلية في الإنجيل نفسه ترجح أن يكون الكاتب متى العشار. فهذا الإنجيل يحوي إشارات إلى العملات المختلفة أكثر من أي إنجيل آخر. في الواقع إنه يشير إلى ثلاث وحدات نقدية لا توجد في أي مكان آخر من العهد الجديد. وهكذا فإن إنجيل متى يتفرد بالإشارة إلى ” الدرهمين ” ( متى ١٧: ٢٤) و” الإستار” ( متى١٧: ٢٧) و” الوزنة” (متى١٨: ٢٤).

وبالتالي يتضح أن كاتب الإنجيل كان ملماً بأنواع العملات المختلفة ويهتم بتحديد هويتها وقيمها للأتباع. جدير بالذكر أيضا أن هذا الإنجيل يشير في عداد تلاميذ المسيح إلى “متى العشار” علامة على تواضع الرسول متى، بينما يذكر مرقس ولوقا في عداد تلاميذ المسيح “متى” دون ذكر لصفة الإذلال ” عشار”. يظهر هذا التواضع عند الرسول متى أيضاً لعدم ذكر تفاصيل معينة ترفع من شأنه. فهو لا يذكر أن الوليمة التي صنعها ليسوع كانت من تدبيره وفي بيته لكنه يكتفي بذكر ” في البيت” (متى ٩: ٩-١٠) بينما يوضح لنا لوقا (لو٥: ٢٩) بأن متى صنع للمسيح “ضيافة كبيرة”. لا يذكر متى في إنجيله قصة زكا وقصة الفريسي والعشار (لو١٨: ٩-١٤؛ ١٩: ١-١٠) ربما لأن كلا القصتين تحويان مدحاً ضمنياً لإيمان العشار.

خطابات يسوع الستة

تنقسم أقوال المسيح في إنجيل متى إلى ستة أجزاء شاملة متتابعة بنظام معيَّن، لا تحوي أفكاراً مكررة. لقد اتَّبع متى تعليم معلِّمه خطوة خطوة، وأبرز أولاً دستور ملكوت السماوات (الأصحاحات ٥-٧) ثم أعقبه بالأوامر لنشر ملكوت السماوات (أصحاح ١٠) ثم أسرار نموّه (أصحاح ١٣) ثم تنظيمه الداخلي (أصحاح ١٨) ثم الويلات على أعداء ملكوته ( أصحاح ٢٣) وأخيراً ظهوره في مجيء مَلِكه (أصحاحان ٢٤ ، ٢٥). فَذِكْر أقوال يسوع هذه أثمن كنـز في إنجيل متى التي تستحق الدراسة والتعمق.

الغاية من إنجيل متى

نجد اتجاهاً خاصاً عند البشير متى لإبراز تفاصيل سُنَّة المسيح، لأنه يبرهن لليهود أن يسوع الناصري هو المسيح الحقيقي  الموعود، ابن داود وابن ابراهيم. وقد استخلص متى، أكثر من كل البشيرين الآخرين، آيات من العهد القديم ليؤكد أن يسوع هو المسيح الملك الالهي، الذي به تمَّت وعود الوحي. لذلك أصبح إنجيله أفضل الأسفار لتأسيس وتثبيت المؤمنين بتعمُّقهم في تعليم المسيح، وهو في نفس الوقت صالح لتبشير أولاد إبراهيم وجذبهم إلى مخلّصهم الذي احتمل عنهم دينونة الله.

هذان القَصْدان-التبشير والتعليم-هما مترابطان في إنجيل متى بطريقة عجيبة، وضعت هذا السفر في الموقع الأول من العهد الجديد، لتمجيد يسوع مسيحاً لله.

تاريخ كتابة الإنجيل حسب متى

كُتب هذا الإنجيل الفريد حوالي سنة ٥٨ للمسيح، أي بعد ٢٥ سنة تقريباً من صَلبه. ويجمع العلماء أنه كُتب قبل خراب أورشليم سنة ٧٠م. إذ ليس من إشارة فيه إلى خراب الهيكل أو أورشليم بل على العكس فإن النبوات التي فيه تشير إلى توقع حصول هذا الحدث في المستقبل ( راجع ٢٣: ٣٧-٣٨؛ ٢٤: ١-٢). إضافة إلى ذلك يسجل الرسول متى تحذيرات كثيرة في إنجيله ضد الصدوقيين الذين فقدوا مركزهم في السلطة بعد دمار أورشليم.

 وإننا نجد فيه أقوالاً صادقة عن أعمال وأقوال سيدنا يسوع المسيح الذي يدعونا إلى اتِّباعه كما دعا متى نفسه.

الأسئلة:

١- من هو متى، وكيف عرَّف عن نفسه؟   

٢– ماهي ميزات الإنجيل حسب متى؟

٣–  ماهي غاية الإنجيل حسب متى؟


الجزء الأول

الفترة التمهيدية لخدمة المسيح

( ١:١- ٤: ٢٥)

١٢١: ١- ٢: ٢٣  ١ ولادة يسوع وطفولته
١٢١:١ – ١٧نسب يسوع   
٢٧١: ١٨ –٢٥ ولادة يسوع وتسميته  
٣٦٢: ١- ١١ سجود المجوس 
٤٦٢: ١٢- ٢٣ محاولة هيرودس قتل يسوع     
٥٢٣: ١-٤: ١١٢ – يوحنا المعمدان يعد الطريق للمسيح       
٥٢٣: ١-١٢ النداء للتوبة   
٦٣٣: ١٣- ١٥ معمودية المسيح       
٦٥٣: ١٦ ، ١٧ إعلان وحدة الثالوث الأقدس 
٦٨٤ :١-١١ تجربة يسوع من إبليس وانتصاره
٧٧٤: ١٢-٢٥ ٣- مبادئ خدمة المسيح في الجليل
٧٧٤: ١٢-١٧المسيح يختار كفرناحوم مسكناً له
٨١٤: ١٨-٢٢المسيح يدعو أول أخوين للتلمذة
٨٥٤: ٢٣-٢٥وصف بـهي لخدمة المخلص
مسابقة الجزء الأول ٨٨

١ – ولادة يسوع وطفولته (١:١- ٢: ٢٣ )

نَسَب يسوع (١:١-١٧)

١: ( ١ ) كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ

تعتمد أكثرية الأديان على كتبها المقدسة. لكننا نحن المسيحيين لا نعبد كتباً، إنما نتعلق ونؤمن بشخص فريد، هو كلمة الله المتجسّد. لم يكتب البشير متى كتاباً من نسيج الخيال على نمط الروائيين، ولم يُمْلِ عليه روح غريب مُثُلاً عليا، ولم يسمع صوتاً خارقاً في غيبوبة، لكنه وصف حياة وكلمات يسوع الناصري، الذي أحبه حباً جماً، وأكرمه وتبعه بإيمان عميق. فكتابه شهادة عيان لشخص تاريخي وحوادث واقعية، قدم فيه يسوع ملكاً ومسيحاً ورباً مخلّصاً لنا.

إن كلمة «ميلاد» المذكورة في أول إنجيله، تعني في اللغة اليونانية: المصدر، الصيرورة، المجيء والتطور في مسيرة الحياة. فلم تكن ولادة يسوع على الأرض بداية وجوده، لأنه موجود منذ الأزل. فكيانه لا تحدُّه الولادة والموت. هو حي لأنه روح الله، ومجيد، وأبدي عند الله. إنه الرب بالذات.

كان ليسوع الناصري أسماء مختلفة، سمَّى نفسه ابن الانسان، ونور العالم، وخبز الله الواهب حياة للعالم. وأعداؤه سمُّوه باحتقار «ابن مريم» الذي لا أب له. أما تلاميذه فأكرموه بلقب «المعلم». لكن اسمه الأصلي هو يشوع، الذي نلفظه في العربية «يسوع». فمن هذا الاسم الفريد ترتجف الشياطين وتنتعش الملائكة. وفيه غاية وقصد مشيئة الله. كما أن قوة سلطان السموات كلها تعمل في هذه الأحرف. فنبدأ تفسيرنا المتواضع ليس بأسمائنا الخاصة، بل باسم الرب يسوع، الذي هو روح الله المتجسد.

وردت كلمة “يسوع” ٩٥٠ مرة في الكتاب المقدس باللغة العربية، وهذا يدل على أنه أهم إسم من أسمائه الأخرى.

الصلاة: أيها الرب يسوع، أنت الأزلي الحي. وقد تجسَّدْتَ لنرى في حياتك سلطان الله، وننال بكلماتك قوة الروح  القدس. اغفر جهلنا وعدم قدرتنا، وأنِرْنا لندرك جوهرك، ونؤمن بك، ونتبعك، ونكرم اسمك المقدس “يسوع”، بشهادتنا وأعمالنا وشكرنا.

السؤال ٤: لماذا لا يرتبط المسيحي بكتاب معين، بل متعلق بشخص يسوع؟


١: ( ١ ) . . .  يَسُوعَ المَسِيحِ

في زمن يسوع كان اليهود لا يزالون يترقبون بلهفة مجيء المسيح الموعود، منذ ألف سنة. لقد وعد الله الآباء والملوك والأنبياء من قبل، أن يقيم رجلاً من أمّتهم، يكون ملكاً عظيماً في شعب العهد القديم. وهو يكون من طبيعة إلهية، إضافة إلى كيانه البشري. ممتلئ بقدرة الخالق، ولا نهاية له ولملكه(٢ صموئيل ١٧: ١٢-١٥ وإشعياء ٩ :٥).

ترقَّب اليهود بشوق مجيء المسيح، خصوصاً لمَّا احتلَّ الرومان بلادهم، ليحررهم من نير العدو المستعمر. وتمنوا أن يقيم المسيح الآتي ملكوت الله على الأرض بحد السيف والسلطان، وأن يجعل مدينة أورشليم محور العالم، وأن يقيم الموتى حاكماً ودياناً على الشعوب.

عندما كتب البشير متى أول جملة في كتابه، وشهد أن الشاب الوديع يسوع الناصري هو المسيح الموعود، خلق بشهادته هذه إيماناً ملتهباً عند المستعدين، وبُغضة مُرَّة عند الأصوليين الرافضين. فكل المخْلِصين بين منتظري المسيح، الذين أدركوا في يسوع روح الله المتجسد، تعلَّقوا به مؤمنين. لكن أكثرية اليهود رفضته لأن رؤساء شعبهم رفضوه، إذ جاء بلا سلاح ولا قوة دنيوية فسلموه للصلب. لم يهتم متى بحقد الجماهير والرؤساء، بل عارضهم بجرأة، وشهد بالحق، وسمَّى يسوع: «مسيح الله الموعود». وقد وردت كلمة المسيح ٥٦٩ مرة في العهد الجديد.

ليست كلمة «المسيح» اسماً ليسوع، بل لقبه الذي يدل على خدمته. فكلمة المسيح تعني الممسوح بملء الروح القدس. في العهد القديم مُسح الملوك والكهنة والأنبياء بزيت التكريس. وقد وحَّد يسوع في شخصه سلطان الملك الإلهي، وهو رئيس الكهنة الحق، وحمل الله الذبيح. كما أنه لم يأت كسائر الأنبياء بكلمة الله الموحاة له، لأنه كان هو كلمة الله المتجسد. في المسيح حلَّ ملء اللاهوت جسدياً، فهل أنت من أعضائه أم من أعدائه؟

نسجد لك أيها الرب يسوع المسيح، لأنك الملك المرسَل من الله، وكاهننا الأمين. لقد نقلت قلوبنا إلى مملكة سلامك. علِّمنا إدراك اسمك وسلطانك الروحي، لكي نعرف حياتك ووداعتك وتواضعك، ولكي تتغير أذهاننا لنثبت أعضاء مؤهلين لملكوتك.الصلاة:

السؤال ٥: ما معنى لقب «المسيح» بالنسبة ليسوع؟


١: ( ١ ) . . . يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ

يعرف كل يهودي من هو داود، لأنهم حفظوا مزاميره ( زبوره ) غيباً ورتلوها في المناسبات والأعياد الدينية، وعظَّموا محبة الله وعنايته بكلماته المليئة بالحمد والشكر. واستخدموا كلمات وعبارات ملكهم معترفين بخطاياهم وطالبين من الرب خلاصاً من أعدائهم.

فمن هو داود؟ اختاره الرب وهو ما يزال فتى راعياً، ليكون الملك الممسوح على شعب العهد القديم. وخلال خدمته الرعوية على القطيع تعلم الانتباه والجرأة والقيادة، والثقة بالله. كافح ضد الدببة والأسود. تعلم الصيد والعزف على الربابة والمزمار. ولمَّا صار شاباً تغلب بقدرة الله وعونه على جليات الجبار، فحسده الملك شاول، وغار من بطولته الشهيرة.

اضطر داود للهرب إلى الفلسطينيين، وعاش تحت حمايتهم، إلى أن انتحر خصمه شاول. بعدئذ أسس في “حبرون” مملكة مدة سبع سنوات. ولمَّا تحسَّنت الأحوال سنة ١٠٠٤ ق.م  فتح أورشليم، وجعلها عاصمة لأمته كلها. واستجلب أيضاً تابوت العهد إلى مركز سلطانه، جاعلاً من أورشليم محور الحضارة اليهودية. كذلك غلب أعداءه المجاورين تدريجياً في حروب دموية.

لمَّا أصبح داود غنياً وشهيراً، غلبته شهوته فزنى وقتل وأخذ نعجة الرجل الفقير. لكنه سمع توبيخ الله وتجاوب معه، فتقبّل الله توبته العميقة وغفر خطيئته بعد اعترافه الصريح بها، ومات ابن الخطيئة، إذ من المستحيل أن تجتمع الخطيئة والبركة تحت سقف واحد. ثم أدَّبه من جهة أولاده بخطايا متعددة وثورات أليمة، حتى اضطر للهرب من وجهه، وهو شيخ كبير السن، إلى عبر الأردن. ولم يعد إلى قاعدته إلا بعد أن قُتل ابنه الثائر أبشالوم.

في تلك السنوات الهائجة، اقترب داود من الله وصلى كثيراً، حتى ألهمه الروح القدس تسابيح ونبوات فائقة الوصف. ويشير قسم كبير من مزاميره إلى المسيح الآتي. وأعمق تأثير نقشه الروح القدس في قلبه أنه سيأتي من نسله ابن، يكون الله أباه بالذات(٢صموئيل ١٧: ١٢-١٥ و ١ملوك ١٧: ١١-١٤). وهذا الوعد المثير هو أحد أسس الإعتقاد أنه ينبغي أن يكون المسيح ابناً لداود.

لم يضع متى البشير وفي أول جملة من كتابه، لم يضع لقب المسيح فقط على يسوع، بل شدَّد على أنه من ذرية داود، مبيّناً أن يسوع هو من عشيرة الملك، معيَّن منذ ولادته ليكون الملك الأزلي الموعود.

أيها الله القُدُّوس، طرقك غامضة أمام أعيننا. لكن كل وعد من وعودك يتم حتماً وتلقائياً. لم تخترنا لجودتنا الخاصة، بل لأجل رحمتك العظيمة. ولم ترفضنا لأجل آثامنا، بل تطهرنا إذا تُبنا توبة حقَّة. فأرشدنا إلى انكسار الكبرياء وإلى الندامة على خطايانا لنرفض كل شرورنا، وتتقدس أذهاننا بقوة روحك الطاهر.الصلاة:

السؤال ٦: لماذا سمي يسوع «ابن داود»؟


١ :١ كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ

أكرم اليهود ابراهيم أباهم لأن به ابتدأ تاريخ الله مع جماعة من البشر. فدعا الله إبراهيم من مستقره في بلاد الرافدين، وأمره أن يخرج من حضارته، ويترك أصدقاءه وحماية عشيرته، جعله بدوياً رحَّالة بلا وطن. فاستسلم إبراهيم لهُدى ربه، وصار قدوة للمؤمنين. ومنذ البداية وعد الله مختاره أن يجعل ذريته شعباً كبيراً كعدد النجوم في السماء، وحبات الرمل على شاطئ البحر. وأن تتبارك فيه كل الشعوب  (تكوين ١٢: ٢ ، ٧ ، ١٣: ١٠ ، ١٥: ٥ ، ١٨).

ورغم أن إبراهيم لم يمتلك أرضاً ولم يكن له ابن، فقد آمن بمواعيد الرب، وأصبح أباً لكل المؤمنين.

لكنه مع أمانة إيمانه سقط في التجربة. لم ينتظر حتى يمنحه الله ولداً، بل استعجل الأمر، وتزوج أَمَة زوجته واسمها «هاجر المصرية»، فولدت اسماعيل، فسبَّب باستعجاله ألماً وضيقاً للأجيال.

بعدما أعرض الله عن ابراهيم لثلاث عشرة سنة، رحمه وهو في شيخوخته وقد بلغ تسعاً وتسعين سنة، فقطع القُدُّوس معه عهداً، ومنحه رمز الختان، واعداً إياه مرة ثانية بابن مختار، رغم شيخوخته. آمن ابراهيم بالله، وصدَّق وعده ضد مألوف القوانين الطبيعية. فأوجد الخالق في جسد سارة العاقر، إسحاق الوارث المرتقب. وصارت علاقة الله بإبراهيم قريبة، حتى قبل شفاعته المتكررة بأهل سدوم وعمورة، وسُمِّي خليل الله. امتحن الرب إبراهيم أبا المؤمنين، إذ كان يحب ابنه أكثر من ربه، فطلب منه أن يذبح ابنه إسحاق. فأطاع المؤمن صوت الله، واستعد أن يضحي بعزيزه، محبةً لربه. هكذا أصبح مثلاً لله، الذي بذل ابنه محبةً لأجل خلاصنا. عندئذ حلف الله لأجل أمانة إبراهيم أن يبارك بنسله العالم كله (تكوين ٢٢: ١٢ ، ١٦، القرآن الكريم:  الصافات ٣٧: ١٠٢ – ١١٤).

نعلم بواسطة الرسول بولس، أن عبارة «نسل ابراهيم»  تعني شخصاً مفرداً، هو يسوع المسيح فقط (غلاطية ٣: ١٦) إذ أنه فيه وبه تتبارك الشعوب. لكن في ذلك الزمن، الذي وضع فيه البشير متى لقب «ابن ابراهيم» على يسوع، رفضت أكثرية اليهود هذا الابن، وصلبت حامل الوعد. إنما البشير شهد منذ بداية إنجيله، أنه لا تأتي بركة إلى آل ابراهيم وإلينا، إلا بواسطة يسوع المختار من الله. هو حامل الوعد. وبه وحده تنال أيها القارئ بركة الله الكاملة.

نسجد لك أيها القُدُّوس، لأنك تختار أناساً أشراراً. فلم تختَرهْم لأجل صلاحهم وإيمانهم، بل لنعمتك ورحمتك. ساعدنا لإيمان حي، كي نقبل اختياره لنا، ونثبت كأولاد إبراهيم في الروح، ونشترك في ملء البركة الممنوحة لنا في ابنك يسوع.الصلاة:

السؤال ٧: كيف يكون يسوع ابنا لابراهيم أيضاً؟

١: (٢)  إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحَاقَ

كتب البشير متى إنجيله لليهود والمسيحيين من أصل يهودي. فأبرز قبل كل شيء النسب الكامل ليسوع، مبرهناً أنه شرعياً المسيح المستحق على أساس مصدره، لأن وجوده لم يبتدئ بولادته.

ابتدأ الله طريق الخلاص بإبراهيم، ودلَّ بتقديم إسحق للذبح على ضرورة التضحية الفريدة التي كملت في يسوع المسيح على الصليب. فإسحق وارث الوعد، تربَّى منذ طفولته بتقوى الله في تسليم كامل له. إنه رجل الصلاة. ابتدأ زواجه باسم الرب، وحصل على غلال كثيرة من حقوله.كان حليماً، ترك بئريه للرعاة المتخاصمين وحفر بئراً جديدة. فتغلَّبت محبته على أعدائه، وعاش وديعاً متواضعاً، حتى ظهر له الله، مثبِّتاً له عهد إبراهيم أيضاً. إن تصرفات إسحاق تشبه تصرفات يسوع، أكثر من كل أفراد العائلة (تكوين ٢٤: ٦٣ ، ٢٦: ٦ ، ٧ ، ١٢ –١٣ ، ٢٢).

لكن إسحاق سقط في خطايا شبيهة لخطايا والده، وسمى امرأته «أخته» ليخلِّص نفسه من أعدائه الشهوانيين (تكوين ٢٦: ٦،٧). كذلك أحب ابنه عيسو أكثر من يعقوب، الأمر الذي تسبَّب في مؤامرة حبكتها الزوجة مع ابنها يعقوب ضد زوجها اسحق وابنها عيسو، إلى أن  تحولت بركة الأب إلى يعقوب وحده، جاعلة منه حلقة في سلسلة نسب يسوع المباركة.

نعظمك ونحمدك يارب السماء والأرض، لثباتك أميناً لآباء الإيمان رغم ضعفاتهم. محبتك تدوم عبر الأجيال. نؤمن أنك اخترتنا أيضاً في المسيح، وتحملنا رغم فشلنا في لطفك العظيم.الصلاة:

السؤال ٨: كيف كان إسحق مشابهاً ليسوع؟

١: (٢) . . . وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ

 من يقرأ سلسلة نسب يسوع يفهم أن الإنجيل مبني على أسفار التوراة. وليس أحد يدركه حق الإدراك إلا من يدرس هذه السلسلة أيضاً. كما أنه لا يستطيع أحد أن يصل إلى علية بيت، ما لم يدخل أولاً من بابه السفلي.

وبوحي من الله عيَّن يعقوب وحده من قَبل ولادته حاملاً للبركة (تكوين ٢٥: ٢٤ – ٢٨). لكن يعقوب لم ينتظر إتمام هذا الوعد بصبر وصلاة، بل استعجل، واحتال بتآمر مع أمه، حتى حصل على بركة البكورية. فكانت نقمة أخيه عليه عنيفة شديدة، إلى أن اضطر يعقوب للهرب. وسط هذا الهرب ظهر له الله وأخبره أن بواسطته، وهو المحتال، سيتبارك كل العالم. لم يفهم يعقوب الحلم. لكنه آمن برؤيا السلم الموصّل إلى السماء وبكلمة ربه، إيماناً مخوفاً. وأكمل طريقه حتى وصل إلى بلاد الرافدين. هناك برع في رعاية قطعان البهائم، ومكر على خاله “لابان” صاحب القطيع. فقابل يعقوب خاله بخداع مماثل حتى في تزويجه فتاةً غير المتَّفق عليها، فتزوج يعقوب أيضاً أختها بعد ذلك، التي كان يريدها أولاً. وهكذا اضطر أن يشتغل سنين مضاعفة عند رب العمل.

بعد خدمات وضيقات طويلة، دفعه الاشتياق إلى بلاد آبائه، فاعترض الله طريقه لكي لا يعود متكبراً فيما بعد بل منكسراً ونادماً فصارعه في رؤيا. وفي هذه المصارعة الروحية مع الله تغيَّر ذهن الماكر إلى مصلٍّ متواضع، حتى أعطى الله يعقوب اسماً جديداً هو «اسرائيل» والذي تفسيره “الذي يكافح الله وينجح نتيجة إيمانه”. هكذا وصل الرب مع هذا الماكر إلى هدفه، حتى خلق في روحه اشتياقاً للخلاص الكامل، الذي لمحه من بعيد في اقتراب يسوع إلى العالم.

كان المسيح هو من تحقق فيه حلم يعقوب، بصعود الملائكة من عنده إلى السماء ونزولهم ببركات العالم (تكوين ٣٢: ٣٠ ، ٣١ ، ٤٨: ١٥ ، ١٦ ، ٤٩: ١٨ ويوحنا ١: ٥١).

أيها الرب القُدُّوس، أنت تعرف نفسي الميَّالة إلى الأكاذيب والخداع والكبرياء، اغفر لي كل ذنبي، وكسِّر نواياي السيئة حتى أمشي منكسراً في سبيل بِرِّك. إسحَقْ كبريائي كما سحقت يعقوب، حتى أصبح مصلياً ومكافحاً لملكوت لطفك.الصلاة:

السؤال ٩: كيف استحق يعقوب منح بركة الله لكل الناس؟

١: ( ٢ ). . . وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. (٣) وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ.

لا يؤلِّه الكتاب المقدس الناس، بل يوضح أننا جميعاً خطاة. وكل بشر يظن أن عائلته بلا لوم حتى ولو كانت من الملوك والأنبياء، فهو يكون مغروراً، إذ أنه لا يوجد بار أمام الله، حتى في عائلة يسوع. لكننا نجد برهاناً في هذه الحقائق أن يسوع إنما حل في جسد الخطيئة، لكنه غلب الإرث الشرير من آبائه، لأنه لم يولد من أب بشري بل وُلد بواسطة روح الله الساكن فيه، وبقي بريئاً طاهراً بلا ذنب، وفدى البشر طواعية في ذاته.

كان يهوذا أحد أبناء يعقوب الإثني عشر الذين سُميت باسمهم الأسباط الإثنا عشر. وكان هؤلاء الأبناء من البدو الذين أبادوا مرة سكان قرية بأكملها لعارٍ لحق بأختهم (تكوين ٣٤). وأيضاً حسدوا أخاهم الأصغر يوسف، لأن والدهم فضَّله عليهم، واشترى له ملابس مزركشة، فتآمروا على قتله. لكن يهوذا خفف من غلوهم، وأقنعهم ببيع أخيهم بعشرين من الفضة، فيربحوا به، بدل قتله.

سقط يهوذا في الزنا إضافة إلى طمعه. منع ثامار زوجة ابنه المتوفى من أن تتزوج ولده الثالث حسب أصول الشريعة. فاحتالت ليضاجعها بالحرام، وولدت منه ابنه فارص (تكوين ٣٨). إنه أمر مخجل للبشر أن هؤلاء الثلاثة يهوذا وثامار وفارص، ذكرت أسماؤهم في نسب يسوع. إن ابن الله قد نزل إلى الأسفل ليبرهن أنه يفدي حتى الطامعين والزناة والخطاة، أنَّه يفضح ويكشف الجميع دون استثناء.

أشار يعقوب إلى سلطان المسيح المطلق لفداء الخطاة عندما وضع البركة على ابنه يهوذا. مشبِّهاً إياه بأسد، يسجد له كل إخوته والشعوب (٤٩: ٨-١٢). وقد أدرك يوحنا البشير سر هذه النبوة، حتى أنه سمع نداء الشيوخ في السماء قائلين: «هوذا قد غلب الأسد، الذي من سبط يهوذا، أصل داود» (رؤيا ٥: ٥-١٠). فتح يوحنا عينيه ليرى الأسد الأعظم. لم ير الأسد، بل حملاً مذبوحاً، اشترى بدمه المسفوك لله نخبة من كل الشعوب، يخدمونه كهنة ملوكيين إلى الأبد. أتمَّ يسوع الوعود المعلنة عن أبيه يهوذا.

نسجد لك يا حمل الله القُدُّوس لأنك أنت مستحق أن تأخذ البركة والمجد والغنى والحمد لأنك غلبت الدم والأخلاق في نفسك وفي الذين يتبعونك، إذ بذلت حياتك القُدوسة ذبيحة لأجلنا. اغلب فينا كل ميل للخطيئة لأننا لسنا أفضل من يهوذا وثامار، طهرنا من ذنوبنا وقدسنا إلى المنتهى.الصلاة:

السؤال ١٠: كيف تم الوعد عن يهوذا ابن يعقوب في يسوع؟

١: ٣  وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. (٤) وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلمُونَ(٥) وَسَلمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى.(٦) وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ المَلِكَ. وَدَاوُدُ المَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأورِيَّا.

يقودنا إنجيل متى مرة أخرى إلى نقاط ضعف ثلاث في سلسلة نسب يسوع، عندما يبرز خاصة أسماء ثلاث نسوة سبَّبن التعب والخجل لمفسّري التوراة. ونحن كذلك لا ندين أحداً، بل ندرك ميولنا الشريرة، ونثبت في التوبة عن خطايانا الخاصة.

لم يذكر متى أسماء النساء الشهيرات كسارة وغيرها من اللواتي افتخر بهن جميع اليهود، لكنه يذكر أسماء نساء لم يستطع اليهود أن يفتخروا بهن: “ثامار” وقد ذكرت للدلالة على أن خلاص الله هو للخطاة (تك٣٨: ١١-١٤). و”راحاب” التي ذكرت للدلالة على أن الخلاص للخطاة بالإيمان    (يش٢؛ عب١١: ٣١) و”راعوث” وقد ذكرت للدلالة على أن هذا الخلاص هو بالنعمة بدون الشريعة (تث٢٣: ٣؛ رو٣: ٢١-٣٠) و”بتشبع” وقد ذكرت للدلالة على أن خلاص الله للمؤمنين هو بالنعمة وأبدي ( ٢صم١١و ١٢؛ مز٢٣: ٣؛ عب١٠: ٣٨-٣٩).

إن بعض الأسماء المذكورة في نَسب يسوع غير معروفة لنا اليوم بدقّة، إنما نعرف أن الزانية راحاب الوثنية قبلت الجواسيس وحمَتْهم، لأن الله أراها أنه قد سلَّم مدينتها أريحا إلى يد الشعب القادم. وبعدما افتُتِحَتِ المدينة تزوجها أحد هؤلاء الجواسيس، فصارت من جدَّات المسيح. كما رأينا ثامار تُدخِل دماً غير يهودي إلى الملك داود ويسوع. هكذا حصل أيضاً مع راحاب وبعدئذ راعوث، لأن روح الله أراد أن يثبت أنه غير مُلتزم بفكر عنصري، بل يريد إنقاذ الخطاة من الأمم (يشوع ٢: ١-٢١ ، ٦: ١٧ وعبرانيين ١١: ٣١).

كان بوعز رجلاً مستقيماً. لم يستغل ضيقة الأرملة راعوث، إذ أمر عبيده أن يتركوا لها سنابل القمح لتلتقطها وتتغذى بها، لأنه عرف كيف كانت رفيقة مخلصة لأم زوجها المتوفى. وتزوجها بعد ذلك، رغم أنها امرأة غريبة، فصارت أم جد داود. وحسب الشريعة اليهودية كانت تعتبر نجسة، لكن كل الناس سواء أمام الله (راعوث ٢: ٤).

إن أفظع درجاتِ الخطيئة في تاريخ جدود يسوع، هي ما حصل مع النبي داود، إذ اشتهى امرأة أوريا أحد جنوده عندما كانت تستحم على سطح بيتها، فاستدعاها إلى قصره، وطلب من قائد جيشه أن يدبر لزوجها أوريا تهلكة ليقع في كمين العدو، فتغطى عار الملك. لكن الله كشف الزنا والقتل في خادمه كصاعقة، وهدَّده بالموت. ولم تُخلِّصه إلا التوبة السريعة النصوحة، والإيمان بنعمة الله للتائب المنكسر. فلم تبرح الرحمة عنه. بعدئذ تزوجها زواجاً شرعياً. ومنحهما الله ابنهما سليمان الحكيم، لأن الزواج تطهَّر بواسطة توبة عميقة.

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك لم ترفضنا ونحن فاسدون زناة، بل أرسلت ابنك إلينا، لنرى في سلوكه قدوة مقدسة لحياتنا. إننا نقبل ذبيحته عوضاً عنا، ونتقدس في قوة روحك القُدُّوس، ونعيش منكسرين خادمين لإرادتك الأبوية.الصلاة:

السؤال ١١:  لماذا أبرز البشير متى أربع نساء في سلسلة نسب يسوع. وما هي أسماؤهن؟

١: ٦  وَ يَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ الْمَلِكَ. وَ دَاوُدُ الملك وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأورِيَّا. (٧) وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحُبْعَامَ. وَرَحُبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَ أَبِيَّا وَلَدَ آسَا. (٨) وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَ يَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَ يُورَامُ وَلَدَ عّزِيَّا. (٩) وَ عُزيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَ يُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا.

تربى سليمان في صغره على يد كاهن، فنما في التقوى طالباً من الله قلباً مطيعاً ممتلئاً بالحكمة. ولما توج ملكاً بنى في أورشليم هيكلاً جميلاً، ليكون محوراً للحضارة اليهودية عبر القرون. وقد قطع لبنائه كثيراً من أرز لبنان الثمين. وفرض سليمان على الشعب أن يدفع تكاليف تلك الأبنية الفخمة. وكان لدى سليمان ٧٠٠ زوجة  و ٣٠٠ محظية تقريباً. فتألم الشعب من الضرائب الباهظة لأن حياة  كهذه تكلف قناطير. وفوق هذا الشر، فقد استقدمت كل زوجة منهن صنماً خاصاً معها من بلادها. فمال سليمان الحكيم أخيراً إلى عبادة الأوثان إرضاءً لزوجاته الحبيبات    (١ ملوك ١١).

في زمن داود وسليمان، قامت دولة إسرائيلية قوية لمدة مئة سنة فقط، وبعدها حل الانقسام. حصل ذلك في زمن ابن سليمان “رحبعام” المستبد، إذ انقسمت دولة الآباء سنة ٩٣٢ ق.م، فاتحدت الأسباط العشرة في شمال البلاد مكونين مملكة اسرائيل الجديدة، التي كانت عاصمتها مدينة السامرة. أما سبط يهوذا فقد ظل أميناً للعائلة الملكية الداودية، وتكونت منه المملكة اليهودية في منطقة أورشليم. أما أسماء الملوك في نسب يسوع فترجع للذين حكموا هذه المملكة الصغيرة في أورشليم وضواحيها.

في زمن هذا الانشقاق أرسل الله أنبياءه إلى المملكة الشمالية، ومنهم إيليا وعاموس وهوشع. وعملوا على وَقْف عبادة الأوثان الداخلة في الأمة من الشعوب المحيطة بهم. فأنذروا شعبهم باسم الله ليرجع عن عبادة الصور والأوثان والأشجار المقدسة وذبح الأولاد، وسمُّوا كل الآلهة أباطيل، واعترفوا بالله الوحيد، مشددين على الإيمان بالوحدانية. تألموا من الكفر المتغلغل، مهددين الفجَّار بدينونة الله وانتقامه. وانبأوا بنفس الوقت عن مجيء الملك الوديع العادل، الذي سيأتي ليوحّد الأخوين المنفصلين، وينشئ في أورشليم دولة السلام.

لكن الأسباط في دولة الشمال لم يذعنوا للأنبياء، بل أكملوا عبادة الأوثان والحفلات البذيئة، فعمَّ الكفر والفساد. سمح الله أن تهجم الدولة الأشورية على إسرائيل، التي كانت في أوج قوتها، فحاصر الأشوريون مدينة السامرة وهدمتها. سبى الأشوريون كل الأغنياء والرؤساء مسافة ١٥٠٠ كيلو متر بعيداً عن أوطانهم، في بلاد الرافدين، فذابوا بين الشعوب. وبذلك انتهى تاريخ دولة إسرائيل سنة ٧٢٢ ق.م. وقد استجلب الأشوريون شعوباً وثنية أخرى أسكنوها في الجليل والسامرة وشمال فلسطين مكان المسبيين، فامتزج هؤلاء مع بقية شعب اسرائيل مكوّنين ديناً مختلطاً، مما حدا باليهود الجنوبيين إلى احتقار الشماليين الممتزجين مع الأمم ورفضهم لأنهم نجسون.

أما قوله “يورام ولد عزيا” لا يقصد به أن يورام هو أبو عزيا. لكن المقصود أن عزيا سليل يورام، لأن ما بين يورام وعزيا هناك ثلاثة ملوك لم ترد أسماؤهم في السلسلة (١أي ٣: ١١و١٢) وهم أخزيا ويوآش وأمصيا. وحذف هؤلاء الملوك الثلاثة كان قضاء إلهيا عليهم حسب الوعد الوارد في       (خر٢٠: ٣-٥ وتث٢٩: ١٨-٢٠) ومن ثم لم يعترف الشعب بملكهم عليه إذ ثار عليهم وقتلهم ولم يدفنهم في قبور الملوك (٢أي ٢٢: ٨و٩، ٢٤: ٢٥، ٢٥: ٢٧و٢٨) وأسقطهم من جدول النسب الملكي. لقد راعى متى ذلك في كتابة إنجيله لأنه قدمه لليهود. ومهما كان السبب فعدم ذكرهم لا يخل بصحة النسب. ولم يستطع اليهود أن يعترضوا على ذلك بشيء أو على حذف بعض الأسماء من جداول الأنساب لأن ذلك كان أمراً مألوفاً لدى اليهود كما هو واضح من مقابلة (عز٧: ١-٥ مع ١أي ٦: ٣-١٥).

أما يسوع فأحب المحتقرين، وسكن بنفسه في الناصرة في مملكة الشمال، فسبَّب له ذلك رفْضاً من يهود أورشليم. وفي زمن يسوع رمَّمَ الملك هيرودس بناء الهيكل الثاني في التاريخ. لم يرفض المسيح ورسله هذا البيت المصنوع من الحجر، بل نادوا الشعب المجتمع في الهيكل أن يستسلم للإله الحقيقي، ويسلم نفسه حجارة حية لبناء بيت روحي يسكن الله فيه بروحه القدوس.

أيها الرب يسوع المسيح، مملكتك ليست من هذا العالم. أنت الملك الوديع الصحيح. جميع الرؤساء الآخرين أخطأوا وحاربوا وسفكوا الدماء وكنزوا الأموال، أما أنت فعشت قُدُّوسا ومت في سبيل الحق لتفدينا من العار. اقبلنا واغرسنا في هيكلك الروحي لنكون عن حق بيت الله المكرس إلى الأبد.الصلاة:

سؤال ١٢: متى حدث الإنشقاق في مملكة العهد القديم، وإلى أي فرقة ينتمي نسب يسوع؟

١: ٩ . . .  وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا. (١٠)  وَحَزَقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا.(١١)  وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ.

حكمت الدولة الأشورية الشرق الأوسط بسلطان كبير، وامتدت حدودها من دجلة إلى النيل. كانت المملكة اليهودية الصغيرة حول أورشليم شوكة في عين المستعمر. فابتدأ الأشوريون بمحاصرة مدينة السلام سنة ٧٠١ ق م، وانتهى الحصار بعون الرب فجأة، عندما فتك الطاعون بجيش سنحاريب، ومات حوالي ١٨٥ ألف جندي دفعة واحدة.

عاش في أورشليم آنذاك ملك تقي هو حزقيا. خدم بجانبه النبي إشعياء النبيل، الذي دعا ملكه وشعبه إلى التوبة، وإلى إيمان غير متزعزع بأمانة العلي. وقد ظهر له رب الجنود قدوساً. وأرسله نبياً بشهادة حازمة وقوية، فتزعزع الشعب اليهودي. غير أنه لم يتغير ولم يتجدد إلى التقوى، بل استمر في حياة الرفاهية وفي الكبرياء.

بعد مئة سنة من هذه الأعجوبة الإلهية، جاء الملك التقي يوشيا، وقام بإصلاح جذري للأوضاع الدينية والاجتماعية، وجمع الشعب وتلا عليهم التوراة والأنبياء التي اكتشفت في إحدى غرف الهيكل، ورمم بيت الله، ونظم طقوسه، ليتقدس الشعب حقاً. لكن الفساد كان أعمق من الظاهر. فلا يمكن للشريعة أن تتغلب على الخطيئة.

أرسل الله في تلك الأيام نبياً جباراً اسمه إرميا (٦٢٦-٥٨٠ ق.م) الذي أنذر الشعب بزوال المملكة الجنوبية. وما زالت دعوته المتحمسة للتوبة تجذبنا حتى اليوم. تألم النبي كثيراً من اضطهادات ملوكه، لأنه رأى نهاية المملكة، ودعا سبطه إلى تعقُّل سياسي واستسلام للعدو.

في ذلك الوقت كانت دولة أشور قد انكسرت في بلاد الرافدين، وقامت على أنقاضها مملكة بابل، وأخذت قسماً كبيراً من حضارتها وممتلكاتها، فأرغمت سبط يهوذا أن يدفع جزية باهظة للملك البابلي الجديد. ولمَّا ثار اليهود على البابليين سنة ٥٩٧ ق.م، هجمت جيوش نبوخذ نصر، واحتلت أورشليم بسرعة. وأعطى هذا الملك فرصة للشعب اليهودي أن يخضع له. أسرَ منهم  ثمانية آلاف رهينة من نبلائهم إلى السبي. لكن الباقين كانوا عمياناً حتى أنهم لم يتبصَّروا في ضعفهم الروحي والسياسي. وثار هذا السبط الصغير سنة ٥٨٧ ق.م، في زمن حكم صدقيا، فتسبب بدمار مدينتهم وسبيهم جميعاً.

إن دينونة الله لا تستثني مختاريه إذا فسدوا وابتعدوا عنه، بل تقع عليهم أيضا إن لم يتوبوا. فمحبته القُدُّوسة لهم هي الدافعة إلى هذا التأديب والتجديد ورجاء أن يتوبوا في سبيهم ويعودوا إلى ربهم.

اغفر لنا أيها الرب ذهننا المتصلّب. علّمنا تغيير الفكر، فلا نتخذ الذهب والرفاهية والأسلحة آلهة وسنداً لحياتنا. بل امنحنا روحك القدوس، ليقدسنا إلى سلوك مقبول في الحق والطهارة والمحبة وإنكار النفس، كما سلك مسيحك على الأرض. ليأت ملكوتك، ولتكن مشيئتك كما في السماء كذلك في بلدي.الصلاة:

السؤال: ١٣-كيف حفظ الرب المملكة الجنوبية، وكيف سلَّمها إلى السَبْي؟

١: ١٢  وَ بَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. (١٣) وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. (١٤) وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. (١٥) وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ.   (١٦) وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ.

ارتعب اليهود المسبيون إلى بابل رعباً شديداً، لأنهم ظنوا أن الله يحميهم لأجل عهده معهم، وأن حضوره في الهيكل يضمن لهم الانتصار حتماً. لكنهم بعدئذ اختبروا أن الله طلب منهم القداسة وحفظ الشريعة في المحبة. لم يكتف بطقوس وعقائد وصلوات متكررة بدون معنى (أوتوماتيكية)، لأن هدفه ليس دولة دينية ذات سلطة سياسية، بل سعى إلى تغيير القلوب والأفئدة وجعلها تنكسر وتتواضع أمامه، كما سعى أيضاً إلى تجديد الأذهان إلى خليقة جديدة.

إن الله لا يغضب إلى الأبد، بل يمنح الشعوب والأفراد فرصة ثانية للتوبة. هكذا عاد رجلان في سنة ٥٣٨ ق م إلى أورشليم. منكسرين وبرجاء كبير، اسمهما زربابل المنحدر من نسل داود، ويشوع ابن رئيس الكهنة السابق. وأُتيح لهما ولشعبهم الرجوع إلى الوطن، لأن الفرس كسروا بابل. وسمح كورش الملك لليهود بالعودة إلى وطنهم، إذا رغبوا في ذلك، فعاد قسم قليل منهم بفرح. لكنهم وجدوا أورشليم وما حولها خربة فقيرة. ورغم الحالة السيئة، ابتدأوا في بناء الهيكل، عالمين أن انحدارهم السابق كان بسبب نقص إيمانهم وسلوكهم المعوج، وعرفوا أن الله لا يريد منهم مملكة سياسية، بل خدمات روحية وسجوداً مخلصاً، بحياة طاهرة.

لا نعرف كثيراً عن الرجال المذكورين في الثلث الأخير من سلسلة نسب يسوع، إلا أنهم عاشوا بصورة شبه متواصلة تحت سيادة الغرباء. إذ أن القوة انتقلت من الفرس إلى اليونان، ومنهم إلى المكابيين ثم إلى الرومان. فبقيت المنطقة اليهودية كورة منعزلة غير مهمة في التاريخ السياسي.

نستغرب عندما نرى أن نسب يسوع ينتهي بيوسف، الذي ليس أباً حقيقياً ليسوع. لكن الفهم اليهودي للنَّسَب يعتمد آنذاك على الحقوق والارتباطات الشرعية، وليس على العنصرية وعلاقة الدم. فاندمج يسوع في أبناء داود بواسطة يوسف الذي تبنَّاه، كما أنه وُلد في مدينة داود وليس في الناصرة بسبب الاكتتاب الروماني، لأن يوسف كان مضطراً أن يرجع إلى بيت أجداده، حسب القوانين الرومانية.

شهد متى بأهمية لقب يسوع ابن مريم، انه المسيح المنتظر. ليس البشير متى هو الوحيد الذي اعترف بمسيحية يسوع، بل كثيرون أيضاً من شعب العهد القديم، وملايين من الأمم حتى اليوم، يعترفون فرحين أن ملكوت السماوات قد اقترب بولادة المسيح يسوع. فمحبته وسلطانه الروحي ومسرته وتواضعه هي علامات ملوكيته الخارقة. فعالمنا المتضعضع لا يحتاج إلى ملكوت ورؤساء جدد، لأن الأسلحة أو الثورات لا تخلق شعوباً جديدة، بل المصالحة مع الله في المسيح، والمسالمة الإلهية الشرعية هي القادرة على أن تجدد الأفراد والأوضاع. فنصلي من كل قلوبنا: «ليأت ملكوتك» في أيامنا.

أيها الرب يسوع، أنت ملكنا. لم تطلب منَّا ضرائب أو إتمام فرائض، بل بذلت نفسك لأجلنا، وحررنا من أمانينا الفانية بالشرف السياسي والضمان الاقتصادي والرغبة الانتقامية، وتغيرنا باستمرار إلى أناس المحبة، مانحاً لنا حياة أبدية، لكيلا نموت إذا متنا ( يوحنا ١١: ٢٥-٢٦ ) بل نعيش بحياتك الأبدية.الصلاة:

السؤال ١٤: لماذا ينتهي نسب يسوع بيوسف، الذي ليس أباه حسب الجسد؟

١: ١٧   فَجَمِيعُ الأجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً.             (أنظر لوقا٣: ٢٣-٣٨)

إن العدد ١٤ مُرَكَّب من ٢ × ٧ . كما أن ٧ تساوي  ٣ + ٤ . وبما أن الرقم ٣ يدل على اللاهوت في وحدة ثالوثه الأقدس، و٤ تمثل الجهات الكونية الأربع، فقد ارتبطت السماء والأرض بالرقم ٧ في تطور التاريخ. وإذا قرأنا تكرار الرقم سبعة مرة ثانية لتصبح أربعة عشر، فهذا يعني اكتمال التطور التاريخي الإلهي في عالمنا، ويظهر ذلك في شاهدين يشهدان لله وعمله في دنيانا.

بما أن هذه الفترات الزمنية المبنية على العدد ١٤ ظهرت ثلاث مرات متتالية، رأى متى أنها تنبئ بمجيء المسيح، لأن مقياس الله للزمن قديم، وهذا ينبئ بحلول ملكوت السموات على الأرض. لم يهتم الكاتب بذكر بعض الأسماء من سلسلة الملوك، لأنه لم يركّز على التفاصيل التاريخية، بل أبصر تخطيطات الله العظيمة لأهدافه الخلاصية.

اختار الرب إبراهيم وجعل منه في الفترة الأولى شعباً كبيراً، أضحى داود قمته. لكن الإنهيار ابتدأ بسليمان، فانقسمت الدولة السياسية زمن رحبعام ابنه، ثم أُبيدت الدولة الشمالية، وسُبي اليهود إلى بابل.

أدرك اليهود الراجعون من السبي، من مدرسة تأديب الله،  إن السلطة والأسلحة والرفاهية، ليست هي هدف الله للتائبين، بل حياة مقدسة وفق شريعة موسى، ليصبحوا شعباً مقدساً ملوكياً في التواضع والحق.

لم تخلق مدرسة الانكسار هذه نفس الفكر في نفوس الناس، فالغيورون عارضوا الله وسحقه إياهم، وعزموا على إقامة دولة بهية، مهما كلف الأمر. أما الفريسيون فحاولوا إتمام الشريعة باجتهادهم الخاص بدقة بالغة، فاستكبروا وتباهوا. لكن عدداً قليلاً من اليهود فهموا عدم قدرتهم على حياة مقدسة، فعاشوا في توبة وانكسار أمام الله، ليعدوا طريقه بدموع الندامة على خطاياهم. كان اليهود أيام يسوع في انقسام بالرأي. ولم تكن الظواهر تدل على مجيء مخلّص الأمة الأعظم، الذي يفدي العالم كله ويباركه. انما أدرك البشير متى البرهان القاطع في مسيرة التاريخ، أن يسوع هو مسيح الله الموعود.

نعظمك أيها الله القُدُّوس القدير، لأنك أعددت منذ القديم مجيء ابنك واستخدمت الآباء والملوك والأنبياء لتمهيد طريقه، ولم تستح بأن تضم مسبيين وزناة إلى نسب ابنك. لنتقدس في الإيمان ونصبح ثماراً لفداء ابنك ونحمدك ونمجدك بفضائل روحه في سلوكنا.الصلاة:

سؤال ١٥: إلى ما يدلنا الترتيب الزمني في نسب يسوع؟

ولادة يسوع وتسميته

(١: ١٨-٢٥)

١: ١٨  أَمَّا وِلادَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.                           (أنظر لوقا١: ٢٦-٣٨)

حفظت مريم العذراء الطاهرة منذ صغرها كلمة الله غيباً، لأن تسبيحاتها تدل على معرفة غنية بالتوراة والأنبياء. ألهمها الروح القدس شهادة عظيمة عن مجد الله وأعماله الحكيمة. وربما أن مريم كأغلبية البنات رأت في الزواج أمنية حياتها، فرضيت بالنجَّار خطيباً. واعتُبِرَت الخطوبة في شعب العهد القديم ارتباطاً شرعياً، حتى سُمِّي يوسف «رجلها» (١٩) وهي «امرأته» (٢٠).

 وُلد المسيح من عذراء، من عذراء مخطوبة:

  1. لكي يقدس الزواج ويجعله “مكرماً عند كل واحد” (عب١٣: ٤ ) خلافاً لأولئك الذين كانوا يعلمون تعاليم غريبة “مانعين الزواج” ( ١تي٤: ٣)
  2. لكي يحفظ شرف العذراء المطوبة من أن يمس، لأنها لو حبلت وهي عذراء دون أن يكون لها خطيب لتعرّضت للمثالب والمطاعن. لهذا فضّل بأن يصان حبلها بخطبتها إليه ليبعد عنها نظرة الريبة والشكوك.
  3. لكي يكون للعذراء المطوبة مرشد في صباها، ورفيق في وحدتها وأسفارها، وشريك في اهتمامها ومعين في نظيرها.

فجأة جاءها وحي من الملاك جبرائيل أن الله نفسه اختارها، ليلد بروحه القدوس منها ولداً. وقد أثار هذا الخبر نفس العذراء الطاهرة إلى عمق أعماقها، لكنها آمنت بكلمة الله بتواضع وخضوع. لم يكن الحَبَل عن طريق بشر، لأن الروح القدس قُدُّوس في ذاته، وكل من يدَّعي أن الله اتخذ من مريم خليلة وأنجب منها طفلا فقد جدَّف تجديفاً لن يغفر له. ومما لا ريب فيه، أن علم الأحياء الحديث لا يعارض فكرة ولادة طفل من العذراء بلا أب دنيوي؛ وهذا يعرف “الإستنساخ البشري”. لكن كل من وُلد ثانية من الروح القدس يدرك هذا السر ويقبل حقيقة مجيء يسوع من مريم المباركة.

عظَّمت مريم الله على خطته المجيدة. لكن في نفس الوقت تهاب الموقف: ما عسى أن تقول لخطيبها؟ هو لن يصدقها. وكل شرح سيكون كحكاية غريبة في أذنيه. فصمتت مريم واثقة بالله أنه شاهِدُها. تألمت مُصَلِّية للضيق النفسي في خطيبها. وقد عَلِمَت أن شريعة موسى تطلب رجم كل زانية، لكنها آمنت بالله مخلّصها لأنها وثقت به، وجعلت بإيمانها المستحيل ممكناً: أن يتجسَّد ابن الله فيها. فلأجل إيمانها العظيم هذا تُمَجّدها كل الأجيال على الأرض. ونحن نتعلم منها الثقة الكاملة التي أهَّلَتها لتكون آخر حلقة في سلسلة أبطال الإيمان في نسب يسوع.

نسجد لك أيها الله الأزلي، لأنك حلَلتَ بروحك القدوس في مريم العذراء، فولدت ابنك يسوع فيها. لا ندرك هذه الأعجوبة بمنطق عقولنا، إنما نسجد لك بحمد وشكر، لأنك تلدنا روحياً، لنفهم من أنت ومن ابنك وروحك القدوس، وما هو عمله العظيم.الصلاة:

السؤال ١٦: ماذا يعني حَبَل مريم بيسوع من الروح القُدُس؟

١: ١٩  فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً. (٢٠) وَلكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هذِهِ الأمُورِ، إِذَا مَلاكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ،لأنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.

كان يوسف شاباً تقياً يعمل نجاراً، فاستطاع أن ينشئ أسرة. وقد أُعجب بمريم العذراء التقية الجميلة، وحصل على موافقة عشيرتها ليتزوج بها، فارتبطت العائلتان بواسطة الخطوبة.

كان رجلا “باراً” وكانت مريم فتاة فاضلة مباركة، وهذه دعوة إلى كل المؤمنين أن “لا يكونوا تحت نير مع غير المؤمنين” وعلى المتدينين أن لا يختاروا الزواج إلا من المتدينين لكي يقدس الرب رابطتهم ويباركهم فيها.

نتعلم أيضاً بأنه خير لنا أن نتروى ولا نتسرع في الإختيار في الزواج، وأن تسبق الزواج فترة الخطوبة لأنه خير لنا أن نقضي الوقت في التفكير قبل الزواج من أن نقضيه في الندم والتأسف بعده.

رأى يوسف فجأة أن خطيبته صارت حُبْلَى دون أن يتصل بها، فأخذ يراقبها بدقة. ولمَّا تأكد من حبلها نشب في نفسه صراع بين الغضب والحب، وراودته شكوك كثيرة ومُرَّة. ولمَّا انكشفت حالة حبلها إلى العيان، فكر يوسف بواجباته الشرعية نحوها، إذ لا يجوز ليهودي تقي أن يتزوج “زانية”. فكان عليه إما إعلان عارها جهراً، وهذا ما يجلب في زمن الرومان احتقاراً وليس قتلاً، أو كتابة صك طلاقها سراً، لتستطيع الزواج بالشاب الذي أحبته.

لم تنل أية واحدة من بنات حواء كرامة مثل العذراء مريم، ومع ذلك فقد كانت عرضة للإتهام بأشنع الخطايا. على أننا لا نجدها تعذب نفسها بسبب هذا التعرض للإتهام، ولكن لوثوقها ببراءتها التزمت الهدوء والسكينة وسلمت أمرها ” لمن يقضي بعدل”.

إن الذين يدربون أنفسهم على أن يكون لهم ضمير صالح يعتمدون على الله في الدفاع عن سمعتهم الصالحة ويتيقنون بأنه لا يُظهر نزاهتهم فحسب ويخرج مثل النور برهم وحقهم مثل الظهيرة، بل يكللهم بأكاليل الكرامة والمجد.

 أحب يوسف مريم حقاً، واستعد لمفارقتها خفية حتى يقع اللوم عليه لا عليها، فيظهر بذلك سمو أخلاقه وشرفه. تأمل في مقدار اضطراب نفسيته وارتباك عقله وخيبة آماله إذ وجد تلك التي وضع فيها كل ثقته وتقديره أصبحت الآن تحوم حولها الشكوك في جريمة أخلاقية كهذه. وبدأ يتساءل: أهذه مريم؟ كيف يمكن أن نخدع في الذين كنا نقدرهم كل التقدير؟ كيف يمكن أن نخيب آمالنا في أولئك الذين كنا نعلق عليهم أفضل الآمال؟ إنه لم يكن يميل إلى إساءة الظن في تلك التي كان يعتقد أنها فتاة فاضلة. على أن الأمر كان شائنا جدا لا تُقبل فيه أعذار، وواضحاً جدا لا يحتمل الإنكار. ويا له من صراع عنيف قام في صدره بين الغيرة التي تحتدم نارها في قلب كل رجل والتي هي قاسية كالهاوية، وبين المحبة التي يكنها في قلبه من نحو مريم. لقد تحاشى التطرف في تصرفه إذ لم يشأ أن يشهرها. كان ممكنا له أن يفعل هذا لأن الشريعة كانت تقضي “إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل وخانت وجب أن ترجم بالحجارة حتى تموت”  ( تث٢٢: ٢٣، ٢٤) لكنه لم يشأ استغلال الشريعة ضدها لقصاصها. إذا كانت قد أخطأت فهذا ما لم يعمله أحد وما لا يريد أن يُعلم به أحدا. يا له من فرق شاسع بين روح يوسف والروح التي أبداها يهوذا في موقف مشابه إذ تعجل وأصدر هذا الحكم القاسي “أخرجوها فتحرق” (تك ٣٨: ٢٤). من الخير الجزيل أن نطيل التفكير في كل الأمور كما فعل يوسف هنا. لو أننا أطلنا التفكير وازددنا في التروي قبل انتقاد الآخرين ودينونتهم لصرنا أكثر شفقة ورحمة بهم.

أما قصاصها فقد عبر عنه الكتاب بأنه “تشهير” وهذا يبين أن غاية القصاص التشهير لتحذير الآخرين. ففي القصاص عبرة للآخرين.

إن هذا يعلمنا كيف نوبخ الخطاة، إذ يجب أن يكون ذلك بدون شوشرة أو دعاية. “كلمات الحكماء تسمع في الهدوء” ( جامعة٩: ١٧) إن المحبة والحكمة المسيحية يستران كثرة الخطايا، الخطايا البشعة، دون أن تدع للمؤمن مجالا للإشتراك فيها.

لم يحتقر يوسف خطيبته بل صلى لأجلها عالماً أن ما من إنسان يستطيع مساعدتها إلا الله الذي أرسل في أشد الضيق ملاكاً يدعو يوسف بأكرم اسم قائلاً : «يا ابن داود». بمعنى أنه في مستوى ملوكي. ثم دفع عنه الملاك كل خوف، لكي لا يخشى من الله ولا من البشر ولا من الشرائع، لأنه وخطيبته بريئان.

بعدئذ أثبت الملاك ليوسف أن مريم هي امرأته الشرعية، تبعاً لقوانين الخطبة، ولم يسم الملاك «مريم» بعد هذا الإعلان بـ «العذراء» إذ أوضح له أن الجنين الذي فيها هو من الروح القدس، حسب إرادة الله القُدُّوسة. وأكثر من ذلك، فالملاك دفع يوسف ليأخذ مريم ويضمها إليه كامرأته، ويحميها شرعاً، لأن الله لم يرد أن يولد الطفل يسوع من امرأة يُظنّ أنها زانية، بل في حماية عائلة شرعية. فمدَّ يده اللطيفة مبارِكاً الخطيبين.

وظهور الملاك ليوسف في الحلم فقد اقتضى منه إيماناً سامياً بأن الله يخالف قوانين الطبيعة، ويلد في مريم طفلاً، يكون إنساناً حقاً، كما هو إله حق.

على كل الذين يبتغون إرشاداً من الله أن يفكروا في الأمور بأنفسهم ويتبصروا فيها بأنفسهم، فالله لا يرشد عديم التفكير بل يرشد المتفكر. إن الوقت الذي يأتي الله فيه بإرشاده وإعلاناته لشعبه هو عندما يقعون في حيرة وارتباك وتعجز حيلتهم. وتعزيات الله تبهج النفس عندما تكثر الأفكار المربكة والمحيرة.

نقرأ في القرآن الكريم أيضاً قصة مريم وحملها من المسيح، إذ نجد عبارة جد غريبة «ونفخنا فيها من روحنا» لتوضح أن المسيح ابن لم يولد من انسان أو ناتج عن علاقة جنسية، بل هو من روح الله.(سورة الأنبياء ٢١: ٩١)

نسجد لك يا الله، يا أبانا السماوي، لأنك لم ترفضنا نحن البشر، بل أتيت إلينا، ولبست جسد خطايانا في ابنك. نعظمك لأجل وصولك للأرض، ونحمدك لحضورك معنا، ونبتهج لأجل الجنين من الروح القدس في مريم العذراء. تعال أيها الروح من الآب، وحُلَّ فينا، لننتعش ونعيش في حياتك الأبدية آمين.الصلاة:

السؤال ١٧: لماذا أمر الملاك يوسف أن يضم إليه مريم؟

١: ٢١  فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ، لأنّه يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ. (انظر لوقا٢: ٢١)

أعلن الملاك ليوسف أن مريم لن تلد بنتاً بل ابناً، وأن له الامتياز أن يسميه باسمٍ عيَّنه الله له أزلاً. وكان أمراً واضحاً وسنداً للإيمان. ووثق يوسف بأن هذا الاسم الإلهي سيتم بمعناه.

إن اسم يسوع يعني «الرب ينجِّي الرب يخلّص» وهذا ليس مجرد إسم يعرف به، بل هو وحي عن حقيقة شخصه. إنه إله الشعب وليس ملكه فقط، لأن الذي يخلص الشعب من خطاياهم، هو الرب وليس الملك (مزمور ٥١) فيخلصهم، لا من أعدائهم البشريين، كما فعل داوود وغيره قديماً، بل من خطاياهم. لم يعد الأزلي قاضياً غاضباً علينا مهلكاً إيانا فيما بعد، لأن بالإنسان يسوع قد تقدم إلينا عون الرب الفريد. لم يبق بعيداً عن الخطاة، بل اقترب منا، وعمل بيننا. إن محبة الله للخطاة والفاسدين ظهرت في إسم “يسوع”. وجميع القوى السماوية والمقاصد الخلاصية، تمركزت في هذا الاسم العجيب. إن نجاة وعون الله لا يختبره كل الناس، بل شعبه فقط. ليست الأمة المعينة هي شعب الله فحسب، بل لكل إنسان الامتياز أن يندمج فيه، إذ يتوب عن خطاياه ويفتح نفسه. فمن آمن بيسوع تبرر. ولك الحق أن تدخل إلى شعب الله فوراً، إذا قبلت يسوع والتصقت به. ليس أحلى في السماء والأرض من اسم يسوع، الذي يؤكد لك أن الله شخصياً يهتم بك ويعينك.

ما هو العون الذي يمنحه يسوع لشعبه؟ الخلاص من خطايانا. فمن اعترف وأقرَّ بخطاياه، وندم على كل أعماله النجسة، يدرك الأعجوبة الكبرى أن يسوع هو حمل الله الذي يرفع خطايانا ويمحوها. وهو القدير، لأنه يجلس اليوم في المجد مع أبيه. استطاع في أبديته أن يحقق فداءه فينا، ويسكب من روحه في المؤمنين. فنصبح خليقة جديدة. يسوع هو المنجي والمخلص الوحيد. لا رجاء للبشر إلا فيه. لقد غفر ذنوبك، ويقدر أن يخلّصك إلى التمام، لأنه حي في كل حين. افتح قلبك للطفه واشكره حامداً ومسبِّحاً لنعمته لك.

لم يستطع أحد من الشياطين والبشر أن يمنع يسوع ابن الله من تحقيق الفداء. ولا يستطيع أي روح شرير أن يخطفنا من يده القوية. إن تخطيطات الله مستمرة، وابنه يخلّص كل المستعدين للتوبة، ويضمّهم إلى قطيعه في حظيرته. إننا نشهد بصدق نبوة الملاك، لأن شعب الله نما كثيراً في الألفي سنة الماضية، وما زال نامياً. فهل أنت مفدي؟ هل انكسرت في توبة وقبلت خلاصه مؤمنا به؟ هل ملأ فرح الفداء قلبك وغيَّر ذهنك؟ اذهب إذاً وادع اخوتك وأخواتك وكل من تعرف ليساهموا في خلاص يسوع، لأنه مستعد ليخلّص كل من يؤمن به، وليس لقدرته نهاية.

نسجد لك أيها الرب يسوع المخلص لأنك ولدت لتخلصنا، لم تحتقرنا بل أحببتنا ومحيت ذنوبنا تماماً. علمنا الإيمان بقدرتك وحضورك معنا لكي نتحرر من كل إثم ونسلك قديسين لإسمك المبارك. اجذب أيضا أصدقاءنا وأعداءنا إلى خلاصك لكي لا يهلكوا بل تكون لهم الحياة الأبدية.الصلاة:

السؤال ١٨: ما معنى إسم يسوع؟

١: ٢٢  وَهذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: (٢٣) هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اللّهُ مَعَنَا).

شهد الملاك ليوسف بحقيقة حبل مريم من الروح القدس، وأرشده أيضاً إلى النبوة القديمة التي تكلم بها الرب قبل ٧٠٠ سنة للنبي إشعياء (٧:١٤ ، ٩:٦). لكي يفهم يوسف أن هذه الأعجوبة لم تتم صدفة، بل هي معدَّة من الله منذ زمن طويل. وهي هدف كل مقاصده الخلاصية، وقمة تاريخ شعب اليهود.

الموعود كان ابناً مولوداً من عذراء، التي هي بنفس الوقت امرأة (وهذا حسب نص النبوة بالعبراني). فبواسطته يقترب الله من البشر. واسمه «عمانوئيل» (باللغة العبرانية) ومعناه: الله معنا. فاسم يسوع يعني حضور الله مع البشر. منذ دخول الخطيئة إلى العالم انفصل الخالق عن خلائقه لأنه متعال وقدوس. واضطر لجلاله وعدله أن يحكم على كل خاطئ، ويبيده فوراً. فالله بطبيعته عدو للخطيئة وللخاطئ المتشبث بخطيئته، ويعاقب كل من لا يرغب في التوبة والرجوع عن سيئاته.

إن إسم “عمانوئيل، الله معنا” يسمو فوق عقولنا، لكنه ثمين جداً، لقد تجسد الله بيننا، ولذا فقد تصالح الله معنا، صار في سلام معنا، ودخل في العهد معنا، وأدخلنا إلى شركته. كان الله مع شعب اليهود في رموز الأنظمة ومجده المستتر، يسكن بين الكروبيم، لكنه لم يكن معهم قط بالكيفية التي أصبح بها منذ “صار الكلمة جسداً” ليحل بين شعبه بشخصه المبارك، بدلا من حلوله الرمزي بين الكروبيم.

يا لها من خطوة مباركة تلك التي اتخذت لاستقرار السلام وتوطيد الصلة بين الله والإنسان، إذ اتحدت الطبيعتان في شخص هذا الوسيط الذي لاقى به أن يصير “مصالحاً يضع يده على كلينا“(أي ٩: ٣٣) لأنه جمع ببين الطبيعتين الإلهية والجسدية. وفي هذا نرى أعمق الأسرار وأغنى رحمة. فإننا في نور الطبيعة نرى الله إلهنا فوقنا، وفي نور الشريعة نراه إلها ضدنا، ولكننا في نور الإنجيل نراه “عمانوئيل” أي ” معنا ” في طبيعتنا، بل وأكثر من ذلك معنا للإهتمام بأمرنا، وهنا نرى الفادي قد “بين محبته لنا”.

إذا كان أحد لا يتوب فهو من زمرة المخادعين، يخدع نفسه والآخرين، خاصة إذا حياه أصدقاؤه بتحية “الله معك”، فمن الأجدر أن يحيوه بـ”الله ضدك” لأن غضب الله معلن على كل آثام الناس وفجورهم.

من ولادة المسيح نعرف أن قداسة الله اتحدت مع محبته ومسرته. انسجمت مع عدالته. لذلك ولد طفل المذود طاهراً وبلا دنس لكي يصالحنا مع الله القدوس ويرفع آثام الناس على قلبه ويحتمل الدينونة عوضا عنا، فَـيُنهي سبب الإنفصال بيننا وبين الله. إن الله يكون معنا لأجل ولادة يسوع ونيابته، إن المسيح المتبرر والحنون هو همزة الوصل الذي يجمع بيننا وبين الله.

لا دين ولا شعب له الحق أن يقول: الله معنا، إلا من يقبل المسيح، ففي شخصه حضر الله وعمل. وكل من التصق به ينال الروح القدس، الدافع كل المؤمنين إلى الطهارة والصدق والخدمة. لا يستطيع إنسان القول: «الله معنا» إلا الذي يسلك مستقيماً بروحه، ويختبر حلول جوهر الله فيه.

إن كل من ينظر إلى اجتهادات الأديان، ويفكر في صلوات الملايين، ويذكر اشتياق البشر إلى الله، يتعجب من الرسالة البسيطة الموجودة في اسم يسوع: الله معنا. فليس حفظ الشرائع، ولا ترانيم الطقوس تفيدنا، لأن الله جاء إلينا بفرط محبة نعمته، ساكباً النعمة علينا حسب مسرته. إننا لا نستحق حضوره إلينا، لكنه حضر بعزم وإرادة في طفل المذود.

نسجد لك أيها الله القُدُّوس، لأنك المحبة. لا تحتقرنا ولا تهلكنا بل ترحمنا. جئت إلينا متواضعاً في اسطبل، قبلت جسد الخطيئة، احتملتنا وطهَّرتنا من كل إثم، واشتريتنا خاصة لك. أنت الأمين، لا تتركنا. ساعدنا لنمكث معك إلى الأبد.الصلاة:

السؤال ١٩: ما معنى اسم «عمانوئيل» ولماذا يستحق المسيح هذا الاسم؟

١: ٢٤   فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاكُ الرَّبِّ، وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. (٢٥) وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ. (أنظر لوقا٢: ١-٢٠)

آمن يوسف بكلمات الملاك، لم يتأخر أن يأخذ عروسه المحبوبة إليه، متجنباً عمداً شكوك عقله، ومتكلاً على الوحي الإلهي فقط. بهذه الخطوة الإيمانية، أصبح مستحقاً ليدخل في سلسلة أبطال الإيمان المثاليين.

اتبع يوسف اوامر الملاك وإن كان ذلك مناقضاً لعواطفه السابقة وقصده السابق. أخذ امرأته حالاً بلا إبطاء، بلا مناقشة وبسرور. لم يعاند الرؤيا السماوية. ليس لنا أن نتوقع إرشادات كهذه خارقة العادة، على أنه لا يزال الله له طرقه لإظهار إرادته في حالات الشك بأعمال عنايته، بوحي الضمير، بمشورة الأصدقاء الأمناء. بإحدى هذه الوسائل نستطيع – بعد تطبيق القواعد العامة في كلمته المكتوبة – أن نطلب الإرشاد من الله في كل خطوات حياتنا خصوصا في الأمور الخطيرة كهذا الأمر الخطير الذي تعرض له يوسف. ومتى فعلنا كما يأمرنا به الله وجدنا كل راحة وكل اطمئنان.

بعد إعلان الملاك، أخذ ينظر إلى عروسه بعين الاعتبار، لأنه أدرك أنها مختارة من الله. لم تتكلم مريم عن الوحي الموهوب لها وحالتها الغريبة، إنما صلَّت وآمنت ووثقت بالله المسؤول عنها، وقد استمع الرب لأنّات ثقتها، ومنح استجابة مجيدة لكفاح قلبها، فقبلها يوسف بكل احترام ولم يلمسها حتى ولدت ابن الله الممتلئ نعمة.

كتب متى بإيجاز كيف وُلد يسوع. فأعظم حادث في تاريخ البشر، لم يلحظه الجمهور، كأنه أمر غير ذي بال، وبلا ضجة أو دعاية. لقد وُلد في اسطبل، واستترت كل قوى وصفات الله في هذا المرتقب منذ الأجيال. تهلل جمهور الملائكة، لأن الخالق والخلق اتحدا، وكل الأبالسة صرَّت على أسنانها، لأن المنتصر قد أتى، وهو يسلب الغنيمة من بين مخالبها ويُدينها.

رأى يوسف في ولادة الابن البكر إتمام وعد الملاك. فأطلق على المولود اسم يسوع، وذلك بخلاف تقاليد عائلته. إنه كان مطيعاً لأمر الله.

بولادة يسوع ابتدأ عصر جديد. لم يرزح العالم منذ ذلك التاريخ تحت كابوس الشريعة والدينونة الحتمية وغضب الله. كلا فإن عصر النعمة قد ابتدأ، وقد أتى الله إلى البشر، ليخلّصهم ويقدسهم، بدون عمل الإنسان وطاقته واستحقاقه، ففاضت النعمة علينا. هل أدركت أنه منذ مجيء يسوع، أُلغيت كل الفرائض التي تنادي بها أديان العالم، مع شروطها وطقوسها وأحكامها وشرائعها، لأن الله أتى بعونه مجاناً إلى البشر.

نعظمك، ونحمدك أيها الآب والابن والروح القدس الإله الواحد، لأجل الفداء العظيم الذي أوجدته. ونسجد لك ولابنك في روح محبتك. ونتهلل لأنك أتيت إلينا نحن البشر النجس. افتح أعين كل الناس في محيطنا، ليدركوا نعمتك، ولطفك  وحنانك وحضورك في الإنسان يسوع المسيح ربنا.الصلاة:

السؤال ٢٠:  كيف أصبح يوسف أب المسيح بالتبني أحد أبطال الإيمان؟

سجود المجوس

( ٢: ١-١١)

٢: ١  وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ (٢) قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ. (أنظر لوقا٢: ١-٧؛ عدد٢٤: ١٧)

كان من علامات تواضع الرب يسوع أن يكون مجيئه إلى العالم غير محتفل به كثيراً وولادته مجهولة رغم أنه كان “مشتهى كل الشعوب” فهنا نراه يخلي نفسه إن كان لا بد أن يأتي ابن الله إلى العالم. طبيعي أن المرء لا يتوقعن إلا أن يقابل بكل حفاوة وإجلال واحترام، أن توضع تحت قدميه حالا التيجان وقضبان الملك، أن يكون الملوك والأمراء خدامه المطيعين، هذا هو المسيا الذي كان يتوقعه اليهود. لكننا لا نرى شيئاً من كل هذا، فإنه “أتى إلى العالم، لم يعرفه العالم” بل إنه “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” ( يو١: ٩-١١).

منذ سَبْي اليهود إلى بلاد الرافدين سنة ٥٨٧ ق.م، وصلت معرفة الإله الوحيد إلى شعوب المشرق، وكذلك النبوة عن إرسال ابن داود ليجعل في العالم سلاماً. لم تنس تلك الشعوب شخصية دانيال النبي الموهوب، الذي خدم سنين طويلة تحت حكم نبوخذ نصر وخلفائه، وكان له تأثير ملموس على مصير الأمة.

ربما تعلَّم بعض اليهود في المدرسة الفلكية قرب بابل أسرار الكون على يد الكلدانيين. وكانوا يراقبون كيف ابتدأ زحل يقترب من المشترى. وقد ظهرا في ٢٩ مايو (آيار) سنة ٧ ق.م كنجمة واحدة كبيرة في برج الحوت. وبما أن هؤلاء الفلكيين اعتقدوا أن هذا البرج دلالة على البلاد المتوسطة، وزحل هو رمز لحماية اليهود، والمشترى نجم الملوك، لهذا اهتموا معتقدين أنه في تلك اللحظة، قد وُلد المسيح ملك اليهود ورب العالمين.

جاء المنجمون من المشرق إلى أورشليم للجدِّ في طلب ملك اليهود، التجأوا إلى أورشليم لأنها مدينة المدن. كان ممكنا أن يقولوا “إن كان ملك كهذا سيولد فسنسمع عنه قريباً في بلادنا، وعندئذ تكون الفرصة مناسبة لتقديم الولاء له”، لكنهم لم يطيقوا صبراً وأبوا إلا أن يتعرفوا به شخصياً ويتكبدوا مشقة عظيمة في هذا السفر الطويل للبحث عنه.

نتعلم من المجوس أن الذين يرغبون رغبة صادقة في أن يعرفوا المسيح ويجدوه أن لا يبالوا بأية مشقة بل بأي خطر في سبيل البحث عنه، لأنه عندما نستمر في طلب معرفة الرب لا بد أن نجده ونتعرف عليه. 

استطاع الفلكيون من اليهود أن يحسبوا مسبَّقاً، أن هذين الكوكبين اللذين هما أكبر كواكب مجموعتنا الشمسية، سيلتقيان مرتين أخريين في نفس تلك السنة، فيظهران نجمة مشعة. وتكلموا كثيراً عن هذا الحادث الفريد من نوعه، وقرروا إرسال بعثة من مدرستهم الفلكية إلى أورشليم، لتكون حاضرة هناك زمن التقاء الكوكبين ثانية في ٣ أكتوبر (تشرين الأول). وأن تبقى أيضاً إلى وقت الالتقاء الثالث في ٣ كانون الأول (يناير) سنة ٧ ق.م. عندئذ تفتش البعثة وتراقب الموضع والكيفية التي يُولد بها ملك اليهود الجديد. لم يتخوف المسافرون هؤلاء من شدة السفر في حر الصيف. فانطلقوا من الفرات إلى سوريا، محاذين لنهري العاصي والليطاني جنوباً إلى أن وصلوا للأردن. وبعد ذلك تسلَّقوا قمة الصحراء اليهودية حيث تتوج أورشليم رؤوس الجبال، ليشاهدوا الملك الذي سيغيّر العالم.

لم يسأل المجوس عما إذا كان هنالك مولود كهذا، فهذا أمر كانوا واثقين منه كل الثقة، وكانوا يتحدثون عنه حديث اليقين، إذ كانت قلوبهم مقتنعة كل الإقتناع قبل مغادرة بلادهم. لهذا سألوا “أين هو المولود؟”.

لم يَشُكّوا قط في أنهم سيتلقون إجابة سريعة وافية لهذا السؤال، وسيجدون أورشليم كلها تتعبد عند قدمي هذا الملك الجديد، لكنهم طافوا من باب إلى باب بهذا السؤال ولم يجدوا من يروي عطشهم. ففي العالم، بل في بعض الكنائس، جهل مطبقٌ أكثر مما نظن. وكثيرون ممن نتوهم أنهم يجب أن يرشدونا إلى المسيح هم أنفسهم غرباء عنه.

 أُعلنت ولادة المسيح إلى الرعاة اليهود بملاك، وإلى فلاسفة الأمم بنجم. وبذلك يتحدث الله إلى كل فئة حسب لغتها وبالطريقة التي ألفتها.

أيها الله القدير نشكرك لأنك رب النجوم والشموس أيضاً، وقد خلقت العوالم وهي خاضعة لك وأنت متكلم للوثنيين بالأحلام والرؤى، أما نحن فمنحتنا كلمتك المتجسد لنعرف مشيئتك. أخلق فينا الشوق لنرى ابنك كما أن المجوس لم يرهبوا التعب لأجل أن يلتقوا به.الصلاة:

السؤال ٢١: متى اتحد زحل والمشترى لأول مرة في تلك الفترة؟

٢: ٣  فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. (٤) فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْبِ، وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟

حصل اضطراب للملك ولأهل أورشليم جميعاً عندما بلغهم الخبر بولادة مسيحهم، فان الله كان قد أجرى عمله بدون معرفتهم، ثم استخدم أناساً أجانب لإبلاغهم الخبر. جمع هيرودس كل رؤساء الكهنة السابقين مع رئيس الكهنة المسؤول في ذلك الوقت، ومعه رؤساء الفرق الكهنوتية الأربع والعشرين ( ١ أي ٢٤: ١-١٩؛ ٢ اي٢٣: ٨ قابل لو ١: ٨) وكتبة الشعب أيضاً. ومع أن الكهنة والكتبة قد عرفوا كتبهم حرفياً إلا أنهم لم يعرفوا ذاك الذي شهدت عنه تلك الكتب. فأجابوا على سؤال الملك حالاً عن الموضع الذي يولد فيه المسيح. أما ذاك الذي ولد فلم يعرفوه. دلّوا الآخرين عليه، دون أن يذهبوا إليه. هكذا نكون نحن أيضاً عندما نعلِّم كلمة الله للآخرين دون أن نكون سالكين فيها.

لم يكن هيرودس يجهل نبوات العهد القديم عن المسيا وملكوته والأوقات المحددة لظهوره وفقا لنبوة دانيال وأسابيعه، لكنه إذ حكم هو نفسه طويلا وإذ كان ناجحا في حكمه بدأ يرجو أن تسقط هذه المواعيد إلى الأبد وأن يدوم حكمه رغما عنها. فالقلوب الشريرة الأثيمة العالمية لا ترهب شيئاً أكثر من إتمام الكتاب ووعوده.

 اظطرب هيرودس وجميع أورشليم لاعتقادهم خطأ أن مملكة المسيا سوف تتصادم مع السلطة العالمية، مع أن الملاك الذي أعلن البشرى أشار بكل صراحة إلى أن مملكته سماوية وليست من هذا العالم. فسبب مقاومة ملوك الأرض وشعوبها لملكوت المسيح هو عدم فهمهم إياه بل تكوين فكرة خاطئة عنه.

عندما وصلت قافلة المجوس إلى أورشليم، كان يحكمها طاغية اسمه هيرودس الكبير؛ لم يكن يهودي أصيل، بل كان أدومياً من سبط عيسو الخشن الصياد البري. فتح هيرودس بمساعدة الرومان مدينة أورشليم سنة ٣٧ ق.م، وسفك دماء كثيرة. فقد كان قاتلاً ماكراً زانياً مجرماً قتل ابنه وامرأته ليتأكد من إزالة كل طامع بعرشه.

إلى هذا الملك الشرير جاء المجوس من الشرق يسألون: «أين هو المولود ملك اليهود؟ لدينا دليل أنه وُلد حديثاً، لأن زحل والمشتري اتحدا في برج الحوت. وقد رأينا هذا الالتقاء في المشرق بوضوح». سقط هذا الخبر كصاعقة في قصر الملك وهزَّ العاصمة كلها. فخاف السكان من التفتيش في البيوت والضغوط على النفوس، وأن الملك سيسفك الدماء الكثيرة ليثبّت عرشه.

أدرك هيرودس الماكر فوراً معنى هذا الاعلان الغريب، الذي لم يكن مختصاً بانسان ما، بل بمسيح الله الموعود. فاستعد للكفاح ضد الله وابنه، وأمر بانعقاد المجلس اليهودي الأعلى في قصره.

تألف هذا المجلس من ٧١ عضواً هم رؤساء الكهنة، وكتبة وشيوخ، وهم المسؤولون عن اتخاذ القرارات الشرعية والاجتهادات الدينية والمحاكمات النهائية. كانوا جميعاً يعرفون التوراة بكل تفاصيلها، خصوصاً النبوات المختصة بالمسيح. فتباحثوا مضطربين عن ماهو مكتوب في سفر إشعياء، وابتدأوا بالإصحاح التاسع    (٩: ٢) ” الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور” وتعمقوا في النبوة الثانية التي وردت في       ( اشعياء ٩: ٦) “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً، مشيراً إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام”. ثم وصلوا إلى أمر الله للمسبيين في قوله (اشعياء٦٠: ١-٣) “قومي استنيري لأنه قد جاء نورك، ومجد الرب أشرق عليك، لأنه ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمم. أما عليك فيشرق الرب، ومجده عليك يُرى. فتسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء إشراقك”.

غير أن الملك هيرودس لم يرغب في معرفة صفات المسيح المولود ولا أعماله ولا سلامه بل أراد أن يعرف مكان ولادته كي يستطيع القبض عليه فوراً، ويبيده بلا شفقة، كراهية وحقداً.

ليتنا نملك روح التأمل حتى نتعمق في وعود الله الواردة في العهد القديم وهي ٣٣٣، ونقارنها بسيرة المسيح في العهد الجديد، لندرك أن ولادة المسيح، وأعماله، وموته، وقيامته، وصعوده لم تحدث صدفة، بل كانت مكتوبة بالتفاصيل مسبقاً.

أيها الرب يسوع، ولدت والعالم كرهك منذ ولادتك، ولم يدرك محبتك ولاهوتك، بل خافوا منك. أما نحن فنحبك ونسلم لك أنفسنا، حامديك لأنك أتيت إلى دنيانا غالبا الرفض والحقد والعداوة. أعلن نفسك لكل الذين يشتاقون إليك.الصلاة:

السؤال ٢٢: من هو هيرودس، وما هو المجلس الأعلى اليهودي؟

٢: ٥  فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: (٦) وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ.

(ميخا ٥: ١)

سمع هيرودس الملك الفتوى الشرعية عن مكان ولادة المسيح وعمله في المستقبل. كان المثقفون بين اليهود يعلمون أن المسيح سوف يُولد في منطقة اليهودية، في بيت لحم مدينة داود، فمنح الرب للملك داود قبل ألف سنة وعداً فريداً، أن أحد أبنائه سيعيش إلى الأبد، لأن الله هو أبوه الحقيقي، لذلك سيملك بدون نهاية. وأثبت النبي ميخا هذه النبوة المعطاة لداود بواسطة إعلان إلهي جديد، أبرز فيها أبدية المسيح، الذي أتى من الأزل، ويكون إلى الأبد. فلن تنتهي قدرته للمُلك، وليس لمملكته السماوية نهاية.

عجباً أن رؤساء الكهنة والكتبة صمتوا عن هذا الجزء الأخير من النبوة أمام هيرودس، لأنهم حصروا الرجاء على أنه سيحررهم من نير الرومان وظلم هيرودس. فقالوا: نعم سيولد ملك يُوَحِّد أسباط إسرائيل المنقسمة، ويملك عليها كما يملك العلي.

كانت بيت لحم قرية صغيرة بين التلال. ليست كثيرة الخصب، لأن الحجر الكلسي الموجود في أسفل التربة لا يساعد على تخزين الماء. لذلك يكون التراب فوقه ناشفاً. سميت “بيت لحم اليهودية” لتمييزها عن مدينة أخرى بنفس الإسم في أرض زبولون ( يش١٩: ١٥). ومعنى بيت لحم في العبراني “بيت الخبز”، وهي أليق مكان يولد فيه ذاك الذي هو المن الحقيقي “الخبز النازل من السماء” الذي أعطى حياة للعالم. من يأتي إليه لا يجوع، ومن يؤمن به لا يعطش إلى الأبد.

لا حظ هنا كيف أن اليهود والأمم يطابقون ملاحظاتهم عن يسوع المسيح. فالأمم يعرفون وقت ولادته بواسطة النجم، واليهود يعرفون مكان الولادة بواسطة الكتب، وبذلك يستطيعون أن يتعاونوا في المعرفة بعضهم مع بعض.

هل شبعت من خبز الله؟ هل يسكن فيك الرب، ويكون قلبك مذوداً له؟

نشكرك أيها الرب يسوع المسيح لأنك تُشبع جوعنا إلى الحياة الحقة وعطشنا إلى البر. قد أعلنت لنا جوهر محبة الله، فنحبك ونشكرك ونلتمس منك ثباتنا في حياتك الأبدية. أنعشنا لنسبحك معاً ونعظّمك إلى الأبد.الصلاة:

السؤال ٢٣: ما هي أهم الأفكار في نبوة ميخا؟

٢: ٧   حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرّاً، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ.(٨) ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَقَالَ: اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ، وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ (٩) فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. (١٠) فَلَمَّا رَأَوُا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً.

أغلق الملك هيرودس والمجمع اليهودي الأعلى قلوبهم لدعوة النبوة، ولم يتوبوا عن خطاياهم، ولم يؤمنوا بكلمات المجوس. استدعى هيرودس المجوس سرا وتحقق منهم متى ظهر لهم النجم. بذلك عرف زمان ولادة المسيح، كما كان قد عرف من الكهنة والكتبة مكان ولادته. فأرسل المجوس بخدعة إلى بيت لحم، ليكشفوا عن الطفل الملوكي بين أطفال البلدة الكثيرين، قاصداً أن يقتله على الفور.

تظاهر هيرودس أمام المجوس أنه يتبعهم لكي يسجد للطفل الإلهي. كان من الممكن أن تحيط الشكوك بتصرفاته هذه لو لم يسدل عليها ستراً من الدين “لكي آتي أناً أيضاً وأسجد له”. فكثيراً ما اخفت أشر الشرور نفسها تحت ستار الدين والتقوى.

 والأغلب أن ليس هو ولا الكتبة ولا أحد من أهل أورشليم آمن حقاً بقصة المجوس، بل اعتبروا أقوالهم أسطورة، مستهزئين بعلماء المشرق. لم يصدق رؤساء الكهنة أن الله يرسل المسيح دون أن يخبرهم عنه، لأنهم اعتبروا أنفسهم أتقياء أبرار، والأمم الآخرين نجسين. فالتفكير بأن الله يعلن أسراره للغرباء كانت مضادة لشعورهم الداخلي.

والعجيب في الأمر أن هيرودس أظهر منتهى الحماقة والجهل، إذ ائتمن هؤلاء المجوس ولم يختر لتدبير مكيدته غيرهم ممن يخلصون لمصالحه. لم تكن المسافة تبعد أكثر من سبعة أميال عن أورشليم فكان من السهل جداً أن يرسل جواسيس لمراقبة المجوس وللبطش بالطفل حال سجودهم له.

فالله المحب، يستطيع أن يخفي عن أعين أعداء الكنيسة تلك الخطط التي يمكن أن تفتك بالكنيسة بسهولة. وعندما يقصد أن “يقلب الأقوياء” فإن طريقته هي أن “يحمق القضاة“( أي١٢: ١٧و١٩).

بينما أغلق رؤساء اليهود قلوبهم عن المسيح في أول وهلة، أدرك المجوس في اليوم الرابع من كانون الأول (ديسمبر) سنة ٧ ق.م، للمرة الثالثة إلتقاء الكوكبين الكبيرين، زحل والمشترى. وللعجب، هذه المرة كان التقاؤهما في الجهة الجنوبية وليس شرقاً. فكانا سائرين قبلاً من الشرق إلى الغرب. لكنهما بعدئذ غيَّرا وجهتهما شطر بيت لحم، التي تقع جنوب أورشليم على بعد سبعة كيلو مترات عنها. وهكذا كان النجم سائراً أمامهم، كما بدا لهم ظاهرياً.

جاء المجوس من بلاد بعيدة ليسجدوا للمولود، بينما اليهود أقرباؤه لم يتحركوا خطوة واحدة، لم يريدوا الذهاب إلى البلدة المجاورة للترحيب به. فعندما أتى هؤلاء المجوس ووجدوا الطفل الذي يبحثون عنه مهملا بهذا الشكل في وطنه كان ممكنا أن يكون ذلك مدعاة لفشلهم. كيف نأتي من بلاد بعيدة لنقدم الإكرام والولاء لملك اليهود، فنرى اليهود يزدرون به وبنا نحن أيضاً؟ على أن المجوس استمروا ثابتين في عزمهم.

فكل من يرغب في التعرف على المسيح أن يستمر في طلبه ولو كان منفرداً، ومهما فعل الآخرون يجب علينا نحن أن نعبد الرب، وإن لم يريدوا الذهاب معنا إلى السماء فيجب أن لا نذهب معهم إلى جهنم.

فإذا تابعنا المسير – في تأدية واجبنا – على قدر استطاعتنا أرشدنا الله وأعاننا على تأدية ما لا نستطيعه من أنفسنا “قم واعمل وليكن الرب معك” ( ١أي ٢٢: ١٦) وكما يقول المثل اللاتيني “إن الشريعة لا تعين الكسالى بل تعين النشيطين المجدين العاملين”.

لقد تركهم النجم طويلا ولكنه الآن يعود للظهور لهم. إن الذين يتبعون المسيح في الظلام سوف يجدون أن النور قد زرع لهم وأن النور محفوظ لهم. لقد أرشد الرب إسرائيل بعمود النار إلى “أرض الموعد” وأرشد المجوس بالنجم إلى “ابن الموعد” الذي هو “كوكب الصبح المنير” ( رؤ٢٢: ١٦) إن الله يفضل أن “يخلق شيئا جديداً” على أن يترك الذين يبحثون عنه بجد واجتهاد في حيرة وارتباك.

لم يمتنع الله عن أن يعطي للمؤمنين علامة من الأمم، فلم يكونوا كتبة ولم يعرفوا التوراة، ورغم ذلك فقد تحملوا مشقة السفر ليروا ملك الملوك ويتباركوا به. فامتلأت نفوسهم بفرح عظيم جداً، لمَّا رأوا للمرة الثالثة، التقاء الكوكبين في السماء. وحتى اليوم فإن الفرح الأعظم يملأ كل الذين يطلبون يسوع من كل قلوبهم باحثين عنه.فإنهم يسجدون له ويسعدون به.

ينبغي أن ندرك في أيامنا هذه أن الرب يمنح لبعض غير المسيحيين أحلاماً ورؤى ليجذبهم إلى المسيح وكلماته وكنيسته. بينما كثير من المسيحيين المثقفين، لا يؤمنون بولادة يسوع من الله، ويستهزئون بقيامته، فيفقدون الكنز الأزلي المودَع بين أيديهم. فأي الفرقتين تتبع؟ هل تطلب يسوع من كل قلبك، وهل ليس لك هدف غيره؟ هل هو كنزك، أو تتمنى هدايا دنيوية؟ دع الكل واطلب يسوع ونوره، لأنه الرجاء الوحيد لعالمنا القلق. وقد وُلد لأجلك. فالمسيح هو هديتك العظمى. هل تهدي نفسك له بلا قيد ولا شرط؟

بعد ولادة المسيح، شمس البر، لسنا بحاجة فيما بعد إلى مراقبة النجوم والكواكب لأجل معرفة واكتشاف أسرار المستقبل، لأن المسيح كفايتنا وضامننا ومرشدنا. وكل من يتكل على النجوم أو علم الفلك أو على قراءة الكف لمعرفة الغيب يبتعد بعمله هذا عن المسيح ويظل ظلالا بعيداً.

نحبك أيها الرب يسوع، لأنك أصبحت إنساناً، وجعلتنا أولاد الله. نحن بالحقيقة فاسدون. أنت مخلّصنا وراعينا، قوتنا وملكنا. نقدم لك حياتنا هدية، لتؤهلنا فنكون حمداً لنعمتك العظيمة.الصلاة:

السؤال ٢٤ : لماذا امتلأ المجوس بفرح عظيم جداً؟

٢: ١١ وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوُا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ، فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَباً وَلُبَاناً وَمُرّاً.                           (مزمور٧٢: ١٠و١٥؛ إشعياء٦٠: ٦)

لمَّا وصل المجوس بهُدى النجم إلى بيت لحم سألوا أهل القرية عن الطفل المولود جديداً، من عائلة داود. عندئذ تذكَّر بعضهم قصة الرعاة الذين قالوا قبل بضعة أشهر إن الملائكة ظهرت لهم، وكانت ترتل فوق تلال بيت صاحور، معلنة أن الطفل الموجود في المذود هو الرب بالذات، مخلّصاً ومسيحاً فريداً. فلم يؤمن أهل القرية برواية الرعاة، وظنوهم متخيّلين، واستهزأوا بهم. كما أن رؤساء الكهنة والملك في أورشليم لم يؤمنوا برمز التقاء الكوكبين ومعانيه الهامة.

كان يوسف، بعد انفضاض الجمهور من الاكتتاب الروماني، استأجر بيتاً. وها هم المجوس الذين كانوا متيقنين من برهان الله، قد فتَّشوا وبحثوا، حتى وجدوا الطفل وأمه في بيتهم المستأجر حديثاً.

هناك اعترف علماء الشرق بإيمانهم، وسجدوا للذي آمنوا به. فكلمة «السجود» تعني تسليم النفس الكامل، واستسلام القلب وخضوعه، كما كان العبيد سابقاً يقتربون من سلاطينهم بواسطة زحفهم على أطرافهم سُجَّداً، واضعين جباههم على الأرض، كأنهم يقولون: «ضع رجلك على رأسي. أنا خاصتك. فاعمل بي ما شئت. أنا تحت تصرفك». فسجود المجوس يعني أن بعض الأمم أدركوا أن يسوع هو رب العالمين، واستسلموا له. بينما وقف اليهود جانباً صامتين وعارضوه منذ بداية ظهوره. فأبرز البشير متى من بداية إنجيله أن البركة الموعودة لإبراهيم ونسله تفيض لكل الشعوب المؤمنة بيسوع المسيح ابن الله.

كل من يرتبط برب الأرباب هذا مؤمناً، يختبر أن السجود للمسيح ليس عملاً صادراً من الإنسان فقط. ان رب المحبة تجري منه أنهر اللطف والإحسان والقوة والغفران والسلام، في قلب المستسلم. وقد جاء المجوس بهدايا إلى الطفل. وبالحقيقة فانهم هم المهْدَى إليهم، لأن الله أهداهم ابنه.كما أننا لم نقرأ أنهم قدموا هذا الولاء والسجود والإحترام لهيرودس، مع أنه كان في أسمى درجات العز والمجد الملكي، لكنهم قدموا الإكرام لهذا الطفل ليس كملك فقط ( وإلا لكانوا قد قدموه أيضاً إلى هيرودس) ولكن كإِلَهٍ.

هم الذين استلموا الهدية العظمى، فعطايانا ليست إلا شكراً للعطية العظمى، التي منحنا الله إياها، ألا وهي نفسه. فعندما نقدم أنفسنا للمسيح يجب أن نقدم كل ما نملك. وإن كنا مخلصين في إخضاع أنفسنا له فإننا لا نعدم الرغبة في تسليم أعز شيء لدينا إليه. وتقدماتنا لا تصير مقبولة ما لم نقدم أنفسنا أولا ذبائح حية. لقد “نظر الرب إلى هابيل” أولا ثم نظر إلى “قربانه” ( تك٤:٤) فهل استلمنا هذه العطية بالإيمان حقاً؟

فسّر آباء الكنيسة شكر المجوس بتقديمهم تلك الأنواع الثلاثة، بالاستحقاقات البارزة في المسيح. فالذهب يخص الملك، رمزاً لمجده الإلهي وسلطانه ( خروج٢٥: ١٧ مع عبرانيين ٩: ٥).  والمرّ يدل على آلام المسيح وموته على الصليب حَمَلاً لله عوضاً عنَّا ( قابل مزمور ٦٩: ٢١؛ متى ٢٧: ٣٣ مع يوحنا ١٩: ٢٨-٣٠و ٣٩) . واللبان يرمز إلى صلوات القديسين المرتفعة إلى الله وعلى كماله الإنساني ( قابل لا٢: ١ مع أف٥: ٢؛ ٢ كور٢: ١٥). بهذه الهدايا شهدت الأمم أن يسوع هو ملك الملوك ورئيس الكهنة، ومن طبيعة إلهية. بينما لم يدرك أهل أورشليم وبيت لحم شيئاً من حلول الله في الجسد.

هل أنت من الذين حصلوا على عين مُبصرة؟ أتسجد ليسوع ربك وإلهك، وتهديه قلبك ومالك ووقتك طوعاً؟ لقد وُلد المسيح، ودخل خلاصه إلى دنيانا الشريرة، من يحبه يتحد معه، وتحل فيه قوة روحه القُدُّوس. فهل أنت حقاً مع الساجدين ليسوع، أو مازلت واقفاً على الحياد؟

نسجد لك أيها الابن الإلهي القدوس لأنك أتيت لخلاصنا. أنت تحب كل إنسان، وتحبني أيضاً. أعترف بذنوبي أمامك وبانني لا أستطيع أن أهديك مني  أي شيء صالح. اقبلني وخلّصني، وطهِّرني وقدِّسني، كي أستحق أن أقدم ذاتي لك. لست مستحقاً أن أُدعى لك ابناً. لكنك تسرع إليَّ، وترفعني وتقبلني، وتمنحني ثوب برِّك، وتدخلني إلى فرح الله. أنت ربي وإلهي. أنا خاصتك، فاجعل حياتي حمداً لنعمتك المجيدة. آمين.الصلاة:

السؤال ٢٥:  ماذا يعني السجود؟

محاولة هيرودس قتل يسوع

( ٢: ١٣-٢٣)

٢: ١٢  ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ. (١٣) وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ (١٤) فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ، (١٥) وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي.         (هوشع ١١: ١)

يشاء الشيطان إهلاك المسيح ومن يتبعه. أما الله فقد حفظ الطفل المختار إلى حين إكمال خدمته على الصليب، لا يستطيع أحد أن يبطل مشيئة الله الخلاصية أو يؤخرها، لأنه يحمي رسله إلى المنتهى. أعلن الله في حلم للمجوس الأتقياء ألا يعودوا إلى هيرودس الشرير. والأغلب أن هذا الحلم لم يحلمه واحد منهم فقط، بل أوحى لكل منهم معاً في نفس الليلة، فأدركوا أن يد الرب العاملة. ربما لاحظوا التصرف الغريب من هيرودس والمجلس الأعلى، وشعروا بمكرهم واستهزائهم واحتقارهم. فساروا سراً في الطريق المباشر إلى وادي الأردن. فكل الذين تربطهم علاقة روحية مع المسيح بالإيمان تصبح لهم شركة مع السماء لم يعهدوها من قبل.

لم يستطع يوسف أن ينعم براحة، لأن زيارة المجوس وهداياهم جعلته مضطرباً جداً، فصلى قبل النوم ليهديه الرب. وقد أعلن له العلي بواسطة ملاكه المجيد أنه صار على شفا الخطر المتربّص بالطفل والعائلة كلها، لأن الملك هيرودس عزم على إهلاك الملك الصغير. وعلم الله بكيد الطاغية، وسبقه فأوحى ليوسف بالنزول إلى مصر.

أطاع يوسف ربه للمرة الثانية بإيمان أكثر من طاعته للناس وتنظيماتهم. فهبَّ بعد الحلم في منتصف الليل وأيقظ الأم، وأخذ الطفل وهربوا جميعاً وسط الظلام الدامس إلى حبرون. ومن هناك نزلوا إلى الجنوب في البرية نحو مصر. لم يخبرنا البشير متى عن مشقات الطريق، ولا إذا كانوا ذهبوا مشياً أو راكبين. شهد فقط، على أن مشورة الله لا تبطل، بل تتحقق تدريجياً بلا مانع.

يلاحظ البعض أن الصبي يذكر أولا في قوله “قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ” لأنه هو العامل الرئيسي، وأن مريم لا تذكر كامرأة يوسف بل كأم الصبي وهذا أسمى ما تتشرف به.  لم يكن يوسف هو أول يوسف يطرد من كنعان إلى مصر ليحتمي من غضب إخوته. كانوا في مصر بعيدين عن هيكل الرب وعن العبادة فيه، لا يحيط بهم إلا عبدة الأوثان، ولكن الله تراءى لهم هناك لأنه “يريد رحمة لا ذبيحة”. إنهم ولو كانوا بعيدين عن هيكل الرب إلا أن رب الهيكل كان معهم. قد يقضي على الصالحين أن يبعدوا عن تأدية فرائض الله، وأن يلازموا الأشرار، ولكن ذلك ليس خطيئة. لكن الخطيئة أن يقتفوا أثرهم في العبادة.

ليس غريباً على أولاد الله أن يوجدوا في مصر، في أرض الغربة، في بيت العبودية. لكن الله سيبحث عنهم ويخرجهم. قد يكونون مختفين في مصر ولكن الله لا يتركهم فيها. وكل مختاري الله إذا كانوا قبلاً ابناء الغضب بالطبيعة قد ولدوا في مصر روحيا، لكنهم بعد التجديد سيدعون من مصر إلى الحرية.

اما عناية الله بالمولود فقد تجلت في الذهب المقدم من طرف المجوس، إذ كان بمثابة تمويل من الله لتكاليف السفر. فالرب دائما يهتم ويسد حاجات أبنائه في الوقت المناسب.

بقي يسوع مع عائلته في مصر حتى موت هيرودس سنة ٤ ق.م. وهذا التعيين التاريخي يرينا للمرة الثانية أن يسوع وُلد قبل التاريخ المذكور عن ولادته في التقويم. ونحن اليوم نعلم، أن الراهب ديونيسس قد أخطأ في السنة ٥٣٣م بتنظيم التقويم، بعدة سنوات. فلم يُولد المسيح سنة صفر، كما حسب الراهب، بل وُلد قبل سبع أو ثماني سنوات من التاريخ الميلادي.

أرانا متى حساباً أعمق من التاريخ، وهو النبوة. كما أن شعب العهد القديم دُعي من الله ليغادر مصر، هكذا دعا ابنه من الغربة إلى وطنه الأصيل. فسُمِّي يسوع في هذه الآية للمرة الأولى في إنجيل متى «ابن الله». وهذه الشهادة تدل على جرأة البشير، لأن اليهود اعتبروها تجديفاً يستحق الرجم. وبنوة المسيح لله لا تعني المباهاة والتسلط. لقد كان منذ بدايته لاجئاً مرفوضاً مضطهداً من الأقوياء، واختبر في طفولته أن اللبان ( التمجيد) يرافقه المرّ (الآلام). فاهتم أبوه السماوي به قبل وقوع الضيق، وأرسل له الذهب اللازم ليستطيع العيش في الغربة.

نسجد لك أيها الآب ولربنا يسوع المسيح، لأنه لا يوجد ملك أو زعيم يستطيع معارضتك على الدوام. أنت تعرف خفايا قلبي، فاكتشفني وأبرئني، لكي لا أكون من صفوف أعداء ابنك، بل أتبعه. احفظني يارب في حمايتك إن تعرضت للإضطهاد والرفض والبغض بسبب محبتي لإبنك الحبيب.الصلاة:

السؤال ٢٦ : كيف خلّص الله يسوع الطفل ووالديه من يد هيرودس؟

٢: ١٦ حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ الْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدّاً، فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَبِ الّزَمَانِ الَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ. (١٧) حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ: (١٨) صَوْتٌ سُمِعَ فِي الرَّامَةِ، نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلادِهَا وَلا تُرِيدُ أَنْ تَتَعَّزَى، لأنَهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ.

( تكوين٣٥: ١٩؛ إرميا٣١: ١٥)

فكّر هيرودس أن المجوس يخافون منه ويكرمونه وسيعودون إليه مباشرة بعد معرفتهم للمولود، لكنه لما رأى أنـهم تجاهلوه اغتاظ كثيراً، لأنه لم يخبروه من هو المسيح وأين يسكن. فحدثت عنده ردة فعل عنيفة، كما حصل ذلك مراراً في ماضيه.

كان هيرودس ادوميا تجري في عروقه العداوة لإسرائيل. كان الأطفال على الدوام – ولا يزالون – موضع عطف ورعاية وحماية القوانين البشرية بل الطبيعة البشرية، ومع ذلك فقد ذهبوا ضحية غضب ذلك الظالم العاتي الذي لم يكن يُقدِّر للبراءة وزناً كنيرون. كان هيرودس محبا لسفك الدماء في كل أيام حكمه، فقبل هذه الحادثة بقليل قتل جميع أعضاء السنهدريم. على أن سفك الدماء في نظر الرجل الوحشي ليس إلا بمثابة شرب المرضى بالإستسقاء للماء. فإنه كلما ازداد شرباً ازداد عطشا. كان هيرودس إذ ذاك في السبعين من عمره ولم يكن معقولا أن يزعجه طفل كهذا دون السنتين. ثم إنه لم يكن متلهفا على أطفاله أو شغوفا برفاهيتهم، فقد سبق أن قتل اثنين من أبنائه، الإسكندر وأرسطوبولوس، وبعد ذلك قتل ابنه أنتيباتر قبل موته هو شخصياً بخمسة أيام. لهذا فإنه لم يلتجئ إلى تلك الحادثة الوحشية إلا لإشباع شهوة الكبرياء والقسوة الوحشية.

يخبرنا “مكروبيوس” وهو مؤرخ وثني، أنه عندما سمع أوغسطس قيصر أن هيرودس قتل ابنه ضمن الأطفال الذين قتلهم دون السنتين قال هذه النكتة “كان خيرا لهيرودس أن يذبح خنزيراً من أن يذبح ابنه”. كانت عادات البلاد تمنعه من ذبح الخنزير، ولكن لم يكن هنالك ما يمنعه من ذبح ابنه.

يرى البعض أن حُزن أهل بيت لحم سُمح به قصاصا لهم على احتقارهم للمسيح واستخفافهم به. إن الذين لا يفرحون بولادة ابن الله يحق لهم بعدل أن يحزنوا لموت أبنائهم. فكل ما نقرؤه عن أهل بيت لحم أنهم “تعجبوا” من الأخبار التي أتاهم بها الرعاة لكنهم لم “يرحبوا” بها.

إن الإشارة إلى هذه النبوة تكفي للرد على اعتراض قد يعترض به البعض على المسيح بسبب هذه المناسبة المفجعة. قد يقول هؤلاء المعترضون:” هل يمكن أن يدخل المسيا إلى العالم بهذه الفواجع وهذه الاحزان مع أنه مفروض أن يكون هو عزاء لإسرائيل؟”

نعم، لأنه هكذا تنبأ الكتاب وينبغي أن تتم النبوات. وفضلا عن هذا فإننا إذا تأملنا في باقي هذه النبوة وجدنا أن “البكاء المر” في الرامة كان مقدمة لفرح جزيل لأنه يقول بعد ذلك “لأنه يوجد جزاء لعملك، ويوجد رجاء لآخرتك” ( أر٣١: ١٦و١٧) عندما تسوء الأمور تسرع حالا وتنصلح. فإنه قد ولد لهم ولد يكفي أن يعوضهم عن خسائرهم.

من الغريب أن أهل بيت لحم لم يصدقوا أخبار الرعاة والمجوس، ولم يهتموا بالطفل يسوع. فهم لم يأتوا ويسجدوا له. وإذ لم يؤمنوا رغم الشهادات البارزة، سقطت يد الله القوية عليهم بقتل أطفالهم، كما سقطت على اسرائيل دينونة إلهية من قبل، إذ بكى النبي إرميا على شعبه المسبّي، كما بكت راحيل بسبب تعسُّر الولادة، فماتت ودُفنت في بيت لحم. لقد منع الله عبده إرميا من البكاء آنذاك، لأنه أراد أن يُربّي المسبيين بقصد إرجاعهم إلى حمايته.( إرميا٣١: ١٥ وتكوين ٣٥: ١٨). نلاحظ أن الوحي لا يقول هنا ” لكي يتم ” بل يقول “حينئذ تم “، ولاختلاف هاتين العبارتين أهمية كبرى، لأنه إذا قيل “لكي يتم ما قيل” عن حادثة أنها حصلت، يكون المعنى أن هذه الحادثة هي المقصد الأصلي للنبوة المذكورة، وأما إذا قيل ” حينئذ تم ” كما هو مذكور هنا يكون المعنى أن الحادثة ليست هي القصد الأصلي، بل هي جملة حوادث تصدق عليها النبوة. فالنبوة المقتبسة هنا صدقت أولاً على حالة إسرائيل وقت سبي بابل لما كانت الأرض قد أثكلت، وتكلم النبي عن ذلك الخراب العظيم مصوراً راحيل، امرأة يعقوب المحبوبة، التي كانت مدفونة بالقرب من بيت لحم        ( تكوين٣٥: ١٩) كأنها قد قامت من الأموات وسألت عن أولادها ولما لم تجدهم أبت التعزية لأنهم ليسوا موجودين في ارضهم بل مشتتين بسبب ظلم أعدائهم. كذلك كانت حالتهم في زمان ولادة المسيح لأن الوارث الحقيقي نفسه كان هارباً من وجه الظلم، والملك الكذاب يسطو كذئب خاطف على الذين بقوا في الأرض.

 كانت دينونة الله على بيت لحم ضربة المحبة من ربهم ليرجعوا ويتوبوا، وليؤمنوا بالطفل يسوع.

هكذا يتضح أن متى يتناول موضوع تشبيه الرب يسوع في طفولته لليهود في بداية تكوينها كأمة. فنراه يخرج من مصر كما خرجت هي، علما بأن المسيح جاء لينجح حيث فشلت الأمة اليهودية في السابق بسب عدم الإيمان. وينهي الرسول متى سرده لأحداث طفولة المسيح بالتشديد مرة أخرى على توجه المسيح العالمي، فيشير إلى الناصرة مكان سكناه الأول. أما هذه المدينة فكانت تقع في الجليل على خط  دولي، تحفل بالنشاط التجاري الأممي الذي كثيراً ما كان يترافق مع مظاهر اللهو والإنحراف الخلقي والعبادات الوثنية. لذلك كان أهل اليهودية ينظرون باحتقار إلى أهل الجليل بشكل عام وإلى الناصرة بشكل خاص لكي يتم الكتاب بأنه سيكون محتقراً.

أيها الله القدوس، أنت عادل ولا تقاصص بدون سبب. نستحق إبادتنا لأجل إهمالنا لعظمتك ولأجل احتقارنا للمساكين، ولأجل لامبالاتنا لنبواتك. إرحمنا وارحم امتنا لأن أخطاءنا متصاعدة إلى السماء، وأخلق فينا الندامة على آثامنا وارشدنا إلى معرفة شرورنا وقدنا إلى التوبة وتغيير الفكر، وافتح أعيننا لكفارة المسيح، واملأنا بمحبتك حتى ننجو من دينونتك المعلنة والمقبلة علينا. الصلاة:

السؤال ٢٧: ما الهدف الأخير لعقوبات الله؟

٢: ١٩ فَلَمَّا مَاتَ هِيرُودُسُ، إِذَا مَلاكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ فِي حُلْمٍ لِيُوسُفَ فِي مِصْرَ (٢٠) قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ (٢١) فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ.          (لوقا٢: ٣٩، يو١: ٤٦)

لم يرد الله أن ينمو يسوع في الحضارة المصرية مدة طويلة، بل أمر يوسف أثناء رؤية ثالثة في الحلم، أن يعود إلى وطنه، وليس إلى بيت لحم ولا إلى المملكة اليهودية، بل إلى منطقة إسرائيل الشمالية لتتأصَّل تربية يسوع من بدايتها بتعلم اللغة العبرية والآرامية وبمبادئ العهد القديم.

في كل تنقلاتنا يستحسن أن نرى طريقنا واضحاً جلياً والرب سائراً أمامنا، وأن لا نخطو خطوة إلى هنا أو هنالك بدون أمر منه.

أخذت يد الله هيرودس الذي قصد إبادة الطفل المقدس. وكل الرعاة والملوك والأنبياء يموتون، أما الله وابنه يسوع فإلى الأبد يثبتان. يموت الأشرار العظماء، ولا يقدرون أن يهلكوا جسد المسيح الروحي. الذي يعني أتباعه في العالم. فكن مطمئناً إذا وقعت في ضيق أو إهانة لأجل اسم يسوع الرب الحي.

٢: ٢٢ وَلكِنْ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْخِيلاوُسَ يَمْلِكُ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ عِوَضاً عَنْ هِيرُودُسَ أَبِيهِ، خَافَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ. وَإِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي حُلْمٍ، انْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي الْجَلِيلِ.(٢٣) وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيّاً.

عندما مات هيرودس الكبير سنة ٤ ق.م بأوجاع كبيرة، قرر في وصيته أن يرث كل واحد من أبنائه الثلاثة جزءاً من مملكته. فأرخيلاوس ورث أورشليم وتخومها، وانتيباس ورث الجليل وعبر الأردن الجنوبي ، وفيلبس ورث منطقة الجولان وجبل حرمون وعبر الأردن الشمالي. كان أرخيلاوس خليفة أبيه في أورشليم طاغية كوالده. أمر جنده مرة أن يذبحوا ثلاثة آلاف حاج في أزقة أورشليم دفعة واحدة. فبسبب خشونته ووحشيته أنزله أغسطس قيصر في سنة ٣ ب.م وسباه إلى فرنسا. وسلَّم القيصر منطقته إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي حكم على المسيح بالصلب. فإذا قرأنا في نصوص العهد الجديد عن هيرودس، يجب أن نستنتج أن البشيرين يقصدون أنتيباس، ملك الجليل والأردن الجنوبي.

لا شك أن يوسف فزع لمَّا سمع عن وحشية أرخيلاوس في أورشليم، وتساءل: هل كان أمر الله بالرجوع إلى الوطن خطأ؟ لكن رجل الإيمان صلَّى في قلقه، فجاوبه الرب في رؤيا رابعة وأمره أن يذهب إلى الجليل. هناك اختار يوسف مدينة الناصرة مسكناً، لأن مريم منها، وكانا ساكنين فيها سابقاً لمدة. فهذه المدينة الصغيرة غير المذكورة في التوراة كلها، أصبحت وطن يسوع الدنيوي.

رنَّت في أذن متى عند ذكر هذه المدينة كلمة عبرانية أخرى معناها «القضيب المفرخ» الذي يخرج من جذع يسى وينبت كغصن من أصوله (إشعياء ١١: ١ ، ٢). وفي هذه النبوة ذكر ملء الروح القدس الحال في يسوع، الذي هو القضيب المفرخ.

وأهم المعاني التي انتسبت لمدينة الناصرة لخَّصها بيلاطس عندما كتب فوق الصليب الكلمات الأربع: «يسوع الناصري ملك اليهود» (يوحنا ١٩:١٩).

نسجد لك أيها الآب السماوي الحنون، لأنك أرشدت يوسف أربع مرات بواسطة أحلام، وأعلنت له إرادتك، ومنحته القوة لإطاعة الإيمان المباشر. قد حميت ابنك، وهو صغير، حماية كاملة. احفظنا أيضاً، واخلق فينا طاعة الإيمان المطلق، فنتجاوب مع صوت روحك القدوس بفرح.الصلاة:

السؤال ٢٨: ما هي الأمور الأربعة الموحاة ليوسف، وأين ذُكرت في الأناجيل؟

٢- يوحنا المعمدان يعدّ الطريق للمسيح

(٣: ١ ٤: ١١)

النداء للتوبة

(٣: ١-١٢)

٣: ١  وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ (٢) قَائِلاً: تُوبُوا، لأنَّـهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ.                           (متى ٤: ١٧؛ مرقس ١: ١-٨؛ لوقا ٣: ١-١٨)                                

رجع يوحنا بن زكريا إلى وطنه بعد تأملاته في البرية، إذ أوحى الله إليه هناك حقائق مثيرة، وأرسله إلى اليهود لكي يفلح قلوبهم، ويزرع فيها أفكاراً جديدة، ولكي يعد طريق المسيح المقبل.

كان على كل من أراد الإنتماء إلى دين اليهود، أن يغطس في الماء، حسب شريعتهم رمزاً لموت الإنسان الأممي، الذي يغرق في أمواج النهر نهائياً، ويقوم مكانه إنسان جديد متعاهد ومتصالح مع الله.

والمثير في معمودية يوحنا أنه لم يُجرها على الأمم النجسة، بل توجَّه بها إلى اليهود الأتقياء، فنادى في البرية المعتبرة أنها سكن الشيطان، والتي كان يُطرَد إليها تيس الخطيئة (لاويين ١٦: ٢٢). فتوجَّب على أتقياء اليهود أن يدركوا بطلان خداعهم لأنفسهم، لأن كل إنسان شرير منذ حداثته       (تكوين٨: ٢١) ومحتاج إلى التوبة النصوحة. لا يزال الله يعمل بكلمته وبروحه القُدوس ليأتي بالإنسان إلى التوبة، كما أنه يخلق فيه كل شيء صالح. لكن عمل الله هذا لا ينقض واجب الإنسان لجهة التوبة. ويصدق هذا على حالة البشر جميعاً.

من الغريب أن يوحنا لم يطلب منهم قرابين ولا اجتهادات لمحو خطاياهم، بل دعاهم لانقلاب فكري وتجديد ذهني، لأن التوبة الحقيقية ليست نتيجة جهود إنسانية، ولا تبريراً للمرء بوسائل ذاتية، انها تغيير جذري في أعماق القلب وتجديد النوايا. إن كل من يطلب أعمال التوبة من الإنسان يقع في خطأ، ويخدع ذاته بوهم قدرة الإنسان على إصلاح نفسه بنفسه، ويعارض روح العهد الجديد، لأن هذا الروح يجدد الإنسان أولاً، وبعدئذ يدفعه إلى أعمال صالحة.

غرس يوحنا في نفوس الناس المعرفة أنهم خطاة، ودعاهم للاعتراف بخطاياهم، والإقلاع عنها، وكراهيتها، ورَفْضِ الحياة القديمة، وإنكار الذات. حتى لا يعتقدوا بالتقوى الإنسانية، ولا يتكلوا على أعمالهم الخاصة للتبرير. فلا يحرضك يوحنا على إصلاح نفسك من خلال جهودك الشخصية، لكنه يقول عليك بالمعمودية، ولا رجاء للإنسان إلا بالموت عن الخطايا، فيبقى فاسدا دنساً حتى يلقي بنفسه في نهر محبة الله وقداسته ليتطهر ويتجدد.

لقد أعلن الله ليوحنا وهو منعزل في البرية عن سر مجيء ملكوت السماوات، فعرف أن الله سيبتدئ عصراً جديداً، غالباً الخطايا والفساد. وأدرك أن الرب نفسه أراد أن يأتي في مسيحه ليجدد القلوب النجسة بواسطة حلول الروح القدس فيها. من هنا نادى باقتراب مجيء المسيح. إن هذا المجيء المتوقع صار سبب ندائه إلى التوبة.

لم يستطع الإنسان الرجوع إلى الله، الذي هو في ذاته التوَّاب، ويرجعنا إليه بمجيئه إلينا. فمحور رسالة يوحنا ليس الدعوة إلى التوبة، بل البُشرى المفرحة عن مجيء الله وإنشاء ملكوته على الأرض. لهذه الغاية طلب المعمدان من كل إنسان، أن يستعد لاستقبال الرب.

أيها الرب، لست مستحقاً أن تدخل تحت سقف بيتي، لأن أفكاري نجسة، وأقوالي خداع، وأعمالي شريرة. لا تطرحني من قدام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعه منِّي. اخلق فيَّ التوبة المقبولة لأدرك مجدك، وأعرف ذاتي في نورك. أنت مقياسي أنا الخاطيء. على رحمتك أتكل، وعلى نعمتك رجائي.الصلاة:

السؤال ٢٩: ما هي التوبة المقبولة؟

٣: ٣  فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً (٤) وَيُوحَنَّا هذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ، وَعَلَى حَقْوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَاداً وَعَسَلاً بَرِّيّاً. (٥) حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأرْدُنّ، (٦) وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأرْدُنِ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ.

(إشعياء٤٠: ٣؛ يوحنا١: ٢٣)

يُشْبه يوحنا ساعياً يركض في قريته المنعزلة ينادي كل الناس: «الملك سيأتي ويزور قريتنا. نظفوا الطريق وجهزوا البيوت. وألبسوا اللباس الرسمي». وعندما اجتمع شيوخ القرية، فكروا بأن الطريق الممتدّة من عاصمة الملك إليهم مخربة وغير صالحة. فطلبوا من المنادي أن يعود إلى ملكه ويلتمس منه أن يرسل عُمَّالاً ليرفعوا الصخور المانعة لمجيئه، ويُعِدّوا الطريق لاستقباله. ومعنى ذلك، أنهم يطلبون من الملك أن يعدّ هو الطريق إليهم، لأنهم لا يستطيعون شيئاً.

اعترف يوحنا في إنجيله ( يو١: ٢٣) “أنا صوت صارخ في البرية” . “أنا صوت” أنا مجرد صوت وكفى. الله هو المتكلم، وهو يعبر عن رأيه بيوحنا كما يعبر الإنسان عن رأيه بصوته. وكلمة الله يجب قبولها على هذا الإعتبار ( ١تس٢: ١٣ ). قيل عن يوحنا بأنه “صوت” صوت شخص صارخ، صوت عال مزعج ومنبه يدعو إلى اليقظة. وقيل عن المسيح بأنه “الكلمة” والكلمة لأنها واضحة ومفصلة أكثر من مجرد الصوت فإنها أكثر تعليماً وبنياناً. فيوحنا “كصوت” حرك البشر ونبههم، ثم أتى المسيح “الكلمة” فعلمهم.

كما أن أم شمشون حرم عليها شرب “شراب قوي” ومع ذلك فقد رتبت عناية الله أن يكون شمشون “رجلا قويا” هكذا صار يوحنا “صوت صارخ” إذ ولد “صوت صارخ” من أب أبكم، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن “فضل القوة لله وليس للإنسان”.

بطريقة روحية أعلى، نادى يوحنا كل الناس، ألاَّ يغرقوا في هموم الحياة وأشغالها، بل يفكروا بالرب، ويبعدوا كل الخطايا من طريقه، مقوّمين طريقهم في المجتمع، ليصلهم مجد الله.

لم يكن كلام يوحنا مجرد كلمات وعبارات رنانة، بل عاش طبق ما قاله وأمر به، فلباسه كان كباقي الأنبياء. لقد عاش في البراري، منفصلاً عن الشعب للشهادة ضد سوء حالتهم وأكل الجراد، الذي هو كل ما طالته يده في البرية، وسمحت بأكله الشريعة الموسوية ( لا ١١: ٢٢). وكسكان البادية لبس الوبر الخشن كالسكاكين لا الثياب الناعمة كما في بيوت الملك. فيوحنا المعمدان خلع كل الملابس المريحة، وامتنع عن الغذاء الدسم، ليبرهن على أن الأكل والشرب والرفاهية غير مهمة، إنما المهم هو علاقتنا بالله.  فكيف علاقتك مع ربك؟ ما هي الخطايا المانعة من استجابته لك؟ أتذكر الأكاذيب البيضاء، ونقمتك على خصومك، ونجاساتك؟ فخطاياك هي التي تفصلك عن ربك. وشهاداتك المدرسية وصِيتك الجميل لن يخلّصاك من الدينونة. كيف حالة ضميرك؟ أعطِ حساباً لخالقك.

هزَّت كلمات المعمدان أهل اليهودية، فتراكضوا إليه ليروه ويسمعوه. هناك ركع التائبون واحنوا رؤوسهم واعتمدوا على يديه في المياه، وخجلوا من خطاياهم، واعترفوا بأفعالهم السيئة جهراً، طالبين من الله الغفران والتطهير. هكذا ماتوا لكبريائهم، ولم يفكروا بعد ذلك أنهم صالحون أتقياء، بل اعتبروا أنفسهم خطاة مستحقين الدينونة، طالبين من الله النعمة والرحمة. لقد اختبروا أن الشريعة لم تبررهم، لأن ضمائرهم شهدت ضدهم.

كان طعام يوحنا مكوناً من العسل والجراد، والذي كان يتفق مع التعليم الذي نادى به عن “التوبة” و “الأثمار التي تليق بالتوبة“. فالذين يحصرون مهمتهم في دعوة الآخرين للحزن من أجل الخطيئة  ولإماتة الخطيئة، يجب أن يحيوا هم أنفسهم حياة إنكار الذات والموت عن الخطيئة واحتقار العالم.

قام يوحنا المعمدان وخرج من المنطقة التي كان فيها إلى المناطق الأخرى المجاورة لأورشليم. فالذين يريدون الإنتفاع بخدمة يوحنا يجب أن “يخرجوا” إليه في البرية ويشتركوا معه.

إن الذين يرغبون رغبة صادقة في طعام الكلمة أن يبحثوا عنه إذا لم يصل إليهم. وعل الذين يريدون أن يتعلموا تعليم التوبة أن “يخرجوا ” من وسط مشاغل العالم إلى الهدوء الشامل.

أخي العزيز، افحص ضميرك باستقامة واكشف اقوالك وأفكارك وأعمالك. تعال إلى ربك واعترف قدامه بكل ذنب اقترفته. اعلم أنك غير صالح بل خاطئ ونجس امام قداسة الله وطهارته. انكر نفسك وانس أنانيتك والتمس من ربك الرحمة والعناية. فأنت لا تستطيع إرضاءه إذا كنت لا تعترف بخطاياك. ولن يعرف ضميرك الراحة والإطمئنان مادمت صامتا عن ذنوبك. افتح قلبك لله، هو أمين وعادل وغافر لكل إثم. لا تتأخر بل اسرع واطرح نفسك في نهر محبة الله لكي يخلصك المسيح فتكون إنساناً جديداً بالإيمان ومقبولا عند الله والناس.

ربي إلهي، أنت أعلم بماضيَّ أني أنا الخاطئ أستحق دينونتك. اغفر لي خطاياي، حسب رحمتك الكثيرة. لا تطرحني من قدام وجهك، وروحك القدوس لا تنـزعه منِّي.الصلاة:

السؤال ٣٠:  ما هي مبادئ كرازة وحياة المعمدان؟

٣: ٧  فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي؟ (٨) فَاصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ. (٩) وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْراهِيمُ أَباً. لأنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هذِهِ الْحِجَارَةِ أَوْلاداً لإبْراهِيمَ.                          (يو٨: ٣٣-٣٩؛ رومية٢: ٢٨-٢٩؛ رومية٤: ١٢)

في زمن يوحنا المعمدان كانت فرقة الفريسيين تضم حوالي ستة آلاف شخص . واعتبروا أنفسهم منفصلين عن الشعب ومجهَّزين لله، لأنهم لم يتنجسوا كسائر الشعب المحتقر، بل حفظوا كل وصايا التوراة بدقة بالغة، وارتبطوا بأقوال الآباء وأحكامهم. أرادوا أن يدبروا وينظموا أوضاع الحياة بقوانين دقيقة جداً. وفي زمن يسوع بلغت الواجبات التي قرروها ٢٤٨ واجباً، والممنوعات ٣٦٥ ممنوعاً. فاهتموا ألاَّ يتجاوزوا واحداً منها، لكي يأتي ملكوت المسيح سريعاً. اعتقدوا أن الإنسان يقدر أن يخلّص نفسه بحفظ الشريعة. ولم يفهموا أن الشريعة لا تهب الإنسان قوة المحبة، بل تدين أنانيته وتكشف خطاياه كمرآة.

حسب الصدوقيون أنفسهم صديقين أبراراً. وكانوا فريقاً من نخبة الكهنوت ووجهاء الشعب. لقد انفتحوا للحياة الحديثة والأفكار اليونانية والرومانية، وحاولوا ربط هذه الأفكار بالتوراة، وأنكروا وجود الملائكة. لم يؤمنوا بخلود النفس ولا بقيامة الأموات، واعتبروا الدينونة خيالاً، وشكّوا بتدخل الله في تاريخ البشر. نتيجة لذلك عاش بعضهم بشعار: لنأكل ونشرب لأننا غداً نموت. أما الهيكل مع قرابينه فيبقى محور اعتقادهم للمصالحة مع الله. أنكروا ما عمل الفريسيون ووافقوا على ما أنكروه، وكان لهم أتباع كثيرون. كما أن كل الكهنة واللاويين خضعوا لهم في وظائفهم. وهم تعاملوا بقدر الإمكان مع الرومان، ليحافظوا على إمارتهم اليهودية التي حول الهيكل.

 سمَّى المعمدان، بجرأة كبيرة، المتدينين «أولاد الأفاعي»! كان كل يهودي يعلم أن الكتاب المقدس يسمّي الشيطان الحية، وسماهم «أولاد الأفاعي» بسبب شرهم، وتعاليمهم السامة، وتحايلهم على الهرب من الغضب الآتي بقبولهم معموديته بغير توبة. وسألهم من أراهم أن يهربوا من الغضب الآتي، وهو الغضب الذي كانوا يعلمون من التوراة أنه يأتي على الأشرار عند ظهور المسيح. فأدان يوحنا بكلماته القوية البر الذاتي المتمثل في حفظ الشريعة حرفيا، كما طعن الحياة المتحررة من الشريعة باعتبارها خطيئةً، واعترف بغضب الله على كل رياء وخداع للنفس بحفظ الطقوس. وشهد بالدينونة على كل من يعيشون بدون الله والضمير. فليس إنسانٌ صالحاً أمام الله. «الكل زاغوا معاً وفسدوا، ليس من يعمل صلاحاً. ليس ولا واحد»( رومية ٣: ١٢ ).

رأى أنه يكفي أن يقول للآخرين “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات” لكنه لما رأى هؤلاءالفريسيين والصدوقيين يأتون إليه وجد نفسه مضطرا أن يكون صريحاً معهم وأن يعاملهم بتفصيل أوفى.

بدأ بقسوة، لم يَدعهم “ربي” ( معلمي) لم يُنادهم بألقابهم التي تعودوا سماعها، ولم يكل لهم كلمات المدح والإطراء كما تعودوا أن ييسمعوا. لقد لقبهم  “أولاد الأفاعي” اللقب نفسه الذي أعطاهم المسيح ( ١٢: ٣٤؛ ٢٣: ٣٣). لقد كانوا كالأفاعي، رغم أنهم كانت لهم صورة التقوى والمظهر الخلاب، إلا أنهم كانوا مملوئين سما، مشحونين خبثا وعداوة  لكل ما هو حسن.

فما هي ثمار التوبة، إذ أن الإنسان قد فسد حتى في نواياه، ولا يستطيع عملاً صالحاً؟ لأن الثمار المطلوبة هي:

أولاً :  المعرفة الصادقة بهلاكنا.

ثانياً :  الانكسار عن استكبارنا بالاعتراف بخطايانا أمام الله.

ثالثاً :  الطلبة المستمرة لتحل قوة الله فينا، وتقودنا إلى الحياة المقدسة.

رابعاً:  العزم والثبات لنعيش مع الله دائماً.

إن الذين يقولون أنهم حزنوا من أجل خطاياهم ومع ذلك يصرون عليها، لا يستحقون أن يسموا تائبين ولا يستحقون امتيازات التائبين. على الذين يتوبون أن يعيشوا ويتصرفوا كما يليق بالتائبين، وأن لا يفعلوا أي شيء لا يليق بالخطاة التائبين. يليق بالتائبين أن يكونوا ودعاء ومتواضعين في أعين أنفسهم، شاكرين لأقل رحمة، صابرين في أعظم المحن والتجارب، متيقظين لكل مظاهر الخطيئة، مكثرين في عمل الخير، مترفقين في دينونة الآخرين.

فكَّر اليهود أن إبراهيم هو أبوهم، وأن الانتماء له يكفل لهم مواعيد الله وعهوده معهم، وأنه لا يندم على ما وعد به. لكن يوحنا كسر هذا الاعتقاد الخاطئ عن الله، وسمى آل إبراهيم أولاد الشيطان. أكثر من هذا، فانه أشار إلى الحجارة الكثيرة في البرية من حوله، وقال: إن لم تنكسر قلوبكم المتحجرة، وطلبتم من الله قلوباً جديدة روحية حنونة، فان الخالق يستطيع أن يخلق من هذه الحجارة أولاداً لنفسه، ليحقق وعده لإبراهيم.

إن هذه العبارة ” أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم ” تخصنا في محيطنا اليوم، لأن قلوب الكثيرين متحجرة، وشعورهم الباطني لا يشعر بصوت الله، بسبب التعاليم المضادة للمسيح منذ مئات السنين. اما نحن فنؤمن ونعترف مع يوحنا المعمدان بفرح وبأن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم.

إنه وهم باطل أن نظن بأن علاقاتنا الحسنة تخلصنا حتى وإن كنا نحن أنفسنا غير صالحين. وإن كنا نعتز بالسلف الصالح والجدود الأتقياء، وقد نلنا نصيباً وافراً من التربية الدينية، ونشأنا في عائلات تتقي الله وتخشاه، ولنا الأصدقاء الأتقياء ينصحوننا ويصلون من أجلنا، فماذا ينفعنا كل هذا إن كنا لا نتوب ونعيش حياة التوبة.

وأنت يا أخي، هل تؤمن معنا وتعترف بقدرة الرب المخلِّصة؟

أيها الله القدوس، أنت غاضب على كل خطيئة وظلم ونجاسة، وترفض كل رياء وخداع للنفس. ساعدني ألاَّ أكون فريسياً ولا صدوقياً، بل أنكسر أمامك وأعترف بخطاياي. واطلب منك دائماً الرحمة لتنشئ قوتك في ضعفي ثمار روحك الطاهر. أنت قاضيَّ ومخلّصي، فلا تتركني.الصلاة:

السؤال ٣١: من هم الفريسيون، ومن هم الصدوقيون؟

٣: ١٠  والآن قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لا تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ.

هذا كلام مجازي يفيد التهديد بالقطع. ما أعظم لطف الله وطول أناته! إنه لا يجري القصاص إن لم ينبِّه المذنبين أولاً. هل رأيت حطَّاباً يقف وفي يده فأس مرتفع، ليقطع الشجرة بضربة قاطعة؟ يشبّه يوحنا كل إنسان بشجرة، والمسيح بالحطَّاب. فالشجرة التي تأتي بثمار المحبة والحق يبقيها في حديقة ملكوته، ولكن من يعيش في الأنانية ويكذب ويلعن، يسقط عليه فأس المسيح الديَّان حسب شهادة يوحنا.

إننا اليوم في خطر أن نخطئ، إذ نبشر أكثر من اللازم بالنعمة والغفران المجاني على أساس حقيقة الصليب. ونهمل الحديث عن غضب الله على الخطيئة. فكل الذين لا يتغيرون ويقدمون الشكر للصليب تكون الدينونة مصيرهم وجهنّم مأواهم.

إن عالمنا اليوم أقرب إلى قصاص الله من نعمته، لأن الجماهير تعيش بدون ربها، مهملة نعمة المسيح. فلا تتعجب لغضب الله وضربات عدله على البشر. انها كلها نتيجة رفضهم الصليب وقوته. ونار الدينونة أصبحت لنا في عصر الحروب الحديثة أشد إفحاما من ذي قبل. فنرى مدناً محترقة بامطار القنابل، وأجساداً مشوهة متفحِّمة من حرائق البيوت التي تهدمت فوق رؤوسهم. فلا نستهزئ بعد هذا بالوحي الإلهي عن حقيقة جهنم النارية، لأن أرضنا صارت مقدمة لها. كم سيكون حزن ويأس الذين احتقروا صبر الله، إذ سيعضون على أصابعهم تحسرا وأسفا في الوقت الذي لا ينفعهم. فجهنم آتية علينا، والشياطين يتحكمون في الذين لم يفتحوا قلوبهم لروح المسيح. احذر من الخطر المحدق بك، وانتبه للأمر الذي ينفتح له قلبك ويُسرُّ به!

هذا حال جمهور المسيحيين بالإسم الآن، لأن آلات القطع موضوعة على أصل الشجر مع أن أناة الله لا زالت تنتظر، وكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار. هذا هو حكم الله غير المتغير عندما يدين شعبه ( أنظر رؤ٢: ١-١٠).

أيها الآب القدوس، نعظمك لأن دينوناتك عادلة وحقة. لا تضع فأسك على أصل حياتي الفاسدة، بل تأنَّ علي وساعدني للتوبة ولتغيير أفكاري وسلوكي حسب وصاياك لآتي بثمار مقبولة عندك. اغفر لأصدقائي ولأقربائي لأنهم مثلي مستحقين النار، لكن يارب نلقي رجاءنا على رحمتك ورأفتك. الصلاة:

السؤال٣٢: ماذا يتوقع منك الخالق القيام به؟

٣: ١١ أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَنَارٍ. (يوحنا١: ٢٦؛ ٢٧؛ ٣٣، أعمال١: ٥و٨؛٢: ١-٤)

كانت خدمة المعمدان خدمة التوبة ومعمودية الماء تمهيداً لمن يعطي الروح لاحقاً، فالعهد القديم ينبئ بأن الشعب في ملك المسيا العتيد سيغتسل بالماء للتطهير ويقبل روح الله للتقديس (إرميا٣١: ٣١-٣٤؛ حزقيال ٣٦: ٢٤-٢٨). أما يوحنا فكان صوتاً صارخاً يشير صراحة إلى هوية المسيح الإلهية إذ هو وحده يستطيع أن يعمد بالروح القدس.

علم يوحنا أن معموديته هي للتوبة لا تغيّر الحياة، فهي فقط تكشف مرض الانسان دون أن تعالجه. من هنا نخلص إلى أن المعمدان ترقّب مجيء المسيح بشوق، لأنه الممسوح بالروح القدس. هو وحده القادر على الشفاء، وإزالة الخراب من العالم. وسيعمد كل التائبين ومنكسري القلوب بروحه القُدُّوس، ويملأهم بالعنصر الإلهي، ويغيّرهم إلى أناس المحبة، ويجعلهم أهلاً لملكوت السماوات. أما المراؤون بأقنعة التقوى والمهملون لنعمة الله، فسيسلّمهم المسيح إلى نار غضب الله الأبدية.

كان يوحنا واقفاً على عتبة العهد القديم، المؤدية إلى العهد الجديد. وكرز بغضب الله على أساس شريعة موسى. لكن أعظم الأنبياء هذا رأى رب النعمة مقبلاً عليه ليخلّص التائبين، ويمنح العالم الشرير حياة الله.

إن الروح القدوس الموعود للتائبين والمعترفين بخطاياهم، هو الله بالذات. فمن يصرَّح بذنوبه أمام الله واستعد لتركها ينل ويختبر غفران المسيح وقوته السماوية. يحل الله بذاته في هذا الخاطئ، ويجعله ابناً له بالروح القدس.

فلا تخف من معمودية الروح القدس، لأن هذا الروح هو محبة الله ولطفه وحياته الأبدية، وهو يمجد المسيح.

وعَرَف يوحنا سموَّ المسيح مسبقاً فسمَّى نفسه غير مستحق لخدمته، واعتبر ذاته أصغر من عبد يحمل حذاء سيده. فالمعمدان كان متواضعاً وآتياً بثمار التوبة الحقة. ورجا من كل قلبه حضور المسيح وحلول الروح القدس من يده على أتباعه.

إنها لتعزية عظمى للخدام الأمناء أن يروه أعظم منهم، وأن يعتقدوا بأنه يستطيع أن يفعل من أجلهم وبهم ما لا يستطيعونه هم أنفسهم، وأن قوته تكمل في ضعفهم.

إن الذين يزيدهم المسيح مجداً وكرامة يتخذون من ذلك مبررا ليصبحوا في أعين أنفسهم حقيرين ومتضعين، ويقبلون أن يتَّضِعوا لكي يرتفع المسيح. أن يكونوا كلا شيء لكي يكون المسيح هو الكل في الكل.

أيها الآب القدوس، عندما نقارن أنفسنا بمحبتك نظهر أنانيين. اغفر لنا قلة رحمتنا وقلوبنا القاسية. نشكرك لأنك أرسلت مسيحك المولود من روحك القدوس فمات لأجلنا لنستحق قبول روحك القدوس. جدد كل مؤمن تائب ليمتلئ بروح المسيح ووداعته ولطفه ومحبته. الصلاة:

السؤال ٣٣: لماذا بمقدور المسيح أن يعمدنا بالروح بالقدس؟

٣: ١٢ الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ، وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لا تُطْفَأُ.                                                                       (متى١٣: ٣٠)

يوقظنا المعمدان من نومنا في الثقة الكاذبة، ويرينا فلاحاً في يده رفش ( المذراة )، يذرّي حصاده مع الريح الذي يأخذ القشور والزوان والغبار. أما القمح فيسقط أمام قدمي رب الحصاد. فيجمعه ويأخذه إلى مخزنه.

فبماذا تتشبّه ، بالقمح أم بالقش؟ لقد ظنَّ الفريسيون والصدوقيون أنهم قمحاً، وباقي البشر زواناً وقشاً. لكن العشَّار في الهيكل (الذي كان يحسب عادة قشاً) خجل أن يرفع وجهه إلى الله وتمتم: «اللهم ارحمني أنا الخاطئ». فهذا التائب تبرر وحُسب قمحاً. أما الأبرار الأتقياء المتباهون، فسقطوا إلى الدينونة رغم اجتهادهم وتقواهم. فمن أنت؟ مراء مدع للتقوى، أم خاطئ تائب؟ هل تأتي بثمر التوبة الكثيرة، وهل امتلأت من الروح القدس؟

وآخر كلمة ذكرها البشير متى من مواعظ المعمدان هي «النار». لقد تكلم ثلاث مرات عن نار غضب الله. وكل الذين يعارضون روح المسيح يسقطون إلى الجحيم. وكل من لا يتغيَّر في صميم قلبه يهلك. إن خلاص المسيح كامل وحاضر، وقوة الروح القدس تقدّس التائب. لكن من يتظاهر بالتدين ويستمر في خطيئته بلا مبالاة تحت قناع التقوى، فهو حطب للنار الأبدية، ولا رجاء له.

أيها الرب يسوع المسيح. أنت مخلّص العالم وقاضيه. نستغفرك لأجل إهمالنا، ونطلب إليك أن تغير بقوة روحك اللطيف أذهاننا لنأتي بثمار محبتك ولطفك وحقك. لا نطلب لأجل خلاصنا وحده، بل لكل الضالين ولأجل انكسار المرائين، لأنه ليس أمامك أحد بار. احْنِ رؤوسنا أمام جلالك، لننكر أنفسنا نهائيا فتعيش أنت فينا، املأنا بروحك السماوي، لنحب بعضنا بعضاً كما أحببتنا، فلا رجاء لنا إلا بك، انت غاية تسابيحنا. آمينالصلاة

السؤال ٣٤ : ماهو الفرق بين معمودية الروح القدس ومعمودية النّار؟

معمودية المسيح

(٣: ١٣-١٥)

٣: ١٣  حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى الأرْدُنِ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ. (١٤) وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!  (١٥) فَقَالَ يَسُوعُ لَهُ:  اسْمَحِ الآن لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ.

( أنظر مرقس ١: ٩-١١؛لوقا ٣: ٢١-٢٣؛ يوحنا١: ٢١-٢٣)

جَمع يوحنا المعمدان في وادي نهر الأردن التائبين من الشعب. وهم كالأرض المفلوحة لزرع الإنجيل الآتي. هؤلاء المنكسرون في قلوبهم هم الذين اختارهم الله ليكونوا دعائم كنيسة المستقبل. فلم يبدأ تاريخ جماعة الله في الهيكل الفخم، بل في البرية الجرداء.

فجأة أتى يسوع من الناصرة ماشياً مسافة يومين إلى يوحنا وإلى الشركة مع التائبين. وبدا لأول وهلة من التقائهما أن يوحنا نبي حق، لأنه عرف يسوع في جوهره. فأكثرية الناس لا يعرفون يسوع ابن مريم كما هو. لكن الذي له عين ممسوحة من الروح القدس يُدرك مُعطي هذا الروح للمؤمنين.

لقد أتى يسوع ليعتمد. أما المعمدان الذي دعا كل خاطئ للمعمودية والانكسار رفض أن يعمّد الناصري، لأنه أدرك قداسته واعترف بصوت عال: إن يسوع هو الإنسان الوحيد الذي لا يحتاج إلى تطهير نفسه، ولا إلى تغيير ذهنه، ولا إلى حياة جديدة، لأنه بلا خطيئة. فيسوع هو القُدُّوس، والقُدُّوس هو الله بذاته. اعترف يوحنا بألوهية يسوع من أول لحظة التقاه فيها.

وفي حضور المسيح أدرك المعمدان صغره وخطاياه الخاصة وضرورة معمودية نفسه، فطلب من يسوع أن يعمده بروحه القُدُّوس. هكذا انكسر المعمدان أمام ربه واستسلم له مُسَلِّماً بهذا التواضع جماعته التائبة للمسيح.

عارض المسيح أفكار المعمدان، وأوضح له بعد بحث أنه لم يأت ليدين، بل أن يُدان هو نيابة عن كل الناس. لذلك لم يظهر المسيح منذ بداية خدمته ملكاً معتدّاً أو نبياً منذراً، بل كحمل الله الوديع الرافع خطيئة العالم، والمستعد لحمل دينونة الله عوضاً عنا.

لم يبق يسوع متعالياً فوق الخطاة ومنعزلاً عنهم في السماء، إنما نزل إلى ماء التوبة. وحمل خطايانا  عوضاً عنا. هكذا ابتدأ يسوع طريقه إلى الصليب من أول يوم في خدمته، عالماً أنه لا يوجد سبيل آخر لتبريرنا ولخلاص العالم. إن ذبيحته تعلن بر الله تماماً لأن بواسطتها أثبت القُدُّوس بره رغم أنه برر الخطاة مجّاناً، إذ أكمل دينونتنا في ابنه الوحيد، في المسيح وحده تتم كل مطالب بر الله.

كان يوحنا مطيعاً لربه، اظهر التوبة بخضوعه ونزل مع يسوع إلى الماء وغطَّسه فيه. أتاح المسيح ليوحنا أن يشترك في إتمام مشورة الله لما قال له: «هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر». بهذه المشاركة أكرم المسيح المعمدان لأمانته إكراماً عالياً. واستخدمه معاوناً في تكميل بر الله .

وأنت أيها القارئ، إنك  مدعو من الرب أن تشترك في نشر الخلاص الإلهي بإيمانك، وأن تقدم بره إلى المتعطشين من خلال شهادتك في محيطك.

وجدت معمودية المسيح في الأردن كمالها في الصليب، عندما مات المصلوب في طوفان غضب الله عنا، لأن الغرق في الأردن كان الدليل على الغرق في غضب الله. أما خروجه من الماء فيشير إلى قيامته من الأموات.

هكذا تغير معنى معمودية يوحنا الأصلية إذ ليست دينونة فقط بل الطريقة المعينة من الله إلى الحياة الأبدية، ويريد المسيح أن يمنحنا حياته.

نسجد لك يا حمَل الله القُدُّوس، لأنك حملت خطيئة العالم. احتملت دينونة الله عوضاً عنا. افتح أعيننا لمحبتك العظيمة وخلاصك، لنتبرر ونشترك في برك حقا، ونعترف باسمك حتى يتبرر كثيرون من أصدقائنا، كما أننا لا نعرف براً آخر إلا فيك.الصلاة

السؤال٣٥ : لماذا اعتمد يسوع في الأردن رغم براءته؟

إعلان وحدة الثالوث الأقدس

(٣: ١٦، ١٧)

٣: ١٦  فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ، وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ اللّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ، (١٧) وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ.                                         (إشعياء١١: ٢؛ ٤٢: ١، متى١٧: ٥)

لما اعتمد يسوع انفتحت له السموات، شهادة لرضاها عنه. لم تكن قد انفتحت قبل ذلك لإنسان على الأرض، لأنه لم يوجد أحد من البشر تمكن الله أن ينظر إليه بالرضى التام، إلى أن وقف أمامه يسوع الحبيب، إنساناً وديعاً مطيعاً، وبلا خطيئة.

بعدما أعلن يوحنا في السابق عن هوية يسوع، ها هي هوية يسوع تُعلن مرة أخرى، ليس من بشر بل من السماء. فمجيء المسيح إلى يوحنا ليعتمد منه كان بالنيابة عن البشر كممثل لها. وهنا يعلن الآب من السماء عن هوية الرب يسوع ابنه “ابن الله الحبيب” ( ٢ صموئيل ٧: ٤-١٦).

عندما اعترف المسيح بواسطة معموديته أنه جاء ليموت نيابة عنا في غضب الله، ويقوم لتبريرنا، ليظهر بر الله الكامل ومقاصد الخالق الحنون، عندئذ انشقت السماوات فوق وادي الأردن، حيث صار صوت من السماء. فمن يقدر أن يمنع القدير من التكلم؟ من يستطيع أن يوقف وحيه؟

انشقَّت السماوات. فمنذ سقوط الإنسان في الخطيئة انغلق الطريق إلى الله. فلما جاء المسيح انفتح هذا الباب المؤدي إلى الخالق، الذي أعلن صميم جوهره. فلأجل يسوع وحده، لنا قدوم إلى الله. إنه  الطريق والحق والحياة.

الروح القدس الذي رفَّ في بداية الخلق على وجه المياه المظلمة، أعلن نفسه في هيئة حمامة نورانية في زرقة السماء، عندما هبط بهدوء على يسوع المعتمد وثبت عليه، رمزاً إلى أنه هو المسيح الممسوح، المعطي روح الله لكل التائبين. ففي معموديته ظهر أن يسوع هو الذي سيعمِّد كل المؤمنين به بالروح القدس. ورأى يوحنا حلول روح الله وثباته على يسوع وشهد به شهادة واضحة.

كان المسيح ممسوحاً منذ بدايته، لأنه وُلد من روح الله. لكن أباه مسحه في بداية خدمته مرة أخرى بملئه، ليكون الإنسان يسوع ملك الملوك ورئيس الكهنة وكلمة الله المتجسد. لم يُظهر المسيح نفسه عظيماً في هذا الامتياز، بل تائباً عنا، وتواضع جداً حاملاً خطايانا. بذلك تبدو محبة الله القُدُّوسة.

عاين يوحنا الروح القدس وسمع صوت الله بأذنيه. وهذا الوحي المعلن من فم الله إلى البشر، ممتلئ بالمعاني:

 سمَّى الله المسيح ابنه. فالأزلي هو الآب. وفي الابن ظهر الآب جلياً. فليس الخالق مستتراً فيما بعد، بل أعلن ذاته في ابنه. والمسيح ليس مخلوقاً، بل مولوداً، حاملاً في نفسه كل ملء اللاهوت جسدياً، بكل صفاته وقواه وأسمائه.

من يقدر أن يمنع الله أن يقول بأن له ابن إن أراد ذلك؟ كثيرون يعارضون هذه الحقيقة رغم أن الله أعلن وجود ابنه المتواضع، الذي ابتدأ بحمل صليبه في معموديته.

 إن الإبن الحبيب هو المحبة المتجسدة، كما أن الله ليس إلا محبة. والمسيح لم يأت ليُخدَم بل ليَخدِم، ويبذل نفسه فدية عن كثيرين. إن تعمقنا في كلمات وصلوات وأعمال يسوع أثناء سيرته الدنيوية يرينا التفسير العملي لمحبة الله الظاهرة في الحبيب.

 سُرَّ الله بابنه لأن فيه تحققت إرادته: أن تعود صورته الأصلية إلى وجه الإنسان. فاستحق المسيح أن يقول “من رآني فقد رأى الآب ” المسيح رسم جوهر الآب، فمن يريد أن يعرف الله فلينظر إلى ابنه يسوع الحبيب.

 المهم لنا أن مجيء المسيح منحنا بصيرة جديدة من نحو الله. إنه الآب، وليس هو إلا محبة قُدُّوسة. فالأزلي لا يظهر ذاته قاضياً غاضباً، بل يدين ابنه أولاً لنخلص نحن. إنه لا يكتفي في خلاصه بتبريرنا، بل يشاء انسكاب محبته في أجسادنا بحلول روحه القدوس فينا لنُولد ثانية، ونصبح خداماً للناس.

أعلن الوحي الإلهي وحدانية الله، لأن الإبن الحبيب ثبت في أبيه وأتم إرادته وقال: “أنا والآب واحد“. يتضح سر وحدانية الله لكل من يولد من روحه، عندئذ يدرك أن الآب في ابنه والإبن في الآب إلى الأبد، لأنه كلمته وروحه المتجسد.

إن وحدة الثالوث الإلهي لم يُعلن إعلاناً كاملاً واضحاً قبل معمودية ربنا يسوع المسيح. لأننا نرى هنا، الآب والإبن والروح القدس مذكورين معاً، ومتحدين بعضهم مع بعض، ولكل منهم عمل. كان الإبن على الأرض هو الله الظاهر في الجسد. والآب يشهد له بصوت مسموع من السماء، وروح الله نازلاً بهيئة جسدية ليستقر عليه.

لا شك أن الروح القدس ذكر كثيراً في العهد القديم، لكن ليس بشكل واضح في علاقته بوحدة الثالوث المقدس، لأن القصد الأول للوحي حينذاك هو أن يعلن وحدة الله. عدا ذلك لم يعلن الله نفسه قبل التجسد إعلانا تاما، لأنه لم يكن في الإمكان أن يفعل ذلك قبل أن يصير الكلمة جسداً. لقد صار الحق، والنعمة أيضاً.

وجّه بعض المعترضين انتقاداً لاذعاً إلى “رواية الصوت الذي سُمع من السماء وقت نزول الروح القدس على المسيح”. قال المعترض بأن الحواريين اختلفوا في هذه الرواية، فالبشير متى أورد “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” أما مرقس فكتب “أنت ابني الحبيب الذي به سررت” أما البشير لوقا فكتب “أنت ابني الحبيب الذي بك سررت”.

إن المعنى واحد والألفاظ أيضاً واحدة، وإنما في بعضها الإلتفات، وهو الإنتقال من المخاطب إلى الغائب، وشهادة كل واحد منهم تؤكد شهادة الآخر.

نسجد لك أيها الآب والابن والروح القدس، لأنك أعلنت نفسك في وادي الأردن لخلاصنا وتبريرنا وتقديسنا. لا نستحق رفع أعيننا إليك. أما أنت فنزلت بمعموديتك إلى مستوى خطايانا ولم تُهلكنا. ساعدنا لنتَّبعك ونلتصق بك ولا نتركك أبداً، وأن نتغير في شكلنا بالإيمان بك. أكمل عملك بالإيمان فينا، لنثبت أولاد الله الأحباء واجذب كثيرين من أصدقائنا وأقربائنا إلى شركة محبتك.الصلاة

السؤال٣٦ : كيف أعلن وحدة الثالوث الأقدس ذاته في وادي الأردن؟

تجربة يسوع وانتصاره العظيم

(٤: ١-١١)

٤: ١  ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ.(٢) فَبَعْدَمَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيراً.(٣) فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً(٤) فَأَجَابَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللّهِ.                     (خروج٣٤: ٣٨، تثنية٨: ٣، مرقس١: ١٢-١٣؛ لوقا٤: ١-١٣)

هنا نرى تشديدا خاصا علىكلمة ” ثم”. عقب ان انفتحت السموات مباشرة، واستقر عليه الروح، وأعلن بأنه ابن الله ومخلص العالم، نسمع عنه بأنه ” جُرِّب “. أي جرب حالما انتهى من اتمام الفريضة الخطيرة، بعد المعمودية.

إن الإمتيازات والعلامات الخاصة للمحبة الإلهية لا تخلينا من التجربة، بل إننا بعد أن ننال كرامة عظمى يجب أن نتوقع ما يخضعنا ويذلنا. إن الله عادة يعد أولاده للتجربة قبل أن يدعوهم إليها، يعطى فوة حسب الحاجة، وقبل التجربة الشديدة يمنح تعزية غير عادية. وأفضل استعداد للتجربة هو تأكيدنا على بنوتنا لله. إن كان روح الله يشهد لنا بأننا أولاد الله فإنه يعيننا على مقاومة كل إغراءات الروح الشرير.

ينبغي أن نتوقع هجوم الشيطان علينا بعد أن نقبل شركة الله. والنفس التي تنال بركات جديدة من الله عليها أن تضاعف السهر “متى أكلت وشربت فاحترز” ( تث٦: ١٠-١٢).

إن الشيطان يدبر مؤامرات خاصة ضد الأشخاص النافعين، الذين لا يكتفون بأن يكونوا صالحين بل يعم خيرهم الآخرين، خصوصاً في بدء ايمانهم وخدمتهم للرب. فاعرف ما يحضره الشيطان ضدك وتسلح بما يقتضيه الموقف.

هاهو الروح القدس يُصعد يسوع إلى البرية لمواجهة الشيطان وأجناد الشر الروحية. والملفت للإنتباه استمرار المقارنة الخفية بين يسوع والأمة اليهودية. فالأمة الإسرائيلية فشلت في حياتها الروحية بعد خروجها من مصر، أما المسيح ابن الله فهو الوحيد الذي استطاع أن يقف أمام تحديات إبليس لا بل أن يهزمه في المواجهة ويكمل المخطط الذي وضعه الآب للإنسان. لم يأت المسيح لينوب عن اليهود فقط بل عن البشرية كلها حاملا خطايانا على الصليب. إنه انبرى لينجح عوضا عنا في كل المجالات التي تحدى ابليس فيها الإنسان وأسقطه. هكذا تعلن البرية مرة أخرى هوية ابن الله. والجدير بالذكر أن يسوع استخدم الكلمة ذاتها التي أراد الله أن يعلمها للشعب في برية سينا (تثنية ٨: ٣ ). نجح الرب يسوع في مواجهة تجارب العدو في مجالات ثلاثة تغطي كل أنواع التجارب الممكن أن تأتي على الإنسان، ألا وهي شهوة الجسد التي تجرب الإنسان في مجال الشعور، وشهوة العيون التي تجرب الإنسان في مجال الإمتلاك، وتعظم المعيشة التي تجرب الإنسان في مجال المركز. في كل هذه المجالات ينتصر يسوع بالنيابة عنا صائراً لنا المحامي الأعظم رئيس كهنتنا الذي يرثي لضعفاتنا في أوقات التجربة. إنه  مجرب في كل شيء مثلنا ولكن بلا خطيئة. (عبرانيين٤: ١٤-١٦) 

كانت معمودية المسيح حادثة مجيدة، لأن فيها أظهر الآب السماوي اغتباطه بابنه الحبيب. ومن الغريب أنه بعد هذا العماد مباشرة أصعد الروح القدس يسوع إلى البرية للمعركة والمصارعة مع عدو الله. ليظهر قدرة ألوهيته رغم ضعف جسده.

بقي يسوع أربعين يوماً في شركة مع أبيه السماوي وسط الصحراء المميتة، سامعاً كلماته كما كان الشأن مع موسى في السابق، لما نسي خلال الأربعين يوماً الأكل والشرب، ليحصل على لوحي الشريعة. أما يسوع فلم يأت بألواح حجرية من التقائه بالله، تأسيساً للعهد الجديد، لأنه هو بنفسه كلمة الله المتجسد، وفيه القوة المخلّصة لأتباعه.

أخيراً أتى إبليس للمسيح متظاهراً بالشفقة، وأثار الجوع في يسوع. وكذب كأنه محب له. وفي الحقيقة، كان قصده إيقاع يسوع في الخطيئة ومنعه من التوجه نحو الصليب. حاول الشيطان أن يلقي قبل كل شيء بذور الشك في قلب يسوع من جهة علاقته بالآب. وسأله: أأنت ابن الله؟ فجعل من الحقيقة تساؤلاً. إن الشيطان يعرف أكثر من الناس من هو المسيح، لأن جهنم ترتجف منه. لو اعترف الشيطان: إنك ابن الله، لكان مؤمناً به. لكنه شوَّه الحقيقة بقوله: «إن كنتَ ابن الله، فقُل أن تصير هذه الحجارة خبزاً». وهذه هي الطريقة الإبليسية دائماً: أن يزرع أولاً الشك في النفوس، فيبتعد الإنسان عن مصدره ويتزعزع إيمانه.

إن الفقر تجربة شديدة، تدفع بالإنسان لعدم القناعة والشك واستخدام الوسائط غير الشرعية لسد أعوازنا تحت هذا الوهم الكاذب أن الحاجة ليس لها ناموس، وأن الجوع يحطم الأسوار القوية. وهذه علة واهية لأن ناموس الله يجب أن يكون أمتن من أقوى الأسوار. لقد توسل أجور إلى الله بأن ييبعد عنه الفقر ليس باعتباره مصيبة وعاراً بل باعتباره تجربة “أبعد عنِّي الباطل وكلام الزور، ولاتجعل الفقر أو الغنى من نصيبي، لكن أعطني كفافي من الطعام، لئلا أشبع فأجحدك قائلا: من هو الرب؟ أو أفتقر فأسرق” ( أم ٣٠: ٨و٩) . فعلى الذي تقسو عليهم الأيام وتتمرر حياتهم بذل الفاقة، أن يضاعفوا سهرهم. وخير للإنسان أن يموت جوعاً من أن يعيش في الخطيئة في حالة رخاء.

إن الشيطان هو “المجرب” لذلك فهو خصم وعدو. لأن ألد أعدائنا هم الذين يغروننا للسقوط في الخطيئة، وهم أعوان الشيطان الذين ينفذون عمله ويتممون مقاصده. لقب بالمجرب لأنه هكذا كان لأبوينا الأولين ولا يزال كذلك الآن، وكل المجربين الآخرين قد أقامهم هو.

طلب الشرير معجزة من المسيح واثقاً بقدرته على تحويل الحجارة خبزاً، لكنه قصد أن يحرِّضه على مخالفة جوهره. ولو أطاعه يسوع  لانكسر سره، لأنه المحبة التي لا تطلب ما لنفسها، بل تبذل ذاتها لنا ولتمجيد أبيه السماوي. إن طريقة الشيطان في ربح العالم بالخبز لا تزال جارية لإضلال وإهلاك الجماهير. تصور لو صنع يسوع من الحجارة أطعمة لذيذة. هل يبقى لزوم للعمل والكدّ؟ لا، بل يصبح في وسع الجميع أن يشربوا من الجداول حليباً ومن الأنهر خمراً، فيتراكض العالم كله إلى المسيح، ويؤمنون به، ويسجدون له، دون أن تتغير قلوبهم، ولا يحصلون على الغفران، ويبقون تحت غضب الله ودينونته.

رفض المسيح من بداية خدمته الحماس الجماهيري والأعمال الخيرية لإنقاذ العالم بدون الصليب. فخلاصه لا يهتم بالجسد أولاً، بل بفداء النفوس. هو قصد غفران خطايانا وتجديد قلوبنا. وأكمل هذه الغاية على الصليب.

 في جواب يسوع على الشيطان نسمع القاعدة الإلهية لإنشاء حياتنا الروحية “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله“. لا ينكر المسيح ضرورة الخبز اليومي بل أبرز أن التعمق في كلمة الله أهم  من التزامات الجسد، هو يرشدنا لطلب خبزنا كفافنا لكل يوم. لكن يعلمنا أيضاً أن الإهتمام بملكوت السموات وبره يأتيان في المقدمة. هل تقرأ الإنجيل يوميا، وتتناوله كالخبز باستمرار؟ فمن لا يأكل يومياً يضعف أخيراً ويموت في نهاية الأمر. هكذا المؤمن، إن لم يقرأ يومياً كلمة الله ينهار وينحل ويمرض روحياً. للأسف، هذه هي حالة بعض الكنائس والكثيرين من المؤمنين لأنهم يسمعون كلمة الله يوم الأحد فقط. إنهم  يشبهون الذي يأكل مرة واحدة في الأسبوع، فلا يموتون روحيا لكن يظلون ضعفاء في المحبة والرجاء والإيمان. إنك تحتاج إلى الهدوء والراحة أمام وجه الله يومياً ليغذيك ويقويك وينشطك، فتدرك أنك أصبحت بصليب يسوع ابنا لله، وتعيش للأبد حتى ولو عشت جائعاً ومحروما ومعوزاً للخبز الجسدي.

هكذا نجد أن يسوع المسيح انتصر على التجارب رغم اجتهاد المجرب ضده ورغم محاولاته العديدة. فقد ظل الشر شيئاً خارجاً عنه، له المجد، لم يتجاوب مع الشر، أما نحن فعلى خلاف ذلك إذ أنه يوجد داخلنا ما يتجاوب مع الشر.

أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك لم تسقط في فخ إبليس، ولم تصنع من الحجارة خبزاً. لم تسمع لصوته ولم تهتم بنفسك. لم تجذب الجماهير بالأطعمة اللذيذة. بل أرشدتنا إلى كلمة الله الفريدة لتُشبع أنفسنا وننال حياتك الأبدية. ساعدنا لنقرأ كلمتك يومياً، ونتقوى بروحك القدوس، ونعمل إرادتك بفرح.الصلاة

السؤال٣٧ :  لماذا لم يعمل يسوع خبزاً من الحجارة، رغم قدرته على ذلك؟

٤: ٥  ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ، (٦) وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأنَّـهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لا تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ (٧) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ.                                                              (تثنية٦: ١٦، مز٣١: ١١-١٢)

حينما يزور رئيس دولة بلداً حليفاً يتعاظم استقباله، ويصطف العسكر، ويقدم الطلاب أزهاراً، وترتفع أعلام خفاقة، وتصدح الموسيقى، ويلبس الرسميون ألبستهم المخصصة. وتتراكض الجماهير في بعض البلدان ليتفرجوا على الاحتفالات السياسية والدينية والرياضية. فيجد الإنسان نفسه منضوياً مع الوحدة الجماهيرية.

جرَّب الشيطان يسوع لكي يظهر نفسه برؤية مدهشة عظيمة، بأن يطير مع غيوم السماء، محاطاً ومحمولاً بربوات الملائكة البراقة، فتنظره الجماهير المحتشدة ويخرّون ويسجدون له. هكذا جرَّب إبليس يسوع أن ينفذ مجيئه الثاني قبل الأوان، وبدون أن يسفك دمه على الصليب، لأن الشيطان لا يبغض شيئاً كالصليب. وقاد المُجرِّب يسوع إلى محور الحضارة الدينية في أمته، فأوقفه على جناح الهيكل.

 لا تظن أيها الأخ أنك وأنت ضمن الكنيسة، تكون معصوماً عن الأفكار الشريرة، لأنه في محور القداسة يُجرِّب الرجيم المستمعين إلى كلمة الله، ليحوّل أفكارهم عن الله إلى الذات المتكبرة، فيخطئون ويسقطون.

إن هدف تجارب إبليس، التي حاول أن يصنعها مع يسوع وأتباعه هو اقتلاعهم من وحدتهم بالله. فأعاد  المحاولة لزرع الشك في قلب يسوع قائلاً: «إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل وسط الساجدين، فيلتفتون إليك ويصرخون: قد أتى مسيح الله مباشرة من السماء. عندئذ يتبعك العالم، فلا حاجة إلى الصليب». وأضاف الخبيث العبارة الثقيلة: «مكتوب» واقتبس آية من الكتاب المقدس بعد أن حرَّفها عن معناها وحذف جزءاً منها. إن الوعد الأصلي هو “لأنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك“. فقد حذف المجرب الجزء الأخير “لكي يحفظوك في كل طرقك”  وقد غلبه يسوع في التجربة الأولى بهذه الكلمة عينها «مكتوب» ذاكراً كلمة أبيه، ثابتاً في كلمة الله الموحاة لنا. فاستخدم الشيطان نفس الأسلوب، لكنه جعل من الحق كذباً. فالمسيح اقتبس هذا الكلام باعتباره القانون أو الدستور له كإنسان متكل على الله وخاضع له، وغير مرتاب في حقيقة كونه معه. لأن التردد في تصديق الله، أو الشك في صدق كلمته، ينتج من عدم الإيمان. كان بنو إسرائيل قد جربوا الله في البرية إذ قالوا ” أفي وسطنا الرب أم لا؟” ( خروج ١٧: ٧) لأنه كان في وسطهم ليعتني بهم ولم يصدقوا. ونكون نحن مثلهم إذا كنا نرتاب في حضور إلهنا معنا واعتنائه التام بنا.

ليست هنالك مدينة مقدسة على الأرض تُعفيناً وتُنجينا من إبليس وتجاربه. فقد جرب آدم الأول في “جنة مقدسة” وجرب آدم الثاني في “مدينة مقدسة”. فعلينا أن لا نلقي السلاح في أي مكان. بل إن المدينة المقدسة هي المكان الذي يخرج إليه إبليس بكل قوته ليجرب أولاد الله بتجربة الكبرياء والفخر. ولكن شكراً لله فإن أورشليم العليا، تلك “المدينة المقدسة” لا يدخلها شيء دنس، هناك نكون بعيدين عن التجربة إلى الأبد.

فانتبه! إن الشرير يعرف الكتاب المقدس بجزئياته وتفاصيله ويستخدم آياته وأفكاره بالتواء وتأويل بعد تغييره جوهرها.

نجد كثيراً من الكتب في العالم، دينية كانت أو فلسفية أو سياسية تستخدم كلمات الإنجيل ومبادئ الوحي محاولة المزج بين الحق والأكاذيب الباطنة المغرضة. ميِّز ياأخي الأرواح بدقة، واعلم أن كل روح مستكبر هو من الشيطان، ومن يكرم نفسه فليس من الله.

إن المسيح لو تجاوب مع تجربة إبليس ووافق على إظهار نفسه بطريقة عظيمة وألقى بنفسه إلى الأسفل للقي حتفه ومات، لأنه لم يعمل إرادة الله الذي لا يريد ربح الناس بالعجائب بل بالصليب وحده. لو اهتم  يسوع لصوت إبليس لكان في أسفل السافلين، تاركاً شركته مع أبيه السماوي. لقد قصد الشرير إهلاك ابن الله، غير أن يسوع استطاع تمييز صوت إبليس عن صوت أبيه، واختار طريق التواضع والحق، ولم يظهر في الهيكل المجيد بل خدم أولا في بلاد الجليل المحتقرة والمنبوذة من قبل اليهود.

إن أجنحة الهياكل هي أمكنة للتجربة، بمعنى أن الأمكنة العالية أمكنة للتجربة، أمكنة للمزالق، فالتقدم في العالم يرفع الإنسان ويجعله هدفاً مباشراً للشيطان ليصوب سهامه نحوه. فالله يطرح الإنسان إلى الأسفل ليرفعه فيما بعد، أما الشيطان فيرفعه إلى الأعلى ثم يتركه يهوى إلى الأسفل.

أجاب يسوع المُجرِّب مرة أخرى بكلمة قاطعة: «مكتوب أيضاً: لا تُجرِّب الرب إلهك». وكل الذين يعرفون أن الله لا يوافق على أعمالهم المقصودة، ورغم ذلك يلتمسون منه أن يساعدهم في حياتهم اليومية، فإنما هم يجربون الله بعنادهم ويعاكسون روحه. فلا بد أن يختبروا غضبه في النهاية. هل عندك قدرة السمع في قلبك لتميز صوت الله؟ هل تعرف محبته ولطفه وطهارته وتواضعه؟ فلا تنفذ شيئاً يعارض مقاصده هذه. ليس في مصلحة الإنسان أن يعمل ضد صوت ضميره المدرب على الإنجيل. فإن لم تعرف ما هي مشيئة الله في أمرك فانتظر صبراً. ليَفتَح لك باباً آخر، ويوضِّح لك ماذا يُريد هو أن تعمل أنت. فلا تجرب الرب إلهك.

أيها الرب يسوع نشكرك لأنك لم تطلب الأُبّهة والتظاهر، بل طريق التواضع. ونجدك عند المرضى والخطاة والمُحتَقَرِين. وقد طلبت الهالكين. علمنا الموت عن استكبارنا، لكيلا نتكبر بين أصدقائنا، بل ننكر أنفسنا ونطلب البائسين ونبارك الضالين، لننسجم مع مقاصدك الخلاصية.الصلاة

السؤال٣٨ :  لماذا لم يرمِ المسيح نفسه من جناح الهيكل إلى أسفل؟

٤: ٨  ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا، (٩) وَقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي (١٠) حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأنَّـهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ (١١) ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ.                       (تثنية٦: ١٣، يو١: ٥١، عب١: ٦و١٤)

لم يظهر إبليس في التجربتين السابقتين كخصم مضاد لله بطريقة علنية أو مكشوفة. بل ظهر أولاً كأنه يطلب من المسيح برهاناً على كونه ابن الله. وثانياً، كأنه يحمله إلى إثبات صدق الله. أما في هذه التجربة الثالثة، فقد انكشف أنه عدو، محاولاً إذا أمكنه، أن يفسد الإنسان الثاني. إذ أنه بكيفية عجيبة لا ندركها، أراه في لحظة، ممالك العالم ومجدها ( لوقا٤: ٥) وعرض عليه أن يملكه عليها، إذا سجد له. عند ذاك طرده المسيح حالاً قائلاً “إذهب يا شيطان“. ثم اقتبس شهادة على وجوب تقديم السجود لله وحده. فإن بين الله والعالم معاكسة كاملة، ومن أراد أن يكون محبّاً للعالم فقد صار عدواً لله (يعقوب٤:٤) إن أكبر تجربة يمكن لإبليس أن يجرب الإنسان بها، هي العالم. ومعلوم أننا معرضون للسقوط في هذا الفخ. فلما لم يستطع إبليس أن يغوي المسيح في التجربتين السابقتين باستعماله له كلمة الله، استعمالا سيئاً، مستتراً بهذا الستر الجميل لإغواء القلب المطيع، إذ خلع ستره وقدم له العالم. لكن المسيح لم يشأ أن يقبله منه أبداً. لا شك أنه وُعد به من الآب (مزمور٢: ٧-٩)، وسيمتلكه في الوقت المعين (رؤيا١١: ١٥)، لأنه كابن الإنسان، وآدم الأخير، سيرث كل شيء(عبرانيين٢: ٥-٩). لكنه سيمتلكه بالحق جزاءً له من الله على طاعته الكاملة، حتى الموت موت الصليب. لم يخطر  بباله، ولو للحظة، أن يلبس إكليل المجد دون أن يلبس أولاً إكليل الشوك.

نصلي في نهاية الصلاة الربانية: «لك الملك والقوة والمجد». وبهذا التعظيم نسلّم أنفسنا لله.

أما الشيطان فيختلف كل الاختلاف عن هذا. إنه الروح الفخور، الذي طلب السجود لنفسه من جميع المخلوقات. وقد كذب لمَّا رسم أمام المسيح ممالك العالم كله وقدَّمها له هبة، لأن ليس له حق بما عرضه مدَّعياً تملُّكه. إن العالم بما فيه من قوى ومجد هو ملكٌ لله ومسيحه.

لم يصدق المسيح كذب إبليس، فثبت متعلّقاً بأبيه. ولم تستهويه سلطة أومجداً، لأنه أخلى نفسه وصورته الإلهية، وصار إنساناً حقيراً ليفدي البشر كلهم. إنه اختار طريق الفقر والاحتقار، ليبرهن أن ليس الغِنَى هو الذي يُسعد الإنسان، ولا الشهرة المالية تساعده، بل الشركة مع الله أبيه.

قال مليونير مرة: «لكل إنسان ثمن، كي يعمل ما يضاد ضميره، إذا نال مبلغاً ضخماً من المال». أما المسيح فلم يبع برَّه بالمال الخدَّاع، بل أنكر ذاته، وحمل صليبه، وثبت في قناعة وطاعة أبيه.

بهذا الموقف الإلهي غُلِبَ إبليس، وكَشَف المسيح هدفه السرِّي وجرَّده، مُظهراً أن الشيطان هو كذاب وسارق وقاتل. يريد أن يسجد له الناس أجمعين، ويجعل من ذاته إلهاً، ويجرّب البشر أن يحبوا مالهم وكتبهم وسياراتهم وممتلكاتهم الأخرى أكثر من ربهم، فيتكلون على المخلوقات كأصنام، ولا يتكلون على الخالق وحده. هكذا يريد الشيطان انحراف البشر عن الله والارتباط به ليصبح الشرير محور الكل ويملك على الكون ويدخل عبيده إلى المعارضة والتجديف ضد الله. فإبليس هو الثائر الأصيل الذي يأتي بأبناء المعصية إلى جهنم أفواجاً.

عند ظهور هذه التجربة، لم يستمر يسوع في بحثه مع عدو الله، بل أمره أن يذهب من أمامه في الحال بدون أي مناقشة. وقد كملت تجربة يسوع بطلب الشيطان منه السجود له. فانتهت الرحمة وابتدأ الحق ودينونة الله.

رغم ذلك، فقد أعطى يسوع لهذا الشرير فرصة أخيرة ” لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ ” فلم يميته في الحال بل أمره بالتوبة والسقوط أرضاً أمام الله والسجود له ليرجع عن ذهنه الفاسد ويستسلم للقدير ويخدمه باستمرار بتواضع وطاعة. لم يطلب ابن الإنسان السجود لذاته من قبل الشيطان، بل فتح للثائر الباب إلى الله ليرجع إلى رشده نادما طائعا. لقد توقفت أنفاس السموات وجهنم لأن المصارعة بين الله وعدوه الأول بلغت ذروتها، فماذا سيعمل الشرير؟

إنه ترك يسوع صامتاً ومضى ولم يسجد للعلي، بل أبغض إبليس يسوع الذي لم يخسر نفسه من أجل الخبز والظهور والسُلطة، بل فضَّل القناعة والإحتقار والذهاب إلى الصليب ليفدي البشر، فروح المسيح غلب روح الشيطان.

لا يخفى أننا لا نحصل على بساطة العين ونقاوة القلب إلا بالنعمة فقط. بخلاف ربنا يسوع المسيح الذي كان بذاته طاهراً وقدوساً، ليس فيه أدنى ميل إلى ما يخالف إرادة الذي ارسله، عبثاً حاول المجرب أن يجعله يستعمل حقه وقوته كابن الله ليصيِّر الحجارة خبزاً ويتخلص من جوعه كابن الإنسان. عبثاً حاول أن يحمله على أن يجرب الله ليتحقق إذا كان معه أم لا؟ لأن اتكاله عليه كان كاملاً، وثقته فيه تامة، بدون حاجة إلى تجربة.  عبثاً عرض عليه ممالك العالم ومجدها لأنه، تبارك إسمه، عرف أنها ستكون له في الوقت المعين، حين يملك كابن الإنسان ملكاً مجيداً على الكل، مع أنه التزم أن يُكمِّل كل ما تعين له إلى أن يأتي ذلك الوقت.

كذلك نلاحظ أهمية وكفاية كلمة الله وقوتها. لأن ربنا يسوع المسيح، رغم أنه هو الظاهر في الجسد، كان في استطاعته أن يجيب بأجوبة جديدة وسديدة من عنده في مصارعته مع إبليس كمجرب، لكنه لم يمتنع عن استعمال كلمة الله المكتوبة للإنسان. كانت شهادة واحدة منها كافية لإخراس العدو وردعه. هكذا هو الأمر معنا في هذا الجهاد الروحي. على أنه ينبغي لنا أن نستعمل الكلمة في محلها، وبالإتكال التام عليها ككلمة الله، وبعين بسيطة وقلب نقي، ليس لغايات ذاتية، أو لأجل الإفتخار والتظاهر بالغلبة وقت مماحكة الكلام.

بعد ذلك الإنتصار اقتربت الملائكة من يسوع وخدمته، وسجدت له طوعاً. فلو سقط يسوع في التجربة، لزالت آخر فرصة لمصالحتنا مع الله، وحلَّت الدينونة. أما هو فثبت أميناً، فتقدم وانتصر.

يا ابن الله القدوس. نسجد لك ولأبيك بفرح وابتهاج. لأنك المنتصر على الشيطان. اغلبنا أيضاً، لكي نعبد القدوس دائماً في قلوبنا، ونخدمه في أيامنا، ونستسلم له طوعاً، ونتَّبعك في خدمتك. ساعدنا أن نفضِّل البقاء صغاراً محتقرين، من أن نشتهي المال والسُلطة الفانية، لنبني مستقبلنا على أساس صليبك واسم أبيك القدوس وحده.الصلاة

السؤال ٣٩:  لماذا أمر يسوع الشيطان بأن يسجد لله فقط؟

٣- مبادئ خدمة المسيح في الجليل

(٤: ١٢-٢٥ )

المسيح يختار كفرناحوم مسكناً له

(٤: ١٢-١٧)

٤: ١٢  وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ. (١٣) وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرِنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ، (١٤) لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: (١٥) أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ الْبَحْرِ، عَبْرُ الأُرْدُنِّ، جَلِيلُ الأُمَمِ:   (١٦) الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً، وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلالِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ (١٧) مِنْ ذ لِكَ الّزَمَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ. (إشعياء٨: ٢٣؛ ٩: ١، متى٣: ٢، مرقس١: ١٤-٢٠؛ لوقا٤: ١٤و١٥، يو٨: ١٢)                                        

بعد معمودية يسوع في نهر الأردن وانتصار النور على الظلمة بتجربة المسيح في البرية، اكتملت خدمة يوحنا المعمدان. لقد عرَّف العالم بالمسيح وقدَّم إليه الناس التائبين على يديه. بعدئذ أراد الله إكمال خادمه المعمدان بالآلام، فسمح للشيطان بتجربته، كما سلَّم أيوب من قبل، لكي يعظم انتصار الأمناء لله.

لم يبدأ المسيح كرازته بالملكوت في الجليل إلا بعد أن انتهت كرازة يوحنا في سجنه. لكن كانت للمسيح خدمات أخرى، من نوع آخر، قام بها أثناء خدمة يوحنا، ولم يذكرها متى. منها أنه حضر عرساً في قانا الجليل، وهناك حوَّل الماء خمراً (يو٢: ١-١١)، وانحدر إلى كفرناحوم (يو٢: ١٢)، وحضر إلى أورشليم في عيد الفصح، وطهَّر الهيكل (يو٢: ١٣ إلخ) وتحادث مع نيقوديموس في أورشليم (يو٣: ١-٢١)، وعمَّد الذين قبلوه في اليهودية. بينما كان يوحنا يعمد في عين نون  (٣: ٢٢ إلخ) كان يسوع تحادث مع السامرية (يو٤: ١-٤٢) وشفى ابن خادم الملك في قانا الجليل (يو٤: ٤٣-٥٤).

إن المسيح لم يذهب إلى الجليل إلا بعد أن سمع بسجن يوحنا، لأنه كان يجب أن يعطي يوحنا وقتا ليعد طريق الرب قبل ظهور الرب نفسه. وبحكمة رتبت العناية أن يحتجب نور يوحنا قبل أن يبزغ نور المسيح لئلا تتبلبل عقول الشعب بين الإثنين فيقول الواحد ” أنا ليوحنا” والآخر “أنا ليسوع”. ذهب المسيح إلى الجليل حالما سمع بسجن يوحنا، ليس فقط اتقاء للخطر إذ كان يعلم أن عداوة الفريسيين في اليهودية له لا تقل عن عداوة هيرودس ليوحنا، بل أيضاً لسد الفراغ الذي حصل باحتجاب يوحنا، وللبناء على الأساس الصالح الذي وضعه يوحنا.

فالله لا يترك نفسه بلا شاهد ولا يترك كنيسته بلا مرشدين، وعندما يُنحِّي شخصية نافعة يستطيع أن يقيم أخرى لأن عنده مخازن الروح، وهو يفعل هذا عندما يكون هنالك عمل يجب إتمامه.

اتضح للمسيح أن أباه لم يقُدْه إلى منطقة اليهودية التي حول الهيكل، بل إلى الأرياف والجليل. ترك يسوع الناصرة، بلد صباه، ونزل إلى كفرناحوم مركز المواصلات، فسمَّى هذه المدينة مدينته، واتخذها مركزاً لخدماته وعجائبه. وأوضح البشير متى، بأهمية كبرى، أن كل خطوة خطاها المسيح كانت مرسومة من قبل في نبوات التوراة. فبرهن في الأصحاحات السابقة، أن بيت لحم، هي مكان ولادة يسوع، والناصرة هي مسكنه في صغره، وفقاً لما جاء في النبوات القديمة. وأدرك أيضاً في نبوة إشعياء   (٩: ١، ٢ ) أن منطقة كفر ناحوم هي مركز أعمال يسوع حسب إرادة الله الأزلية.

إن المسيح هو نور العالم، الذي أشرقت أنوار خدماته في الجليل أولاً، لأطول مدة في خدمته. بما أن هذه المنطقة الجميلة بعيدة عن أورشليم وهيكلها، لم يتعمق سكانها بالتوراة وشريعة موسى كما كان الفقهاء في العاصمة، بل كانوا ريفيين خشنين. كان بعضهم يمارس التهريب، وقطع الطرق. ففي تلك المنطقة المظلمة سكن يسوع. وإذ كانت كلمة “زبولون” مشتقة من الاسم « زبال» فهكذا نزل المسيح إلى أسفل أنواع شعبه، ليشبع الجياع إلى البر ويرفعهم إلى المستوى الإلهي.

بدأ يسوع بشارته بنفس الكلمة التي قالها يوحنا المعمدان: «توبوا». لأن جوهر الإنجيل واحد مهما تغيرت الظروف. الأوامر واحدة والأسباب التي تعززها واحدة. لا يجرؤ “ملاك من السماء” أن يبشر بإنجيل آخر ( غلاطية ١: ٨) بل بهذا لأنه “بشارة أبدية”.

توج المسيح كرازة يوحنا بكرامة عظيمة عندما كرز استعمل نفس الرسالة التي كرز بها يوحنا قبله. بذلك أظهر يسوع أن يوحنا كان سفيره ورسوله. لأنه عندما أتى يسوع بالرسالة بنفسه كانت هي نفسها التي أرسلها بواسطة يوحنا. وهكذا أيد الرب كلمة رسوله. أتى الإبن بنفس المهمة التي من أجلها أتى العبيد لكي “يطلب أثماراً”، أثماراً تليق بالتوبة. كان ممكناً للمسيح – باعتباره في حضن أبيه – أن يكرز بالأفكار العالية عن الأمور الإلهية السماوية السّامية التي كانت تخلب عقول العلماء، لكنه حصر كرازته في هذا الموضوع القديم البسيط ” توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات“.

هكذا ثبَّت الله خدمة ساعيه الأمين، وبرهن أن الروح القدس يشاء قبل كل شيء أن نغير فكرنا، ونترك الخطايا، لأن الخطيئة هي سبب ضيقاتنا، كما أن أجرة الخطيئة هي الموت. فيسوع لا يحررنا من الضيقات أولاً، بل من سبب الضيقات وهي الخطيئة، ويطلب منا الاستعداد والعزم كي ننفصل تماماً عن آثامنا ونبغضها ونتركها بعون الله.

بما أن الخطيئة هي انفصالنا عن الخالق، فإن أمر يسوع بالتوبة يعني إرجاعنا من العزلة إلى بيت أبينا وملكوته. هذه الدعوة هي الأمر الإلهي الأول في شريعة المسيح. فالإنسان لا يرجع إلى الله من تلقاء نفسه بل يحتاج إلى دعوة وأمر وقرار. وهذه العودة إلى مملكة السماوات أصبحت شعار إنجيل متى. فلا يكتب البشير عن ملكوت الله، ولا عن مملكة المسيح أو الآب، بل يسميها غالباً ملكوت السماوات، لأن اليهود لم ينطقوا باسم الله إلا نادراً، كي لا يكسروا وصية عدم لفظ اسمه باطلاً.

إن مشيئة الله تتم في السماوات، وهي ليست فوق أو تحت، بل تجري في كل مكان. وفرح السماوات يحل في قلوبنا، إذا سكن روح الرب فينا. لقد ظن القدماء أن السماوات فوق رؤوسنا وجهنم تحت أقدامنا، أما نحن فنعلم أن المسيح معنا كل الأيام إلى إنقضاء الدهر، فنثبت في رحابه، رغم مشاكل العالم وضيقاته، كما أخبرنا يسوع: «ليكن لكم فيَّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا، أنا قد غلبت العالم» (يوحنا١٦: ٣٣).

إن صيرورة ” أرض زبولون وأرض نفتاليم “، “جليل الأمم”، دليل على ما وصل إليه الشعب من ذُلٍّ وهوان. “زبولون” معناه “ساكن” ( تكوين٣٠: ٢٠) وعند ساحل البحر مسكنه (تك٤٩: ١٣). كان صورة لشعب الرب الذي كان يسكن وحده “وبين الشعوب لا يحسب”(عدد٢٣: ٩) لكنه اختلط بالشعوب وانغمس في نجاساتهم (مز١٠٦: ٣٥؛ هو٧: ٨).

أما “نفتالي” فمعناه “مصارعتي” ( تك٣٠: ٨) وكان صورة لشعب الرب في تمتعه بالحرية بسبب اتكاله على الرب إلهه في مصارعاته (تك٤٩: ٢١). أما الآن فقد ترك المصارعات وجلس، فاستبد به الأعداء.

إن كل نفس بعيدة عن المسيح هي في ظلمة، بل هي الظلمة بعينها، كتلك الظلمة التي كانت “على وجه الغمر”. والأشر من ذلك أنهم كانوا “جالسين” في هذه الحالة. يدل الجلوس على الهيئة المستمرة، لأننا حينما جلسنا كان قصدنا البقاء والإستمرار. كذلك كان الشعب “في ظلمة”، يحتمل بقاؤهم فيها، يائسين من التخلص منها. ويدل الجلوس ايضاً على أنهم كانوا قانعين بهذه الحالة. فقد كانوا “في ظلمة” وأحبوا الظلمة، وفضلوها على النور.

كانت حالتهم محزنة. وما زالت هذه هي حالة الكثير من الأمم القوية والعظيمة، التي تحب أن نرثى لها ونصلي من أجلها. على أن كل من يجلس في الظلمة وسط نور الإنجيل تكون حالته أشد حزناً. إن من يجلس في الظلام لأنه في الليل يكون واثقاً من أن الشمس ستشرق قريباً، أما من يجلس في الظلام لأنه أعمى فلا يرجو أن تنفتح عيناه سريعاً. نحن لنا النور ولكن ماذا يفيدنا إن لم نكن نوراً في الرب؟

إن كلمة «ملكوت» تتطلب مَلِكاً يحمل في شخصه كل حكمة وسلطان ومجد، كما قال المسيح بعد موته وقيامته: «دُفع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض». بهذه الكلمة أعلن ذاته جلياً كملك لملكوت السماوات. وإننا نفرح بحقيقة أن الله مالك، ويملك بواسطة ابنه، وينشئ لنفسه شعباً مولوداً من روحه فهو يصدر مملكته من نفسه. هذا الملكوت هو ملك لملكنا ونحن خاصته.

لقد تم مجيء مملكة المسيح تدريجياً. جاء أولاً المُمَهِّد يوحنا المعمدان، وبعده الملك يسوع المنير لأتباعه والمطهّر شعبه على الصليب، ليستحقوا العَيْش في شركة مع الله. بعدئذ حلَّ روح يسوع على مؤمنيه، محققاً دخولنا إلى ملكوت الله. وأخيراً سيأتي يسوع في مجده لتعم مملكته على الأرض. فتاريخ ملكوت الله يعني تطوراً وحركة ونمواً نحو الغاية والهدف السامي. إنه قد ابتدأ، وهو الآن حاضر فينا، وسيأتي علانية. لهذه الأسباب نسمع كلمة يسوع: «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات». فهل أنت داخل أو خارج رحابه؟ لا تنسَ أن المملكة لا تعني خلاصك الشخصي فقط، بل مجموعة المولودين ثانية في كل الأزمنة، الذين يعيشون في عائلة أبيهم السماوي.

الصلاةنعظّمك أيها الرب القُدُّوس، لأنك كررت كلمة التوبة وإعلان ملكوتك، لكيلا نعيش بلا مبالاة، بل ننهض ونترك خطايانا، بقوة اسمك، ونمارس مشيئتك الرحيمة، مترقبين مجيئك القريب. نطلب إليك أن تخلق فينا العزم والثبات للطهارة والقداسة، كي نكرم اسمك الملكي بسلوكنا. ارشد كل الذين يشتاقون للدخول إلى مملكة محبتك، لندعوهم ونجذبهم بصبر إلى محضرك.

السؤال ٤٠:  لماذا كرر يسوع بشارة المعمدان: «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات»؟

المسيح يدعو أول أخوين للتلمذة

(٤: ١٨-٢٢)

٤: ١٨  وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِياً عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. (١٩) فَقَالَ لَهُمَا: هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ النَّاسِ (٢٠) فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ. (٢١) ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي السَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا. (٢٢) فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا السَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاهُ.         (مرقس١: ١٦-٢٠؛    لوقا٥: ١-١١؛ يو١: ٣٥-٥١)

عندما بدأ المسيح كرازته بدأ يجمع حوله بعض التلاميذ لكي يكونوا مستمعين لتعليمه الآن ثم كارزين به فيما بعد، ولكي يشاهدوا معجزاته الآن ثم يشهدوا لها فيما بعد. في هذه الأعداد نرى وصفاً لدعوة التلاميذ الأولين الذين اصطفاهم لعشرته.

كانت هذه الدعوة مظهراً لدعوة المسيح الفعالة. في كل كرازته كان يوجه دعوة عامة لكل البلاد، أما هنا فإنه يوجه دعوة خاصة لأولئك الذين أعطاهم الآب إياه. فلنتأمل بإعجاب في قوة نعمة المسيح، ولنتعرّف بأن كلمته هي قضيب قوته، ولنطلب منه تلك القوة الفعالة الضرورية لنجاح دعوة الإنجيل. لقد وجهت الدعوة لكل البلاد أما هؤلاء فقد وجهت إليهم دعوة خاصة، لأنهم أفرزوا من بين الباقين. فعندما افتتح – المعلم الأعظم – مدرسته كان أول عمل له تعيين مساعدين يعينوه في مهمة التعليم. لقد بدأ الآن في توزيع بعض مواهبه للبشر في وضع الكنز في اوان خزفية. وقد كان ذلك منظراً مبكراً لعنايته بكنيسته.

ظهر بعدئذ أن شركة تلاميذ يسوع تبددت لمدة. فرجعوا إلى مدنهم، وقاموا بالصيد في مهنهم، ليرتزقوا لأنفسهم وعائلاتهم. إنما العلاقة بين يسوع وبينهم لم تنقطع. ولمَّا حان الوقت تقدم يسوع إليهم ودعاهم أخوين وأخوين. ولم يكونوا فلاسفة ولا لاهوتيين ولا أغنياء ولا سياسيين، بل صيادي سمك معتادين على العمل المرهق، ومجرَّبين في خطر العواصف والأمواج. لقد اتَّقوا الله في انكسارهم، وترقبوا مجيء المسيح بشوق.

وجّه لهم يسوع كلمته العظيمة: «اجعلكم صيادي الناس». وفي هذا إشارة إلى حرفتهم الأولى. عليهم أن لا يفتخروا بمجد وشرف دعوتهم الجديدة لأنهم ما زالوا مجرد صيادين وعليهم أن لا يرهبوا العمل الجديد الذي دعوا إليه لأنهم متعودون على الصيد وهم ما زالوا صيادين. كان من عادة المسيح أن يتحدث عن الأمور الروحية والسماوية تحت الإشارات وبعبارات تتفق مع المناظر التي تقع عليها عيناه. لقد دُعي داود من رعاية الغنم إلى رعاية شعب الله، وعندما كان ملكاً كان في نفس الوقت راعياً. فخدام الله صيادون للناس، ليس لإهلاكهم بل لتخليصهم، بنقلهم من حالة إلى حالة. يجب أن يصطادوا ليس لتنمية ثروتهم أو كرامتهم أو رفعتهم، وليس ليربحوا الذين يصطادونهم لأنفسهم، بل ليربحوهم للمسيح. “أطيعوا مرشديكم لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عبرانيين ١٣: ١٧) “لأني لست أطلب ماهو لكم بل إياكم” ( ٢ كو١٢: ١٤).

إن كل من يراقب عمل صيادي السمك في البحر، يجدهم يستخدمون أساليب وطرق مختلفة. البعض يقفون على الشاطئ ويلقون بصنانيرهم إلى المياه، لكي يجد هذا الطعم من يتلقّفه من السمك، وينتظرون بصبر فائق حتى يصطادوا سمكة واحدة. هكذا نجد في ملكوت الله خدمة الانسان للإنسان فردياً حيث ينتظر المدعو إلى الخدمة بصبر فائق ليلتقي بأحد المهتمين ويقوده للمسيح.

ونرى الخدمة المشتركة في زوارق، إذ تنطلق جماعة من الصيادين داخل البحر. كي يرموا الشبكة الكبيرة إلى المياه، ويجدّفوا معاً، ويجرّوها سوياً، ليصطادوا غنيمة ضخمة. ومما لا ريب فيه أن الفرد وحده لا يقدر أن يقوم بكل هذه الأعمال، فالكنيسة تحتاج إلى جماعات تصلّي وتخدم وتُبشّر معاً، لتربح بشركتها كثيرين ليسوع ويشترك ويذهب كل واحد من الفرقة حسب مواهبه ليُتمم خدمة الرب المشتركة.

إلى جانب هذين الأسلوبين، نجد طُرقاً أخرى لكسب الخطاة لله. هناك صيادون لا ينتظرون طويلاً سمكة سواء أتت أم لم تأت، بل ينطلقون إلى ماء هادئ ليروا السمكة، فيرموا عليها الشبكة التي تتخذ شكل قبة منفتحة متخذة شكل الأخطبوط لكي تقع فوق السمكة وتحيط بها من كل جانب ثم تجرها إليهم. هكذا علينا أحياناً ألاَّ ننتظر استعداد إنسان من نفسه ليأتي إلى الله، بل نتقدم إليه مباشرة، ونسأله عن تفكيره بيسوع، ونوجهه إلى الرب المخلص.

شاهدنا بعض صيادي السمك يضعون شبكة أو قفصاً كبيراً من سَلْكٍ، يتركونه ليلةً أو ليالٍ، ويرجعون بعد مدة، ويفتشون إذا كانت سمكة قد دخلت إليه أم لا. هكذا توجد كنائس وجماعات تنشئ لوحة إعلانات من الكتاب المقدس في الطرق، أو يقومون بالتبشير الهاتفي لنشر كلمة الله، أو يسجلون البشارة على أشرطة مقدمين للعموم ملء محبة الله. فمن يقرأ أو يسمع يؤمن ويتبع المخلّص.

أما في أعالي البحار، حيث لا يكفي عمل الإنسان اليدوي، إذ تتصيد فيها سفن ضخمة، كمصانع هائلة. هذه تشبه المحطات الإذاعية ودور النشر المسيحية، والجماعات المتعاونة لتوزيع المنشورات. فكلهم في سفينة واحدة يتعبون معاً ليقدموا كلمة الخلاص بأوسع طريق إلى البشر، ويصطادوا كثيراً من الجماهير ليسوع.

شاهد يسوع الرجال الأربعة وعرفهم ودعاهم، فسمعوا كلمته، ولم يتأخروا بل قاموا وتركوا رزقهم، وطلبوا يسوع وحده دون طمع في راتب شهري معين، وبدون اتفاقية أو تعهد مكتوب عن ساعات العمل. كل من دعاه يسوع ليدخل إلى خدمته طيلة عمره، لا يجوز أن يلتفت إلى المال أو الصحة أو الشرف، بل ينظر إلى المعلم وحده الذي يحمل المسؤولية عنه إلى الأبد. فهل سمعت دعوة الرب للخدمة؟؟

إنهم لم يحتجوا بمشاغلهم الحاضرة، ولا بارتباطاتهم العائلية، ولا بصعوبات الخدمة التي دعوا إليها، ولا بعدم استعدادهم لها، لكنهم إذ دعوا أطاعوا. وكإبراهيم “خرجوا وهم لا يعلمون إلى أين يذهبون” لكنهم موقنون بمن يتبعون.

إن على الذين يريدون اتباع المسيح حقاً أن “يتركوا كل شيء” ليتبعوه. على كل مسيحي أن يترك عن طيب خاطر كل شيء. أن يتغاضى عن كل شيء، أن “يبغض أباه وأمه” (لو١٤: ٢٦) أن يكون حبه لهما أقل من حبه للمسيح، أن يكون مستعداً لتضحية مصلحته معهما إذا تعارضت مع مصلحته في المسيح. أما الذين قد كرسوا حياتهم للخدمة فعليهم بنوع خاص أن يتنحوا عن كل أمور الحياة لكي يستطيعوا أن يكرموا أنفسهم لتلك الخدمة التي تتطلب “الإنسان كله“.

نرى في دعوة المسيح للتلاميذ أمراً خاصاً به وحده، أي حقه في أن يجمع أناساً إليه كرئيسهم ومركزهم، فإنه ليس لغيره قط حق في أن يفصل الناس عن أشغالهم، وبيوتهم وأقربائهم ليتبعوه. لم يجمعهم بالإكراه، بل بكلمته الفعالة فقط. ولا يزال حتى الآن يدعو خداماً وتلاميذ على هذا المنوال نفسه.

الصلاة:  نشكرك أيها الرب يسوع، لأنك دعوت تلاميذك للخدمة، وليس للاسترخاء. أنظر إلينا أيضاً، نحن غير المقتدرين الأشرار وشجعنا. علّمنا كيف نجذب أناساً  إليك، لنربح كثيرين أفراداً وجماعات، في إرشاد روحك القدوس. آمين.

السؤال ٤١ : ماذا تعني دعوة يسوع “أجعلكما صيادي الناس”؟

وصف بهي لخدمة المخلّص

(٤: ٢٣-٢٥)

٤: ٢٣ وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْبِ. (٢٤) فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ. (٢٥) فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ.                                             ( مر١: ٣٥-٤٥؛ لو٤: ٤٢-٤٤؛ لو٦: ١٧-١٩)

ما أجمل هذه الكلمات الأخيرة، التي نعتبرها خلاصة للإنجيل كله! إذ نقرأ في كلمات قليلة، ما عمل يسوع وقاله وأين ولمن. اقرأ النص مرة أخرى، تكسب نظرة عامة عن خدمة يسوع الخلاصية.

كان ممكنا أن يطلق نداء يدعو به الجميع للمجيء إليه، لكنه لإظهار تواضعه وتنازل نعمته ذهب إليهم، لأنه “ينتظر ليترأف” (إشعياء ٣٠: ١٨) ولأنه أتى “ليطلب ويخلص“. يقول المؤرخ يوسيفوس ” كان في الجليل نحو مئتا مدينة وقرية زارها المسيح كلها أو بعضها”.

 عَلَّم في مجامع اليهود للأتقياء، وبشَّر في الطرق والأزقة والساحات للكافرين المُهملين. يرينا البشير متى الفرق الجوهري بين التعليم والتبشير. فالتعليم هو التعمق في المعرفة بواسطة تفسير النصوص المعينة، وعرض الأفكار المنظمة حسب العقيدة، وتقديم الأسئلة والأجوبة عليها. أما التبشير فيشبه صوت البوق لتقديم الخلاص ودعوة الله للخطاة البعيدين، كي يدخلوا إلى نور النعمة. فالتعليم هو للمؤمنين تعمق في المعرفة لتحقيق المبادئ في الحياة العملية. بينما التبشير هو تقديم بشرى الخلاص لغير المؤمنين. فيسوع كان معلماً ومبشراً في نفس الوقت.

إن مضمون تعليمه وتبشيره كان إنجيل الملكوت. فكلمة «الإنجيل» يونانية (euangelion)  مستعملة آنذاك في بيت القيصر الروماني، للإعلانات الرسمية، عند ولادة ولد له، أو لنشر خبر عن انتصاره على الأعداء. فهي تعني إذاً إعلان عن بشرى مفرحة على مستوى العائلة المالكة. أما إنجيل المسيح فيعني أن الله يخبرنا بولادة ابنه الذي انتصر على الخطيئة والموت والشيطان، وأن نتيجة هذا الانتصار هو حلول ملكوت السماوات الروحي بين الناس. ذلك الملكوت الذي ينتشر، ولا يستطيع أحد أن يمنعه. فالإنجيل يخبرنا عن نموّ سلطة محبة الله في العالمين.

لم يتكلم المسيح فقط، بل عَمِل ما عَلَّمَ به. كان قلبه ممتلئاً بالرحمة والحنان على المعذبين البعيدين عن الله، القابعين في سلطة الشيطان، فرحمهم وشفاهم بمحبة فائقة.

كان له سلطان على كل الأرواح والأمراض. نرى البشير متى هنا يجمع كل أنواع الأمراض في ثلاث كلمات عامة. الأولى: “كل مرض” كالعمى والعرج والحمى والإستسقاء. والثانية “كل ضعف” كالهزال أو مرض السل وما إليهما. والثالثة “جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة” كحالات الصرع وما إليها. سواء كان المرض حاداً أو مزمناً، سواء كان خطره محققاً أو غير محقق، فإنه لم يستعص أي مرض على كلمة المسيح.

ثم يخص بالذكر ثلاثة أنواع خاصة من الأمراض وهي: الفالج وهو أشد أنواع ضعف الجسد، والصرع وهو أشد أمراض العقل، والجنون وهو أشد المصائب التي تحل بالعقل والجسد معاً. مع ذلك شفى المسيح الجميع لأنه هو الطبيب المقتدر لشفاء النفس والجسد، وله سلطان على كل الأمراض. ففي المسيح ابتدأ الفردوس وسط دنيانا. وقد أتى الخالق إلى خلقه، وبدأ بتجديد المؤمنين به. كما نقرأ عن هذه الحقيقة بكل وضوح في كتب غير مسيحية.

 لم يقم يسوع بشفاء المرضى منذ الوهلة الأولى، بل ركز على تبشير الجماهير ثم شفى المؤمنين به، لأن تجديد العالم لم يبتدئ بأعمال خيرية ولا بتخطيط اقتصادي أو ضمان اجتماعي، بل بانقلاب روحي عن طريق التوبة والإيمان بالمسيح. الثقة بشخصيته تغير القلوب والأوضاع. لم يزدحم الأغنياء والمثقفون والأتقياء ولا الأقرباء قرب المسيح، بل المعذبون والمرضى والمجانين. ما أجمل الصورة عن شخص يسوع والتفاف المحتاجين والمعذبين حوله، فهو مصدر الرحمة والبركة، الشفاء والأمل.

نجد اليوم ازدحاما حول الملوك والرؤساء أثناء الإجتماعات الضخمة، إذ نسمع وعوداً فارغة، ليس في كلامهم تعزية للقلب ولا شفاء للجسد، أما يسوع فشفى كل الذين أقبلوا إليه وآمنوا به. كل من ارتبط بجلاله ووثق بإرادته الخلاصية واستعداده للعون، يكون قد اختبر رأساً كيف جرت قوة يسوع في جسده المريض. كان على المريض أن يمضي فوراً، فتزول الخطيئة وتخرج الأرواح النجسة.

هل أدركت من هو يسوع؟ إنه المخلص الأمين، الممتلئ بالمحبة للمساكين والمضروبين. فهل أنت قربه؟ نحن نحييك على شركتك معه، لأننا أيضا من الذين يحتاجون إليه يوميا.

الصلاة: نعظمك يا مخلص العالم، لأنك لم ترفض الصغار المحتقرين، المرضى واليائسين، بل قبلتهم وشفيتهم وعزيتهم. ليت ألسنتنا تنطلق لتمجيدك، فيدخل كثير من زملائنا إلى ملكوت محبتك. يارب اشف وتكلم وادع وانتصر. نحن مزدحمون حولك، مؤمنون بقدرتك وسلطانك. نثق باستعدادك وعزمك لخلاصنا وخلاص جيراننا. نشكرك لتحقيق مشيئتك في أُمَّتنا اليوم.

السؤال ٤٢ : لماذا نسمِّي متى ٤: ٢٣-٢٥  الإنجيل الصغير أو خلاصته؟

الشَّعْبُ

الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ

أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً،

وَالْجَالِسُونَ

فِي كُورَةِ الْمَوْتِ

وَظِلالِهِ

أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ

(متى ٤: ١٦)

المسابقة الأولى لإنجيل المسيح

حسب البشير متى

أخي المحترم، بعد قراءتك شرحنا لإنجيل المسيح حسب متى في هذا الكتاب، يمكنك الإجابة على هذه الأسئلة بسهولة. إن أجبت ٩٠ بالمئة من الأسئلة الواردة في هذه الصفحة،  نرسل لك الأجزاء التالية من هذا التفسير لبنيان نفسك، إذا لم يكن هناك عائق يمنع دخول مثل هذه الكتب. إذا أرسلت لنا أجوبتك عن طريق البريد العادي، فلا تنس كتابة إسمك وعنوانك بوضوح على ورقة الأجوبة، وليس على الظرف الخارجي فقط.

الأسئلةمن هو متى، وكيف عرّف على نفسه؟ما هي ميزات الإنجيل حسب متى؟ما هي غاية الإنجيل حسب متى؟لماذا لا يرتبط المسيحي بكتاب معيّن، بل متعلِّق بشخص يسوع؟ما معنى لقب «المسيح» بالنسبة ليسوع؟لماذا يُسمَّى يسوع ابن داود؟كيف يكون يسوع ابن إبراهيم أيضاً؟كيف كان إسحق مشابهاً ليسوع؟كيف استحق يعقوب حمل بركة الله لكل الناس؟كيف تم الوعد عن يهوذا ابن يعقوب في يسوع؟لماذا أبرز البشير متى أربع نساء في سلسلة نسب يسوع. وما هي أسماؤهن؟متى حدث الإنشقاق في مملكة العهد القديم، وإلى أية فرقة ينتمي نسب يسوع؟كيف حفظ الرب الرب المملكة الجنوبية، وكيف سلَّمها إلى السبي؟لماذا ينتهي نسب يسوع إلى يوسف، الذي ليس أباه حسب الجسد؟إلى ماذا يدلنا الترتيب الزمني في نسب يسوع؟ماذا يعني حبَل مريم بيسوع من الروح القُدُس؟لماذا أمر الملاك يوسف أن يضم إليه مريم؟ما معنى إسم “يسوع”؟ ما معنى اسم “عمانوئيل”، ولماذا يستحق المسيح هذا الاسم؟كيف أصبح يوسف أب المسيح بالتبني أحد أبطال الإيمان؟متى اتحد زحل والمشتري لأول مرة في تلك الفترة؟من هو هيرودس، وما هو المجلس الأعلى اليهودي؟ماهي أهم الأفكار في نبوة ميخا؟لماذا امتلأ المجوس بفرح عظيم جداً؟ماذا يعني السجود؟كيف خلَّص الله يسوع الطفل ووالديه من يد هيرودس؟ما الهدف الأخير من عقوبات الله؟ما هي الأمور الأربعة الموحاة ليوسف، وأين ذكرت في الأناجيل؟ما هي التوبة المقبولة؟ما هي مبادئ كرازة وحياة المعمدان؟من هم الفريسيون، ومن هم الصدوقيون؟ماذا يتوقع منك الخالق القيام به؟لماذا بمقدور المسيح أن يعمدنا بالروح القدس؟ماهو الفرق بين معمودية الروح القدس ومعمودية النار؟لماذا اعتمد يسوع في الأردن رغم براءته؟كيف أعلن وحدة الثالوث الأقدس ذاته في وادي الأردن؟لماذا لم يعمل يسوع خبزاً من الحجارة، رغم قدرته على ذلك؟لماذا لم يرمِ المسيح نفسه من جناح الهيكل إلى أسفل؟لماذا أمر يسوع الشيطان بأن يسجد لله فقط؟لماذا كرر يسوع بشارة المعمدان: “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات”؟ماذا تعني دعوة يسوع: “أجعلكما صيادي الناس”؟لماذا نسمِّي متى ٤: ٢٣-٢٥  الإنجيل الصغير أو خلاصته؟

نشجعك أن تتمم معنا التعمق في المسيح وإنجيله، حتى تحصل على كنز أبدي، ونحن في انتظار أجوبتك ومصلين لأجلك.                                                                                        عبد المسيح وزملاؤه

عنواننا:     الحياة الفُضلى، مزرعة يشوع. المتن. ص ب ٢٢٦ – لبنان.

E-mail: alhayatalfoudla@yahoo.com

وَكَانَ يَسُوعُ

يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا

وَالْقُرَى

 يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا،

وَيَكْرِزُ

بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ،

 وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ

وَكُلَّ ضُعْفٍ

فِي الشَّعْبِ.

(متى٩: ٣٥)

الجزء الثاني

المسيح يعلّم ويخدم في الجليل

(متى 5: 1-11: 1)

945: 1-7: 27الموعظة على الجبل (المجموعة الأولى لكلمات يسوع)
945: 1-12التطويبات      
1045: 13-16هدف الموعظة
1095: 17-48عصمة الشريعة وتكميلها بالمسيح
 1115: 17-20أ.  المعاملات
   
1115: 21-26تحريم القتل هدفه المصالحة
1145: 27-32منع الزنى يعني طلب الطهارة
1175: 33-37منع الحلف يعني التكلم بالصدق
1195: 38-42الوداعة تغلب الانتقام
1225: 43-48بغضة العدو تُستبدل بالمحبة
1256: 1-18ب. العبادات
1256: 1-4الصدَقة في الخفاء
1276: 5-8الصلاة في العزلة
1306: 9-13الصلاة الربَّانية
1436: 14 ، 15الطلب الحتمي للمصالحة
1456: 16-18الصوم بفرح     
1486: 19-34ج. الإنتصار على النيات السّيئة
من يكنز مالاً يخدم الشيطان6: 19-24148
الثقة بعناية أبيك السماوي6: 25-34153
من يعرف ربه يدين نفسه لا غيره7: 1-6155
   
د. خلاصة دستور ملكوت السموات7: 7-17160
   
صلاة الإيمان بالله الآب7: 7-11160
القاعدة الذهبية7: 12163
الطريقان7: 13 ، 14164
الأنبياء الكذبة  7: 15-20167
تطبيق الشريعة بقوة الروح7: 21-27169
الرجل العاقل و الجاهل7: 28-29171
1748: 1-9: 35معجزات المسيح   في كفرناحوم ومحيطها
1748: 1-4شفاء الأبرص
1768: 5-13شفاء غلام القائد الروماني
1798: 14-17شفاء حماة بطرس
1818: 18-22مبادئ اتِّباع يسوع
1858: 23-27إسكات العاصفة والأمواج
1878: 28-34إخراج الشياطين من الملبوسَين
1919: 1-8سلطان المسيح على المغفرة والشفاء
1939: 9-13دعوة خاصة لمتى العشّار
1969: 14-17سؤال تلاميذ المعمدان عن الصوم
1999: 18-26إقامة ميتة وشفاء مريضة
2019: 27-34شفاء أعميين وأخرس
2059: 35-11: 1 إرسال التلاميذ    الإثني عشر للتبشير
2059: 35-38حنان المسيح
20810: 1-4دعوة الإثني عشر
21110: 5-11: 1أساليب نشر ملكوت السموات  (المجموعة الثانية لكلمات يسوع)
21110: 5-15المبادئ الأساسية للتبشير
21710: 16-25الأخطار في سبيل التبشير
22310: 26-33التشجيع وسط الضيق
22810: 34-39التفرقة نتيجة التبشير
23210: 40-11: 1الهدف السامي للتبشير
المسابقة الثانية للإنجيل حسب متى237

1- الموعظة على الجبل

عن دستور ملكوت السماوات

(المجموعة الأولى لكلمات يسوع)

(متى 5: 1-7: 27)

التطويبات

(5: 1-12)

5: 1  وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ. (2) فَعَلَّمَهُمْ قَائِلاً:

تحنن المسيح على الشعب الضال الذي لم يعرف ربه ولا نفسه، فاختار تلاميذ من الجماهير ودعاهم وأفرزهم وقادهم إلى الجبل، حيث جلس معترفاً كمعلم للتوراة يعلّم النخبة ومَنْ حولهم من الشعب. أعلن المسيح في أحضان الطبيعة مبادئ الملكوت الإلهي، وهي الدستور السماوي.

كانت الغاية من آيات الشفاء الكثيرة التي صنعها يسوع في الجليل التي نقرأ عنها في نهاية الإصحاح السابق أن تفسح المجال لهذه العظة وتجعل قلوب الشعب أكثر استعداداً لقبول التعليم من فم ذاك الذي ظهرت فيه تلك القوة الإلهية الفائقة وذلك الصلاح والرحمة. لعل هذه العظة كانت خلاصة كرازته في المجامع المختلفة في الجليل. كان موضوع كرازته التي بدأ بها “توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات“. هذه العظة مبنية على الجزء الأخير من تلك الآية، وتبين بأن معنى التوبة هو إصلاح الحياة العملية والرجوع عن آرائنا السابقة. يجيب يسوع على السؤال القديم “ارجعوا إليّ أرجع إليكم قال رب الجنود، فقلتم بماذا نرجع؟” ويبين لنا “بماذا نرجع”.

كان مكان العظة أحد جبال الجليل. لم يجد المسيح مكاناً مناسباً يعظ فيه كما لم يجد مكاناً “يسند فيه رأسه“. بينما كان للكتبة والفريسيين كرسي موسى بكل ما يتبعه من راحة وكرامة ومجد، ومن هذا الكرسي أفسدوا الشريعة. نرى الرب يسوع، المعلم الأعظم للحق، يُطرد إلى البريةولا يجد منبراً إلا بقدر ما يمكن أن تقدمه التلال. بل أنه لم يخرج إلى أحد الجبال المقدسة، جبال صهيون، بل كان الجبل عادياً، وبذلك أظهر المسيح أنه في عهد الإنجيل يريد أن يصلي جميع البشر ويكرزوا في كل مكان بالروح القدس.

ألقى المسيح هذه العظة، التي كانت بمثابة تفسير للشريعة، “على جبل”لأن الناموس اعطي على جبل“، ولأن هذه العظة كانت أيضاً إعلاناً لشريعة المسيح الجديدة. لكن لاحظ الفرق. فإنه عندما أعطيت الشريعة لموسى “نزل” الرب على الجبل. أما الآن فنرى الرب قد “صعد إلى الجبل“. تكلم الرب حينئذ في بروق ورعود أما الآن فيتكلم في صوت هادئ خفيف. في ذلك الوقت امر الشعب بالإبتعاد عن الجبل، أما الآن فيؤمرون بالإقتراب، وياله من تغيير مبارك. إن كانت نعمة الله وصلاحه هما مجده فإن مجد الإنجيل يفوق كل مجد لأن “النعمة والحق بيسوع المسيح صارا” (2كور3: 7؛ عب12: 18).

أما المستمعون فكانوا تلاميذه الذين تقدموا إليه بناءً على دعوته كما يتضح مع مقارنة (مرقس 3: 13، لوقا6: 13). هو وجه إليهم حديثه لأنهم تبعوه عن محبة وليس عن اضطرار. أما غيرهم فتبعوه لطلب الشفاء. لقد علمهم لأنهم كانوا يرغبون في التعلم “يعلم الودعاء طرقه” ولأنهم كانوا يرغبون في فهم تعاليمه التي كانت للآخرين جهالة، ولأنهم كانوا سيعلمون الآخرين. لهذا كان ضرورياً أن يعطوا هم انفسهم معلومات واضحة صريحة عن هذه الأمور.

بدأ يسوع عظته على الجبل بكلمة «طوبى». ردَّدها تسع مرات، كصوت جرس مجلجل من السماء، معلناً لنا أن الغبطة والسعادة هما أساس شريعة ملكوته. فليس عليك أن تتمم وصايا وفرائض ثقيلة بكد وتعب لتدخل ملكوت الله، بل أن تقبل كلمته اللطيفة ببساطة الإيمان. عندئذ تنجو من الدينونة، وتتحرر من العقاب. يدعوك المسيح إلى غمرة الفرح، لأنه لم يأت ليهلك الخطاة، بل ليخلّصهم ويشفيهم ويرحمهم. فدستور الله للأرض مبني على السرور والشكر والتهلل. وليس على فرائض ودموع.

السؤال 43: لِمَ ابتدأت شريعة المسيح بكلمة “طوبى” عوضا عن “يجب عليك” ؟

5: 3 طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. (إشعياء57: 15)

بدأ المسيح عظته بالتطويبات لأنه جاء إلى العالم لكي يباركنا. إنه أتى لا لكي يشتري لنا البركات فحسب بل لكي يسكب علينا البركات وينطق لنا بها. هنا يفعل ذلك “كمن له سلطان“، كمن يستطيع أن يأمر بالبركة والحياة الأبدية، وهذه هي البركة التي طالما وعد بها أتقياءه. إلى مجرد نطقه لهم بالبركة والسعادة يجعلهم مباركين وسعداء، لأن الذين يباركهم يُباركون حقاً.

انتهى العهد القديم “بلعن” ( ملاخي 4: 6) أما العهد الجديد فيبدأ بالطوبى والبركة، لأننا لهذا دعينا لكي نرث البركة والملكوت.

يُرينا المسيح قبل كل شيء، أنه ليس باستطاعة الإنسان أن يدخل ملكوت السماوات إلا بواسطة الروح القدس. يُظهِر لنا هذا الروح المُعلِن خطايانا وخبثنا، حتى أنه يكسر كبرياءنا، فننسحق ونعترف أننا نحن المساكين هالكون أمام قداسة الله، ونجسون بالنسبة لطهارته ولطف قداسته. ندرك أنانيتنا في ضوء محبته، وكذبنا أمام نور حقه. طوبى لك إذا كشف روح الله خطاياك، وقادك إلى التوبة الأمينة، وشفاك من عماك. عندئذ تنفتح أبواب السماوات أمامك على مصراعيها، لأن التائب وحده يستطيع القدوم إلى الله. إن التائب الذي يعود إلى الرب لا يدخل إلى ملكوت السموات فحسب، بل يتملَّك هذا الإرث ملكاً أبدياً، لأنه ملك لهم إلى الأبد.

السؤال 44 : لماذا يدخل المسكين بواسطة الروح أولاً إلى ملكوت السماوات؟

5: 4 طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَوْنَ.                     (مز126: 5؛ رؤيا7: 17)

والقرعة الثانية لجرس محبة الله تخصّ الحزانى، أوبالحري كل إنسان، لأننا كلنا حزانى. يقول لك المسيح: لقد ابتدأ عصر جديد، لأني غلبت بموتي الكفاري أسباب الضيق والحزن. ويحل روح الله فيكم معزياً، ولن يبرح منكم. هو عربون رجائكم. فالحزن في قلبك مهما كان كبيراً يغلبه فرح السماء. والمسيح يعطي الرجاء الأكيد لعالمنا الحزين. افرح واشكر وابتهج للخلاص العظيم لأن ترانيم وتراتيل  الشكر والحمد تغلب الحزن الأعمق. انتظر مجيء الرب القريب، عندئذ يحقق رجاءنا المجيد.

إن سعادة السماء تقوم في التعزية الكاملة، التعزية الأبدية، لأن الله سيمسح كل دمعة من عيوننا. هي فرح الرب، هي “شبع وسرور إلى الأبد” (مز26: 11). هذه السّعادة ستتضاعف حلاوتها لدى أولئك الذين قد استعدوا لها بهذا “الحزن المقدس” وستكون السّماء سماء حقيقية لأولئك الذين يذهبون إليها باكين. ستكون موضع حصاد الفرح، موضع الحصاد بابتهاج للذين “يزرعون بالدّموع” (مز126: 5-6)، هي جبل من الأفراح، ولكي نسير إليها ينبغي لنا أن نجتاز في وادي الدّموع (إشعياء66: 10).

5:5 طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ.             (متى11: 29؛ مز37: 17)

إن الودعاء سعداء، والودعاء هم الذين يستسلمون ويخضعون ذواتهم لله، لكلمته، لتأديبه. هم الذين يتبعون إرشاداته ويتممون مقاصده، مظهرين كل وداعة لجميع الناس. الذين يستطيعون احتمال الإهانات والإغاظات دون أن ينفعلوا، بل بالحري يصمتون أو يجيبون جواباً ليناً هادئاً. إنهم الذين يستطيعون أن يظهروا استياءهم إذا وجدت الفرصة لذلك دون الخروج عن حدود الأدب والإحتشام. أيضاً هم الذين يستطيعون أن يكونوا باردين هادئين عندما يكون الآخرون حارين وثائرين. هم الذين يستطيعون في صبرهم أن يكبحوا جماح أنفسهم في الوقت الذي يستدعي غليانهم وهيجانهم وثورتهم، الودعاء هم الذين يندر أن يتهيّجوا أو يصعب جداً إثارتهم، بل بالحري يسهل جداً تهدئتهم وسرعان ما يسكن غضبهم، هم الذين يفضلون أن يصفحوا عن عشرين إساءة من أن ينتقموا لإساءة واحدة لأنهم مالكون لأرواحهم.

هؤلاء الودعاء يوصفون بانهم سعداء حتى في هذا العالم. إنهم مطوبون ومباركون لأنهم يشبهون يسوع المبارك لا سيَّما فيما يجب أن يتعلموه منه (متى11: 29) “تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب“. ويشبهون الله المبارك نفسه الذي يستطيع أن يجمح غضبه، والذي لا يمكن أن يثور أو يحتد. إنهم مطوبون وسعداء لأنهم ينعمون بأعظم قسط من السعادة والسلام مع أنفسهم وأصدقائهم وإلههم. إنهم يليقون لكل علاقة، وكل حالة، وكل صداقة وعشرة، على استعداد للحياة وللموت.

لكن الأقوياء والزعماء والأغنياء والكثيري الشبع، سينوحون عند مجيء المسيح الثاني وييأسون، لأنهم لم يدركوا دستور الله وخالفوه، فيسقطون إلى أقسى العذاب. أما المسيح الوديع فيرث الأرض ومعه كل الذين قبلوه وغيروا طباعهم من العنف إلى الوداعة.

سؤال 45 : لماذا يرث الودعاء الأرض وليس الأقوياء؟

5: 6 طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ.

(لو18: 9-14؛ يو6: 35؛ رو3: 23-24)

والدقة الرابعة لجرس محبة الله تلهم الرجاء للجياع إلى البر، المستيقظين من نومهم في الخطايا. كل الناس يُودّون عمل الخير ويشتاقون إلى نجاح الإنسانية، لكن لا يستطيع أحد أن يحققها من تلقاء نفسه، لأننا جميعاً عبيد الخطايا. أما المسيح فبرر الخطاة بموته على الصليب. من يشتاق إلى البر والقداسة يجد في المسيح ملء البر الإلهي المعد له، وينال القوة لتنفيذ المحبة الحقة. تعال إلى يسوع فيُطهّر قلبك ويجددك إلى الثبات في الله. عندئذ لا تبني فرحك على طاقاتك الشخصية، بل على نعمة الله وحدها. فإيمانك قد خلّصك، وفرح المسيح يحل فيك.

إن “البر” هنا يمثل كل البركات الروحية (مز24: 5) وهذه البركات هي التي يجب أن نجوع ونعطش من أجلها. يجب أن نرغب فيها رغبة حقيقية صادقة كما يرغب الجائع والعطشان في الطعام والشراب ولا يشبعه شيء آخر غيرها ومتى توفّرا لديه شعر بسدِّ حاجته رغم أنه ينقصه الكثير من الأشياء الأخرى. يجب أن تكون رغبتنا للبركات الروحية رغبة جديدة أكيدة مُلحّة.

وبما أن بر الله معد لك، إن آمنت بالمسيح، ستشبع إلى الأبد، لأن بر الله متوفر للجميع ولن ينقص منه شيء.

أيها الرب القُدوس، نحبك ونحمدك لأنك رحمتنا في مجيء المسيح الحبيب. اغفر لنا استكبارنا وتشاؤمنا وعنفنا. وطهرنا بدم يسوع وحررنا بقوة روحك القدوس لسلوك عفيف ورجاء اكيد كي ندخل مع جميع المؤمنين إلى فرح حضورك في الملكوت السرمدي.الصلاة:

السؤال 46 : كيف يروي المسيح العطش الذي فينا إلى البر؟

5: 7 طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ.                     (متى25: 35-46؛ يعقوب2: 13)

إن الرحماء هم الذين بدافع التقوى والمحبّة يميلون إلى العطف على البؤساء ومساعدتهم وإغاثتهم. قد يكون الإنسان “رحيماً” حقاً وهو لا يملك ما يجود به فيتقبّل منه الله رحمة قلبه. ليس مطلوباً منا فقط أن نحمل متاعبنا بصبر بل أن نشارك إخوتنا في متاعبهم بدافع العطف المسيحي. يجب أن نظهر الشفقة ونلبس أحشاء رأفات (كو3: 12) وإذ نلبسها يجب أن نتقدّم لمساعدة كل من كان في حالة بؤس وشّقاء.

ينبغي أن نرثي لنفوس الآخرين ونعينهم، ونشفق على الجهلاء ونعلّمهم، وأن نعطف على المتراخين المتهاونين وننذرهم. وأن نرثى للخطاة وننتشلهم من النار.

ينبغي أن نعطف على الحزانى ونعزيهم بدل أن نكون قساة عليهم، أن نعطف على المحتاجين بأن نقدّم لهم حاجتهم، وإن غفلنا عن هذه النواحي فنحن نغلق أحشاءنا عنهم مهما ادعينا التقوى “انفق نفسك للجائع واشبع النفس الذليلة . . . اكسر للجائع خبزك ” (اشعياء 58: 7، 10). نعم فإن “الصديق يراعي نفس بهيمته” (أمثال 12: 10).

كل من يتبرر بدم المسيح تحلّ رحمة الله في قلبه، ومن يحب يسوع لأجل مصالحته العظيمة لابد أن يغفر طوعا لأعدائه كل ذنوبهم. من حصل على مسحة الروح القدوس، لا يحتقر إنساناً بسيطاً، بل يعينه ويباركه ويعزيه، ويضحّي لأجله بما عنده. فالله محبة، ومن يؤمن به يتغير إلى تلك المحبة. والذي لم يعرف الله، يبقى في البغضة والاحتقار والقساوة. هل أصبحت إنساناً رحيماً كما أن المسيح هو الرحيم؟ عندئذ تجري قوة الله من قلبك إلى عالمنا الميت، وبإيمانك بالمسيح تقوم من بين الأموات إلى الحياة الأبدية. سوف تخلص من الدينونة الأخيرة برحمته، حسب المحبة المنسكبة في قلبك بواسطة الروح القدس المُعْطَى لك. فلا تخلص من تلقاء أعمالك الخاصة، بل لأجل دم يسوع المسيح الذي يغيرك إلى إنسان محب.

فهؤلاء الرحماء يطوبون، لأنه هكذا قيل في العهد القديم “طوبى للذي ينظر إلى المسكين“(مز41: 1). إنه هنا يشبه الله الذي مجده في صلاحه. عندما نكون رحماء كما أنه هو رحيم نصير، في حدودنا، كاملين كما أنه هو كامل. والرحمة علامة المحبّة. عندما نجد أننا قد أصبحنا آلات في يد الله لخير الآخرين نجد شبعاً لنفوسنا. من أقدس وأنقى الملذات في هذا العالم عمل الخير للآخرين. في هذه الكلمة “طوبى للرحماء” يتضمّن قول المسيح الذي لا نجده في الأناجيل إلا ضمنياً في هذه العبارة وهو “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أعمال 20: 35)

السؤال 47 : كيف نتغير من أنانيين إلى رحماء؟

5: 8 طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللّهَ. (مز24: 3-5، 51: 12-13؛ 1يو3: 2-3)

هل أنت طاهر القلب وبماذا تحلم ليلاً ونهاراً؟ يريد المسيح تنقية قلبك وتطهير شعورك الباطني ليملأك بطهارة روحه، فلا تسيطر عليك الشهوة والطَمَع، بل تتحرر إلى حرية أولاد الله، وتعترف أنه يستحيل عليك السلوك في الطهارة تلقائياً. لكن روح الله يستطيع غلبة الإنتصار على أعمال جسدك الشريرة، ويجعل لسانك صادقاً، ويضبط كل أفكارك وينَقّي شعورك.

تقوم الديانة الحقيقية على أساس نقاوة القلب. والذين قد تطهرت حياتهم الداخلية يظهرون بأن تدينهم نقي وغير ملوث. فالمسيحية الحقيقية مؤسسة في القلب، في نقاوة القلب. غسل القلب من الشر. ينبغي أن لا نرفع لله أياد طاهرة فقط بل قلباً نقياً أيضاً (مز24: 4و5).

ينبغي أن يكون القلب “نقياً” غير ممتزج به شيء آخر كالخمر الممزوجة، فالقلب الأمين تكون كل مقاصده صالحة. ينبغي أن يكون “نقياً” غير مدنس أو ملوث كالماء الملوث. والقلب ينبغي أن “يتنقّى” من الشهوات الجسدية والأفكار الرديئة والميول الدنيئة، من الشهوات العالمية كالطمع الذي يسمى الربح القبيح، ومن دنس الجسد والروح، فكل ما يخرج من القلب ويدنس الإنسان.

حينئذ يخبرك الله بفرح أنك ستعاينه بجلاله. ليس لصلاحك ولا لبرك الذاتي، بل لأن دم المسيح طهّرك من كل إثم. وروحه القوي غلب نزوات جسدك. إن الله قد وعد “أنقياء القلب” فقط بسعادة رؤيته. لا يستطيع أحد رؤية الله إلا أنقياء القلب. كما أن الدّنسين لا يتلذذون برؤيته، لأنه أية لذة تجدها النفس الدّنسة في رؤية الله القُدّوس. كما أن الله لا يحتمل رؤية إثمهم، هكذا لا يحتملون هم رؤية قداسته. كذلك لا يمكن أن يدخل أورشليم الجديدة شيء دنس. بل جميع “أنقياء القلب”، جميع الذين تقدّسوا بالحق، لهم في داخلهم رغبات لا تشبعها إلا رؤية  الله، والنعمة الإلهية لا يمكن أن تترك هذه الرّغبات دون إشباعها.

هل تشترك في كفاح روح الله ضد خطاياك؟ من يغلب بواسطة اسم يسوع، يرى الله أباً حنوناً ويمكث معه إلى الأبد. هل تشتاق إلى رؤية مجد الله، أو تدور حول ذاتك الممتلئة بالنجاسة والفساد؟ تعال إلى ربك الحنون، هو يطهرك تطهيراً كاملاً، لأن دم يسوع المسيح يطهرنا من كل إثم.

السؤال 48 : كيف تحصل حقاً على الطهارة؟

5: 9  طُوبَى لِصَانِعِي السَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ اللّهِ يُدْعَوْنَ.                (عبرانيين12: 14)

يدعوك الرنين السابع لجرس سرور الله إلى امتياز خدمة السلام. فالمؤمن لا يعيش لنفسه ولا يسترخي بالكسل والأنانية، بل يسعى كوسيط بين الله والناس، ويدعو الهالكين إلى الصلح مع الله. أخبر الناس كيف حلّ السلام السماوي في قلبك، ادعهم إلى الرجوع والإيمان والرجاء. فتتناغم مع روح المسيح وتكون من إخوته. بموته صالح العالم مع القدوس، ويريد نشر سلامه في كل نواحي العالم. والله في جودته يستقبلك أولاً في عائلته السماوية، ويرسلك بعدئذ إلى الآخرين لتطفئ الخصام والحروب بينهم. لكن لا تنس أنه ليس سلام بدون الصليب. ومن يريد صنع سلام بدون رئيس السلام يفشل حتماً.

يدعي صانعو السلام أبناء الله. فصنع السّلام علامة لأنفسهم على أنهم “أبناء الله” والله يعترف بهم بأنهم ” أبناؤه” وهم في هذه النّاحية يشبهونه. الله نفسه هو إله السلام، وابن الله هو رئيس السّلام، وروح التّبنّي هو روح السّلام. وحيث أن الله قد صرّح باستعداده للمصالحة معنا أجمعين فإنّه لا يمكن أن يعترف ببنوة أولئك الذين تمتلئ قلوبهم حقداً وعداوة للآخرين، لأنه إن كان صانعو السلام يطوبون فويل لناقضي السّلام.

من ذلك يتّضح أن المسيح لم يقصد بتاتاً نشر ديانته بالسيف والنار أو القوانين التأديبية. لم يقصد أن يتّجه تلاميذه نحو روح التّعصب الممقوت أو الغيرة المحتّدة الحانقة. يميل أبناء العالم أن يصطادوا في الماء العكر أما أبناء الله فإنّهم “صانعو السلام” وهم “الهادئون في الأرض” (مز35: 20).

حصل اعتراض على هذه الآية بحجة أن هناك اختلاف وتناقض ببينها وبين قوله “ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً”.

إن المسيح هو رئيس السلام، وهو القائل “أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم“، و”من لطمك على خدك الأيمن فحوِّل له الآخر“، و”لا تقاوموا الشر بالشر” وغير ذلك من الآيات.

مع ذلك، قال أنه “لم يأت ليلقي سلاماً بل سيفاً”. وليس مراده أن يحدث الشقاق والخصام ويزيل المحبة والسلام، بل مراده أن يلقي الشقاق بين القداسة والنجاسة، فإنه لا توجد مناسبة بين ديانته الطاهرة الصادقة، وبين مبادئ أهل العالم الفاسدة المنحرفة عن الهدى والمؤدية إلى الكذب والضلال. أتى المسيح ليحدث خصاماً بين الحق والكذب، بين النور والظلمة، فجهاد الإنسان لأجل هواه هو الجهاد الأكبر، ولا يموت الإنسان وهو في جهاد نفسه فقط، بل في جهاد أهله وأقاربه الذين يريدون أن يثنوه عن الحق. كم من مؤمن عادى أباه وأمه حباً في خلاص نفسه، وكم من مؤمن آثر اتباع الإنجيل وأغضب أنسباءه وأقرباءه ووالديه، لأنه نظر إلى ما هو أبقى وأفضل.

السؤال 49  : كيف يستخدمك المسيح لتقديم السلام للآخرين؟

5: 10  طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ الْبِرِّ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. (1بط3: 14)

الرنين الثامن للفرح يبدو مراً، لأنه موجَّه إلى رسل الله صانعي سلامه، الذين يُضرَبون لأجل محبتهم، ويُستهزأ بهم لأجل بشارتهم بالمصالحة مع الله، ويُحتقرون لعفوهم عن زلات الآخرين. هل تظن أن نتيجة تبشيرك ستكون أفضل مما كان للمسيح وأتباعه؟ فطوبى لك إذا تألمت لأجل شهادتك، ولأجل بر الله وتبريره للخطاة فأنت في شركة المسيح، عندئذ يرافقك مخلّص العالم نفسه ويقوِّيك ويعزِّيك، ويحفظك كحدقة عينه. لا تتمرمر بأحقاد في قلبك على آخرين، بل افرح لأن ربك أعظم من ممتلكاتك الأرضية المفقودة لأجل بره. لقد جهَّز لك مملكة روحية في حضوره إلى الأبد.

السؤال 50  : لماذا يختبر ناشرو إنجيل السلام معارضة عنيفة؟

5: 11 طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ. (12) اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هكَذَا طَرَدُوا الأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ.

    (متى10: 22، أعمال5: 41، 1بط4: 14، عب11: 33-38، يع5: 10)

يكرر الرب التطويب لرسله المرفوضين، لأن روح العالم يبغض الله والمولودين من روحه. فأبناء عصرنا يعذبون أبناء القدوس كما عذَّب الشيطان المسيح ورسله. كما أن الرّب ينبئهم مسبقاً بما سيحل بهم. إنهم “يطردون”، يُطاردون،ويُتابعون، ينبذون “كوسخ كل شيء“( 1 كو4: 12)، توقع عليهم الغرامات، يُسجنون، يُبعدون، يجردون من ممتلكاتهم، يُبعدون عن المراكز الهامة والرئيسية، يُجلدون، يُسلّمون إلى الموت أحياناً، ويحسبون مثل غنم للذبح. كان هذا نتيجة عداوة نسل الحيّة ضد النسل المقدّس منذ وقت هابيل البار. كان هذا هو الحال أيام العهد القديم. والمسيح أخبرنا أن حالة الضّيق والإضطهاد ستكون أكثر قسوة مع الكنيسة المسيحية وحذّرنا من أن نستغربها ( 1 يوحنا 3: 13). لقد ترك لنا مثالا في هذه النًاحية.

 في ساعة الآلام المرة عند فقدانك لبيتك ولمكان عملك إذا طُردت، يأمرك ابن الله بالسرور والابتهاج، لأن آلام هذا الدهر لا تقارن بالمجد العظيم الذي سيظهر فيك وفي كل المؤمنين المخلصين. إن ربك نفسه هو أجرة إيمانك. والروح القدس يحل فيك. فلماذا تنوح؟ افرح واغتبط وتهلل واشكر، لأن مجيء ملكوت السموات قريب.

إن الله يضمن لأولاده بأن من يخسر شيئاً من أجله ولو خسر الحياة نفسها، لا يخسر شيئاً بسببه في النهاية، وستكون السّماء في النهاية تعويضاً جزيلاً عن ما نلتقي به في طريقنا من متاعب.

لقد اضطهد أولئك الأنبياء وطردوا وأسيء إليهم مثلكم. هل تنتظرون دخول السّماء عن طريق آخر وحدكم؟ ألم يهزأ بأشعياء من أجل تعاليمه؟ وبأليشع لأنه كان أقرع؟ ألم يعامل الأنبياء نفس هذه المعاملة؟ لذلك لا تتعجّبوا لهذا الأمر كأنه غريب، ولا تتذمروا كأنه قاس. إنها لتعزية أن تروا طريق الآلام طريقاً مطروقاً، وأنه لشرف أن تقتفوا آثار قادة كهؤلاء. وتلك النّعمة التي كانت كافية بأن تحملهم في طريق آلامهم “تكفيك نعمتي” سوف تمنح لكم أيضاً. وهؤلاء الذين يناصبونكم العداء هم نسل وذريّة أولئك الذين هزأوا بأنبياء الرب.

رغم كل هذا “افرحوا وتهللوا” إذ لا يكفي أن تكونوا صابرين وراضين بهذه الآلام كأنها مصائب عامة، ولا يكفي أن لا تجازوا عن شتيمة بشتيمة، بل ينبغي أن تفرحوا لأن شرف الآلام من أجل المسيح ومجدها، لذتها وبركتها أعظم بكثير جداً من مرارتها وخزيها. ليس المطلوب أن نتكبّر وسط هذه الآلام، فهذا يتلف كل شيء، بل أن نسر بها مثل بولس (2 كور12: 10) عالمين أن المسيح سوف يكون معنا في هذه الآلام قبل أن تحلّ بنا ولن يتباطأ في أن يكون معنا.

نشكرك أيها الآب السماوي لأنك جعلتنا أولاداً بالنعمة. اغفر لنا خوفنا وعنادنا وتمـسُّكنا       بالأمور الدنيوية. علّمنا رحمة المسيح وصبره وطهارته. امنحنا القوة والجرأة للتبشير بإنجيل سـلامك. واحفظنا في ساعة الرفض من أصدقائنا وأهل بيتنا، لنبارك مبغضينا، ونحب ضاربينا، ونصلي لأجـل طاردينا. ثبّتنا بفرح وغبطة، لأنك أنت معنا وتتمركز فينا. عزِّ الذين يتألمون لأجل اسمك القدوس.الصلاة:

السؤال 51 : ما هو أجر المؤمنين؟

هدف الموعظة على الجبل:

تطبيق شريعة الله

(5: 13-16)

5: 13  أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ.                                         (مر9: 50، لو14: 34-35)

الطعام بلا ملح لا نكهة له. كذلك العالم إذا خلا من أتباع المسيح يفقد المحبة الحقة. وكما أن الملح يحفظ الغذاء من الفساد، هكذا تحفظ رسالة المسيح وحاملوها العالم من الزوال. وكما أن الملح يعوِّض فقدان بعض المواد من الجسد، هكذا يبني الإنجيل الحياة الجديدة في الأموات بالخطايا.

بدون الملح لا يمكن أن تقوم الحياة، فالمؤمنون ينبغي أن تكون حياتهم مصلحة بالإنجيل. إن تعليم الإنجيل “كالملح” نافذ، سريع، حي، قوي، يصل إلى القلب. وهو مطهر ومنعش ويحفظ من التعفن والفساد.

كان الملح ضرورياً في كل الذبائح ( لاويين 2: 13) وفي هيكل حزقيال الرمزي (حز43: 24) والآن وقد تلقّن تلاميذ المسيح أنفسهم تعليم الإنجيل واستخدموه لتعليم الآخرين فكانوا كالملح. إن الأفكار والعواطف والأقوال والأفعال ينبغي أن تكون كلها مصلحة بالنعمة.

هذا بالنسبة لأنفسهم، أما بالنسبة للآخرين فينبغي أن لا يكونوا صالحين فحسب بل أن يفعلوا الصلاح، أن يتسلّلوا إلى عقول البشر ليس لكي يخدموا أية مصلحة عالمية لأنفسهم، بل لكي يحولوهم إلى طعم ومذاق ورائحة للإنجيل. إذا كانت البشرية غارقة في الجهل والشر فهي أشبه بكمية كبيرة الحجم جداً من مادة لا طعم لها مهيّأة للتعفن والفساد. لكن المسيح أرسل تلاميذه لإصلاحها بالمعرفة والنعمة بواسطة تعاليمهم وحياتهم، لكي يجعلها مقبولة أمام الله والملائكة ومن يتلذذون بالروحيات.

لكن إذا لم يعيشوا كما ينبغي أن يكونوا، عندها يصبحون ملحاً فاسداً. إن كنتم أنتم الذين يجب أن تصلحوا الآخرين قد صرتم فاسدين عديمي الطعم والمذاق، خالين من الحياة الروحية، والنّعمة والقوة، يكون قد وصل المسيحي إلى هذه الحالة وأصبحت حالته محزنة جدا لأنه قد صار لا يرجى صلاحه “فبماذا يملّح “؟. يستعمل الملح لإصلاح الطعام العديم المذاق، لكن إن فسد الملح فلا يمكن إصلاحه. تعطي المسيحية للإنسان طعماً ومذاقاً، لكن إن ادعى أحد المسيحية، واستمر في التظاهر بها، واستمر مع ذلك بليداً وغبياً وخالياً من النعمة، لا طعم ولا مذاق له، فلا يوجد هنالك تعليم آخر أو وسيلة أخرى يمكن استخدامها لاصلاحه.

إن فسد الملح فلا يرجى منه أي نفع، كيف يمكن استخدامه إذا كان لا يصنع خيراً بل شراً؟ المسيحي بدون النّعمة كالإنسان بدون عقل. فيصبح مصيره النبذ والهلاك “ويطرح خارجاً” ويخرج من الكنيسة ويُبعد عن جماعة المؤمنين الذين قد صار لطخة في جبينهم وعبئاً ثقيلاً عليهم، بل يداس من قبل كل الناس.

يدعوك المسيح للإتشترك في إنشاء عالم جديد وحفظه، وسط فساد حضارتنا. لكن لا تغتّر بالظن أنك تستطيع إصلاح سكان أرضنا بطاقتك البشرية. فكل من يتَّكِل على النشاطات البشرية يخسر رسالته، ويصبح باطلاً قولاً وسلوكاً، ويهزأ الناس به، لكن الله يمدحه. فلا ترفض رسالة الإنجيل، لأنها تخلق فيك قدرة لتكون ملح الأرض، وإلا سيدوسك الناس لعدم محبتك المستقيمة.

سؤال 52 : ماهي دعوة المسيح لك لأن تكون “ملح الأرض”؟

5: 14 أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ، (15) وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. (16) فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.                                   (يو8: 12، فيلبي2: 14-15، يو15: 8، أفسس5: 8-9)

ما أعظم النعمة من المسيح! إذ أوقد في أتباعه نور محبته اللطيفة وأشعة حقه القدوس. لا تظن أن الضوء الذي فيك هو منك، بل هو عطية من ربك. فلا تحجب الموهبة الإلهية المُعطاة لك، خائفاً من نقمة الجماهير، لأن المسيح منحك رجاء ثابتاً، لتنير العالم المتشائم بمسرته. فلا تخجل، لانك تشبه عود ثقاب صغير لكنه يُرى من مسافات بعيدة في الليل الدامس. وإذا اجتمع بعض المسيحيين في شركة إيمانهم، يشبهون المدينة الموضوعة على الجبل، المضيئة كمجموعة كواكب متلألئة، ترشد السفن الضّالة إلى بر الأمان.

يدعوك المسيح أن تكون نوراً للظالمين، وأن تتغيّر إلى شاهد لفضائل ربك، كي تعلن اسمه في بيتك ومدرستك ومقرّ عملك، ثم في المجتمع عامة. اشتغل مرة فتى مؤمن في محيط رجال ليسوا أتقياء، حاولوا إفساده بكلامهم النجس. فحذّره أصدقاؤه وقالوا له: «اترك هذا العمل، لكيلا تسقط في بؤرة الشقاء». فأجابهم: «لست وحدي هنا بل المسيح يقف بجانبي ويحميني، ويسكن فيَّ، ويحفظني. ولي وعده أنه لن يتركني. وحيث أكون أنا يكون هو أيضاً، فلا أخاف شراً».

يأمرك ملك الملوك الإلهي أن تتشجّع، وتُشع بالنور المضيء فيك، فلا تحجب نفسك أو تتوارى عن الأعين، بل تقدَّم واسْعَ مطمئناً كمُرسَل من قِبَل الرب إلى محيطك، والتق بالناس، وتكلّم معهم. ماذا يا ترى يرى زملاؤك فيك طيلة النهار؟ هل يضيء المسيح فيك بوضوح؟

يدعوك المسيح إلى سلوك طاهر، عندئذ يعظّم الناس الله لأجل لطفه وقدرته الموضوعة فيك، ويؤمنون بفضل  تصرفاتك إن كان روح الله حال فيك. فسيرتك تجذب الناس إلى الإيمان بالله أنه الآب المُحِب، الذي له أولاد روحيون في دنيانا. وإذا لم يجدوا فيك فضائل أبيك السماوي، فإنهم يكفرون بالإنجيل.

إن أتباع المسيح كأنوار في العالم قد أصبحوا ظاهرين وبارزين وعيون الكل شاخصة نحوهم  وجيرانهم يتطلعون إليهم. البعض يعجبون بهم ويمتدحونهم ويفرحون بهم ويحاولون الإقتداء بهم، والآخرون يحسدونهم ويبغضونهم وينتقدونهم ويحاولون الإساءة لهم. إذاً فالأفضل لهم أن يسلكوا بالتدقيق بسبب الذين يتطلعون إليهم. لقد صاروا منظراً للعالم، فَلْيَحذَروا من كل ما يبدو مظهره رديئاً لأنهم قد صاروا ظاهرين للجميع!!

أعطاك الله فرصة وامتيازاً لتشترك في تمجيد اسمه الأبوي. نقرأ لأول مرة في الموعظة على الجبل السر الكبير أن الله هو الآب. فليس القُدُّوس بعيداً عنا ولا مخيفاً لنا. إنه المحبة المُقبلة علينا باسم «الآب». وهو يتيح لك أن يؤمن الناس ببنوة المسيح وأبوة الله بواسطة سلوكك في قوة الروح القدس. فإما أن تكون برهاناً لوحدة الثالوث الأقدس، أو سبباً لكفر ونفور الآخرين. لا شك أنك منذ صغرك في طبيعتك خاطئ بكل نواياك، لكن روح المسيح غيَّرك من إنسان ظلام إلى ابن النور، فيبدو الروح العامل فيك من قولك وعملك. ليت الوعد الأعظم يتحقق فيك، حسب الكلمة: «الله محبة. من يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه» (1 يوحنا 4:15).

إن نورنا ينبغي أن يضيء من خلال أعمالنا الحسنة ذات الصيت الحسن لدى الذين هم من الخارج. إن أعمالنا تعطيهم فكرة حسنة عن المسيحية. ينبغي أن نعمل الأعمال الحسنة التي نرى أنها لبنيان الآخرين، وليس لنتظاهر أو نفتخر بها. لقد أمرنا أن نصلي في الخفاء، وكل ما ينحصر بيننا وبين الله ينبغي أن يحفظ لأنفسنا. أما ما كان بطبيعته ظاهراً ومكشوفاً أمام أنظار الآخرين فلنجتهد بأن نجعله متفقاً مع دعوتنا ومقبولاً في نظر الآخرين (فيلبي 4: 8). ينبغي أن لا نكتفي بأن “يسمع” الذين حولنا كلماتنا الحسنة فحسب بل أن يروا أعمالنا الحسنة أيضاً، لكي يقتنعوا بأن الديانة ليست مجرد كلمات جوفاء فارغة، وأننا لا نكتفي بمظهرها بل نعيش في قوتها.

لكن ولأجل أية غاية ينبغي أن يضيء نوركم، ليس لكي يمجدكم مَن يرون اعمالكم الحسنة؛ وهذه هي الغاية التي كان يسعى إليها الفريسيون والتي أفسدت كل خدماتهم؛ بل لكي يمجدوا أباكم الذي في السموات. فمجد الله هو الغاية الأسمى التي نسعى إليها في كل ما يتصل بالأمور الدينية. حول هذا المحور ينبغي أن تدور جل تصرفاتنا، وأن لا نكتفي بأن نسعى لتمجيد الله نحن أنفسنا بل لنبذل ما نستطيع من جهد لنجعل الآخرين يمجدون الله أيضاً.

ليت هذا الكلام يصل إلى الذين يمارسون الأعمال الشريرة، إلى الزناة الذين دنسوا حُرمة هيكل الله، إلى الخونة الذين اختلسوا الأموال وخانوا الأمانة، إلى الفتيات اللواتي يقمن بعلاقات خارجة عن إطار الزواج الشرعي . .   إنكن بعملكن هذا لم تسئن إلى أنفسكن وذواتكن فقط، بل أسأتن إلى ربكن، وجعلتموه موضع سخرية في نظر الآخرين. ما أعظم هذه الخطيئة المضاعفة.

إن مجرد نظر الآخرين لأعمالنا الحسنة سوف يكفي لتمجيد الله، إذ يعطيهم مادة لشكر الله وتمجيده. أعطوهم فرصة أن يروا أعمالكم الحسنة لكي يروا قوة نعمة الله فيكم فيشكروه من أجلها ويمجدوه بسببها لأنه أعطى قوة كهذه للبشر، وحرّك فيهم الرغبة للتقوى. أعطوهم فرصة ليروا أعمالكم الحسنة لكي يقتنعوا بحق المسيحية وسموها ولكي يغاروا غيرة مقدسة ويقتدوا بأعمالكم الحسنة. بذلك يمجدون الله.

نجد في بعض البلدان أن المؤمنين لا يستطيعون أن يعبروا عن إيمانهم جهراً، لكن سلوكهم الصامت كان شهادة حية لمخلصهم وأبيهم السماوي.

الصلاة: أيها الآب السماوي. أنت النور الطاهر القدوس الكامل، أرسلت ابنك يسوع إلى عالمنا نوراً للعالم. وقد كنا ظلمة، لكن روح ابنك أنارنا، ليشعَّ نورك إلى محيطنا، فيتحرر كثيرون من ذنوبهم ويصبحون نوراً لطيفاً أيضاً. نعظّمك لخلاصك العظيم، ونلتمس منك الإرشاد إلى سلوك النور، كي لا يكفر أحد بسبب تصرفاتنا، بل يروك فينا. آمين.

السؤال 53  : كيف يمكنك أن تكون نوراً للعالم؟

عصمة شريعة موسى

وتكميلها بشريعة المسيح

(5: 17-48)

5: 17 لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.  (18) فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. (19) فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. (20) فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ.                     (لو16: 17، رو3: 31؛ 10: 4، يع2: 10، 1يو2: 7)

لا تبشِّر وتعلِّم الإنجيل للناس بتحمّس، إنْ لم تتيقن أن المسيح دعاك شخصياً لهذه الخدمة، لأنه لا يَزِن كلماتك فحسب، بل أعمالك أيضاً. فإن لم تفعل ما تقوله وتبشِّر به، تكن مرائياً خداعاً. وإن لم تسلك طاهراً تصبح شهادتك فارغة. فأعمالك مقياس لأقوالك.

المسيح وحده هو المعلّم الكامل لشريعة موسى وإنجيله. إنه قدوتنا. لم ينقض وصية واحدة من الشريعة، بل تممها تفسيراً وتعليماً، وعاشها بحياته المثالية. هكذا حمى المسيح عصمة الوحي في العهد القديم بشخصيته الفائقة. فمن يتجاسر ويدعي أن التوراة والأنبياء محرفتان بعدما أثبت ابن الله صحتهما. فلا حرف ولا نقطة من وحيه الكريم أُزيل أو بُدِّل. ومن الغباوة أن يحتقر أحد التوراة ومواعيدها ووصاياها، المعلنة لآباء الإيمان والأنبياء المختارين. لأنه منذ القديم كَـلَّم الله البشر خلال تاريخهم وأحوالهم المعينة. فكلمة الله ليست فلسفية خيالية ولا موضوعاً عاماً، إنما اختار القُدُّوس أناساً خطاة، وتعاهد معهم في العهد القديم، وأرشدهم بشريعته وقاصصهم في غضبه. إن الذين يهاجمون العهد القديم ويرفضونه هم في الحقيقة مساكين، لأنهم يرفضون كلمة الله وبذلك يرفضون الله نفسه.

ويل للإنسان الذي لا يبشّر بكلمة الله الكاملة، بل يغيّرها قليلاً، أو يُنقص من معاني الوحي. خير له أن يعلق في عنقه حجر رَحَى، ويُغرق، لأن من يبدِّل كلمة الله أو يزوّرها وينتقدها، لا يُضر نفسه فقط، بل كل مبتدئ بالإيمان أيضاً. إذا دعاك المسيح للتبشير، فأعلِنْ كلمته بخوف ورعدة، لكيلا تُصبح سبباً لهلاك نفسك وأنفسٍ أخرى.

لا يدعونا المسيح إلى العهد القديم فحسب، بل إلى شخصه الكريم أولا. إنه في ذاته كلمة الله المتجسّد، وهو الشريعة المتجوّل بيننا، ومحبة أبيه المتأنّسة. فلا نلتصق بأحرف ميتة، بل بابن الله الحي الحاضر معنا. لقد أكمل الشريعة بسيرته على الأرض، ويُتممها اليوم بشفاعته الأمينة. وسيتممها غداً في مجيئه الثاني. عندئذ تنتهي ضرورة الشريعة، لأن السماوات والأرض تزول كلها، فينشئ ربنا أرضاً جديدة وسماءً جديدة يسكن فيها الروحانيون الممتلئون بالبر والحق.

لكننا مازلنا على الأرض، فأعلن المسيح لتلاميذه “وصية جديدة أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم “ (يوحنا 13: 24-25). بهذه الكلمات لخص المسيح شريعة موسى بجملة واحدة، وجعل في آن واحد نفسه مقياسا لمحبتنا، فهو شريعتنا المتجسد، لأنه عاش ماقاله.

يعرف ابن الإنسان أن لا أحد من البشر يستطيع أن يُتمم شريعته بالكامل، لذلك أوجد بكفارته تبريرا شاملا، ومنح لأتباعه قوة لإتمام وصاياه. فلا نخدم الله والناس بقدرتنا الخاصة بل بإرشاد قوة نعمته، كما اعترف بولس الرسول “ناموس روح الحياة في المسيح يسوع أعتقنا من ناموس الخطيئة والموت” ( رو8: 2) لذلك لم تعد شريعة موسى تضغط علينا ولا شريعة المسيح، بل أصبحا معاً مسرتنا وبرنا وحياتنا.

خلاصة القول: ان شريعة موسى أُعطيت حتى تُدربنا على القداسة و تُديننا، لكن المسيح جاء ليتمم الشريعة عوضاً عنا، أما الروح القدس فهو الشريعة بذاته، إذ يساعدنا في إتمامها بواسطة سكناه فينا.

لاحظ أن عناية الله بشريعته تمتد حتى إلى الأشياء التي نظنها عديمة القيمة “حرف واحد أو نقطة واحدة“، لأن كل ما يتصل بالله ويحمل ختمه يحفظ إلى الأبد مهما كان حقيراً. إن قوانين البشر الوضعية تشهد لنفسها بانها تحمل نقائص عديدة، فإن البشر لديهم قولاً مأثوراً “إن أسمى نقاط القانون ليست قانوناً” أما الله فإنه يقف بجانب كل حرف أو نقطة من شريعته.

الصلاة: أيها الآب، نشكرك ونعظّمك لأن المسيح أكمل الشريعة بمحبته وحكمته وهو الشريعة المتجسد. اغفر  لنا تقصيراتنا وآثامنا العديدة. علّمنا التأني والرحمة في قوة روحك، لكي نسلك كما سلك المسيح، ونعيش بدوافع قوته، حسب شريعة الروح المتمركزة في قلوبنا.

السؤال 54 : كيف نحفظ شريعة  الله؟

أ- المعاملات

تحريم القتل هدفه المصالحة

(5: 21-26)

5: 21  قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. (22) وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ. (23) فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأََخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ، (24) فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَّوَلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ. (25) كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ. (26) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ الْفَلْسَ الأََخِيرَ!           (خر20: 13؛ 21: 12، مر11: 25؛ 18: 23-35، لو12: 58-59، 1يو3: 15)

أثبت المسيح بسلطانه أحكام شريعة موسى بأكملها. ووضعنا في نوره الساطع كاشفاً نوايا قلوبنا. لم يقدم لنا تفاسير فقهية لدستور ملكوت الله، ولم يصف مبادئ الإيمان وعقائده، بل جعل المحبة هي المقياس لحياتنا اليومية. إن المحبة هي تكميل الشريعة، والبر الأساسي لملكوت السماوات.

طبيعي أن القاتل يستحق الحكم والقصاص الصارم في دنيانا، وسيختبر غضب الله في الدينونة الأخيرة، ويعيش مضطرباً وبلا راحة إلى الأبد، إن لم يتب ويبرره المسيح.

يخبرنا المسيح أن التسرع في الغضب هو قتل بالقلب وبالتالي يكسر الوصية السادسة. والمقصود بالأخ هنا هو أي شخص حتى وإن كان أقل منا، طفلا أو خادماً، لأننا خلقنا كلنا من دم واحد. الغضب عاطفة طبيعية وفي بعض الأحيان يكون شرعياً وممدوحاً، لكن عندما نغضب باطلاً يصير الغضب خطيئة. إن هذه الكلمة “باطلاً” في أصلها اليوناني تعني “بدون سبب” أو “بدون نتيجة مرضية” أو “دون حدّ الإعتدال”. إذاً فالغضب يصبح خطيئة إذا لم يكن هناك باعث حقيقي وقوي يحرّكه، أي إذا لم يكن هنالك سبب على الإطلاق، أو لم يكن هنالك سبب معقول، مثل غضبنا على الأطفال أو الخدم لأجل أمور خارجة عن طاقتهم ناتجة عن سهو أو خطأ، مما نقع فيه نحن بسهولة دون أن نغضب من أنفسنا. يكون “باطلا” إذا زاد عن الحد اللائق، إذا كنا نثور لدرجة الغليان، إذا كنا قساة في غضبنا، إذا أسأنا في غضبنا، إذا سعينا لإيذاء من نغضب عليهم. هذا كسر للوصية السادسة لأن من يغضب بهذه الكيفية قد يقتل إذا استطاع أو إذا كانت لديه الجرأة الكافية. لقد خطا قايين الخطوة الأولى للقتل، فقتله لأخيه بدأ بالغضب. من وجدت في قلبه أفكار القتل اعتبر قاتلا في نظر الله (متى15: 19).

لكن من يقول كلمة رديئة واحدة لأخيه الإنسان فهي قتل باللسان، لأن في ضميره نفس الدوافع لإفناء الخصم. حين يمتحن الله قلبك ماذا سيجد فيه، محبة أم بغضة؟ إذا قيلت هذه الكلمات وأمثالها بلطف ولغاية سامية، لإقناع الآخرين بتفاهتهم وحماقتهم فلا جرم في ذلك. يقول يعقوب “أيها الإنسان الباطل” (يعقوب 2: 20) وبولس يقول “يا غبي “( 1 كور15: 36) والمسيح نفسه يقول “أيها الغبيان والبطيئا القلوب” (لوقا 24: 25). لكن إذا صدرت عن غضب وحقد داخلي اعتبرت بمثابة دخان لتلك النار المضرمة من جهنم، بل اعتبرت قتلاً.

إن كلمة “رقا” تقال للتحقير وتصدر عن كبرياء. ولسان حال مرددوها يقول “أيها الإنسان الفارغ أو التافه”. ومرددها ينظر إلى أخيه لا باعتباره وضيعاً فقط لا يستحق الكرامة بل رذيلاً لا يستحق المحبة. إن الإنتقادات التي نوجهها للآخرين بخبث وشر هي “سم تحت شفاهنا” يقتل في الخفاء وببطء. والكلمات المرة هي سهام تجرح بغتة (مز64: 3) أو كسيف في العظام.

كم مرة شتمت إنساناً ملقّباً إياه حيواناً؟ تأكد أنك تستوجب الهلاك في لهيب الجحيم بسبب كل كلمة مثل هذه. إن الله محبة، ومن لا يحب مثله يخالف شريعته. وجميع النوايا غير المبنية على محبته تسقط، لأنها منسوجة بالأنانية. من لا يحب يكون قاتلاً في قلبه، وينال أجرة القاتل. لا تظن أن هذه الكلمات عبارة عن فلسفة وتخيلات، بل هي تفسير للدستور الإلهي من القاضي الديَّان بالذات. فأنت قاتل في عيني الرب، وفيك يدق قلب قاتل.

من كل هذا يُستنتج أننا ينبغي أن نحتفظ بالمحبة المسيحية والسلام مع جميع إخوتنا. وأننا في حال حصول أي تعد يجب أن نسعى للصلح والسلام بالإعتراف بخطايانا، والإتضاع مع إخوتنا وطلب الصفح منهم، وإصلاح الخطأ، أو تقديم الترضية اللازمة عن الإساءة التي صدرت بالقول أو بالفعل حسبما يقتضيه الحال، وأننا ينبغي أن نفعل هذا سريعاً لسببين:

  1. لأننا قبل أن يتم هذا، لا نستحق الإقتراب من الله في الفرائض المقدّسة.
  2. لأن الخدمات الدينية لا تُقبل أمام الله إذا تمت ونحن في حالة غضب. فالحسد والخبث والحقد وانعدام المحبة خطايا تغضب الله لدرجة أنه لا يرضيه شيء خارج من قلب مليء بهذه الخطايا. والصلوات التي تقدم في غضب، تكتب بالمر والحنظل (أش 1: 15، 58: 4).

هل تحب عدوك؟ إن أجبت بنعم، فبرهن على قولك واذهب إليه واصطلح معه في الحال. لا تقل بسطحية، إنه لا شيء بيننا، بل اذهب إليه ودق بابه وزُرْهُ. وإن أخطأت، ولو واحداً بالمائة في القضية التي بينكما، فتواضع واطلب أنت منه السّماح أولاً، لأن هذه هي طريقة محبة الله. كيف تستطيع أن تصلي لله وأنت تعيش في خصام مع إنسان؟ فالدينونة هي أكثر شدة على المصلين مما هي على الخطاة، إن لم يتغيروا، لأن الرياء أمام الله أنجس من الجُرم. ويل لك إن كنت تحمد الله وتبغض أخاك الإنسان! اطلب من ربك ليغفر كبرياءك ويقودك إلى الصلح الكامل.

الله محبة، وإن تمتلئ بمحبته يجعلك ابناً له رحوماً متسامحاً متواضعاً. إذا كنت لا تتجاوب مع غاية الله هذه، تسقط فريسة للروح المبغض القاتل منذ البدء. هل سمحت لله أن يذيب قلبك المتحجر؟ اذهب حالاً واصطلح مع خصمك، ما دمتما على قيد الحياة.

الصلاة: أيها الرب القدوس، من أنا؟ لست إلا قاتلاً مبغضاً رافضاً. اغفر لي أحقادي، وطهّر قلبي واجعله نقياً بدم ابنك الوحيد، الذي أحبنا حتى الموت رغم أننا أعداؤه. نلتمس منك أن تجدد قلوبنا بقدرة روحك القدوس، فنمتلئ محبة وعزماً، لكي نصطلح مع خصومنا ونعيش معهم في سلام على الدوام.

السؤال 55 : من هو القاتل حسب شريعة المسيح؟

منع الزنا يعني طلب الطهارة

(5: 27-32)

5: 27  قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. (28) وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. (29) فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. (30) وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.                     (خر20: 14، 2صمو11: 2، أيوب31: 1، 2بط2: 14)

المسيح هو المشرِّع الإلهي في العهد الجديد. لقد أظهر المعاني المستترة في الشريعة القديمة، وأوضحها بقداسة محبته. لم يترك واحدة من الوصايا، بل أكملها تعليماً وسلوكاً، وكان له الحق أن يُقر:” أما أنا فأقول لكم“. نجد في هذه الآيات تفسيراً للوصيّة السّابعة يقدمها إلينا نفس واضع الشريعة، لذلك فهو أليق من يفسره. تختص هذه الوصيّة بالنّجاسة، وقد وردت بعد سابقتها في ترتيبها المناسب. فالأولى وضعت كضابط للعواطف الخاطئة وهذه وضعت للشهوات الخاطئة. وكلا العواطف والشهوات يجب أن تكون خاضعة لإرشاد العقل والضمير، وكلاهما تأتي بأشرّ النتائج إذا لم يكبح جماحها.

أحب المسيح الساقطين في الخطيئة، ودعاهم إلى الخلاص. فلا يجوز لنا أن نحتقر أحد الخطاة، بل بالحري أن نحبهم. والناس عادة يشيرون إلى الفتاة الحاملة سفاحاً أو التي ولدت ابناً غير شرعي، مستنكرين عملها الشرير، غير عالمين أنهم أكثر شراً منها، لأن كل من ينظر إلى إنسان آخر بعين الشهوة، يُعتبر أمام الله زانياً. الناس مفعمون بالشهوات والدوافع الدنسة والأمنيات النجسة. كلنا فاسدون في نوايانا وأحلامنا. ليس أحد يعمل صلاحا ولا واحد. فاحذر من الرياء ولا تدعي أنك أفضل من الزانية المرفوضة والمحتقرة، بل اعترف قائلا: “اللهم ارحمني أنا الخاطئ“.

هل أدركت حقّاً أن كل إنسان خاطئ بطبيعته؟ لقد خاطب المسيح الخطاة بقوله “إقلع عينك المضلة من وجهك وارمها” فالمسيح عارف بنوايا القلب منبع الشر. جميعنا يحتاج إلى طبيب روحي يشفي قلوبنا الخداعة ويجددها.

لو قطعت يدك المشتهية، يبقى لسانك رغم ذلك ملوثاً بالإغتياب والنميمة. لم يتمم مشورة المسيح هذه أي واحد من الرسل، لكنهم حصلوا على قلب جديد وطهارة الروح القدس والعفة الإلهية. عندما قال المسيح “ اقلع عينك واقطع يدك “لم يرغب في ممارسة هذا الفعل بالمعنى الحرفي، بل أراد أن يكشف لنا حالتنا، ويظهر مدى الخطر المتربص بنا والمؤدي بكل واحد منا إلى جهنم.

إن جسدك دنس، ونفسك خبيثة منذ حداثتك. إنما دم المسيح قادر أن يُنقّي ضميرك من كل أعمال ميتة. وروحه القدوس ينشئ فيك النّيّة الصالحة، المتغلبة على شهواتك الملتهبة. فإن سقطت في الخطيئة لا تبق في أوحالها، بل قم والتجئ إلى ربك. وهو عالم بشوقك إلى العفة، ويسندك لنصر مبين على ذاتك. اثبت في المسيح، لأنه هو الطريق الوحيد إلى حياة طاهرة، وهو المخلّص الحق ومعينك الأمين الذي لا يحتقرك بل يحبك باستمرار.

أيها الرب القدوس، نظهر نجسين أمام طهارتك وقداستك، سامحنا على كل فكر نجس وكلمة رديئة وفعل مباح، طهرنا تطهيراً كاملاً. امنحنا قلباً نقياً بواسطة حلول روحك القدوس، اغفر لنا خطايانا لكي نسلك حسب إرشادك، ونتجنَّب المناسبات التي تقودنا إلى الدعارة والزنى. قدسنا إلى التمام حتى لا تفصلنا عنك. الصلاة:

السؤال 56 : كيف نتحرر من الدوافع التي تقودنا إلى الدعارة والزنى؟

5: 31  وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ (32) وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الّزِنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَّوَجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي.

(تث24: 1، مت19: 3-9، مر10: 4-12)

إن تطليق الرجل لامرأته بسبب بغضه لها، أو لأي سبب آخر، سوى الزنى هو كسر للوصيّة السابعة لأنه يفتح الباب للزنى. نجد في كلام المسيح استعماله عبارة “وقيل” وليس “قيل للقدماء” كالمرات السابقة، لأن هذه ليست وصيّة كالوصايا السابقة، ولو أن الفريسيين كانوا يريدون أن يفهموا بأنها وصيّة، لكنها كانت مجرد إذن.

لا يظن المطلق بأنه يستطيع أن يطلق زوجته بكلمة شفوية عندما يكون في حالة غضب، بل ليفعل ذلك بتروٍّ، بطريقة قانونية، كتابة، وبتصديق وتأييد بعض الشهود. إن أراد أن يقطع الرباط الزوجي فليفعل ذلك بمنتهى الدقة والحذر. هكذا كانت الشريعة تحذر من العَجَلَة في الطلاق، ولعل الطلاق كان نادراً جداً في بادئ الأمر، عندما كانت الكتابة قليلة الإستعمال بين اليهود. لكنّه كثر انتشاره على مرّ الأيّام. وبدلاً من الإلتجاء إلى الطلاق بالطرق القانونية لأسباب معقولة أصبح اليهود يكتفون بمجرّد الحصول على إذن به ولأي سبب.

أوجد الله في رحمته نظام الزواج من امرأة واحدة، ليخدم كل من الزوجين قرينه بمحبة مخلصة وإكرام متبادل. فليست الوحدة الجسدية هي الأهم في الرباط الزوجي، بل الاحترام والتقدير من كليهما نحو الآخر. والروح القدس يقدّس العلاقة بين الزوجين، إذا ثبتا في كلمة الإنجيل والمحبّة.

إذا زنى أحدهما فذلك ناتج عن انفصال روحي وهو سيضيّع الثقة والاحترام والخدمة والاهتمام. أما إذا عاشا في تقوى الله، فمحبته تُبارك حبهما، وتحفظهما في انسجام وتعاطف، إذا لم يكن يسوع رب عهد الزواج، فإن تجربة الزنى تتغلغل بأسرع مما تظن. إن المسيح هو الكفيل في الزواج، إن ثبت الزوجان فيه مخلصين، لأنه يعلّمنا الغفران والتسامح والصبر والاحتمال.

إن المسيح، له كل المجد، لم يفتح باب فصم العلاقة الزوجية؛ كبقية الأديان. فإذا انقطعت العلاقة الزوجية بسبب التنافر الروحي وبغض القلب، وفقدت الرغبة في التسامح، عند ذلك يدعو البعض، وهو فكر مضاد لوصية المسيح، إلى إمكانية الطلاق، مدّعين أنه أحسن الطرق وأفضلها للزوجين أن لا يعيشا معا في خصام. انه أيضا في مصلحة الأبناء لكي لا يصابوا بعقد نفسية تهدد مستقبلهم. هؤلاء يجهلون أو يتجاهلون قوة المصالحة والمحبة في صليب المسيح.

إن كل طلاق لغير علة الزِنى يُحسب زِنى، لأن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان. وبما أن الوحدة الزوجية لا تتم بالجسد فقط، بل في النفس بالدرجة الأولى، فإن المرأة تظل مرتبطة بزوجها الأول (أمام الله) حتى ولو تزوجت رجلاً آخر. ويل للطرف الذي يطلّق ولا يسامح، إنه المجرم الأكبر. كلنا مصبوغون بخطايانا، ونحتاج إلى غفران الله وتنقية شعورنا الباطن يومياً . والروح القدس يستطيع أن يشفي أمراضنا النفسيّة، ويطهّرنا. بدون روح المسيح لا نستطيع أن نمارس الزواج ولا الطهارة. لأن هذا الروح يكرم الخالق، ولا ينكر المبادئ الطبيعية.

أيها الرب يسوع نسجد لك لأنك عشت بيننا في كمال الطهارة، وروحك القدوس ضبط جسدك بالعفة الدائمة. اغفر لنا شهواتنا واعمالنا السيئة وأغرس فينا طهارة روحك القدُوس لكي نتواضع ونتسامح كما انك لم تدن الزانية بل صفحت عنها صفحاً. الصلاة:

السؤال 57  :  من هو الزاني حسب شريعة المسيح؟

منع الحلف يعني التكلّم بالصِّدْق

(5: 33- 37)

5: 33  أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ.(34) وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللّهِ، (35) وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ. (36) وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ. (37) بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ.                  (لا19: 12، عدد30: 3، مت23: 16-22، يع5: 12)

يفيض العالم بالكذب والخداع والمبالغة، وكل إنسان يداهن الآخر. الطلاب يغشون في امتحاناتهم. وتغلغلت جراثيم الخداع والغش في مجالات التجارة والسياسة، ومختلف نواحي الحياة الاجتماعية.

إن النجاسة الكبرى هي أن يحلف الناس بالله على أقوالهم الملتوية كاذبين، لشعورهم بضعف موقفهم. فالحلف في الحديث غالباً يدل على الكذب المبطن.

كثيراً ما يظن الناس أن الحق معهم، وأن أفكارهم عن الأشياء والناس صحيحة لا ريب فيها. لكن الله هو العليم بذات الصدور، العارف بنوايانا والأسباب الحقة التي وراء الأحداث. إن معرفتنا غير كاملة بل محدودة، وقراراتنا ليست سليمة بنسبة علو السماوات عن كرتنا الأرضية، وبنسبة عجزنا عن أن نخلق شعرة واحدة في رأسنا، أو أن نغيّر لونها!

لذلك يصعب على المرء أن يثبت بعض المرات موقفه وكلامه ولو أيَّد ادعاءاته بالقسم المبالغ. علينا الإعتراف أننا نجهل الحقيقة في بعض المرات، وبعدئذ نستمع لآراء الآخرين، ونستعد للتعلم من الأصدقاء حتى من البسطاء اختباراتهم النافعة عالمين أننا عبيد بطالون. أما المتعجرف والمتعصب فيحلف ظنا منه أنه واثق من نفسه. لكن المؤمن لا يعتبر التيقن في ذاته، بل يعتبر يقينه في الرب مخلصه.

يعلمنا الروح القدس أن ننطق بالصدق دائماً بتواضع وبدون مبالغة، ويرشدنا إلى تمجيد الله وإكرامه. هنا نجد الفرق المبدئي بيننا وبين الكاذبين. إنهم يستكبرون، مشتاقين للشهرة، كما استكبر أبوهم الشرير الشيطان أولاً، وخدع نفسه متخيلاً عظمته. لكننا نحن المؤمنين انكسرنا معترفين بضعفنا وذنوبنا، وتعلقنا بخلاص الله ونعمته، راجين إرشاده.

هكذا نتحرر من خدمة الوجوه ونخدم الجميع بالحق. فالمحبة بدون حق هي كذب، كما أن الحق بدون محبة شبيه بالقتل. فلنمرن أنفسنا على المحبة المبنية على الحق، ونقدم الحق بحكمة المحبة.

المسيح وحده  قادر أن يخلّصنا من كل كذب ومبالغة. من يدخل مدرسة الحق الإلهي، يتعلم رفض الكذب، حتى الأبيض، ولا ينطق باسم الله باطلاً، بل يكرمه بشهاداته الحارة، فيصبح لساننا صادقاً، وضميرنا مقدساً، لأننا لسنا أولاد أبي الكذب، بل أولاد المسيح الحق.

الصلاة: أيها الآب السماوي، ألسنتنا كاذبة. احرق منها كل المبالغة والالتواءات والأكاذيب. وعلّمنا التواضع لنصبح صادقين، بروحك القدوس. وأنرنا لنعرف الحق. وأرشدنا إلى كل الحق. واملأنا باسمك، لأنك أنت الحق الكامل، فنصبح صادقين في نوايانا وأفكارنا، ونسلك في الصدق والحق والعدالة.

السؤال 58 :  كيف نصبح صادقين، قولاً وعملاً وسلوكاً؟

الوداعة تغلب الانتقام

(5: 38- 42)

5: 38  سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. (39) وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَّوِلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً.

(خر21: 24، يو18: 22-23، رو12: 19-21)

وضع هذا التشريع لإرشاد القضاة في الأمة اليهودية إلى القصاص الذي يوقع في حالة تشويه أي عضو، وذلك لإرهاب الذين يفكرون في إيقاع أي أذى بالآخرين. من ناحيّة أخرى يكبح جماح الذين قد يساء إليهم لكي لا يفكروا في إيقاع أذى أشد بمن أساء إليهم. لم يقل التشريع “حياة بعين” أو “عضو بسن” لكن لا حظ التناسب “عين بعين” . . . والمفهوم ضمنا ( عدد35: 31) أن الخسارة في هذه الحالة كان يمكن تعويضها بالمال. لأنه إذا كان المشرع قد قال في الآية المشار إليها “لا تأخذوا فدية عن نفس القاتل المذنب للموت بل إنه يقتل” فالمفروض أن العاهات كان يمكن أن تفدى بتعويضات مالية.

أعلن المسيح جوهر الحق أنه محبة، لأنه هو في ذاته الحق المتجسد. كانت اليهودية لا تمنع أن ينتقم إنسان لنفسه، أما في العهد الجديد فالإنتقام خطيئة، لأن المسيح شرَّع شريعة المحبة التي تعطينا قوة الرحمة، وقوة التواضع، لنتنازل عن حقوقنا طوعاً.

يمنعنا الروح القدس يمنعنا من تنفيذ أفكارنا وأهدافنا البشرية بالعنف، إذ لا يسمح أن نحقق أمنياتنا باستخدام طرق ملتوية ماكرة، فالله محبة وهو لا يقبل عصياناً، وروحه بعيد عن فكر الانتقام، وهو ينبوع الصبر والاحتمال. لذلك ننتظر تدبير الله ونستسلم لهداه. ربما تساءلت، أليس هذا الموقف ضعفاً وفشلاً لإرادة الإنسان، ودَوْساً لحقوقه، مما يفتح الباب للشر أن يزداد؟

كلا! فالوديع هو الأقوى، إذا تغلّب على ذاته. أما المنتقم فهو الضعيف، لأنه سمح بدخول البغضة إلى قلبه. من يجازي عمل الشر بشر مثله، هو شرير مثل خصمه. أما من قابل الظلم بمحبة، فهو المنتصر على أنانيته. إن الحروب والخصومات لا تبني مجتمعنا بل تخربه وتسممه. لكن المحبة والثقة والتواضع والتنازل والصبر، كل هذه تفتح لنا باب الرجاء.

لا ينتظر المسيح منا دائماً تطبيقاً حرفياً لقوله: «من لطمك على خدك الأيمن، فحوِّل له الآخر أيضاً» لأنه عندما ضُرب أثناء المحاكمة أمام الرئيس حنان، لم يطلب من الخادم أن يضربه ثانية  (يوحنا 18: 22 وأعمال 23: 2). فالمسيح يوضح لنا أن حساسيتنا ينبغي أن تنسحق، إذا أردنا الدخول إلى ملكوت السموات. فتنازل عن حقوقك، ولا تدافع عن نفسك كثيراً. سلّم أمرك للرب، فيستلم هو المسؤولية عنك. والروح القدس يغلب نفسك الهائجة الثائرة. إن ضربك أحد فعلاً، ففكر: حقاً إنني أستحق الضرب لأجل آثامي المتعددة، التي عملتها في الماضي. الحمد لله قد حمل المسيح الوديع ضرباتي الأليمة عوضاً عنِّي على الصليب.

أيها الآب السماوي، أنت الحق المبني على المحبة، قررت أن تقاصص كل خطيئة وخاطئ، لكنك احببتنا فوضعت كل خطايانا على ابنك ليتألم نيابة عنا. حررتنا وسامحتنا لأن ابنك دفع ومات عوضا عن الجميع، فيجب علينا أن نسامح خصومنا بشكل مطلق، لأن المسيح حمل خطاياهم وقصاصهم أيضاً. ساعدنا على المغفرة المطلقة، لكي لا نحقد على من يسيء إلينا.الصلاة:

السؤال 59  : كيف حررنا المسيح من حق الإنتقام والقصاص؟.

5: 40   وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضاً. (41) وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. (42) مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.

(1كور6: 7، عب10: 34)

يحررنا المسيح أيضاً من تشبثنا بممتلكاتنا الفانية، لأنه عاش بيننا قنوعاً فقيراً متواضعاً. وهو يخلقنا اليوم على صورته. لقد تمت غايته هذه في اختبار نجَّار عاد من بيته ذات يوم بعد أن كان في حلقة صلاة مع إخوته المسيحيين، فشاهد سارقين يحملان أخشاباً من مصنعه. فغلب هذا النجَّار نفسه وساعدهما وأضاف إليهما بضاعة أخرى. وأخيراً رافقهما إلى السيارة، مما حملهما على الظن أنه لص يريد الاشتراك في الربح. لكنهما دهشا بخجل عندما أخبرهما أنه صاحب المصنع. وقد قابل سرقتهما بتواضع ومحبة. فاستحى أحدهما من نفسه وتاب وسلَّم نفسه للمسيح معترفاً بذنوبه. لا تنس أن المسيح يرغب في تحرير قلبك من حقوقك وأموالك، إلى تضحية حبية وخدمات صامتة. ان ما تملكه من عقارات وأرصدة لا يؤمِّن لك المستقبل، بل عناية أبيك السماوي.

خلاصة هذا أن المسيحيين ينبغي أن لا يكونوا محبين للمشاكل والقضايا، بل أن يحنوا الرأس أمام الإساءات البسيطة ولا يلتفتوا إليها. إذا كانت الإساءة مما يستلزم طلب التعويض فيجب أن يكون ذلك لغاية شريفة وبدون التفكير في الإنتقام. وإذا كان الواجب يقضي علينا أن لا نتسبب في أن يسيء الآخرون إلينا ينبغي أن نتقبّل الإساءة بترحاب سيما عندما تأتينا بسبب تأديّة واجبنا، وينبغي أن ننتفع منها. وإذا قال قائل إن لحماً ودماً لا يقدر أن يتحمل هذه الإساءات فليتذكّر “أن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله”               (1كور 15: 50).

ويربينا الروح القدس لنعطي بحكمة وسخاء من قوتنا ومالنا كي لا نطمع بل نساعد غيرنا. لم يطلب منَّا أبونا السماوي الصدقة والصوم والصلوات، شرطاً لخلاصنا. إنما هو المُحب والمُعطي مجاناً، يباركنا ويخلّصنا مع جميع الذين يقبلون لطفه الكريم. قصده أن نصير نحن أيضاً ينبوعاً فائضاً لنعمته، فنقرض المحتاجين بلا فوائد –ربا- ، ونرفض حب المال، ونعظم اسمه بحياة التضحية.

لنكن مستعدّين بأن نقرض، والتي هي في بعض الأحيان خدمة جليلة وعمل من أعمال الرّحمة كالصدقة. لأنها لا تسد الضرورة الحالية فقط بل تلزم المقترض بالتدبير والنشاط والامانة. ولذلك من أراد أن يقترض منك شيئاً يقتات به أو يتاجر به لا تردّه خائباً. لا تتجنّب أولئك الذين تعرف أنهم سيطلبون منك هذا الطلب، ولا تدبر الأعذار التي ترد بها طلبهم. اجعل الإتصال بك سهلاً لكل من أراد أن يقترض منك. إذا كان خجولاً أو لا يجرؤ على كشف حالته أمامك وطلب المساعدة فإنّك تعلم حاجته وتعلم رغبته ولذلك قدّم له المساعدة بقدر الإمكان وبكل حكمة.

الصلاة: أيها الآب السماوي، أنت الصبر والمحبة، وابنك هو الوديع اللطيف المتجسد. اغفر لنا عصياننا وحساسيتنا الزائدة، وأمِتْ أنانيتنا لنتقوى إلى تضحية وتنازل. نحتمل الخطاة ونغلب قلوبهم للتوبة بالمحبة، لكي يتصرفوا أيضاً كأولاد روحك القدوس.

السؤال 60 :  من هو المتحرِّر من ذاته؟

بُغضة العدو تستبدل بالمحبّة

(5: 43- 48)

5: 43  سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُّوَكَ. (44) وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، (45) لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. (46) لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟ (47) وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هكَذَا؟  (48) فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.           (خر23: 4-5، لا19: 2؛ 18، رو12: 14-20)

لم يرد في العهد القديم تعليم بوجوب بغضة العدو، إلاَّ أن الفريسيين والكتبة استنتجوا من سفر         (اللاويين 19: 18) أن الوصية بمحبة القريب تستلزمهم بغضة العدو، لأن قوانين القبائل تتطلب حفظ الحقوق والتمسك بالشرف والإبتعاد عن العدو.  لكن المسيح حطَّم قالب القومية، وشمل كل الشعوب بمحبة الله، ودعانا لاتِّباعه. فإيمانك بالمسيح يظهر من محبتك لخصمك، وليس فقط باحتماله. ليست محبة العدو فضيلة إنسانية، بل هي أسمى من ذلك، ومستحيلة التطبيق على الإنسان الطبيعي.

 إذا أراد أحد أن يحب صديقه، عليه أن يترك أنانيته ويفكر بالمحبوب، مهتماً به اهتماماً عملياً. كم بالحري إذا طلب ربك منك أن تحب عدوك؟ ولولا أن الشركة الروحية بين المسيح والمؤمن ثابتة، لما استطاع أحد أن ينفذ هذه الوصية. فشكراً لمخلّصنا، لأن روحه الذي يقودنا يغلب بغضتنا، ويساعدنا لنحب الجميع. لكن احذر، فما دمت في غضب على أحد أو على جماعة معينة، لا يكون روح الله قد غلب دوافعك الشريرة.

  • صلِّ لأجل مضطهديك. هذه هي الدرجة الأولى في تحقيق محبة العدو. حدث أن رجلاً أساء إلى رجل وعائلته، مما سبب خراب مستقبلهم. لكن روح الله دفع المظلوم إلى الابتهال لأجل خصمه فطلب من ربه باستمرار البركة عليه، أكثر من بركته على عائلته الخاصة.  يريدك الله أن تبارك خصمك، بواسطة دعوات قلبك الفرحة.
  • إذا تحررت من الحقد، وأنزلت بصلواتك البركة على خصمك، تستطيع زيارته. وإذا وقع في ضيق فساعده بطريقة لا يلاحظ بها عونك، كي لا يخجل منك. ضحّ بالكثير لتخلّصه وبيته جسداً ونفساً وروحاً، حتى ولو لم يقبلك واستمر برفضك، لأن الله يعاملنا نحن البشر هكذا رغم عصياننا.
  • فلن تكون حالتك أفضل مما حصل لله وابنه، وكما رفض البشر محبة وذبيحة ابنه باستهزاء، ربما لن يقبلوا محبتك ولن يثقوا بك، بل سيردون بالإهانة على محاولاتك مساعدتهم، وسيشكونك إلى السلطات ويتهمونك بالمكر والشر، لأن روحاً غريباً يعمل فيهم. أما أنت فقد أصبحت إبناً لسلام الله وتفهم بعض الدوافع التي في الآخرين. اطلب من أبيك السماوي خلاصهم من خبثهم وأغدق عليهم بالمحبة كما أحبنا الله، وهو القدير على غلبة قلب عدوك، ويسحق فؤاده المتحجّر.
  • الله محبة، وقد دعانا ليرشدنا إلى إكمال الرحمة، ان دعوته إلى الكمال تقودنا إلى الإنكسار، فنعترف ببطلاننا وفشلنا في محبة عدونا، عند ذلك يعطينا الله حصة من كماله ويغفر لنا خطايانا بدم ابنه. إن هذا التطهير كامل لأنه لا توجد طهارة أعظم من الغفران بالمصلوب. وختاماً لتبريرك المجاني سكب الله محبته الكاملة في قلب المؤمن. فليس المسيح فيلسوفاً نظرياً، يتكلم عن مُثُل عليا غير ممكنة التطبيق، بل هو كامل في ذاته، يهبك في عربون روحه القدوس مسحة الكمال الظاهرة في محبتك للعدو.
  • لا شك أنه ليس في وسعك أن تكون كاملا من تلقاء ذاتك، لكنه ممكن في شركتك مع الله الآب واولاده. لأن جوهر المحبة يتطلب الشراكة لا الإنطوائية. هكذا أعلن الله نفسه أبا ليسوع. فعلى المؤمنين أن يحبوا بعضهم بعضا في وحدانية المحبة الطاهرة القدوسة ويغفروا لبعضهم البعض. فالمحبة هي السر في وحدة الثالوث الأقدس، إذ أن كل شخص يحب الآخر في وحدة كاملة. هل تجتمع مع المؤمنين في صبر المسيح ومحبته العظمى؟ كيف تظهر فيكم محبة الله الكاملة؟
أيها الآب نشكرك لأنك دعوتنا بابنك لنصبح كاملين مثلك. لكننا عُصاة خطاة مجرمون. أما محبتك فترفعنا من وحل خطايانا إلى مستواك بواسطة تطهيرنا بدم يسوع، لنكون طاهرين بالكمال. وروحك القدوس هو عربون كمالك. اجعلنا أن نحقق المحبة تجاه أعدائنا وخصومنا، لكي يكمل فرحك فينا.الصلاة:

السؤال 61 :  كيف نقترب من كمال الله ؟

من يتعمق في وصايا المسيح المذكورة أعلاه، يلاحظ أنه لا يتكلم كثيراً عن تعدي الخاطئ على شريعة موسى، ولا عن العقوبات المفروضة عليه. هذه المبادئ كانت مكتوبة في التوراة منذ ألف سنة، ولا حاجة لإعادتها أو تكرارها مرة أخرى.

جاء المسيح ليتمم شريعة موسى. دخل كطبيب نفساني إلى أسباب الخطيئة، وكشف النيات في الإنسان الخاطئ، فلا يقصد المسيح أن يقاصصنا بل أن ينجينا من الدوافع التي فينا والمسيطرة علينا والتي هي من متطلبات الشريعة، وأن يقدسنا إلى التمام. لذلك يجدد نوايانا ويغير مقاصدنا وينشئ فينا المحبة، ويقودنا إلى الطهارة والعفة. ليست شريعة المسيح مخفية أو ضاغطة على الإنسان ولا يريد تربية الخاطئ بالقصاص وتحطيمه من خلال العقوبات، بل يقصد أن يغيرنا إلى صورته وإلى صورة أبيه السماوي، ليتم هدف الخلق فينا “خلق الإنسان على صورته على صورته خلقه“(تك 1: 27) يحب المسيح الخاطئ ويطهره، لكن يرفض الإثم رفضاً كاملاً ويكشف لذلك أسرارنا السيئة، وحمل –لأجل ضعفنا – ذنوبنا على قلبه واحتمل دينونتنا الصارمة ليكمل في ذاته المحبة المطلوبة منا، وسكب روحه القدوس في قلوبنا على أساس كفارته لينشئ فينا فكراً جديداً ولكي نحب بعضنا بعضاً مثل ما أحبنا هو.

فخلاصة الشريعة هي المحبة، لأن الله محبة وينفذ المسيح شريعته فينا بتغيير نوايانا ويمنحنا قوة الروح القدس لنتمم شريعته. هكذا صلى النبي داوود، فقال: “قلباً نقياً أخلق فيَّ يا الله وروحاً مستقيماً جدِّد في داخلي“.

السؤال 62 :  ما هو الفرق الجذري بين شريعة موسى وشريعة المسيح؟

ب- العبادات

(6: 1- 18)

الصَّدَقة في الخفاء

(6: 1-4)

6: 1  اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (2) فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَّوِتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! (3) وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، (4) لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.

(1كور13: 3؛ 25: 37-40، رو12: 8)

كان متى موظفاً في الجمارك الرومانية في كفرناحوم، وأصبح خبيرا في طريقة تحصيل الضرائب، والكشف على خداع التجار والمسافرين. أدرك أن الناس يحبون أموالهم وأنهم مرتبطون بها، لذلك افتتح بكلمات يسوع عن العبادات، أنه ينبغي أن يتبرع الأتقياء لله، إذ كان يظهر له إخلاص الحامدين بالتضحية بأموالهم.

لم يتكلم يسوع كثيراً عن قيمة وفضل التبرعات المفروضة على المؤمن، بل شدد على كيفية وطريقة تقديمها، وركز على نية العطاء والتبرع بالمبلغ ذاته. فلماذا نتبرع وكيف ؟

لم يطلب المسيح من أتباعه تقديم العشر، بل بالأحرى ركز على التضحية النابعة من القلب الحنون بدافع المحبة، كما بذل نفسه بالكامل من أجل الخطاة. هكذا كان يتوقع من أتباعه أن يشتركوا في مسؤولية الكنيسة حسب محبتهم وطاقتهم. فالنية أبلغ من العمل، ومن يحب كثيراً يضحي بالكثير حسب ما يملك، ومن لا يحب يبقى بخيلاً. إن الأرملة المحتاجة قدمت كامل أجرها اليومي. كان المبلغ  زهيداً، لكنه أجر عظيم عند الرب، إذ أعطت أكثر من الغني الذي قدم العشر فقط من الفائض من أمواله. إن الرب ينظر إلى القلب ويريد أن يحرر المتكلين على أموالهم من صنمهم الذهبي. هل تستطيع محبتك لله والناس أن تحررك للتضحية الملموسة بغية نشر الإنجيل ومساعدة المحتاجين. روح الرب يدفعك كي تقدم علانية وسراً عطاياك للرب، فالعطاء ليس واجباً في المسيحية، بل هو امتياز للتعبير عن المحبة القلبية. فالصدقة تسمى صدقة، لأن بها يظهر النمو الروحي في المُعطي.

عالج المسيح موضوع تقديم الصدقة سراً، دون أن يعلم أحد بهذا العمل ودون تسجيل المبلغ والإسم في سجلات المتبرعين حتى يعلم الجميع بذلك؟ ان كل من يبرز نفسه ويتوقع الشهرة من البشر على عطاياه قد فقد البركة الإلهية. كان يسوع يحث تلاميذه أثناء تقديم صدقتهم أن لا يعلم أفراد الأسرة بذلك ولا اليد اليسرى ما تنفقه اليمنى حتى لا يتكبر المعطي بعد عمله هذا.

عندما تعطي صدقة، “لا تجعل شمالك تعرف ماتفعله يمينك“. لعل هذا يشير إلى مكان وضع صندوق الفقراء الذي كانت توضع فيه التقدمات والذي كان يوضع على اليمين عند دخول الهيكل، لكي توضع فيه التقدمات باليد اليمنى. أو لعل إعطاء الصدقة باليد اليمنى يشير إلى ضرورة الإستعداد لتقديمها والعزم على إعطائها، بنيّة صادقة وليس بغرض ملتو. واليد اليمنى قد تستعمل في مساعدة الفقراء برفعهم من سقطاتهم، بالكتابة إليهم أو من أجلهم، بتضميد جراحاتهم، وبطرق أخرى خلاف تقديم الصدقة إليهم. لكن مهما يكن عمل الرّحمة الذي تقدّمه إليهم فلا تعرف شمالك ماتفعل يمينك، اجعله في طي الكتمان على قدر ما تستطيع. اعمل الرحمة لأنها عمل حسن لا لكي تعطيك صيتاً حسناً. وكما يقول أحد الأمثال “ينبغي أن يكون الباعث لنا في كل تصرفاتنا مراعاة الشخص الذي نقدم له المساعدة لا الشخص الذي يراقبنا”.

إن هذا يعلمنا أن لا نعرِّف الآخرين مانفعله، بل حتى أولئك الواقفين “على يسارنا” أي القريبين جداً منا. ويعلمنا أن لا ننظر إلى هذا العمل لنفتخر، فإن اليد اليسرى جزء منا. يجب ان لا نمتدح أنفسنا أو نعجب بأنفسنا. إن الغرور بالنفس، والإعجاب بالنفس، وعبادة النفس، هذه كلها هي من أنواع الكبرياء، وهي خطرة جداً كخطر التفاخر والتظاهر قدام الناس. إن الذين ينسون أعمالهم الصالحة يتذكّرها الله لمجدهم وكرامتهم.

هل نقدم تبرعاتنا لننال بركات أكثر أو أجرة ملموسة في الفردوس؟ ليس إلهنا إله تجارة ولا يعطي فوائد عن الصدقة من البنك السماوي! فقبل أن نقدم له عطايانا، بذل ابنه لأجلنا كاملا. فالرب هو أجرتنا. ولا نضحي لكي ننال الخلاص، بل نتبرع لأننا قد نلنا الخلاص بالفعل، فنقدم ذواتنا وأموالنا للآب والإبن بإرشاد الروح القدس. إن نيَّة التقديمات في المسيحية هي الشكر والحمد لأجل الخلاص المعطى لنا مجاناً.

يعمق إعلان اسم الله الآب اساليب الصدقة، فهل يمكن أن يقدم الأولاد صدقة لأبيهم؟ كلا، بل يقدمون له رموزاً لشكرهم، ويشركونه في الغلال التي أعطاهم من ملئه. ليس إلهنا محتاج إلى تبرعاتنا، إنه الغني المعطي. لكنه يسمح لأولاده أن يقدموا له نتائج الفلاح، ويشتركوا في نشر الإنجيل، ويساعدوا الفقراء بحكمة. لقد وضع الرب علينا مسؤولية كبرى حتى نشترك في مسؤولية الكنيسة باستمرار. فمن يتحرك ويعطي بفرح وخفاء؟

كان بعض الأغنياء من اليهود يدفعون تبرعاتهم جهراً، ليخرج الموكب بأسمائهم وتبوِّق لأجلهم الأبواق وتضرب الطبول. لكننا اليوم نضحِّي لله بحياتنا بالخفاء، وبلا كلام ولا تبويق. ضحِّ إذاً لربك بمالك، ولا تخبر أحداً عن خدماتك. أنت للرب والرب لك.

أيها الرب السماوي، أشكرك على صبرك علينا، سامحنا لأجل ريائنا وتضحياتنا الضئيلة. علمنا أن نقدم حياتنا كلها شكرا وحمدا لك، لكي نساعد المساكين والمرضى والمحتاجين باستمرار. بارك الذين يطلبونك والذين لا يعرفونك. علمنا السكوت عندما نقدم صدقاتنا وثبتنا على التواضع ونكران الذات. ساعد أعضاء كنيستنا أن يشتركوا باستمرار في الأعباء المالية المفروضة عليهم.الصلاة:

السؤال 63 : كيف ينبغي أن تتم الصدقة المقبولة في نظر الآب؟

الصلاة في العزلة

(6: 5- 8)

6: 5 وَمَتَى صَلَّيْتَ فََلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! (6) وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. (7) وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ  تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.(8) فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.                                                                     (إشعياء 1: 15)

لكل دين طقوس خاصة لممارسة الصلاة. فالصلاة ركن من أركان الدين. رفع اليهود أيديهم ليتلقوا بركة الله الهابطة عليهم مباشرة. كانوا أحياناً يصلّون جهراً في الطرقات والأزقة ليتباهوا بتقواهم. أما نحن المسيحيين فليس لنا تنظيم روتيني معيَّن للصلاة، لأن المسيح حررنا من الطقوس والأشكال. فلسنا عبيداً في نظر الله. نحن أبناء نتكلم مع أبينا السماوي، سواء في جلوسنا أو مسيرتنا أو وقوفنا أو سجودنا. فجوهر الصلاة هو التكلم مع الله كما يتكلم الأبناء مع أبيهم، مقدمين له الشكر والحمد والاعتراف، الاستغفار والدعاء والابتهال لأجل الآخرين.فكما تتكلم مع أبيك الجسدي، هكذا بالأحرى تتكلم وتعبّر عما يراودك أمام أبيك السماوي.

في الصلاة نحن نتعامل مع الله مباشرة أكثر من الصدقة، لذلك ينبغي أن نكون أكثر إخلاصاً، وهذا ما يرشدنا إليه المسيح في هذه الأعداد. من المسلّم به أن تلاميذ المسيح يصلّون. فحالما تجدّد شاول قيل عنه “هوذا يصلي” إن استطعت أن تجد مخلوقاً حيا لا يتنفس استطعت أن تجد مسيحياً حياً لا يصلي.

عموماً نحن لا نصلي جهراً، فالذي لا يصلي في الخفاء لا يصلي مع الجماعة، لأننا لا نصلي للناس بل لله وحده. فأبوك السماوي يسمعك دوماً، ويعرف حاجاتك قبل أن تطلبها منه. أثناء الصلاة تزول خطاياك وأمنياتك الباطلة، وشهواتك المثيرة، وتدرك حضور الله معك. من المستحسن الركوع، لكن الذي يخلصك هو ايمانك وليس حركاتك الظاهرة، ولك الحق بالسجود كما فعل المسيح في جثسيماني. لكن الله لا يخلّصك لأجل سجودك، بل لأنه يحبك وبذل ابنه الوحيد لأجلك قبل أن تسجد له.

إن رغبت في الصلاة فانعزِل في مكان خفي هادئ وأغلق عليك بابك، واسكب بين يدي أبيك ما في قلبك من هموم وأثقال. إن لم يكن لك غرفة خاصة فانطلق إلى البرية، وتكلم هناك إلى أبيك السماوي فهو يستمع لك. لا تستطيع الحياة بدون صلاة، لأنه كما أن جسمك لا يحيا بدون تنفس، هكذا نفسك لا تحيا بدون صلاة. صلِّ عدة مرات في اليوم، مع التأمل في الكتاب المقدس، لتصبح صلاتك رداً على كلمات أبيك إليك. إن كنت لا تحب الصلاة وتمتنع عن قراءة الإنجيل فإنك تشرف على خطر كبير، لأن هذا يعني أنك لا تحب أن تنفرد مع الله. ألا تشتاق أن تتحدّث مع أبيك السماوي؟ إنه ينتظر كلماتك وشكرك وثقتك ويغفر خطاياك.

كان الفريسيون يصلون إلى الناس أكثر مما يصلون إلى الله. ومهما كان شكل صلواتهم كانت غايتها إلتماس المدح من الناس ونيل رضاهم. أما أنت فصلِّ إلى الله وفي هذا كل الكفاية لك. صلِّ إليه كأب بل كأبيك، وهو كأب مستعد أن يسمع وأن يستجيب، وهو يميل أن يشفق عليك وأن يعينك ويعضدك. صل إلى أبيك  الذي في الخفاء.

لا يحذرنا المسيح من كل تكرار، بل من التكرار الباطل، إذ أنه يكون عن كبرياء أو عن عقيدة خرافية، أو عن عقيدة بأن الله يحتاج إلى إطالة الكلام لكي نعلمه بحاجياتنا، أو لكي نقنعه بعدالة طلباتنا، أو عن غباوة ووقاحة، لأن البشر يميلون أن يسمعوا أنفسهم يتحدّثون. ليس المقصود هنا تحذيرنا من الإطالة في الصلاة فالمسيح صلَّى طوال الليل (لوقا6: 12). وصلاة سليمان كانت صلاة طويلة. في بعض الأحيان يقتضي الحال أن تكون صلواتنا طويلة عندما تكون مهمتنا غير عادية وعواطفنا ملتهبة. لكن التطويل في الصلاة لا يجعلها أكثر قبولاً لدى الله أو أكثر فاعلية. ليس المقصود أن يحذرنا المسيح من كثرة الصلاة، فإنّه أمرنا أن يُصلّى في كل حين، بل المقصود هو تحذيرنا من كثرة الكلام. ليس الخطر أن نصلي بروح الصلاة بل أن نردد الصلاة من الفم واللسان. هذا ماحذّرنا منه سليمان الحكيم “لتكن كلماتك قليلة” (جامعة5: 2) رزينة وبتعقّل “خذوا معكم كلاماً” (هوشع 14: 2)، “واختاروا كلاماً” (أي 9: 14) ولا تقولوا كل ما يخطر ببالكم لأول وهلة. إن السبب في ذلك أن الأمم كانت تعبد الله بوحي من نور الطبيعة، إذ ظنوا أن الله يشبههم تماماً واعتقدوا أنه يحتاج إلى كثرة الكلام ليفهم ما يقال له، أو يقبل طلباتهم كأنه ضعيف أو صعب التأثر. هكذا فعل كهنة   البعل إذ ألحوا عليه من الصباح إلى قبيل الغروب بتكرارهم الباطل قائلين “يا بعل أجبنا، يا بعل أجبنا” ويالها من طلبات باطلة. أما إيليا فإنه بصلاة هادئة رزينة وقوية، ومختصرة جداً، اقتدر أن يحدر ناراً من السماء أولا ثم مطراً (1ملوك 18: 26و 37). إن صلاة الشفاه صلاة فاشلة إذا كانت مجرد كلمات منمقة وبالغة.

إن الله الذي نصلي إليه هو أبونا بالخلقة وبالعهد، لذا ينبغي أن تكون احاديثنا إليه سهلة، طبيعية بلا تكلف. إذا احتاج الأبناء شيئاً من آبائهم لا يستخدمون أحاديث طويلة، بل يكفي أن يقول الإبن “رأسي، رأسي” (2مل 4: 19). فلنأت إليه بدالة البنين، بمحبة، باحترام، بثقة، وحينئذ لا تبقى ثمة حاجة أن نستخدم كلمات   كثيرة، بل يكفي أن نردد ما يعلمنا إياه روح  التبنّي.

اعترف للرب بذنبك، وقل شكراً يا أبي السماوي على كل عطاياك. اطلب المعرفة والقوة والحكمة، لتحقيق المحبة في حياتك. ليكن معلوماً عندك أن أباك يعرفك، أكثر مما تعرف نفسك.

هل تصلي؟ هذا هو السؤال القاطع لامتحان إيمانك، لأنه حيث لا تصلي فهناك تصبح نفسك وضميرك في مرض شديد. اعترف لربك بزلاّتك. واطلب تطهيرك وشفاءك كاملاً لتمتلئ بروحه القدوس، الذي يعلمك الصلاة المستجابة. آمن بمن تصلي، إن ربك يسمع ويستجيب.

 عندئذ يملأ فرح الرب قلبك، فتصلي ليس لنفسك فقط، بل لكل الذين وضعهم الرب على ضميرك.

أيها الرب السماوي، نشكرك لأنك سمحت لنا أن نسميك “أبانا”. علّمنا الصلاة المستجابة، وقدنا بروحك القدوس لكي نعظّمك ويسوع المسيح على الدّوام.الصلاة:

سؤال 64 : كيف نصلي لله صلاة مستجابة عنده؟

الصلاة الربَّانية

(6: 9- 13)

اعترف تلاميذ المسيح بأنهم لا يعرفون كيف يصلون لله كما يحق للعهد الجديد، لم يكن الروح القدس قد انسكب بعد في قلوبهم. فتقدموا إلى يسوع طالبين منه نموذجا للصلاة، فرحمهم وأشركهم في صلاته الخاصة العظيمة.

6: 9 فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ.

(حزقيال36: 23، لو11: 2-4)

لم يعلّمنا المسيح أن ننطق باسم الله ولا ندعوه بالرب القدير أو السيد ولا إله الرحمان الرحيم. كل هذه الألقاب موجودة في الأديان الأخرى، لكنه علّمنا الاسم الفريد لله، الذي يلخص غنى العهد الجديد بكلمة واحدة «أبانا». بديهي أننا غير مستحقين أن ندعو الله أبانا، ولا نستطيع أن نتقدم إليه تلقائياً، لكن المسيح نزل من السماء مولوداً من الروح القدس، وأشركنا في امتيازه الخاص، وأدخلنا في حقوقه، وحمل خطايانا عوضاً عنَّا لنصير مستحقين أن نكون نحن أولاد الله شرعاً بالتبني، وروحياً بالولادة الثانية.

من يتأمل كلام الرب يسوع المذكور في الإنجيل، يلاحظ بدهشة أنه في صلواته وأحاديثه مع تلاميذه، استعمل غالباً في كلامه عن الله، كلمة “آب” أو “أبي” أو “أبانا” تقريباً 187 مرة. لكنه حين كان يخاطب أعداءه أو يطرد الشياطين من الملبوسين كان يذكر اسم الله فقط. ولمَّا حجب أبوه وجهه عنه وهو معلَّق على الصليب صرخ: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟». في تلك الساعة كان يحمل في جسده خطايا العالم، فتحوَّل حنان أبيه إلى غضب ملتهب، لأنه ظهر كديَّان أزلي، ودان ذنوبنا في ابنه عوضاً عنَّا.

رغم أن الآب حجب وجهه عنه، فقد كافح يسوع مؤمناً، وتمسك بأبوّة الله، وصلى أخيراً قائلاً: «ياأبتاه، في يديك أستودع روحي». ومنذ ذلك الوقت يسكب الروح القدس علينا، لنصرخ بفرح: «أبانا الذي في السماوات» ويعلن هذا الروح سر أبوة الله للمؤمنين. لذلك نسبحه ونشكره بغبطة وحمد، لأن الآب السماوي سامحنا ومنح لنا الحياة الأبدية وأدخلنا إلى أسرته ودعانا أحبّاءه، وقبلنا خداما في ملكوت محبته. فليس علينا أن نخاف من الله مثل بقية الوثنيين، لأنه صار لنا حق القدوم إلى القدوس بدم المسيح في قوة الروح القدس.

إن أهم طلبة عند المسيح هي تقديس إسم الآب. فنحن متأكدون أن الآب السماوي قُدوس في ذاته، ولا يحتاج إلى تكملة قداسته بواسطتنا، إلا أنه أشركنا في هذا الإمتياز. لذلك نسبحه ونعظمه ونخدمه بفرح وسرور.

إنها أسمى غاية يمكن ان نهدف إليها، وهي الغاية الأولى والرئيسية التي ينبغي أن تتركز عليها كل طلباتنا. ينبغي أن تكون كل طلباتنا الأخرى خاضعة لهذه الغاية ومتمشية معها. “أيها الآب مجد ذاتك” في إعطائنا خبزنا كفافنا وفي مغفرة خطايانا وهكذا. إن كل شيء منه وبه فينبغي أن يكون له ومن أجله. في الصلاة ينبغي أن تتجه أفكارنا وأشواقنا نحو مجد الله الآب. كانت غاية الفريسيين الرئيسية من صلواتهم تمجيد إسمهم، أما نحن فإننا ينبغي أن تكون غايتنا الرئيسية تمجيد إسم الآب. فلتتركز طلباتنا نحو هذه الغاية ولنسترشد بها “امنح لي كذا وكذا من اجل مجد إسمك، وحسبما يتفق مع مجد إسمك”.

يرغب كل أب في هذه الدنيا، أن يعيش أبناؤه باحترام، يقدمون خدمات مهمة للمجتمع ويرفعون من قيمة ومكانة العشيرة. هكذا يتمنى المسيح أن نكرم أبانا السماوي بسلوكنا المقدس، ونأتي بثمار روحه، عندئذ يُمجد حتى غير المؤمنين أبانا الذي في السماوات على أبنائه وبناته المحترمين.

بما أن كل أب لا يصير كذلك إلا إذا كان عنده أولاد، نطلب هذه الطلبة أن يولد لأبينا السماوي أولاداً روحانيين شبيهين بالندى أثناء إشراق الشمس. فليتقدس إسمه الأبوي إذا  عشنا في قداسة وبر ومحبة.

أيها الآب، اسمك أحلى في حلقنا من العسل المُصفَّى. كنا خطاة وأصبحنا أولادك. نشكرك لمحبتك ولنعمة ابنك ولرحمة روحك القدوس. لأننا أصبحنا بفدائك الثابت أبناءك بالحق والجوهر. ضع   على قرانا ومدننا اسمك الأبوي، لكي يولد لك اليوم أولاد كثيرون، فيتعظم اسمك الأبوي القدوس.الصلاة:

السؤال 65 : كيف نقدس اسم الآب؟

6: 10 لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ                                                           (لوقا22: 42)

تشير هذه الطّلبة بوضوح إلى التعليم الذي كان يكرز به المسيح وقتئذ، والذي سبق أن كرز به يوحنا   المعمدان من قبل، والذي أرسل المسيح تلاميذه فيما بعد ليكرزوا به وهو “اقتراب ملكوت السموات“. إن ملكوت أبيكم الذي في السموات، ملكوت “المسيا” قد اقترب، فصلوا لكي يأتي.

خلق الله العالم كله وهو ملكه الخاص. لكن الناس عصوا ربهم وتركوه، كأنهم سرقوا أنفسهم من يده. ورغم هذا العصيان فانهم ملكه. وأنت أيها الأخ إنك تخص الله بكل معنى الكلمة.

لم يشأ الله أن يكون بعيداً عن ملكه، فأرسل مسيحه ليكون الملك في ملكوته، فشفى المرضى ورحم  المساكين، وكرز للمستعدين، وبكى على العصاة ومات عوضاً عنَّا. إن ملكوت أبينا مبنيّ على كفارة الابن الذي أهَّل الخطاة للدخول في حظيرته. ويحقق الروح القدس الملكوت الروحي في العالم بقدرته وتنظيمه.

إن هذه المملكة الإلهية مستمرة اليوم في أولاد الله. وكما أن ملكوته ليس من هذا العالم، هكذا نحن أيضاً غرباء في دنيانا، وسوف ننفصل عن هذه الدنيا إذا طلبنا تقديس اسم الآب.

بهذه الطلبة نرغب أيضاً في نشر ملكوته على الأرض، كي يتوفّر لطفه إلى كل الشعوب. فالآب السماوي يعطي امتيازاً لأولاده وكنائسه أن يبشروا بإنجيل الملكوت، مصلين أن يتحقق في دنيانا. إن الله محبة، ويشاء أن يمتلئ العالم بجوهره. إنه “يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون“. فهل تفكر بهذه المعاني الواسعة عندما تصلي: “ليأت ملكوتك“. ان قصد الله هو تحريك قلبك لتتشوق للتبشير الحكيم في محيطك وفي كل أنحاء العالم.

سوف يظهر ملكوت الرب بمجد عندما يأتي الملك ثانية ببهاء قدرته ليملك على ملكه، عندئذ ينتهي الخصام ويطرد الشيطان ولا يجد الموت حقا في اتباع المسيح. لذلك سنعاين أبانا السماوي، ونرجع إليه. هل ادركت عمق وهدف الطلبة الثانية من الصلاة الربانية؟ إن الملك الآتي يمنحك امتيازاً لتمهيد طريقه بالقول والفعل من خلال الصلوات والتبرعات لكي يحل ملكوت محبته على الأرض.

أيها الآب السماوي نعظمك لأنك أرسلت ابنك الملك إلينا، فرفضناه وصلبناه بخطايانا. هو فدانا وأهلنا لنصبح أعضاء في ملكوتك السماوي. نلتمس منك نشر هذا الملكوت الروحي في مدينتنا وبلادنا وبين عشيرتنا. تعال أيها الرب يسوع، نحن في انتظارك مع الذين يتألمون لأجل نشر ملكوتك. نشكرك لأنك تأتي لتعيدنا إلى أبينا السماوي الذي سنراه كما هو. الصلاة:

السؤال 66 :  ماذا تتوقع عندما تقول في صلاتك “ليأت ملكوتك”؟

6: 10  لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأرْضِ.                    (متى25: 34)

يُتعِب كثير من أهل الأديان أنفسهم ليعرفوا مشيئة ربهم. بذلك نشأت الشرائع والطقوس لتُعلِّم الناس تنفيذ أوامر الله، وفقاً لنزول الوحي. إن هذه السنن والشرائع تُطالب بشدّة: “اعمل هذا، وامتنع عن ذاك”.  وبالحقيقة لا يستطيع إنسان أن يتمم إرادة الله بدقة كاملة ولا أن يعرفها حقا، لأن البشر خطاة جاهلون.

شكراً لله الذي حررنا من حكم الشريعة الموسوية وثقلها المرهق، وأرسل لنا ابنه ليعلن لنا مشيئته الأبوية اللطيفة. هو لا يطلب منَّا أن نعمل شيئاً لإرضائه، بل هو العامل والمعطي والمبارك على الدوام. إنه الخالق والمخلّص الرحيم. لا يطلب منَّا عملاً مشروطاً ليقبلنا، بل يطلب أن ننفتح على خلاصه ونعمته ونقبل عمله الخلاصي، إنه مصدر كل العطايا. يشاء أن يرحمنا ويباركنا ويساعدنا. وأما إذا قصَّرنا في حفظ وصاياه فهو يشملنا بالغفران بواسطة نعمته وحبه الرّحيم. هل فهمت مشيئة أبيك السماوي؟ لا يطلب منك شيئاً، بل يشتاق أن يباركك ويخلّصك ويملأك بقوة روحه القدوس.أبوك السماوي يريد أن يهبك نفسه وروحه.

هكذا يظهر الفرق بيننا وبين سائر الأديان. فليس إلهنا متسلطا بل أباً حنوناً ومحبته رفعت عنا عقابه وأزالت من قلوبنا الخوف والرعب منه. لهذا نشكره بفرح ونفتش عن مقاصده لننفذها إرضاءً لمحبته العظيمة، ونؤمن أن روحه القدوس يقوينا لحفظ وصاياه تطبيقا لمحبته. فشريعتنا أصبحت ملذتنا وحياتنا.

نحن نصلي كي تكون الأرض أقرب شبهاً إلى السّماء بإتمامنا مشيئة الله، هذه الأرض التي صارت تشبه جهنّم بسبب سيادة مشيئة الشّيطان. نحن نصلي أيضاً لكي يكون القديسون كالملائكة القديسين في عبادتهم وطاعتهم. شكراً لله لأننا على الأرض ولسنا تحت الأرض.

نسجد لك أيها الآب لأنك دفعت إلى ابنك كل سلطان في السماء وعلى الأرض. هو ملكنا ونسجد له، ونطلب منك أن تحقق مشيئتك الأبوية في حياتنا كما أن ملائكتك تنفذ أفكارك. املأنا بمحبتك وادخل اصدقاءنا وأعداءنا إلى ملكوتك ليتقدس اسمك ويسلكوا طوعاً في شريعة محبتك.الصلاة:

سؤال 67 :  ماهي مشيئة الله؟

6: 11 خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ.

إن كياننا الطبيعي ضروري لخيرنا الروحي، في هذا العالم. فإننا بعد طلب ما يتعلق بمجد الله وملكوته ومشيئته، نطلب الأشياء الضرورية لهذه الحياة الحاضرة، التي هي عطيّة الله والتي ينبغي أن تُطلب منه.

لم يكن المسيح فيلسوفاً خيالياً، لكنه عاش إنساناً حقاً على هذه الأرض. كان له جسد، يجوع ويحتاج إلى العناية والاهتمام والراحة. عرف أن المريض والجائع والضعيف يصعب عليه تسبيح الله وخدمته بفرح. لم يحتقر المسيح الجسد البشري، لأنه جعله هيكلاً للروح القدس وطلب حفظه وتنشيطه.

لم يعلمنا يسوع أن نطلب الغنى والثروات، كي لا تمتلئ بطوننا بطراً وسكراً، ولم يرشدنا إلى ممارسة الزهد والتقشف، لكي لا نتوهم بأننا نستطيع تقديس أجسادنا بواسطة الضرب والجوع والعطش، إنما علّمنا القناعة لنصلي إلى أبينا: أعطنا كفاف الأكل والشرب واللبس، والعمل والراحة والسكن وضروريات الحياة، لأن كلمة «خبز» تشمل كل حاجات الإنسان الجسدية والروحية والنفسية. نحن لسنا حيوانات تكتفي بالأكل والشرب، بل إننا بحاجة إلى أصدقاء وكتب وفن وصحة. لذلك علَّمنا يسوع أن نطلب بتواضع وثقة كل ما نحتاجه لحفظ حياتنا ليس للمباهاة أو الرفاهية بل لنعيش لله وخدمته فرحين مكتفين بضروريات الحياة.

ألحَّ يسوع أن تخلو طلبات الصلاة الربَّانية من ضمير المتكلم المفرد «أنا»، ليحل محلها ضمير الجمع «نحن». لأن الروح القدس يعلّمنا الاهتمام والابتهال لأجل الآخرين. ليس الله هو أبي فقط، بل أبو جميع المؤمنين على السواء، فمحبته لا تقتصر عليَّ، إنما تشمل جميع الناس. والروح القدس يحررنا من الصلاة الأنانية فلا نطلب من أبينا خبزنا فقط، بل نطلب البركة لكل البشر، مع استعدادنا أن نشاركهم بمؤونتنا.

ليس الإنسان سيد حياته ولا مالك بيوته ولا رب وقته وعضلاته، لأنه مخلوق من الله، ومولود من أبيه السماوي. لهذا أنت ملك له، مع كل ما لديك. لقد أوجدك أبوك السماوي لخدمة المحبة، وهو ينتظر منك أن تشارك إخوانك بمواهبك، إذ لا يجوز لك أن تطلب من أبيك يعينك ويخلص نفسك فحسب إذا كنت لا تطلب نفس الشيء للآخرين. إن القاعدة لنجاحك هي أن تطلب أولاً ملكوت الله وبره، وهذه كلها تُزاد لك.

بما أن العمل المتواصل هو شرط لكسب الخبز اليومي، نطلب بهذه الطلبة من أبينا أن يعطينا نحن والناس عملاً شريفاً ووظيفة بعرق الجبين.

إن أبانا السماوي غني فوق الإدراك، لكن بسبب طمع أولاده وقساوة قلوبهم تتأخر بركاته عنّا. يعلِّمك  الروح القدس أن تصلي لأجل الجائعين والعراة في كل مكان، وبعدئذ اطلب الكفاف اليومي واترك الاهتمام بالغد، لأن أباك المُحب القدير يعتني بك.

أيها الأب السماوي، نشكرك من صميم قلوبنا لأنك لم تقاصصنا بالجوع لأجل خطايانا. اغفر لنا انانيتنا وعلمنا أن نقتسم خبزنا مع الجياع والمحتاجين. املأنا بمحبتك كي لا تشغلنا أية هموم بل نثق بك في حياتنا وموتنا ثقة ثابتة. امنحنا المال الكافي لنشر المطبوعات التبشيرية غذاء روحيا للكثيرين. كما نشكرك لكل عون وإرشاد منحته لنا، اعط كل محتاج عملا شريفاً ليخدمك باجتهاد ومواظبة. الصلاة:

السؤال 68 :  ماذا تشمل طلبة من أجل “الخبز اليومي”؟

6: 12 وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا.                 (متى18: 21-35)

طوبى للإنسان الذي عرف خطاياه واعترف بها. اطلب من أبيك السماوي أن يغفر لك أعمالك الشريرة، وآمن باستجابة صلاتك، لأن المسيح كفَّر عنك على الصليب. اقبل النعمة التامة في ضميرك، فيعزيك الروح القدس، ويؤكد لك سلام الله. اعترف بذنوبك بالكامل وآمن بغفرانها في المسيح، فتتبرر إلى الأبد. هل شكرت أباك في السماء لأجل الغفران المقدم لك على أساس مصالحتك مع الله في المسيح؟

هل تختص طلبة الغفران بالمجرمين والملحدين فقط، أم هي تشمل أيضاً أولاده المتبررين؟ إذا حلَّ الروح القدس فيك فإنه يكشف لك لجج شهواتك وأعماق مبالغاتك وكثرة نميمتك وسموم بغضك وجبل استكبارك. إن أبناء الله في أمسِّ الحاجة أن يطلبوا كل يوم وفي كل لحظة التقديس بدم المسيح. ليس إنسان طاهراً من تلقاء نفسه أمام الله، فذبيحة المسيح هي الأساس الوحيد لحياتنا معه. لا تعزية لضميرنا إلا بدم الحَمَل المذبوح لأجلنا، علما أن المسيح لم يعلم الصلاة الربانية للخطاة فقط بل قبل كل شيء علّمها لأتباعه الذين عرفوا ونطقوا بأن الله أبوهم. لهذا نطلب يومياً تطهيرنا من كل أفكار وأقوال وأعمال شريرة.

إذا تأكدت من غفران خطاياك، وتعزيت لأنانيتك المغلوبة، وتحررت بنعمة المخلص من أعمالك النجسة، ستكتشف في الطلبة الخامسة من الصلاة الربانية أن يسوع يقودك ليس أن تلتمس منه مغفرة آثامك الخاصة فحسب، بل أن تطلب منه أيضاً الغفران لأجل الخطاة الآخرين الذين تعرفهم. ليس أحد صالحاً، الكل يحتاج إلى المخلص الأمين. أنت مكلف أن تشمل كل متعد ومسيء إلى الشريعة في طلبتك. فكن أمينا في خدمتك الكهنوتية.

تكلم المسيح بهذه الكلمات بنفسه، وهو البريء المعصوم من الخطأ والإثم. لكن من فرط محبته أخذ كل ذنوب الدنيا على عاتقه وشفع فينا إذ قال في صلاته “واغفر لنا ذنوبنا!” لقد قصد المسيح بهذه العبارة، تلاميذه وشعبه وكل الناس. قَبِل ديوننا كديونه، واحتمل القصاص عوضا عنا. ما أعظم محبته المتواضعة، حتى اشترك القدوس في أوزارنا (2كور5: 21).

نشكر الرب يسوع لأجل هذه الطلبة الفريدة من نوعها، وهي أن يقر كل مصلٍّ أنه خاطئ ومستحق لدينونة الله. إن كل تائب ينطق بهذه الطلبة مؤمنا ومقتنعا لن يستكبر فيما بعد لأنه تواضع واعترف أنه مذنب مثل جميع الناس. إن هذه الطلبة تحررنا من الرياء والكبرياء إذا اعترفنا أننا خطاة متبررين بنعمة يسوع المسيح.

أين حمدك؟ وكيف تشكره؟ متى تعلن العفو العام؟

كيف يعرف الإنسان أن الخالق غفر له خطاياه، وكيف يتأكد بأن آثامه مُسحت نهائيا قبل حلول يوم الدينونة؟ كيف تتبرر أمام الله وملائكته تبريراً أبدياً؟ ليس لك يقين إلا في المصلوب يسوع المسيح! هو حمل الله الذي رفع خطيئة العالم. فهو نائبك في الدينونة وهو الذي تعذَّب عوضاً عنك. فكفارته برُّك. لقد صالح العالم بالله، ومن يؤمن به ينل الغفران المجاني والتبرير الأبدي.

إذا أردت أن تشكر المسيح لكفارته الشاملة ولغفران خطاياك النهائية، اغفر لخصمك كما غفر لك يسوع المسيح. فمحبته تتشكل فيك إذا أحببت أعداءك، وبهذا تختبر سر المغفرة في المحبة.

إن أباك يدعوك لتغفر لكل إنسان جميع أخطائه، تباركه وتصلي لأجله لكي يرحمه الله أيضاً. فثورة المحبة   الإلهية بدأت بموت المسيح على الصليب، وتتحقق يومياً بإيمانك وغفرانك لأعدائك.

إن لم تغفر لأعدائك كل ذنوبهم تُحرم نفسك من نعمة الله، لأنك بطلبتك في الصلاة تقول: اغفر لي تماماً  كما غفرت للمذنبين إليَّ. فإذا لم تنس آثامهم تكون قد تجاوزت قاعدة هذه الصلاة، كأنك تحكم على نفسك قائلاً: أيها الآب لا تنس خطاياي، كما أنا لا أنسى أخطاء الآخرين. وإن غفرت لهم ظاهراً فقط فكأنما تطلب من الله أن يعاملك بنفس الطريقة. فالحرف «كما» هو أخطر كلمة في الصلاة الربَّانية. لذلك تأكد من تطبيقها في حياتك فعلياً.

الله لا يطلب منك أعمالاً مستحيلة لتبرير نفسك، بل ينتظر منك أن تتجدّد وتصبح رحيماً كما هو رحيم. هذا هو مبدأ المحبة، ألاَّ تعيش لنفسك، بل تتشارك مع الآخرين غير المستحقين. إن جميع خطاياك مغفورة لك، لذلك اغفر لخصمك أيضاً كل أخطائه وتعدياته في حقك.

أيها الآب القدوس، نحمدك ونعظمك ونتهلل في روحك اللطيف، لأنك غفرت لنا ولجميع التائبين كل الذنوب بموت ابنك الحبيب على الصليب. نسجد لمحبتك ونطلب تجسدها في حياتنا. نبارك أعداءنا كما باركتنا وساعدنا أن نغفر لهم خطاياهم تجاهنا كما غفرت لنا بعظمة محبتك. الصلاة:

سؤال 69 :  ماهي الأسرار الموجودة في طلبة الغفران؟

6: 13 وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ.                       (1يو5: 4-5 و19)

لا يُضلّ الآب السماوي أحداً ولا يُدخله في تجربة ما، لأن محبته قدوسة تخلّصنا ولا تهلكنا. لكن إذا كان أحد أبنائه لا يتجاوب بجذب وتبكيت الروح القدس للطهارة والحق والمحبة ويبقى في العناء والإسكتبار، هناك يسمح الله للشرير أن يغزوه لكي يسقط في الخطايا والعار. هكذا يدرك أنه غير صالح في نفسه بل فاسد وشرير منذ صغره، فيبكي ويتوب ويرجع إلى أبيه، ملتمساً منه الغفران، وطالباً التغيير والتقديس الكامل.

يشاء أبوك السماوي أن يصيّرك على صورته. وقد وهب لك المسيح اسمه الخاص ويدعوك «مسيحياً» لتسلك ممسوحاً بروحه القدوس، قديساً في المحبة وفرح السلام والصبر اللطيف. وحيثما لا يتحقق أي جزء من فضائل أبيك فيك لقساوة قلبك لا يجد الله طريقاً آخر إلا أن يسمح بهبوب التجربة عليك مثل المرض والضيق والكوارث. إنه يؤدّبك لتتعقل وترجع نادماً طالباً خلاصك وتقديسك في قوته.

إذا طلبت لأجلك ولأجل كل المؤمنين التوبة المستمرة، والحفظ من التجارب ومن السقوط في الأخطاء، فإنك بهذا تطلب تغيير القلوب وتقديسها معاً. إن الرسول بولس، بعد تفسيره مبدأ التبرير مطوَّلاً في الرسالة إلى رومية، أوضح التقديس وتجديد أذهان المؤمنين، ليقدموا أجسادهم ذبيحة حيَّة مرضية عند الله ( رومية12: 1،2). فلابد من تهذيبك، لأن هذه هي إرادة الله قداستنا. والروح القدس يوبخك باستمرار ان تنكر نفسك المتعجرفة وتمتلئ بمحبة الله المتواضعة.

إن التجارب حولك عديدة، لأن الأفلام والدعايات والكتب والملابس وكل الحياة أصبحت صرخة واحدة ضد قداسة الله. من قلبك أيضاً تخرج أفكار شريرة مضادة لوصايا الرب. فكلنا نحتاج إلى الطلبة للحفظ من التجارب. فلنلفظها بوعي ونؤمن بما نقول في صلواتنا.

إن الهدف الأخير لكل تجربة هو عصياننا ضد مشيئة الله وخروجنا من عهده، والابتعاد عن الآب لنحيا في استقلالية عنه.

إن الشعوب المسيحية مهددة بخطر السقوط في التجارب المضادة للمسيح، لأن من يسمع الإنجيل ويؤمن به ويختبر قوته ولا يعمل بالتزامات محبة الله ولا يسلك في إرشاد روح الرب فإنه يقسي قلبه. لهذا تجد، بين الذين اختبروا نعمة العهد القديم والجديد، خطاة أشد خطيئة مما تجد في الشعوب التي لم تسمع بعد عن نعمة الله   على الصليب. انتبه ألا تقسي قلبك ضد صوت الله القدوس ولا تعارض جذب روحه إلى التسامح والعفة والحق.

لا تتخيل أنك قوي وذكي وحسن لأنك جاهل ضعيف وخبيث في الأمور الروحية. اعترف بعدم قدرتك أمام أبيك السّماوي وآمن بسلطان المسيح وحده، فهذا هو الطريق الذي غلب فيه ابن الله الشيطان قائلا:”لا يقدر الابن أن يعمل شيئاً من تلقاء نفسه” فالمتكبر يسقط فريسة لإبليس، لكن التائب المتواضع والمتبرر باسم المسيح والسالك في قوة روحه يَثْبت في رحاب ربه إلى الأبد، ويتحرر من شدة التجارب وسلطة الموت، لأن حياة الله ستدوم فيه بلا انقطاع.

لا تظن أنك تستطيع أن تتغلب على الشيطان، لأننا ضعفاء عاجزون أمام ملاك النور الساقط. اطلب من المسيح، غالب الموت وقاهر إبليس، أن يشركك في انتصاره. من يؤمن بيسوع المقتدر يكون واقفاً إلى جانب المنتصر. والمسيح يلقّب الشيطان بالشرير لأنه مصدر كل شر، لا يصدر عنه إلا الخراب والهلاك. يقف العالم في المعركة بين الله والشرير، بين الخير والشر. وكما أن أول كلمة في الصلاة الربانية هي الآب وآخرها الشرير، فحياتك تجري بين هاتين الكلمتين، المعبّرتين عن شخصية الله العظيمة، وشخصية الشيطان عدوه. فإلى من تلتجئ؟

لا تطلب لنفسك فقط الخلاص من قدرة إبليس ومكره، بل اطلب لكل البشر التحرير من قبضة الخبيث وقيود الظلمة، كي ينتقلوا إلى حرية أبناء الله. إن المسيح هو المنجّي القدير، ويفدي كنيسته المبتهلة من سلطات الظلمة المتربّصة. اطلب حلول الروح القدس على أصدقائك ليمتلئوا بالمحبة الحقة، لأنه بدون الروح القدس لا يستطيعون أن يعملوا عملا صالحاً.

عندما يأتي المسيح في المجد، نتقدم إليه بهتاف، لأنه بحضور ملكوته تنتهي سلطة الشيطان نهائياً. فلا يفصلنا عندئذ عن محبة الله، لا الموت ولا الخطيئة ولا التجارب. بهذه الطلبة الأخيرة نلحّ على مجيء المسيح سريعاً، ليظهر ملكوت أبيه علانية بقوة مجده. فهدف الصلاة الربانية هو تحقيق هذا الملكوت الأبوي، الذي يغلب كل القوى المضادة له.

أيها الآب السماوي، نسجد لك لأجل محبتك وخلاص ابنك ولأجل قدرة روحك القدوس. اغلب قلوبنا المتمردة وقدسنا إلى التمام. املأنا بفضائلك لكي لا نصبح فريسة للشيطان. كلنا فاشلون باطلون في الجهاد المقدس، لكن روحك القوي يحررنا ويطلق الكثيرين من سجن الظلم وينقلنا إلى ملكوت محبتك لنتعلم انتصارك على الشرير. الصلاة:

السؤال 70 :  كيف نتحرر من كل الشرور في حياتنا؟

6: 13  لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُّوَةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.        (1أخبار 29: 11-13)

إن تعظيم الآب في مجرى الصلاة الربانية هو جواب الكنيسة وشكرها وسجودها له.

  • يعترف المسيحيون أن أبانا السماوي هو مالك العالم، لأنه خلقه. هو حي ويملك من الأزل إلى الأبد. وحقه ثابت في كل الشعوب. حتى ولو لم تعترف بحقه.

إن الرأسمالية والإشتراكية اغترتا كثيراً، فالأملاك والمعادن والصحة لا يملكها لا الفرد ولا  الشعب بل هي ملك لله وحده. لذلك لا نسجد لإله المال، بل نقدم مالنا ووقتنا لأبينا السماوي ولا نتعلق بشيء فانٍ، إنما نتعلق بالأبدي الذي لا يزول.

  • إن الله قوي قوة بلا حدود. وكما أن الشمس ترسل أشعتها ليلاً نهاراً إلى الفضاء، ولا تقلّ قوتها النووية، هكذا يُشرق الله بمحبته على كل الناس ليجذبهم ويخلّصهم ويحفظهم، حتى إذا  لم يريدوا. فقوة الله أعظم من إدراكنا.نشعر أحياناً بهولها إذا زلزلت الأرض أو قصف الرعد وكل القنابل الهيدروجينية معا لا تُشكل أي شيء مقابل عظمة قدرة ضابط الكل. هل تؤمن بعمله وحكمته وحضوره معنا، وبأنه يريد خلاصك؟ إن القدير هو أبوك. فإلى متى أنت غافل عن إكرامه ومحبته؟
  • الله مجيد، لا يستطيع أحد على رؤيته لأننا فانون. فالإنسان الطبيعي لا يستطيع الدخول إلى ملكوت الله، بل يحتاج إلى خلق جديد وولادة روحية، وقيامة مع المسيح. بدون الولادة بكلمة الله و قوة الروح القدس لا يمكننا أن نرى مجد الله. لكن المولود جديداً من عنصر الآب السماوي سيكون مجيداً كالشمس. ليس ذلك من ذاته، بل بسبب قربه من الله المجيد، فيدرك أن لب المجد هو المحبة المقدسة، التي تبغي تغييرنا إلى صورة الله لنكون مجيدين كما هو مجيد. فليس المجد هو هدف الخلاص بل تغييرنا إلى سبب المجد ومصدره ألا وهو المحبة.

علمنا المسيح أن الله محبة في هيئة الآب، وأعطانا بهذه الصلاة الشهيرة كنزاً ثميناً أعظم مما تُدرك العقول، فهذه الصلاة في الحقيقة هي الصلاة الأبوية لأنها مرتكزة على شخص الآب لتمجيده وتقديس اسمه الأبوي. فهدف إعلان يسوع هو أن نعرف الآب ونكون أولاده ونكرمه بثقتنا ونتوق لمجيء ملكوته على الأرض.

  الصلاة: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ.  لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ.  خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا اليَوْمَ. واغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا،  كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. ولا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ المُلْكَ، وَالقُوَةَ، وَالمَجْدَ، إِلى الأَبَدِ.آمين 

السؤال 71:  كيف نعظم الله الآب؟

خُلاصة الصَّلاة الرَّبانية

إذا تعمقت في أهم صلاة في الكتاب المقدس، وحفظت كلماتها عن ظهر قلب، وصليتها من صميم فؤادك، تكون قد اقتربت من أبيك الذي يهتم بك ولن يتخلى عنك. ماذا فهمت وأدركت من هذه الصلاة النموذجية؟ هل أصبح الله القدير أباك السماوي في حياتك وإدراكك؟ هل تتكلم معه شخصياً؟ هل أصبحت من أولاده الأحباء؟ أم لا تزال بعيداً عنه؟ هل تشكر اسم الآب بإيمان ثابت وثقة مشكورة؟

لم يعلن لنا المسيح أن الله هو الخالق العظيم، ضابط الكل والديان الأزلي. لم يعلمنا أن نصلي إلى رب العهد أو إلى السيد المتعالي، بل أرشدنا إلى أبيه الخاص، وأشركنا في حقوقه، وأهلنا لنصبح أعضاء في أسرته السرمدية. فلأجل كفارة يسوع المسيح صار لنا إمتياز أن ندعو الله أبانا. لإن المسيح قرّبنا منه وثبتنا فيه وأوصانا أن نُقدس اسم الآب ونقبله محوراً لأفكارنا وآمالنا وأن يكون هو جوهر حضارتنا.

أما الروح القدس فيصرخ في داخلنا “يا أبا الآب، ويشهد لأرواحنا أننا أولاد الله“. فإذا تبنّانا الآب السماوي لأجل كفارة ابنه نكون قد وُلدنا ثانية بالروح القدس ليتمركز فينا ويجعلنا أهلا لأبوته ويكلفنا أن نخدمه لكي يأتي ملكوته ويقدسنا في محبته الطاهرة. فنحن الذين اختارنا قبل تأسيس العالم في المسيح نتشوق لرؤيته ونبقى معه في كل حين. إنه يحب كل واحد من خاصته ويشتاق إليه. هل تحبه أنت أيضاً وتشكره وتعمل على تمجيده؟ إن من يكتشف عمق الصلاة الربانية يدرك خُلاصة الإنجيل بأكمله. نحن لا نؤمن بإله عظيم مخيف وغير مدرك، بل بأب قريب محب، ارتبط بنا في العهد الجديد وإلى الأبد.

الطّلب الحتمي للمصالحة

(6: 14، 15)

 6: 14 فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. (15) وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلاَّتِكُمْ.                                           (مر11: 25)

كم هو مخجل أن يخبرنا يسوع مكرراً أن المحبة الغافرة هي وحدها تكميل للشريعة. فإذا انفصلنا عمداً عن محبة الله يصبح القدير عدونا وإذا تقسينا تجاهه نسقط إلى الدينونة.

امتحن نفسك أيها الأخ. هل جددك الله وملأك برحمته؟ وكيف يبدو هذا التجديد؟

لقد دعاك رب السماء والأرض أن تنشر حولك السلام السماوي، لأن أبناء الله هم صانعو السلام. هل هناك إنسان تكرهه؟ هذا أهم إنسان في حياتك، لأن الله أرسله لامتحانك واختبار قلبك. إذا كان الغضب والإنتقام لا يزالان فيك، فإن الروح القدير يسعى أن يسحق بُغضك ويغلب حقدك ويعلمك التسامح والغفران والتأني والحلم والوداعة  كي تستطيع احتمال هذا الإنسان الصَّعب وتحبه بمحبة صادقة، وتفرح كلما التقيته، وتدعوه إلى بيتك وتعمل على راحته.

غفران الله للجميع، وغفراننا لبعضنا هو أساس العهد الجديد. حيث يتحقق هذا الشرط فلن يحل هناك   ملكوت الله. إن محبة العدو هي ثمر إيمانك. وفي امتناعك عن التسامح تعاكس عمل الروح القدس فيك وحولك. “أحب أعداءك. بارك لاعنيك. أحسن إلى مبغضيك. صلّ لأجل الذين يسيئون إليك ويضطهدونك”. تمم هذه الوصية الحبية، فتكون ابناً لله وأخاً للمسيح.

لكن إن ثَبتّ على قساوة قلبك وانتقمت لنفسك وحملت خصمك على الغضب وأهنته بفظاظة ووخز تصبح عدو الله وتصلب المسيح مرة أخرى. إن كل صلواتك وتقواك تظهر عندئذ رياءً وكذبا.

لما أُلقي بولس في سجن فيلبي مع رفيقه سيلا، رتلا ترانيم الشكر بفرح، رغم أن أرجلهما كانت في المقطرة، وقد جُلدا، حتى سال الدم منهما. مع ذلك أحباَّ جَالدِيهما ورئيس السجن، وصلَّيا لأجلهم. تزلزلت الأرض وانقلبت القلوب فتاب السجَّان الأكبر. ولما رُجم استفانوس صلى لأجل قاتليه، لأن كل أولاد الله يتبعون صرخة المصلوب: «يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون»!

لقد غفرت لنا محبة الله كل الذنوب. من ينسجم معها ويفتح قلبه للأعداء، يرى السماء مفتوحة كاستفانوس، ويختبر قدرة الله العاملة كبولس وسيلا، اللذين بسبب صبرهما اهتدى كثيرون وأدركوا أن الله هو الآب. امتحن نفسك. هل هناك مانع لأن تجري روح الله في حياتك؟

أيها الآب، نتوب بندامة قلوبنا، وبعزيمة صادقة. اغفر لنا تكبّرنا، وعلّمنا قداستك وسماحك وتواضع ابنك. ساعدنا لنغفر لكل إنسان ما أساء به إلينا، كما غفرت لنا، لتصبح محبتنا شكراً لنعمتك الممطرة علينا باللطف والرحمة والجودة.الصلاة:

السؤال 72 :  ما هو الشرط لثباتنا في الشركة مع الله؟

الصوم بفرح

(6: 16- 18)

6: 16 وَمَتَى صُمْتُمْ فَلا تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. (17) وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ، (18) لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلانِيَةً.                                   (إشعياء58: 5-6)

يتحدث المسيح هنا بنوع خاص عن الذين يصومون لأسباب خاصة يفرضونها على أنفسهم كتقدمات إختيارية، وهو ما كان شائعاً بين أتقياء اليهود، فالبعض كان يصوم يوماً كل أسبوع وآخرون كانوا يصومون يومين، وآخرون لا يصومون إلا نادراً حسبما يتطلّب الأمر. وفي أيام الصوم كانوا لا يأكلون إلا عند الغروب، وعندئذ كانوا يأكلون قليلاً جداً من الطّعام. لم ينتقد المسيح الفريسي لأنه كان يصوم “مرتين في الأسبوع” بل لأنه كان يفتخر بهذا الصّوم(لوقا 18: 12).

لا يقوم خلاص نفسك على صيامك ولا صلواتك ولا زكاتك ولا حجك، بل قد خلصّك المسيح مجاناً بموته على الصليب، ويجددك بلطفه. سكب المسيح من روحه في قلبك، فلا حاجة أن تزيد على قداستك بواسطة الصوم والحج والعبادات، لأن المسيح طهّرك بالتمام والكمال، وروحه هو الله بالذات. ففي شركة المسيح نمتلئ بحضور الله وقوته.

لماذا نصوم؟ ليس صيامنا لتبريرنا أو تطهير أنفسنا، بل ندامة وتوبة وابتهالاً. إن الصوم هو صلاتك في شعورك الباطني. فإذا اهتزت أعصاب معدتك جوعاً، وبقيت روحك متجهة لله دائماً، تتحرّر نفسك من أثقالها، وترفرف بالإيمان والصلاة والشكر. فالذي يصوم حقاً يتعمق في نعمة الله، ويتحرر من الدينونات، ويشترك في الألوهيات.

إن عادة الصوم عادة حسنة، لكن يؤسفنا جداً أنها أهملت كثيراً بين المسيحيين اليوم. نقرأ في الإنجيل أن حنّة كانت تعبد “بأصوام كثيرة” (لوقا10: 30) والكنيسة الأولى كانت تصوم كثيراً (أعمال 13: 3؛ 14: 23) أن الصوم الخصوصي ضروري، فهو وسيلة إنكار الذات وإماتة الجسد، والإنتقام من أنفسنا إنتقاماً مقدّساً، والإتضاع تحت يدي الله. إن أقوى المسيحيين ينبغي أن يعترفوا بهذا أنهم لا يستحقون خبزهم اليومي وأنهم ليس لهم ما يفتخرون به مطلقاً. الصوم وسيلة لكبح جماح الجسد وشهواته وتنشيط البشر في الواجبات الدينية، كما أن وفرة الطعام تسبب الكسل والنّعاس. كان بولس “في أصوام كثيرة” ولذلك استطاع أن “يقمع جسده ويستعبده“.

لكن انتبه أثناء صومك، لتكن نفسك ممتلئة بكلمة الله، لا بتخيلات وأوهام بشرية. إن الشيطان يقترب من الصائم مدعيا القداسة والعناية الكاذبة والتقوى المتلألئة الزائفة التي كشف سرها يسوع حين جربه الشيطان في أواخر صيامه. فالصوم لا يخلّصك، بل كلمة الله وحدها، التي تجعل صومك جزءاً من إيمانك، فتنال قوة كبيرة من ربك.

كان المراؤون يدّعون الصوم مع عدم وجود أثر لانسحاق القلب واتضاع النفس، الأمر الذي هو روح وحياة الصوم. كانت أصوامهم للسّخرية، كان لهم مظهر الصوم وظله ولم يعرفوا جوهره. تظاهروا بالإتضاع أكثر من حقيقتهم، وبذلك حاولوا أن يخدعوا الله، وكانت هذه إساءة إلى الله أشد من أية إساءة أخرى. إن الصوم الذي اختاره الله هو لأن يذلل الإنسان نفسه لا أن يحنى كالأسلة رأسه أو يفرش تحته مسحاً ورماداً. نحن  نخطئ خطأ فادحاً إذا كنا نحسب هذا صوماً (اش 58: 5).

كانوا يعلنون عن صومهم ويدربونه بطريقة تجعل كل من رآهم يعلم أنهم صائمون. كانوا يظهرون في الشوارع حتى في الأيام التي كان ينبغي أن يعتزلوا فيها إلى مخادعهم. كانوا يطرقون بأبصارهم إلى أسفل، ويتظاهرون بالكآبة، يتئدون في مسيرهم، وبالإجمال فإنهم يغيرون هيأتهم لكي يعطوا فكرة للناس عن طول أصوامهم وعن تقواهم ومقدار تعذيبهم لأنفسهم.

لا تتحدث للناس عن صومك لتظهر لهم درجة عالية من تقواك، بل اسلك كما في كل يوم ولا تصر عابساً مبدياً الجوع. زيّن نفسك لأن الله يلتقي بك ويشركك في انتصار المسيح بصومك. عندئذ تمتلئ بفرح حضور الله ولا تفشل من ممارسة التقوى.

إن الله يعلن نفسه للمصلي الصائم، المتعمق في كلمة الإنجيل، وهذا أعظم درجات الوحي، فترى الآب في سيرة المسيح، حسب قوله:«من رآني فقد رأى الآب».هذا اشتياق قلوبنا، أن نراه كما هو.

هل أدركت أن الله يسكن في اتباع المسيح، فهم هيكل روحه القدوس، ولا يأتي هذا الروح إليك لأجل صومك أو صلاتك، بل من أجل نعمة يسوع. إن الصائم ينقل قوة المسيح للآخرين. وكلما اجتهدت أكثر في سبيل التبشير، تكون مصلياً وصائماً أكثر، لأنك تختبر أن قوة الظلمة تتسلط على الأفراد، ولا تخرج منهم إلا بالصلاة والصوم بالإيمان.

لا يقتصر صومك على الأكل والشرب فقط بل امتنع أيضاً عن الأفلام الخلاعية النجسة وعن التدخين المستمر وما هو تافه، فتوفر مالك، وتقدر أن تضحّي به لنشر ملكوت أبيك. إن امتناعك عن أمور كهذه هو أهم من الصوم والإبتعاد عن الأكل والشرب. كرِّس وقتك وقدرتك لله بلا تظاهر، فترى ثمار مجده نامية في الآخرين.

أيها الآب، أنت تسكن فينا بروحك اللطيف. نسجد لك بفرح، ونشكرك بتهلل، لأنك دعوتنا إلى شركتك. علّمنا السلوك المُرضي لك والصلاة لأجل الآخرين، والصوم في سرور وثقة، ليخلص كثيرون، وينالوا الحياة الأبدية.الصلاة:

السؤال 73 :  ما معنى الصوم في العهد الجديد؟

ج- الإنتصار على النيات السيئة

(6: 19- 7: 6)

من يكنـز مالاً  يخدم الشيطان

(6: 19- 24)

6: 19  لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. (20) بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً فِي السَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ، (21) لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضاً. (22) سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً،(23) وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ! (24) لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلازِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللّهَ وَالْمَالَ.

(متى19: 21، لو12: 33-34؛ 16: 13، كولوسي3: 1-2، يع 4:4)

يجمع بعض الأغنياء كنوزهم بالطمع، ويبنون بيوتاً ضخمة، ويلبسون ثياباً ثمينة، ويزدادون غِنى بأساليبهم الاقتصادية الملتوية. يستخدمون المال لتتكاثر ثروتهم أضعافاً، ويصبحون مع عشيرتهم أقوياء، يتسلطون على الآخرين بقدرة ممتلكاتهم. أما السارقون فلا ينامون أيضاً، إذ يحاولون بمكر وخداع اختلاس المال من الأغنياء ويخجلون من العمل الشريف، ويختبئون من نور النهار. فيخادعون أنفسهم كالأغنياء راجين السعادة والعظمة والشهرة من المال. لكنهم يموتون كبقية الناس بسرعة ولا ينعمون بخيراتهم إلى الأبد.

وكتعليل للسبب الذي من أجله ينبغي أن لا نعتبر أي شيء على الأرض كنزنا الدائم لأنه قابل للتلف والضياع، والفساد من الداخل. أن مايُكنز على الأرض يفسده السوس والصدأ. فإذا حُصر الكنز في الثياب النّاعمة الرقيقة تُعرض لتأثير العتة وتلف دون أن نشعر، بل ونحن نظن أنه محفوظ في أمان. وإن حصر في  القمح أو صنف آخر من المأكولات كما كان كنز ذلك الغني الغبي الذي كان محصوراً في مخازنه (لو12: 16 و17) فإن الصدأ أو الآكلة تفسده وتأكله”. “إذا كثرت الخيرات كثر الذين يأكلونها” (جا5: 11) أو تأكلها الفئران أو الحشرات الأخرى الآكلة. فالمن نفسه رعت فيه الديدان، عندما قاموا بادخاره.

وإن كان المقصود بالكنز أنه محصور في الذهب والفضة فإن الصدأ لا يأكله، بل يتعرض للسرقة من قبل اللصوص ويزداد تناقصاً بالإستعمال، ويزداد أيضاً سوءاً بالتخزين والإكتناز (يعقوب 5: 2و3).

إن ما يشجعنا أن نكنز لأنفسنا كنوزاً في السّماء، هو أنها هنالك آمنة سالمة، إنها لا تتلف من تلقاء ذاتها ولا يفسدها سوس ولا صدأ، ولا نحرم منها بأعمال العنف أو أعمال الخيانة، فهناك لا ينقب سارقون ولا يسرقون. إنها سعادة لا تؤثر عليها تغيرات الزمان أو صروف الحدثان، هي ميراث لا يفنى ولا يتدنّس ولا يضمحل.

وتعليلاً قوياً للسبب الذي من أجله يجب أن نحسن الإختيار، ودليلاً على أننا قد فعلنا كذلك فحيث يكون كنزك على الأرض أو في السماء هناك يكون قلبك أيضاً. فالواجب يحتم علينا إذاً أن نكون دقيقين وحكماء في اختيار كنزنا لأن طابع عقلنا، وبالتالي لون حياتنا، سوف يكون تبعاً لذلك أما جسدياً أو روحياً، أرضياً أو سماوياً. فالقلب يتبع الكنز، كما تتبع الإبرة حجر المغنطيس، أو كما تتبع زهرة عباد الشمس نور الشمس. حيث يكون الكنز هناك يكون التقدير والإعتبار، هنالك تكون المحبّة والعواطف وإلى هناك تتجه الرغبات والجهود، والغايات والمقاصد، وفي كل خطوة تتخذ يكون ذلك الكنز قبلة الأنظار. حيث يكون الكنز هناك تكون اهتماماتنا ومخاوفنا لئلا نفقده، لذلك يشتد قلقنا. هناك يكون رجاؤنا وثقتنا، وهناك تكون أفراحنا ولذاتنا، هناك تكون أفكارنا، وهناك يكون الفكر الداخلي، الفكر الأول، الفكر الحر، الفكر الثابت المركز، الفكر الدائم. فليت الرب يكون كنزك وأجرتك حتى تتمركز بكل نواياك وأفكارك فيه، فتحرر من الماديات والأرضيات، وتكسب الكنز السماوي.

ليس الفقراء أفضل من الأغنياء، لأنهم يحاولون عمل ما يعمله الأغنياء، كلاهما يبنيان المستقبل على أساس ممتلكات دنيوية، لا يدركون أن نفوسهم أبدية محتاجة إلى غذاء روحي. كل شيء زائل إلا الله، وغفران المسيح أضمن لحياتك من بيت مصنوع من أسمنت وحديد، تخربه القنابل وتزيله الزلازل. فإيمانك أهم من شهاداتك المدرسية، ومحبتك بالروح القدس أثمن من أرقام رصيدك في البنوك، وخدمتك للمحتاجين تمجد الله، وتقدماتك لا تضاعف كنزك في البنك السماوي، لأن الله حصتك، وهو أعظم كنز.

أصبح عصرنا مادياً أكثر من ذي قبل، ويجاري البشر تطور الاقتصاد والاكتشافات الحديثة، ويشتاقون إلى الرفاهية المدنية، وينسون الله القدوس وشريعته، فيبتعد عنهم الروح القدس ويمتلئون بروح هذا العالم النجس. إن كل مهتم بالأرباح الدنيوية تلبسه ارواح الظلمة. لقد خلقك الله على صورته، وانظر إليه فيتعاكس مجده في رونق عينك وتفيض من روحه الطاهر. أما إذا حوّلت نظرك عن ربك وهدفت إلى المال، تصبح عبداً لشهواتك ونجاساتك، فتتغير عينك إلى حزن وظلام. إن الشرور التي فيك لا تعني المال والمادة فقط، بل الروح العامل ضد الله أيضاً، والذي سماه المسيح “المامون” الظالم، الذي هو يتسلط على من لا يثبتون في الله. وفي الواقع إن كل من يغتني يجد امكانيات الأرض مفتوحة لارضاء شهواته. فمالك يحرضك لعمل شر فظيع وارتكاب   الفحشاء. ينقاد الأغنياء إلى الفساد والفجور بسهولة. وأنه من نعمة الله أن لا نرى ما يرتكبه الناس باموالهم في ليلة واحدة من جرائم ونجاسات مقشعرة، وإلا فإننا نجن ونفقد صوابنا نتيجة هذه الأعمال. أما الله فهو صبور وقادر أن يحتمل البشر النجس.

ينصحك الرب لترجع إليه ويضمك ويحررك من صنمك المالي، لأنك لا تستطيع أن تحب الله والمال في نفس الوقت، فصلاتك تصبح باطلة إن اتكلت على تأمينك بالمال. إما أن تتكل على الله أو على غناك لأن واحداً منهما هو المبتغى والمفضل لديك. امتحن ذاتك واعرف كم من الوقت والمال تصرف لخدمة الله، وكم  تصرف منه لنفسك ولسيارتك ولهوك؟ كلنا في التجربة إلى أن نصبح عبيداً للمال ونخدع أنفسنا أكثر مما نعرف ونعبد الصنم ” المامون” بأيدي مرتجفة فرحاً عندما نتسلم مبلغاً كبيراً. إن الله يعينك على التحرر من عبودية النقود كي لا تتفرس فيها بل تتعمق في المسيح وخلاصه. إن القدوس هو الكنز الفريد لحياتك، فلا تستمر طالباً درجة عالية في المجتمع، بل اطلب درجة عالية في خدمة الرب وابذل من مالك للفقراء، وضَحِّ بنفسك في سبيل المحتاجين كما ضحى المسيح بنفسه لأجلك.

يحاول بعض المؤمنين أن يخدموا الله والمال معاً، ولا ينتبهون أن المسيح أكد لهم أن لا أحد يقدر أن يخدمهما معاً. فاطلب من رب المجد أن يساعدك لتحبه هو فيحفظك ويحفظ مالك.

هل استعديت لعبادة الله وحده أم أنك مازلت تعرج بين الجانبين؟ التجئ إلى المسيح الذي لا يكلل قلبا منشقاً.

إن العين هي سراج الجسد، والسراج يرمز إلى النور. فالعين إذن هي النور الذي يرى به الإنسان كل شيء. العين هي المرآة، نرى فيها كل مشاعر الإنسان وأفكاره وأحاسيسه، فإذا كان يحبنا، نرى في نظراته الحب. وإن كان يكرهنا، ترى الكراهية في عينيه. إذا كان في قلبه غضب أو غيظ أو حقد، يظهر كل ذلك في نظرات عينيه. إذا  كانت مشاعره قسوة أو رغبة في العدوان أو في الإنتقام، تكشف عيناه ذلك. المكر يظهر في عينيه، والكبرياء والتعالي تظهر في عينيه. كذلك الحسد والغيرة، بل أيضاً الإشمئزار والضيق وباقي المشاعر…

فما معنى إذن “إن كانت عينك بسيطة”؟

بسيطة أي كما خلقها الله، بغير إضافة المشاعر البشرية الخاطئة. لا أضيف حقد ولا مكر ولا شهوة ولا كبرياء… لأنها بهذه الإضافات لا تكون بسيطة. وهذا ما نعرفه في الكمياء: فمثلا النحاس مادة بسيطة، لكنه إذا اتحد بالأوكسجين وصار أوكسيد النحاس يصبح مادة مركبة وليست بسيطة. عينك إذن تكون بسيطة إذا لم تختلط بمشاعر شريرة.

لنعط مثلا آخر بأبوينا الأولين “آدم وحواء”. كانت عيونهما بسيطة في بادئ الأمر. وكانت معرفة الخير والشر في وسط الجنة (تك3:3). لعلهما كانا يمران عليها كل يوم دون أن تسبب لهما أية عثرة. لكن لما أضيف إلى بساطة أعينهما إغراء الحيّة بأنهما “يصيران مثل الله عارفين الخير والشر” (تك3: 5)، لم تعد العين حينئذ بسيطة. هكذا “رأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر” (تك3: 6). تغيّر الحال تماماً، لأن العين فقدت بساطتها. وكما تغيرت نظرتهما للشجرة تغيرت نظرتهما لبعضهما البعض!

كانا عريانين، وهما لاَ يخجلان (تك2: 45) حينما كانت أعينهما بسيطة. فلما فقدت بساطتها بالأكل من الشجرة “علما أنهما عريانان” (تك3: 7) عرفا أن هذا ذكر وهذه أنثى فتغطيا بأوراق التين (تك3: 7). المعرفة التي اضيفت إلى العين أفقدتها بساطتها.

إذن إن كانت عينك بسيطة، لا تضاف إليها شهوة أو إغراء أو أفكار معينة. فبهذه البساطة يكون جسدك كله نيراً. أما إذا أضيف إلى عينك شيء آخر، كالغضب والإنتقام مثلا، تجد ملامحك تتغيّر، وضغط الدم عندك يزيد، ومشاعرك تترك أثرها على جسدك، وحينئذ يكون جسدك مظلماً.

يضع لنا المسيح قاعدة عامة، لعلها كانت من الأمثلة السائدة بين اليهود “لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” وبالأولى لا يقدر أن يعبد إلهين، لأن أوامرهما لا بد أن تصطدم معاً في وقت من الأوقات أو تناقض بعضها بعضاً. طالما كان السيدان سائرين معاً فإن الخادم يستطيع أن يتبعهما، لكن إذا افترقا تبع الخادم أحدهما. إنه لا يستطيع أن يحب ويلاحظ ويلازم الإثنين كما ينبغي، إذا لازم الواحد لا يمكنه أن يلازم الآخر، لا بد أن يبغض ويحتقر أحدهما نسبياً. هذه الحقيقة واضحة وجليّة في الأحوال العادية.

إن كلمة “المال” التي وردت في النص الأصلي باللغة السريانية تحمل معنى “ربح”. لذلك فإن المقصود ب  “المال” هنا كل ما نحسبه ربحا في هذا العالم. المال هو كل ما في العالم، شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة. يجعل البعض إلههم راحتهم ونومهم وألعابهم الرياضية وتسلياتهم. والبعض يجعلون إلههم كرامتهم وتقدمهم. فالفريسيون كان إلههم مدح الناس وثناءهم. وبالإختصار إن محبّة الذات، محبة خدمة مصالح النفس العالمية وشهواتها الجسدية، هي الإله الذي لا يمكن أن يعبد مع الله. لأنه إذا عبد المصالح العالمية فهي تتنافس مع الله وتتعارض معه.

لا يقول المسيح “يجب” أن لا تعبدوا الله والمال بل “لا تقدرون” أن تعبدوا الله والمال. لا تستطيع أن نحب كليهما أو نتمسك بكليهما، أو نخضع لكليهما بالملازمة والطاعة والثقة والإتكال لأنهما يتعارضان الواحد مع الآخر. فالله يقول “يا بني اعطني قلبك” والمال يقول “كلا، بل اعطني إياه”. الله يقول “اكتفوا بما عندكم” والمال يقول “امسك على قدر طاقتك، المال المال، بالوسائل الشريفة أو غير الشريفة”. الله يقول “لا تخدع أحداً ولا تكذب، كن أميناً وصادقاً في كل معاملاتك” والمال يقول “اخدع أباك إذا وجدت في ذلك ربحاً لك”. الله يقول “كن محسناً كريماً” والمال يقول “احتفظ بما عندك لماذا تخرب نفسك”. الله يقول “لا تهتموا بشيء” والمال يقول “اهتم بكل شيء”. يقول الله “قدس يوم السبت” ويقول المال “انتفع بهذا اليوم كباقي الأيام”.

هكذا نجد أن أوامر الله والمال لا يمكن أن تتفق حتى أننا “لا نقدر” أن نخدم كليهما. إذا يجب أن لا نعرج بين الله والبعل، بل اختاروا اليوم من تعبدون وتمسكوا باختياركم.

أيها الآب الغني. نسجد لك لأجل صبرك علينا، نحن الماديين. اغفر لنا ميلنا ومحبتنا للمال، وحررنا من ثقتنا بممتلكاتنا، وعلّمنا أن نحبك ونثق بك وحدك لنقدم لك كل ما هو لنا، ونربحك أنت كنزنا الوحيد، وولينا في الدنيا والآخرة.الصلاة:

السؤال  74 :  لماذا لا نستطيع خدمة الله والمال في نفس الوقت؟

الثّقة بعناية أبيك السماوي

(6: 25- 34)

6: 25  لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأََجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ (26) اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ (27) وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَةً؟ (28) وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. (29) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. (30) فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَداً فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللّهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدّاً يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ (31) فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ، أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ، أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ (32) فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى   هذِهِ كُلِّهَا. (33) لكِنِ اطْلُبُوا أَّوَلاً مَلَكُوتَ اللّهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. (34) فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ.

(لو12: 22-31، رو14: 17، فيلبي4: 6، 1بط5: 7)

ما أعظم خطاب يسوع عن ثقتنا بعناية الآب السماوي. من يسمع هذه الكلمات ويؤمن بها يختبر السلام الأبدي الذي يحل في قلبه. وكما يثق الطفل بعناية أبيه الدنيوي هكذا يريد يسوع أن يربينا على الإيمان والثقة بالله الآب ومحبته لنا.

من يمتلئ بمحبة الله ويتحرر من تجربة جمع المال ويضحّي باستمرار، يجربه الشيطان بطريقة أخرى، ويوسوس إليه: “مالك لا يكفيك”. إن مرضت من يهتم بك؟ ملابسك مهترئة والأسعار مرتفعة، والتطور الاقتصادي ينتقل من كارثة إلى كارثة. فاضمن نفسك. ادرس. اجتهد. وفر، لتعيش محظوظاً في مالك.

لكن روح الله يغلب اهتمامك الزائد بهمومك، ويدلك على جودة الله الأبوية الذي يعتني بك كل العناية. هذا لا يعني أن تجلس كسولاً دون أن تشتغل، منتظراً أن يفتح الله نوافذ السماء. إنما محبة المسيح تحررك للاجتهاد والعمل بروح الاطمئنان، وبلا خوف أو طمع. إن شركتك مع المسيح تخلّصك من همومك فتثق بمحبة أبيك السماوي، خالق الكل وضابطه.

راقب الطيور تلتقط ما لا تزرع، وتطير بسهولة حيثما تجد غذاء. وأكثر من ذلك فأبوك السماوي يحرر نفسك لتطير إليه، لأنه وحده يعتني ويهتم بك، فترى أنه يفكر فيك ويمنحك عملاً ويساعدك أن تثبت متواضعاً أميناً.

لقد منحك أبوك السماوي جسداً عجيباً، الحياة فيه سر لم تستقصه العلماء بعد. هل راقبت نمو الزهور وأشجار الفاكهة التي تخبرك عن عظمة الخالق؟  انظر إلى النباتات تحت الميكروسكوب واعتبر. تنشّق رائحة الوردة واعلم أن كل جمال ونظام الكون ما هو إلا لمعان مجد الخالق القدير، الذي يقود النجوم في طرقها، ويعرف عدد الذرات الدائرة حول محورها. هو يعرفك ويهتم بك ويحبك لأنه أبوك. كل الأشياء في الدنيا مخلوقة، أما أنت فمولود من روحه. وقد ضحَّى بمسيحه لأجلك، ألعله ينساك؟! يستحيل ألا يفكر أبوك السماوي بك، في كل لحظة من لحظات حياتك. فهمومك تعتبر قلة إيمان، وتذمرك هو تجديف. إن محبة الله كبحر، ورحمته كالسماء وهو يقول لك: «لا تخف لأني فديتك دعوتك باسمك، أنت لي».

تأمل في كلمات الله وادرس خلاصه. تعمق في تعليم المسيح وحقق ملكوت الله في خدماتك. اخلع كل عدم ايمان وهموم ومرارة وتذمر، وثق بابيك السماوي الذي يعتني بك ليلاً ونهاراً، والمسيح ينتشلك من قلقك، والروح القدس يقويك كي لا تتزعزع في ساعة الإمتحان. إن الكفار يطلبون الأمور المادية، أما أنت فالله يدعوك إليه. حول بصرك عن الأمور الدنيوية وتمسك بيده المرشدة فتدخل معه إلى الحياة السرمدية. لا بد أن يموت جسدك يوماً ما، لكن هذا ليس النهاية، لأن حياتك الروحية مستترة مع المسيح في الله. لا تسمح للخوف والهموم، كبيرة كانت أم صغيرة، أن تغلب إيمانك، بل اثبت في عناية أبيك لأنه مستعد أن يعطيك ما يكفيك لتعيش وتخدمه وتكرمه بثقتك الدائمة.

اهتم بالله ومبادئه، فتنتظم حياتك تلقائياً، لأن حضور الله يقدسها. ادرس تسلسل الطلبات في الصلاة الربَّانية، فتعرف معنى الملكوت وهدفه في حياتك، واهتمام أبيك بك. قدّس اسمه واهتم بمملكته، ونشر الإنجيل، قولاً وصلاةً وتضحيةً. لا تهتم بنفسك أولاً، إنما عظّم بر الملك السماوي واشهد بحقوق وقدرة ملكوته، ليدخل الضالون إلى رحاب الخلاص. عندئذ يهتم الملك بأمورك ويحمل المسؤولية عنك، ويبارك كل نواحي حياتك.

أيها الآب، نشكرك للطفك الأبوي، واهتمامك بنا، ولغفران خطايانا. نشكرك لأنك ساعدتنا في كل ضيق، ومنحتنا ما يكفي للحياة في الدنيا والآخرة. احفظنا من التذمّر وقلة الإيمان، وثبّتنا بثقة عظيمة في محبتك، وحررنا من الاهتمام الزائد بأنفسنا، لنهتم بملكوتك ونشر برك أولاً وآخراً.الصلاة:

السؤال 75 :  لماذا يمنعنا المسيح من الغرق والاستسلام للهموم؟

من يعرف ربه

يدين نفسه لا غيره

(7: 1-6)

7: 1 لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، (2) لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ. (3) وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ (4) أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأََخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ. (5) يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَّوَلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!                                    (إشعياء33: 1، مر4: 24، رو2: 1، 1كور4: 5)

تألم يسوع من قساوة القلوب والرياء والإستكبار التي في تلاميذه وفي الشعب عامة، فأمرهم أن لا يدينوا إنساناً ما، بل أن يدينوا أنفسهم أولاً. تكشف شريعة المسيح نوايانا السيئة والنجسة، وأسبابها والقرارات المترتبة عنها. إن يسوع يريد أن يصلح مصدر أفكارنا ويجدد قلوبنا أولا لكي يصح الفكر والقول والعمل سوياً.

يعلمنا مخلصنا هنا كيف نسلك إزاء أخطاء الآخرين، ويظهر من لهجته أنه يقصد توبيخ الكتبة والفريسيين الذين كانوا في منتهى القسوة والإستبداد والعجرفة في دينونة كل من حولهم كعادة المتكبرين المغرورين في تبرير أنفسهم.

على أن هذا التحذير موجه إلى أفراد معينين، إلى تلاميذه الذين سيجلسون على كراسي يدينون فيما بعد وليس الآن.

c  ينبغي ان ندين انفسنا وندين تصرفاتنا، لكن لا ندين أخانا، ولا ندعي لأنفسنا سلطة على الآخرين كما أننا لا نقبل أن تكون لهم سلطة علينا، لأن دستورنا هو أن نكون جميعاً خاضعين بعضنا لبعض.

c  أحسن أن لا نجلس على كرسي القضاء لنجعل كلمتنا قانوناً على كل لسان.

c  أفضل أن لا نتسرع في الحكم أو نصدر على أخينا حكماً لا أساس له، مصدره الوحيد غيرتنا وحسدنا وفساد طبيعتنا.

c  ينبغي أن لا ننظر إلى الآخرين بمنظار أسود أو نستخلص من كلماتهم نواحي سيئة لا تحتملها هذه الكلمات.

c  ينبغي أن لا تكون الدينونة بدون رحمة أو محبة، أو بروح الإنتقام أو برغبة الإساءة.

c  ينبغي أن لا نحكم على أخلاق المرء من تصرف واحد، ولا على حقيقته بمجرد تصرفه معنا. لأننا ميالون إلى محاباة أنفسنا إذا ما تعارضت مصلحتنا مع مصلحته.

c ينبغي أن لا نحكم على قلوب الآخرين أو نياتهم لأن فحص القلب من اختصاص الله وحده، ولا يجوز لنا التعدي على اختصاصه.

c ينبغي أن لا نحكم على مصيرهم الأبدي أو ندعوهم مرائين أو فاجرين أو منبوذين أو هالكين، فهذا تطاول منا وخروج عن حدودنا. لماذا ندين غيرنا؟ علينا أن نسدي إليه النصيحة أو نقدم له المعونة، لكن ليس لنا أن ندينه.

إن كنا ندّعي لأنفسنا حق دينونة الآخرين، فينبغي أن نتوقع دينونة أنفسنا. إن من يعبث بالنظام يقف أمام القضاء ويدان من الناس. والعادة أن أكثر الناس انتقاداً لغيرهم يصيرون أكثرهم عرضة لانتقاد الآخرين، فكل واحد يجد حجراً ليرجمهم. ومن كانت يده ولسانه على كل واحد تصبح يد ولسان كل واحد عليه. ومن لا يشفق على سمعة الآخرين لا يجد من يشفق على سمعته.

يدين الإنسان غيره بسرعة بالغة، فيعتبره إما ضعيفاً أو قويا، فاسداً أو صالحاً، نافعاً أو ضاراً، وكثيراً ما يبغضه ويكرهه ويرفضه. يقول عنه كلمات شريرة. فالإنسان يتصرف كأنه الديان الأزلي ويحكم على الآخرين،   يعتبر نفسه صالحاً ومستحقاً أن يفهم ويقر عن الآخرين. ينهانا المسيح عن مثل هذا التفكير والإهانة والعصيان، لأسباب مختلفة:

  • لا نعرف خلفية الإنسان الباطنية، ولا العناصر التي ورثها عن الآخرين، ولا المؤثرات المحيطة به والتي تساهم في تشكيله منذ حداثته. فكل من يحكم بظلم على الآخرين، يُحكم عليه بنفس المكيال الذي كال به لغيره. احذر من التسرع في قراراتك على أي إنسان حتى لا تهلك نفسك من خلال حكمك على الآخرين. لكن هذا لا يمنعنا من تنبيه الآخرين في حال مزاولتهم للخطايا والنجاسات بحكم مجتمعهم الفاسد. نجد عند بعض الأصدقاء مزاولتهم للنجاسات والفحشاء متذرعين بالمجتمع الذي يعيشون فيه. هؤلاء الأخوة والأخوات أقول لهم “أنتم الذين يجب أن تغيروا العالم وتؤثروا في الآخرين، وليس العكس”. والأفظع من هذا أن هناك فتيات يجارين العالم، تراهن يعربدن ويزنين، وإن سألتهن عن تصرفاتهن يجيبونك “إنها ضرورة اجتماعية، من خلالها أعرف إن كنت سأنسجم مستقبلا مع شريك حياتي قبل أن نتزوج وتقع الفأس على الرأس. ” لهؤلاء أقول” من أخبركن أن هذا الشريك سوف يوفي بوعده ويتزوج بكن بعد إشباع رغباته ثم ينتقل إلى غيركن، مثل النحلة التي لا تكف عن التنقل من زهرة إلى زهرة باحثة عن الرحيق، وإن كان التشبيه هنا مختلف، النحلة تعمل عملها للمنفعة، لكن الآخر للمضرة ونقل الأمراض.
  • الله أرحم من الجميع، يحب  الساقطين والزناة والسارقين ويسعى إلى تخليصهم. فإن كان عليك أن تحكم على إنسان ما، فبالمحبة والإستقامة، وليس بعنف وقساوة وبغض. إذ ينبغي أن يشعر الطرف الآخر بالمحبة والإحترام والتقدير من خلال كلامك وتصرفاتك.
  • لو عرفت نفسك حق المعرفة مثلما يعرفك الله، لخجلت من نجاستك واستكبارك وبخلك ومحدوديتك في العلوم والفنون، في المعرفة والمقدرة. فينبغي على كل فرد أن يمتحن نفسه في ضوء قداسة الله أولاً، حتى يتواضع ويدرك ذنوبه وهلاكه، فيشمئز من ذاته وينكسر لروحه المتكبرة، ولا يدين الآخرين فيما بعد بل يدين نفسه أولاً. طوبى للإنسان الذي ينكر نفسه ويحمل صليبه الخاص كل يوم ويتبع يسوع، عندئذ تنتهي كبرياؤه ولا يدين الآخرين إلا بعد أن يدرك فساده الخاص ويعترف به. إن التوبة تمهد الطريق إلى التفاهم والمحبة، وكل من ينكسر روحيا يستطيع أن يعين غير المنكسرين بلطفه وحنانه، يرشدهم إلى مخلصهم المحب وإلى الطبيب النفساني الأعظم.
  • يسمي المسيح كل من يظن نفسه أحسن حالا من الآخرين بالمرائي، الجاهل للأمور، لأنه لم يدرك هلاك نفسه بعد. لكن من يلتجئ إلى المنجي، المستعد لقبوله، ينجيه من الغرور الذاتي وينقله إلى ديار محبته. من يؤمن بابن الله لا يدين، لكن من لا يؤمن بابن الله قد دان، لأنه يرفض نائبه في الدينونة الأخيرة، ويهمل كفارته المعدة للعالمين ( يو3: 17-18).

إن قسوة الإنسان على أخطاء الآخرين عندما يكون هو شخصياً منغمساً في أخطائه إن هي إلاَّ علامة من علامات الرياء. مهما ادعى شخص كهذا فمن المؤكد أنه ليس عدواً للخطيئة، لأنه لو كان كذلك لصار عدواً لخطيئته الشخصية. لذلك لا يستحق المدح، بل هو يبين أنه عدو لأخيه ومن أجل هذا يستحق اللوم. هذه المحبة الروحية ينبغي أن تبدأ من البيت، لأنه كيف تتجاسر –وقد التحفت بالعار- أن تقول لأخيك “دعني  أعينك في إصلاح حياتك” بينما أنت لا تهتم مطلقاً بإصلاح نفسك؟ إن قلبك يوبخك بسبب هذه السخافة، وأنت لا تستطيع أن تفعل هذا بشيء من راحة الضمير. سوف تجد أن كل واحد يخبرك بأن الرذيلة لا تُصلح خطيئة، فيا أيها الطبيب إشف نفسك.

أيها الديان الأزلي، ارحمني أنا الخاطئ. لقد أدنت واحتقرت كثيرين من زملائي، فاغفر كبريائي وطهرني من التكبر، لأتغير وأرحم الجميع مثلما ترحمنا أنت. إذا كان من الواجب علي في مهنتي أن أقرر مصير إنسان ما، فاعطني حكمة ومحبة وتأن لكي أعرف مشيئتك أولاً. ساعدني حتى أدين نفسي وأنكر ذاتي أولاً، وأحمل صليبي كل يوم وأتبعك. الصلاة:

السؤال 76 :  لماذا حرّم علينا المسيح إدانة الآخرين؟

7: 6  لاَ تُعْطُوا الْمُقَدَّسَ لِلْكِلاَبِ، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَّزِقَكُمْ.                                                        (متى10: 11، لو23: 9)

لا تسرع في تقديم الخلاص للآخرين، ولا تظن أنك قادر على خلاص فاسد واحد، لأن المسيح وحده هو المخلّص. أما نحن فآلات في يده اللطيفة. كثيرون ليسوا مستعدين لسماع كلمة الله يرفضونها باستهزاء وليسوا مستعدين لفهم وحدة الثالوث الأقدس. حاذر أن تقول لهم كل البشارة للمرة الأولى، فلا يستطيعون استيعابها دفعة واحدة. لا تجبرهم على قبول أفكارك عن المخلص إذا رفضوها. ولا تتكلم بمبالغة عن اهتدائك وتجديدك، لأنهم لا يقدرون أن يفهموها إن لم يفتح روح الرب آذانهم للأسرار الروحية، فيستهزئون بك ويجربونك وينصبون لك فخاخاً لهلاكك.

صل لأجلهم حتى يرف روح الرب عليهم، ويُحضِّر القلوب لقبول كلمته ليستنيروا ويستطيعوا أن يدركوا ما هو الخير لهم.

إهد كل طالب خلاص إلى المسيح مباشرة، لا لتقواك الخاصة، إذ أن الأرواح الشريرة تتربص لتخربك، فإذا رَبَطته هذه الأرواح يتصرف مثل الحيوانات بل أكثر. لا تظن أنك تستطيع أن تخلصهم من تلقاء نفسك. إننا نحبهم باسم المسيح ونحترم حتى الملبوسين لأن المسيح غفر لهم خطاياهم وهم لا يعرفون بل يرفضون ويجدفون.

لا تدن إنساناً، ولا تحاول أن تخلّصه بقدرتك الخاصة، لأن كليهما عمل الله وحده. والله يدعوك لتتبع مسيحه، وتعلن قدرته، وتحقق قوته بإيمانك. فصلّ أكثر مما تفكر، وتعمّق في الإنجيل أكثر مما تتكلم. لا تدن أحداً البتة، بل أحبه وباركه واحتمله، وصل لأجله لتتجلى محبة الله فيه.

ينبغي أن تكون غيرتنا ضد الخطيئة مسترشدة ببعض القواعد. ينبغي ألا نحاول تقديم التعليم، أو النصيحة، أو التوبيخ، او التعزية للمستهزئين القساة القلوب الذين لن تجديهم نفعاً مطلقاً، لكنهم يزدادون سخطاً وحنقاً وثورة ضدنا.

أيها الآب اغفر لنا كبرياءنا الدائنة، فاننا لا نعرف ولا نفهم الناس كما يليق ولسنا أفضل منهم. طهرنا من استكباراتنا ونجاساتنا لنصبح أبناءك القديسين ونحب الضالين فعلا، ونتقدس في حفظك. علمنا المحبة والثبات فيك. نصلي من اجل أي إنسان ملبوس بأرواح نجسة أن تطردها منه واسكن بروحك فيه، واحفظنا تحت دمك الثمين. الصلاة:

السؤال 77 :  كيف نحب ونخدم الذين لا يريدون أن يسمعوا كلمة الله؟

د- خلاصة دستور ملكوت السموات

(7:7 –27)

صلاة الإيمان بالله الآب

(7: 7-11)

7: 7   اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. (8) لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ. (9) أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزاً، يُعْطِيهِ حَجَراً؟   (10) وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ (11) فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ.

(إرميا29: 13-14، مر11: 24، يو14: 13، يع1: 17)

هل تعاني من مشكلة أو ضيقة، ولا تجد لنفسك خلاصاً ولا فكاكاً منها؟ تعال إلى ربك وحدثه عنها، فهو الوحيد الذي يستطيع حل مشاكل نفسك وجسدك وروحك. لقد أرسل مسيحه إلى العالم بسلطان فائق، ليمحو خطاياك، ويسكب من روح محبته فيك، كي يرشدك إلى القناعة والحكمة والصدق. صل أكثر مما تتكلم، ولا تشغل بالك ليلاً نهاراً في همومك، بل اصغ إلى كلمة الله، وآمن بوعوده الأمينة، فلا تضطرب، ولا تخف. تعال إلى أبيك السماوي وثق به فاتحاً لديه ضميرك لأن كثيراً ما أصبحت الخطايا سبباً لعدم استجابة صلاتك، فالتمس منه العفو والغفران. إنه ينتظر قدومك إليه. فمتى تأتي؟ إن أباك السماوي يساعدك في مشاكلك الخاصة. وأكثر من ذلك، فهو يجيبك بفرح إذا صليت أيضاً لأجل الآخرين بدافع روحه، لأن الله في ذاته محبة، ويعزم أن يملأ قلبك بحنانه. كم صلاة تصلّيها لأجل نفسك، وكم واحدة ترفعها سائلاً الله لأجل الآخرين؟ فبالجواب على هذا السؤال يظهر لك السبب لعدم استجابة صلواتك بسرعة.

أما الروح القدس فيرشدك إلى مشيئة الله وإلى الباب المؤدي إلى قلبه الأبوي. هو لا يساعدك بسطحية، ليس بالمال والنجاح أولا، بل يثبتك في ابنه المخلص الفريد. لا يمنحك اليقين بخلاص نفسك فحسب إنما المخلص بنفسه يحبك.

هل ادركت السر في مدرسة الصلاة للروح القدس، كل انسان في طبيعته شرير وفاسد،لأن المسيح سمانا في لطفه “أشراراً”. لكن الله يحبنا كأب حنون ونحن الضالون، ويشاء أن يغيرنا بروحه لنعيش معه إلى الأبد. كيف نأتي إليه طالبين متاع الحياة الدنيا فقط؟ لهذا يدعوك المسيح أن تتعمق في إنجيله لتطلب أولا ملكوت الله وبره وتسعى لنشره باذلاً جهدك لإنشائه في محيطك، بعدئذ يزيدك أبوك السماوي كل ما تحتاج إليه.

كثيراً ما يتباطأ الله بالاستجابة للذين يدعونه، وذلك ليمتحن قلوبهم إذا كانوا يحبونه شخصياً، أو يحبون هباته فقط. فالله يريد ثقتك التامة لكي تواظب على صلواتك وتستمر في ابتهالاتك، فيفتح نوافذ سماواته ويمطر ببركاته عليك وعلى أصدقائك نعمة فوق نعمة. واظب على الصلاة وآمن بحضور الله بجانبك لأنه مستعد أن يكون معك ويطيل حياتك. فهل تستقبله وتشكره وتعتبره محور حياتك؟

علَّمنا المسيح أن نتدرج في صلواتنا، ونلحّ أكثر فأكثر في طلباتنا فردياً وجماعات. فتعالوا واجتمعوا للصلاة المشتركة، ليبارككم أبوكم السماوي بملئه. إنه يترقب الأدعية من أبنائه، فاسألوه أولاً بعزم ومحبة عن أفضل حل لمشاكلكم، واطلبوا قوة الله لخلاص الكثيرين، واقرعوا بابه بإلحاح من خلال صلواتكم، ملتمسين منه الغفران والتجديد للجائعين إلى البر في محيطكم. لأنه بدون محبة للضالين تكون صلاتك بلا قوة.

ما أجمل الصورة التي قدمها المسيح عن الآب الدنيوي. يمنح لأولاده عوناً ورزقاً حسناً رغم إهمالهم وأنانيتهم في طفولتهم، ولا يهلكهم في غضبه إذا أخطأوا، بل يشبعهم لأنه يحبهم. هكذا يمنحك الله كل عطايا صالحة، ولا يهلكك لأنه هو أبونا ويبذل جهده لتربية أولاده وغذائهم ولباسهم الجسدي. يهتم بالجسد والنفس والروح ليصل أبناؤه إلى الكمال الروحي.

آمن بعناية أبيك السماوي وجودته المتدفقة عليك وعلى كنيستك. لا تكل في صلاتك بل آمن بما تتكلم به في دعائك باسم المسيح، فتختبر عجائبه بحلول قوى كثيرة وحكمة إلهية لتبشير الضالين.

إن الوعد اعطي مطابقاً كل المطابقة للوصية. سوف يلتقي الله بأولئك الذين يتقدمون إليه. اسألوا تعطوا، لم يقل “يعار لكم” أو “يباع لكم” بل “تعطوا”. هل هنالك أسخى من العطية؟ مهما صليتم من أجل أي أمر، مهما سألتم فإنه لا بد أن “يعطى لكم” حسب الوعد إذا كان الله يرى أنه مناسب لكم. وأي شيء تطلبون أكثر من هذا؟ كل ما عليكم هو أن تطلبوا لكي تمتلكوا، وإن كنتم “لستم تمتلكون فلأنكم لا تطلبون” أو “لأنكم تطلبون بدون إخلاص” وما لا يستحق الطلب لا يستحق الإمتلاك، وبالتالي لا يوازي فتيلا.

المفروض هنا أن الإبن يسأل خبزاً وهذا ضروري وسمكة وهذا صحي، أما إن طلب بإلحاح حجراً أو حية، إن طلب فاكهة غير ناضجة ليأكل أو سكيناً حادة ليلعب بها فإن الآب بحكمته لن يستجيب لطلبه مهما كان محباً شفوقاً. طالما نحن طلبنا من الله ما يضرنا، ولعلمه بهذا فإنه لا يعطينا. إن المنع بالمحبة أفضل من المنح بالغضب. ولو اننا قد أعطينا كل ما طلبنا لهلكنا منذ أزمنة طويلة.

امتحن مقاصد طلباتك مقارناً إياها بالإنجيل، مصلياً بما تعلمناه من المسيح في الصلاة الربانية، لأن هذه  الطلبات مستجابة عنده.

أيها الآب الحنون، نتهلل لأنك لا تهمل همومنا الصغيرة أو الكبيرة، بل تستجيب لنا في كل حين. اغفر لأنانية صلواتنا واملأنا بروحك القدوس لكي نحبك ونبتهل إليك بمواظبة لأجل خلاص الكثيرين، ولا نتركك قبل أن تباركهم. علمنا أن نسألك ونطلب منك ونقرع بإلحاح باب السماء حتى ترسل عونك لتمجيد إسمك القدوس. الصلاة:

السؤال 78 :  لماذا يطلب منَّا يسوع الصلاة المُلحّة بمواظبة؟

القاعدة الذهبية

( 7: 12 )

7: 12 فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ.                                        (متى22: 36-40، رو13: 8-10، غل5: 14)

هل عرفت أن الله يحبك ويستجيب لصلواتك ويحررك من حقد حسدك ويخلّصك من روح همومك ويجرّدك من حساسيتك البغيضة إلى حياة مستقيمة في إطمئنان وخدمة وطهارة؟ جواباً على هذه المحبة العظمى لا تفكر بنفسك أولاً، بل غيِّر تفكيرك، وتأمل في حالة قريبك. وكما أنك تحب نفسك، هكذا تبذلها في سبيل  التضحية لأجل الآخرين. انظر إلى المسيح الذي بذل نفسه لأجل الخطاة. فبقدوته يتغيّر مبدأ الحياة. عندئذ لا تنتظر من الناس خدمات ومساعدات وملاطفات، بل تسبقهم في الاحترام والعون والتواضع، وتعمل لهم المعروف بسرعة. فاتباع المسيح يغير خدامه إلى صورة ربهم.

لم يأت المسيح ليعلمنا ما يجب أن نعرفه ونؤمن به فقط، بل أيضاً ما ينبغي أن نفعله. لم يأت ليعلمنا ما ينبغي أن نفعله نحو الله فقط بل أيضاً ما ينبغي أن نفعله نحو البشر. لم يأت لكي يعلمنا ما يجب أن نفعله نحو أصدقائنا وزملائنا في الخدمة فقط، بل أيضاً نحو الناس بوجه عام، نحو جميع من نتعامل معهم. إن القاعدة الذهبية للعدالة هي أن نفعل بالآخرين ما نريدهم أن يفعلوه بنا. وسواء أخذتها على وجهها الإيجابي أو السلبي فإنها تؤدي نفس المعنى. لأننا ينبغي أن لا نفعل بالآخرين نفس الشر الذي فعلوه بنا أو الذي يريدون أن يفعلوه بنا لو كان باستطاعتهم. ينبغي أن لا نفعل بالآخرين ما نتذمر منه لو أنه عُمل بنا، بل يجب أن لا نفعل إلا ما نود أن يُعمل بنا.

إن هذه الوصيّة مؤسسة على تلك الوصيّة العظمى “تحب قريبك كنفسك”. فكما أننا ينبغي أن نحمل   للآخرين نفس المحبّة التي نود أن يحملوها تجاهنا كذلك ينبغي أن نفعل بهم ما نريدهم أن يفعلوه بنا. في تصرفنا مع الآخرين ينبغي أن نفترض بأننا في نفس ظروفهم وأحوالهم، وأن نتصرف معهم على هذا الأساس. فإذا كنت أقوم بذلك العمل التجاري الذي يقوم به صديقي، أو أعمل تحت نفس الضعف الذي يئن منه، فكيف كنت أتمنى أن يعاملني به الآخرون؟ هذا افتراض عادل، لأننا لا ندري إن كان الوقت سيأتي سريعاً حيث تتبدّل الأحوال فتصبح ظروفهم نفس ظروفنا نحن، أو على الأقل لنخف لئلا يصنع الله معنا بعدله ما صنعناه نحن بالآخرين إن فعلنا لهم ما لا نحب أن يفعلوه بنا.

أيها الأب السماوي تستحق العبادة من كل إنسان، وما أكثر الإهانة من الجماهير السالكة بلا مبالاة تجاهك. انت في صبرك لم تُبِدْهم بل بذلت ابنك الوحيد لأجلهم لتجذبهم إليك وتغيرهم إلى صبرك. اغفر لنا عدم الإنتباه لجودك ولطفك وقدرتك، وغيرنا تغييراً جذرياً لكي نخدمك ونخدم كل إنسان بحمد وشكر للمسيح، قدوتنا ومثلنا الأعلى. الصلاة:

السؤال 79 :  ما هي خلاصة القاعدة الذهبية؟

الطريقان

(7: 13، 14)

7: 13  اُدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! (14) مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!                    (متى19: 29، لو13: 24، أعمال14: 22)

يدعوك الله لتتقدم إليه. لكن أين هو باب السماء؟ قال المسيح: «أنا هو الباب». وليس أحد يدخل إلى الفردوس إلا إذا التجأ إلى محبة الله المتجسد في يسوع. هو الذي حمل خطاياك. فيه تستطيع القدوم إلى الله خالياً من ذنوبك. وبدون التخلص من خطاياك لا تستطيع المرور من الباب الضيق. ينبغي علينا أن نأتي معترفين بخطايانا ليجعل منا مطهَّرين قدّيسين. فالصليب هو الباب الداخلي المؤدي إلى السماء.

في الطريق الواسع الرحب تجد الكثير من الحرية. فالباب مفتوح على مصراعيه ليغري السالكين في رفاهية تستطيع الدخول من هذا الباب بكل شهواتك، دون أن تجد ما يصد رغباتك أو ملذاتك. تستطيع أن تسلك “في طريق قلبك وبمرأى عينيك” (جامعة11: 9) لأنه واسع جداً. إنه طريق رحب لأنه لا توجد فيه حواجز تصد السالكين فيه، وهم يتجولون بكل حريّة. طريق رحب لأن فيه مسالك كثيرة، وفيه يجد المرء حرية الإختيار بين طرق خاطئة كثيرة، كل منها عكس الأخرى، لكنها كلها مسالك في هذا الطريق الواسع.

كثيرون سيدخلون من هذا الباب ويسلكون في هذا الطريق. إذا تبعنا الكثيرين كان ذلك لفعل الشر، وإذا سرنا مع الأكثرية سرنا في الطريق الخاطئ. إنه لأمر طبيعي أن نميل للسير مع التيار، ونتصرف كما تتصرف الأغلبية، لكن هل نرضى لأنفسنا بأن نُدان معهم، ونذهب إلى جهنم معهم لأنهم لا يريدون الذهاب إلى السماء معنا؟ إذا كان الكثيرون يهلكون فيجب أن نكون نحن أكثر حرصاً.

ليس الطريق لاتباع يسوع هيناً، بل يتطلب انتباهاً كبيراً على الدوام. فان اجتزت بترنم سلسلة الجبال الفاتحة أفواه أوديتها، من اليمين والشمال، لتبتلع العابرين، لا تخف في سيرة حياتك الخطرة بل اتبع قائدك يسوع مرتبطاً به بحبل الإيمان، كي لا تسقط في الهاوية، بل تتوصل إلى العلي، هدف حياتك.

قليلون هم أتباع المسيح، لأن الناس لا يعرفون أن طريق محبته جميلة، فيسرعون في طرق الشهوات والأمنيات الكاذبة، مفتخرين وعاصين الله ومتجولين في صراطهم العريض إلى أسفل الهاوية ظانين أنهم على صلاح واستقامة وهدى وأنهم ليسوا بحاجة إلى مخلص رحيم. ليس للناس الذين يحيون بدون الله أي فرح او حق أو سرور داخلي، فيبطرون ويسكرون ويزنون، وإذا طريقهم يوصلهم مباشرة إلى الهلاك الأبدي.

إلى أين أنت ذاهب؟ أي طريق تسلك؟ هل الطريق المؤدية إلى الله أم إلى الشرير؟ لا تسرع في الإجابة لأن الأتقياء الفريسيين، في زمن المسيح، فكروا متأكدين أن بطاقة الدخول إلى السماء جاهزة في جيوبهم. إنهم تركوا التدخين وهجروا الخمر وارتدوا ملابس محتشمة، وصلوا بلا انقطاع، وصاموا أياما وليالي معدودات ثم قدموا عطايا وقرابين وشهدوا بأصوات مرتفعة. رغم كل ذلك لم تُغنهم هذه العبادات الظاهرية بل كانوا أقرب الناس إلى جهنم الملتهبة. إنهم لم يُدركوا ذنوبهم وركضوا غير تائبين، فغرقوا في الإستكبار المبين. لقد أحضر لهم الشيطان صاروخا من بِرِّهم الذاتي فهوى بهم الى السعير، فتقدّموا مطمئنين إلى فم جهنم المفتوحة وبئس المصير.

إن تجديد الحياة هو “الباب” الذي ندخل منه إلى هذا الطريق الذي به نبدأ حياة الإيمان والتقوى. بالتجديد نهجر حياة الخطيئة وندخل إلى حياة النعمة. هذا “باب ضيق” لأنه من العسير الحصول عليه، ومن الصعب اجتيازه، كممر بين صخرتين. ينبغي أن يكون هنالك قلب جديد وروح جديدة، وأن يوضع حد للأشياء العتيقة. ينبغي أن تتغير ميول النفس، وأن تهجر العادات الفاسدة، وأن نتخلى عما ألفناه طوال أيامنا. ينبغي أن نسبح ضد التيار، وأن نجاهد ضد مقاومات كثيرة من الداخل ومن الخارج. إنه أيسر أن يقاوم المرء ضد العالم من أن يقاوم ضد نفسه. مع ذلك ينبغي أن يقف هذا الموقف. إنه “باب ضيق” لأننا ينبغي أن ننحني، وإلا تعذر علينا اجتيازه، ينبغي أن نكون كالأولاد الصغار، أن نذل كبرياءنا، أن ننكر ذواتنا، أن ننبذ العالم، أن نخلع الإنسان العتيق أن نكون راغبين في ترك كل شيء من أجل تمتعنا بالمسيح. الباب ضيق للجميع، لكنه أضيق للبعض مما هو للآخرين، أضيق للغني،و للذي بقي طويلاً متحاملاً ضد الديانة. الباب ضيق لكن شكراً لله لأنه ليس مغلقاً في وجهنا، أو مقفلاً أو محروساً بلهيب سيف متقلب كما سيحصل له قريباً (متى25: 10).

نجد هنا الأمر واضحاً كل الوضوح، فالحياة والموت، الخير والشر، مقدمة أمامنا، والطريقان والنهايتان. والآن تأمل في الأمر ملياً بلا تحزب واختر لنفسك اليوم الطريق الذي تسلكه. يوضح الأمر نفسه بنفسه ولا يحتاج لأي مناقشة. لن نجد إنساناً عاقلاً يختار بمحض إرادته السلوك إلى المشنقة لأن الطريق إليها ناعم معبّد، أو يرفض السلوك إلى القصر أو العرش لأن الطريق إليهما خشن وقذر. مع ذلك لا يزال الكثيرون يرتكبون هذه السخافات فيما يتعلق بأرواحهم. إذن فلا تتوانوا ولا تترددوا، بل ادخلوا من الباب الضيق، واقرعوا بالصلوات المخلصة المستمرة وبالجهود المتواصلة، فتجدوا أنه يفتح لكم الباب. صحيح أننا لا نستطيع الدخول أو استمرار السير في الطريق دون مساعدة النّعمة المقدمة إلينا مجاناً، ولا يمكن أن يحرم منها الذين يطلبونها ويخضعون لها. إن التجديد عمل شاق، لكنه لازم، وشكراً لله لأنه ليس مستحيلاً إذا اجتهدنا (لو13: 24).

 وأنت يا أخي، هل مُتَّ مع المسيح على صليبه، وقمت بقيامته إلى جدة حياته، منتظراً مخلصك بفرح عظيم؟ أم مازلت تعيش لذاتك ولشهواتك، ولم تدرك بعد نجاساتك وما ينتظرك من عذاب؟ تعال إلى يسوع، إنه هو الباب المؤدي إلى الله، وليس من طريق آخر إلا هو.

أيها الآب العظيم، أنت المحبة المقدسة. اغفر لي كل اهتمامي بنفسي وإهمالي للآخرين. ساعدني للالتجاء إلى ابنك المصلوب ليحررني من ثقل أحمالي، فأسير مع كل أولادك في دروب القداسة، تابعين رئيس سلامنا وآتين إليك رغم المخاوف والتجارب، لأن ابنك ارتبط بنا في عهده الجديد.الصلاة:

السؤال 80 :   لماذا يكون الباب والطريق المؤديان إلى الله ضيِّقان؟

الأنبياء الكذبة

( 7: 15- 20)

7: 15  اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ الْحُمْلانِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ   ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! (16) مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَباً، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِيناً؟ (17) هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَاراً رَدِيَّةً،    (18) لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً رَدِيَّةً وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً جَيِّدَةً.(19) كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. (20) فَإِذاً مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.

(متى24: 4-5 و24، يو15: 2و6، 2كو11: 13-15، غلا5: 19-22)

يحذرك المسيح من المعلمين الخاطئين، الذين يُضِلّون طلاب البر بكلماتهم الرنانة، لأن الشيطان الذي اعتاد  الغش والتزوير لا يرسل فجاراً ولا بسطاء إلى الكنيسة، بل أناساً مرائين متظاهرين بالإنسانية والعلم، ويلهمهم موهبة الخطابة، لكي يجتذبوا الجماهير برؤى ونبوات، ويُجري بواسطتهم قوى ساحرة وعجائب بارعة.

إحذر ولا تسلّم نفسك لأي روح ولا تثق بكل دين، بل قارن التعاليم المختلفة بواسطة الإنجيل، لأن الكنيسة ورعاتها لا يخلّصونك، إنما المخلّص هو المسيح الحي وحده.

إن كل من يكرز بإنجيل آخر ولا يقدم غفران الخطايا بدم المسيح، يشبه ذئباً بقلب مهلك ولو تظاهر بوداعة الحمل. كذلك كل قسيس أو مطران لا يعلم الولادة الثانية بروح المسيح يكون عثرة للآخرين، لأن المسيح مات لننال الحياة الأبدية اليوم بواسطة الإيمان.

من يحاول إضلالك إلى القداسة المصنَّعة والزائفة بواسطة الصوم أو الحج أو الزكاة، فهو من المضلين، لأن الإنسان لا يتبرر باعماله الخاصة، بل بنعمة الله وحده. إذا طلبت الخلاص لا تلتصق باللاهوتيين والوعاظ الذين يسبونك إلى عبودية الشريعة والطقوس لإرضاء الله بخدمات بشرية وتقديس ظاهري ليوم السبت أو سواه. إن هذه التشريعات لا تكسبك كنزاً عند الله. المسيح وحده يقدسك وإيمانك بدمه يرضيه.

اهرب من رؤية الملائكة والظهورات النورانية والأنوار المتلألئة أو الإتصال بالأموات. التجئ إلى المسيح وحده، إذ الشيطان نفسه يظهر كملاك النور خادعاً الجماهير وعاملا آيات وعجائب تسبي العقول ليجتذب كثيرين ويُبعدهم عن المصلوب. إذا سمعت أصواتاً أو رأيت أحلاماً فلا تهتم بها لأن الشيطان قادر على أن يوسوس لك كذباً وراء كذب حتى تظن نفسك نبياً مختاراً ومصلحاً قديراً، وتتعجب من نفسك مرتفعاً عن الآخرين. تذكر سريعاً أنك أكبر خاطئ على هذه الأرض، وجاوب المجرب بأنك ضعيف وصغير فيهرب منك. ليس لك موضع أو مكان إلا في خلاص المسيح الذي يخاطبك “إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل  صليبه ويتبعني“.

كل كاهن أو مبشّر يجذب سامعيه إلى نفسه بروح التحزّب هو من الروح السفلي، لأن سفراء المسيح الحقيقيين يحوّلون المؤمنين من النظر إليهم، إلى الإيمان بشخص المسيح وحده. فلا تتأثر بعظمة شخص ما، بل اطلب المصلوب وحده واقتفي أثره.

من ثمار شخصياتهم وكلماتهم وتصرفاتهم واتجاه سلوكهم تعرفونهم. إن أردتم أن تعرفوا إن كانوا مستقيمين أم لا فلاحظوا كيف يعيشون، لأن أعمالهم إما أن تشهد لهم أو عليهم. جلس الكتبة والفريسيون على كرسي موسى، علَّموا الشريعة، لكن الأغلبية منهم كانوا متكبرين، طماعين، كاذبين، ظالمين. لذلك حذّر المسيح تلاميذه ان يحترزوا منهم ومن خميرهم. فإذا ادعى أي إنسان أنه نبي وفسدت حياته كان ذلك برهاناً على كذب ادعاءاته. وأولئك الذين إلههم بطنهم، الذين يفتكرون في الأرضيات ليسوا أصدقاء حقيقيين للمصلوب مهما تظاهروا. وأولئك الذين تشهد حياتهم على أنهم منقادون بالأرواح النجسة لا يمكن أن يكونوا قد تعلموا من الله القدوس أو أُرسلوا بواسطته. إذا قد يعلنون شريعة الله، ولكن أفعالهم تكذب أقوالهم.

انتبه لا تظن نفسك قائد الناس إلى المسيح. إذا كنت لا ترفض كل خطاياك في توبتك وتبتعد عن الموت الروحي تبقى تائها ومضلا. اطلب من ربك قلباً مسحقا وزيادة في قداسته وحنانه لكي لا تبشر بأفكارك الخاصة، إنما تعيش في قوة الروح القدس متواضعاً راضياً. أما الذين يُبغضون أعداءهم ويحتقرون البسطاء الغوغائيين فليسوا من الله. إن الأزلي قد أرسل ابنه إلى العالم ليقوي المساكين المذنبين، لكن الذين يأخذون كرامة من الناس ويطلبون الإحترام لأنفسهم ليسوا من اتباع المسيح الذي أكرم أباه دائماً، كما أن الأب يكرمه إلى الأبد. وكما أنه لم يجمع ولم يكنز مالاً بل بقي مقتنعاً، ينبغي أن لا نخدع أنفسنا بغرور الغنى والرفاهية، بل أن نتعب ونجتهد للحصول على الطعام الذي يكفينا كما قدم الرسول بولس بنفسه مثلا: إن طهارة قلبك ونظافة قولك دليل واضح على أن مصدرك هو الله، لأن من يتكلم بقوة الروح القدس، يعش من فضائله سعيداً محفوظاً.

أيها الآب السماوي، نشكرك لأن ابنك أنقذنا من الكذب والغرور، ورسله قد أرشدونا إليك. افتح قلوبنا لروحك الحق لكيلا نضل، بل نميز الأرواح بسرعة، ونأتي بثمار صالحة كثيرة. ولا نُعثِر إنساناً ما، إنما نرشده إلى ابنك المخلّص الوحيد.الصلاة:

السؤال81 :  من هو المُضِلّ؟

تطبيق الشريعة بقوة الروح

( 7: 21- 27)

7: 21  لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (22) كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذ لِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُّوَاتٍ كَثِيرَةً؟ (23) فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!

(متى25: 14، لو13: 25-27، رو2: 13، يع1: 22)

خلّصك المسيح لتعمل أعمال شريعته. إن إيمانك بالمخلّص نقلك إلى حياته، وموته برّرَك لتحل قوة روحه القدوس في جسدك. فكيف تثبت أنك من ابناء الله؟

يظهر انتماءك لله من خلال صلاتك، لأن أولاد الله لا يصرخون كل حين: «يارب، يارب» ولا « ياسيد ياسيد» بل يدعون الله “أباهم“، ويستودعون أمورهم وأنفسهم بين يديه، ويثقون بعنايته الدائمة، فيهتدون ويتقوون لأعمال صالحة، ويتعمقون في رسالة الإنجيل، وينمون في ثقة ومحبة ورجاء. لم يحررنا المسيح لنصلح أعمالنا الشريرة بقوتنا الذاتية، بل لنستسلم للروح القدس الذي ينشئ خليقة جديدة مع ثمارها فينا.

حدث مرة أن كاذباً آمن بالمسيح. وكان أصدقاؤه من قبل يقولون عنه إن ثمانين بالمائة من أقواله مبالغ فيها. لكن بعد اهتدائه، قال أحد أصدقائه إن عشرين بالمائة من أقواله مبالغ فيها. ففرح المؤمن المنسحق لأنه نما في الصدق، وطلب من المسيح بدموع أن يخلّصه من المبالغة تماماً، ويجعله صادقاً لآخر كلمة وحرف، مستقيماً في كل كيانه.

إن كنت ترى ضعفاً وعلة في أخلاقك، فاذكرها لدى المسيح معترفاً بندامة، طالباً منه شفاءك وتقديسك. وارفض كل إثم بعزم وقوة.

إن ثباتك في الله يتم من خلال انكارك لنفسك، لأنه لا يسكن في طبيعتك شيء صالح، ولا تستكبر البتة، إذ أن الإستكبار هو خطيئة الشيطان. لا تحاول طرد الشياطين من الملبوسين بقدرتك البشرية لكي لا تحل فيك. ان المسيح هو الوحيد الذي يستطيع طرد الأرواح النجسة بواسطة روحه القدوس. والرب يستخدم شهادتك المخلصة لتحرير وإنقاذ المقيدين.

يدعوك الرب لتكون شاهداً أميناً لأعماله اليوم، فلا تطلب منه معرفة المستقبل متخيلاً أكثر مما يتيح لك  الوحي من خلال الكتاب المقدس. ثق بهدى أبيك، ولا تتعب ظاناً أنك قدير. لا تجرب فداء مجتمعنا من الجوع والظلم بواسطة جهودك، إنما اصغ بدقة إلى إرشاد الروح القدس الذي يستخدمك لتبشير الآخرين والقيام بالأعمال الخيرية الضرورية غير المنظورة. إن دعاك المسيح إلى إتمام عمل مبارك لتمجيد أبيه، فإنه يفوضك بسلطانه الخاص. لكن لا تنس عندئذ أنك في ذاتك باطل وأن مواهبك ليست منك، بل أن محبة الله منسكبة فيك، فهي آتية من خارج ذاتك كهبة عظيمة لحياتك الحقيرة. تمعن في نشيد المحبة الوارد في ( 1 كورنثوس 13) لتدرك أن موهبة الخطابة الجذابة والإيمان الناقل للجبال لا يخلصك، بل محبة الروح القدس الصادرة من الإيمان في المسيح يثبتك فيه وتحقق ثمار خلاصك. تمسك إذن بيسوع مثلما يثبت الغصن في الكرمة، فينشئ الرب فيك ثماره، وهذه هي مشيئة أبيك السماوي أن تتحد مع ابنه المسيح وتعيش فيه وهو فيك. ما أعظم هذا الوعد، أن تصبح مؤمناً حقاً، عاملاً بالمحبة الإلهية وخادما بتواضع وتأنّ.

ويل للجماهير المسيحية التي تعتقد أنها على عهد مع الله، لكن لا تتبع المسيح حقاً في حياتها. ويل للكبار في الكنائس والجمعيات الذين يستكبرون ولا يتواضعون امام غيرهم، كغسل أرجل رفاقهم، بل يدينونهم بقسوة. ويل للموهوبين الأذكياء المتكلمين بقوة العبقرية، لكنهم لا يحبون المساكين الصغار. هؤلاء يسقطون إلى الدينونة الصارمة في الآخرة.

إن المحبة هي تكميل الشريعة. الإيمان سينتهي حين يأتي المسيح ثانية إلى عالمنا. والرجاء سينتهي حينما نرى مخلّصنا ونعاين أبانا المجيد. لكن المحبة تبقى خالدة، لأن الله محبة. فاطمح للامتلاء بالمحبة الإلهية، لتطبقها في حياتك، وتظهر أنك بالحقيقة ابنا حقا لأبيك الحنون، وأخاً صادقاً ليسوع المسيح علماً أنه القاضي الديان في القيامة فيفرق بين عاملي المحبة وفاعلي الظلم والإثم. ثابر على تطبيق المحبة التي هي الدليل الوحيد لإيمانك الصحيح.

أيها الآب القدوس، نشكرك لأنك سكبت محبتك في قلوبنا بالروح القدس المُعطَى لنا، طهرتنا بدم ابنك الحبيب. سامحنا لسبب قلة صبرنا، واهتمامنا بأنفسنا واستكبارنا. ثبّتنا في يسوع، لنتمم مشيئتك في قوته، ونثبت في عنايته محروسين محفوظين.الصلاة:

السؤال82 :  من الذي يدخل إلى السماء؟

الرجل العاقل و الجاهل

(متى7: 28-29)

7: 24   فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ.  (25) فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأََنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأََنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ. (26) وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ. (27) فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً!

ستسقط عليك عواصف وزوابع، سواء من الناحية المعنوية أو العملية، لأن البشر الملحد يقف تحت غضب الله، وسحب القدير رداءه وسلامه من العالم. إننا نعيش وسط الويلات السابقة لمجيء المسيح الثاني. فإذا قال أحد “السلام عليكم” وهو مغتر، لأن الحرب دقت طبولها، والبغضة تزداد، والجوع يزحف ويخنق، والموبقات تسري في كيان المجتمع. كيف تقف يا أخي وسط هذه الضيقات الهائلة.

أجابك المسيح بكلمة معزية “ليكون لكم في سلام، في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم”. فلا تخف لان المقام من بين الأموات وهبك أساساً متيناً لحياتك وجوهرة أثمن من اللآلئ. إنها الإنجيل المقدس العظيم الذي تجد فيه قوة للحياة والموت، للعمل والراحة، للفرح والحزن. فالإنجيل هو الدواء لكل أمراضك وأسقامك. إذا استخدمت هذه الكلمات الإلهية شعاراً لحياتك تصبح ذكياً حكيماً، لا يزعزعك شيء، وتثبت مطمئناً وسط طوفان غضب الله لأنك تعرف صوت ابنه الحنون القائل لك “ثق يا بني، مغفورة لك خطاياك“. فالمسيح بالذات هو الأساس المتين لمستقبلك.

ويل للإنسان الذي يبني حياته على فلسفات ومذاهب غير مؤسسة على الصليب، لأنها تخدعه وتكلمه عن تفوق الإنسان ونجاحه بأعماله الخاصة، وتنفخه إلى أن ينفجر. عندئذ يدرك أن لا شيء صالح في نفسه، ويهرب بلا رجاء بتشاؤم مرير ويجلده الخوف جلداً فيركض وراء كل زعيم كاذب وغدار يطلق شعارات تافهة، كلما تلألأت بمخيلته أفكار باطلة. إن الجماهير التي لم تتعلم وتستوعب إنجيل الحق، تُصبح غنيمة سهلة للمسيح الكذاب ومساعديه، وفي نفس الوقت مجدفة على الآب السماوي الذي أحبها وفداها.

لكنك تعرف صوت الراعي الصالح، الذي لا يضج ولا يصرخ، بل يحفظ أتباعه في حقه إلى الأبد، ويقوّيهم للأعمال الصالحة الصادرة عن قوة محبته وصبر رجائه، فلا يستطيع أحد أن يخطفهم من يده. هو والآب واحد. ولا يقدر أحد أن يخطفنا من يد أبينا السماوي. المسيح حي ومالك مع أبيه والروح القدس، إلهاً واحداً، إلى أبد الآبدين. وسيأتي قريباً ليُدخل الذين يعملون حسب الإنجيل إلى ملكوته الروحي، إذ ينتظرونه بترقُّب ممهدين طريقه بسلوك طاهر، ومقدمين له ثمار روحه القدوس.

7: 28 فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، (29) لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ.                                  (يو7: 16و46، أعمال2: 12)

المسيح إنسان حق وإله حق، فكلامه كله سلطان. يحرك القلوب المتحجّرة، ويخلّص الجياع إلى البر، ويقود المنكسرين لمعرفة أنفسهم. ولنا امتياز أن نوّزع إنجيل الفداء بين المشتاقين إليه، لنوضّح عظمة لطف مخلّصنا الفريد، الذي بنفس الوقت هو القاضي الأزلي، في الدينونة الأخيرة.

فانشر ملء كلمة الله في محيطك لكي يخلص كثيرون في هذه الأيام الأخيرة، لا تبالغ بمعارفك الفكرية أو الإختراعات البشرية، بل مجد الآب والإبن في قوة الروح القدس، الإله الواحد. فتختبر ماقاله يسوع “وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر“.

أيها الاب القدوس، نشكرك لأنك أوحيت لرسلك كلمة خلاصنا، واعطيتنا فرصة ثمينة لنتعمق في شريعة انجيلك. خلصتنا بدم ابنك واحييتنا بقوتك. احفظنا في محبتك. بارك جميع المشتاقين إلى خلاصك. استخدمنا بنعمتك لنشر بشرى الفداء في محيطنا، لكي نستعد معا لمجيء ابنك الحبيب. الصلاة:

السؤال 83 :  ماهو الأساس المتين للحياة؟

2. معجزات المسيح

في كفرناحوم ومحيطها

( 8: 1- 9: 35)

شفاء الأبرص

(8: 1-4)

8: 1  وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ. (2) وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي (3) فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ فَاطْهُرْ وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ. (4) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: انْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأََحَدٍ. بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدَّمِ الْقُرْبَانَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ.               

           (مر1: 40-44، لو5: 12-14)

دونت هذه المعجزة في مقدمة معجزات المسيح، لأن البرص كان ينظر إليه بين اليهود كعلامة خاصة على غضب الله. لهذا نرى أن مريم أخت موسى وجيحزى وعزيا قد أصيب كل منهم بالبرص بسبب خطايا معينة. ولكي يبين المسيح أنه جاء لكي يرفع غضب الله برفع الخطيئة بدأ بشفاء أبرص.

كان معروفاً بين اليهود أن هذا المرض يأتي من يد الله مباشرة فكان مفرضاً بأن الشفاء منه يأتي من يد الله أيضاً، لذلك لم تكن تبذل أية محاولة لعلاجه على يد الأطباء، بل كان يوضع الأبرص تحت مراقبة الكهنة، خدام الرب، الذين كانوا ينتظرون حتى يروا ما يفعله الله. وكانت إصابة الثوب أو الحائط بالبرص (لا 13: 14) أمراً خارقاً للطبيعة. اشمأزّ أتباع يسوع من الأبرص الذي جاء للمسيح، وتعجّبوا كيف سمح له المسيح بالاقتراب ولم يطرده، وكيف أن المسيح تجاوز أحكام وتقاليد أمتهم ليخلّص هذا المسكين المحتقر المطرود. برهن المسيح بشفاء برص كثيرين أنه هو الله، كما فوَّض تلاميذه أن يفعلوا ذلك باسمه أيضاً (10: 8) وقد كان هذا ضمن الأدلة التي قامت على أنه هو المسيا.

أما الأبرص، الذي كان منبوذا، فآمن من كل قلبه بقدرة المسيح، لأنه سمع عن أعماله العجيبة، ووثق   بألوهيته. وسجد له أمام الكل وناداه: «يارب». تمتم المسكين في سجوده طالباً الشفاء، فاتحاً نفسه وقلبه لجود المسيح، مؤمناً بقدرته المطلقة، وأضاف قائلا “إن أردت تقدر أن تشفيني“.

تجاوب المسيح في الحال مع هذا التكريس الكلي له، لم يخش العدوى، بل لمس الجلد المصاب، رغم امتعاض الجماهير الذين تراجعوا عنه فزعاً وخوفاً. أثبت المسيح بهذه اللَّمسة للأبرص قوله الإلهي العظيم: «أريد، فاطهر» لمّا طهره وشفاه، لم يقل كما قال  أليشع لنعمان “إذهب واغتسل في الأردن”، ولم يضع عليه عبئاً ثقيلاً بوصفة طبية صعبة وطويلة الأمد، بل نطق بكلمته القوية ذات السلطة المطلقة وشفاه في الحال.

بهذه العبارة الموجزة نرى إعلان مشيئة الله الجوهرية الفعالة، لأنه خلقنا ويرشدنا ويشفينا ويخلّصنا ويقدّسنا ويكمّلنا. فالله عامل وعازم على تطهيرنا من الفساد وعنده قوة لخلاصنا. لا تنس أبداً أن المسيح استجاب لصلاة الأبرص بكلمة واضحة: «أريد، فاطهر». وبقوة الرب الفائقة تقلص البرص عن الرجل مباشرة، وتجدد جلده المصاب ونمت الأعصاب التي كانت جامدة وميتة في جسده.

تعجبت الجماهير من قدرة يسوع ومن عظمة محبته المقتدرة، واختبرت حضور القوة الإلهية، ورأت في المعجزة بينة على ألوهية الطبيب الأعظم. فهكذا يلمسك ويمسحك، ويمسك بيدك ويعضدك لتشعر أن الرب يحبك، ويريد من كل قلبه أن يعينك ويطهرك بمحبته.

أرسل المخلّص المَشْفِي إلى الكهنة ليثبتوا هم رسمياً انتصار الله على هذا المرض المخيف، ويؤمنوا بيسوع، ويشهدوا لقدرته الفائقة على قهر الخطيئة ونتائجها. لم ينقُض المسيح الشريعة ووصاياها، بل أكملها في محبته.

أيها الأب نشكرك لأن مشيئتك تبغي خلاصنا وتطهيرنا في كل حين. أنت تريد أن نطهر فنسجد لك لإعلان محبتك في يسوع. علمنا جرأة الإيمان والثقة الأكيدة لنتقدَّم إليه ونسلمه مشاكلنا وآثامنا وأمراضنا لأجل فدائنا، فنتطهر لأنك تريدنا أن نطهر ونخلص. الصلاة:

السؤال 84 : لِم أبرز متى شفاء الأبرص كأول معجزة عملها المسيح؟

شفاء غلام القائد الروماني

(8: 5-13)

8: 5 وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ، جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ (6) وَيَقُولُ: يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي الْبَيْتِ مَفْلُوجاً مُتَعَذِّباً جِدّاً (7) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ (8) فَأَجَابَ قَائِدُ الْمِئَةِ: يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي. (9) لأَنِّي أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهذَا: اذْهَبْ فَيَذْهَبُ، وَلآخَرَ: اِيتِ فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: افْعَلْ هذَا فَيَفْعَلُ (10) فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ، وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هذَا. (11) وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، (12) وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ (13) ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ الْمِئَةِ: اذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.                                    (مر6:6، لو7: 1-10؛ 13: 28-29، يو4: 46-53)

كان التقليد اليهودي يحسب كل أممي نجساً دنساً كالأبرص. فشفاء غلام القائد الروماني كان يعني هجوماً جديداً من المسيح على التفاسير المعقّدة لشريعة موسى، لأنه استقبل الضابط الروماني والمستعمر لبلاده أمام الجميع. وبرهن هذا أن مجيء الله لا يقتصر على شعب اليهود فقط.

كان هذا الضابط أعظم رجل في كفرناحوم، ممثلاً للسلطة الاستعمارية الحاكمة. جاء إلى يسوع الشافي ملتمساً شفاء خادمه، واعترف علانية بعدم استحقاقه قائلاً: «لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي». لأنه قَبِل التقاليد القاضية بأنه لا يحق ليسوع أن يتنازل ويدخل بيت أممي، فلم يرد إحراج المسيح. هذا يدل على أنه كان حكيماً وإنسانياً لدرجة أنه احترم تقاليد اليهود الذين يحتقرهم الرومان. واعتبر غلامه كابن دلالة على محبته الفائقة وعلى تواضعه الكبير.

رغم أنه كان قائداً رومانيا، وكانت إقامته بين اليهود علامة على خضوعهم لنير الرومانيين، إلاَّ أن المسيح الذي كان “ملك اليهود” أكرمه وبذلك علمنا المسيح أنه ينبغي أن نفعل الخير لأعدائنا دون التقيد بالعداوات الوطنية. فعلى الرغم من كونه اممياً، فإن المسيح أغاثه واستجاب لطلبه.

وفوق ذلك نرى أن القائد الروماني كان مؤمناً بقدرة المسيح على شفاء الأمراض، يأمرها كما يأمر القائد جنوده بالذهاب، فتذعن لأمره . كان هذا اليقين ينمو في القائد عندما راقب يسوع، وجمع الأخبار والمعلومات عن أعماله وأقواله، فتأكد له أن لهذا الناصري سلطان على الأرواح والشياطين والأمراض. عرف أن كلمته مقتدرة حتى أنه لا يحتاج أن يدخل إلى البيت ليشفي المريض، بل من مكانه البعيد يقول كلمته فتتحقق لأن كل السلطات السماوية تحت تصرفه.

 سُرَّ المسيح لهذا الإيمان الكبير، الذي لم يجد له مثيلا بين أتباعه وشعبه. ليتنا نتبع هذا القائد ونتواضع جداً ونحب البسطاء ونعتبر أنفسنا غير مستحقين لأن يدخل المسيح تحت سقفنا، ونؤمن في نفس الوقت أنه يحبنا ويرغب في عوننا، فنستسلم إليه ونختبر تحقيق القوى السماوية في أصدقائنا وحياتنا، وننال الإيمان الصادق بإعلان يسوع عن الحقائق السماوية المنتظرة. لأن يسوع شهد لطالب الشفاء بالخلاص الأبدي، حيث يستريح المؤمنون في الفردوس، جالسين مع إبراهيم وإسحق ويعقوب بحضور الله محور رجائنا. أما الذين لا يؤمنون بقدرة المسيح فيُطرَدون إلى اليأس المستمر، لأنهم لم يقبلوا محبة الله.

إن مرض الفالج أقعد الخادم عن العمل، وجعله عبئاً ثقيلاً على سيده، لكن لم يطرده إذ اعتلت صحته، لم يرسله لأقربائه، لم يهمله، بل سعى وراء أفضل وسيلة لإغاثته. لم يكن ممكناً للعبد أن يعمل لسيده أفضل مما عمله السيد للعبد. كان عبيد قائد المئة مطيعين له، وهنا نرى علة هذه الطاعة. فقد كان عطوفاً جداً عليهم. إن كان ينبغي علينا أن لا نرفض حق خدامنا في دعواهم علينا، وجب أن لا نحتقر حقهم في دعوى الله عليهم، لأننا صُوِّرنا على صورة واحدة، وبيد واحدة، ونقف معهم في مستوى واحد أمام الله.

لم يلجأ قائد إلى السّحرة والمنجمين لأجل خادمه، بل لجأ إلى المسيح. كان الفالج مرضاً يحار فيه الأطباء، ولذا فقد كان مجيئه إلى المسيح لطلب الشفاء، الذي يحتاج لقوة خارقة للطبيعة، دليلاً عظيماً على إيمانه بقدرة المسيح. فتقوى الشريعة لا تمنح الخلاص للخاطئ، بل إن ارتباطه بيسوع هو المؤهل للخلاص الأبدي. وبعدما أعطى المسيح للمؤمن المتواضع بصيرة السماء وهبه أيضاً استجابة طلبته على الأرض، فشفى غلامه على الفور رغم بعد المسافة الفاصلة بينهما، الأمر الذي يعلمنا أن المسيح غير مقيد لا بزمان ولا بمكان. إنه رب الكون، ويستطيع أن يشفينا ويخلصنا ويقدسنا اليوم أيضاً، لأنه جالس عن يمين العظمة وينتظر أن نتقدم إلى الله مؤمنين طالبين الشفاء لأقربائنا وزملائنا، فيستجيب طلبتنا على الفور بمحبة فائقة.

مدح المسيح إيمان أولئك الذين قدموا المفلوج رغم الصعوبات الشديدة التي لقوها كإيمان عامل. أما قائد المئة هذا فإنه لم يقدم غلامه المفلوج، فمدح المسيح إيمانه كإيمان واثق. إن المسيح يقبل الإيمان الخالص، مهما بدا في أشكال متنوعة، وهو يمدح الإيمان المتعدد الذي يتخذه البشر، وبذلك علمنا أن نفعل كذلك نحن أيضاً.

أما اليهود الذين يعتقدون أنهم بنو الملكوت ويصرون على عدم الإيمان، سوف يقطعون من عضوية الكنيسة المنظورة، وإن كان بالمولد “بني الملكوت” سوف ينزع منهم “ملكوت الله” الذي افتخروا بانهم أبناؤه، ولا يصبحون له شعباً، ولا ينالون شيئاً من رحمته. في ذلك اليوم العظيم لا ينفع الناس أنهم كانوا “بني الملكوت” ويهوداً كانوا أم مسيحيين، لأنهم سوف يدانون لا حسبما كانوا يدعون بل حسبما كانت حقيقة حياتهم. إن كانوا أبناء حقيقيين فهم ورثة (غلاطية4: 7)، على ان الكثيرين أبناء حسب المظهر، أبناء في العائلة لا أبناء العائلة، وهؤلاء يحرمون من الميراث. إننا بولادتنا من آباء مسيحيين ندعى “بني الملكوت” لكن إذا اتكلنا على هذا، ولم نظهر شيئاً آخر خلافه يدل على أننا أبناء السماء، فسوف نطرح خارجاً.

قال المعترض، يعلم من (متى8: 5-13) أن قائد المئة جاء إلى المسيح طالباً منه أن يشفي غلامه ولما قال له يسوع أنا آتي وأشفيه، أجاب قائد المئة وقال يا سيد لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي.

جاء في (لوقا7: 2-10) أن القائد أرسل للمسيح شيوخ اليهود وأنه حين دنا من البيت أرسل يقول له “لا تتعب لأنني لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي”.

نجيب أن ما ذكره متى من أن القائد هو الذي التمس من المخلص أن يأتي ويشفي غلامه هو من باب نسبة الشيء لمن كان السبب فيه. فقيل عن سليمان إنه بنى الهيكل وهو لم يبنه بنفسه بل أمر ببنائه. وقيل ذلك بواسطة تلاميذه (يو4: 1) وقيل بأن بيلاطس جلد يسوع، ولم يفعل ذلك بل جنوده. فهكذا ما طلبه شيوخ اليهود من السيد المسيح نُسب لذلك القائد. أما قوله لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي فقد قاله القائد للمسيح أولاً بواسطة أصدقائه، إذ دنا المسيح من بيته كما ذكر لوقا. ثم قاله له بنفسه عندما استقبله بالقرب من البيت.

نسجد لك أيها الآب السماوي، لأنك اخترتنا في المسيح إلى راحة القديسين معك. اغفر قلة إيماننا وضعف ثقتنا. وعلّمنا أن نتكل على استعدادك لشفاء أصدقائنا من الكفر والخطيئة. اخلق فينا التواضع والانكسار والمحبة للآخرين لنسعى في سبيل خلاصهم ونلحّ عليك أن تخلّصهم.الصلاة:

السؤال 85 :  لماذا كان إيمان قائد المئة عظيماً؟

شفاء حماة بطرس

( 8: 14-17)

8: 14 وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، (15) فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ. (16) وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ الأََرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ، (17) لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا.                (إشعياء53: 4-6، مر1: 29-34، لو4: 38-41)

بعدما أوضح البشير متى أن المسيح يحب المنعزلين المطرودين المحتقرين، ولا يرفض الأمميين المعتبرين نجسين، أظهر كيف أنه رحم امرأة ضعيفة بالنسبة للرجال المغرورين. كان بطرس مقدام التلاميذ متزوجاً. وحين تبع يسوع لم يُلغِ عهد زواجه، لأن الزواج ليس خطيئة بل نعمة من الخالق، ونظام سليم في الطبيعة فأكرم يسوع زواج رسوله.

ازداد الضيق في بيت بطرس حين مرضت حماته. وحاول الشيطان منع التلميذ من الخدمة. فجاء يسوع إليها دون أن يطلب بطرس ذلك، وأمسك بيدها المحمومة، وشفاها دون أن ينطق بكلمة. فجرت قوته فيها  وطردت الحُمَّى في الحال. فالمسيح يعتني ويشفي أقرباء أتباعه بدون أن يطلبوا منه ذلك، وهذا ناتج عن فرط محبته لهم.

تم الشفاء كاملاً، فقامت للخدمة فوراً. إن الذين يشفون من الحمى بالعلاج الطبيعي يكونون عادة ضعفاء وعاجزين عن العمل فترة طويلة بعد الشفاء. لكن هنا نجدها قامت في الحال ولها من القوة ما يمكنها من تأدية خدمة البيت لكي يتبين أن الشفاء كان خارقاً للعلاج الطبيعي.

إن الرحمة تقدست، والمراحم التي تقدس تكمل فعلاً. رغم أنها نالت كرامة عظمى بهذا الإحسان الخاص، إلا أنها لم تشأ أن تظهر بمظهر العظمة، بل أظهرت استعدادها أن تكون كأي خادم في البيت. فعلى الذين يكرمهم المسيح ان يتواضعوا. وهذه المرأة إذ تخلّصت من مرضها بحثت عما ينبغي أن تقدم إلى يسوع من خدمة. فجدير بمن شفاهم المسيح أن يخدموه كل أيام حياتهم كخدامه المتواضعين.

تراكض الناس الذين شعروا بسلطان يسوع، حاملين مرضاهم ومخبرين عائلاتهم وأهاليهم وجيرانهم عن المخلّص العظيم الحال بينهم. هو شفاهم جميعاً. لم يرفض أحداً، حتى الذي كان إيمانه ضئيلاً وغير ناضج. فالإيمان ولو كان قليلاً يكفي لينتصر يسوع بواسطته على الأعمال الشريرة التي فينا وحولنا.

ذكر البشير متى بشكل خاص إقبال المجانين الكثيرين، ليتحرروا من سلطة الأرواح الشريرة. فيسوع هو رب على الأرواح أيضاً وهي خاضعة لكلماته بدون اعتراض. ونحن الآن في زمن أبناء المعصية، إذ نحتاج إلى قوة كلمة يسوع لتخرج الأرواح النجسة من عقول وأنفس اقربائنا وأصدقائنا، فنحملهم بصلواتنا الملحة إليه مؤمنين بقدرة سلطانه أن يحررهم فرداً فرداً.

 وجد البشير متى تفسيراً لعمل المسيح الخلاصي في النبوة العظيمة لإشعياء 53 ، حيث نقرأ عن عبد الله الذي حَمَل أسقامنا، وطهّرنا من ذنوبنا بكلمات عظيمة: «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمَّلها. وهو مجروح  لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحُبُره شُفينا».

يكمن سر أعمال ومعجزات يسوع في محبته واستعداده لاحتمال كل أمراضنا وخطايانا عوضاً عنّا، فمن يشكره ويكرمه ويؤمن به أكثر من ذي قبل؟

أيها الحنون، كلنا مرضى في انفسنا. نتقدم إليك معترفين بعيوبنا وبأفكارنا النجسة. اغفر لنا وطهرنا من آثامنا ولا تسمح للأرواح الشريرة أن تدخل فينا. استجب لصلواتنا بخصوص أصدقائنا وأقربائنا. أخرج منهم الأرواح المضادة لروحك القدوس، واملأهم بمحبتك. وحررنا جميعاً إلى خدمة مواظبة لتمجيد اسمك وساعدنا في وسط مشاكلنا المتعددة. أعنا باسم المسيح، ونشكرك لأجل استجابتك لصلواتنا، آمين.الصلاة:

السؤال 86 :  ماذا يعني شفاء حماة بطرس؟

مبادئ اتِّباع يسوع

(8: 18-22)

8: 18 وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعاً كَثِيرَةً حَوْلَهُ، أَمَرَ بِالذَّهَابِ إِلَى الْعَبْرِ. (19) فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي (20) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ.                     (لو9: 57-60، 2كور8: 9)

ينبوع قوة المصالحة هو المسيح الذي يمنح غنى محبته لكل مؤمن به، ويغيّر القلوب، وينير الأذهان. إنما رغم شفائه للمحتاجين بقى قنوعاً لا بيت له ولا مأوى، لأنه منع ذاته من زخارف الدنيا، لم يشتهِ مغريات العالم. شفى المرضى مجاناً ولم يطلب منهم تعويضا نتيجة خدماته.

كان المسيح فقيراً، وهذا يحرر أتباعه من الرجاء الباطل، بأنهم ينالون وظائف أو مالاً أو غِنى. لو أصبحت كنيسة المسيح غنية بالممتلكات والنقود لما كانت كنيسة حقَّة، لأن محبة الله تدفعنا لبذل ما عندنا لا لجمع الأموال. فإن تبعت يسوع لا تنتظر غِنى أو ضماناً أو مركزاً، إلا حلول قوة الله فيك، وتعزية روحه في قلبك ودافع محبته للمحتقرين. وهذا هو الامتياز المسيحي.

هنا نرى المسيح يعالج نوعين مختلفين من الطباع، الأول حاد الطبع متعجل (الآية 19)، والثاني بليد متلكئ( الآية 20). وقد كانت التعليمات التي أعطيت مناسبة لكل منهما، وهي في نفس الوقت نافعة لنا.

جاء شخص متعجل في الوعد إلى المسيح، وهو كاتب، متعلم بل عالم، أحد الذين درسوا التوراة والشريعة وكانوا يفسروها. عبَّر عن استعداده لاتباع المسيح بقوله “يا معلم أتبعك أينما تمضي“. لم يكن ممكناً أن يتكلم إنسان أفضل من هذا. وقد كان استعداده لتكريس حياته للمسيح، هو كان متأهباً جداً، ويبدو أنه كان مصمِّماً من كل قلبه. لم يدعه المسيح إلى ذلك، ولم يحثه أحد من التلاميذ، بل تقدّم من تلقاء ذاته وبمحض رغبته لكي يكون تابعاً للمسيح عن قرب. لم يكن مدفوعاً من أحد بل متطوعاً. كان ثابت العزم جداً، ويبدو أنه سبق له التفكير في هذا الأمر وتوطيد العزم عليه. لم يقل “إني أفكر أن أتبعك” إني قد وطدت العزم أن أتبعك “يا معلم أتبعك“.

كان تصريحه مطلقاً وغير محدود “أتبعك أينما تمضي”. ليس فقط “إلى العبر” بل حتى إلى أقصى الأرض. مثل هذا الرجل قد نميل إلى الوثوق به كل الثقة. مع ذلك يتبين من إجابة المسيح أنه كان متعجلاً في عزمه، وأنه كان جسدياً في غاياته. إما أنه لم يفكر في الأمر قط، أو أنه فكر في ناحية غير التي كان ينبغي أن يفكر فيها. لقد رأى المسيح يصنع المعجزات، وكان يأمل أنه سوف يقيم ملكوتاً زمنياً، ولذا أراد أن يكون له نصيب فيه قبل الوقت.

اختبر المسيح استعداده ليتبين إن كان مخلصاً فيه أو غير مخلص. أراد أن يبين له أن “ابن الإنسان” هذا الذي يتلهف على اتباعه ليس له أين يسند رأسه. ومن هذا الوصف عن فقر المسيح الشديد نتعلم أنه من الغريب جداً أن ابن الله عندما أتى إلى العالم وضع نفسه بهذا الشكل المتواضع جداً لدرجة أن يكون محروماً من المأوى الذي لم تحرم منه اصغر المخلوقات. إن كان قد ارتضى بأن يأخذ طبيعتنا، فإن المرء يميل إلى الظن بأنه كان ينبغي أن يأخذها في احسن وأمجد مظاهرها وظروفها. لكنه اتخذها في أسوأ حالاتها.

إن المخلوقات الدنيئة تؤمِّن لنفسها الراحة، فللثعالب أوجرة، ورغم أنها ليست فقط غير نافعة بل مؤذية للإنسان إلا أن الله يعد لها أوجرة تأوي إليها. يحاول الإنسان إبادتها لكنها تجد لها مأوى، فاوجرتها حصون  لها. أما الطيور، ورغم أنها لا تعتني بنفسها إلى أنها يُعنى بها وتجد لها اوكاراً.

حينما كان الرب يسوع المسيح على الأرض كابد أنواع الفقر. “من اجلنا افتقر” بل افتقر جداً، لم يكن له مقر، لم يكن له مكان راحة، لم يكن له بيت ملك يسند فيه رأسه، ولا وسادة خاصة ييسند عليها رأسه. كان هو وتلاميذه يعيشون على التبرعات التي كانت تقدم إليهم. إنه قبل هذا ليس فقط لكي يظهر بمظهر التواضع في كل شيء ويتمم الكتب التي تحدثت عنه بأنه يكون فقيراً بل لكي يبين لنا أن ثروة العالم باطلة الأباطيل، ويعلمنا بأن ننظر إليها بكل احتقار، لكي يشتري لنا أموراً أفضل، وبذلك يغنينا.

إنه من الغريب جداً أن يصرّح المسيح هذا التصريح في هذه المناسبة. فإذا ما تقدم كاتب إلى المسيح ليتبعه كنا نتوقع أن يشجعه المسيح ويقول له “تعال فأعتني بك”. فإن كاتباً واحداً كان يستطيع أن يخدمه أكثر من اثني عشر صياداً. على أن المسيح رأى قلبه، وأجابه حسب أفكار قلبه، وبذلك علَّمنا كيف نأتي إليه.

يريدنا المسيح قبل أن نعتزم أي عمل من ناحية الحياة الروحية، ان نجلس أولاً ونحسب النفقة. أن نفعل ذلك بعد تأمل دقيق. أن نختار طريق التقوى لييس لأنه لا يوجد طريق آخر، بل لأنه لا يوجد طريق أفضل. ليس امتياز للمسيحية أن تأخذ الناس في غفلة منهم قبل أن ينتبهوا. إن الذين يعتنقون أية عقيدة كرهاً يهجرونها في تبرم. إذا فعلى قدر ما نصرف من الوقت في الشؤون الروحية يكون إنتاجنا أسرع. وعلى من يريد اتباع المسيح أن يقدر أسوأ الظروف، وأن يتوقع المصائب والضيقات.

أبرز يسوع الفرق بين نفسه وعلماء العالم وأحبار الأديان بقوله إنه أفقر من الحيوانات وأقل استقراراً من الطيور، فالأرض ليست وطنه، وهو غريب فيها، مطرود من البشر ومصلوب من شعبه. من يتبعه يصبح غريباً وفقيراً مثله.

فهل قررت اتباع يسوع رغم الصعوبات والضيقات المؤلمة؟

أيها الآب السماوي، وطننا عندك. في العالم تملك الخطيئة والمال. نحن غرباء هنا. ساعدنا لئلا نطلب غِنى وشرفاً وضماناً لأنفسنا. حررنا من جميع أوهامنا، لتغيّرنا إلى خدّام، ويجري منّا الخلاص إلى محيطنا.الصلاة:

السؤال 87 :  إلى أي مدى كان يسوع فقيراً قنوعاً؟

8: 21 وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَّوَلاً وَأَدْفِنَ أَبِي (22) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ.                                         (متى10: 37)

تراكضت الجماهير نحو المسيح وقد جذبتها كلمته المخلّصة وقوته الشافية. كثيرون مشوا معه ليحفظوا كل كلمة من أقواله، ويراقبوا كل عمل يجريه، فشعروا بمحبته العُظمى، وأحسّوا بجلاله الفائق وأصيبوا من كلمته في صميمهم، لأنه دعاهم للتوبة والثقة والإتباع المُطلق، وطلب منهم الإيمان الكامل.

إن أحد تلاميذ يسوع لم يقطع علاقته بوالده الكبير السن، فأراد ملازمته إلى مماته، وبعد ذلك يعود إلى المسيح. عرف الرب أن هذا الشاب سيغيّر نيته إذا عاد إلى أهله ومشاكل عشيرته، فيفقد الاتصال به. هكذا خيَّره بين اتِّباعه حالاً أو الانفصال عنه، ودعاه من التزاماته العائلية إلى خدمة ملكوت السماوات.

يقول بعض المفسرين أن الولد قد علم فجأة بموت أبيه، واعتبر غيابه غير مراسم الدفن إهانةً وتجديفاً، فبين المسيح للحزين أن اتباع يسوع لا علاقة له بالمجتمع الفاني، لأن كل من تبعه ينتقل من الموت إلى الحياة، ومن الحزن إلى الفرح. هكذا ذُكر في الشريعة أنه ينبغي على رئيس الكهنة والمكرّسين لخدمة الرب ألاَّ يقتربوا من الموتى ولا من جثة أبيهم، لأنهم مقدسون للرب(لاويين 21: 11 والعدد 6:6). على المؤمن بيسوع ألاَّ يتأثر بالموت ولا بالحزن، بل أن يشهد للحياة الساكنة فيه، كي يتحرر من ارتباطاته العائلية التي تمنعه من اتِّباع يسوع، فتفوح منه رائحة الحياة الإلهية.

كان طلب التلميذ حسب الظاهر معقولاً، لكنه مع ذلك كان خاطئاً. لم تكن لديه الغيرة التي يجب توفرها للخدمة، لذلك قدم هذا الإلتماس لأنه كان يبدو عذراً مقبولاً.

إن القلب الذي لم تتوفر فيه الرغبة يخلق الأعذار، لأنه حيث توفرت الإرادة توفرت الوسيلة. لنفرض أن الباعث غلى هذا الإلتماس كانت محبته الصادقة لأبيه وولائه التام له، إلاَّ أنه كان ينبغي أن تكون الأولوية للمسيح.

قال الكاتب للمسيح “اتبعك” (الآية19) بينما قال للثاني “اتبعني” (الآية 20)، فبمقارنة الإثنتين نستنتج أن اتباعنا للمسيح يتم بقوة دعوته لنا، لا بمقدار وعودنا له “فإذاً ليس لمن يشاء ولا لمن يسعى بل الله الذي يرحم” وهو يدعو من يشاء (رومية9: 16).

يسمّي المسيح الناس الطبيعيين موتى متحركين، وفاقدي الحياة الإلهية الأصلية. وجميع اجتهاداتهم تقودهم نحو الموت حتماً، لأن بذرة الموت تعمل في أفكارهم وأعمالهم. إن كل تعليم وثقافة واقتصاد وسياسة لا تُدخل الإنسان إلى الحياة الأبدية، بل تُسارع به إلى الهاوية. فلا رجاء في دنيانا إلا في المسيح الذي يعطينا حياة لا تزول. ومن يتبعه يجد أباً جديداً وإخوة وأخوات دائمين. والفرح في عائلة الله أعظم من الحزن في عائلة البشر. اتكل على الرب من كل قلبك، ولا تلتصق بعائلتك المحترمة، إلى درجة تمنعك من عمل مشيئة الله.

دع خدمات العالم لأهل العالم، ولا تربك نفسك بها. إن دفن الموتى، وخاصة الوالد، عمل صالح، لكن هذا ليس عملك الآن، فإنه يمكن أن يقوم به غيرك ممن لم يتلق دعوة مثلك، ولم تتوفر فيه مؤهلات لخدمة المسيح. إن لك عملاً آخر ينبغي ان تقوم به، فلا تؤجله.

أيها الآب القدوس، نسجد لك لأنك منحتنا الحياة الأبدية في ابنك، فنتعلق به ولا نتركه. ساعدنا لكي لا نعتبر عائلتنا أهم منك. ولكيلا تُنقِص واجباتُنا الدنيوية محبتَنا لك. حررنا من خوف الموت، وثبّتنا في فرح حياتك مع كل طالبي الحياة الأبدية.الصلاة:

السؤال 88 : لماذا منع يسوع الابن أن يحضر مراسم دفن أبيه؟

إسكات العاصفة والأمواج العاتية

( 8: 23- 27)

8: 23 وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلامِيذُهُ. (24) وَإِذَا اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ الأََمْوَاجُ السَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِماً. (25) فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ!  (26) فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي الْإِيمَانِ؟  ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ، فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. (27) فَتَعَجَّبَ النَّاسُ قَائِلِينَ: أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا! فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعاً تُطِيعُهُ.                                    (مر4: 35-41، لو8: 22-25، أعمال27: 22-34)

كان بإمكان المسيح أن يمنع هذه العاصفة، ويسمح لتلاميذه برحلة جميلة، لكن لو فعل لما كان له مجد أو تثبيت لإيمانهم، كما كان في إنقاذهم من العاصفة. قد يظن البعض إن وجود المسيح معهم كان كفيلاً بأن يجعل الجو في غاية الإعتدال، لكن الأمر كان على العكس من ذلك، لأن المسيح أراد أن يبين بأن الذين يريدون أن يعبروا معه بحر هذا العالم إلى الشاطئ الآخر يجب أن يتوقعوا العواصف في الطريق.

إن المسيح لا يؤمِّن الرّاحة الجسدية ولا الرفاهية لتلاميذه، بل ينجيهم وسط الزوابع والعواصف والأخطار، لأن الشيطان يحاول جاهداً أن يسقط حماية المسيح ويباغتهم بحيله ومكره وافخاخه المتعددة. فكنيسة المسيح لا بد أن تواجه؛ وهي على الأرض؛ هجومات واضطرابات وانقسامات.

كان المسيح نائماً في السفينة رغم الخطر المحدق لأن ضميره كان مرتاحاً. لم يكن هذا نوم عدم الإكتراث، كنوم يونان وسط العاصفة، بل نوم الثقة المطلقة. نام لكي يبين أنه كان يعيش مثلنا باستثناء عدم ارتكابه لخطيئة. فإن كثرة الأعمال التي كان يؤديها جعلته يتعب وينام، ولكن لأنه كان بلا خطيئة فقد كان بلا همّ يُزعجه أو يُقلق راحته أو يقض مضجعه ويوقظه من نومه. فكل من يسير مع المسيح في سفينة الكنيسة، عَبْر بحر الحياة، يطمئن رغم الأخطار، لأن المخلص الأمين والقدير يكون معه. أدخل إلى سفينة المسيح ولا تخف، لأنه مرشد حياتك إذا سلمته مقود حياتك سيوصلك حتماً إلى ميناء الأمان والسلام الأبدي.

إن شركتك مع المسيح لا تحفظك من العواصف المفاجئة أو الخطيرة التي تهددك بالغرق، فهذه التجارب عادية. وينبغي أن نتعلم منها أن سفينة الكنيسة لا يؤَمنها بشر ولا يستطيع أحد أن يحفظها باستثناء ربها وسيدها يسوع المسيح.

استمر الصيادون في عملهم المضني وسط العاصفة، يفرغون السفينة من الماء المتسرب إليها. ولمَّا تعالت الأمواج عليهم كجبال طامية، خافوا وصرخوا مضطربين. ولمَّا امتلأت سفينتهم ماء وأوشكت على الغرق، فقدوا صبرهم، وأيقظوا النائم وهزوه صائحين: «يارب نجنا! ألا ترى حالتنا ضيقة؟ كيف تنام ونحن على شفا الهلاك؟».

نهض المسيح من نومه وسط الأخطار المميتة. لم ينقذهم على الفور بل وبَّخهم وسط الزوابع، لأن الخطر لم يكن بسبب علو الأمواج، بل بسبب قلة إيمانهم وقت التجربة. فالمسيح يطلب من أتباعه ثقة مطلقة بعناية أبيهم السماوي وحمايته لهم كل لحظة من حياتهم، لأن الخوف لا يتفق مع محبة الله. انتهر المسيح الرياح والأمواج المضطربة، وأمرها بكلماته أن تهدأ، فهدأت وصار سكون عظيم. ازداد الخوف في مشاهدي هذه الأعجوبة، لأنهم عاينوا الدليل على أن يسوع هو رب العناصر الطبيعية أيضاً. فحيث يملك المسيح يبدأ الهدوء السماوي في القلوب. متى تسجد لقدرة يسوع مؤمناً بسلطانه على الطبيعة والأرواح والشعوب والضيقات؟ سلّم نفسك له فتعيش مطمئناً وسط الاضطراب ومحفوظاً في هوة الموت.

أيها الرب يسوع المسيح، أنت القدير. اغفر لنا قلة إيماننا وقت الخطر. قوِّ محبتنا لك الظاهرة في الثقة المطلقة. امكث معنا، لكيلا نيأس ساعة الضيق. افتح أعيننا لنراك، ونبصر أنك المنتصر على كل السلطات والطبيعة والضيقات، وأنك تحب جماعتك بلا انقطاع.الصلاة:

السؤال 89 : لماذا وبّخ يسوع تلاميذه وسط الخطر؟

إخراج الشياطين من الملبوسَين

(8: 28- 34)

8: 28  وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ الْجِرْجَسِيِّينَ اسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ الْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدّاً، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ. (29) وَإِذَا هُمَا قَدْ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ابْنَ اللّهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟  (30) وَكَانَ بَعِيداً مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى. (31) فَالشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ (32) فَقَالَ لَهُمُ: امْضُوا فَخَرَجُوا وَمَضَوْا إِلَى قَطِيعِ الْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ الْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ انْدَفَعَ مِنْ عَلَى الْجُرْفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي الْمِيَاهِ. (33) أَمَّا الرُّعَاةُ فَهَرَبُوا وَمَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ أَمْرِ الْمَجْنُونَيْنِ. (34) فَإِذَا كُلُّ الْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجَتْ لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ. وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ.

(مر5: 1-17، لو4: 41؛ 8: 26-37، 2بط2: 4، يع2: 19)

يسوع المسيح هو الرب على عناصر الطبيعة، وعلى الأبالسة أيضاً، إذ ليس لهم حق البقاء حيثما يدخل المولود من روح الله.

جاءت الأرواح في الرياح العاصفة المميتة على بحيرة طبرية ليُغرقوا يسوع وتلاميذه قبل وصولهم إلى الشاطئ، فانتهر يسوع، وهو في السفينة،  الأرواح المختبئة في وسط النوء، وأسكت الثوار المنتشرين في الأجواء، وطلب من أتباعه الإيمان المطلق، ليتيقنوا أن الشياطين لم تجد فيهم حقاً ولا قوة.

سافر يسوع عبر البحيرة إلى منطقة المدن العشر التي اشترت امتيازات خاصة من السلطة الرومانية، ورغب أن يجد الراحة هناك، مبتعداً عن ازدحام الجماهير المتراكضة وراءه، ومن اضطهاد اليهود.

لم تكن المدن تابعة للحضارة اليهودية، لأن أهلها كانوا يرعون قطعاناً كبيرة من الخنازير، فاعتبرهم اليهود نجسين.

في طريقه برفقة أتباعه إلى مدينة “الجرجس” مر بين القبور المنحوتة في صخور الجبل، فخرج من بينها مجنونين عريانين، لم يتجرأ أحد من أبناء المدينة أن يمر من هذه الطريق خوفاً على نفسه من هذين المجنونين الملبوسين بأرواح شريرة. حاول أهل المدينة أن يربطوهما بسلاسل، إلاّ أنهما تمكنا من تكسيرها سهولة، فخاف الجميع من الأبالسة العاملين والنشطين في هذين الرجلين.

لم يتكلم يسوع بكلمة واحدة عندما هاجمه الملبوسان اللذان توقفا فجأة، عندما أدركت الأرواح التي فيهما، أن الرجل الواقف أمامهم هو يسوع. فانطلقت صرخة قوية حركت الأموات من قبورها، قائلة” لماذا أتيت إلينا قبل حلول الدينونة لتعذبنا؟ نعرفك، أنت ابن الله“. أدركت الأبالسة وبسرعة البرق أن ابن العلي   القدير وقف أمامهم، إذ أن أشعة قداسته خرقتهم وأدانتهم، فأدركوا أنهم ملعونون ومحكوم عليهم أن يذهبوا حالاً إلى الهلاك. فطلبوا من يسوع، متمنين أن يسمح لهم بالحلول ولو مؤقتاً في قطيع الخنازير المتواجد بقربهم في المراعي. وبطلبهم هذا اعترفوا بسلطان المسيح عليهم. إنهم لا يستطيعون حتى إيذاء الخنازير دون إذنه وسماحه. والذي يُعزِّي كل شعب أنه ولو كانت قوة إبليس عظيمة جداً، إلا أنها محدودة، لا تتناسب مع حقده وخبثه، سيما وأنها خاضعة لسلطان الرب يسوع المسيح، صديقنا الأمين، ومخلصنا القوي. ومما يعزينا أيضاً أن الشيطان وجنوده لا يستطيعون أن يتعدوا الحدود المسموح لهم بها “وقلت إلى هنا تأتي ولا تتعدى، وهنا تتخم كرياء لُججك“(أيوب38: 11).

خاف الرعاة فهربوا نحو المدينة مُخبرين أصحاب القطيع بالفاجعة التي ألمت بقطيعهم. كما وصفوا لهم كيف تحرر المجنونان والملبوسان من الأرواح الشريرة. هبَّ كل السكان راكضين إلى المكان لمشاهدة الأعجوبة التي حدثت هناك. لكن عندما رأوا يسوع مع الرجلين الجالسين باحترام ووقار، ارتعبوا من شخصيته، وأدركوا أنه من المستحيل أن يعيش نجس على الدوام في حضرته. لذا فضلوا حضارتهم وعلاقتهم مع الأرواح النجسة المهلكة، فطلبوا من المولود من الروح القدس أن يفارقهم. لبى المسيح طلبهم، وانصرف من بينهم لأنه لا يمكث بين الناس الذين لا يرحبون به ولا يفرحون  بوجوده بينهم، فتركهم لسيطرة الأبالسة والشياطين ( متى 5: 1-20؛ لوقا 8: 26- 39).

تم للشياطين ما أرادوا من إغراق الخنازير. فإنهم أغرقوها، ثم جعلوا القوم يعتقدون أن المسيح هو الذي أغرقها، وبذلك أوغروا صدورهم من نحوه. لقد أضلَّ الشيطان أبوينا الأولين بغرس أفكار خاطئة في عقلهما عن الله، وأبعد الجرجسيين عن المسيح بالإيحاء إليهم أنه أتى إلى كورتهم لإبادة ماشيتهم، وأن أضراره أكثر من فوائده، لأنه إن كان قد شفي رجلين فقد أغرق ألفي خنزير. هكذا يزرع الشيطان زواناً في حقل الله، يصنع أضرارً في كنيسة المسيح، ثم يلقي التبعة على المسيحية، ويوغر صدور البشر ضدها.

نتعلم من هذه الحادثة أن سكنى الأرواح النجسة في البشر نادر الوقوع، إلا عندما يصدر صوت رجل من امرأة او العكس، أو يصدر صوت رجل من فم شاب، فهنا يكون الدليل على أن هناك أرواح عديدة تقطن في هذا الشخص.

إن من يرفض ألوهية المسيح وبنوته لأبيه السماوي، أو يبغض حقيقة صليبه باستمرار، فهذا الشخص ملبوس من جماعة من الأرواح المضادة للمسيح ( 1يوحنا 2: 22-25؛ 4: 1-5).

يعيش بعض الناس وسط جو محاط بالأرواح وهم مجربون من قبلهم باستمرار وذلك ناتج عن اتصالهم السابق بهم وطلب الشفاعة منهم، أو بسبب استشارتهم لبعض العرافين لمعرفة مستقبلهم وحظهم في هذه الحياة، أو الإستعجال في الحصول على زواج مبارك.

من يرغب أن يتحرر من الأرواح الشريرة، ومن التقيد بها، لا بد أن يعترف أمام الله بكل خطاياه، ويقطع في الحال أية علاقة له مع هذه الأرواح المهلكة. عندها يلتجئ إلى ابن الله الحي الذي يغفر الخطايا، ويغلب كل روح نجس وشرير، إكراماً لشخصيته القدوسة، وقوته السرمدية، ثم يسكب المسيح الروح القدس في قلب الذي غُفر له ليتعزى ويتقوى. عندما يقرأ المتحرر من الأبالسة، كلمة الله في الإنجيل باستمرار، ويحفظ آيات المسيح عن ظهر قلب، ويشترك في اجتماعات روحية، ويصلي برفقته أحد خدام الرب، في هذه الحالة يتحرر المسكون من كل الأرواح تحريراً كاملا ونهائياً طالما أنه برفقة المسيح وملتزما بتعاليمه ووصاياه.

قال المعترض، ورد في (متى8: 28) أنه لما جاء إلى العبر إلى كورة الجرجسيين استقبله مجنونان خارجان من القبور. وورد في (مرقس5: 2 ولوقا 8: 28) أنه “استقبله من القبور انسان به روح نجس”.

نجيب أن مرقس ولوقا اقتصرا على ذكر المجنون الذي كان أشد هيجانا والذي تجلت قدرة المسيح في شفائه  إياه كما يظهر من عبارتيهما حيث يذكر هياجه بالتفصيل ليشهرا عظمة الاعجوبة التي صنعها سيدهما بشفائه. أما المجنون الثاني فلم يكن شفاؤه مدهشاً لذلك أهملا ذكره.

لنفرض أن شخصين توجها إلى مستشفى الأمراض العقلية وبعد خروجهما رويا ما شاهداه، ونسجا على منوال متى ولوقا بأن اقتصر احدهما على ذكر واحد وصرف النظر عن المعتوه الآخر، بينما الراوي الثاني ذكر الإثنين. فهل يجوز أن نقول أن كلامهما متناقض؟ كلا، لكن لو أثبت أحدهما ما نفاه الآخر أو العكس، لأصبح ذلك تناقضاً، في هذه الحالة يتحقق تعريف التناقض.

أيها الآب القدوس، نتهلل ونفرح لأجل انتصار يسوع على الأبالسة في منطقة ” الجرجس”   وتحرير الملبوسَين من أرواحهم الشريرة. نشكرك لأجل تحرير كل ملبوس أو مجنون في أيامنا باسم المسيح. نعظمك لأنك تنجينا من الشرير وأعوانه وتحفظنا في شركة مع المسيح. يارب اسكب فينا من روحك القدوس لنثبت في رحابك محفوظين في اسمك الأبدي. نطلب منك يارب أن تحرر كل الملبوسين الكثر في عصرنا هذا، ليتعظم حلول ملكوت ابنك الوحيد.الصلاة :

السؤال 90 :  ماذا تعلمت من تحرير الملبوسَين في عبر الأردن؟

سلطان المسيح على المغفرة والشفاء

( 9: 1-8)

9: 1 فَدَخَلَ السَّفِينَةَ وَاجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ. (2) وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ مَطْرُوحاً عَلَى فِرَاشٍ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: ثِقْ يَا بُنَيَّ، مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ(3) وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: هذَا يُجَدِّفُ! (4) فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِالشَّرِّ فِي قُلُوبِكُمْ؟ (5) أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَامْشِ؟    (6) وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا، حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ احْمِلْ فِرَاشَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ! (7) فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ. (8) فَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا اللّهَ الَّذِي أَعْطَى النَّاسَ سُلْطَاناً مِثْلَ هذَا.

(خر34: 6-7، مز103: 3، مر2: 1-12، لو5: 17-26)

المسيح هو المنتصر على الأمراض وعناصر الطبيعة والأرواح الشريرة، وهو أيضاً غافر الذنوب. وفي الحوادث المذكورة آنفاً، نرى أن الخطايا عامة هي سبب الأمراض والفوضى والموت، لأنها تفصلنا عن الله وسلامه.  فكل من يعيش بعيداً عن ربه يخطئ. أوضح لنا الرسول بولس أن الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله الموهوب للبشر منذ البدء.

أبصر المسيح ضمير المريض المبكت، فلم يشأ أن يشفيه إلا بعد محو ذنوبه، لكنه لا يغفرها له إلا إذا فتح الخاطئ نفسه تماماً للعلاج. فتكلّم المسيح عن الغفران وسلطانه المُطلق للعفو. وعندما شاهد إيمان أصدقاء المريض الأربعة الذين حملوه إليه، وتيقَّن من ثقة المفلوج، سمَّاه ابنه بالإيمان، وغفر، بكلمته القوية، خطاياه وطهّره من آثامه. فصار المذنب في الحال بريئاً، وابناً لله بالنعمة.

أمر المسيح المريض أن يحمل فراشه لكي يبين أنه قد شفي شفاءً كاملاً، وأنه لم يعد بعد في حاجة أن يُحمل على فراشه، بل أنه قد أصبح لديه من القوة ما يمكنه من أن يحمل هو فراشه بنفسه. أمره بالذهاب إلى بيته، ليكون بركة لعائلته التي كان عبئاً ثقيلاً عليها مدة طويلة. لم يأخذه معه للعرض كما يفعل في مثل هذه الحالة من يطلبون مجداً من الناس.

ما أعظم محبة المسيح الظاهرة في غفران الخطايا.  هل حررك المسيح بكلمته من كل ذنوبك؟ الجواب على هذا السؤال أهم من الديبلومات والشهادات والامتحانات في حياتك. ولتتأكد من غفران خطاياك، انظر إلى المسيح المصلوب الذي حمل خطاياك، ومات ذبيحة الكفارة لأجلك. من يؤمن به يتبرر، ومن يفتح نفسه لمحبته يختبر الخلاص في قلبه.

لما غفر المسيح لهذا المفلوج المطروح أمام قدميه، ندّدَ به خبراء التوراة واغتاظوا واتهموه بالتجديف، لأنهم لم يؤمنوا بألوهيته، واعتبروه متعدياً مستحقاً الرجم. عرف يسوع أفكارهم، فهو يدرك تمام الإدراك كل ما يجول في خاطرنا. إن كانت الأفكار خبيثة ومستورة عن عيون الجميع، فهي مكشوفة وعريانة أمام المسيح الكلمة الأزلي، وهو يفهمها من بعيد.

عندئذ لم يعلن المسيح لهم أنه ابن الله القدير، بل سمَّى نفسه “ابن الإنسان“، ليبدأوا التفكير بالأعجوبة   الكبرى. إن سلطان الله حلَّ في هيئة الإنسان الخادم الشافي المخلّص.

لم يرفض المسيح أعداءه، بل برهن لهم أن لابن الإنسان الحق والمقدرة لمغفرة الخطايا، وذلك بإعلانه شفاء المفلوج مسبقاً. عندما التفت المسيح إلى السقيم دخلت من كلمته الإلهية قوة إلى جسد المريض، فشعر هذا الأخير بانتعاش وتجديد، وقفز وركض وحمل سريره، رمزاً لسلطان المسيح العظيم.

ليتنا نحمل بعضنا بعضاً لكي يعالجنا يسوع، وننال غفران خطايانا وشفاءً من شللنا الروحي، فتقيمنا قوة المصلوب إلى حياة ممتلئة الحركة والخدمة، ونسعى في سبيل الناصري شهادة لعظمة سلطانه.

أيها الآب، نهلل لك لأن ابنك غفر خطايانا ومحاها على الصليب نهائياً. نعظّمك ونسجد لمحبتك ملتمسين منك خلاص الضالين الذين لم يعرفوا بعد خلاص ملكوتك. نذكر أمامك الجياع إلى      البر في محيطنا، ونذكر أسماء العمي أمام محبتك. لا تغفل عن دعائنا، بل اشف وخلّص وارحم الآن.الصلاة:

السؤال 91 :  كيف غفر يسوع الخطايا للمفلوج؟

دعوة خاصة لمتى العشَّار

(9: 9-13)

9: 9 وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي فَقَامَ وَتَبِعَهُ. (10) وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلامِيذِهِ. (11) فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟ (12) فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: لاَ يَحْتَاجُ الأََصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. (13) فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ. (هوشع6:6، متى10: 3، مر2: 13-17، لو5: 27-32)

يشهد البشير متى عن الساعة الفاصلة في حياته، التي دوَّنها في إنجيله المبني على الغفران، بعد شفاء المفلوج، ليُظهر أنه أقل من ذلك الخاطئ المريض. كان العشارون يومذاك رمزاً للغش والطمع والظلم، عملاء للسلطة الاستعمارية. لذلك حُسبوا مع الزناة واللصوص والقتلة، ملعونين من الشريعة. وإذ دعا يسوع متى العشار لاتِّباعه غيَّر حياته كلياً، وجعل منه رسوله المحترم في السماء وعلى الأرض. فيظهر بهذا أن ليسوع الإرادة والإمكانية، ليطهّر أردأ الخطاة. فمحبته تشملك أيضاً في ارتباطك بالخطيئة وتحررك منها حقاً.

لا يتبين هنا أن متى بحث عن المسيح، أو أنه كان له ميل لاتباعه، رغم أن بعض أقربائه قد تتلمذوا للمسيح من قبل. على أن المسيح قد سبق فأغدق عليه من بركات صلاحه. تكلم المسيح أولاً داعياً متى وقائلاً له “اتبعني” ونحن أيضاً لم نختره، بل هو الذي اختارنا. إنه قال له “اتبعني” ونفس القوة الإلهية المقتدرة التي رافقت الكلمة “قم واذهب إلى بيتك” لشفاء المفلوج، رافقت هذه الكلمة لتجديد حياة متى.

إن التجديد يحصل في النفس بواسطة المسيح. أما كلمته فهي الواسطة، وإنجيله هو “قوة الله للخلاص“.

«اتبعني!» هذه الكلمة المفردة كانت سهم المسيح الذي أصاب قلب متى واخترقه. كان اسمه قبل ذلك «لاوي» فصار «متى» أي «عطية الله». كلمة خالقه من فم المسيح هي أكثر قدرة من ألف كتاب بشري فارغ. من هذه الكلمة الفريدة تطور إنجيل متى بأكمله، لأن العشار كان معتاداً على تسجيل الحقائق بكل دقة. هو الوحيد بين التلاميذ الذي أتقن عدة لغات، فخدم يسوع بمواهب مهنته. لم يظهر اسمه في إنجيله إلا في هذا الموضع. لكنه أبرز عدة مرات اسم المسيح وأعماله وكلماته القوية.

ولشدة فرحه بدعوة المسيح له أعدَّ متى وليمة عظيمة، ودعا كل الجياع للبر أن يحضروها. فجاء اللصوص والغشاشون والزناة والغوغائيون، ورأوا المسيح من قريب نوراً للعالم، وسمعوا كلماته الحنونة، وقبلوا تعزيته المنجّية. فمنذ لحظة اتِّباعه ليسوع، ظهر متى مبشراً ورسولاً.

أما الأتقياء والمتعلمون والمتكلمون عن برّهم الذاتي، لم يدركوا رأفة المسيح إذ باتت قلوبهم قاسية، فخدعوا أنفسهم ظانين أنهم أصحاء في الدين، وأصحاب الوحي في العهد مع الله. وفي الحقيقة كانوا هم المرضى. والمرضى الخطاة هم الأصحاء إذا تابوا وجاءوا إلى المسيح. فالمكتفي بنفسه ينهار إلى جهنم. كيف هي حالتك؟ أصالح انت أم شرير؟؟

كانت دعوة المسيح لمتى فعالة لأنه أطاعها “فقام وتبعه” في الحال. لم يرفض الدعوة، ولم يُرجئ الطاعة. إن قوة النعمة الإلهية تبعث الطاعة السريعة، وتتغلب على كل الصعوبات. حينما دعاه المسيح لم تعقه وظيفته، ولا أرباحها. لم يستشر لحماً ودماً، بل ترك وظيفته، وأطاح بكل آماله في الثراء عن طريقها. رغم أننا نجد التلاميذ الذين كانوا صيادين من قبل يعودون لصيد السمك أحياناً، فإننا لا نجد متى في مكان الجباية قط.

بعدما قبل متى دعوة المسيح له واتباعه إياه، دعاه إلى بيته برفقة عشارين وخطاة كثيرين. كان أهم ما قصده متى بتصرفه هذا أن يتعرف أصدقاؤه القدماء على المسيح. كان يعرف بالإختبار مقدار التجارب التي يتعرضون لها، فرثى لحالهم، وعرف بالإختبار ما تستطيع نعمة المسيح أن تفعله، ولم يشأ أن يقطع الأمل من جهتهم.

إن الذين أتوا فعلاً إلى المسيح لا يمكن إلا أن يرغبوا في أن يأتي إليه الآخرون، ويطمعوا في بذل بعض الجهد نحو هذه الغاية. والنعمة الحقيقية لا تقنع بأن تتناول طعامها وحدها، بل تدعو الآخرين أيضاً.

اشمأز الفريسيون من المسيح ومن مخالطته للعشارين والخطاة. فقد كان الإختلاط بالأشرار يتنافى مع شريعة الله “مز119: 115)، ولعلهم باتهام المسيح بهذه التهمة أمام تلاميذه قصدوا أن يشككوهم في معلمهم، ويجعلوهم ناقمين عليه، ويستميلوهم إلى أنفسهم، ليكونوا تلاميذاً لهم، لأن الملتفين حولهم من أفضل، ولأنهم كانوا “يطوفون البحر والبر ليكسبوا دخيلاً واحداً“.

جاء يسوع بأعظم انقلاب في تفكير الأديان، لأنه سمَّى الأتقياء الراسخين في التديُّن هالكين مرضى. وأما الخطاة النادمين فأبرار. كل من يظن أنه مستقيم ومقبول عند الله والناس هو أكبر أثيم، لكن من يخجل لشره معترفاً بعيوبه، يُرضي الله ويكون مقبولاً عنده بعد أن يسمع دعوة المسيح له “اتبعني“.

قال المعترض، ورد في (متى9:9) أن الذي دعاه المسيح عند مكان الجباية هو متى، وورد في (مرقس2: 14) أن إسمه لاوي بن حلفي، وورد في (لوقا5: 27) أن إسمه لاوي.

  1. إن القرائن المعينة التي ذكرها كل منهم تدل على أن الشخص المدعو لاتباع المسيح واحد. فكل منهم ذكر وظيفته المشهور بها، وقال أنه كان جالساً عند مكان الجباية، وأن المسيح دعاه ليتبعه.
  2. كثيراً ما يسمى الشخص باسمين، فبطرس يسمى سمعان ويُسمى صفا. والمعهود بيننا لغاية الآن أنه إذا انتقل الإنسان من حالة إلى أخرى (من دين إلى آخر) يغير إسمه إشارة إلى رفض الحالة السابقة.
  3. اقتصار بعض الحواريين على ذكر اسمه بدون ذكر إسم أبيه، اكتفاء بالقرينة المعينة للمراد، وهو ذكر صناعته وظروفه الخصوصية، وهي قوله أنه كان جالساً عند الجباية.
أيها الأب السماوي، انا من الأشرار وذنوبي معروفة عندك. أشكرك لدعوة ابنك إياي فلا ترفضني. طهرني من كل إثم وتكبر ومكر لكي لا أستمر في خطيئتي أو شبه الخطيئة، بل أصير ملتصقاً ومتحداً بيسوع ابنك خادماً لمحبتك في كل حين. الصلاة:

السؤال  92 : ماذا تعني دعوة المسيح لمتى ؟

سؤال تلاميذ المعمدان عن الصوم

( 9: 14- 17)

9: 14 حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ: لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيراً، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟ (15) فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ.

(مر2: 18-22، لو5: 33-38)

يرينا المسيح معنى التقوى الحقة والباطلة بجوابه على سؤال تلاميذ يوحنا المعمدان، الذي كان آنذاك سجيناً وفي وضعية مُزرية وجد حرجة. وقد علَّم  ابن زكريا الشعب أن يندموا على عيوبهم، ويتوبوا ويصوموا، فظنّ اتباعه أن المسيح يعلّم تلاميذه أيضاً الانكسار والحزن ليرحمهم الله لأجل خوفهم وتوبتهم واجتهادهم في التقوى.

يظهر أن الصوم خاص بالأتقياء. إنه أفضل وسيلة في كل الأديان للحصول على غفران الخطايا وعلى بركة الله. ما أروع الغرور بالنفس، لكن النعمة لا تُنال بالأجرة بل هي هبة. والخطايا لا تزول بالصوم، كما أن     خبثك لا يُمحى بالعطايا، إنما إيمانك بفداء المسيح هو الذي يخلّصك. عندئذ يصير صومك شكراً  لا تجارة، وتبرعاتك حمداً لا شرطاً للغفران. لا تأتي النعمة والخلاص والغفران والفداء إلينا إلا بشخص يسوع المسيح، فهو حمل الله الوديع الذي رفع خطايانا ومحا ذنوبنا بصفة نهائية. يؤهلنا الإيمان للتقدم نحو الله ونثبت في شركته الممنوحة لنا في العهد الجديد، ويشمل عهد محبة الله الخطاة المتبررين، فهم على عهد محبة الله الذي يشمل كل الخطاة المتبررين. إنهم بنو العرس ورفقاء العريس يسوع ابن الله، الذي يدعونا إلى أعظم فرح في الشركة معه. لا يمكن أن يحزن المسيحيون، بل هم يطمئنون في الضيق، ويستمرون في تعزية الروح القدس، رغم مشاكلهم وتجاربهم، لأن الله معهم والمسيح فيهم. ومن أدرك هذا الامتياز يسبّح الله بكل جوارحه، ويقدم له حياته شكراً لنعمته العظيمة.

إن المتدينين الكاذبين، الذين ينحصر تدينهم في مجرد الفرائض الخارجية، كثيراً ما فاقوا غيرهم في هذه الفرائض، بل في تعذيب أنفسهم وإماتة أجسادهم.

كان تلاميذ يوحنا يصومون كثيراً، محاولين التمثل بمعلمهم الذي لا يأكل ولا يشرب. والناس ميالون للإقتداء بقادتهم، ولو لم يكن الباعث دائماً هو نفس باعث القادة الداخلي. كان السبب الآخر امتثالا لتعاليم معلمهم عن التوبة.

وبخ تلاميذ يوحنا تلاميذ المسيح لعدم صومهم كثيراً مثلهم “وأما تلاميذك فلا يصومون“. إنهم عرفوا أن المسيح علم تلاميذه أن يكون صومهم في الخفاء، وأن يحرصوا على أن لا يظهروا صائمين امام الناس. لذلك لم يكن عدلاً أن يستنتجوا بانهم لا يصومون لعدم إعلانهم عن صومهم. هذا يقودنا أن لا نحكم على تقوى أي شخص بما يقع تحت حس العالم ومرآه.

من عادة المتدينين الكاذبين أن يجعلوا أنفسهم مقياساً في التدين، يقيسون به الأشخاص، كأن الذين يختلفون عنهم غارقون في الشر، وكأن كل الذين أتوا أعمالاً أقل منهم قد فعلوا أقل من اللاّزم، والذين أتوا أعمالاً أكثر قد فعلوا أكثر من اللازم. وهذا دليل واضح على أنهم ينقصهم التواضع والمحبة.

نلاحظ أن الإعتراض على المسيح (الآية 11) قدم للتلاميذ، والإعتراض على التلاميذ قدم للمسيح (الآية 14). وهذه هي الطريقة لبذر بذور الشقاق والإنقسام، وقتل المحبة، ألا وهي إثارة الشعب ضد الخدام، والخدام ضد الشعب، والصديق ضد صديقه.

بنفس الوقت يدعوك المسيح لأن تكون وكيلا عنه لكسب العروس له. من يتشجع ويتقدم نحو شعوبنا ويدعو الكثيرين ليدخلوا إلى شركة المسيح؟ هل يدفعك فرح مخلصك في حياتك للخدمة والتبشير والكد والإجتهاد والعمل الدؤوب؟ او تكون مقطباً كأنك شارب خلاً مرّاً ولا تقوم بهذا العمل من صميم قلبك، بل لتتفاخر به قدام أقرانك أو لغاية في نفس يعقوب؟ اعلم يا أخي، أن كل عمل ليس نابعاً من صميم قلبك ولا يمجد المسيح وحده يعرِّضك للحذر من يوم الدينونة. ماذا ستقول للرب عندما تقف أمامه لتأدية الحساب عن الوزنات التي أتمنك عليها؟

 أنبأ يسوع تلاميذه  أنه سيفارقهم صاعداً إلى السماء، وشعر بالخوف الذي سيحل بهم نتيجة مفارقته لهم. في ذلك الوقت سيصومون ويصلون وينوحون طالبين رجوعه ثانية في أقصى سرعة. أما نحن فما زلنا نعيش في عصر الشركة القريبة مع المسيح، لأنه سكب روحه القُدّوس في قلوبنا، عربوناً للشركة الروحية بين العروس والعريس. ننتظر مجيء العريس علانية لتتحقق الشركة فعلياً في المجد.

هللويا أيها الله القدوس، الآب، الإبن والروح القدس، الذي دعانا من حزن الخطيئة إلى فرح الشركة، وحررنا من ثقل الشريعة إلى عهده الجديد. نسجد لك ونحمد اسمك القدوس. ساعدنا   حتى ننقل فرح روحك اللطيف إلى اصدقائنا وأعدائنا لتعم مسرتك على الأرض. الصلاة:

السؤال 93 :  من هم بنو العرس؟

9: 16 لَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ، لأَنَّ الْمِلْءَ يَأْخُذُ مِنَ الثَّوْبِ، فَيَصِيرُ الْخَرْقُ أَرْدَأَ. (17) وَلاَ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَنْشَقَّ الّزِقَاقُ، فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَالّزِقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ جَمِيعاً.

(رو7: 6)

إن الفرق بين العهد القديم والجديد، وبين الإنجيل وغيره من الأديان، أعمق مما نشعر ونفكر. فالأديان تحذّر الإنسان من يوم الدينونة. وكلها، عدا الإنجيل، تعلّم أن حفظ الشرائع هو الوسيلة الوحيدة لإرضاء الله، وأن القرابين والعطايا والصوم والصلاة والأعمال الصالحة واجبات وفرائض يقابلها الله بمكافأة. جميع الطقوس والعقائد تصوّر امامنا الله كأن في يده ميزان كبير، توضع في أحد كفتيه الخطايا وفي الأخرى الأعمال الحسنة والصلوات. فالكفة الأكثر ثقلاً تنزل وتقرر نصيب صاحبها. وهذه العقيدة لا تتفق مع فكر  المسيح في العهد الجديد بتاتاً.

يعلّمنا يسوع المسيح أن الناس كلهم أشرار على السواء، ولا يستطيع أحد أن يأتي بأعمال حسنة كافية. لهذا يضع المسيح أعماله الخاصة وبره ونفسه على كفة ميزان الله، لتُذهِب محبته سيئاتنا وتنهي ذبيحته الحكم علينا. فتقوانا لا تخلّصنا، بل نتبرر بالنعمة المجانية. إن إيمانك يخلّصك لا أعمالك، لأن هذا الإيمان يوحّدك مع مخلّصك، وروحه القدوس يخلق فيك الحياة الجديدة.

تبعاً لذلك تصبح حياتك حمداً وتسليماً وخدمة لمنجيك، فلا تبق تائهاً حزيناً بل افرح في حفظ الله، ولا تصم قلبك لله، بل لتبرير الآخرين، لأنك قد تبررت بالمصلوب مجاناً. فالمسيح أهَّلَك للشركة مع أبيه ودم المسيح الذي ظهر في المثل كالخمر طهرك كاملاً من كل خطاياك، والروح القدس يُنقلك إلى حرية أولاد الله المبنية على غبطة المحبة وفرح الخدمة.

لا تخلط بين الفكرتين لأنهما لاتتفقان البتة، لأن التبرير بالشريعة وبالطقوس هو عكس التبرير بالإيمان. والتقوى المبنية على الفرائض لا تحتمل الخلاص بالنعمة. كما أن حرية أولاد الله تفجر قوالب أهل الشريعة وطقوسهم. فمن يحاول أن يصلح الجماعة المتمسكة بالأنظمة المتجمدة يفشل لأن روح النعمة الجديد يتطلب ولادة جديدة. فالأفضل تكوين جماعات صغيرة بروح فرح الإنجيل، من الإنتماء إلى جماعة كبيرة متمسكة بالتقاليد المميتة، وغير مستعدة للإنقلاب الروحي من الداخل.

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك دعوتنا إلى العهد الجديد. حررتنا من خداع البر الذاتي. نحن خطاة، لكن مسيحك شفانا. علِّمنا السلوك في فرح السماء، وامنحنا امكانية تمييز الهيئات المبنية على النعمة والكنائس الحية، لننضم إليها، ونُحفَظ في شركتك معاً.الصلاة:

السؤال 94  : لماذا يستحيل انسكاب خمر الإنجيل الجديد، في زقاق الشريعة القديمة؟

إقامة ميتة وشفاء مريضة

( 9: 18- 26)

9: 18 وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهذَا إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: إِنَّ ابْنَتِي الآنَ مَاتَتْ، لكِنْ تَعَالَ وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا فَتَحْيَا (19) فَقَامَ يَسُوعُ وَتَبِعَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ. (20) وَإِذَا امْرَأَةٌ نَازِفَةُ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً قَدْ جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَمَسَّتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ، (21) لأَنَّهَا قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: إِنْ مَسَسْتُ ثَوْبَهُ فَقَطْ شُفِيتُ (22) فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَأَبْصَرَهَا، فَقَالَ: ثِقِي يَا ابْنَةُ. إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ فَشُفِيَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. (23) وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ الرَّئِيسِ، وَنَظَرَ الْمُزَمِّرِينَ وَالْجَمْعَ يَضِجُّونَ، (24) قَالَ لَهُمْ: تَنَحَّوْا، فَإِنَّ الصَّبِيَّةَ لَمْ تَمُتْ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ فَضَحِكُوا عَلَيْهِ. (25) فَلَمَّا أُخْرِجَ الْجَمْعُ دَخَلَ وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا، فَقَامَتِ الصَّبِيَّةُ. (26)   فَخَرَجَ ذلِكَ الْخَبَرُ إِلَى تِلْكَ الأََرْضِ كُلِّهَا.          (متى14: 36، مر5: 21-43، لو8: 40-56)

غلب المسيح كل السلطات المضادة لله وملكوته السرمدي. وأخيراً غلب الموت. ما أروع هذه الحقيقة.  فبعدما أوضح لنا البشير متى كيف انتصر يسوع على الأمراض المتنوعة والعواصف والأرواح والذنوب والشرائع، أبرز كيف طرد المسيح الموت، عدونا اللدود. فالمسيح يهبنا تحريراً كاملاً من كل ثقل وخوف، ويقودنا إلى الحياة الأبدية. فهل أنت في موكب نصرته؟

كان لرئيس المجمع اليهودي، ابنة مريضة، وكل الذين حاولوا شفاءها لم يجدوا وسيلة تقوى على علة المرض وسلطانه، فالإبنة كانت مشرفة على الموت في آخر سكراته. اضطرب الأب اضطراباً كبيراً، أسرع إلى يسوع وسجد له جهراً، رغم أنه رئيس المجمع اليهودي، رغم أن السجود هو لله وحده وليس للناس. اعترف الرئيس بسجوده ليسوع أنه يعتبر الناصري رجلاً إلهياً عظيماً. وقَبِلَ المسيح هذا السجود، لأنه إله حق من إله حق، ذو جوهر واحد مع الآب. فإيمان الرئيس جعله يطلب من يسوع أن يلمس ابنته، لأنه سبق أن رأى أن لمس المسيح للمصابين يشفيهم شفاءاً تاماً.

مشى معه المسيح في الحال، إذ كانت الحالة خطيرة. لكن اقتربت منه فجأة امرأة مريضة، وهو في وسط الازدحام، ولمست ثوبه راجية عونه، دون أن تنطق بكلمة واحدة. هنا شعر المسيح بجريان قوة منه إليها، لأن لمستها كانت لمسة إيمان، وليست كالجماهير التي حوله. فوقف يسوع ونظر حوله ورآها وألمَّ بقصتها، وحدَّثها علانية، شهادة أمام الجميع، فثبَّت إيمانها فيه، لأن الإيمان يأخذ من المسيح قوة وحياة ونعمة.

كان هذا الإبطاء درساً صعباً لرئيس المجمع، الذي كان مستعجلاً إلى آخر رمق، ففرض عليه يسوع أن يتعلم أن الرب لا يفضّل أصحاب المناصب العليا على غيرهم، بل يعمل متجاوباً مع إيمان طالبه، مهما كان صغيراً أم كبيراً، امرأة أو رجلاً.

عندما وصلوا أخيراً إلى الدار كانت الإبنة قد ماتت، لكن المسيح وصف موتها بالنوم، الأمر الذي أضحك النسوة الباكيات، فأكّدن لرب الحياة، أن الإبنة لم تكن شبه ميتة بل قد ماتت فعلاً.

عندما رأى يسوع سلطة الموت واستهزاء الجمهور وجهالتهم، استاء أخرج الجميع من الغرفة، عدا والدي الفتاة وثلاثة من تلاميذه. ووقف بصمت عظيم أمام الميتة وأمسك بيدها فتسربلت فيها القوة، وهرب الموت مهزوماً مدحوراً، لأن سلطة المسيح تمتد إلى ما وراء ستار الحياة. ولكلمته قوة تغلب الموت. فقامت الفتاة وتمّشت بين والديها. وإذ ذاك استولت الدهشة على الجميع!

ليس المسيح موجد الحياة فقط، بل مانحها، حافظها، حارسها ومنميها، لذلك أمر أن تعطى طعاماً لتأكل، دليلاً على اكتمال الصحة فيها، وعلى أن عمل المسيح الخلاصي تام إلى المنتهى.

ما أعظم التعزية لنا نحن تابعي المسيح أنه سيقيمنا بقوة محبته من بين الأموات، لأننا نعرف إسمه. إن المسيح يأخذ بيدك اليمنى لتقوم في الحال من موتك في الخطايا، وتعيش في الحياة الطاهرة الأبدية.

أيها الأب السماوي، نحن نرقد في الخطايا حسب طبيعتنا، أما ابنك الوحيد فهو رئيس الحياة المحيي، وينبوع الفيضان الروحي. نشكرك لأنك وهبتنا هذا المنجِّي الفريد، حتى نحصل على حياتك الأبدية بالإيمان. امسك بأيدينا عندما نقرأ في إنجيلك، لكي نقوم حالاً مع كثيرين من الشباب في محيطنا. الصلاة:

السؤال 95 : كيف أقام يسوع الإبنة الميتة؟

شفاء أعميين وأخرس

( 9: 27- 34)

9: 27  وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ تَبِعَهُ أَعْمَيَانِ يَصْرَخَانِ وَيَقُولاَنِ: ارْحَمْنَا يَا ابْنَ دَاوُدَ    (28) وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الأََعْمَيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هذَا؟ قَالاَ لَهُ: نَعَمْ يَا سَيِّدُ (29) حِينَئِذٍ لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا قَائِلاً: بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا (30) فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا. فَانْتَهَرَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: انْظُرَا، لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ! (31) وَلكِنَّهُمَا خَرَجَا وَأَشَاعَاهُ فِي تِلْكَ الأَرْضِ كُلِّهَا.                                              (متى8: 4؛ 20: 30، أعمال14: 9)

كان الوعد الذي أعطي لداود أنه من صلبه يأتي المسيا، وكان هذا الوعد معلوماً للجميع، لذلك كان المسيا يدعى “ابن داود”. في ذلك الوقت، كان هناك انتظار عام لظهوره. وقد عرف هذان الأعميان أنه أتى،  واعترفا بهذا في شوارع كفرناحوم، واعترفا بأن هذا هو المسيا المنتظر. هذا مازاد في شناعة غباوة وخطيئة رؤساء الكهنة والفريسيين، الذين أنكروا بأنه هو المسيا وقاوموه. إن الأعميان لم يبصرا المسيح ولا أبصرا معجزاته، لكن “الإيمان بالسمع”.

عاش المسيح بين اليهود، وقليلون أدركوا أنه مسيح الله، لأن أكثرهم طلبوا مخلّصاً سياسياً، وليس من يغير قلوبهم، لذلك بقوا عُمْياً رغم عيونهم المفتوحة وعقولهم المفكرة. واليوم ما زال كثيرون من الأتقياء والعلماء يظنون أنهم يعرفون يسوع، لكنهم لم يتقدموا إلى جوهره الأصلي، ولم يدركوا ما هو لسلام قلوبهم. أما الأعميان المذكوران في الحادثة، فآمنا بأن يسوع هو من ذرية داود، وأنه الملك الإلهي الموعود، في العهد القديم ( 2 صموئيل 7: 12-14). صرخا بصوت عظيم ليشفيهما، لكن المسيح لم يجب طلبتهما حالاً، لأنه أراد أن يمتحن إيمانهما. لقد اجتازا هذا الامتحان، تبعا يسوع ولحقا به، حتى وصلا إلى بيت بطرس، وألحَّا طالبين العون، فأكرم المسيح غيرتهما بتثبيت إيمانهما بقدرته. سألهما إذا كانا حقاً يؤمنان أنه القادر على هذه العملية الفريدة من نوعها، فأجاباه «نعم». فهل نحن اليوم نشاركهما ونقرر أن يسوع هو القادر على الشفاء والخلاص؟ فنوجّه طلباتنا إليه بصراحة وبساطة؟

يبدو للوهلة الأولى أن المسيح غضَّ النظر عنهما في بداية الأمر ليمتحن إيمانهما الذي كان يعرف بأنه قوي، وأنه أراد أن يبعث الحرارة في صلاتهما لكي يكون للشفاء قيمة أكثر مما لو أتى لمجرد الكلمة الأولى. ثم أراد أن يعلمنا اللجاجة في الصلاة، وأننا ينبغي أن نصلي كل حين ولا نمل حتى ولو لم تأت الإجابة في الحال، إلاَّ اننا ينبغي أن ننتظرها، وأن نتتبع العناية الإلهية حتى في خطواتها التي قد يبدو أنها تغافلت عن صلواتنا أو أنها تناقضها. لم يشأ المسيح أن يفيهما علناً في الطريق، لأنه أراد أن يبقى خبر هذا الشفاء سراً مكنوناً.

بعد اعترافهما بالإيمان، لمس المسيح عيونهما بيده الخالقة، فشعرا بمحبته وقوته الشافية، ورأياه هو أولاً. كان لصورته أعظم التأثير في قلبيهما، إذ أدركا فيه المخلّص والملك القدير. فنتج عن إيمانهما بصيرة روحية حقَّة.

إن الذين يلجأون إلى يسوع المسيح، يعاملهم حسب إيمانهم وليس حسب ظنونهم، ولا حسب مظاهرهم. وهذا معناه أن عديمي الإيمان ينبغي أن لا يتوقعوا بأن ينالوا رحمة من الله، أما المؤمنون الحقيقيون فليتيقنوا بأنهم سينالون كل النعم المقدمة في الإنجيل، وتعزياتنا تزداد وتنقص حسبما يكون إيماننا قوياً أو ضعيفاً.

من العجيب أن يسوع منعهما من إذاعة خبر شفائهما، لأنه لم يرد أن تتراكض إليه الجماهير بسبب المعجزات. فقصده أن يخلق في أتباعه الإيمان المبني على التوبة أولاً، لتتغيَّر قلوبهم وتتجدَّد أذهانهم، كي يزول العمى الروحي منهم، ويمشوا في نور الله بوعي. هل جعلتك محبة يسوع مبصراً، أو هل ما زلت تعيش بعيداً عنه، أعمى في ظلمة الخطايا وبلا خلاص؟

نشكرك أيها الآب السماوي، لأنك فتحت أعيننا لنراك ونحبك، فاصبحنا من أولادك بالإيمان. ثبتنا في محبتك لندرك عظمتك، ونركع أمام عرش نعمتك مصلين لأجل جيراننا وأصدقائنا، حتى تتدخّل لشفائهم، وتفتح أعين قلوبهم، ليروك ويختبروا رحمتك ومحبتك. الصلاة:

السؤال 96 :  ما هو السر في شفاء الاعميين؟

9: 32  وَفِيمَا هُمَا خَارِجَانِ إِذَا إِنْسَانٌ أَخْرَسُ مَجْنُونٌ قَدَّمُوهُ إِلَيْهِ. (33) فَلَمَّا أُخْرِجَ الشَّيْطَانُ تَكَلَّمَ الأَخْرَسُ، فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ قَائِلِينَ: لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ! (34) أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ.                         (متى12: 24-32)

ما أن خرج الأعميان اللذان شُفيا على يد يسوع، حتى أدخل المؤمنون إليه معتوهاً أخرس. والأرجح أن الخُرس الذي أصاب هذا الشخص ناتج عن اتصاله بالأرواح والمشعوذين. تأمل كيف كان المسيح لا يمل ولا يكل من عمل الخير، كيف كان يعمل الإحسان في أثر الإحسان. فيه مذخر كنوز من الرحمة، الرحمة العجيبة. من هذه الكنوز التي لا تنفذ يمكن أن تغترف البشريةدون أن تنفذ.

كان هذا المريض تحت سلطان الشيطان الذي أعجزه عن الكلام. تأمل في مصائب هذا الدهر، وكيف تتنوع بلايا المتألمين، لا نكاد ننتهي من قراءة حادثة الأعميين،حتى نلتقي بحادثة الأخرس. أي شكر ينبغي أن      نؤديه لله من أجل نعمة البصر ونعمة الكلام. تأمل في خبث الشيطان نحو البشرية وكيف يظهره بطرق منوعة.

حينما يملك الشيطان شخصاً،فإنه يخرسه عن الخير، يخرسه عن الصلاة والتسبيح اللتين يبغضهما الشيطان  بغضة تامة. قدموا هذا البائس المسكين إلى المسيح الذي لم يرحب فقط بمن تقدموا إليه بإيمانهم بأنفسهم، بل أيضاً بأولئك الذين قُدموا إليه بواسطة أصدقائه وبإيمان غيرهم.

عندما يقبل المؤمن أو الكنيسة روح العصر أو العلم اللاهوتي المحايد، أو الأفكار الدنيوية المتفاخرة، هناك تنتهي شهادتنا عن يسوع المخلص. وحين نقرأ الجرائد والكتب الحديثة والآراء الفلسفية أكثر من تعمقنا في كلمة الله، لا نستغرب أو نتعجب إذا لازمتنا هذه الأرواح، بدلاً من روح المسيح، الذي يقصد التمركز في قلوبنا بواسطة تأملنا في كلماته وعباراته. لذلك مَيِّز الأرواح وتوخى الحذر الشديد، لأن كل استسلام لروح غير روح المسيح يسيطر عليك كلياً ويميت محبة المسيح في قلبك.

أما طلبة المؤمنين الذين أتوا بالأخرس المعتوه فقد حركت قلب يسوع بالحب نحو الأخرس المجنون، فطرد منه الروح الشرير وحلَّ عقدة لسانه. عندما تبدأ الصلاة المواظبة يحل المسيح ألسنة أعضاء كنيستك وجمعيتك كلها، ويُخرِج منهم الروح العصري والتكبُّر والاعتداد، ليشهدوا لخلاص يسوع بكلماتهم الواضحة وسلوكهم المثالي. التصِقْ بيسوع ولا تتركه لكي يشفي خُرساً كثيرين، ويجعلهم شهوداً قدّيسين، شاهدين لفداء المسيح في أيامنا.

يعتقد البعض أن الشخص الأخرس يشبه البهائم، وهذا خطأ. هو مثلنا مدعو للخلاص في المسيح، وفي المسيح لا فرق بين هذا أو ذاك، بل الجميع سواسية. لذا ينبغي علينا أن نهتم به، ونحترمه مثلما اهتم به المسيح واحبه من كل قلبه.

لا تندهش من النتيجة المتناقضة لما عمله المسيح، لأن البسطاء سبَّحوا المسيح لأنه طهر المؤمنين وأظهر قدرته فيهم. لكن المتدينين غضبوا لأنه صار بدونهم انتعاش وتحمّس في الشعب، لا يطابق أساليبهم التقليدية، فغضبوا وأطلقوا على يسوع البار اسم رئيس الشياطين. هكذا عمي هؤلاء المُبغِضون الحاقدون، لأنهم رفضوا روح المسيح الشافي. انتبه أن تخدم المسيح بدوافع روحه اللطيف، وليس بعنف أو شتائم، لأن كل روح غير صادر عن يسوع يُخَرِّب. أما الروح القدس فيبني ويحل رباط إبليس.

قال المعترض، كتب في “الإصحاح9” قصة المجنون الأخرس، وفي “الأصحاح10” اعطاء المسيح للحواريين قدرة على إخراج الشياطين وشفاء المرضى وإرسالهم، ثم ذكر آيات أخرى، وذكر قصة التجلي في “الإصحاح17”. لكن لوقا كتب في “الإصحاح9” اعطاء المسيح للحواريين قدرة على المعجزات، ثم قصة التجلي. وفي “الإصحاح 10” وأول “الإصحاح11” ذكر آيات أخرى، ثم ذكر آية المجنون الأخرس. وبالمقارنة بين الإنجيلين لا نجد نفس الترتيب بينهما في تسلسل الأحداث.

نجيب أن أحد البشيرين راعى المعجزات التي صنعها المسيح لليهود، فذكرها أولاً، وأخر الأقوال التعليمية عنها كما فعل متى. والآخر قدَّم التعاليم والخطابات الإلهية على المعجزات. وبصرف النظر عن ذلك، فالمسيح صنع معجزات كثيرة قبل التجلي وبعده، وأخرج شياطين من أكثر من مجنون أخرس. فكل إنجيل لا  يذكر كل المعجزات التي عملها المسيح، لأن ذلك يحتاج إلى كتب كثيرة.

أيها الآب العظيم، املأنا بروحك القدوس، لنمجدك بعبارات وكلمات مفهومة لأجل موهبة السمع والنطق. اطرح كل روح نجس عنّا لنقدم للعالم شهادة واضحة عن يسوع المسيح مخلّصنا الحي. اشف كثيرين من الملبوسين بروح الإلحاد والأفكار العصرية، وارتباطاتهم بالعرّافين والشياطين. نشكرك لأنك شفيت الأخرس آنذاك. هكذا تحرر الذين نقدمهم إليك اليوم.الصلاة:

السؤال 97 :  ماذا يعني شفاء الأخرس؟

3- إرسال التلاميذ الاثني عشر للتبشير

( 9: 35- 11: 1)

حنان المسيح على الشعب المتشتِّت

( 9: 35-38)

9: 35 وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ الْمُدُنَ كُلَّهَا وَالْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ فِي الشَّعْبِ. (36) وَلَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا. (37) حِينَئِذٍ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. (38) فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ.

(حزقيال34: 5، مر6: 34، لو10: 2)

تجوَّل يسوع في القرى والمدن مع تلاميذه معلّماً ومبشّراً. بحث عن الضالين والجياع إلى البر والجهال والسطحيين، وحتى بين المتدينين، ليربحهم إلى ملكوت محبته. دخل البيوت، ونادى في الشوارع، وعلَّم في المجامع، وتكلم مع الأفراد. استخدم كل فرصة ليبثَّ في عقول الناس الإنجيل المفرّح، ويفسّر التوراة على ضوء العهد الجديد. لم يتراجع أمام الأسئلة الخبيثة، بل غلب الماكرين بحكمة روحه، وأعلن بُشرى الخلاص، ودعا الجميع إلى ملكوت السماوات معلناً مشيئة أبيه التي ظهرت جلياً في أعماله القوية. وبشفاءاته العجيبة أثبت صحة دعوته. فأمكن حتى للغبي أن يفهم أنه بالمسيح قد ابتدأ سلطان الله على الأرض، وأن محبة الله تجسَّدت أمام كل ذي بصر. فتحرك الشعب كله، وشعر بحلول عصر جديد.

تألم المسيح كثيراً، لأنه رأى الأمراض وأسبابها، والجهل والخراب الاقتصادي والظلم الاستعماري. تضايق يسوع خاصة من ضعف الإيمان، واشتراكه بأفكار دنيوية، وتدخّل الكبرياء والالتباس بالأرواح النجسة، وتسلط الموت على الجميع. لم يبتعد المسيح عن الساقطين، ولم يُبغض الغوغائيين، كما يفعل بعض الشعراء والفلاسفة المفتخرين، بل نظر إليهم كما تنظر الأم لأولادها المرضى، فتحنن على الجميع مدفوعاً بمحبته العظيمة. لهذا السبب ترك السماء، ومات على الصليب، وشفع فينا. فحنان المسيح هو لبّ جوهر قلبه.

يحبنا الله ونحن مساكين ضالون في هذا العالم، نشبه الرعية المشتتة التي هاجمتها الذئاب المفترسة بلا شفقة، وكأن لا راعي لنا. لكن المسيح هو الراعي الصالح الذي يهتم بك، ويراك في ضيقك، ويتألم معك، ويسارع إلى معونتك. لقد فسَّر يسوع لتلاميذه حالة الشعب بحقل ناضج مستعد للحصاد. فالضيق كان شديداً على الأمة، وتبعاً لهذا نشأ في النفوس الجوع إلى البر والنظام والسلام والتسامح، فصارت الأرض مفلوحة لبذر الإنجيل. إن الهزات العنيفة في ايامنا تزعزع الناس، وتوقظهم من غفلتهم، فيزول الاطمئنان وتضطرب الجماهير. ويسمّي يسوع هذه الحالات أنسب فرصة للحصاد الروحي. حقاً إننا نجد في عصرنا هزات عميقة واضطرابات معنوية تكتسح أّمَّتنا يميناً ويساراً، فتتقلب حضارتنا وتنتهي سلامتنا. هكذا ينضج الوقت للحصاد الإلهي، إذ يبحث الناس عن مبادئ جديدة وركن للحياة غير مقلقل.

إن الخدام هم فعلة في حصاد الله، وينبغي أن يكونوا كذلك. فالخدمة عمل، وينبغي أن تؤدى على هذا الأساس. إنها عملية الحصاد وهذا عمل ضروري، عمل يتطلب أن يتم كل شيء في وقته، ويتطلب كل اجتهاد لكي يتم كاملاً.

أين خدام الرب الذين يملكون الجواب الشافي؟ يبذلون جهودهم لإنهاض الساقطين، ويعلمون الجهَّال للتخفيف من ضيقهم الروحي.

يدعوك المسيح للصلاة لتطلب من الله بشدة أن يُرسل في أيامنا خدّاماً كثيرين مخلصين لخدمة خلاصه. هذه الصلاة  فريضة مقدسة، مبنية على أمر المسيح، فلم يستسلم المسيح فاشلاً أمام الخدمة غير المحدودة التي تفوق قدرة إنسان ما، بل أمرنا أن نطلب من رب الحصاد وبإلحاح أن يُرسل في أيامنا فعلة مقتدرين، أمناء إلى حصاده. فاشترك بالإبتهال إلى يسوع ليرسل رسله إلى قريتك أو مدينتك. هل تتحنن على الشعب المتبدد وتتمنى لهم الغفران؟ وهل تُشفق على أبناء المعصية الذين لا يعرفون ربهم؟  صلِّ لكي يرسل الرب فعلة في أيامنا، لأن اليوم يوم الحصاد.

إن عمل الرب هو أن يرسل فعلة، فالمسيح هو الذي يقيم الخدام، هو الذي يعين الخدمة، ويعطي المواهب، ويقدم الدعوة. لذلك فإن الذين يزجون بأنفسهم دون أن يعين لهم الله الخدمة، ويعطيهم المواهب اللازمة لها، ويقدم لهم الدعوة، لا يمكن أن يعترف بهم كفعلة، أو يعطيهم أجر الفعلة “كيف يكرزون إن لم يرسلوا” (رومية 10: 15).

هل أنت من هؤلاء المدعوين؟ اطلب من الرب أن يفتح أذنيك لتسمع دعوته، فيرشدك إلى الخدمة، وتحصد كثيراً لتمجيد اسمه القدوس. وإن كنت مدعواً فلا تتأخر أو تتراجع، بل أطلب من رب القوة أن يمنحك القوة لتتمم دعوتك في أيام الشّدة والفرح.

أيها الآب السماوي، ها نحن مستعدون لخدمة حصادك. إذا وجدت أنفسنا نافعة للخدمة، فاستخدمنا. نعترف أننا فاشلون، غير مستحقين للحصاد. طهّرنا بدم ابنك، وجهّزنا بقوة روحك. أرسل فعلة كثيرين إلى حصادك لكل أمتنا، واملأ العالم بخدَّامك ليأتي ملكوتك عاجلاً.الصلاة:

السؤال 98: ماذا يريد منا الله أن نطلبه منه بإلحاح؟

دعوة التلاميذ الاثني عشر

(10: 1-4)

10: 1  ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ الاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضُعْفٍ. (2) وَأَمَّا أَسْمَاءُ الاثْنَيْ عَشَرَ رَسُولاً فَهِيَ هذِهِ: اَلأَّوَلُ سِمْعَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسُ أَخُوهُ. يَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي، وَيُوحَنَّا أَخُوهُ. (3) فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ. (4) سِمْعَانُ الْقَانَوِيُّ، وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أَسْلَمَهُ.        (مر3: 13-19؛ 6: 7، لو6: 12-16؛ 9: 1)

طلب المسيح من تلاميذه قبل تعيينهم للخدمة أن يصلّوا ليرسل الله فعلة إلى حصاده. فالرب يدعوك قبل كل نشاط وحركة إلى الصلاة، لأن من لا يصلي لأجل الضالين ويحبهم ويزورهم، لا يستطيع أن يكون مبشراً للمسيح، فلا مواهبك ولا شهاداتك العلمية تؤهلك لخدمة الرب، بل صلواتك وإيمانك وغيرتك على خلاص الكثيرين هي تمهيد لتحقيق الدعوة.

كان المسيح طيلة ذلك الوقت محتفظاً بالإثنى عشر تحت الإختبار. رغم أنه يعرف ما في الإنسان، وعرف كل ما كان بهم، إلا أنه سلك هذا الطريق ليكون قدوة لكنيسته.

إن الخدمة مهمة خطيرة، لذلك ينبغي أن يختبر الخادم بعض الوقت قبل أن يُعهد إليه بها، كما ينبغي أن لا توضع يد على الخادم بتسرع، بل ليوضع تحت الفحص والإختبار، “لأن خطايا بعض الناس تتقدمهم وأما البعض فتتبعهم” (1تيموثاوس5: 22و24).

دعا المسيح سفراءه من هؤلاء المصلّين التائبين على يد المعمدان والمستعدين، الذين تبعوا يسوع منذ مدة، وتعلّموا منه الوعظ والشفاء، وأخذوا منه القوة الروحية. فمن يقصد خدمة الوعظ من دون دعوة المسيح يقدم  تعليماً فارغاً، ويضر نفسه وكنيسته بافكار صادرة عن عقله الجاف. لكن من يرسله المسيح فله سلطان لقيادة كثيرين إلى التوبة، وتجديد القلوب، ولا يمجد اسمه الخاص بأعماله بل يعطي المجد كله لمخلصه يسوع، المقام  من بين الأموات، والذي يعمل بواسطة عبيده البطالين كأنه حاضر فيهم. شفى الرسل المرضى، وأقاموا الموتى، وأخرجوا الشياطين، ليس بقوتهم وباسمهم الخاص، بل باسم المسيح الحي.

فسِرُّ أعمال الرسل هو التفسير الحقيقي لدعوة المسيح. امتحن نفسك هل أنت مدعو من المسيح للخدمة أم أنك تخدم بسبب عدم إتقانك لأي وظيفة أخرى وفشلك فيها؟ انتبه فالرب لا يحب المتطفلين على الخدمة وغير المدعوين لها. صل لكي تنال الإرشاد والدعوة من الرب، فالحصاد كثير والفعلة قليلون. اطلب من رب  الحصاد الآن وبكل إيمان أن يرسل فعلة إلى حصاده.

المسيح هو الملك المشرف على ملكوته. اختار سفراءه وأرسلهم حسب تخطيطه. لم يختبرهم بطريقة بشرية، بل بحكمته الفائقة. فمن يظهر عظيماً في هذا العالم هو وضيع أمام الله. ومن يبدو صغيراً بسيطاً قدام الناس يملأه الله بقدرته الإلهية.

لم يكن تلاميذ المسيح من الفئة المثقفة أو المتعلمة، بل كانوا مثل كل الناس، كان بعضهم من صيادي السمك، اختبروا التعب والعمل المضني والشاق وسط العواصف وخطر أمواج الحياة العملية. كلنا نتغذى روحياً من  قوة المسيح وتلاميذه إلى يومنا هذا، لأنهم حملوا إنجيله وقوته إلى العالم فخلصنا بخدمتهم ونعيش من شهادتهم وتضحياتهم.

لبث هؤلاء التلاميذ مع المسيح كطلبة. وعلاوة على انتفاعهم بكرازته العامة فإنه كان يعطيهم دروساً خاصة. لقد فتح لهم الكتاب المقدس، وفتح ذهنهم لفهمه. وأعطى لهم أن يعرفوا أسرار ملكوت السماء، التي أعلنت إليهم بغاية الوضوح.

إن الذين يريدون أن يعلِّموا عليهم أن يتعلَّموا أولاً. ينبغي أن يأخذوا لكي يعطوا، ينبغي أن يكونوا قادرين أن يعلموا آخرين أيضاً. ينبغي أن تعطى إليهم حقائق الإنجيل أولاً قبل أن يُرسلوا ليكونوا خدام الإنجيل. إن   إعطاء الناس سلطاناً للكرازة وهم غير قادرين على ذلك ليس إلا استهزاء بالله وبالكنيسة، ذلك مثل “من يُرسل كلاماً عن يد جاهل” (أمثال 26: 6). وقبل أن يرسل المسيح تلاميذه علَّمهم. أُرسل هؤلاء المعلمون وهم خلو من كل المظاهر الخارجية لتزكيتهم. كانوا خالين من الثروة، من العلم وألقاب الشرف. كان مظهرهم وضيعاً جداً. لذلك كان لا بد من أن يعطوا سلطاناً غير عادي لتمييزهم عن الكتبة.

إن تأملنا أسماء التلاميذ وعلاقتهم بيسوع، نرى ثلاث حلقات متداخلة. أولها نخبة من أربعة تلاميذ وهم المقرّبون من يسوع، الذين أطلعهم على الأسرار الروحية وخفايا قلبه. وثانيها أربعة من التلاميذ، عرفناهم حسب أخلاقهم، واعتبر البشير متى نفسه من هذا الفريق بل سمى نفسه العشار. والحلقة الثالثة وهي الأبعد عن المحور، مؤلفة من أربعة تلاميذ، لم نعرف إلا أسماءهم فقط، ما عدا يهوذا الاسخريوطي الخائن. هناك حكمة في دعوة الاثني عشر، لأن عددهم يرمز إلى ثلاثة في أربعة، الدال على مزج السماء بالأرض. والمسيح حمل أسماءهم الاثني عشر دائماً في قلبه، كما كان يحمل رئيس الكهنة أسماء الأسباط الاثني عشر من شعبه في اللوحة الموضوعة على صدره. هكذا يحملك المسيح أيضاً اليوم، إذا  انكسر قلبك وتجددت، فيرسلك الرب إلى الحصاد الوفير.

إن يهوذا الأسخريوطي يذكر دائماً في النهاية، كما يذكر مقترناً بوصمة العار هذه “الذي أسلمه“، الأمر الذي يدل على أن المسيح عرف من البدء مقدار تعاسته، وأن به شيطاناً، وأنه سوف يسلمه. ومع ذلك اختاره المسيح بين الرسل لكي لا يكون أمراً مدهشاً للكنيسة إذا ارتكبت أقبح الرذائل يوماً ما وسط أقدس مكان. إن مثل هذه الصخور كثيراً ما وجدت في ولائمنا، ووجد الزوان وسط الحنطة، والذئاب وسط الخراف. على أنه لا بد أن يأتي اليوم الذي يُكشف فيه السر، ويُعزل المراؤون. ثم إن وجود يهوذا بين الإثني عشر رسولاً لم   يحقر من شأن الرسولية ولم يقلل من قيمة زملائه طالما كان شره مختفياً ولم يظهر بعد.

أما المسيح، فقدّم له كل الإمكانيات الصالحة. منح لعدوه عدة فرص ليتخلّى عن شره، ويرجع إلى صوابه، ويتوب عن خطاياه، الأمر الذي يظهر أن المسيح أحب الجميع حتى الذين يريدون به شراً ويتربصون لقتله.

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك دعوتنا بإنجيلك إلى البنوة، وطهّرت قلوبنا بدم المسيح، وملأتنا بمحبة روحك. فهذه المحبة تدفعنا نحو الضالين اليائسين، ويحملنا ابنك بشفاعته أثناء خدمتنا. لذلك نلتمس منك إرشاد روحك القدوس، وحكمة فائقة، وطاعة مباشرة، وقوة وافرة، ومحبة دائمة لكل سفرائك في عالمنا، لكي نستطيع جمع الحصاد والإتيان إليك فرحين.الصلاة:

السؤال 99 : ما هو مضمون التفويض الذي فوَّض به يسوع تلاميذه؟

أساليب نشر ملكوت السموات

(المجموعة الثانية لكلمات المسيح )

(10: 5- 11: 1)

المبادئ الأساسية للتبشير

( 10: 5-15)

10: 5 هؤُلاءِ الاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً: إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. (6) بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ.

(متى15: 24، مر6: 7-13، لو9: 2-6، أعمال13: 46)

لم يرسل المسيح مختاريه الاثني عشر إلى كل العالم في بداية خدمته بل إلى مواطنيهم الأقربين. لأن الشعوب لم تكن مستعدة بعد للتبشير، والروح القدس لم يحل آنذاك على كل ذي جسد. فقدم المسيح ملكوته لليهود الضالين أولاً، حسب الوعد لآبائهم ودعاهم إلى التوبة والرجاء الحي.

عنى المسيح عناية خاصة لبيت إسرائيل “فهم أحباء من أجل الآباء” (رومية11: 28). كان ينظر إليهم  بعطف كخراف ضالة، فُرض عليه أن يجمعها كراع من طرق الشر والخطيئة التي انحرفوا إليها، والتي إن لم يرجعوا منها ضلوا إلى النهاية.

قال المعترض، ورد في (متى10: 5و6) أن المسيح أوصى تلاميذه الإثني عشر أن يبشروا خراف بيت إسرائيل الضالة. وفي (متى15: 24) قال “لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة”. مع أن المسيح قال في (مرقس16: 15) “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”.

نجيب أن القانون الذي وضعه المسيح لرسله هو أن يكرزوا أولاً لبيت إسرائيل حتى لا يعثروا، وبعدئذ يكرزون لبقية الأمم والشعوب. والكتاب ناطق من أوله إلى آخره بأن الواجب هو العناية بأهل بيت الإيمان أولاً، ثم التبشير لغيرهم. فلا ناسخ ولا منسوخ، وإنما فيه تقديم بيت إسرائيل على غيرهم.

10: 7 وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ اكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ. (8) اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصاً. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ.   (متى4: 17، مر16: 17، لو10: 1-12)

كان مضمون كرازة الرسل أمرين: القول والعمل. وموضوع أقوالهم هو المسيح بالذات مع سلطانه وحقه وروحه ونظامه. لقد تأثر التلاميذ بشخصية معلمهم وحنانه وقوته في أعماق قلوبهم، فشهدوا بما رأوا واختبروا، وأدركوا أن في شخص المسيح ابتدأ ملكوت الله بينهم وتحقق وصار ملموساً ظاهراً. لذلك تغيرت بشارتهم عن أقوال المعمدان، بالنسبة للملكوت القريب، لأنهم قد اختبروا أن يسوع هو الملك الإلهي. هم لم يبشّروا بمجيء ملكوت بعيد، بل أعلنوا الملك المحبوب قد حضر.

لم يتكلم رسل المسيح فقط، بل نقلوا إلى الآخرين سلطان قوته الحالَّة فيهم. فالإنجيل يعني قوة إلهية، وليس كلمات فارغة أو تعليماً جافاً.

هذه الحقيقة ترمي كل الوعاظ إلى الإنسحاق إذا قدّموا كلمات رنانة فقط بدل القوّة، فالمسيح يشاء اليوم أن ينتصر بواسطة خدامه كما انتصر آنذاك برسله، لكن بسبب قلة ايمانهم واستكبارهم وقساوة قلوبهم، لا يستطيع أن يعمل آيات كثيرة لأن العجائب تجري حيث تتحد المحبة التَّامة مع الإيمان القوي.

10: 8 مَجَّاناً أَخَذْتُمْ مَجَّاناً أَعْطُوا. (9) لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاساً فِي مَنَاطِقِكُمْ،     (10) وَلاَ مِزْوَداً لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً، لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَهُ.

(عدد18: 31، أعمال20: 33، 1كور9: 14، 1تيمو5: 18)

يتمنى الإنسان أن ينال أجرته بعد قيامه بعمله وإخلاصه فيه، كما يرجو لنفسه وظيفة دائمة. أما الملك السماوي القنوع، فقد منع مرسليه من قبول أجرة أو راتب أو الإتجار بكلمته، بل أمرهم أن يقدموا خدماتهم مجاناً، ويعيشوا من إيمانهم بالمسيح، ولا يضعوا قلوبهم على المال والمُلك والأوقاف. فالمسيح يحررك من محبة  المال لتحبه وحده، وتثق بعنايته الدائمة.

إن الذين أعطي إليهم السلطان لشفاء كل الأمراض، كانت لهم فرصة للإثراء،لأنه من ذا الذي لا يشتري مثل هذا الشفاء الميسور الأكيد مهما بلغ الثمن؟ لذلك حذرهم المسيح من انتهاز الفرصة للإنتفاع مادياً بالسلطان الذي أعطي لهم لعمل المعجزات. ينبغي أن يشفوا مجاناً، أن يظهروا عملياً طبيعة ملكوت العهد الجديد. إنه ليس قائماً فقط على مجرد النعمة، بل على النعمة المجانية.

منع المسيح رسله أيضاً من شراء المزيد من الثياب والأحذية، ليستطيعوا الذهاب إلى خدمتهم بدون حقائب ثقيلة، ويمشوا متحررين من أحمال وهموم الدنيا. فاذهب إلى الخدمة كما أنت. انك لا تحتاج إلى سلاح أو تجهيز خصوصي، لأن ملائكة الله تحرسك. وحيثما تقدم قوة الله لمستمعيك، ويختبروا خلاص النفس والجسد، يعود الشكر إليك، ويغذيك ويُلبِسك. إنما لا تكثر من المؤن، ولا تهدف لتكديس المال في البنك، لكيلا يضعف إيمانك، لأن ملكوت الله روحي وليس مادي.

إن الذين يخرجون مرسلين من المسيح أن يعتمدوا عليه، أكثر من سواه، كي يقدم لهم حاجياتهم. لا شك في أنه لا يدع من يخدمونه يحتاجون، فإن الذين يستخدمهم لا يشملهم برعاية خاصة فقط لحمايتهم، بل أيضاً يعتني بهم لسد أعوازهم. لأن اجراء المسيح يفضل عنهم الخبز. وطالما كنا أمناء لله ولخدمتنا، ونحرص على تأديتها على أكمل وجه، فإن لنا الحق لنلقي كل همنا عليه. فلنترك للرب كي يدبر لنا ولكل من لنا حسبما يراه صالحاً.

إن الذين يخدمون الرب أن يتوقعوا بأن الذين أُرسلوا إليهم يدبرون لهم ما يحتاجونه، لأن الفاعل مستحق أجرته. فينبغي أن لا يتوقعوا الحصول على طعامهم بمعجزة، كما كان الحال مع إيليا، بل أن يتكلوا على الله ليحنن قلوب الذين أُرسلوا إليهم، ليعطفوا عليهم، ويدبروا لهم حاجياتهم. إذا كان على الذين يخدمون المذبح أن لا يقتنوا ثروة من المذبح، إلا أنهم لهم الحق أن يعيشوا من المذبح ويعيشوا عيشة محترمة. خليق بهم أن يحصلوا على حاجياتهم من عملهم، والخدام هم “فعلة” وينبغي أن يكونوا كذلك. ومن كان كذلك فهو “مستحق أجرته” لكي لا يضطر لمباشرة أي عمل آخر للحصول على طعامه. وكما أن المسيح أراد من تلاميذه أن لا يَشُكّوا في عناية الله بهم، هكذا ارادهم أن لا يشكوا في عناية ذويهم بهم، وإمدادهم بما يحتاجون. إن كنتم تكرزون وتعملون لهم الخير، فلاشك في انهم يقدمون لكم ما تحتاجون من طعام وشراب. وإذا ما فعلوا هذا، فلا تطمعوا في الكماليات، لأن الله سوف يعطيكم أجركم فيما بعد، ولا بد أن تنالوه في نفس الوقت.

أيها الآب السماوي، نخجل من ضعفنا وقلة محبتنا وميلنا إلى مال الظلم. اغفر لنا أنانيتنا وعلمنا أن نتبع يسوع بالحق، وبدون مصلحة أو منفعة ذاتية. أعنا كي نستمد منه القوة والمحبة لمساعدة المحتاجين والمستضعفين والمسجونين تحت سلطة الشيطان، وإلى كل من يرشدنا إليهم الروح القدس. ادع كثيرين من أمتنا لخدمتك، لأن الحصاد كثير، لكن الفعلة المخلصين لك قليلون. فارسل يارب فعلة كثيرين إلى حصادك. الصلاة:

السؤال 100 :  ماهي المفاتيح الخمس الأولى التي أعطاها المسيح لتلاميذه بخصوص التبشير؟

10: 11 وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ دَخَلْتُمُوهَا فَافْحَصُوا مَنْ فِيهَا مُسْتَحِقٌّ، وَأَقِيمُوا هُنَاكَ حَتَّى تَخْرُجُوا. (12) وَحِينَ تَدْخُلُونَ الْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ، (13) فَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ مُسْتَحِقّاً فَلْيَأْتِ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ . . .

كان المسيح يخطط خدمته الخاصة دائماً بإرشاد روح أبيه، ويطلب مصلياً قبل دخوله أية مدينة أو قرية، ليريه من هو مستحق من الناس أن ينزل عنده. عِلماً بأن هؤلاء المختارين غير صالحين في أنفسهم، لكنهم أدركوا الشر النابع من قلوبهم، وتألموا لأخلاقهم الفاسدة، هكذا أصبحوا أهلاً لملكوت الله وقبول سفرائه. فاطلب من الله في بداية خدمتك أن يوصلك إلى النادمين، وليس إلى المُكتفين ببرهم الذاتي أو الأغنياء المتعجرفين. إن المتشوّق إلى معرفة نعمة الله هو الذي يقبل إنجيل السلام، والفقير يشركك في خبزه، لكن الغني والفقيه  والقوي والمستكبر يظن أنه غير محتاج إليك. عندما يقع الإنسان في الضيق وتبكيت الضمير، يصبح مستعداً لقبول الخلاص، لأن ربك فلح قلبه لتزرع سلامه فيه.

افحصوا من فيها مستحق” من يوجد خوف الله في أعينهم، من أحسنوا الإنتفاع بما لديهم من نور ومعرفة. إن أفضل الموجودين لا يستحقون من انفسهم تقديم الإنجيل إليهم. على أنه يوجد من يعطون أذناً صاغية للرسل أكثر من غيرهم، ولا يدوسون هذه اللآلئ بأرجلهم.

الرب يساعدنا أن نبحث عن الجائعين إلى البر ،ولا نذهب في البداية إلى الذين يدعوننا لمجرد الإستطلاع والأبحاث التافهة التي لا نفع منها، بل ينصحنا المسيح أن نتمركز عند الذين أرشدنا إليهم روح الرب. أمرهم المسيح أن لا يبحثوا عمن هو غني، بل عمن هو مستحق، لا عن أكثر الرجال جاهاً، بل عن أفضلهم أخلاقاً.

ومن هذا المركز الأخوي، ننطلق لزيارة المحيطين بنا، والأفضل أن يكون برفقتنا مضيفنا الكريم، لأنه يعرف الناس والأحوال في منطقته.

اطلب من المسيح أن يفتح في كل حي من أحياء مدينتك مركزاً للتبشير، حيث يجتذب بقوته كثيرين للإيمان. هل أصبحت أنت نفسك محوراً لخدمات انتعاشية وينبوع سلام لمحيطك؟

كانت التحية “سلام لكم” إذا استخدموها تحولت إلى بشارة، لأن ما تمنّوه هو سلام الله، سلام ملكوت السموات. والآن لئلا تتبلبل عقولهم بسبب توجيه هذه البركة للجميع، مستحقين وغير مستحقين. فقد أوصاهم المسيح بهذه الوصية منعاً للإرتباك. لقد أخبرهم أن هذه الطلبة أو الأمنية ينبغي أن تقدم للجميع، كما وجه الإنجيل للجميع بلا تمييز، وأنهم ينبغي أن يتركوا الأمر لله الفاحص القلوب، والمطلع على السرائر، لكي يحدد النتيجة. إن كان البيت مستحقاً حصد ثمرة بركتكم، وإلا فلن يحصل لكم ضرر، ولن تخسروا ثمرتها، بل إلى حضنكم يرجع، كصلاة داود من أجل أعدائه الجاحدين (مزمور35: 13).

خليق بنا أن نحسن الظن بالجميع، أن نصلي بإخلاص وأمانة لأجل الجميع، أن نكون مؤدبين ولطفاء نحو الجميع، لأن هذا هو الواجب من ناحيتنا، وبعد ذلك نترك الله، من ناحيته، أن يحدد النتيجة التي سوف تحل بهم. فالذي يتجاوب مع روح الله، تتحقق فيه التحية وينل بركة منه، أما من يتقسى قلبه لسلام الله ورحمته، سينال دينونة على نكرانه.

10: 13 وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقّاً فَلْيَرْجِعْ سَلاَمُكُمْ إِلَيْكُمْ. (14) وَمَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَعُ كَلاَمَكُمْ فَاخْرُجُوا خَارِجاً مِنْ ذلِكَ الْبَيْتِ أَوْ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ، وَانْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُمْ. (15) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ.                                                         (تكوين19: 1-29، أعمال 13: 51)

وحيث لا تقبل الجماعة إنجيل يسوع، فلا تقرع بابهم بعناد مستمر، لأن محبة الله لا تلزم أحداً، بل قوتها     تحل في قلوب المشتاقين إلى السلام والحق، الذين يفتحون لها أنفسهم طوعاً لا كرهاً. إيماننا لا يعرف الإغتصاب والإستسلام بل الإقتناع والمسؤولية.

إذا رفض إنسانٌ أو عائلةٌ أو مدينةٌ أو أمةٌ المسيح ورسله بسطحية أو بجمود، فانفصل عنها بهدوء تام لكي لا تشترك في العذاب المنصب على الرافضين، لأن من يرفض إنجيل السلام يرفض الله.

إن يوم الدينونة آت لا محالة، فيه يحاسب يقيناً الذين رفضوا الإنجيل، مهما هزأوا به الآن. والذين لا يريدون أن يسمعوا التعاليم المؤدية لنجاتهم سوف يضطرون لسماع الحكم القاضي بهلاكهم. إن دينونهم مؤجلة إلى ذلك اليوم.

إن دينونة من يرفضون الإنجيل سوف تكون في ذلك اليوم أشد هولاً وأقسى من دينونة سدوم وعمورة. قيل عن سدوم أنها سوف تكابد عقاب نار أبدية. على ان هذا العقاب سوف يكون أشد لمن يحتقرون الخلاص العظيم. كان أهل سدوم وعمورة أشراراً جداً. كان الأمر الذي ملأ مكيال إثمهم أنهم لم يقبلوا الملاَكين اللذين أُرسلا إليهم بل أساؤوا إليهما، ولم يسمعوا لكلامهما. مع ذلك فإنه سيكون لهم حالة أكثر احتمالاً مما لأولئك الذين لا يقبلون خدام المسيح، ولا يسمعون لكلامهم. سيكون غضب الله عليهم أكثر اشتعالاً، وسوف تكون وخزات ضمائرهم أقسى عندما يتأملون في حالتهم. سيكون لهذه الكلمات وقع مرعب جداً في نفوس الذين أعطيت لهم فرص طيبة لقبول الحياة الأبدية وفضلوا عليها الموت. وُصف إثم إسرائيل، حين لم يقبلوا خدام الله الأنبياء الذين أرسلهم إليهم أنه أشنع من إثم سدوم، فكم يكون إثمهم أشنع إذ أرسل إليهم ابنه، وروح كلمته المتجسد.

احترس قبل أن تترك العصاة وامتحن نفسك، لئلا تكون سبباً لنفورهم وعصيانهم، بسوء التفاهم أو بسبب خشونتك وعدم حكمتك. ارجع إلى نفسك أولا وتب حتى لا تكون عثرة للآخرين.

أثبت المسيح من خلال هذه الكلمات حقيقة يوم الدين، وأعلن إنجيله كالطريق الوحيد للخلاص من هذا اليوم المرعب، من يرفض ويعاكس أهل الإنجيل يختار لنفسه غضب الله في يوم الدينونة الحال عليه.

أيها الآب القدوس، قد دعانا ابنك لنكون صانعي سلام. فأرشدنا إلى سلوك حكيم بحذر، واغفر لنا أعمال طيشنا. وامنحنا أصدقاء وإخوة مخلصين. وافتح في كل حي من مدينتنا مركزاً لبشارتك، لتخرج منه مياه حية إلى الصحراء المميتة.الصلاة:

السؤال 101  : من الذي يقبل سلام الله؟

الأخطار والعذاب في سبيل التبشير

( 10: 16-25)

10: 16  هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسَطِ ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَالْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَالْحَمَامِ.

(مر13: 9-13، لو10: 3؛ 21: 12-17، رو16: 19، أفسس5: 15)

تصور لو تحقق مَثَل المسيح عن إرسال حملان بين ذئاب جائعة مفترسة، ماذا يحدث؟ ولأي مدة تبقى الحملان حية؟ إنه في لحظة واحدة تفترسها الذئاب ولا يبقى منها شيء يذكر.

كان يبدو أنه ليس من باب الشفقة من جانب المسيح ان يعرّض من تركوا كل شيء ليتبعوه لأخطار كهذه. لكنه عرف أن المجد المحفوظ لخرافه حينما يقفون عن يمينه في ذلك اليوم العظيم، سوف يكون مكافأة كافية لهم عن آلامهم وخدماتهم أيضاً. هم كغنم في وسط ذئاب، هذه حقيقة مرعبة، لكن ما يعزيهم أن المسيح هو الذي أرسلهم، لأن من يرسلهم هو كَفيلٌ بحمايتهم وتدعيمهم. لكنه يخبرهم بما ينبغي أن يتوقعوه لكي يكونوا على علم بأسوأ الظروف والأحوال.

هكذا يرسلنا المسيح إلى ملبوسي روح عصرنا. إنما لا نموت حالاً لأن المسيح مسؤول عنا. فلسنا وحدنا بل هو معنا، واسمه علينا، وقوته تحيطنا. ولعندما تطيع أمر يسوع للتبشير في محيطك يتولّى حمايتك، ويلاحظ خدمتك، ويدبّرك بحكمة إلهية. الخطر موجود، لكن الرب موجود أيضاً، وعليه اتكالنا. ولكي لا يتركهم لوحدهم، يسند المسيح النصائح الغالية لأتباعه وسط هذا العالم الموحش والمليء بالذئاب.

يطلب المسيح من تلاميذه أن يكونوا حكماء كالحيات، على شرط أن لا يؤذوا احداً “بسطاء كالحمام“. إنها نصيحة، يحثنا فيها المسيح على الإقتداء بحكمة الحكماء، الذين يعرفون طريقهم، وعلى أن نكون نافعين في  كل الأوقات، سيما أوقات الشدائد والمحن والآلام. “فكونوا” لأنكم معرّضون للمخاطر كغنم في وسط ذئاب. كونوا حكماء كالحيات، لا حكماء كالثعالب التي تنصب حكمتها على تضليل الآخرين، بل كالحيات التي تنحصر حكمتها في الدفاع عن نفسها، وطلب النجاة.

وفي سبيل الدفاع عن حق المسيح، ينبغي أن نكون مستعدين لبذل الحياة، وتضحية كل ملذاتها، لكن ينبغي أن لا نكون مسرفين ومبذرين في التضحية. ومن حكمة الحية أن تخبئ رأسها لكي لا يسحق. فلنكن حكماء ولا نجلب المتاعب على أنفسنا وعلى الآخرين. لنصمت في وقت الشر ولا نسيء لأحد.

بالمقابل يطلب المسيح من اتباعه ان يكونوا بسطاء كالحمام. كونوا لطفاء وودعاء وغير سريعي الإنفعال. لا يكفي أن لا تؤذوا احداً، بل لا تحملوا أية ضغينة لأحد. كونوا بلا مرارة كالحمام. وهذه الوصية ينبغي أن تتماشى دائماً مع سابقتها. لقد أُرسلوا في وسط ذئاب، لذلك ينبغي أن يكونوا حكماء كالحيات.

إن الحية ترمز إلى الأبالسة، اما الحمامة فترمز إلى الروح القدس، فعلى المسيحي أن يكون ذكياً ومتفتحاً أكثر من الشياطين، لكن في قداسة الروح القدس بدون شر أو لوم.

10: 17 وَلكِنِ احْذَرُوا مِنَ النَّاسِ، لأَنَّهُمْ سَيُسْلِمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ. (18) وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ.

(أعمال5: 40؛ 25: 23؛ 27: 24، 2كور 11: 24)

حذّر يسوع تلاميذه من الناس أن لا يبشّروا بتحمُّس سطحي، لأن أعظم خطر في الدنيا ليس من الأفاعي والنمور، بل من الإنسان. أرسلنا يسوع في محبته إلى البشر الضالين، فهو لم ُيخدَع بالفكر الإنساني، لأنه علم أن في كل إنسان وحشاً متربصاً، وهذا يتطلب منّا حكمة فائقة وذكاء روحي، حتى لا نكون باعثين لاستيقاظه وهجومه علينا.

اختبر الرسل إتمام نبوات يسوع، كما نقرأ في سفر أعمالهم. ففي كل مدينة صغيرة وجد مجمع تتبعه محكمة مؤلفة من ثلاثة وعشرين شخصاً، تحكم على كل زنى، وكسر للصوم وعدم إتمام الشريعة، ولها الحق بالحكم جلداً على المخالفين، يُضربون بسوط من أربعة حبال جلدية على الصدر والظهر العاري، أربعين جلدة إلا واحدة. وشاول نفسه ارغم المسيحيين على الإرتداد، عندما استعمل معهم نفس الطريقة، علماً أنه بعدما صار مؤمناً احتمل الجلد نفسه بجسده العاري. فشهادتك تسبّب في مستمعيك إما تبريراً أو حياة أو دينونة   وهلاكاً، فلا تتكلم بقدرتك ومعلوماتك الخاصة وتخيُّلاتك، بل اطلب بالصلاة إرشاد الروح القدس في كل حين.

تمثل بعض الرسل قدام الولاة الرومان والملوك الأدوميين ليشهدوا باسم يسوع المسيح. فعرضوا الخلاص لليهود والأميين، الذي إذا رُفض يعني الدينونة عليهم.

10: 19  فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، (20) لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ.

(خر4: 12، لو12: 11-12، أعمال4: 8، 1كور2: 4)

هل تخاف من أعداء المسيح؟ إنهم ممتلئون بالمكر، مدفوعون من أبي الكذب والقاتل منذ البدء. إنما المسيح رب الحياة يقف بجانبك. هو يدافع عنك، ويغرس فيك الروح القدس الذي يغلب خوفك، ويعزّيك في التجارب ويؤكد لك الإيمان، ويمجد بواسطتك اسم يسوع. هذا إذا كنت لم تتكلم باستعجال ظاناً أن عليك الدفاع عن نفسك بنفسك.  اصغ مصلياً لصوت ربك، ولا تحتد ضد قضاتك أو مضاديك، فيرشدك روح أبيك السماوي إلى وصف وحدة الثالوث الأقدس بحكمة.

إنك شاهد للآب والابن والروح القدس، لأن أباك ولدك ثانية، والابن خلّصك تماماً، والروح القدس فيك هو القوة الحيوية السرمدية. اتكل على القدير من كل قلبك، ولا تتكل على عقلك. أبوك هو الذي يحميك ويلهمك في الساعات الحرجة.

أكد المسيح لأتباعه أن الروح القدس هو الذي سيقدم لهم كل ما يحتاجونه من حجج. لن يُتركوا لأنفسهم في ظرف كهذا، لكن الله تعهّد بأن ينوب عنهم. فإن روح الحكمة تتكلم فيهم، كما تكلمت أعمال عنايته  أحياناً نيابة عنهم، وفي كلتا الحالتين بعثوا اقناعاً حتى في عقول مضطهديهم. لقد وهبهم الله قدرة ليس فقط على التكلم في الموضوع المناسب، بل أيضاً على التكلم بغيرة مقدسة. ونفس الروح الذي أعانهم في المنبر أعانهم امام المحاكم. كل الذين لهم الشفيع والمحامي، الذين يقول لهم الله ما قاله لموسى “اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به” (خر4: 12). لا يمكنهم إلا أن يكسبوا قضيتهم.

نعظمك أيها الأب والإبن والروح القدس، الإله الوحيد الأحد لأنك دعوتنا إلى الشهادة الواضحة. اغفر لنا التسرع في التكلم والحكمة الناقصة. افتح أذهاننا لإلهامك لكي نمجدك بإصغائنا لصوت روحك القدوس، ونتكلم بما يقوله لنا. طهرنا من رواسب خطايانا، واملأنا بروح التواضع والوداعة، لكي يطهرنا فداؤك في حياتنا. أُغلب الخوف الذي فينا واملأنا بمحبتك اللطيفة. الصلاة:

السؤال 102 : من هم أعداؤنا، وأي وعد منحه لنا يسوع تجاههم؟

10: 21  وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ، (22) وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. (23) وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ.

(ميخا7: 6، متى16: 28؛ 24: 9-13، أعمال8: 1)

رسم يسوع أمام تلاميذه أربعة أطر، يضيق كل واحد على أتباعه، وهم: عامة الناس، والمحكمة الدينية ثم السلطة المدنية وأخيراً العائلة الخاصة. ما آلم أن يبغض الإخوة أخاهم أو أختهم لأجل الإيمان بيسوع، ويتحول الوالدان المحبوبان أعداء للمفدي الذي فتح قلبه للمسيح.

شاهد أب مؤمن في إحدى البلدان الدكتاتورية أن إبنه أخذ يتقلّب في فراشه مضطرباً وهو نائم، فسأله الأب وهو بين النوم واليقظة عمَّا يُزعجه؟ تمتم الصبي قائلا: إن قائد فرقة الشبيبة أجبره أن يتجسس على والديه، ويخبره بكل ما يقولانه وهما على مائدة الطّعام.

كتبت إحدى طالبات الطب، أن أباها يبغضها لأنها تخلت عن دين أجدادها، لكن في نفس الوقت يحبها لأنها تسلك داخل البيت وفي حياتها العملية بتواضع ومحبة وطهارة. على العكس من ذلك، فإن أبوها يحب أخاها لثباته على دين الآباء، ويكرهه في الوقت ذاته لإنغماسه في كل النجاسات. فطلبت منا الطالبة أن نعينها بصلواتنا، لكي تستطيع السلوك في القداسة، وتشهد من خلال صمتها، لأنها ممنوع عليها أن تناقش أو أن تجادل ولي أمرها.

إن بغضة الأقوياء والمجتمع تصل إلى قمتها إذا حكم البلاد طاغية من الطغاة المضادين لروح المسيح، يستخدم كل وسائل الدعاية للإستسلام لشهواته ولحزبه. نجد في تاريخ الكنيسة أمواجاً من  الإضطهادات التي أودت بحياة كثيرين وسفكت دماء الأبرياء برهاناً على محبة أتباع يسوع لربهم. فتأكدوا أنه حي لا يفصلهم شيء   عن محبته. جميعنا نتعرّض لأوقات حرجة، لأن المسيح الكذاب مقبل علينا، ليوحد الشعوب والأديان ضد المسيح الحقيقي، وفي زمن حكمه المحدود يسيطر على جميع المسيحيين ويذبحهم أفواجاً. عندئذ سيظهر من يثبت في المسيح بأمانة ومن يتعلم من روحه الصبر وقوة الإحتمال، ويحب أعداءه ويباركهم ويرحم المندفعين من الشياطين.

لقد ابتدأ خلاصنا على الصليب، وتحقق ساعة الولادة الثانية، ويتم في الآلام كما قال الرسول: “بضيقات كثيرة ينبغي أن تدخلوا إلى ملكوت الله

إن المسيح لا يدعو كل شاهد من شهوده أن يموت شهيداً، بل أوصى تلاميذه للهروب إلى مدينة أخرى إذا طُردوا من الأولى، ويكونوا هناك شهوداً. شهد يسوع للمخلصين أن المدن التي يمكنهم الإلتجاء إليها لا تنتهي حتى يأتي. فيجوز للتلاميذ في أوقات الخطر الشديد، بل ينبغي أن يغيروا مقرهم ومسكنهم لنجاتهم حينما يفتح لهم الرب بعنايته باب النجاة. وأن من ينتقل قد يجاهد مرة أخرى. ليس أمراً معيباً إن كان جنود المسيح يتركون الميدان، شرط أن لا يتركوا الإيمان ومبادءهم. يجوز لهم أن يبتعدوا عن الخطر، شرط أن لا يهربوا من الخدمة.

لاحظ عناية المسيح بتلاميذه في إعداده أمكنة للإعتزال فيه، إو التحصن فيها، إذا أن تلك العناية ترتب أن لا يقوم الإضطهاد في كل الأمكنة في وقت واحد. إن حَمِيَ وطيس الإضطهاد في هذه المدينة وجدوا راحة في الأخرى. والفرص التي يقدمها الله لنا ينبغي أن نستخدمها ولا نحتقرها، لكن ينبغي على الدوام أن لا نخرج  عن هذه القاعدة: أن لا نلجأ للوسائل الخاطئة غير الشرعية للنجاة، إن أمكن ذلك، وإلا كانت باباً لم يفتحه الرب.

لم يكن المسيح قد تكلم عن موته وقيامته حتى هذه المناسبة، حيث شرح لهم عن مجيئه الثاني كهدف تاريخ البشر، واضعاً أمامهم قبل كل شيء رجاءً عظيماً. فليست الآلام والموت والقيامة هي هدف المسيحيين، بل ظهور يسوع في المجد، إذ يغلب كل الممالك، ويضع أعداءه موطئاً لقدميه. عندئذ يظهر من كان من أتباعه كاهناً مبتهلاً لأجل أصدقائه وأعدائه. هذا سيملك مع يسوع القائل: «طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض».

أيها الملك الآتي القدوس، اغفر لي الجرأة الناقصة وقلة الإيمان وعدم الصبر واغلب فيَّ كلَّ بغضة وشبهها لإعداد ملكوتك. علمني أن أدرك خطتك الخلاصية لكي أستعد للتألم واشهد لإسمك جهراً. أرشدني متى يجب علي أن أصمت أو أهرب من يد الأعداء لكي أعلن إسمك في مكان آخر.    اجعلني متعلقاً بقيادتك وبارك معذبي ومضطهدي، واملأ مبغضي بنعمتك. تعال سريعاً أيها الرب يسوع. قوِّ كل مؤمن يتألم اليوم لأجل إسمك أو يلقى حتفه في سبيلك. الصلاة:

السؤال 103 : كيف نغلب أمواج الإضطهادات؟

10: 24 لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَلاَ الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. (25) يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَالْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ الْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ!                                                 (متى12: 24، لو6: 40، يو13: 16؛ 15: 20)

اتِّباع المسيح يعني التمثُّل به في المحبة والفرح والتواضع والسلوك في قوته. من جهة أخرى يعني الالتصاق به في الآلام والموت والقيامة. إنه يجرّنا وراءه، ولا يتركنا حتى نصل إلى المجد. لا يضع يسوع علينا نيراً أو حملاً ثقيلاً لم يختبره هو سابقاً. لقد أبغضه الناس، وأنكره أقرباؤه، وطلبوا منه الدخول إلى فخ الأعداء، ووقف أمام المحكمة الدينية، وضُرب وجُلد، وبُصق في وجهه وسخر منه الملك. ثم حكم الوالي الروماني بجلده ثم بالصلب، وصلبه رغم إثباته ثلاث مرات أنه بريء. جرّبه أعداؤه بمكر في صراعات موته، وظهر له أخيراً كأن أباه قد حجب وجهه عنه. وثبت أميناً في إيمانه، قوياً في محبته، غير متزعزع في رجائه، فاحتمل أوجاع جسده، وغضب الله عوضاً عنَّا ولم يجد الشرير قوة وحقاً فيه.

نحن لن يصادفنا ما صادف يسوع، لأننا لا نحمل خطيئة العالم، ولن ينسكب غضب الله علينا. إنما عدو الخير يتربص بنا ليعذّبنا ويُبعدنا عن مخلّصنا الحنون. نحن ضعفاء، أما يسوع فيمسكنا ويسندنا. فلا نبني مستقبلنا على قدرتنا الخاصة بل على أمانة يسوع وقدرة دمه الثمين.

من الأوليات الأساسية للتبشير، أن تموت لحساسيتك الزائدة وأنانيتك، لأن أبناء المعصية يطلقون عليك كل ألقاب شريرة ويجدّفون على الله بسببك. كما أن اليهود سمّوا يسوع رئيس جهنم، وأنكروا قوته رغم أن معجزاته كانت طاهرة وبدون طمع. فاتهموه أنه يحكم على جيش الشياطين، الذي عدده كالذباب، لأن اسم بعلزبول يعني باللغة الآرامية “رئيس الذباب”. أما يسوع فلم ينتهر أعداءه، بل دافع عن كرامة أبيه والروح القدس، لأنه قد أخلى نفسه وأخلى مجده إلى المنتهى.

أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك احتملت الإهانات والشتائم والإتهامات والأكاذيب. صبُّوا عليك كل كلمة سوء وشرٍّ، لكنك كنت ثابتاً في المحبة واللطف، تكلمت بالحق والحكمة، فلم تحاول أن تسايرهم، بل تابعت مسيرك نحو مصيرك، إلى موت الصليب. نشكرك لأنك تمنحنا فرصة اتباعك، ونطلب منك أن تقوينا لاحتمال كل كلمة شريرة. تبثنا في المحبة، أعنا على التكلم بالصدق والمجاهرة بالحق، حتى وإن قادونا إلى الموت. قف بجانبنا، لأننا عاجزون عن الثبات والإستمرار بدون مساعدتك ووقوفك معنا، فنباركك إلى المنتهى. آمين . الصلاة:

السؤال 104 : ماذا يعني بقوله “ليس التلميذ أفضل من المعلم”؟

التشجيع وسط الضيق

(10: 26-33)

10: 26 فَلاَ تَخَافُوهُمْ. لأَنْ لَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ. (27) اَلَّذِي   أَقُولُهُ لَكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ، وَالَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ.

(مر4: 22، لو8: 17؛ 12: 2-9)

ملكوت الله ليس كلمات بلا قوة، إذ ليس لنا أسرار نخبئها أو نحتفظ بها، بل نقدم قوة الروح القدس بواسطة شهادتنا إلى كل من يشاء، وقدرة المسيح دخلت قلوبنا هادية. لم تبق محبته مختبئة فينا، بل ظهرت في خدماتنا المتنوعة. لا يمكنك أن تخفي إيمانك، إذا ثبت في المسيح، لأن من يحب ربه لا يكذب ولا يسرق ولا يتكبر، يرضي والديه ولا يغش في امتحانات المدرسة ولا في عمله ولا يشترك في الثورات والإنقلابات. تظهر شركتك بالمسيح تظهر من خلال شهادة حياتك علانية. نحن لا نقوم بكفاح الإيمان بقوتنا الخاصة، إنما الرب يقوّينا في النهار والليل في النور والظلمة، في الأيام الصالحة والشريرة. لسنا منفردين. كل ما نسمعه من الإنجيل عن خلاصنا الخاص، يُطلَب منّا نقله إلى الآخرين بلا خوف. فالإعلان الإلهي يقودنا إلى الشهادة. وإذ يشهد الروح القدس لروحك أنك أصبحت ابناً لله لأجل دم المسيح، فقد صار لك امتياز لتشهد بهذه النعمة. كل ما يسمعه قلبك قُلهُ للمجتمع عامة، لأن كلمة الرب أساس خلاص الناس.

طلب قس أعمى مفلوج من أصدقائه مكبرّاً للصوت. استغربوا من طلبه والبعض استهزأ منه. وعندما سألوه عن كيفية استخدامه لهذا المكبر، طلب منهم أن يحملوه إلى سطح بيته المتواضع حتى يوجه كلامه  إلى كل شخص يمر بجانب بيته، ويطلب منه أن يوجِّه وجهه نحو السماء لا إلى الهاوية. فإذا كان هذا  الأعمى المفلوج يؤدي شهادته على أحسن مايرام، كيف بالحري نحن المبصرون الأصحاء المدعوون إلى فتح أفواهنا ومساعدة المنساقين إلى نار جهنم وتحريرهم بإنجيل الخلاص.

استمر في خدمتك مذيعاً الإنجيل ومنادياً به للخليقة مهما صادفتك من الأخطار، متذكراً أن هذه هي رسالتك. إن غاية الأعداء ليس مجرد أبادتك بل إبادة هذه الرسالة. لذبك انشرها على قدر استطاعتك مهما كانت النتائج، “فالذي أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور … ونادوا به على السطوح“.

أيها الرب يسوع، تألمت لأجلنا، ونحن نخجل لأجل شر البشر. نعظّمك لأنك خلّصتنا. علّمنا الاتباع الكامل، وامنحنا جرأة الروح القدس، لنشهد للآخرين بما تعلنه لنا في الإنجيل، ولا نصمت عمّا لا يعرفونه، ليأتي ملكوتك في بيتنا ومحيطنا.الصلاة:

السؤال 105  : ماذا يعني الاتِّباع الأمين للمسيح؟

10: 28 وَلاَ تَخَافُوا مِنَ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ الْجَسَدَ وَلكِنَّ النَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ وَالْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ. (عب10: 31، يع4: 12)

إن الكلام سهل، لكن عندما يحين وقت المحاكمات، والجلد والسجون، السيف والنار، فهذه الأمور المرعبة تكفي لأن تجعل أقوى القلوب تفزع وترتد إلى الوراء، سيما إذا تبين انه من الممكن تجنبها بالتقهقر والرجوع إلى الخلف بمنتهى السهولة.

ذكر يسوع كلمة “لا تخافوا” ثلاث مرات، في خطابه عند تحضير تلاميذه للتبشير. وهذه العبارة هي أمر إلهي، لكيلا نخاف من الناس والموت والشيطان، حتى وإذا هاجمنا الخوف من الأمراء والوالدين والأبالسة والأهوال.

ما الذي يخافه الإنسان: هل الآلام؟ إنها مقدمة للموت. هل يستحق الموت الخوف؟ كلاَّ! إذا بثَّ المسيح فينا حياته فلن نموت بل نحيا. هل نخاف من الحياة وراء ستار الموت؟ كلاَّ! لأن دم المسيح غسل ضمائرنا من الأعمال الميتة، والروح القدس هو يعزّينا.فهل نخاف من الله؟ كلاَّ! لأنه أبونا. كل الناس عدا المسيحيين يخافون ويرتجفون من دينونته. أما نحن فجعلنا أولاداً أحباء له، إذا كان حقيقة يسكن قلوبنا.

حصَّن المسيح تلاميذه ضد هذه التجارب، إذ نجده هنا يقدم لنا سبباً معقولاً ووجيهاً لعدم الخوف. يعود هذا السبب إلى أن قوة الأعداء محدودة، فهم يقتلون الجسد وهذا أقصى ما يمكن أن يصل إليه غيظهم. إلى هذا الحد يستطيعون أن يصلوا، إذا سمح لهم الله، لكنهم لن يستطيعوا أن يتعدوه. لا يستطيعون أن يقتلوا النفس أو يلحقوا بها أي أذى، والنفس هي الإنسان. من هذا يتضح أن النفس لا تضطجع نائمة عند الموت كما يتوهم البعض، ولا تحرم من موهبة التفكير والإدراك، وإلا كان قتل الجسد قتلاً للنفس أيضاً. إن النفس تُقتل إذا فصلت عن الله وعن محبته التي هي حياتها، وتصبح آنية غضبه. وهذا أبعد من أن يصل إليه سلطانهم. قد تفصلنا الشدة والضيق والإضطهاد عن العالم، لكنها لا تفصلنا عن الله، لا تعوقنا عن أن نحبه، ولا تعوقه عن أن يحبنا. إذا أردنا أن نعتني بأنفسنا كلآلئ، فينبغي أن لا نخاف من البشر الذين لا يقوى سلطانهم على سلبها منا، فإنهم لا يقدرون إلا أن يقتلوا الجسد الذي سيموت سريعاً من تلقاء ذاته، لكنهم لا يستطيعون أن يقتلوا النفس التي تتمتّع بذاتها وبإلهها رغم أنوفهم. إنهم يستطيعون ان يحطموا الغلاف الخارجي فقط، لكنهم لا يستطيعون أن يحطموا الداخلي، فاللؤلؤة الثمينة لن تمس.

كيف قال يسوع إذاً إنه ينبغي علينا خوف الله، وإنه وحده يستطيع إلقاء أنفسنا إلى جهنم؟ أعلن المسيح لنا وصية خوف الله إذا اعتبرنا سلامة حياتنا أهم من كرامة ومحبة أبينا السماوي، وارتددنا عن الإيمان بالمسيح. عندئذ يتغيّر أبونا إلى قاضينا، لأننا دُسْنا خلاصه خوفاً من الناس. جميعنا نحتاج إلى خوف الله حتى نسلك في وقار أمامه ونغلب خوفنا من الناس. سوف نقف أمامه ونعطي حساباً عن كل كلمة وعن كل قرش صرفناه وعن كل نية راودتنا، فطوبى للإنسان الذي اعترف بكل ذنوبه لله مسبقاَ، ولولا دم يسوع المسيح لسيطر   علينا الخوف واليأس، إنما يسوع يخلصنا من الغضب الآتي.

أيها الآب السماوي، أعلن لنا روحك القدوس أن لا خوف في المحبة، لأن المحبة الكاملة تطرد الخوف، فسامحنا على قلة محبتنا إن خفنا وخشينا الموت أكثر من خشيتنا إياك. املأنا بمحبتك لكي نحبك كما تحبنا، ولنحب أعداءنا كما أحببتهم وبذلت نفسك لأجلهم. قونا في المحبة لنشهد لك قولاً وعملاً، صلاةً وفكراً للذين يرشدنا إليهم روحك القدوس. افتح أذني قلوبنا لنسمع إرشادك ونطيع كلامك.الصلاة:

السؤال 106  : كيف نغلب الخوف من عواقب الشهادة؟

10: 29 أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى الأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ.   (30) وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ. (31) فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ .                                                        (متى6: 26، أعمال27: 34)

أبونا السماوي هو القدير الضابط الكل. إنه يعرف كل عصفور ويهتم به. لايسقط أحد أو يُباع بدون معرفته. شعرنا على رؤوسنا محصى بدقة. إنك لا تعرف كم شعرة على رأسك، لكن أباك السماوي يعلم هذا. هو خلقها. فلا نموت مصادفة، ولا نتألم عبثاً، بل إرادة أبينا المُحب تخيّم على حياتنا. هو يعرفك ويراك ويرشدك ويحيطك من كل الجهات. فالإيمان بأبيك يمنعك من مخافة الناس، فلا يستطيعون أن يعاملوك إلا بما يسمح به. وأبوك هو أعظم الكل. انظر إليه وليس لأعدائك. أبصر من ورائهم وجهه اللطيف.

إن كان الله يحصي شعور رؤوسنا، فبالأولى جداً يحصي رؤوسنا، ويعتني بحياتنا، وراحتنا ونفوسنا. هذه  تتضمن أن الله يعتني بنا أكثر من عنايتنا بأنفسنا. إن الذين يحرصون على إحصاء أموالهم وبضائعهم ومواشيهم، لا يفكرون في إحصاء شعور رؤوسهم. اما الله فيحصي شعور رؤوس شعبه “وشعرة من رؤوسهم لا تهلك”   (لو21: 18). لا يلحقهم أدنى أذى إلا بإذنه، فالقديسون لهم قيمة عظيمة في نظر الله، وحياتهم ثمينة جداً لديه، وموتهم عزيز عنده.

لا تخف من القضاء والقدر، لأن مَنْ قدَّرك هو أبوك السماوي الذي يريد أن يرفعك إلى مستواه الخاص، فخيَّرك إلى الأفضل في المسيح.

أيها الأب السماوي، نشكرك لأنك أنت القدير والعالم، العليم بكل شيء، ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. فلا نخاف أو نرهب من القضاء والقدر، بل نشكرك لأنك أبونا الذي يهتم بنا ويعرف عدد الشعر الذي في رؤوسنا. قوِّ إيماننا حتى نخدمك على الدوام وبكل إخلاص سواء قولاً أو عملاً أو فكراً. امنح لأصدقائنا وأقربائنا هذه البصيرة الروحية أن يعرفوك بأنك أبوهم القدير المحب. الصلاة:

السؤال 107 :  ماذا يعني القضاء والقدر في المسيحية؟

10: 32 فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ النَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضاً بِهِ قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ،  (33) وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضاً قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.

(مر8: 38، لو9: 26، 2تيمو2: 12، رؤيا3: 5)

يؤكد لك المسيح أنه قد صعد إلى السماوات، وهو يذكر اسمك أمام الله، لأنك جاهدت باسم يسوع المسيح على الأرض، فلاعترافك على الأرض صدى واضح في السماء. ابن الله بالذات يسمع صوتك، فانس شهرتك ومقام عائلتك، وتكلم بحكمة وعلانية أن يسوع ملك الملوك. هكذا تثبت في ذاكرة الله إلى الأبد. كثيرون من الناس يتمنون معرفة أسمائهم عند الرؤساء والزعماء والملوك، ليحصلوا على فضل منهم. أما اسمك فقد ذُكر أمام الله شخصياً، إن كنت معترفاً باسم يسوع أمام أصدقائك وأقربائك وأعدائك. فهل تشهد بخلاص يسوع وصليبه وقبره وقيامته؟ أم تشبه حجراً ميتاً بلا حركة ولا حياة؟ إذا كنت عاجزاً عن الشهادة بشكل علني، فاطلب من الرب يسوع أن يريك فرصة مناسبة للشهادة أثناء صلاتك له. من يصمت عن الشهادة ليسوع وينكره لا يُذكر إسمه في السماء. فإيمانك كمجرد اعتقاد لا يكفيك، لأن شكر الشهادة ينبغي أن يرافقك دائما.

إن أحببت يسوع ستعترف به، وروح الله يدفعك إلى إعلان اسم المسيح مخلّصك. لكن إذا أهملت وقاومت دوافع الروح القدس التي فيك، ولم تتكلم مع الآخرين عن المخلّص لتنفصل عن قوة الله. إن العروس تحب عريسها، وإذا لم تتكلم عنه تبرد محبّتها وتزول. هكذا شهادتك، فإنها برهان إيمانك. وبدون اعتراف حكيم، وشهادة واضحة ليسوع في قيادة الروح القدس، يضعف إيمانك حتماً.

ليس لنا أن نؤمن بالمسيح فحسب، بل أن نعترف بهذا الإيمان في تحمل الآلام من أجله أيضاً، إذا دعينا لذلك، كما نعترف به في خدمته. ينبغي أن لا نخجل من علاقتنا بالمسيح، وخدمتنا له، وانتظارنا إياه، لأنه بذلك يظهر إخلاص إيماننا ويتمجّد إسمه، ويُبنى الآخرون.

مهما عرضنا هذا للعار والهوان والآلام الآن فإننا سوف نكافأ عنه مكافأة جزيلة جداً وعند قيامة الأبرار، حينما نحظى بالسعادة التي لا يعبر عنها الشرف العظيم إذ نسمع المسيح يقول “اعترف أنا به“. هل نطمع في أكثر من هذا؟

إنه لأمر خطير جداً أن ينكر المؤمن المسيح قدام الناس، لأن الذين يفعلون هذا سوف ينكرهم في ذلك اليوم العظيم، حينما يكونون في أشد الحاجة إليه. إن الذين لا يريدون أن يعترفوا به سيداً لا يعترف بهم خداماً “حينئذ أصرح لهم أني لم أعرفكم قط، إذهبوا عني يا فاعلي الإثم” (7: 23). كان الإعتراف بالمسيح في العصور الأولى للمسيحية يعرض المرء للتضحية بأعز ما يملك في هذا العالم، لذلك كان محكاً للإخلاص أكثر مما هو الآن حيث خدمة المسيح تحيطها بعض الإمتيازات العالمية.

أيها الرب يسوع أنت حي، وشفاعتك رجاؤنا، فلا نخاف من مضطهدينا، لأن حياتنا مستترة فيك. علّمنا الاعتراف باسمك بجرأة وحكمة. وامنحنا التجاسر لنعلن محبتك لنا. نشكرك لأنك ذكرت أسماءنا أمام أبينا السماوي الذي يهتم بنا حتى أنه يحصي عدد شعرات رؤوسنا.الصلاة:

السؤال 108  : لماذا حُرّم علينا الخوف من الناس ومن الموت؟

التفرقة نتيجة التبشير

(10: 34- 39)

10: 34 لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاماً عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً.

(ميخا7: 6، لو12: 51-53)

يسوع رئيس السلام وأتباعه صانعو السلام. نقرأ في الإنجيل حوالي 100 مرة كلمة «السلام» الفائقة لكل عقل. فكيف يقول يسوع في خطابه إنه جاء لإلقاء السيف على الأرض لا السلام؟

هذا يعني:

 أولاً أن كل من يدخل الكفاح العنيف ضد الخطيئة، يموت عن نفسه وينكر طلبات مجده. فلا تستطيع أن تخدم  الله وذاتك في نفس الوقت. إما أن تُبغض الأول وتلتصق بالثاني. أو تحب الأول وتنفصل عن الآخر. فيسوع يريد تجنيد إرادتك لكي تعزم ترك خطيئتك في قوة ربك.

ثانيا: يعني حمل سيف يسوع أننا لا نستعمله لإبادة أعدائه، لأنه لم يأخذ سيفاً في يده، ولم يسفك دماً ولا مرة. من يتعمق في أعمال الرسل، لا يقرأ حرفاً واحداً عن معركة بين أهل ملكوت الله واليهود من جهة، أو الأمم من جهة أخرى. إنما هذا السفر التاريخي يشهد لنا أن سلطات العالم، ولإرضاء المتدينين والمتعصبين، استخدمت السيف ضد أعضاء الكنائس.

أما المسيح فلم يسمح بالقتل أو بسفك الدماء، فليس ديننا قائم على السيف، بل على المحبة والإحترام. كل مسيحي يخالف هذا المبدأ يُدان. لم يتجنب يسوع كفاحاً، إنما أعد التلاميذ للعنف والجهاد الصارم ضد الأرواح الشريرة، حتى لا يهربوا إذا حمي وطيس الحرب أثناء الجهاد الروحي. وكتب الرسول بولس “سنغلب حصون الشر بالإيمان والمحبة” ونطلب من الرب أن يدمر هذه الحصون بشكل نهائي، وذلك لما تخلفه من سيئات ومصائب على الناس.

دُعي رجل الدين المشهور “سبرجن” باستهزاء واحتقار من طرف أحد رجال الفن، للقيام بافتتاح مسرحية إباحية. لبى القس الدعوة مرتدياً لباسه الرسمي كرجل دين، عندما همَّ الحضور الشروع في مراسيم الإفتتاح، قام القس من مكانه موجهاً كلامه للمجهور قائلاً: أيها الحضور، دعيتموني لحضور الإفتتاح، فلبيت دعوتكم، لذا أرجو أن تسمحوا لي بأن أفتتح هذا الإجتماع بالصلاة” بُهت الجمهور، وأخذوا يتطلعون في بعضهم البعض، مستغربين من هذا الطلب. أما القس، فلم يعرهم أي انتباه أو خالجه تردد لما يريد القيام به، فصلى قائلاً: يارب، إنك حاضر في كل مكان، ترى هؤلاء ماذا يريدون أن يفعلوا، فأطلب منك أن تتدخل بقوتك وتوقف هذا العمل الجنوني، لكي لا يتمادو فينشروا هذه الخطيئة في مجتمعنا بين الشباب والكهول، ثم ختم صلاته    بـ”آمين يارب” فسلم على الجميع وانصرف.

بعد سنة من صلاته، حدث سوء تفاهم واختلاف حاد في وجهات النظر  بين المسؤولين عن المسرح، فأُقفل المسرح، وتوقف هذا العمل بصفة نهائية.

فأين رجال الدين اليوم من “سبرجن”، الذين لا يتحركون ساكناً من هذه البرامج الخلاعية، سواء في التلفزيون أو في دور السينما، بل نجد البعض منهم يشاركونهم احتفالاتهم ومناسباتهم، بدواعي الإنفتاح على الغير والعصرنة، متناسين دورهم الذي أوكله إياهم الرب، عندما قال: “أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ فَسَدَ الْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ” (متى5: 13).

كانت معظم كلمات المسيح في عظاته لتجهيز رسله واستعدادهم على كيفية الرد الشفهي واحتمال ضربات الهجوم. فالسيف عند المسيح رمز لمحاربة قوى الشر التي تهدد وترغب في السيطرة والسيادة على الإنسان.

اعتقد اليهود أن المسيح أتى ليهب لأتباعه ثروة وقوة في هذا العالم، لكن المسيح أجابهم: كلا، فإني ما جئت لألقي سلاماً أرضياً، أما السلام السماوي فتيقنوا أنه يوهب لكم. جاء المسيح ليهبنا سلاماً مع الله، سلاماً مع ضمائرنا، سلاماً مع إخوتنا، ولكن “في العالم سيكون لكم ضيق“.

10: 35 فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا. (36) وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ. (37) مَنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْناً أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّنِي.                         (تث13: 7-12؛ 33: 9، لو14: 26-27)

يعرف يسوع الذين يقبلون اسمه ويلتصقون به، فهو يحاول أن ينتزعهم من رابطة عشيرتهم، ومن عشِّ عائلتهم المفضلة، أوحضارة شعبهم، ويعرف أن رابطة الدم أقوى وأثمن، حسب تقاليدنا. فالأديان والأقرباء، لا يتركون قريبهم يتبع يسوع بسهولة، إذ يفضلون أن يعيش الإنسان حياة الإلتواء والنجاسة من أن يُولد ولادة ثانية في يسوع.

إن الجنس اللطيف سوف يصبح ضمن المضطهدين، فسوف تقوم الأم ضد ابنتها المؤمنة، حيث كان يُظن أن المحبة الطبيعية، والواجبات الأسرية تحول دون أي انقسام، وتقضي على كل تفرقة. لذلك فلا غرابة إذا قامت الكنة ضد حماتها، لأنه كثيراً ما فتشت المحبة الفاترة عن أية فرصة للنزاع. وبوجه عام، إن أعداء الإنسان هم اهل بيته. فالذين ينبغي أن يكونوا أصدقاء الإنسان، يثورون ضد اعتناقه المسيحية، سيما إذا ما أصر على الإلتصاق بها وقت الإضطهاد، عندئذ تنضم عشيرته إلى الذين يضطهدونه.

يشهد لنا يسوع مرتين في عظته على نشر الملكوت الإلهي، أن أشد ألم يختبره الإنسان في الحياة هو انفصاله عن عائلته، بسبب إكرامه لاسم يسوع. فعضويتنا في عائلة الله أهم من ثباتنا في العائلة الدنيوية. وإذا حاول والداك وأقرباؤك أن يمنعوك عن اتِّباع يسوع، ينبغي أن تطيع الله أكثر من الناس، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. يحدث أحياناً أن يتألم الآباء ويتركوا أبناءهم حزناً، فيضغطون عليهم حتى ينفصلوا عن يسوع وينخرطوا في الحزب المضاد للرب، أما محبة الله فتتغلب حتى على عواطفنا.

فمن اجتاز هذه التجارب يستحق صلواتنا ومساندتنا وشركتنا له في كل نواحي الحياة، لأننا أصبحنا أسرته الجديدة بعدما تخلى عن اهله وعشيرته.

أيها الآب القدوس، نشكرك لأنك تحب جميع الناس، وخاصة الذين يواجهون الإضطهاد والعنف بسبب ايمانهم بابنك يسوع، فأنت أبوهم الروحي، امنح لهم الحكمة عن كيفية التصرف مع اقربائهم، ليتواضعوا ويحبوهم ويخدموهم، ويعيشوا معاً تحت روح المسيح. افتح لأبنائك المضطهدين باب الإنضمام والإنضمام والإنخراط في عائلتك الإلهية، حتى لا يعيشوا منعزلين ومطرودين، بل محفوظين ومحبوبين في شركة القديسين.الصلاة:

السؤال 109 : كيف ينبغي على المهتدي أن يتصرف مع عائلته التي تضطهده بسبب إيمانه بيسوع؟ 

10: 38 وَمَنْ لا يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. (39) مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.                      (متى16: 24-25، لو9: 24، يو12: 25)

تكلم هنا يسوع لأول مرة في إنجيله، حسب البشير متى، عن الصليب، عندما تكلم عن انفصال المؤمن عن عائلته. لم يركّز في أقواله على صليبه الخاص، بل تكلم عن صليب أتباعه أولاً، الذين يشبّه تألمهم لأجل عائلاتهم بالمسامير التي خرقت يدي يسوع ورجليه. إن ربنا يطلب منّا الاتباع مهما كلّف الأمر، لأن من يحاول أن يُشرك قلبه بين الناس وابن الله، لا يكون فيه مكان لابن الله. يريدك المسيح كاملاً أو لا يريدك،   لأنه بذل نفسه بالكامل عنك. فليست سعادة الحياة أن تعيش مع أقربائك وأصدقائك برفاهية وانسجام، بل أن تكون في نفس الوقت، شاهداً للمُقام من بين الأموات، وتثبت بقوة الروح القدوس. من يختر ويقبل على العالم، فقد اختار الموت والهلاك، لكن من يختر موت يسوع فإنه يختار الحياة الأبدية.  من يحاول إرضاء الناس والمسيح بنفس الوقت، يفشل ويصبح مرائياً كذاباً. لكن من يرفع يسوع فوق المال والإرث والأقرباء والمستقبل الدنيوي يربح ابن الله بملئه.

تطلب شريعة موسى أن يُفصل كل مرتد عن الأمة ويُرجم رجما. لكن الحكم الروماني لم يسمح لليهود أن يمارسوا هذا القانون، لأن خطر الموت كان دائماً مسلّطاً كسيف على رقبة الذين هم من خلفية يهودية ويؤمنون بالمسيح. لذلك قال يسوع أن الإيمان به يشبه الصليب، والذي يتطلب الإستعداد للموت يومياً.

على الذين يريدون ان يتبعوا المسيح أن يتوقعوا الصليب ويحملوه، وفي حمل الصليب ينبغي أن نتبع المسيح ونتمثل به، نحمله كما حمله هو. إن من أكبر المشجعات حينما نلتقي بالصليب أن نذكر اننا بحمله نتبع المسيح الذي أرادنا الطريق، وأننا إذا تبعناه بأمانة، فإنه يقودنا وسط الآلام لكي نتمجّد معه.

أيها الرب يسوع، أنت ابن الله، تركت أباك لتخلّصنا. علّمنا أن نترك أقرباءنا إذا أبغضوك لنلتصق بك وحدك. أنت مُعيلنا وحامينا وأبونا. أبعدنا عن ارتباطاتنا الدنيوية لكي نخصَّك وحدك. لأن محبتك أعظم من محبة الناس. بارك أصدقاءنا الذين تركوا بيوتهم لأجل اسمك. واظهر لهم كلمتك. اعطهم خبزاً للأكل، وبيتاً للسكن، وعملاً لكي يحيوا من نعمتك.الصلاة:

السؤال 110  : في أية مناسبة يورد إنجيل متى حديث المسيح عن الصليب لأول مرة؟

الهدف السامي للتبشير

(10: 40 – 42، 11: 1)

10: 40 مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.(لو9: 48، يو13: 20، غلا4: 14)

ماذا يريد المسيح أن يحدث بواسطة إرسال شهوده؟ ليست غايته معرفة الحق الإلهي، ولا قبول الخلاص الشخصي، ولا اختبار الولادة الثانية فقط. إن هدف كرازة تلاميذ يسوع أسمى من ذلك، إنه الاتحاد بالمسيح نفسه. فإيماننا ليس مبنياً على مجرد تفكير وعواطف وعلم وعزم. إنه يعني شركة روحية ووحدة أبدية بمخلّصنا المحبوب. فلا نريد أن نرث نتائج موته وقيامته فحسب، بل أن نرثه هو مباشرة، ونتعلق به كالغصن في الكرمة.

أثبت يسوع لتلاميذه أنه يعتبر خدمتهم كما لو كان هو شخصياً المتكلم والعامل. فالرب يتحد مع عبيده تماماً، كما اعترف بولس: «إذاً نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا».(2 كورنثوس 5: 20) فالقدوس نفسه يتكلم بواسطة آلاته البشرية. ورسل المسيح لا يحملون كلمته فقط إلى العالم، بل يحملونه هو بنفسه ويكون حاضراً فيهم.

إن المسيح هو همزة الوصل بيننا وبين الله. من يقبل خُدّامه يقبل المخلّص نفسه. ومن قَبِل المسيح فقد قبل الله. لقد سمّى يسوع نفسه رسولاً، لأن الذي أرسله هو أبوه السماوي، ويسوع  هو كلمة الله المتجسد الفريد.  من قبله يختبر حلول الله في قلبه. هل يملأ روح الرب ذهنك؟ هل حلَّ فيك القدير؟

إن أتباع المسيح هم هيكل الله ومسكنه، وإن قدّيسيه هم جسد المسيح الروحي. فتأكد من اقترابك من وحدة الثالوث الأقدس. اطمئن لأنك لا تذهب منفرداً إلى العالم الفاسد لتقدم له الخلاص الحقيقي، بل المسيح هو معك وفيك ايضاً كل الأيام إلى انقضاء الدهر. من يسمع شهادتك ويؤمن بالذي أرسلك يقبل ابن الله شخصياً في فؤاده.

نعظمك أيها الآب والإبن والروح القدس في وحدتك، لأنك اقتربت منا وسكنت فينا بعدما طهرتنا بدم إبنك الثمين. منحتنا حلول روحك القدوس في ضعفنا، لنسلك في المحبة، ونخدمك باستقامة وصلاة وشهادة. نعظمك لأجل شركتك معنا، نحن الفانون الذين منحتهم الحياة الأبدية.الصلاة:

السؤال 111 : كيف تتم الوحدة بين الله والمؤمنين بالمسيح؟ 

10: 41 مَنْ يَقْبَلُ نَبِيّاً بِاسْمِ نَبِيٍّ فَأَجْرَ نَبِيٍّ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَقْبَلُ بَارّاً بِاسْمِ بَارٍّ فَأَجْرَ بَارٍّ يَأْخُذُ،     (42) وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ .                                        (1ملوك5: 17؛8: 24، متى25: 40، مر9: 41)

أجرة النبي هي إتمام نبوته. ورجاؤه ان لا يظهر كاذباً بقوله، بل منادياً باسم الله. فإشعياء أعلن مجيء المسيح كطفل، وإرميا أظهر حلول الشريعة في قلب المؤمنين. وحزقيال تنبأ أن القلب الجديد هو هبة من الله. بينما أبصر دانيال انتصار المسيح على الممالك الدنيوية، وتقدمه إلى الدينونة النهائية. فالأنبياء يتمنّون تحقيق نبوتهم بسرعة. أجرتهم مجيء المسيح ثانية تكميلاً لخطّة خلاص الله وملكوته على الأرض.

الحمد لله، أتى المسيح وحلّ ملكوته الروحي، وتلاميذه المعتبرون صغاراً في العالم بدون أسلحة فتاكة، تقدموا إلى المدن والقرى ليكسبوا كثيرين إلى مملكة المحبة الإلهية. وللعجب إن كثيرين ممن احتقروهم واضطهدوهم وجلدوهم وقتلوهم، ظهروا صغاراً وضعفاء أمام العالم. لكن من يقبلهم يلتقي بالله شخصياً. ومن أعطاهم كأس ماء بارد ينل أجرة عظيمة.

إن خبز الحياة الموعود لهم هو المسيح بذاته إذا آمنوا به. فالبركة المرافقة لأبناء يسوع، ليست رجاء خيالياً، بل قوة الروح القدس، وحلول الله في التائبين المستعدين، ألا وهو رجاء الكون منذ الأزلي.

إن أعمال الرحمة التي تقدّم لتلاميذ المسيح يتقبلها، ينبغي أن تقدم مع التطلع إلى المسيح ومن أجله. ينبغي أن يقبل باسم نبي، والبار باسم بار، وأحد هؤلاء الصغار “باسم تلميذ”، لا لأنهم متعلمون أو أذكياء، لا لأنهم أقرباؤنا أو جيراننا، بل لأنهم أبرار. هكذا يحملون صورة المسيح، لأنهم اتباع وتلاميذ، وهكذا هم مرسلون من المسيح. إن التطلع بإيمان إلى المسيح، هو الذي يعطي قيمة لأعمال الرحمة التي تقدم لخدامه، ويجعلها مقبولة. لا يبالي المسيح بأي أمر إلا إذا كنا نتمّمُه من أجل إسمه. قال أحد الحكماء “إن كنت تريدني ان أكون مديناً لك بأية خدمة تقدمها، فيجب أن لا تتم الخدمة فقط بل أن تقنعني أنك تعملها من أجلي”.

نعظمك أيها الآب، لأنك أرسلت المسيح إلى عالمنا، خبزاً للعالم ونوراً للأمم. هو أجرتنا، فإذا قبلناه مؤمنين يروي العطشى ويشبع الجياع إلى القداسة. نشكرك لأنك تهتم بكل مضطهديك، وتقدم لهم كأس ماء بارد في وسط الضيقات. الصلاة:

السؤال112 :  ماهي أجرة الأنبياء والأبرار وأتباع المسيح؟

11: 1 وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ أَمْرَهُ لِتَلاَمِيذِهِ الاثْنَيْ عَشَرَ، انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ لِيُعَلِّمَ وَيَكْرِزَ فِي مُدُنِهِمْ.                                                                           (لوقا7: 18-23)

دوَّن البشير متى لرسل المسيح وخدّامه، عظمة المسيح الفائقة، لكي يبشروا بحلول ملكوت السماوات. لم يحرضهم على كسب معاش عال، بل أرشدهم لينشئوا حلقات درس الكتاب المقدس في البيوت، وليحققوا قدرة الله في الأفراد، وأعطاهم سلطاناً ليعملوا ما يقولون، وحذرهم في نفس الوقت من الناس المتمسكين بالحيل والمكر والعنف. لكن وسط انفصالهم عن أقربائهم، منحهم تعزية كبرى في اضطهادهم، وأكّد لهم عنايته وحضوره وقوته، أنهم لن يكونوا عزَّل متروكين. لقد طمأنهم بأن كل شعرة في رأسهم محصاة ولا  تسقط إلا بإذن منه، وأن الله بالذات يحل فيهم بروحه، ويثبِّت اعترافهم بيسوع المتمركز في قلوب مختاريه الذين قبلوه.

إنطلق تلاميذ يسوع مطيعين لأوامره، والرب تبعهم وبارك خدماتهم وأكمل كل ما ينقصهم أثناء عملهم. فهل أنت منطلق أم لا تزال جالساً في غرفتك؟ هل حفّز ضيق الجماهير قلبك لتعطف عليهم أو لا يزال قلبك قاسياً؟ هل اختبرت حياة المسيح في صميمك؟ إذاً، تكلم وجاهر ولا تصمت. لا تخش لوم لائم، بل تمم قصد وإرادة الله. هل تريد أن يختار الرب الغوغائيين وعديمي الفائدة رسلاً له؟ لأن أبراره جبناء وأولاده يختبئون ويخلقون الأعذار الواهية لعدم إتمام إرساليتهم، ويسكتون عن مجد أبيهم.

إن الرب يسوع يأمرنا أن نتقدم في خدمته. فالبشير متى يلخص خطاب المسيح الثاني كأمر من رب السماء والأرض، ينبغي تنفيذه والإلتزام به. فمن منا يرغب أن يخالف أمر ملك الملوك ورب الأرباب؟

أمامنا دعوة عظيمة، دعوة السماء، دعوة المحبة. فهل من سامع مُجيب، يذهب مصلياً ويشهد بإرشاد الروح القدس ويحقق دعوته؟

أيها الرب، نشكرك لأنك أرسلت ابنك يسوع المسيح إلى عالمنا الفاسد، وبواسطته اخترت رسلا لك ورعاة وشهوداً. نحمدك لأن كلمتك وصلتنا، فطهرتنا وأنعشتنا وقدستنا. املأنا بمحبتك، وبُث فينا الإرادة والعزم للتبشير الحكيم، ولإعلان ملكوتك الروحي على الأرض. ادفعنا وبكتنا حتى نذهب في قوة روحك القدوس، ونأتي بثمار لطفك ومحبتك. امكث معنا وفينا، وسر بنا في جدة الحياة، لأنك دعوتنا لتصبح كلماتنا الضعيفة كلماتك القوية الخالقة. الصلاة :

السؤال 113  : ماذا تعلمت من أمر المسيح لتبشير الضالين ؟

مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا،

وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.

(متى10: 39)

المسابقة الثانية لإنجيل المسيح

حسب البشير متى

أخي المحترم، إن تعمّقت في دراسة كلمة الله حسب البشير متى، تستطيع بسهولة أن تجاوب على الأسئلة الموجودة في هذه الصفحة.

إن أجبت على 90 % من الأسئلة الواردة في هذه الصفحة، نرسل لك الجزء التالي من هذا التفسير او كتاب آخر كجائزة لبنيان نفسك، إلى الأمام.

إذا أرسلت لنا أجوبتك عن طريق البريد العادي، فلا تنس كتابة إسمك وعنوانك بوضوح على ورقة الأجوبة، وليس على الظرف الخارجي فقط.

الأسئلة

43. لماذا ابتدأت شريعة المسيح بكلمة “طوبى” بدلاً عن “يجب عليك”؟

44. لماذا يدخل المسكين بالروح أولاً إلى ملكوت السموات؟

45. لماذا يرث الودعاء الأرض وليس الأقوياء؟

46. كيف يروي المسيح العطش الذي فينا إلى البر؟

47. كيف نتغيّر من أنانيين إلى رحماء؟

48. كيف تحصل حقاّ على الطهارة؟

49. كيف يستخدمك المسيح لتقديم السلام للآخرين؟

50. لماذا يختبر ناشرو إنجيل السلام معارضة عنيفة؟

51. ماهو أجر المؤمنين؟

52. ماهي دعوة المسيح لك لأن تكون “ملح الأض”؟

53. كيف يمكن أن تكون نوراً للعالم؟

54. كيف نحفظ شريعة الله؟

55. من هو القاتل حسب شريعة المسيح؟

56. كيف نتحرّر من الموانع التي تقودنا إلى الدعارة والزنى؟

57. من هو الزاني حسب شريعة المسيح؟

58. كيف نصبح صادقين قولاً وعملاً وسلوكاً؟

59. كيف حررنا المسيح من حق الإنتقام والقصاص؟

60. من هو المتكبر من ذاته؟

61. كيف نقترب من كمال الله؟

62. ما هو الفرق الجذري بين شريعة موسى وشريعة المسيح؟

63. كيف ينبغي أن تتسم الصدقة المقبولة في نظر الآب؟

64. كيف نصلي لله صلاة مستجابة عنده؟

65. كيف نقدس إسم الآب؟

66. ماذا تتوقع عندما تقول في صلاتك “ليأت ملكوتك”؟

67. ماهي مشيئة الله؟

68. ماذا تشمل طلبة من أجل “الخبز اليومي”؟

69. ماهي الأسرار الموجودة في طلبة الغفران؟

70. كيف نتحرر من كل الشرور في حياتنا؟

71. كيف نعظم الله الآب؟

72. ماهو الشرط لثباتنا في الشركة مع الله؟

73. مامعنى الصوم في العهد الجديد؟

74. لماذا لا نستطيع خدمة الله والمال في نفس الوقت؟

75. لماذا يمنعنا المسيح من الغرق والإستسلام للهموم؟

76. لماذا حرَّم علينا المسيح إدانة الآخرين ؟

77. كيف نحب ونخدم الذين لا يريدون أن يسمعوا كلمة الله؟

78. لماذا يطلب منا يسوع الصلاة الملحة باستمرار؟

79. ماهي خلاصة القاعدة الذهبية؟

80. لماذا يكون الباب والطريق المؤديان إلى الله ضيِّقان؟

81. من هو المُضلّ؟

82. من الذي يدخل إلى السماء؟

83. ماهو الأساس المتين للحياة؟

84. لِمَ أبرز متى شفاء الأبرص كأول معجزة عملها المسيح؟

85. لماذا كان إيمان قائد المئة عظيماً؟

86. ماذا يعني شفاء حماة بطرس ؟

87. إلى أي مدى كان يسوع فقيراً قنوعاً؟

88. لماذا منع يسوع الإبن أن يحضر مراسم دفن أبيه؟

89. لماذا وبّخ يسوع تلاميذه وسط الخطر؟

90. ماذا تعلمت من تحرير الملبوسَين في عبر الأردن؟

91. كيف غفر يسوع الخطايا للمفلوج؟

92. ماذا تعني دعوة المسيح لمتى؟

93. من هم بنو العرس؟

94. لماذا يستحيل انسكاب خمر الإنجيل الجديد في زقاق الشريعة القديمة؟

95. كيف أقام يسوع الإبنة الميتة؟

96. ماهو السر في شفاء الأعميين؟

97. ماذا يعني شفاء الأخرس؟

98. ماذا يريد منا الله أن نطلبه منه بإلحاح؟

99. ما هو مضمون التفويض الذي فوَّض به يسوع تلاميذه؟

100. ماهي المفاتيح الخمس الأولى التي أعطاها المسيح لتلاميذه بخصوص التبشير؟

101. من الذي يقبل سلام الله؟

102. من هم أعداؤنا، وأي وعد منحه لنا يسوع اتجاههم؟

103. كيف نغلب أمواج الإضطهادات؟

104. ماذا يعني بقوله “ليس التلميذ أفضل من المعلم”؟

105. ماذا يعني الإتباع الأمين للمسيح؟

106. كيف نغلب الخوف من عواقب الشهادة؟

107. ماذا يعني القضاء والقدر في المسيحية؟

108. لماذا حُرم علينا الخوف من الناس ومن الموت؟

109. كيف ينبغي على المهتدي أن يتصرّف مع عائلته التي تضطهده بسبب إيمانه بيسوع؟

110. في أية مناسبة يورد الإنجيل حسب البشير متى حديث المسيح عن الصلب لأول مرة؟

111. كيف تتم الوحدة بين الله والمؤمنين بالمسيح؟

112. ماهي أجرة الأنبياء والأبرار وأتباع المسيح؟

113. ماذا تعلّمت من أمر المسيح بتبشير الضّالين؟

عنواننا:

الحياة الفُضلى، مزرعة يشوع المتن – ص ب 226 – لبنان.

E-mail: alhayatalfoudla@yahoo.com

الْحَصَادُ كَثِيرٌ

وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ.

فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ
أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً

إِلَى حَصَادِهِ.

 (متى9: 37-38)

الجزء الثالث

4- عدم إيمان اليهود

وعداوتهم ليسوع

(متى11: 2- 18: 35)

243(11: 2-12: 50)أولاً-شيوخ اليهود يرفضون المسيح
243(11: 2-19)جواب يسوع لوفد المعمدان
249(11: 20-24)يسوع يوبّخ المدن الخاطئة
251(11: 25-27)إعلان وحدة الثالوث الأقدس
254(11: 28-30)الدعوة إلى الراحة في المسيح
257(12: 1- 8)التلاميذ يقطفون السنابل يوم السبت
258(12: 9-21)شفاء اليد اليابسة يوم السبت
262(12: 22-37)التجديف على الروح القدس
270(12: 38-45)آية يونان النبي
274(12: 46-50)أقرباء يسوع الحقيقيون
276(13: 1-58)ثانياً-المسيح يعلّم بأمثال عن النمو الروحي لملكوت السموات.             (المجموعة الثالثة لكلمات المسيح)
276(13: 1-23)مثل الزارع
283(13: 24-30 ، 36-43)مثل الزوان في الحقل              
286(13: 31-35)مثلان عن حبة الخردل والخميرة
288(13: 44-46)مثلان عن الكنز في الحقل واللؤلؤة الثمينة
289(13: 47-53)الشبكة الملقاة في بحر الشعوب
292(13: 54-58)أهل الناصرة يرفضون يسوع
294(14: 1-17: 27)ثالثاً-خدمات يسوع وتجوُّلاته
294(14: 1-12)موت يوحنا المعمدان
297(14: 13-21)إشباع الخمسة آلاف
299(14: 22-27)يسوع يمشي على الماء
301(14: 28-35)غرق بطرس في البحيرة
303(15: 1-9)تطهير الداخل والخارج
306(15: 10-20)من القلب تخرج أفكار شريرة
309(15: 21-28)إيمان المرأة الفينيقية العظيم في وتواضعها
312(15: 29-39)إشباع الأربعة آلاف
315(16: 1-12)يسوع يهاجم التعصب والسطحية
318(16: 13-16)شهادة بطرس الفاصلة عن ألوهية يسوع
320(16: 17-20)الإيمان الحق هبة من وحي الله الآب
322(16: 21-28)إعلان يسوع الأول عن موته وقيامته
330(17: 1-8)تجلّي يسوع على جبل حرمون
332(17: 9-13)إيضاح الوعد بمجيء إيليا              
334(17: 14-21)شفاء الفتى المصروع                   
336(17: 22-27)إعلان يسوع الثاني عن موته وقيامته     
339(18: 1- 35)رابعاً-النظام الداخلي لملكوت الله (المجموعة الرابعة لكلمات المسيح)
339(18: 1-14)كبرياء التلاميذ وتواضع الأطفال
344(18: 15-17)الغفران المتبادل بين الإخوة
346(18: 18-20)الربط والحل باسم المسيح
348(18: 21-22)الغفران المطلق
349(18: 23-35)مَثَل العبد غير المتسامح

أولاًشيوخ اليهود يرفضون المسيح

( 11: 2 – 12: 50 )

جواب يسوع لوفد المعمدان

( 11: 2-19 )

11: 2 أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي السِّجْنِ بِأَعْمَالِ الْمَسِيحِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلامِيذِهِ،  (3) وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟  (4) فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ: اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: (5) اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. (6) وَطُوبَى لِمَنْ لا يَعْثُرُ فِيَّ.

                                                 (ملاخي3: 1؛ إشعياء35: 5-6، 31: 1؛ لوقا7: 18-23)

بعدما أرسل المسيح رُسله إلى المدن والقرى، تبعهم ورسَّخ عملهم، وأكمل خدماتهم وثبَّت مستمعيهم في بشارة ملكوت السموات، فانتشرت شهرته إلى كل الأصقاع. في هذا الوقت أخذوا يهمسون فيما بينهم: أهذا هو النبي الموعود المرسَل من الله؟ لقد أتى بالآيات المدهشة والمختصة بالمسيح المنتظر، إذ

ليس أحد يقد على إقامة الموتى إلاَّ هو.

استمرت الخدمة رغم الزج بيوحنا في السجن، وهذا لم يزد في آلامه، بل بعث في نفسه تعزية كبرى. لا شيء يبعث تعزية في نفوس شعب الله في آلامهم بقدر ما يسمعون “باعمال المسيح” سيما إذا ما اختبروها في نفوسهم. هذا يحول السجن إلى قصر، والمسيح يعلن محبته بأية طريقة من الطرق لمن يتألمون من أجل الضمير. لم ير يوحنا أعمال المسيح، لكنه سمع عنها بسرور وطوبى لمن لم يروا بل سمعوا فقط ومع ذلك آمنوا.

وصل الخبر المسيح إلى يوحنا وهو في السجن، فترقَّب أن يأتي المسيح إليه ليطلقه بمعجزة من سجنه، لأنه كان الممهد لطريقه باستقامته، إنه أعز صديق له، وقد تألم لأجل الحق مظلوماً سجيناً. فانتظر بشوق إبادة الحكام الظالمين بفوز ملكوت السموات العظيم. لكن رغم الانتظار الطويل، لم يأت الملك يسوع. فبقى يوحنا في السجن، مقيداً، معذبا ووحيداً.

بدأ الشك يغزو نفس يوحنا في قدرة المسيح وألوهيته، فبعث إليه من يسأله: هل أنت المسيح المنتظر، أم لا؟ لم يجبه المسيح مباشرة، بل أرشده إلى النبوءة الواردة في إشعياء (35: 5، 6)  مفسراً له أن عبد الله الموعود به قد جاء، وهو يخلّص الساقطين من الأمراض والخطيئة والموت. وهذه الأعمال الفريدة هي الدليل القاطع على أن يسوع هو المسيح المنتظر.

يظن البعض أن يوحنا بعث بهذا السؤال لكي يقتنع هو شخصياً. صحيح أنه سبق أن شهد شهادة سامية جداً عن المسيح، فقد صرّح بأنه هو “ابن الله” (يو1: 34) وأنه هو “حمل الله” (يو1: 29)، وهو “الذي يعمد بالروح القدس” (يو1: 33) وأنه “أرسله الله” (يو3: 34). وهذه كلها حقائق سامية. ولكنه أراد أن يزداد تأكداً بأنه هو المسيا الموعود به والمنتظر منذ أجيال طويلة.

كان يوحنا ينتظر  ملكاً سياسياً ليبيد بسلطانه الظلم المنتشر في العالم، ويحرر الأتقياء المضطهَدين. لكن المسيح لم يعتمد على استخدام الفأس لقطع الأشجار الرديئة، إنما خلّص الضالين، شفى الضعفاء، وزرع الرّجاء في قلوب المتشائمين، لأنه لم يأتِ ليدين ويقاصص، بل أتى كحمل الله الوديع، الذي يحمل خطايا المذنبين على عاتقه نيابة عنهم.

ربما كانت ظروف يوحنا وقتذاك هي الباعثة على شكوكه. فقد كان سجيناً، ولعله قد خامرته هذه الشكوك: إن كان يسوع حقاً هو المسيا، فلماذا وأنا صديقه وسابقه أكابد هذا الضيق الذي أعانيه منذ زمن طويل، ورغم ذلك فإنه لم يفتقدني قط، ولم يهتم بي، ولا أرسل إلي أحداً، ولا سأل عني، ولا فعل شيئاً يخفف عني مرارة السجن أو ينقذني منه؟ لا شك في أنه كان هنالك مبرر لعدم زيارة الرب يسوع ليوحنا في السجن، لئلاّ يبدو بأن هنالك محالفة بينهما. لكن يوحنا أول ذلك بأنه إهمال له، وربما أحدث هذا صدمة لإيمانه في المسيح.

يظن البعض الآخر أن يوحنا ارسل تلاميذيه إلى المسيح بهذا السؤال لإقناعهما وليس لإقناعه هو شخصياً. لاحظ بأن تلاميذه كانوا ملتصقين به، يمثلون أمامه، مستعدين لتلقي تعليماته رغم أنه كان سجيناً. فإنهم أحبوه ولم يريدوا أن يتركوه. فرغب يوحنا أن يحول تلاميذه إلى المسيح كأنه يرقى بهم من المدرسة الإبتدائية إلى الجامعة. ولعله سبق فرأى موته يقترب، ولذلك أراد أن يزداد تلاميذه تعرفاً بالمسيح الذي سوف يتركهم لعنايته.

كان على يوحنا تغيير جوهر تفكيره ليتعلّم أن المسيح هو المحبة. ويشعر أنه ينبغي على حمل الله أن يتألم ويموت ليفدي العالم الأثيم. كان هذا الفكر الجديد درساً صعباً على يوحنا، لأنه لم يكن يتماشى مع روح العهد القديم الذي تربى عليه اليهود وفهموه.إن محبة الله ظهرت في المسيح لطيفة، آتية بتواضع ووداعة، وليس بتسلط وعنف وسلطة.

يا إلهنا القدوس، أنت المحبة الرحيمة. نسجد لك، ونلتمس منك انسكاب محبتك في قلوبنا لنسلك بفرح وتواضع وصبر وطول أناة، وندرك جوهر المسيح في الإنسان يسوع ونتبعه إلى الموت، لنمتلئ بفضائله ونصير قديسين بلا لوم في القداسة. الصلاة:

السؤال 114 : لِمَ لم يحرر يسوع المعمدان من السجن؟

11: 7 وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هذَانِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا الرِّيحُ؟ (8) لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لابِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هُوَذَا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الثِّيَابَ النَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ الْمُلُوكِ. (9) لكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّاً؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ. (10) فَإِنَّ هذَا هُوَ الَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَاأَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ. (11) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ. (12) وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. (13) لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. (14) وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ. (15) مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.    (لوقا1: 76؛ 7: 24-35، ملاخي3: 23)

هنا نجد الثناء العظيم الذي خلعه الرب يسوع على يوحنا المعمدان، ليس فقط تكريماً له بل ايضاً تكريماً لعمله. أدرك المسيح بأن بعضاً من تلاميذه قد ينتهزون فرصة السؤال الذي وجهه يوحنا إلى معلمهم فيظنون بأنه ضعيف ومتردد ومناقض لنفسه. ولمنع هذا نرى المسيح هنا يبين صفاته الحقيقية.

عبَّر المسيح عن كامل ثقته بيوحنا المعمدان رغم الشكوك التي خامرته، لأنه أعدَّ طريقه بإخلاص حسب النبوءات، وضحَّى بحياته لله، وعاش بتقشف، ولم يجمع أرباحاً لنفسه. لقد بيَّن المسيح ثقته فيه بشهادة لامعة أمام الجماهير، إذ قال إنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا. فلا نابليون ولا قيصر ولا أرسطو ولا أفلاطون ولا بوذا ولا أي نبي آخر هو قمة البشر، بل يوحنا المعمدان وحده.

لماذا صار المعمدان أعظم الرجال؟ لأن الله أعلن له أن المسيح هو حمَل الله، ومعطي الروح القدس للتائبين. فكان يوحنا خاتم أنبياء العهد القديم. مع ذلك خدم وأطاع، سلَّم نفسه للمسيح بلا قيد أو شرط. اعتبر ذاته غير مستحق أن يحلّ سيور حذاء المسيح، أرشد الجماهير إلى يسوع أنه المسيح. رأى يوحنا الروح القدس نازلاً على يسوع في هيئة حمامة، وسمع بأذنيه صوت الله: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت». فكان يوحنا أول شاهد وشهيد لوحدة الثالوث الأقدس، أكثر من موسى وكل الأنبياء الآخرين.

أعلن المسيح وجود أناس أفضل وأسمى من يوحنا، هم أعضاء ملكوت الله المولودين من الروح القدس، فالله أبوهم وهم من أهل بيته، هم الذين برَّرهم المسيح بالنعمة، واصطفاهم ليكونوا سفراءه، واضعاً عليهم خدمة ومسؤولية المصالحة مع الله. فأصغرهم أعظم من كل عظيم جاء ذكره في العهد القديم.

إن الذين يحضرون لسماع الكلمة سوف يوجه إليهم السؤال عن الغاية من حضورهم، وعما استفادوا من الحضور. نحن نظن بأن كل شيء ينتهي بانتهاء العظة، كلا بل أن أهم واجب يبدأ بانتهائها. فإنه بمجرد انتهائها يوجه إلينا هذا السؤال:” ماالذي استفدته من هذه الخدمة؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟ هل أتيت على سبيل العادة؟ أم لمجرد مرافقتك لبعض الخلان؟ أم كان الدافع هو الرغبة في تمجيد الله والحصول على بعض الخير لنفسك؟ ما الذي حصلت عليه؟ أية معرفة أو نعمة أو تعزية؟ “ماذا خرجت لتنظر”؟

هل أصبحت ابناً لله؟ ردِّد هذ الكلمات: أنا عبد باطل، وأخلاقي الطبيعية ملطخة بالخطايا والعيوب، لكن الحمد والشكر لله، دم المسيح غسلني، وروحه القدوس قدَّسني، وأوقد فيَّ نار المحبة. فأنا موقن أن الله هو أبي السماوي، أتكلم معه يومياً، وأُصغي إلى كلمته الحنونة. لقد أصبحت فرداً في ملكوته، وسأظل محفوظاً فيه بقدرته، والموت بالنسبة لي باب يؤدي إلى الحياة الجديدة والخالدة مع أبي السرمدي.

إن اعترفت معنا بهذا الإيمان، في يقين الروح، تكون قد دخلت إلى ملكوت الله بالقوة، واغتصبت لنفسك حق النعمة والنبوة، لأن كل من يؤمن بالمسيح يخلص رغم خطاياه، كما قال يسوع: «إيمانك خلَّصك»

إن أمور الله على جانب عظيم من الأهميّة، وكل “من له أذنان للسمع”، ليسمع أي شيء، خليق به أن يسمع هذا. يُفهم من هذا ضمناً أن الله لا يطلب منا شيئاً أكثر من أن نحسن استعمال المواهب التي سبق أن أعطانا إياها، وننميها. إنه يطلب ممن له أذنان أن يسمع. وممن له عقل أن يتعقّل. لذلك فإن كان الناس جهلاء فليس ذلك لأنهم تنقصهم القوة بل الإرادة. وإن كانوا لا يسمعون فلأنهم يسدون آذانهم كالصل.

أيها الآب المحب، أنت أبونا الحق، والمسيح ربنا القدير. نسجد لك وله، ونتهلل لأنك خلصتنا بدم يسوع ونحن عبيد باطلين. حررتنا من سلطة الخطيئة ورهبة الموت، ونقلتنا إلى الحياة الأبدية، وفوضتنا بخدمة المحبة، لندعو كل الخطاة أن يتصالحوا معك، ويؤمنوا بابنك، فيحصلوا على خلاص تام وكامل. الصلاة:

السؤال 115 : لم اعتبر الأصغر في ملكوت الله أعظم مرتبة من يوحنا المعمدان، خاتم أنبياء العهد القديم؟؟

11: 16 وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هذَا الْجِيلَ؟ يُشْبِهُ أَوْلاداً جَالِسِينَ فِي الأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ     (17) وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا! (18) لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لا يَأْكُلُ وَلا يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ. (19) جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ، مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ. وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا.

(يو2:2؛ 5: 35، 1كور4: 24-30)

تراكضت الجماهير نحو يسوع، ليس بدافع الإيمان، بل بدافع الفضول لرؤية العجائب. كانوا قد انطلقوا إلى البرية من قبل لِلتطلع في يوحنا الغريب، والداعي إلى المعمودية والتوبة، لكنهم لم يرجعوا حقاً عن طرقهم العوجاء، بل استمروا في شرِّهم، انتقدوا يوحنا باستهزاء، لأنه كان زاهداً متقشفاً منادياً بالانكسار القلبي. بعدئذ سَخِرَت الجماهير من المسيح، لأنه كان يأكل ويشرب كغيره، يعاشر الخطاة والغوغائين ليتوبوا ويخلصوا. لقد طلبوا من المعمدان فرحاً ومن المسيح حزناً ولم يدركوا البتة سرَّ دعوتهما، لأنهم تصرفوا كأولاد بفضولية وسطحية وتفاهة.

لقد سمَّى المسيح المرائين «أولاداً »، لأنهم لم يدركوا حقيقة الحياة، كانوا يلعبون وينوحون، لم يعرفوا سبب الموت وقيود الخطيئة وعبودية الشيطان، التي انغمسوا في بشاعتها، لم يشتاقوا إلى المسيح وخلاصه، إذ اعتبروا انفسهم أبراراً مستقيمين. أما المؤمنون بالمسيح فعرفوا سر الكون، بأن الله هو مصدر الحياة، وأنه أبوهم قابل التوبة وغافر الذنب ومعطي الحياة الأزلية بابنه يسوع، فيستمدون قوة الروح الإلهي من قراءة الإنجيل، ويعيشون أبديين وسط زوال العالم.

إنهم جهلاء كالأولاد، عنيدين كالأولاد، غير مكترثين ويميلون إلى اللهو والعبث كالأولاد، ولو أنهم أظهروا أنهم رجال في الفهم لكان هنالك بعض الرجاء فيهم. أما “الأسواق” التي يجلسون فيها فإنها للبعض مكان للبطالة والكسل، وللآخرين مكان للمشاغل العالمية، وللجميع مكان للصخب أو اللهو واللعب. لهذا فإذا سألت عن سبب عدم انتفاع الناس من وسائط النعمة وجدت أنه لتكاسلهم وغهمالهم وعدم اكتراثهم وعدم الرغبة في تحمل أي عناء، أو لأن عقولهم وأيديهم وقلوبهم يشغلها العالم باهتماماته الكثيرة التي “تخنق الكلمة” ثم تخنق نفوسهم أخيراً. هذه هي حالتهم في الأسواق، وهنالك يجلسون في هذه تتركز عقولهم، وفيها يعتزمون البقاء.

وأنت هل تشتاق إلى يسوع منجي الأنام، وتفرح عند سماع إسمه؟ أم لا تزال تابعاً للشيطان الذي يرتجف خوفاً من سماع اسم يسوع؟ هل شعورك متقلب حسب أخبار الجرائد؟ وهل نفسك مُلتصِقة بشاشة التلفزيون؟ أم تحب الله وترغب في الإلتصاق به وتنتظر بشغف وشوق مجيء المسيح ثانية؟؟ أتلعب في هذه الدنيا وتلهو مهتما بجمع حطامها من أموال وذنوب ومبذراً وقتك الثمين؟؟ أم تخضع لمشيئة ملك الملوك، عالماً أن هناك حساب ينتظرك عن كل قرش وثانية صرفتهما طوال حياتك؟ إن المسيح يدعوك إلى ملكوته لتمتلئ بروحه وتتمم مشيئته، وتأتي بثمر كثير.

تفسيراً لهذا المثل يُبسط أمامنا نوعا الخدمة المختلفين: خدمة يوحنا وخدمة المسيح اللذين كانا نورين عظيمين لذلك الجيل:

جاء يوحنا نائحاً لا يأكل ولا يشرب، لا يختلط بالشعب ولا يأكل معهم، بل متوحداً في صومعته في البرية، حيث “كان طعامه جراداً وعسلاً برياً”. كان من المنتظر أن شخصاً كهذا يكون كافياً لكي يؤثر فيهم، لأن حياة متقشفة صارمة كهذه كانت تناسب جداً تلك التعاليم التي نادى بها، والخادم الذي تتفق أعماله مع أقواله يكون مُنتجاً. مع ذلك فإن تعاليم مثل هذا الخادم ليست منتجة في كل الظروف.

جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، وهكذا زمّر لهم. فالمسيح اختلط بكل أصناف البشر دون أن يراعي أي خطر. كان أنيساً ودوداً للجميع، سهل الوصول للكل، لا يتجنب أية جماعة، يحضر الولائم والأعياد، يختلط بالفريسيين والعشارين لعل هذا يؤثر فيمَن لم يؤثر فيهم تحفظ يوحنا. فالذين لم ترُوعهم عبوسة يوحنا تجتذبهم ابتسامة المسيح، الذي منه تعلم بولس أن يصير “للكل كل شيء” (1كو9: 22). على أن المسيح بحريته لم يدن يوحنا قط، كما أن يوحنا لم يدنه ولو اختلفت وجهة نظر كل منهما تمام الإختلاف.

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك ولدتنا ثانية لمعرفة محبتك، وحّدتنا في ابنك لنخدم الضالين بقوة روحك. إغفر لنا إذا كنا أهملنا دعوتك السماوية، وسيطرت علينا هموم اليوم وخوف العالم. وجّه أبصارنا إلى مجيء ابنك لكي لا نتصرف كأولاد بل نستعد لاستقبال الآتي المجيد.الصلاة:

السؤال 116 :  لماذا شبَّه يسوع الناس في عصره بالأولاد؟

يسوع يوبِّخ المدن الخاطئة

( 11: 20 – 24 )

11: 20 حِينَئِذٍ ابْتَدَأَ يُوَبِّخُ الْمُدُنَ الَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُّوَاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ: (21) وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُّوَاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيماً فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. (22) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. (23) وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ، سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُّوَاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ.     (24) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ.

(يونان3: 6، إشعياء14: 13و15لو10: 13-15)

ينقسم المجتمع إلى أناس صالحين وأناس طالحين، وجهاء وغوغائيين، إلى خطاة وأبرار. إن من يملك ويحصل على شهادة عالية، أو منصب مهم في الرئاسة، يعتبر نفسه مرتفعاً متعالياً عن باقي الشعب المسكين والمقهور. أما المسيح المحب للجميع فله مقاييس أخرى مغايرة.

يعلِّمنا يسوع في توبيخه للمدن، أن مقاييسنا خاطئة مبدئياً. مثلاً إن مدينتي صور وصيداء كانتا مركزين مهمّين لعبادة الأصنام. وكان الشعب المتديّن يفتخر بأصنامه المتحجِّرة ويتضرع إليها، لعدم معرفته بالله الحي. رغم هذا الجهل وعبادة الأصنام، قال المسيح إن عقاب أهل هاتين المدينتين، سيكون أقل من عقاب أهل المدن والقرى، التي شاهدته وسمعت كلماته ولم تؤمن به ولم تقبله. إن رفض المسيح هو أعظم خطيئة في العالم، لأنه يعني رفض محبة إلهنا ونعمته وخلاصه وغفرانه. والذي يقود في الأخير إلى رفض الآب السماوي بذاته.

لا شك أن كل الناس خطاة فاسدون مستحقون الهلاك. لكن دم المسيح يطهّرنا من كل إثم. والروح القدس يغيِّر الهالكين إلى قدّيسين. فويل لكل من يهمل نعمة الله في المسيح، لأن جهنم كشَّرت أنيابها لمن يرفض ابن القدير.

إن أكبر ذنب في زمن المسيح ارتكبته كفر ناحوم، مدينة المسيح، التي عمل فيها أغلب عجائبه. غير أن أكثرية سكانها لم تؤمن بابن الله الذي في وسطهم، فلم تؤمن به رغم معاينتها محبته المتجسّدة، وسماعها لكلماته القوية. لم ينوحوا على خطاياهم، فأعلن المسيح قساوة قلوب أهلها، وسمَّاها أنجس من أهل سدوم، الذين أهلكوا في نار غضب الله لنجاستهم. فالديان الأزلي نفسه، أنبأهم بالعقوبة الواقعة عليهم.

كان التعليم الأعظم الذي نادى به يوحنا المعمدان والمسيح والرسل هو التوبة. كان القصد الأعظم سواء من التزمير أو النوح هو التأثير على الشعب ليغيروا عقولهم وطرقهم، ويتركوا خطاياهم ويرجعوا إلى الله. وهذا مالم يريدوه.

وبخ المسيح المدن من أجل خطاياها الأخرى لكي يقودها إلى التوبة، ولكن عندما لم تتب ابتدأ يوبخها من أجل هذا لأنها لم ترد بأن تبرأ. ابتدأ يوبخها لكي توبخ نفسها، ولكي ترى أخيراً حماقتها بسبب هذه الخطيئة التي جعلت حالتها مؤسفة وجرحها عديم الشّفاء.

ويل لمدننا وشعوبنا إن لم تقبل المسيح، رغم سماعها لكلمة الله عبر الإذاعة والكتب، وعن طريق شهادة المؤمنين الذين في وسطهم. فالدينونة أقرب إليك مما تعلم، والمسيح الديان الأزلي يحذرك، فهل أدركت واجباتك الروحية؟؟

أيها الآب القدوس، نسجد لك ونتوب عن مقاييسنا الخاطئة. نطلب غفرانك لقلة وبطء إيماننا. حرّرنا من جمود أذهاننا، وقدِّس نوايانا لنقبل ابنك مع خلاصه، ونمتلئ بروحك، ونشهد صراحة بالدينونة المُقبلة علينا، ليتوب الجميع إليك.الصلاة:

السؤال 117 : لماذا يسمِّي المسيح عدم الإيمان به أنجس من خطيئة سدوم وعمورة؟

إعلان وحدة الثالوث الأقدس

( 11: 25 – 30 )

11: 25  فِي ذلِكَ الْوَقْتِ قَالَ يَسُوعُ: أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. (26) نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ. (27) كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ.

(إشعياء29: 14، لو10: 21-22، يو17: 25، 1كو1: 18-29، فيلبي2: 9)

توضِّح لنا هذه الآيات صلاة المسيح الفريدة إلى أبيه السماوي، التي تفتح بصيرتنا إلى عمق قلب يسوع وعلاقته بالله، فنتقدم بتأملاتنا إلى قدس الأقداس في حياة ابن الله، حيث يخضع لأبيه، ونشاهد إحدى مكالماته ضمن وحدة الثالوث الأقدس.

بالرغم من حزن الاحتقار، ومرارة الرفض من المحبوبين، يحمد يسوع أباه السماوي أولاً ويشكره. لم ينح أو يولول على هذه المُعاملة السيئة وعلى هذا الرفض، بل آمن بالقيادة الفائقة لضابط الكل، وخضع في إرشاده ومجَّد اسمه القدوس.

لقد خاطب المسيح الله بلقب الآب، لأن يسوع مولود من روحه، وكائن منذ الأزل عنده، ومتَّحِد معه في كل حين، وثابت في محبته دائماً. فالله هو الآب والإبن في الروح، معلناً الإله الواحد.

سمَّى المسيح الرب أباه، كما تنبأ داود: «قال الرب لربي إجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك». عرف يسوع أن أباه هو القدير، وأدرك في مشيئته السر المكتوم، أنه حجب أبوته وبنوة يسوع عن المتعلمين والمثقفين في العالم. إن كل المدارس والجامعات والفلسفات والمذاهب، لا تستطيع إدراك وحدة الثالوث الأقدس من تلقاء أنفسها، ولا قبول الخلاص أو حلول الروح القدس. ومما لا ريب فيه، أن المسيح قصد حمل كل الناس إلى السماء. وفضَّل أن يُعلن لهم إسم الآب، لكنه أجاب “نعم” مظهراً الطاعة التامة لأبيه السماوي، ومعارضاً رغباته وأمنياته، فحجب جوهره عن عظماء العالم والمتديِّنين، وسمَّى نفسه ابن الإنسان.

إن الشكر جواب لائق للأفكار الأليمة المزعجة، ويمكن أن يكون وسيلة فعالة لتهدئتها، وتسابيح الحمد علاج شاف للنفوس الخائرة، وتعين على الشفاء من الحزن والكآبة. وحينما لا نجد جواباً آخر لبواعث الحزن والخوف فلنلجأ لهذا “أحمدك أيها الآب” لنشكر الله لأن الحالة ليست أسوأ مما هي عليه الآن.

اعترف يسوع، بعد هذا الإنكار الذاتي في صلاته، أنه شريك في قدرة الله. فبما أن الابن أطاع موافقاً على مسَّرة أبيه، دفع إليه أبوه كل سلطان في السماء وعلى الأرض. إن سر هذا السلطان، هو معرفة الله الآب، فليس أحد يعرف الله الآب إلا  الذي يعيش معه وفيه، وينسجم معه في خطة خلاصه ومبادئ دينونته. إن الآب السماوي واحد، وهو صورة محبته ورسم جوهره، فالمسيح وحده يعرف الله، وليس نبي أدرك الخالق في حقيقته إلا الابن، لأنه من جوهره، ويحمل ملء روحه القدوس في نفسه. لم يستطع أحد أن يعرف الله كما هو إلا يسوع، الذي حلَّ فيه كلُّ ملء اللاهوت جسدياً.

هذا السر المزدوج: معرفة الآب والابن، لا يدركه عقل الإنسان ولا يشعر به، إلا إذا فتح الروح القدس عيني ذهنه مُنعماً عليه. لا يستطيع الإنسان الطبيعي الإيمان من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى نعمة الإلهام. فأنت يا أخي، لا تستطيع إدراك الله بمجهوداتك وصلواتك. إن الله هو الذي يأتي إليك ويطلبك، ويعضدك ويملكك. فدعوة يسوع تفتح عينيك الروحية.

كانت أسرار الإنجيل الأبدي، ولا تزال، مخفاة عن الكثيرين من “الحكماء والفهماء” الذين اشتهروا بالعلم والحكمة العالمية. فقد كان البعض من أعظم العلماء وأقدر السياسيين أعظم الجهلاء بأسرار الإنجيل. “فالعالم لم يعرف الله بالحكمة” (1كو1: 21) بل إن الإنجيل طالما لقي الهجمات من “العلم الكاذب الإسم” (1تي6: 20)، وأكثر الناس دراية بالأمور الحسية والعالمية أكثرهم جهلا بالأمور الروحية بصفة عامة. قد يغوص البعض في أعماق الطبيعة، ويتعمقون في الشؤون السياسية، لكنهم قد يجهلون أسرار ملكوت السموات، ويتخبطون بشأنها بسبب عدم اختبارهم قوتها.

إن الفرق بين الجهال والأطفال هو من صنع الله، فهو الذي أخفى هذه عن الحكماء والفهماء، هو الذي أعطاهم ذكاء وعلوماً ومعرفة بشرية أكثر من غيرهم فافتخروا بها، واتكلوا عليها، لم يتطلعوا إلى أبعد منها، ولذلك حرمهم الله بعدل من روح الحكمة والغعلان، ومن ثم صار صوت أخبار الإنجيل غريباً عنهم رغم سمعهم إياه. ليس الله هو المنشئ لجهلهم وحماقتهم، ولكنه يتركهم لأنفسهم، فتصبح خطيئتهم قصاصاً لهم ويتبرر الله فيها. ولو أنهم أكرموا الله بالحكمة والفهم اللذين حصلوا عليهما لمنحهم معرفة هذه الأمور الأفضل. ولكن لأنهم خدموا شهواتهم بهما فقد أخفى هذه المعرفة عن قلوبهم.

نقرأ أن المسيح يُعلن سر أبوة الله لمن يريده، فهو يريد فعلا أن جميع الناس يخلصون، لكن الناس لا يريدون أن يقبلوا الآب والإبن والروح القدس ويتقسوا بنعمة الله. إن المسيح لا يقدر أن يمنح للناس  ما أعد لأجلهم إذا لم يفتحوا له قلوبهم  ويُحفّوا به.

أيها الآب السماوي، نعظمك لأن في حياتك على الأرض أعلنت نفسك في المسيح للبسطاء والأطفال، لم تعلنها للباحثين عن الأسرار والذين يعتقدون أنهم لا يحتاجون إلى التوبة. نشكرك لأنك دعوتنا، فتحت أعيننا وقلوبنا، ومنحتنا المعرفة لحقيقة، الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد. افتح قلوب الكثيرين في بيوتنا ومدارس شعوبنا، حتى لا يتقسوا ويسقطوا في التهلكة. الصلاة:

السؤال 118 : كيف يعرف المسيح الله حق المعرفة، كما أن الله يعرف المسيح؟

الدعوة إلى الرّاحة في المسيح

(11: 28-30)

11: 28 تَعَالَوْا إِلَيَّ يَاجَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. (29) اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. (30) لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ.                             (إرميا6: 16؛31: 25، إشعياء28: 12، 1يو5:3)

يدعو المسيح جميع الناس إلى شركة الثالوث الأقدس، لأنه لا راحة لأنفسنا إلا بالثبات في الله الحقيقي. ينادي يسوع الجميع حتى المكتفين في ذواتهم والمستكبرين في نشاطهم، لكنهم لم يلبوا دعوته، إذ أنهم لم يدركوا سبب مشاكلهم و نجاسة قلوبهم. أما المحتاجون النادمون، فهم الذين يلبُّون دعوة المسيح. عجباً كيف أن الأغنياء ورجال الدين والمسؤولين الكبار في الدولة لا يُسرعون إلى المخلص، بل الفقراء والمساكين الفاشلون والخطاة الذين يقشعرون من أنفسهم لكي يسمعوا صوت المعزي، فهل تعرف نفسك ؟ هل سمعت دعوة المسيح المخلِّص الذي يدعو كل الناس؟ إنه صاحب السلطان الوحيد الذي يرفع أثقالنا، يحرّرنا من الخطيئة والمرض، من الشريعة والموت، من الشيطان وغضب الله. المسيح هو المخلّص الوحيد القدير، الذي لا يرفض طالباً واحداً، بل يدعو الكل كي يسرعوا إليه ويُلقوا أثقالهم عليه، ليرفعها عنهم.

إن الذين يدعون للراحة في المسيح هم فقط كل الذين يشعرون بالخطيئة كثقل ويئنون تحتها، الذين لا يقتنعون بإثم الخطيئة فقط، بإثم خطيئتهم الشخصية، بل أيضاً تنسحق نفوسهم بسببها، الذين يتألمون حقيقة من أجل خطاياهم، يتعبون من خدمة العالم والجسد، الذين يرون بأن حالتهم محزنة وخطرة بسبب الخطيئة، ينزعجون وينتحبون بسببها.

إن الرب يسوع المسيح يهب راحة أكيدة للنفوس المتعبة التي تتقدم إليه بإيمان حي لطلبها، “راحة ” من انزعاج الخطيئة، مع سلام عمق في الضمير. “راحة” من سلطان الخطيئة، مع تنظيم قوى النفس ومنح قوة لضبط النفس. “راحة” في الله، وتلذذ في النفس بمحبته (مز11: 6و7). هذه هي الراحة التي بقيت لشعب الله (عب4: 9) التي بدأت في النعمة وتكملت في المجد.

إن دعوة المتعبين والثقيلي الأحمال لحمل نير على أعناقهم يبدو كأنه إضافية ضيق للمتضايقين. على أن هذا التناقض الظاهري يزول حينما نذكر أن المسيح يقول إن هذا النير نيره هو “نيري” وكأنه يقول “أنتم تحت نير يجعلكم متعبين وثقيلي الأحمال، فانفضوا عنكم هذا النير وجربوا نيري الذي يريحكم. قيل عن العبيد إنهم “تحت نير” (1تي6: 1) وكذلك الرعية(1مل12: 10) لذلك فإن قبول نير المسيح معناه أن نرتضي بأن نكون عبيداً ورعية له، ومن ثم أن نتصرّف التصرف اللائق، وذلك بأن نطيع جميع وصاياه من كل القلب، ونخضع بسرور لجميع أحكامه وتصرفاته معنا. معناه أن نطيع إنجيل المسيح ونخضع للرب.

إن قلوبنا شريرة ومحتالة، فلا يكفينا غفران الخطايا. إنما نحتاج إلى قوة مغيِّرة، تخلق فينا حياة جديدة فينا. لهذا يضع المسيح نيره الخاص علينا، لأنه مرتبط مع أبيه في انسجام تام، فيجذبنا إلى شركته لنعيش معه. فإذا آمنّا وسرنا بالقرب من الله تحت نير واحد، نتغير بمحبته ونحصل على راحة الضمير الحقة. لأنه لا راحة إلا في المسيح.

ليس هناك إنسان حر، إما أن يكون عبداً للخطيئة، أو شريكاً في نير المسيح. من يتّحد مع الآب والابن مؤمناً، فيحتم عليه أن يمشي معه بنفس السرعة والهدف. إن المسيح يدرّبنا لنتمثَّل ونكون مثله، ويعلّمنا فضائله. إنه وديع حقاً، إذ سلَّم إرادته لأبيه تماماً، إنه متواضع القلب حيث أخلى نفسه. إذا ارتبطت مع يسوع يحررك من عنادك واستكبارك وبُخلك، ويغيِّرك إلى إنسان جديد، إنسان المحبة، المحبة، فتفلح مع المسيح أرض دنيانا، وتزرع فيها بذور الإنجيل. لكن لا تعمل مستقلاً عن الله من خلال أفكارك واجتهادك، بل تعمل تحت نير المسيح، الذي يوحّدك بالله. هو مزمع أن يروي عطشك إلى البر ويُشبع جوعك للاستقرار الروحي.

قال السيد المسيح “تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ.” إسأل نفسك هل تريد أن تتغيَّر وتسلك وديعاً مُسلِّماً للمسيح مقود حياتك؟ هل تريد أن تتواضع وتعتبر نفسك أصغر الجميع وأكبر خاطئ غُفرت له خطاياه؟ عندئذ سيمنحك المسيح سلامه وراحة مسرَّته ما دمت معه تحت نير واحد.

إنه وديع وقادر أن يترفق بالجهال الذين قد يحتد عليهم الآخرون. كم من معلمين مقتدرين تراهم حادي الطبع ومتعجلين، الأمر الذي يثبط عزائم المتباطئ الأذهان. أما المسيح فيعرف كيف يحتمل أمثال هؤلاء، ويفتح أذهانهم. لقد كانت تصرفاته مع تلاميذه الإثني عشر عينة لهذا. لقد كان وديعاً طويل الأناة نحوهم، خلق منهم شخصيات غاية في السمو. ورغم ما بدأ منهم من عدم الإكتراث والتناسي فإنه لم يكن يتطرف في إظهار غباوتهم.

إن الطريق الوحيد والأكيد لنجد راحة لنفوسنا هو الجلوس عند قدمي المسيح والإستماع لكلمته. إن الفهيم يجد راحة واطمئناناً كاملاً في معرفة الله ويسوع المسيح، لأنه يجد في الإنجيل الحكمة التي طالما بحث عنها في كل الخليقة، إننا نعرض نفوسنا  لخطر جسيم إذا ما تركنا الحقائق التي يعلمها المسيح.

هذه هي خلاصة دعوة الإنجيل وهباته، هنا يخبرنا الإنجيلي في كلمات قصيرة ماذا يطلبه منا المسيح، وهو يتفق مع ما قاله الله عنه مراراً وتكراراً:”هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا“.

أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك لأنك دعوتنا، فإننا نسرع إليك ملتمسين منك غفران آثامنا. نعظّمك لأنك رفعت أثقالنا وأعلنت لنا اسم الآب، وجعلتنا أولاداً له، وتغيّرنا إلى فضائلك، لكي نمشي معك ونثبت فيك. ساعدنا لكي لا نفارقك، بل نتبعك في كل حين حتى تغيّرنا إلى صورتك المتواضعة الوديعة.الصلاة:

السؤال 119 : ما هو نير المسيح الخاص الذي يحمّلنا إياه؟

التلاميذ يقطفون السّنابل يوم السبت

( 12: 1-8)

12: 1  فِي ذلِكَ الْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي السَّبْتِ بَيْنَ الّزُرُوعِ، فَجَاعَ تَلامِيذُهُ وَابْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ. (2) فَالْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ: هُوَذَا تَلامِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لا يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السَّبْتِ!  (3) فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ،(4) كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللّهِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلا لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ؟ (5) أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ الْكَهَنَةَ فِي السَّبْتِ فِي الْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ السَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟ (6) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ! (7) فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لا ذَبِيحَةً لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى الأَبْرِيَاءِ! (8) فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضاً.

 (خر20: 10، لا24: 9، 1صمو21: 7، هوشع6:6، مر2: 23-28، لو6: 1-5)

جاع تلاميذ المسيح لأنهم كانوا فقراء الحال لا ثروة لهم، لأنهم كانوا يصلّون إلى أبيهم «خبزنا كفافنا أعطنا اليوم». كانوا متّكلين على الله وعنايته اليومية، مؤمنين أنه يصيّر قلوب الناس جداول المياه.

عندما كان التلاميذ ينتظرون عطايا الله، قطفوا، بسبب جوعهم، بعض السنابل من الحقول. إن هذا لا يُعدُّ سرقة، لأن شريعة العهد القديم أجازت في حال الجوع أخذ الضروري من الطعام. لكن الجَمْع في الجيوب والأوعية هذا الذي يُعتبر سرقة. أما في العهد الجديد، فيستحسن أن لا نلمس البتة ما هو للآخرين.

لم يشتك الفريسيون على التلاميذ لأجل قطف السنابل، بل لأنهم أخذوها في يوم السبت وفركوها، فحسبوا هذا العمل حراماً وتعدّياً على راحة وقداسة السبت، ومستحقاً الموت. كان حفظ يوم السبت من أعظم الرموز التي تربطهم لعهدهم مع الرب الذي فصلهم وميزهم عن سائر الشعوب.

لكن المسيح وبحكمته بيَّن لهم بسرد أمثلة عن داود والكهنة، أن وصيَّة محبة الله والناس أعظم من حفظ وصية السبت. بهذا شبَّه تلاميذه بكهنة وملوك، لأن هؤلاء المساكين بالروح هم في الحقيقة ملوك وكهنة لله، وينتمون إلى العهد الجديد الذي له أحكام متغيرة عن سابقه. هكذا سمَّى المسيح نفسه رب السبت، لأنه أتى بشريعة جديدة هي شريعة المحبة. يعلّمنا المشرِّع السماوي في هذه الشريعة أن الإنسان لا يتبرر بحفظ الوصايا، بل بنعمة دم حمَل الله وحده. إن تعاليم المسيح تحرّرنا لنخدم بمحبة وفرح حتى في يوم السبت. فالمحبة هي التي تقدّسنا.

إن العلامة البارزة أن المسيحيين ليسوا تحت كابوس الشريعة وأحكامها، هي حفظهم ليوم الأحد بدلا من يوم السبت، اليوم الذي قام فيه المسيح من قبره منتصراً على الموت. إن الأحد هو رمز الحياة الإلهية، الظاهرة في قيامة المسيح، وهو خدم في نفس الوقت بل صك حريتنا من متطلبات شريعة موسى. نحن نعلم أننا لا نتبرر بحفظ السبت ولا الأحد، لأنه ملعون من يقصد التبرير بالشريعة، لكن من يشترك في حياة المسيح يحيا ويتقدس في كل يوم ويدوم إلى الأبد، فليست الأيام هي المقدسة، في المسيحية، بل المؤمنين ذاتهم هم المقدسون. إن المسيح لا يقدس الأوقات والأزمنة، بل يقدس أتباعه حتى يسلكوا وهم قدّيسون كل أيام الأسبوع وليس في يومي السبت أو الاحد.

أيها الآب السماوي، نشكرك من صميم قلوبنا، لأنك قدستنا وحررتنا من العبادات الشّكلية. مجداً لك لأنك معنا كل يوم في وسط أعمالنا. تملأ ساعات حياتنا بمحبتك. ساعدنا لكي تتبلور قوة قيامة ابنك في حياتنا كي نسلك في جدة الحياة أحياء إلى الأبد. آمين . الصلاة:

السؤال 120 : كيف يكون المسيح رباً ليوم السبت؟

شفاء اليد اليابسة يوم السبت والتشاور على قتل يسوع

( 12: 9-21)

12: 9 ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى مَجْمَعِهِمْ، (10) وَإِذَا إِنْسَانٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ، فَسَأَلُوهُ: هَلْ يَحِلُّ الإِبْرَاءُ فِي السُّبُوتِ؟  لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. (11) فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هذَا فِي السَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟ (12) فَالإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْخَرُوفِ! إِذاً يَحِلُّ فِعْلُ الْخَيْرِ فِي السُّبُوتِ! (13) ثُمَّ قَالَ لِلإِنْسَانِ: مُدَّ يَدَكَ فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى.                              (مر3: 1-6؛ 14: 3-5،  لو6: 6-11)

تربَّص الفريسيون بالمسيح لأنه اعتبر المحبة العاملة أفضل من الحفظ الشكلي للطقوس والشرائع، لم يفتحوا قلوبهم لروح المسيح كي يدركوا قصده السامي. إن المتعصِّب والمتمسِّك بتقاليد طائفته، لا يستطيع عادة إدراك الحقيقة كما هي، فيَصِل إلى درجة أن يعامل الحيوان أفضل من الإنسان.

أفحم المسيح بحكمته، كمشرع للشريعة، جموع الأصوليين وأراهم من خلال أمثلة عملية من وسط الحياة أنهم مراؤون، وأن الشريعة تسمح حتى في يوم السبت بخدمات المحبة والحياة. إن المحبة القدوسة أعظم من السبت، وأعظم من التمييز بين عمل المحبة وحفظ السبت التقليدي. أمر المسيح الرجل المريض أن يمد يده، فآمن بكلمة يسوع وأطاع صوته، فمدَّ يده وأصبح قادراً على تحريك أصابعه، ثم رفع يده ليمجد الله واستخدمها لكسب قوته اليومي وكسوته بعد أن كانت مشلولة لا حياة فيها. إن المسيح يمنح عطاياه للمساكين كما كان من قبل. ونتيجة شفائه من المرض مجد المتعافي ربه، وجميع الذين راقبوا هذه المعجزة سبحوا رحمة الله، باستثناء المتدينين الذين تمسكوا بحرفية الشريعة ولم يدركوا معانيها المُفرحة ولم يشتركوا في الفرحة العامة، بل حلَّت الضغينة على قلوبهم، لأن المسيح أبرز رياءهم، وكشف نوايا قلوبهم أمام الجميع. اجتمع هؤلاء المتدينون وأصدروا قراراً بضرورة قتل يسوع الناصري الذي أصبح يشكل خطراً عليهم؛ على مركزهم الديني وعلى احترام الناس لهم. فضلوا حفظ شريعتهم حسب تفاسيرهم عن عمل الخير والإحسان، فأخطأوا في هدف وغاية الشريعة ألا وهي محبة الله القدوسة.

لم يتخذ الأصوليون قرار قتل المسيح فحسب لأنه قَبِل ألقاباً مميزة “ابن داوود” أو “ابن الله” أو حتى “الرب“، بل لأنه شفى المريض يوم السبت كشف على اضمحلال شريعتهم وإشراق عهد جديد، عهد المحبة الحقيقية.

في أيامنا هذه، يقف المرء متسائلا باستمرار عما هو “حلال وحرام؟” ما هو صحيح وما هو باطل؟ إننا لا نجد في الكتاب المقدس جوابا كافياً شافياً على كل سؤال. فكل مؤمن يحتاج إلى روح التمييز وروح المحبة والإستقامة، ونسأل الرب يسوع أن يعطينا جواباً على أسئلتنا لنتبعه في خطواته حتى إذا لزم الأمر معارضة الآراء السائدة في العائلة لننفذ إرادة المسيح في سبيل المحبة.

لم يَخْشَ المسيح أعداءه، بل كشف عن خبثهم وغبائهم، طلب منهم قليلاً من التفكير، لأن لا أحد منهم يتأخر عن إنقاذ خروفه إذا سقط يوم السبت في بئر، لأنه سيعمل المستحيل على إنقاذه. فالإنسان من حيث كيانه أفضل جداً من أفضل الحيوانات غير الناطقة وأكثر قيمة. فالإنسان خليقة عاقلة، قادر على معرفة الله ومحبته وتمجيده، ولذلك فهو أفضل من الخروف, لهذا فإن ذبيحة الخروف لا يمكن أن تكفِّر عن خطيئة النفس.

أيها الأب السماوي، نعظمك لأنك حررتنا من جمود الشرير لخدمات المحبة، فالمسيح فسر لنا عبادتك من خلال معاملاته. ساعدنا كي نعرف في كل حين ماهي إرادتك، ما هو الحق والباطل، حتى نسلك في خطوات ابنك الحبيب. الصلاة:

السؤال 121: لماذا حكم المتدينون على المسيح بالموت؟

12: 14 فَلَمَّا خَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ، (15) فَعَلِمَ يَسُوعُ وَانْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعاً. (16) وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ، (17) لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: (18) هُوَذَا فَتَايَ الَّذِي اخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ. (19) لا يُخَاصِمُ وَلا يَصِيحُ، وَلا يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ.   (20) قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لا يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لا يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ.     (21) وَعَلَى اسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ الأُمَمِ.

 (إشعياء42: 1-4، مر3: 12، لو6: 17-19، أعمال3: 13-26)

حكم المتدينون على المسيح بالموت، لأنه برهن أن عمل المحبة هيمن ونسخ  تفسيرهم للتوراة، فشعروا كأن السماء تقتحم دنياهم الضيقة. لم يستطيعوا مواصلة الكفاح بالمنطق، فلجأوا إلى العنف. إن أعداء الله، منذ بداية عمل يسوع رفضوه وقرروا إبادته.

تراجُع المسيح ليس خوفاً من الموت ، لكن ساعته لم تأتِ بعد، إذ كان لا يزال في برنامجه أعمالاً جليلة ليتممها. منذ هذا الوقت، عاش المسيح مُضطهدا ومنعزلاً. خدم على انفراد بهدوء وبلا ضجيج. شفى بكلمته القوية المرضى، الذين جاءوا إليه بإيمان واثقين بقدرته أنه المنقذ الرحيم. لم يطلب شهرة لنفسه، إذ منع المشفيين من أن يذكروا إسمه لكي لا يتهافت عليه الفضوليون لمشاهدة العجائب والآيات والإيمان بها دون أن تتحرك قلوبهم ومشاعرهم. طلب يسوع الجياع إلى البر والمشتاقين إلى الصفاء الروحي، وأما المتعصّبون السطحيون فلم يجدوا فيه عوناً أو تعزية.

إن كان الحكماء والصالحون يطمعون في عمل الخير فإنهم لا يطمعون في أن يتحدث عنه الناس، لأنهم لا يسعون إلى مدح الناس بل إلى رضاء الله. وفي وقت الآلام والإضطهاد إن كان يُطلب منا أن نستمر في تأدية واجبنا بكل جرأة وشجاعة إلا أننا ينبغي أن نتحين الفرص المناسبة لتأديته بحيث لا نزيد اشتعال غضب من يتحينون الفرصة ضدنا أكثر من اللازم “كونوا حكماء كالحيات“.

يُعتبر المسيح أنه هو لطف الله، الوديع والمتواضع، لأنه مولود من روح الله. لقد تنبأ عنه إشعياء قبل ولادته ب 700 سنة، أن الله سيرسل إلى العالم فتاه الحبيب، الذي يثبت في مسرته ممتلئاً بروحه. إن في تواضع المسيح ولطفه ندرك أشعة من وحدة الثالوث الأقدس، لأن الله وروحه وابنه يتحدون معاً لهدف وغاية واحدة ألاَّ وهي نشر الحق والمحبة في كل العالم.

لم يخاصم المسيح من أجل حقه، ولم يصرخ على عدوّه بصوت عالٍ ليُخرسه، بل ترك، لمن سأله، ثوبه والرداء أيضاً. بارك مضايقيه، وأحب أعداءه. إذا وجدت شرارة رجاء في بائس، شجِّعْهُ إلى إيمانٍ خالٍ من الخوف والشك، فقوة نصرته الروحية تمتد إلى كل الشعوب، ونوره يخترق ظلماتنا. نعرف أنه سينتصر أخيراً، لأنه أسس دعائم انتصاره على الصليب. فانتصاره كنهر عريض يروي صحراء دنيانا. المسيح هو الرجاء الوحيد لعالمنا المضطرب.

حقد اليهود على يسوع، ليس لأنه انتقد تمسكهم بتقليد السبت، بل لأنه قدم محبته للأمم وفتح باب الخلاص على مصراعيه للجميع بعدما كان مُغلَّقاً في وجههم. فليس المسيح بالعنصري والمتطرف الذي يفضل جنساً أو عرقاً على آخر، بل خدم الجميع وأحبهم بالتساوي وبذل نفسه فداءهم. غضب اليهود على  محبة المسيح الخالصة معتقدين أن عهدهم مع الرب و مصالحتهم معه تتوقف عليهم وحدهم، وكل من يتخطى أو يتجاوز هذه الحدود يجب رجمه.

أيها الآب، نشكرك لأنك أعلنت نوعية ألوهيتك في يسوع، وأكملت برَّ العالم على الصليب. نسجد لك بهتاف، ونلتمس منك وداعة محبة ابنك، كيلا نتخاصم ونصرخ، بل نسلّم إليك كل مشاكلنا. نعيش في ثقة كاملة، ونختبر أنك ترشدنا لخدمات تبشيرية رغم مُضايقينا.الصلاة:

السؤال 122: بماذا تنبَّأ النبي إشعياء عن يسوع في الأصحاح ( 42: 1-4) ؟

التجديف على الروح القدس

( 12: 22-37)

12: 22 حِينَئِذٍ أُحْضِرَ إِلَيْهِ مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَسُ فَشَفَاهُ، حَتَّى إِنَّ الأَعْمَى الأَخْرَسَ تَكَلَّمَ وَأَبْصَرَ. (23) فَبُهِتَ كُلُّ الْجُمُوعِ وَقَالُوا: أَلَعَلَّ هذَا هُوَ ابْنُ دَاوُدَ؟  (24) أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: هذَا لا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ.

(مر3: 22-37، لو11: 14-23، يو7: 42)

أعلن المسيح سلطانه تدريجياً، فلم يكن مرض الأخرس الأعمى الذي قدموه إليه طارئاً، بل نتيجة استعباد الأرواح النجسة له. مع ذلك فقد نال الشفاء بكلمة يسوع الصادرة منه بمحبة وحنان، حالما جاءوا به إلى المسيح المنتصر القدير. إن كل روح عدا الروح القدس يُهلك الإنسان ويضعفه. وهذا يحدث نتيجة التقوى المزيفة. كان الفريسيون متدينين إلى درجة مبالغ فيها، إذ وصلت بهم تقواهم إلى إرضاء الله بقوتهم وقرابينهم وتدقيقهم المبالغ في القوانين، فقدوا الحس تجاه البسطاء والمساكين، وانفتحوا للإستكبار الروحي، وهو روح الشيطان بالذات. لأنه من يظن نفسه صالحاً أكثر من الآخرين، يكون بالحقيقة أعمى وغير مدرك لخبثه الخاص، لكن من ينل من يسوع بصيرة روحية، ينسحق ويتب، يتحرّر كلياً من كبريائه.

كان الفريسيون يدعون أنهم أكثر علماً بالناموس وأكثر غيرة عليه من سائر الشعب، ومع ذلك كانوا ألد الأعداء للمسيح وتعاليمه كانوا يفخرون بما حصلوا عليه من شهرة بين الشعب. وهذه قد زادت من كبريائهم، وعظمت سلطتهم، وملأت جيوبهم. وحينما سمعوا الجموع يقولون “ألعل هذا هو ابن داود” اغتاظوا من هذا جداً أكثر من غيظهم من المعجزة نفسها، فإن هذا جعلهم يغارون من المسيح، وبالتالي أدركوا أنه كلما ازداد احترام الناس له نقص احترامهم لهم بطبيعة الحال، لذلك حسدوه كما حسد شاول داود بسبب النشيد الذي تغنت له به النساء (1صم18: 7و8).

شعر الشعب البسيط المتواضع أن يسوع هو ابن داود المسيح الموعود. لكن الفريسيين لم يفرحوا بشفاء الأعمى الأخرس، بل شتموا المسيح واتهموه بأنه متعاهد مع رئيس الشياطين. وصاروا بممارسة برِّهم الناموسي قُساة القلوب، فظنوا أنهم يخدمون الله، بينما كانوا معارضين لروحه القدوس. كانت حياة  الإيمان فيهم مقدسة وكان لهم إخلاص للشريعة، لكن هذا الإيمان والإخلاص كانا يفتقدان للمحبة والرحمة. فأصبحت عبادتهم كلها شيطانية، لأن إبليس يحول نفسه إلى ملاك النور بينماهو رئيس الظلمة بالذات.

أيها الآب السماوي، نشكرك من صميم فؤادنا، لأن ابنك يسوع شفى كل المرضى، الأخرس، الأعمى، المجنون . . . ما أعظم قدرة محبتك. اغفر لنا إذا كنا لم نتألم مع الآخرين في ضيقاتهم وأحزانهم، اجعلنا أن لا نفرح في قمة غضبهم وانزعاجهم. املأنا بالمحبة حتى نشعر بحاجات زملائنا ونستمد منك قوة وعوناً لأجلهم. ارحم الشعب الأخرس والأعمى روحياً، لأنه حلت فيه أرواح نجسة وقليلون هم الذين  يبالون بحالتهم الروحية. أعنَّا على مساعدة الآخرين وتشجيعهم. الصلاة:

السؤال 123: لماذا اتهم المتدينون من اليهود يسوع بأنه يخرج الأرواح بمساعدة رئيس الأبالسة؟

12: 25 فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ. (26) فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يُخْرِجُ الشَّيْطَانَ فَقَدِ انْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ (27) وَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ! (28) وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللّهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللّهِ! (29) أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ الْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَّوَلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟ (30) مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.                                  (إشعياء49: 24، مر9: 40، 1يو3: 8)

إن المسيح يعلم ما نفكر فيه في أي وقت، يحاول أن يوضح لمبغضيه أن اتهامهم له بالتعاون مع رئيس الشياطين قول تافه، لا أساس له من الصحة. فقدم لهم أربع أدلة منطقية ليفتح بها أذهانهم. فالمسيح لم يرفضهم أو يبغضهم أو حتى يلعنهم بل تقرب منهم ليوضح لهم ويفتح أعين قلوبهم.

كانت إجابة المسيح على هذه التهمة قوية ومقنعة لكي يسد كل فم بالحجة والبرهان قبل أن يسد بالنار والكبريت. نرى المسيح هنا يؤكد سخافة هذا التفكير، أمر غريب جداً وغير قابل للتصديق مطلقاً أن يخرج الشيطان بمحالفة كهذه، إذ يترتب عليها أن مملكة الشيطان تصبح “منقسمة على ذاتها” وهذا أمر لا يمكن تصوره نظراً لدهاء الشيطان الشديد.

هنا تبسط امامنا قاعدة معروفة، وهي أن الخراب العام في كل الجماعات هو نتيجة الإنقسامات المتبادلة “كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب” وكذلك كل أسرة. قال أحد الحكماء “تبقى الأسرة قوية والجماعات ثابتة طالما كانت العداوات والإنقسامات لا تقوض أركانها”. إن الإنقسامات تنتهي عادة بالخراب. إذا تصادمنا نتحطّم، وإذا انقسمنا بعضنا على بعض أصبحنا فريسة سهلة للعدو المشترك. وبالأحرى “إذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضاً فانظروا لئلاَّ تفنوا بعضكم بعضاً” (غلاطية5: 15).

أوضح المسيح للجمهور أن البيت المنشق على ذاته لا يدوم، فلا يخرج الشيطان شيطاناً، وإن إخراج الآخرين للأرواح النجسة باسم رب الأحد لم يكن بمعية ومساعدة من رئيس الأبالسة.

أظهر لهم المسيح أنه قادر على ربط الأرواح النجسة وطردها بصفة نهائية، لأنه أقوى منهم ومن رئيسهم. أعلن لهم المسيح أن إخراجه للشياطين بقوة روح الله يدل على اقتراب ملكوت السموات. فكل من يُفكر ويعقل يستطيع أن يفهم ويدرك، ومن يدرك يستطيع أن يتيقن. غير أن المتدينين كانوا ملبوسين من الأرواح الشريرة، كما كانت قلوبهم مُتحجّرة ومتقسّية على المخلص الوحيد، لهذا لم يدركوا أقوال المسيح ولم يحصلوا على خلاصه ورحمته.

إن أرواح جهنم واحدة حتى لوظهرت مختلفة في أوروبا وآسيا أوأفريقيا. قد تفسد في أميركا بطريقة مغايرة لإفسادها في الشرق الأوسط. وأحياناً تتحارب المذاهب والأحزاب الشيطانية معاً، لكنها بالحقيقة تشترك في خراب أنفس الملايين وإهلاكها، منشئة فيهم حب المال والشهوات الدنسة والحروب المبيدة. هدفها في كل هذه البلايا تقسّي القلوب ضد روح الله، ودمار الضمائر.

أبصر البشير يوحنا، في رؤية، صورة الشيطان الذي له سبعة رؤوس، وكل رأس يتكلم بلسان وكذبة خاصة. غير أن كل الرؤوس كانت منسجمة ومتحدة ضد المخلص يسوع. للأسف يحاول بعض الناس شفاء أنفسهم عن طريق الإتصال بالأرواح الرديئة التي لا تعود بالنفع لا عليهم ولا على أقربائهم. بيد أن هذا الإتصال لا يعني تحرراً حقاً، لأن الإنسان الذي يذهب إلى العرَّافين أو ضاربي المندَل أو السّحَرة، لا يتحرر ولا يحصل على العون، بل يرتبط في أعماق باطنه أكثر، ويصبح من مواطني جهنم.

أما المسيح، فبروح الله القوي، يربط ويخرج أرواح جهنم من الملبوسين. الحمد لله لأنه توجد قوة أقوى من كل السلطات السُّفلية والإرتباطات في المذاهب المضلة، وهذه القوة العظمى هي الله بالذات في الروح القدس، الذي يمجد المسيح ودمه. إن هذا الروح الطاهر يؤكد لنا أن المخلِّص يسوع قد غلب الشيطان وأتباعه على الصليب وجرَّده من سلطانه. فالمسيح هو المنتصر الفريد، ومن يلتصق به يتحرر من قيود الخطيئة وادعاءات جهنم، ويُحفظ من تأثيرها إلى الأبد. ويرمز تحرير الملبوسين إلى اقتراب ملكوت السموات.

إن سلطان المسيح أعظم مما ندرك، لأنه يملك اليوم في السماء وعلى الأرض، يخلّص أفراداً وأفواجاً في كل القارات. آمن معنا أن يسوع قد غلب كل روح شرير في أُمَّتنا، ويحرر كثيرين من سلاسلهم، وينجِّيهم من البُخل والدعارة والتعصُّب والاستكبار، ليخضعوا له بفرح واطمئنان.

كان القصد من إنجيل المسيح أن يحطم بيت الشيطان الذي حفظه في العالم كشخصية قوية، ان يحول البشر “من ظلمات إلى نور” من الخطيئة إلى القداسة، من هذا العالم إلى عالم أفضل، “من سلطان الشيطان إلى الله” (أعمال26: 18)، أن ينقل ملكية النفوس.

انتزع المسيح السيف من يد الشيطان حينما أخرج الأرواح النجسة بكلمته، لكي ينتزع منه سلطانه. تعلمنا تعاليم المسيح كيف نفسر معجزاته، فعندما بيّن كيف استطاع إخراج الشياطين من أجساد البشر بكل سهولة واقتدار فإنه بذلك يشجع كل المؤمنين لكي يثقوا بانه مهما اشتدت قوة الشيطان التي يعبث بها في نفوس البشر فإن المسيح بنعمته يستطيع أن يربطه. عندما رجعت الأمم من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الحي، عندما تبرر وتقدس بعض من أشر الخطاة وأصبحوا من أعظم القديسين، حينئذ نهب المسيح بيت الشيطان. وسوف نرى أنه سينهبه أكثر فأكثر.

يُفهم ضمنياً أن هذه الحرب المقدسة التي شنها المسيح بعنف ضد الشيطان ومملكته كانت بحيث لا تسمح بالحياد “من ليس معي فهو عليّ) لقد تعلمنا أنه في الخلافات البسيطة التي قد تنشأ بين تلاميذ المسيح ينبغي علينا أن نلطِّف من شأن المسائل المختلف عليها وأن نسعى للسلام بأن نحسب “من ليس علينا” أنه معنا (لو9: 50). أما في الخصومة الشديدة القائمة بين المسيح والشيطان فينبغي أن لا نفكر في السلام، كما ينبغي أن لا نلتمس المعاذير لمن يقف على الحياد، فإن من لم يكن مع المسيح من كل القلب فهو عليه، ومن كان بارداً بإزاء قضية المسيح نُظر إليه كعدو.

هل تشترك في هذا الكفاح بإيمانك وصلواتك وإرادتك؟ هل أنت للمسيح ومعه أم ضده؟ إن كل من لا يشاركه في جهاده الحسن يصبح عدوه ومهلكاً لذاته. إن كل من يشترك في هذا الجهاد الروحي عليه أن يعترف أولاً بكل خطاياه أمام الرب، ويعيش مع عائلته تحت حماية دم يسوع المسيح، ويسلك وديعاً متواضع القلب، فلا يجد الشرير مسلكاً إليه.

نعظمك أيها الآب السماوي لأن ابنك لبس سلطانه بعد انتصاره على إبليس، ويحرر اليوم بروحه القدوس أناساً من قيودهم الشيطانية، وآثامهم النجسة، وعماهم الأسود. نؤمن بنصره بيننا، ونشكرك لفوزه بتهلل، ليتحرر كثيرون من اعتقادهم الضال. فينشأ فيهم الإيمان المبني على المحبة والصليب والتضحية. الصلاة:

السؤال 124: ماذا فهمت من جهنم ونصرة المسيح؟

12: 31 لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. (32) وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي.

 (مر3: 22-30، لو12: 10، 1تيمو1: 13، عب6: 4-6؛ 10-12)

ميَّز المسيح بين الخطايا. سمَّى عدم الإيمان في كفر ناحوم أنجس من لوطية أهل سدوم. وأعلن أيضاً أن الخطيئة ضد الروح القدس هي أعظم تعدٍّ على مجد الله، وهذه الخطيئة لن تُغفر إلى الأبد.

إن كل خطيئة ضد المسيح وكنيسته والناس وضد أنفسنا تُغفر كاملاً بنعمة الله، إن ارتكبناها عن غير قصد وتسرُّع، كما حدث من شاول قبل اهتدائه، الذي ساق أتباع المسيح إلى السجون، والارتداد، وسلَّمهم إلى الموت. اعترض المسيح بنفسه طريق شاول، وقال له: «شاول شاول، لماذا تضطهدني؟!» فكل خطيئة ارتكبتها قبل حلول الروح القدس فيك قابلة للغفران. كما صلَّى المسيح على الصليب لأجل قاتليه: «يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون». هو لم يهلك اليهود لأجل صلب المسيح، بل لأنهم رفضوا بعدئذ عمل الروح القدس فيهم، واستهانوا دائماً بأقوال الرسل دائماً. رفضوا روح الله قصداً وعنوة. أما أعمال المسيح فكانت ظاهرة جلياً أمام أم أبصارهم، حتى أدركه البسطاء بسهولة. فمن يدِّعي أن عمل المسيح شيطاني، يدل بذلك على نفسه أنه خبيث حقود. لأن المسيح هو المحبة والصبر والوداعة والعفة بالذات. فمن يسميه ملبوساً بروح شرير، يشهد على نفسه أنه ملبوس، لأن روح الشيطان يجدِّف دائماً على وحدة الثالوث الأقدس.

قال أحد المفسرين ان المسيح لم يتحدث عما قيل أو عُمل وقتئذ، بل عما سيرتكب مستقبلاً    (مر3: 28، لو12: 10)، أما من جدفوا على المسيح حينما كان هنا على الأرض ودعوه “شريب خمر” و”المضل”و “المجدف”، وأمثال هذه، فقد يلتمس لهم بعض العذر بسبب اتضاعه في مظهره، وتحامل الأمة عليه، ولأن برهان رسالته الإلهية لم يكن قد أكتمل بعد إلا بعد الصّعود. لذلك فإنهم بالتوبة يغفر لهم والارجح أنهم قد اقتنعوا عند سكب الروح القدس، كما حصل للكثيرين من قاتليه الخونة.

ولكن إن كانوا بعد منح الروح القدس، بمواهبه الداخلية، روح الإعلان والتكلم بألسنة وغير ذلك، قد ظلوا في التجديف على الروح القدس كروح شرير فلا رجاء لهم، ولا ينتظر أنهم قد آمنوا بالمسيح.

إن الذي يقاوم الروح القدس بعد اختباره قوة حياته ويحاربه ويقسي نفسه ضد صوته الحنون، ليس له غفران فيما بعد. تحذِّرنا الرسالة إلى العبرانيين من مثل هذا التّقسي، قائلة: «اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسُّوا قلوبكم». فحيث يعلن الله ذاته لك في الإنجيل بتأثير روحه، لا يبقى لك إلا اختيار أحد أمرين: الرفض أو التّسليم. فهل سلمت نفسك نهائياً إلى مخلصك يسوع؟

أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك أحببت اعداءك ودعوتهم إليك. أحمدك لأنك تحبني وأنا خاطئ، غفرت كل آثامي ومسحتني بروحك القدوس، احفظني من التقسي ضد مقاصد روحك المعزي، واحمني من الإرتداد أو التجديف. أسلم نفسي كلياً بين يديك، وأتهلل مع كل القديسين واثقاً بدمك الثمين. نطلب منك أن تنجي زملاءنا وأقرباءنا من التقسي، وتقودهم إلى توبة الإيمان والحياة الأبدية في الروح القدوس. الصلاة:

السؤال 125: كيف نُحفظ من الخطيئة ضد الروح القدس؟

12: 33 اِجْعَلُوا الشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً، أَوِ اجْعَلُوا الشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً، لأَنْ مِنَ الثَّمَرِ تُعْرَفُ الشَّجَرَةُ. (34) يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. (35) اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْبِ يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ. (36) وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ الدِّينِ. (37) لأَنَّكَ بِكَلامِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ.                      (لو6: 43-45، يعقوب3: 6، يهوذا 15)

إن زرعت بذرة مشمش لا تنبت منها شجرة نخيل، فمن الواضح أن سلوك الإنسان وكلماته تكشف داخله. إن كلماتك تعبّر عما في قلبك من غضب أو فرح.

القلب هو الأصل أو الشجرة، واللغة هي الثمار. إن كانت طبيعة الشجرة جيدة كانت الثمار بالتالي طيبة. وحيثما كانت النعمة هي المتملكة على القلب، كانت اللغة هي لغة البنيان. وبالعكس حيثما كانت الشهوة هي المتملِّكة على القلب، فإن الكلمات لا بد أن تفضحها. والرئتان المريضتان تجعلان التنفس سقيماً. ولغة البشر تظهر المملكة التي ينتمون إليها، كما تظهر من أي روح هم. “اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدا”، اجعلوا القلب طاهراً وحينئذ تكون الشفتان طاهرتين والحياة طاهرة، او “اجعلوا الشجرة رديئة وثمرها رديئاً”. نستطيع أن نجعل شجرة برية شجرة جيدة بتطعيمها بشجرة جيدة، وبعدئذ تصبح الثمار جيدة، لكن إن ظلت الشجرة كما هي ظل الثمر رديئاً مهما زرعتها في أجود تربة ورويتها بأكثر كمية من المياه. فالحياة لن تتجدد مالم يتغير القلب.

كان هؤلاء الفريسيون يخجلون من إظهار أفكارهم الشريرة التي فكروا بها عن يسوع المسيح، لكن المسيح يظهر هنا ضمناً أنهم عبثاً يحاولون إخفاء أصل المرارة الذي في قلوبهم إن كانوا لايسعون لإماتته.

أي امرئ يمكن أن يأتي بكلمات صالحة فقط؟ لا أحد! لأنه ليس أحد من يعمل صلاحاً لا أحد. ومن قلوبنا تخرج أفكار شريرة، كالزنى والدعارة والقتل والكذب والسرقة والاستكبار والبُغضة والانتقام. وهذه الأفكار تشكّل كلماتنا، التي هي ترجمان لفسادنا. فالمسيح كشف حالنا بقوله: يا أولاد الأفاعي، كيف تقدرون التكلُّم بالصالحات وأنتم أشرار في نواياكم؟ كل من لم يولد من روح الله، يسيطر عليه إبليس ليكون واحداً من أتباعه، فيمتلئ شراً وحقداً، ولا يصدر منه أي فكر صالح أو أي عمل مبني على الحق.

لكن عندما يطهِّر دم المسيح شعورك الباطني، ويتمركز الروح القدس في قلبك، تصبح فرحاً محباً طاهراً، صانعاً سلاماً. ليست هذه الثمار ليست منك، بل من روح الله العامل فيك. والمسيح هو الكرمة ونحن الأغصان، وكل ثمار صالحة تخرج منَّا فهي منه، لأنه هو الكنز الصالح في قلوبنا.

لا تنس أن الله يسجِّل كل كلمة تخرج من فمك. وكما يستطيع الإنسان أن يسجِّل بطريقة سرِّية الأحاديث الدائرة بين الناس بآلات التسجيل، فالله يملك أكبر قدرة لالتقاط وسوساتك ومبالغاتك ونجاساتك ويسجلها عليك. في الأبدية ستُدان، وتسمع كل كلمة نطَقت بها على الأرض في حضرة القُدّوس والآخرين. سيغمرك الخجل بلا حدود، وتفضِّل لو أنشقت الأرض وبلعتك من أن تراك الأعين!

إن نوع احاديثنا، صالحة كانت أو غير صالحة، سوف يكون شاهداً لنا أو علينا في ذلك اليوم العظيم. فالذين يظهرون بأنهم متدينون، ولكنهم لا يلجمون ألسنتهم، سوف يفتضح أمرهم بأنهم قد خدعوا ذواتهم بارتداء ثوب الديانة الكاذب (يعقوب1: 26).

لكن إن آمنت بقدرة دم المسيح، واعترفت بذنوبك كلها، إنه يمحو بفضله كل كلماتك الشريرة كما تُمحَى التسجيلات من أشرطة التسجيل، ولا يبقى بعد ذلك إلا صلواتك الحارة، وشهاداتك الطيبة، وكلماتك الصالحة البنّاءة. إن إيمانك يظهر في كلماتك، وهو يبررك في الدينونة العظيمة. والشرير لن يجد لنفسه قوة وحقاً فيك، لأنك قد اتحدت مع المسيح الذي حمل خطاياك. لقد بررك مجاناً وطهرك على الإطلاق.

نعظِّمك أيها الرب يسوع، لأنك تغفر لنا جميع كلماتنا الملتوية وأخطائنا، وتنظِّف شعورنا الباطني لنفكر أفكاراً طاهرة، ونحب كل الناس، ونعيش في سلام تام. احفظنا من الكبرياء ومعارضة صوتك ومشيئتك، لنطيعك ونعمل إرادتك في حياتنا اليومية.الصلاة:

السؤال 126 : من هم أولاد الأفاعي، ومن هو الإنسان الصالح؟

آية يونان النبي

( 12: 38-45)

12: 38 حِينَئِذٍ قَالَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ: يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً(39) فَقَالَ لَهُمْ: جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. (40) لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَالٍ، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْبِ الأَرْضِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاثَ لَيَالٍ. (41) رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! (42) مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأََرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ ههُنَا!                                (يونان2: 1، مر8: 11-12، لو11: 29-32، أف4: 9، 1بط3: 19)

طلب اليهود من المسيح معجزة، لا بدافع الثقة والمحبة، بل بهدف التجربة، لكي لا يضطروا للإيمان بألوهيته. هكذا لا يريد البشر الإيمان، بل يطلبون البراهين المنطقية والأدلة الملموسة على وجود الله.

فلا يهتمون بالمسيح ولا يدركون الروح القدس. لا يستطيع أحد أن يبرهن وحدة الثالوث الأقدس  بسبب قساوة قلوبهم. وحتى نحن لا نؤمن بعقولنا أولا، بل محبة المسيح ألهمتنا الإيمان الذي هو هبة من الوحي الإلهي. فالإيمان يتطلب منَّا تجاسر ثقة عقولنا، وموافقة قلوبنا، لنتغلب على الشكوك النابعة من داخلنا.

فمن طبيعة الأشخاص المتكبرين أن يملوا إرادتهم على الله ثم يتخذون هذه حجة لعدم الولاء له. إن المسيح مستعد دائماً ليسمع ويستجيب الرغبات الطاهرة والصلوات البريئة، إلا أنه لا يمكن أن يحقق الشهوات الفاسدة والاميال المنحرفة، فالذين يطلبون ردياً لا يأخذون (يعقوب4: 3).

أعطى الله للناس العنيدين علامة خارقة، تفوق إدراكهم البشري واختباراتهم العملية، الا وهي قيامة المصلوب العظيمة. وهي التي دعيت هنا “آية يونان النبي”. كانت هذه باقية لإقناعهم، وكان مقصوداً بها أن تكون الحجة العظمى لإثبات أن المسيح هو المسيا، لأنه بها “تعين ابن الله بقوة”  (رو1: 4). لقد فاقت هذه الآية سائر الآيات، كملتها وتوجتها. “إذ لم يصدقوا” الآيات السابقة صدقوا هذه (خروج4: 9)، وإن لم تكف هذه لإقناعهم فلا يكفي أي شيء لإقناعهم. فكل من لا يؤمن بهذه الحادثة التاريخية، يكون ذا إرادة سيئة. بشّر المسيح بعد قيامته تلاميذه، نظير يونان الذي بعد خروجه من بطن الحوت، دعا أهل نينوى إلى التوبة. فظهورات المسيح وكلماته بعد قيامته، كانت البيان القاطع لألوهيته. وقد أعلن يسوع قبل موته أعجوبة قيامته العظمى أمام تلاميذه وأمام الشعب، لكي يؤمنوا به عند حدوثها.

رفض غالبية اليهود المسيح، مع أنه تكلَّم بسلطان إلهي. لكن كلماته الحنونة لم تدخل آذانهم، فتقسَّت قلوبهم. وهذا عكس ما عمله أهل نينوى الوثنيون، الذين قبلوا كلمة الله من يونان النبي بندامة وتابوا. أما اليهود فلم يرجعوا إلى ربهم رغم تجسُّد كلمته وحلوله بينهم. لذلك انتهى فيهم الشوق لمعرفة الحق، وظنُّوا أنهم وحدهم يعلمون شريعة موسى الحقّة، وأنهم أبرار كاملون.

يذكرنا الكتاب المقدس يذكِّرنا أن ملكة التيمن أتت من أقصى الجزيرة العربية إلى سليمان الحكيم، لتسمع حكمة الله التي في الملك. لكن اليهود القريبون من المسيح، رفضوا باستهزاء حكمة الله الكاملة التي تمثَّلت أمامهم.

فكيف هي حالتك؟ هل تشتاق إلى سماع كلمة المسيح؟ أتهزك عجائبه وقيامته العظيمة؟ هل تشتاق إلى حلول حكمة الله فيك، أم تجاري اليهود الذين قسوا قلوبهم وتمسكوا ببرهم الذاتي؟  هل أنت من الجيل الشرير، أم رجعت إلى ربك الحي مثل أهل نينوى، الذين عند سماعهم النداء للتوبة تابوا حقاً بدموع، وآمنوا بكلمة الله وخلصوا من غضبه المعلن ضدهم؟

يدعي البعض في أيامنا أن المسيح لم يبق ثلاثة أيام في القبر مثلما بقي يونان في بطن الحوت. واستدلوا بما جاء في إنجيل يوحنا بأن المسيح مات في ظهر يوم الجمعة، وقام فجر يوم الأحد.

إنه سؤال مهم، ونجيب هؤلاء المتسائلين بالتالي: عُهد في اللغة إطلاق الكل على الجزء، فيطلق اليوم على جزئه. ومعنى اليوم عند العبرانيين هو المساء والصباح، أو الليل والنهار. فمقدار الزمان المعبر عنه هنا بثلاثة أيام وثلاث ليال، الذي كان في الحقيقة يوماً كاملا وجزء من يومين آخرين وليلتين كاملتين، وسمي في أستير بثلاثة أيام وثلاث ليال. فورد في أستير ( أستير 4: 16) ” لا تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة أيام ليلاً ونهاراً” ثم ورد في ( 5: 1 ) ” وفي اليوم الثالث وقفت أستير في دار بيت الملك الداخلية” وحصل الفرج في هذا اليوم ومع ذلك فقد قيل عن هذه المدة ثلاثة أيام. وورد في  (سفر صموئيل الأول 30: 2 ) ” لأنه لم يأكل خبزاً ولا شرب ماء في ثلاثة أيام وثلاث ليال”. والحقيقة هي أن المدة لم تكن ثلاثة أيام بل أقل من ذلك، فإنه في اليوم الثالث أكل. كذلك ورد في ( أخبار الأيام الثاني 10: 5 ) “ارجعوا إلي بعد ثلاثة أيام” ثم ورد في ( آية 12 ) فجاء الشعب إلى يربعام في اليوم الثالث، فلم تمض ثلاثة أيام صحيحة بل مضى جزء منها. ومع ذلك ففهمت الأمة مراده. كذلك ورد في ( تكوين 42: 17و18) إطلاق ثلاثة أيام على جزء صغير منها، لأن يوسف كان كلم إخوته في أواخر اليوم الأول، واعتبر يوماً كاملاً، ثم مضى يوم واحد وكلمهم في اليوم الذي بعده، فاعتبروا ذلك ثلاثة أيام. وإذ توفي إنسان قبل غروب الشمس بنصف ساعة حسب له هذا اليوم يوماً كاملاً، مع أنه يكون قد مضى النهار بتمامه ولم يبق فيه سوى نصف ساعة فقط.

أيها الآب القدوس، اغفر لنا ميلنا إلى الأرواح المضادة لروحك الأمين، وامنحنا الإيمان الصحيح بابنك، وسامحنا على قساوة قلوبنا واحفظنا في رغبة الإستماع لإنجيلك. اجعلنا نتوب توبة حقة حالما نسمع نداءك مع كل المؤمنين بقيامتك المجيدة. الصلاة:

السؤال 127:  من هو الذي يخص الجيل الشرير الفاسق؟؟

12: 43 إِذَا خَرَجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، يَطْلُبُ رَاحَةً وَلا يَجِدُ. (44) ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ. فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ فَارِغاً مَكْنُوساً مُزَيَّناً. (45) ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ، فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ. هكَذَا يَكُونُ أَيْضاً لِهذَا الْجِيلِ الشَّرِّيرِ.

(لو11: 24-26، 2بط2: 20)

آمنت جماهير غفيرة من اليهود بالمسيح في بداية دعوته، وتأثرت بأقواله وأعماله، وتراكضت إلى رجل المحبة. وأنتج اقترابهم من المسيح تفكيراً جديداً فيهم. طرد روحُه الأرواحَ النجسة من عقولهم، فطهَّرتهم كلمة يسوع وقدَّستهم، إعداداً لحلول الروح القدس وثباته فيهم.

أما الأكثرية فلم تثبت في المسيح، بسبب تحذيرات رؤسائهم، وخوفهم من عقوبات الشريعة الصارمة، المقررة على المضل والذين أضلهم. فابتعدوا عن المسيح رويداً رويداً .

لقد كان عليهم أن يقرروا موقفهم بين أحكام التقليد ومحبة الله في يسوع، بين التبرير بالأعمال والتبرير بالنعمة، بين الروح القدس وأرواح هذا الدهر الشرير. فتركوا المسيح وخلاصه خوفاً من الناس. وهذا أكبر خطر على المؤمن الجديد: أن يرتد وينكر المسيح الحنون ليُرضي الناس. فيشبه هذا الإنسان المسكين ملبوساً كان شريراً سابقاً وتطهَّر بكرازة يسوع، لكنه بعد ذلك ترك مخلّصه الأمين، فهجمت عليه أرواح شريرة مضاعفة سبع مرات عن ذي قبل، ليصبح شريراً أكثر من قبل وابناً لجهنم.

لا تنس أنك بالنسبة لعلاقتك بالله، لست حراً ولا مستقلاً. فإما أن يملكك روح الله أو أروا ح  الشيطان. إذا تركت إيمانك بالمسيح عمداً، تأتي جهنم بهجوم عظيم وتقيِّدك وتقودك إلى كل شر ونجاسة.

اثبت في المسيح، واقبل صوته، وأطع إرشادات روحه. تُبْ عن خطاياك، ودع كلمة المسيح تُقدِّس تفكيرك، وتُنقِّي ضميرك إلى التمام. وإن التجأت إلى يسوع تمتلئ بقدرة روحه، وهذا الروح يملأ الفراغ الذي فيك ويرشدك إلى الإلتحاق بالمنجي الوحيد. أما إن بعدت عنه، فلا بد أن تسكنك الأرواح الشريرة.

أيها المخلص الأمين، نشكرك من صميم قلوبنا لأنك دعوتنا لخدمتك وكفرت عن خطايانا وطهرت قلوبنا وملأتنا بروحك القدوس حتى لا يجد إبليس حقا ولا قوة فينا. نطلب منك أن تنجي زملاءنا وأقرباءنا من قبضة الشرير كي يتوبوا ويقبلوك شاكرين، ويكملوا الإلتجاء إليك ليحل فيهم روح الحياة لئلاَّ يسقطوا فريسة للأرواح النجسة. ساعدنا حتى نسلم أنفسنا كاملة ونضعها بين يديك ونثبت في أمانتك.الصلاة:

السؤال 128: لماذا يستطيع الروح الشرير أن يرجع مع سبع أرواح أخرى إلى الذي أُخرج منه في السابق؟

أقرباء يسوع الحقيقيون

( 12: 46-50)

12: 46 وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ الْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ. (47) فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ 48فَأَجَابَهُ: مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟  (49) ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلامِيذِهِ وَقَالَ: هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي. (50) لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي.

(متى10: 37؛ 13: 15،  مر3: 31-35، لو2: 49؛ 8: 91-21، رو2: 11، رو8: 29)

كفَّ المسيح عن الإستمرار في الحديث مع الفريسيين لأنه رآى أنه لا فائدة من الحديث معهم. لكنه استمر يتحدث مع عامة الشعب الذين كانت لديهم رغبة في التّعلم إذ لم يكونوا مغرورين بمعرفتهم كالفريسيين.

بلغ الاضطهاد ضد يسوع أقساه حين ضغط اليهود على أهله ليوقفوا عمله التبشيري، وإلاَّ فليتحمَّلوا معه العقوبة ويُعزلوا عن الأمة. تَقَدم إخوة يسوع إلى أخيهم الأكبر، وربما رافقت الأم الإخوة لتهدَّئ الخلاف بينه وبينهم. أما المسيح فحلَّ المشكلة بحزم، منفصلاً عن عائلته جهاراً، مع الإحتفاظ بمحبته الفائقة لهم. مما يدل على بصيرة روحية بعيدة النظر. صرَّح يسوع أنه لم يعد مرتبطاً بعائلته الجسدية، بل ارتبط بتلاميذه أكثر في وحدة الروح القدس. واعتبرهم عائلة الله. كما أنه في اتضاعه لم يستح أن يدعو البشر إخوته. أي شرف أعطانا ابن الله بهذا اللّقب!وقد أثبت هذا الوعي في الصلاة الربانية، حيث سمى أباه “أبانا” وأثبت علاقتنا به بواسطة حلول الروح القدس، الذي جعلنا أولاداً لله. هل تؤمن أن الرب يسوع هو أخوك، وكيف تشكره على هذا الإمتياز الموهوب لك؟  بيد أن المسيح عقَّب على تلك الكلمة، بكلمة يرتاح لها كل قلب، وهي أنه حصر الأخوَّة في الذين يعملون إرادة أبيه الذي في السموات. فما هي إرادة الله؟ قال البشير يوحنا: هذه هي مشيئة الله، أن تؤمنوا بالذي أرسله وتقبلوه، وتسلّموا أنفسكم له وتتقدَّسوا. وهو يقودكم إلى أعمال محبته. فإن إرادة الله هي خلاصنا وقداستنا.

لم يشأ المسيح قطع حديثه بالخروج إلى عائلته، فقد كان منحصراً في خدمته حتى أنه لم يشأ أن يعطله عنها أية اعتبارات. عندما أجاب المسيح “من هي أمي ومن هم إخوتي”، ليس هذا معناه أن تفتر محبتنا لأقربائنا أو لا نحترم آباءنا، بل أن “كل شيء حسن في وقته” (جامعة3: 11) وليتأجل الواجب الأقل أهمية أمام الواجب الأهم. حينما يتعارض احترامنا لأقربائنا مع خدمة الله ومع فرص عمل الخير، لنقل عن أبينا “لم أره” كما قال لاوي (تث33: 9) لنبغض أقرب أقربائنا ونحب المسيح أكثر منهم، فينبغي أن يكون لواجبنا من نحو الله المقام الأول.

لايستطيع إنسان أن يكمل إرادة الله من تلقاء نفسه. وإلا لكان مثل الله بالذات. لكن دم المسيح ينقّينا، وروحه يقوّينا لممارسة الفضائل الإلهية، فنتيقن من بنوَّة المسيح وأبوَّة الله، ونثق بمصدرنا الإلهي بالروح.

كان تلاميذه الذين تركوا كل شيء ليتبعوه واعتنقوا تعاليمه، في منزلة أقرب أقربائه بالجسد. لقد فضلوا المسيح عن اقربائهم، تركوا آباءهم، والآن لكي يعوضهم عما خسروه ويبين أنهم لم يضحوا بأية محبة، يقول إنهم كأقرب أقربائه. ألم ينالوا بذلك، من ناحية الكرامة، مئة ضعف؟ (19: 29)

إن كل المؤمنين المطيعين هم أقرباء المسيح، إنهم يرتدون إسمه، يحملون صورته، يشتركون في طبيعته، يصبحون من عشيرته. وهو يحبهم، يتحدث إليهم بكل حرية كأقرب أقربائه، يرحب بهم على مائدته، يعتني بهم، يعولهم، يراقب بأن لا يعوزهم ما يليق بهم. وحينما مات ترك لهم ميراثا عظيماً، والآن وهو في السماء يحتفظ بصلته بهم، وسوف يأخذهم إليه أخيراً ليكونوا جميعاً معه، ويقضي لهم حق الوالي كاملاً دون نقصان (راعوث3: 13)، لا يخجل من أقربائه المساكين، بل يعترف بهم امام الناس والملائكة، وأمام أبيه.

أيها الآب القُدُّوس، لا نستطيع النطق باسمك الأبوي بدون خوف وشكر، ساعدنا لنعتبر الحياة في عائلتك الروحية أهم من كل ارتباطاتنا الدنيوية على الأرض. ساعدنا لكي لا نرتد ولا ننكر ألوهيتك، بل لنعمل إرادتك في كل حين دائماً وأبداً.الصلاة:

السؤال 129 : ما هو الفرق بين المرتد والفرد من عائلة الله؟

النمو الروحي لملكوت السموات

(المجموعة الثالثة لكلمات المسيح)

( 13: 1-58)

مثل الزارع

( 13: 1-23)

13: 1 فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، (2) فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ. (3) فَكَلَّمَهُمْ كَثِيراً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً: هُوَذَا الّزَارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، (4) وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. (5) وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأََمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. (6) وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. (7) وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. (8) وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَراً، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاثِينَ. (9) مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.                                                          (مر4: 1-9، لو8: 4-8)

في المجموعة الثالثة من أقوال المسيح، يحدثنا البشير متى بأسلوب المسيح الرائع في كرازته. لقد وضح دستور ملكوت السموات سابقاً في الأصحاح 5-7. وتكلَّم عن نشر هذه المملكة الروحية في الأصحاح 10. ولكن الآن يُظهر أسرار نموها في الأصحاح 13. بنفس الوقت يفسِّر لنا دوافع انفصال الذين يرفضونه.فالأمثال هي جواب للذين يقسون قلوبهم ضد المسيح وأبيه السماوي.

بسَّط يسوع تعليمه بأمثال فائقة تتطلب من المستمع تأملاً وتفكيراً، ومنع أعداءه من فهم مقاصده. وأما خاصته فأوضَح لهم مغزى الأمثلة. لم يتعمق المسيح في تفسيره في أول لقاء يجمعه معهم، بل قدم لهم المبادئ ثم أعقبها بالتفاصيل.

يعبر المثل أحياناً عن أقوال حكيمة مأثورة بقصد التعليم. أما في الأناجيل فإنه بصفة عامة يعبر عن تشبيه أو مقارنة بقصد توضيح بعض الحقائق الروحية السماوية بعبارات مستقاة من الأمور العالمية. كانت طريقة التعليم هذه كثيرة الإستعمال لا بواسطة معلمي اليهود فحسب، بل أيضاً بواسطة العرب وسائر حكماء المشرق. كانت نافعة جداً لأنها كانت مقبولة، استعملها مخلصنا كثيراً، ونزل بها إلى مستوى تفكير الشعب وقوة إدراكهم.

كان عدد المستمعين إليه في كفر ناحوم كبيراً، مما اضطره ليبتعد قليلاً عن الشاطئ في الزورق، كي يراه الجميع ويسمعوه. أما مرافقوه فقد كان امتيازهم أن يسمعوا تعليقاته على الأمثلة بعدئذ على انفراد. بهذه الطريقة أعدَّ الرب تلاميذه لخدمتهم الرسولية والتبشير في المستقبل.

لكن من يسمع كلمته ولا يتبعها، رغم دعوة الله له في قلبه، ورغم الجذب الناعم من الروح القدس، فإنه لا يمكنه سماعها فيما بعد. ويفقد قدرة السمع الروحي رويداَ رويداَ. ويبتعد عن شركة القديسين، ويسقط في خطايا كثيرة باختياره هذا. ويتورط أكثر فأكثر في سلاسل الظلمة، وأخيراً يرفض مخلصه ويجدف عليه  ويكرهه محارباً إياه. من لا يفتح نفسه لروح الله طوعاً ويتبع دعوته في ضميره، يمتلئ تدريجياً بروح الشرير الساري فيه بألف طريق. وهكذا يموت فيه آخر استعداد لتسليمه إلى المسيح. من له أذنان للسمع فليسمع.

أين تقف في هذا التطور الروحي؟ هل أنت على الطريق إلى السماء، أو منحدر إلى جهنم؟ المسيح يطلبك رغم خطاياك ويدعوك شخصياً لتقبل كلمته المحيية. فنطلب إليك باسم المسيح: تعال إليه لأنه يحبك، ويجتذبك ويشفيك، وله المقدرة أن يخلِّصك إلى التمام.

أيها الأب، أنت تعرف قلبي. اغفر لي قساوة قلبي ضد محبتك. اجعلني مستعداً لأسمع إنجيلك بشغف، فتنمو حياتي الروحية وأتبع ابنك بلا قيد ولا شرط. ولا أبتعد عنه بل أتعلق به دائماً. فتطهرني قوته، ويقدسني ملء مجدك، كما كل المستعدين لسماع أقوالك في كل حين. الصلاة:

السؤال 130: أكتب القاعدة للنمو والتناقص الروحي وقم بتفسيرها؟

13: 10 فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ؟  (11) فَأَجَابَ: لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ. (12) فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ. (13) مِنْ أَجْلِ هذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ. (14) فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُّوَةُ إِشَعْيَاءَ: تَسْمَعُونَ سَمْعاً وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلاَ تَنْظُرُونَ. (15) لأَنَّ قَلْبَ هذَا الشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ. (16) وَلكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ. (17) فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَاراً كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا.

(تث29: 3، أمثال9:9، إشعياء6: 9-10، مر4: 10-12،

لو8: 9-10، يو9: 39، 1كو2: 10، 1بط1: 10)

لقد وهب لتلاميذ المسيح أن يعرفوا هذه الأسرار. فالمعرفة أولى هبات الله، وهذه الهبة تُعطى لكل المؤمنين الحقيقيين الذين لهم معرفة اختيارية بأسرار الإنجيل، وهذه بلا شك أفضل معرفة.

ما أروع الصورة! يسوع جالس في الزورق قرب الشاطئ، والجماهير جالسة على الرمال تُصغي لكلماته. ابتدأ يفسِّر لهم قانون نمو المؤمنين، وقاعدة التناقض الروحي في الذين لم ينموا.

سمع المؤمنون كلمة الله، ووافقوا عليها بنعم، واقتربوا من ابن الله المتجسِّد بثقة. اتحدوا معه بالإيمان في عهد جديد. وثبتوا فيه لأن جذورهم تمتد عميقاً إلى كلمته الحية، فيستخرجون قوة فوق قوة لإتمام إرادته، حتى يحرروا باسمه آخرين من سلطة الظلمة. المسيح نفسه حل بالإيمان في قلوبهم، وأعطاهم أن يذيعوا خلاصه.

ما أعظم النمو الروحي في اتباع يسوع إذ طوبهم الرب لأنهم رأوه وأدركوه وسمعوه وحققوا كلمته، فتم فيهم مشتهى الأبرار السابقين. وما أتعس قانون التدهور والتراجع لمعارضي يسوع كمخلص لهم. لقد أرسل الله النبي إشعياء منذ 700 سنة قبل ولادة المسيح ليقسي شعب العهد القديم، لأنهم لم يتوبوا توبة حقَّة بعدما نجاهم الرب من الجيش الأشوري، فاندحروا شيئاً فشيئاً إلى الرذيلة والشر، فعاقبهم الرب وسباهم بجيش الكلدانيين إلى بابل، وهذا يسمى في التاريخ “السبي البابلي”. بعد ذلك تحنن عليهم الرب وفتح لهم باب العودة إلى وطنهم بعد 70 سنة من الغربة لكي يتعقلوا ويرجعوا إلى طريق ربهم. عندما جاء المسيح تصرفت أغلبية اليهود مثل أبائهم، فقسوا قلوبهم ضد يسوع وإنجيله. وأظهر هذا من جديد أن الأقلية فقط تابت ورحبت بابن الله بمحبة بالغة، أما جماهير الأمة فقد عارضوه بعنف وعناد وقلب متحجر، فتمت للمرة الثانية نبوءة إشعياء فكسرهم الرب وشتت شملهم بين الأمم.

ليت المسيحيين الإسميين يتعلمون من تاريخ تقسي أبناء يعقوب ويكونوا عبرة لهم، حتى لا يتبعوهم إلى الدينونة. إن كل الذين يسمعون الإنجيل ولا يتجاوبون معه يتقسّون أكثر فأكثر. فحقَّ على الرب أن يدينهم في النهاية، لأنهم رفضوا خلاصه ولم يرغبوا في التجديد، كما أنهم لم يقدموا ثماراً تليق بحياتهم الروحية.

أرانا يسوع في مَثَله الأول نتيجة كل عمل تبشيري في حقل الله، فالإنجيل للجميع وبدون تمييز، حتى أن الزارع الإلهي زرع بذوره بكثرة، وألقاها أينما كان، على الطريق العام، والصخور الصلبة، وبين الأشواك الخانقة لكل زرع، الأمر الذي يستغربه الفلاح. فالله يعطي كل إنسان نفس الفرصة لقبول الإنجيل الكامل الذي هو الزرع الجيد.

أيها الآب القدوس، نعظمك لأنك أرسلت إنجيلك إنجيل الخلاص إلى كل الأمم. نشكرك لأجل إبنك يسوع كلمته المنعشة التي أوصلتنا وقادتنا للتوبة والإيمان والتجديد والتقديس، ومنحت لنا رجاء المجد. اغفر لنا قلة محبتنا، إذ لم نقدم أجرة الخلاص للخطاة بلغتهم التي يفهمونها، حتى يتوبوا ويؤمنوا بك مخلصاً ورباً. إرحمهم أيها الآب السماوي ليسمعوك ويفهموا غنى محبتك ويروا ابنك يسوع في الإنجيل ويدركوه حق الإدراك ويتغيروا إلى صورتك الحنونة. الصلاة:

السؤال 131: ماهي موانع النمو الروحي، وماهو نظام التقسي عند غير المؤمنين؟

13: 18 فَاسْمَعُوا أَنْتُمْ مَثَلَ الّزَارِعِ: (19) كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ الْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ، فَيَأْتِي الشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هذَا هُوَ الْمَزْرُوعُ عَلَى الطَّرِيقِ. (20) وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأََمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَحَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَحٍ، (21) وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَحَالاً يَعْثُرُ. (22) وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ. (23) وَأَمَّا الْمَزْرُوعُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ. وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ، فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ.

(متى6: 19-34، مر4: 13-20، لو8: 6-15، 1تيمو6: 9)

إن أمثلة المسيح مستقاة من الأشياء العادية المألوفة، لا من الآراء أو المعتقدات الفلسفية، ولا من مناظر الطبيعة غير العادية حتى ولو أمكن تطبيقها على الأمور الراهنة، بل من الأمور الواضحة كل الوضوح التي تشاهد كل يوم، وتقع تحت حس أبسط الناس. والكثير منها مستقى من الخدمات التي يمارسها الفلاح كهذا المثل ومثل الزوان. وقد اختار المسيح أن يفعل هذا لكي تصبح الروحانيات بهذه الوسيلة أكثر وضوحاً ولكي تقرب إلى أذهاننا بالتشابه المألوفة، ولكي نتخذ نحن من هذه الأشياء التي تقع تحت أبصارنا دوماً فرصة للتأمل بلذة في الحقائق الإلهية. وهكذا عندما تكون أيدينا أكثر مشغولة بالعالميات يمكن، ليس فقط رغم هذه المشاغل العالمية بل أيضاً بمساعدتها، أن نرفع قلوبنا إلى السماء.

إن كلمة الإنجيل هي كلمة الملكوت، هي كلمة الملك، وحيث وجدت هذه وجدت القوة والسلطان (جا8: 4). والزارع الذي يبذر البذار هو ربنا يسوع المسيح إما بشخصه او بخدامه، والشعب هم فلاحة الله والخدام عاملون مع الله (1كور3: 9) والتربة التي تزرع فيها البذار هي قلوب بني البشر التي تختلف بحسب أنواعها وأميالها، وباختلافها يختلف نجاح الكلمة.

إن قلب الإنسان كالتربة، من الممكن تحسينه، ومن الممكن أن يعطي ثماراً صالحة. ومن المؤسف أن يبقى مقفراً، أو يكون كحقل الكسلان (أم24: 30). والنفس هي المكان المناسب لكلمة الله لتستقر فيه، وتعمل وتحكم. وتأثيرها هو على الضمير، فهي تنير سراج الله هذا. وكما نكون تكون الكلمة لنا. وكما هو الحال مع الأرض، فإن بعض أنواع التربة مهما بذلت الجهود فيها وألقيت أجود أنواع البذار لا تعطي ثمراً، اما التربة الجيدة فإنها تعطي محصولاً وافراً، كذلك الحال مع قلوب البشر التي تمثل أخلاقهم المختلفة هنا بأربعة أنواع من التربة، ثلاثة منها ردية ونوع واحد فقط هو الجيد.

ماذا أنتَجَت حبة الإنجيل فيك: لا شيء، أو قليلاً، أو كثيراً؟! إدرس هذا المَثَل على ضوء التفسير الذي قدمه لنا يسوع، لتدرك من أنت. واطلب من المسيح أن يجعلك تربة عميقة صالحة للزرع. واطلب منه أيضاً تغيير ذهنك لتدرس كلمة الله بفرح واجتهاد. ليكن اهتمامك الأول منصبّاً على قراءة الإنجيل باستمرار ودقة لتعمل بما قرأته وتأتي بثمر كثير.

احذر من التحمس الزائد أو السطحيّة، لأن سماع الإنجيل بدون التوبة الحقة يصبح غروراً كما يشبه شخصاً بنى بيتاً على رمال دون أن يضع له أساس متين. اختار يسوع رسله من بين تلاميذ يوحنا المعمدان لأنهم تابوا توبة نصوحة، غير أن الجماهير التي تراكضت إليه بدافع المعجزات التي أجراها، تركت وتخلت عنه مباشرة في خضم الإضطهاد، لأن مجيئها لم يكن بدافع التوبة والخلاص بل كان نتيجة المنفعة الذاتية أكثر من المنفعة الروحية.

اطلب أيضاً من ربك أن ينصرك على همومك واهتماماتك، ويحررك من محبة المال، فتطلب أولاً ملكوت السموات وبره، وحينئذ ترى أن الله بذاته يهتم بك ويباركك.

إن الإضطهاد يشبه في المثل بالشمس المحرقة، فالشمس التي تدفئ وتنعش ماله أصل طيب هي بعينها تحرق ماليس له أصل. وكلمة المسيح، وكذلك صليب المسيح للبعض “رائحة حياة” وللآخرين “رائحة موت”. ونفس الإضطهادات والضيقات التي تدفع البعض للإرتداد والهلاك تنشئ للآخرين “ثقل مجد أبدي”. والتجارب التي تزعزع البعض تثبت الآخرين.

لاحظ كيف يتم سقوطهم سريعاً، فكما ينضجون سريعاً فإنهم يتلفون سريعاً، وما نحصل عليه بدون تأمل أو رويّة سرعان ما يطير.

لا شك أن كلمته المباركة تأتي فيك بثمر كثير، كما أن الحبة الواقعة في الأرض الجيدة تأتي بسنبلة ذهبية ممتلئة دون أن يتغير جوهرها أو تفقد شيئاً من خصائصها. فلا تأتي أنت بثمارك الخاصة الناتجة عن عقلك ونواياك، بل اجعل كلمة الله تتضاعف في حياتك، فالبركة والحياة من فضله وليست منا.

إن الذي ميّز هذه الأرض الجيِّدة عن سواها يلخّص في كلمة واحدة: “الأثمار”. بهذا يتميّز المسيحيون الحقيقيون عن المرائين. إنهم “يثمرون للبر”، “بهذا يتمجّد أبي أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي” (يو15: 8)، لم يقل أن هذه الأرض الجيدة كانت خالية من الحجارة أو الأشواك، بل لم يكن فيها ما يعطلها عن الأثمار. ليس القديسون في هذا العالم خالين خلواً تاماً من بقايا الخطيئة، لكنهم متحررون من سيادتها.

أيها الآب، قلبي قاس بطيء سطحي وشرير. كسِّر كبريائي واغلب نواياي الباطلة، وافتح أذني لسماع كلمتك. قوّ عزمي لدراسة كتابك المقدس باستمرار. نظِّم وقتي وإرادتي لأتعمق يومياً في إنجيلك المقدس، الذي ينير فؤادي ويثبِّتني في الإيمان الحق والمحبة العاملة والرجاء الحي.الصلاة:

السؤال 132 : ما هي الأنواع الأربعة لمستمعي الإنجيل؟

مَثَل الزوان في الحقل

( 13: 24-30، 36- 43)

13: 24 قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً زَرَعَ زَرْعاً جَيِّداً فِي حَقْلِهِ.     (25) وَفِيمَا النَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُّوُهُ وَزَرَعَ زَوَاناً فِي وَسَطِ الْحِنْطَةِ وَمَضَى.(26) فَلَمَّا طَلَعَ النَّبَاتُ وَصَنَعَ ثَمَراً، حِينَئِذٍ ظَهَرَ الّزَوَانُ أَيْضاً. (27) فَجَاءَ عَبِيدُ رَبِّ الْبَيْتِ وَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَلَيْسَ زَرْعاً جَيِّداً زَرَعْتَ فِي حَقْلِكَ؟ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ زَوَانٌ؟. (28) فَقَالَ لَهُمْ: إِنْسَانٌ عَدُّوٌ فَعَلَ هذَا فَقَالَ لَهُ الْعَبِيدُ: أَتُرِيدُ أَنْ نَذْهَبَ وَنَجْمَعَهُ؟ (29) فَقَالَ: لاَ! لِئَلاَّ تَقْلَعُوا الْحِنْطَةَ مَعَ الّزَوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ. (30) دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعاً إِلَى الْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: اجْمَعُوا أَّوَلاً الّزَوَانَ وَاحْزِمُوهُ حُزَماً لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا الْحِنْطَةَ فَاجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَنِي.

(متى3: 12؛ 15: 13، رؤ14: 15)

13:  36 حِينَئِذٍ صَرَفَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَجَاءَ إِلَى الْبَيْتِ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَسِّرْ لَنَا مَثَلَ زَوَانِ الْحَقْلِ (37) فَأَجَابَ: اَلّزَارِعُ الّزَرْعَ الْجَيِّدَ هُوَ ابْنُ الإِنْسَانِ.(38) وَالْحَقْلُ هُوَ الْعَالَمُ. وَالّزَرْعُ الْجَيِّدُ هُوَ بَنُو الْمَلَكُوتِ. وَالّزَوَانُ هُوَ بَنُو الشِّرِّيرِ. (39) وَالْعَدُّوُ الَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَالْحَصَادُ هُوَ انْقِضَاءُ الْعَالَمِ. وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ. (40) فَكَمَا يُجْمَعُ الّزَوَانُ وَيُحْرَقُ بِالنَّارِ هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ هذَا الْعَالَمِ: (41) يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، (42) وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأََسْنَانِ.(43) حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأََبْرَارُ كَالشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ.                                              (دانيال12: 3، متى24: 31، يو8: 44، 1كور3: 9)

العالم كله حقل الله، ففي كل الشعوب يزرع المسيح زرعه. ليس هذا الزرع تعليماً ولا كتاباً ولا كلاماً، بل أناساً معيَّنين. فكل مولود من الروح القدس يشبه حبة الزرع في يد المسيح، يلقيها إلى حقله. وينبغي أن يموت هذا روحيا لأخلاقه الفاسدة وأمنياته الخاصة حتى تأتي قوة الله فيه بثمر كثير، فبدون إنكار النفس لا يكون غلال من خُدَّامه.

إن كل ما يوجد في العالم من زرع جيّد هو آت من يد المسيح، وهو الذي زرعه. فالحقائق التي يكرز بها، والنعم التي تغرس، والنفوس التي تقدس، هذه كلها زرع جيد، وكلها منسوبة للمسيح. والخدام آلات في يد المسيح ليزرعوا زرعاً جيداً، هم يخدمون بمعرفته وتحت إرشاده، ويتوقف نجاح أتعابهم على بركته فقط.

وفي مَثَل الزوان كشف المسيح قصد الشيطان في إفساد زرع الله. فالزوان يمثِّل المولودين من روح الشيطان، الذين ألقاهم الشرير وسط المولودين من كلمة الله. وكثيراً ما تعيش الفئتان معاً في عائلة واحده، أو صف مدرسي واحد. فيتشابكون بأفكارهم العلمية والحضارية. ولا يكون واضحاً أول الأمر من هو لإبليس ومن هو لله، لكن مع الوقت تظهر ثمار الأرواح بوضوح، لأن المحبة والبغضة والتواضع والكبرياء لا تستمر ساكنة في فرد واحد، فمصدر كل منها مختلف. من الواجب علينا تمييز الأرواح، لكن المسيح منعنا من الفصل السريع، لأن هذا عمل الملائكة في الدينونة الأخيرة.

وإلى ذلك الحين علينا احتمال الزوان بصبر. حتى ولو أضرّ بنا. وبما أن الزوان يغتصب من القمح مكاناً وقوة، فابن الإنسان المجيد سيرسل في نهاية الأزمنة ملائكته ليفصلوا بين البشر بعدل تام.

هنا نجد صفات الخطاة، المرائين وكل الدنسين والأشرار.

هم بنو إبليس، لأنه هو الشرير. ومع أنهم لا يعترفون باسمه إلا أنهم يحملون صورته، يتممون شهواته، ومنه يتلقون تعليمهم. هو يحكم عليهم، ويعمل فيهم (أفسس2: 2، يوحنا8: 44)

وهم زوان في حقل هذا العالم. لا يصنعون خيراً، بل يصنعون شراً وأذى. هم غير نافعين في ذواتهم ومؤذين للزرع الجيد، سواء بإغراءاتهم أو باضطهاداتهم. هم حشائش في الحديقة، لهم نفس الأمطار، ونفس الشمس، والتربة، التي يتمتع بها الزارع الجيد، ولكنهم غير نافعين لأي شيء.

يحترق أبناء المعصية كفاعلي الإثم، وأبناء الله يظهرون في جوهرهم، ويشرقون في سلامهم. فما أجمل الوعد: «حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم». تأمل في كل حرف من هذه الآية، ترجع منكسراً متواضعاً إلى إلهك لتصبح بذرة جيدة.

عندما يأتي الشيطان أشر ما عنده يبذل أقصى جهده لإخفاء نفسه، لأن مقاصده تتعطل إن شُوهد وهو يديرها. إن الزوان لم يظهر إلا بعد أن طلع النبات وصنع ثمراً، حينئذ ظهر الزوان أيضاً. فهنالك قدر عظيم من الشر مخفي في قلوب البشر، وهو يظل مخفي طويلاً تحت ستار التدين، لكنه لا بد أن يظهر أخيراً. والزوان، كالزرع الجيد، يظل مدة تحت الثرى، ثم يظهر نبتاً صغيراً، ومن العسير تمييزها عن بعضها. لكن حينما يأتي وقت الإمتحان، حينما يأتي وقت الثمر، حينما يأتي وقت عمل الخير الذي يقتضي مقابلة الصعوبات واقتحام الأخطار، عندئذ تستطيع التمييز بين المخلصين والمرائين، حينئذ تستطيع أن تقول “هذه حنطة وذلك زوان”.

إن المسيح سوف لا يدين خدامه الأمناء النشيطين إذا ما اختلط الشر بالخير، المراؤون بالمخلصين في حقل الكنيسة، ولهذا ينبغي أن لا يوبخهم البشر. لا بد من مثل هذه العثرات، ونحن غير مسؤولين عنها إن كنا نقوم بواجبنا ولم نحصل على النتيجة المرغوبة. إنهم لا يلامون وإن ناموا، على أن لا يحبوا النوم، كذلك لا يلامون إن زرع الزوان، على شرط أن لا يكونوا هم الذين زرعوه أو سقوه أو سمحوا به.

ليس من المتيسر لأي إنسان التمييز بكل دقة بين الحنطة والزوان، فإنه قد يخطئ. لذلك اقتضت حكمة المسيح ونعمته أن يفضل بالأحرى السماح ببقاء الزوان عن أية طريقة أخرى تعرض الحنطة للخطر. صحيح أن الأشرار الفاجرين ينبغي توبيخهم وتجنبهم، وأن بني الشرير الظاهر شرهم ينبغي منعهم من بعض الفرائض الخاصة. إلا أنه قد تقرر خطأ بعض التأديبات أو يبالغ في تطبيقها، فتسبب إيلاماً للكثيرين من الأتقياء الحقيقيين: لذلك ينبغي مراعاة كل الحيطة والإعتدال في توقيع التأديبات الكنسية وفي استمرارها لئلاَّ تداس الحنطة إن لم تحصد في أوانها.

أيها الآب السماوي، نحن بطبيعتنا أبناء أرواح نجسة. غيِّر مجرى تفكيرنا فنُطهَّر ونمتلئ بروحك. نريد أن نكون أولاد محبتك، متواضعين عاملين خُدَّاماً لجميع الناس، ليروا فضائلك الأبوية فينا، ويحمدوك لأجل سلوكنا الموهوب لنا.الصلاة:

السؤال133: كيف يتم حصاد الله؟

مثلان عن حبة الخردل والخميرة

( 13: 31-35)

13: 31 قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، (32) وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ. وَلكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ الْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا. (حز17: 23، مر4: 30-38، لو13: 18-19)

عود الثقاب حجمه صغير، لكنه قادر أن يحرق الكثير. فكلمة الله تشبه شرارة صغيرة، تسبّب ناراً تلفّ الكرة الأرضية كلها. والمسيح يدلنا عل قوة كلمة الله العاملة بتمهُّل ويقين. فعلى كل من يشهد باسم المسيح وخلاصه أن يتأنَّى، لأن كلمة الصليب مفعمة بالقوة القادرة أن تخلق جنساً جديداً. إن الكتب التي يزخر بها العالم بمختلف تعاليمها وأفكارها المتنوعة تعظم قدرة الإنسان وتهمل الصليب وأبعاده. رغم هذا لم يجد كتاب من الكتب العالمية انتشاراً كالإنجيل، لأن ملايين من البشر يستخرجون منه يومياً قوة وتعزية وحياة أبدية.

يشبِّه المسيح نفسه بحبة الخردل المحتقرة، التي نمت إلى شجرة عظيمة، تمتد على جميع بقاع الأرض، مانحة الشعوب ثماراً يانعة. فتأثير يسوع غير المباشر على الحضارات الدنيوية بواسطة الأفكار المسيحية، هو أكثر فعالية مما نعلم. والطيور على الأغصان ليست جزءاً من الشجرة، فتطير بعدئذ آخذة بمناقيرها أوراقاً بسيطة، دون أن تصل إلى القوة. هكذا هم الذين يستفيدون من المسيح، ولا يثبتون فيه. لكن من يؤمن به ويتعمق في كلمته، يبتدئ في قلبه السلام والفرح والحق.

13: 33 قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ (34) هذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِأَمْثَالٍ، وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ، (35) لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ.                            (مر4: 33-34، لو13: 20-21، مز78: 1-2)

لما تخبئ المرأة الخميرة في الدقيق فإن القصد من ذلك هو أن تنقل للدقيق مذاقها وخواصها. هكذا ينبغي أن نكتنـز الكلمة في نفوسنا لكي نتقدّس بها (يوحنا17:17).

وكما أن الخميرة تجعل العجين نافعاً وجاهزاً للخبز، هكذا تغيّر كلمة الله الإنسان الفاسد، ليصبح نافعاً وصالحاً. فبدون عمل المسيح نبقى أشراراً أنانيين وثقلاء. لكن الروح القدس يجعلنا خداماً لنشعر بالمساكين ونصلّي للذين يضايقوننا. ومثلما يكون عمل الخميرة بلا ضجيج، بل هادئ وغير منظور، كذلك يعمل الروح القدس بهدوء في قلوب المؤمنين.

وبدون كلمة الله يبقى العالم فقيراً ضعيفاً ضالاً. لكن الآن نجد في هذه الأحرف قوة الله كلها، ومواهب ملكوته المختبئة فيها. فالكتاب المقدس هو أثمن من الذهب المصفَّى. إحفظ كثيراً من الآيات غيباً، تجمع كنزاً يدوم إلى الحياة الأبدية. عندها تصبح هذه الكلمات فيك قوة تغيِّر الآخرين، وتسبّب فرحاً وسروراً في الكثيرين.

عندما تُخبّأ الخميرة في العجين فإنها تعمل عملها فيه، إنها تخمره “كلمة الله حية وفعالة”       (عب4: 12). والخميرة تعمل بسرعة هكذا تعمل الكلمة، وإن كان تدريجيا. وهي تعمل بهدوء ودون أن يشعر أحد (مر4: 26) ومع ذلك فهي تعمل بقوة لا تقاوم. وهي تعمل عملها بدون ضوضاء، لأن هذه هي طريقة عمل الروح القدس. خبئ الخميرة في العجين وعندئذ يعجز العالم كله عن تعطيلها من أن تنقل إليه مذاقها وخواصها، ومع ذلك لا يرى أحد كيف تتمم عملها، إنما يختمر العجين كله تدريجياً.

أيها الآب، نشكرك لأنك تبذر كلمتك في قلوبنا وبيوتنا، فنؤمن أنها لا ترجع فارغة، بل تحقق قوّتها مفجرة القلوب المتحجّرة، فتصبح شجرة حية، تأتي بثمار كثيرة. خمّر شعوبنا بروحك القدوس وابتدئ في عائلاتنا بالتقديس، لنصبح جميعنا أذكياء طيبين.الصلاة:

السؤال 134 : ماذا يعلّمنا المَثَلان عن حبة الخردل والخميرة؟

مَثَلان عن الكنـز في الحقل واللؤلؤة الثمينة

( 13: 44-46)

13: 44 أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ كَنْزاً مُخْفىً فِي حَقْلٍ، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى ذلِكَ الْحَقْلَ. (45) أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً تَاجِراً يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، (46) فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا.                                      (متى19: 29، لو14: 33، فيلبي3: 7)

وُجدت منذ قرون تلة مرتفعة وقربها شارع عام. وكان الناس يمرون بالتلة بدون اهتمام، إنها كانت آثار مدينة مخفية عن الأنظار. وقد تميزت هذه المدينة القديمة بكتاباتها الهامة المنحوتة على جدرانها. وذات يوم فيما كان أحد الفلاحين يعمل لتسوية التلة بالجرّافة والمحراث اكتشف فجأة قلعة أثرية وأواني ثمينة وكتابات منحوتة على أحجارها. فتراكض العلماء إليه واجتمع مسؤولو الدولة وفرحوا معاً بالاكتشاف الجديد.

وكما أن أهل تلك المدينة كانوا يمرون بالتلة سنين طويلة بدون انتباه، هكذا يمر الناس بالمسيح مهمِلين، دون أن يدركوا أنه كنز الكنوز، الجاعل كل من يلتفت إليه سعيداً مغبوطاً، لأن المصلوب يمنح لكل من ينظر إليه بإيمان الغفران الأبدي، ويبرّره للحياة الأبدية. فلا يلبث المؤمن الملتصق به أن يخرّ ويسجد له، ويسلّمه حياته شكراً لفدائه الفريد. ويمكننا أن نربح المسيح إذا وضعنا حياتنا كلها بين يديه حمداً لغفرانه. كل أهدافك وأفراحك ورجائك لا قيمة لها بالنسبة لابن الله. فابذل نفسك لتربح الواهب نفسه.

إن الذين يريدون الحصول على خلاص المسيح أن يكونوا مستعدين لتضحية كل شيء من أجله. كل ما يتعارض مع المسيح أو لا يتفق مع محبتنا له وخدمتنا إياه ينبغي أن نتركه بسرور، مهما كان عزيزاً علينا. قد يشتري المرء ذهباً بثمن غالٍ جداً، ومع ذلك لا يشتري هذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن.

إلا أن الكثيرين لا يجدون المسيح لأول وهلة، ولا مصادفة، بل يفتشون بانتظام في كل الكتب ليجدوا معاني أبدية. إن أعينهم مهيأة لتمييز الحق الثمين. لكن عندما يكتشفون المسيح في جوهره، ويرون محبته اللطيفة، يؤخذون بعظمته بحماس كبير، ويدركون سريعاً أن محبة الله المتجسّده ليس لها مثيل في دنيانا. لهذا يتركون كل فلسفاتهم الفارغة، ومذاهبهم الفقهية والشرعية، ومبادئهم الفانية ليربحوا المخلّص الفريد الذي يغنيهم عن كل ما عداه.

هل وجدت المسيح فجأة، أو بعد دراسة طويلة؟ اطلبه مصلّياً وقارئاً الإنجيل، ونحن شهود له أنه وجَدَنا ووهبنا ذاته.

أيها الأب السماوي، لم نطلبك ولم نطلب ابنك من قبل، إنما أنت طلبتنا ووجدتنا أخيراً. نشكرك لعنايتك بنا، ونطلب منك أن تحررنا من كل ارتباطات دنيوية، لنترك متاع هذا العالم، ونربح ابنك. اعلن نفسك لكثيرين في محيطنا ليدركوك ويتركوا كل أفكارهم وكنوزهم الدنيوية ويثبتوا في لطفك. الصلاة:

السؤال 135: لِـمَ المسيح هو كنز الكنوز؟

الشبَكَة المُلقاة في بحر الشعوب

( 13: 47-53)

13: 47 أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي الْبَحْرِ، وَجَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ.    (48) فَلَمَّا امْتَلأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى الشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا الْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا الأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجاً. (49) هكَذَا يَكُونُ فِي انْقِضَاءِ الْعَالَمِ: يَخْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَيُفْرِزُونَ الأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ الأَبْرَارِ، (50) وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.

(متى22: 9-10؛ 25: 32)

كان بعض تلاميذ المسيح صيَّادين. ففهموا قصد معلّمهم عندما أشار إلى وظيفتهم الجديدة، متخذاً المثَل من مهنة الصيد. عليهم أن يلقوا شبكة كلمته في بحر أمتهم وكل الشعوب، ليصطادوا كثيرين للمسيح. فالكنيسة هي نخبة المدعويين من كل الأجيال والأجناس والأزمنة.

يأتي وقت يتمم الإنجيل الغاية التي أرسل من أجلها، ونحن واثقون أنه لن يرجع فارغاً (أش 55: 10،11). إن الشبكة في دور الإمتلاء الآن، وهي في بعض الأحيان تمسك سمكاً أسرع من بعض الأوقات الأخرى، ولكنها على أي حال لا زالت في دور الإمتلاء، وستجذب إلى الشاطئ عندما “يتم سر الله” (رؤبا10: 7).

عند امتلاء الشبكة وإصعادها إلى الشاطئ تتم عملية الفرز بين الجياد والأردياء التي جمعت فيها، عندئذ يفرز بين المسيحيين الحقيقيين. يجمع الجياد إلى أوعية، كشيء ثمين، ولذلك يحفظون بكل حرص، أما الأردياء فيطرحون خارجاً، كشيء غث هزيل رذيل لا قيمة له، ولا نفع له، طالما كانت الشبكة في البحر فلا يعرف ما فيها، والصيادون أنفسهم لا يعرفون، ولكنهم يخرجونها بكل حرص بما فيها من أجل الجياد التي فيها، هكذا عناية الله من أجل الكنيسة المنظورة، وهكذا ينبغي أن تكون عناية خدام الله بالنفوس التي عهدت إليهم ولو اختلطت.

حرص يسوع على أن لا يعملوا منفردين، بل في تعاون، وأن يجرّوا الشبكة الضخمة الممتلئة صيداً معاً، لأن واحداً بمفرده لا يقدر أن يسحب الصيد الكثير من بحر الأمم. فيدعوك المسيح اليوم لتلقي معنا ومع كل زملائك في كنيستك، شبكة كلمة الله في محيطك، لتجتذب كثيرين من مواطنيك إلى يسوع. صلِّ لأجلهم، وكلّمهم عن المخلّص وادعهم للاجتماعات، ووزع المنشورات الروحية. فدعنا نتعاون في خدمة الرب. هل تصلي من أجل الذين يقرأون الإنجيل ولا يفهمونه؟ إذن فرافقهم بصلواتك حتى يجدوا في الإنجيل المسيح الحق والحياة الأبدية.

الرب يدعوك لتربح النفوس لا لتدينهما، فاقبل المثقفين المحترمين وبالمقابل لا ترفض المساكين والغوغائيين، لأن الدينونة منوطة بالمسيح الديان العادل. ليكن معلوماً عندك أن خدمتك ستضعك وجهاً لوجه مع فئات مختلفة، أتقياء وأردياء، تقليديين وأحراراًُ، كباراً وصغاراً، أذكياء وأغبياء، اغنياء وفقراء، متمدنين ورحل، مواطنين وغرباء، مرضى وأصحاء، فامنح للجميع كلمة الله بدون تمييز، معلناً بشرى الخلاص في محيطك. لا تتكاسل بل اذهب واعمل بكل نشاط مادام النهار بازغاً. لا تقرر في خدمتك من هو الشرير ومن هو الصالح، لأن ملائكة الرب ستحذف المرائين الذين يظهرون متقدسين، وستختار خطاة كثيرين للسماء، إذا تابوا وتمسَّكوا بالمسيح مؤمنين.

كان أحد الشباب لا يؤمن بوجود جهنم، لكنه في الحرب ارتمى على الأرض وقت انهمار القنابل الكبريتية، وكزَّ على أسنانه خوفاً، ولهيب النار يأكل كل شيء حوله. فأدرك فجأة إمكانية جهنم. إنها نار السعير بلا نهاية. فهل تحب الضالين حولك، وتشتاق إلى خلاصهم، لكي لا يحترقوا في الآخرة؟ وإلا فتكون بلا محبة ومستحقاً دخول النار.

يا يسوع قد دعوتنا لنصبح بركة للناس، ودون أن نعرف كيف نخدمهم، لأننا كثيراً ما نستحي من التبشير وإعلان الخلاص للناس، فاغفر لنا يارب بطء تنفيذ أمرك، وقدنا مع مطيعيك إلى خدمة الذين أحببتهم ورغبت في جذبهم إليك. ألهمنا أن نقدم دعوتك إليهم حتى يتوبوا ويرجعوا ويدخلوا إلى ملكوت محبتك وينالوا الحياة الأبدية قبل نهاية الأزمنة. الصلاة:

السؤال 136: من هم الذين يريد المسيح أن تربحهم لملكوته؟

13: 51 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَفَهِمْتُمْ هذَا كُلَّهُ؟  فَقَالُوا: نَعَمْ يَا سَيِّدُ (52) فَقَالَ لَهُمْ: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ (53) وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَمْثَالَ انْتَقَلَ مِنْ هُنَاكَ.                 (مر6: 1، لو4: 16)

اعتقد التلاميذ أنهم فهموا كل تعاليم يسوع. فنظر إليهم مبتسماً مشفقاً، لأن المعرفة ليست كل شيء، بل تحتاج إلى التطبيق العملي في الحياة. لا تتسرع بقولك إنك قد فهمت المسيح وإنجيله، لكن عش ما تعرفه، فتدرك حاجتك إلى التعمق أكثر، وتكرر الآيات وتراجع النصوص بانتباه كبير وصلوات مواظبة على الدوام.

لا تكفينا معلومات سطحية عامة عن العهد الجديد بل نحتاج إلى تأصلنا الدقيق بكل أجزائه ورسائله، لكي نمتص منه كل المقويات ودوافع الروح القدس. فننضج علمياً وحياتياً ومحبة، ونستحق أن نكون معلمين للآخرين. وللعجب فالمعلم الناضج لا يأتي دائماً بأفكاره الخاصة بل يقدم المسيح، ويشهد عنه بكلمات الرسل القديمة المحترمة، ويعترف باختباراته الجديدة مع المخلّص. لأن كل تدخُّل للمسيح إلى عالمنا مع أعماله المخلصة هي أعجوبة كبرى، تستحق الشهادة حمداً ومجداً لربنا الحي. هو يستجيب الصلوات، ويثبِّت الإيمان، ويمطر على أتباعه بالبركات. فملكوته ليس جامداً، بل إنه حي ونامٍ ومتقدم. هل أنت تعدُّ طريقه وتعمل في حصاده؟ هل ترى نمو ملَّته في أمَّتنا؟ عندئذ مجد ربك بشهادتك، ولا تسميه سيداً فقط مثل التلاميذ بل تدعوه الرب القدير وابن الله المخلص الأمين.

نعظّمك ونسجد لك أيها الرب الأمين القدوس، لأنك لم تهمل أرضنا الشريرة ولم تتركها، بل ألقيت شبكة إنجيلك إلى كل الشعوب. نطلب إليك أن تصطاد في أيامنا ملايين، وتستخدمنا أيضاً في خلاص كثيرين، وتساعدنا لنحفظ كلمتك غيباً، ونقدم آياتك لأصدقائنا، شاهدين بأعمالك اليوم أن لك القوة والمجد إلى الأبد.الصلاة:

السؤال 137 : ماذا يعلّمنا المَثَل عن الشبكة؟

أهل الناصرة يرفضون يسوع

( 13: 54- 58)

13: 54  وَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حَتَّى بُهِتُوا وَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُّوَاتُ؟ (55) أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ (56) أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ كُلُّهَا؟   (57) فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ     (58) وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُّوَاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ. (مر6: 1-6، لو4: 16-30، يو6: 42؛ 4: 44)

انتقل المسيح من مدينته المختارة كفر ناحوم، وصعد إلى مدينة طفولته الناصرة، ليدعو أهلها للدخول في ملكوت السموات. فاشترك باجتماعهم في المجمع، حيث كان يجلس من قبل مصغياً متسائلاً. أما الآن فشهد عن نفسه قُدام المندهشين بأنه حامل روح الرب في ذاته، وأنه المسيح الموعود المنتظَر (لوقا 4:18-19). وعلّم يسوع بخلاف المفسرين التقليديين، لأنه فيه سكن سلطان الله كله. فارتجفت القلوب واضطرب الناس، لأن روح الرب بكَّت ضمائرهم، وشعروا بحضور القدوس وبدعوته.

لكن عقولهم الناقصة لم تخضع ليسوع، لأنه لم يدرس اللاَّهوت رسمياً في إحدى مدارس اللاهوت في القدس، ولم يحصل على شهادة عالية من الفقهاء وعلماء الشريعة، ولم يأت إليهم بكيس ممتلئ ذهباً. كانت عائلته متواضعة غير غنية أو مثقفة بل فقيرة وبسيطة. مات أبوه المتبنِّي يوسف النجار مبكراً، ولم يقبل وجهاء المدينة المحترمون أن يخضعوا له، لأن الافتخار بعائلاتهم العريقة منعهم من أن يؤمنوا به.

نقرأ في هذه الآيات أسماء إخوة وأخوات يسوع، الأمر الذي جعل بعض المفسرين يعتبرونهم أولاد عمه أو إخوته بالتّبنِّي. فالبشير متى لم يكتب أي شيء عن هذا الموضوع، بل شهد أن ليسوع أربعة إخوة وثلاث أخوات على أقل تقدير والراجح أنهن متزوجات.

كان إخوة يسوع محرضين من قبل جواسيس المجلس الأعلى في القدس، إذ قالوا مرة أمام الجماهير بأن أخاهم يهذي، بل حاولوا أن يمنعوه من الخدمة حفاظاً على حياته من المتشددين الأصوليين. لم يجد المسيح إيماناً ومحبة عند أصدقائه وأقربائه رغم أنه لم يستطع  أحد منهم أن يبكته أو يمسك عليه أدنى خطيئة، لأنهم لو استطاعوا لفعلوا. فالمسيح عاش منذ طفولته بطهارة تامة ووداعة.

بعد الاجتماع، اقترب منه بعض الفقراء والمحتقرين، فشفاهم ليبرهن أن مصدره الإلهي. لكن حيث لا يوجد إيمان لا يستطيع المسيح أن يعمل ويحرر. هل تمنعه بعدم ايمانك من نشر ملكوته في بلدتك، ولماذا لا تخضع له كلياً وتكرمه بايمان ومحبة دائمين؟

أيها الرب يسوع المخلص الحنون، قد ربحت قلوبنا بمحبتك، فتخضع لك طوعاً. نلتمس منك أن تخلق فينا إيماناً ثابتاً غير متقلقل، لتبني ملكوتك بواسطتنا نحن الضعفاء. ساعدنا أن لا نمنع امتداد قوتك في محيطنا، بل نطيعك مع كل أتباعك في أمتنا. الصلاة:

السؤال 138: ماهي أسماء إخوة يسوع وعدد أخواته، وذلك حسب نص الكتاب؟

ثالثا- خدمات يسوع الحذرة وتجولاته

( 14: 1- 17: 27 )

موت يوحنا المعمدان

( 14: 1-12)

14: 1 فِي ذلِكَ الْوَقْتِ سَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرُّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ، (2) فَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: هذَا هُوَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَلِذلِكَ تُعْمَلُ بِهِ الْقُوَاتُ (3) فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ، (4) لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ: لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ (5) وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ خَافَ مِنَ الشَّعْبِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ. (6) ثُمَّ لَمَّا صَارَ مَوْلِدُ هِيرُودُسَ رَقَصَتِ ابْنَةُ هِيرُودِيَّا فِي الْوَسَطِ فَسَرَّتْ هِيرُودُسَ. (7) مِنْ ثَمَّ وَعَدَ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبَتْ يُعْطِيهَا.(8) فَهِيَ إِذْ كَانَتْ قَدْ تَلَقَّنَتْ مِنْ أُمِّهَا قَالَتْ: أَعْطِنِي ههُنَا عَلَى طَبَقٍ رَأْسَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ (9) فَاغْتَمَّ الْمَلِكُ. وَلكِنْ مِنْ أَجْلِ الأََقْسَامِ وَالْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى. (10) فَأَرْسَلَ وَقَطَعَ رَأْسَ يُوحَنَّا فِي السِّجْنِ. (11) فَأُحْضِرَ رَأْسُهُ عَلَى طَبَقٍ وَدُفِعَ إِلَى الصَّبِيَّةِ، فَجَاءَتْ بِهِ إِلَى أُمِّهَا. (12) فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَرَفَعُوا الْجَسَدَ وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا وَأَخْبَرُوا يَسُوعَ.

(خر6: 14-29، متى 11: 2؛ 21: 26، لو3: 19-20؛ 9: 7-9)

يتعرَّض الملوك والزعماء لتجارب متنوعة، لأنهم يحملون مسؤولية كبيرة، ولهم سلطة لتنفيذ مخططاتهم، ويزدحم حولهم الكذَّابون والمداهنون والمتزلفون، وينتظرهم العرافون والسحرة ليخبروهم عن مستقبلهم من خلال اتصالهم بالأرواح. فسلطتهم الدنيوية وفخرهم يُبعدوهم غالباً عن الله، إلى مرارة العُزلة والخطايا المتنوعة. يعيشون في الخوف والأرق والاضطراب. هكذا سمَّى هيرودس يسوع «روح يوحنا المعمدان، المُقام من بين الأموات» بعد ما قُتل يوحنا بأمره. فالأرواح استعبدت الملك الذي أخذ يرى في كل زاوية شبحاً يتربّص به .

ظن هيرودس أنه بقتله ليوحنا بأنه إن أتيح له إبعاد هذه الشخصية المقلقة من الطريق استطاع أن يستمر في خطاياه بلا إزعاج وبلا رقيب. لكنه لم يكد يفعل هذا حتى سمع أن يسوع وتلاميذه يكرزون بنفس التعاليم الصافية التي نادى بها يوحنا، والأكثر من ذلك أن التلاميذ كانوا يؤيدونها بالمعجزات التي صنعوها باسم سيدهم. فقد تُكَمُ افواه خدام الله، ويسجنون ويبعدون، ويقتلون، لكن كلمة الله لا يمكن أن تداس.

كان يوحنا المعمدان مقيّداً في السجن رغم براءته، لأن هيرودس كان إنساناً مدفوعاً بشهواته، فتزوج امرأة أخيه بموافقتها، وبالبحيلة. سمَّى يوحنا هذا الزنى المزدوج خطيئة شنيعة، ومثلاً سيئاً للشعب. فتآمرت هيروديا الزانية على يوحنا المبكِّت واستطاعت أن تلقيه في السجن.

كانت الخطيئة الخاصة التي وبخه من أجلها تزوجه بامرأة أخيه فيلبس. إنه لم يتزوج بأرملته، فهذا لم يكن يعتبر جريمة، بل بزوجته. كان فيلبس وقتئذ حياً، فاغتصب هيرودس زوجته منه واحتفظ بها لنفسه. هنا نرى مضاعفات الشر: الزنى، مضاجعة الأهل المحرم الزواج بهن، علاوة على الإساءة إلى فيلبس الذي كانت له ابنة من هذه المرأة. ومما زاد خطيئته شناعة أنه كان أخاه، أخاه من أبيه لا من أمه.

لأجل هذه الخطيئة وبخه يوحنا، لا بالإشارات البعيدة او الغامضة، بل بعبارات واضحة كل الوضوح “لا يحل أن تكون لك” إنه يتهمه بها كخطيئة. لم يقل “ليس من الكرامة” او “ليس لائقاً” بل “لا يحل”.

ولعل بعضاً من أصدقاء يوحنا قد لاموه إذ اعتبروه متهوراً وطائشاً في توبيخ هيرودس، وأخبروه انه أفضل له أن يصمت من أن يثير غضب هيرودس الذي يعرف أخلاقه جيداً، وبذلك أرادوا أن يحرموه من حريته. لكن ما كانت تلك الحكمة التي تعوق الناس عن تأدية واجباتهم كقضاة أو خدام أو أصدقاء مسيحيين. وأعتقد أن ضمير يوحنا لم يوبخه من أجل ما فعل، ولكن شهادة ضميره له هونت عليه وثقه وشدائده إذ تألم في عمل الخير.

أما هيرودس فخاف من يوحنا وصراحته. وكان يستشيره (مرقس 6 :20)، لأنه شعر أن هذا السجين البار الداعي إلى التوبة هو الوحيد الذي يكلّمه بالحق ولا يداهنه كما تفعل حاشيته. لقد كان يوحنا في الحقيقة مستشاراً مؤثِّراً في اتخاذ القرارات المهمة والمصيرية، أما الملك فكان أسيراً لشهواته وللأرواح الشريرة. لكن كان هدف تلك الفاجرة المحتالة منحصراً في شيء واحد، هو قتل يوحنا الذي أزعجها.

وأتتها الفرصة فجأة، إذ دعت ابنتها من زوجها الأول، لترقص أمام عمها الملك السكِّير، فحلف أن يعطيها أي شيء تطلبه حتى ولو طلبت نصف مملكته. وبتوجيه أمها الحقودة، طلبت الفتاة رأس يوحنا المعمدان. لقد انفجرت هذه الطلبة كقنبلة بين الحاضرين، فاشمأزوا وحزنوا. لكن الملك حفاظاً على وعد الشرف الخاطئ، وجد أنه لا بد من تنفيذ وعده، ولم يخف الله، فأمر بقطع رأس يوحنا مستشاره الأمين.

يميل القلب العاطل الخالي من النعمة أن يهوى شهوات الجسد والعين، ولما تكون هذه حالته فإنه لابد واصل إلى تجارب أشد، لأن الشيطان بذلك يتملّك.

ما أتعس الأبناء الذين يشير عليهم أباؤهم بفعل الشر، ويرشدونهم إلى الخطيئة ويشجعونهم عليها، ويقدمون إليهم قدوة سيئة. فالطبيعة الفاسدة تنتعش وتحيا بالتعاليم الفاسدة أكثر مما يكبح جماحها وتموت بالتعاليم الصالحة.

هكذا مات يوحنا المعمدان، أعظم رجل بين البشر وساعي المسيح، شهيداً. مات لأجل خطيئة الآخرين ودعوتهم إلى التوبة. فهل تحب سلامتك أكثر من الحق؟ أليس عليك أن تبكِّت أصدقاءك بمحبة وتواضع لأجل خطاياهم؟ إن التبشير لا يتضمن إبراز وإبلاغ النعمة فقط، بل يتطلب أيضاً التبكيت على الخطايا والذنوب.

يروي المؤرخ اليهودي “يوسيفوس” هذه الرواية عن موت يوحنا المعمدان ويضيف إليها أن جيش هيرودس قد سحق سحقاً شديداً في حربه مع “اريتاس” ملك “بتريا” الذي كان هيرودس متزوجاً ابنته ونبذها ليتزوج هيروديا. ويقول “يوسيفوس” أيضاً إن هذه الهزيمة اعتبرها جميع اليهود قصاصاً عادلاً من الله لقتله يوحنا المعمدان. ثم اخيراً عن هذه الفتاة، ابنة هيروديا، انها إذ كانت تسير على الثلج في الشتاء تشقق الثلج فانزلقت هي في وسطه حتى رقبتها التي قطعتها اطراف الثلج الحادة. وهكذا قطعت رأسها اقتصاصاً منها لأجل رأس المعمدان. وإن صحت هذه الرواية اعتبرت تدخلاً عجيباً من العناية الإلهية.

نحمدك أيها الآب للقدوة اللامعة التي قدَّمها نبيُّك يوحنا في التضحية بنفسه. نطلب منك الجرأة للحق والهُدى في الخدمة، لنخبر أصدقاءنا بحقيقة خطاياهم. نحن لسنا أفضل منهم، إنما غفرتَ آثامنا وقدّستنا بنعمتك، فنقودهم إلى التوبة والانكسار، كما حصلنا نحن على خلاصك بواسطة التوبة والإنكسار في قوة روحك القُدّوس.الصلاة:

السؤال 139 : ما هو سبب موت يوحنا؟

إشباع الخمسة آلاف

( 14: 13-21)

14: 13 فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ انْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ فِي سَفِينَةٍ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاءٍ مُنْفَرِداً. فَسَمِعَ الْجُمُوعُ وَتَبِعُوهُ مُشَاةً مِنَ الْمُدُنِ. (14) فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ أَبْصَرَ جَمْعاً كَثِيراً فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وَشَفَى مَرْضَاهُمْ. (15) وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: الْمَوْضِعُ خَلاَءٌ وَالْوَقْتُ قَدْ مَضَى. اِصْرِفِ الْجُمُوعَ لِكَيْ يَمْضُوا إِلَى الْقُرَى وَيَبْتَاعُوا لَهُمْ طَعَاماً (16) فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لاَ حَاجَةَ لَهُمْ أَنْ يَمْضُوا. أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا (17) فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ عِنْدَنَا ههُنَا إِلاَّ خَمْسَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَمَكَتَانِ (18) فَقَالَ: ائْتُونِي بِهَا إِلَى هُنَا (19) فَأَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الْعُشْبِ، ثُمَّ أَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ، وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى الأَرْغِفَةَ لِلتَّلامِيذِ، وَالتَّلامِيذُ لِلْجُمُوعِ. (20) فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوءةً. (21) وَالآكِلُونَ كَانُوا نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ، مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ.                           (2ملوك4: 44، مر6: 31-44، لو9: 10-17، يو6: 1-13)

ارتعب تلاميذ يسوع من موت المعمدان، لأنهم كانوا من أتباعه سابقاً لمدة. فاعتزل يسوع مع حوارييه للصلاة، ليعلّمهم أنَّ وظيفتهم الرسولية لا تتم دائماً في حلقة المؤمنين بل تستدعي دائماً المجاهرة بالحق، ولو كلَّف ذلك الحياة. غير أن المسيح لم ينعَم طويلاً بالهدوء، إذ سرعان ما تراكضت إليه الجماهير ليستمد منه قوة وتعزية وإرشاداً، خصوصاً بعد قتل المعمدان، الذي اعتبروه نبياً شهيراً. فاجتمع في البرية أكثر من خمسة آلاف رجل مع عائلاتهم، محمولين بجوعهم إلى كلمة الله.

إن العالم حولك مشتاق إلى الخلاص أكثر مما تعلم. فأين شفقتك عليهم؟ إن قوة الله العاملة فيك تؤهلك للخدمة بمقدار محبتك للضالين، وشهادتك عن المخلّص تحرر القلوب.

فالمسيح لم يتحنن عليهم فقط، بل أغاثهم. فقد كان الكثيرون منهم مرضى، وهو في رحمته وشفقته شفاهم لأنه أتى إلى العالم لكي يكون الشافي الأعظم.

عندما طال الوقت بدأ التلاميذ يتحيرون، ولم ينته المسيح من موعظته القوية. خافوا أن تجوع الجماهير، وتحدث اضطراباً بليغاً. فاقترحوا لمعلّمهم أن يصرف الناس المزدحمين حوله. لكن المسيح قال لهم: أعطوهم أنتم ليأكلوا ويشبعوا، فظهر فقرهم. والمسيح يقول أيضاً لك: كسِّر خبزك للفقير، وبشِّر الجميع بالإنجيل ليشبعوا. شاركهم بما عندك.

ولا ضَيرْ عليك أن تعترف مع التلاميذ بأن ليس لديك إلا القليل بالنسبة لحاجة الناس حولك. طوبى لك إن كان عندك قليل من مواهب الله! ضعها تحت تصرف المسيح ليباركها، فيشبع بها الآلاف.

لكن انتبه إلى ما فعله يسوع. أولاً نظّم الجماهير. وبعدئذ أخذ القليل الذي عندهم، وشكر أباه السماوي شكراً قلبياً عليه. وهذا كان السر في الأعجوبة أنه شكر على القليل فصار كثيراً. بعدئذ كسر الخبز بالإيمان فلم ينته حتى شبع الجميع. وبقي كثير من الطعام كافياً لغير الموجودين من الأسباط الاثني عشر الجائعين إلى البر.

اهتم المسيح بالفضلات بأمانة ولم يسمح بتركها على الأرض مثلما يفعل بعض الأغنياء الذين يلقون ببقايا الطعام في القمامات.

إن الطريقة لبركة مالدينا، بركة حقيقية لأنفسنا، هي أن نأتي به إلى المسيح، لأن كل شيء يقدس بكلمته وبالصلاة إليه (1تي4: 5) وكل ما نضعه في يدي ربنا يسوع لكي يتصرف فيه كما يشاء يزداد ويتبارك ونسترده منه فنجد فيه لذة مضاعفة. وكل ما نعطيه لفعل الخير ينبغي أن نقدمه إلى المسيح أولاً، لكي يتكرّم ويقبله منا، ويتفضّل ويباركه للذين سيعطى لهم.

إن بركة الله تستطيع أن تجعل القليل كثيراً، كما أنه إذا لم يبارك الله ما عندنا فإننا نأكل وليس إلى الشبع (حجي 1: 6).

هل تشكر الرب على القليل الذي استودعه بين يديك؟ سلّم كل مواهبك وأوقاتك وأموالك ليسوع شكراً لفدائه، فتتعجب كيف يقوي كثيرين بقوتك الصغيرة.

أيها الآب، نخجل لقلّة إيماننا وضعف محبتنا. علّمنا أن ندرك جوع الجماهير إلى الخبز المادي والغذاء الروحي، لنشركهم بالمواهب المعطاة لنا. باركنا وبارك كل تضحياتنا ليخلص كثيرون، وينالوا الحياة الأبدية. قوِّ إيماننا ومحبتنا لتعمل قدرتك اليوم بيننا.الصلاة:

السؤال 140 : كيف أوجد يسوع الخبز لأجل الخمسة آلاف؟

يسوع يمشي على الماء

( 14: 22-27)

14: 22  وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ يَسُوعُ تَلامِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوهُ إِلَى الْعَبْرِ حَتَّى يَصْرِفَ الْجُمُوعَ. (23) وَبَعْدَمَا صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِداً لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ. (24) وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمْوَاجِ. لأََنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. (25) وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ. (26) فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ خَيَالٌ وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! (27) فَلِلْوَقْتِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا.

 (مر6: 45-52، لو6: 12؛ 24: 37، يو6: 15-21)

لم  يقصد المسيح أن يسقط تلاميذه في تجربة الحماس كبقية الجمهور الذين حاولوا أن يجعلوا صانع الخبز ملكاً عليهم، فلم يهتموا بالوهّاب، بل بالخبز الموهوب لهم مفكرين بالراحة دون تعب وكدٍّ، بدون تغيير القلوب، فاحبوا أنفسهم أكثر من ابن الله.

عندئذ انسحب يسوع من بينهم، وفصل اتباعه عن التيار الخطير في الشعب، كي يتأملوا في معنى الأعجوبة وليس في الخبز ذاته. ثم اعتزل المسيح الجميع لكي يصلي في البرية، مرجعاً الشهرة والمعجزة لأبيه الذي منحه إياها. بهذا العمل شكر المسيح أباه، وأنت كيف تشكر إلهك على البركات والنعم التي وهبك إياها طوال حياتك. نحن نتحرر من الكبرياء والعجرفة من خلال الشكر والسجود لله.

عاد التلاميذ سريعا إلى واقعهم، لأن العاصفة هبت ضدهم والبحر هاج عليهم، فلم يكونوا بعد في الفردوس أو في منازل الآب، بل وجدوا أنفسهم في بحر المشاكل بدون المسيح. ظنوا أن مخلّصهم بعيد عنهم، لأنه غير منظور. ونحن أيضاً نختبر التيار الجاري ضدنا، والظلمة الدامسة المتصاعدة، والخطر المحدق بنا، فيزداد الخوف في العالم أكثر فأكثر.

لابد أن التلاميذ صلّوا منادين باسم مخلّصهم غير موجود معهم، فأعطاهم تعليماً لن ينسوه إلى الأبد. لقد جاء إليهم عياناً كما طلبوا، إلهاً منقذاً. لم يدرك التلاميذ يسوع، لأنهم كانوا غير مؤمنين باستجابة صلاتهم، وظنُّوا أنه شبح. فارتجفوا وصاحوا خوفاً ورهبة.

فهل تؤمن باستجابة صلواتك؟ أو تعيش خائفاً من الأشباح في الضيق والمشاكل؟ المسيح يقترب منك، وإن لم تره. آمن به تُحفَظ إلى الأبد.

 أعلن يسوع ذاته للخائفين، قائلاً: «أنا هو». وهذه عبارة معروفة لشعب العهد القديم كإعلان الرب عن ذاته ( التكوين 3: 13،14). فزيادة على خلق الخبز من القليل، أعلن المسيح نفسه لأتباعه أنه رب العهد الأمين، وطرد منهم كل خوف.

أيها الرب يسوع نعظمك لأنك رفضت تتويجك ملك الخبز على الجماهير، وأكملت طريق العار على الصليب لتشملنا بغفرانك وبر نعمتك. أنت تريد منا أن نتبعك ليس طمعاً في الخبز والمال بل تعلقاً بك ومحبة فيك، لكي نؤمن أنك أنت الرب الأمين الذي لن يتركنا ولن يتخلى عنا في الظلام الدامس. الصلاة:

السؤال 141: ماذا تعني عبارة انا هو في الكتاب المقدس؟

غرق بطرس في البحيرة

(14: 28-35)

14: 28 فَأَجَابَهُ بُطْرُسُ: يَا سَيِّدُ، إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَمُرْنِي أَنْ آتِيَ إِلَيْكَ عَلَى الْمَاءِ (29) فَقَالَ: تَعَالَ فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ وَمَشَى عَلَى الْمَاءِ لِيَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ. (30) وَلكِنْ لَمَّا رَأَى الرِّيحَ شَدِيدَةً خَافَ. وَإِذِ ابْتَدَأَ يَغْرَقُ صَرَخَ: يَا رَبُّ نَجِّنِي (31) فَفِي الْحَالِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا قَلِيلَ الإِيمَانِ، لِمَاذَا شَكَكْتَ؟  (32) وَلَمَّا دَخَلاَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ. (33) وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللّهِ!

(متى16:16، يو1: 49)

سمع بطرس إعلان المسيح أنه الرب بالذات، وفهم معنى هذا القول وآمن به. لكنه شكَّ في اختباره وحواسه، طالباً البرهان ليتأكد من حقيقة ألوهية المسيح الماشي على الماء، فجرَّب ربه ليأمره بالمشي إليه على الماء.

قال المسيح له كلمة واحدة: «تعال». وهذه الكلمة دعوة، تخصني وتخصك. تعال إلى شركة المسيح، ولا تختر لنفسك هدفاً غيره، فتصبح أقوى من كل عناصر دنيانا.

تجاسر بطرس رغم ضعفه وشكوكه ونزل من المركب إلى البحر الهائج. وشَخَصَ مبهوتاً إلى المسيح لأن الماء صار تحت قدميه أرضاً صلبة يمشي عليها. لأن إيمانه ثبت بقوة الخالق القدير.

وبينما هو ماشٍ على سطح البحر تذكّر الصياد الخبير فجأة أنه محاط بالخطر، لأنه عالم باللجج والأمواج، فخاف ولم يعد يفكر بالمسيح، بل تأمل الخطر المُقبل عليه. لم ينظر إلى هدف مسيره الذي هو المسيح بل إلى الموجة الهاجمة عليه، فابتدأ يغرق!

أيها الأخ، كل ما يصرفك عن المسيح ويُشغل بالك يسيطر عليك ويخرِّبك. آمن بالمسيح وحده، واعتبر أن كل الناس والسلطات بالنسبة له لا شيء. انظر إليه ولا تحوّل عينيك عنه مطلقاً.

 لما ابتدأ بطرس يغرق، صرخ فزعاً: «يارب نجّني! » وعاد مرة أخرى ينظر إلى هدفه، فلم يرَ إلا المسيح وحده ماشياً على الماء. فمدَّ يسوع يده، وأمسك به، فنجا. لم يترك المسيح الخائف، ولم يرفض ذلك الفاشل بالإيمان، بل أمسكه ونجَّاه قبل أن يغرق نهائياً، وجعل من تحته الماء صلبة مرة أخرى لتحمل المؤمن بيسوع. لقد خلّصه المسيح في اللحظة الأخيرة دون تأخير.

بعدما تخلّص مقدام الكنيسة القليل الإيمان وبخه المسيح لأجل شكوكه لأنه اتكل على اختباراته في الصيد أكثر مما اتكل على ربه. لكن يسوع يطلب تسليمنا الكامل، لأنه بالإيمان التام تنتصر قوته فينا. فهل تستسلم لابن الله مؤمناً أنه الرب الحق؟

فتح التلاميذ الأحد عشر الآخرين آذانهم وأفواههم بذهول عندما رأوا وسمعوا هذه الحادثة. وعندما دخل يسوع سفينتهم، سكتت العاصفة فجأة، وأحاطهم هدوء عظيم، كأنهم دخلوا السماء. فقاموا في سفينتهم، وانحنوا عميقاً، وسجدوا للمنتصر على العناصر، واعترفوا مرتجفين: أنت بالحقيقة ابن الله. وهذه الكلمة لم تخرج من أفواههم إلا في هذا اليوم، حيث شاهدوا معجزة الخبز، وسمعوا قول يسوع: «أنا هو». ورأوه يمشي على الماء. فاستناروا مدركين ظهور الله في ابنه بينهم.

إننا بقوة المسيح نُرفع فوق مستوى العالم، ونتمكن من أن ندوس عليه، ونُحفظ من أن نغرق ونبتلع فيه. تأمل في حياة المغبوط بولس وهو يمشي على الماء مع يسوع، ويعظم انتصاره به، ويطأ على كل الأمواج المتلاطمة وهو يعتبرها غير قادرة أن تفصله عن محبة المسيح (رو8: 35) وهكذا يصبح بحر العالم كبحر من زجاج، متجمداً لكي يحمل المؤمنين وكل الغالبين، يقفون عليه وهم يرتلون (رؤ15: 2و3)

أيها الآب السماوي نشكرك لأنك أرسلت المسيح رباً على العناصر، سامحنا يارب إذا اعترانا الخوف من الزلازل والزوابع والحروب وهيجان العناصر، ولم نتطلع إليك. قوِّ إيماننا حتى لا نلتفت يمينا أو يساراً، بل اجعلنا نثبت أنظارنا في ابنك الحبيب لنستمد منه القوة والإطمئنان واليقين بحفظنا لأجل حضوره معنا. أما إذا غرقنا في التجربة والمشاكل فساعدنا أن نصرخ إليك ” نجني يارب وخذ بيدي” لنختبر يد ابنك اليمنى تمسك بنا وتنتشلنا من الخطر المميت، فعندئذ نتبعه ملتصقين ومتمثلين به، ومعترفين بالحقيقة أنك ابن الله الحي. الصلاة:

السؤال 142: لماذا اعترف الرسل بعد سجودهم ليسوع أنه ابن الله؟

14: 34  فَلَمَّا عَبَرُوا جَاءُوا إِلَى أَرْضِ جَنِّيسَارَتَ، (35) فَعَرَفَهُ رِجَالُ ذلِكَ الْمَكَانِ. فَأَرْسَلُوا إِلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ وَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ الْمَرْضَى، (36) وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا هُدْبَ ثَوْبِهِ فَقَطْ. فَجَمِيعُ الَّذِينَ لَمَسُوهُ نَالُوا الشِّفَاءَ.            (متى9: 21، مر6: 53-56، لو6: 19)

ظهر سلطان ابن الله أكثر فأكثر، فاسمه ووجهه ورحمته صارت معروفة في كل البلاد. وآمن أهل منطقة جنيسارت بأنهم إذا لمسوا هدب ثوبه تنقل قوة الله إلى أجسادهم. وسمع يسوع لطلبتهم فشُفوا بالإيمان وحده بدون أي كلمة. ان من يسمع كلمة الله من خلال النبذ أو الكتب والمطبوعات ويؤمن، يحيا إلى الأبد.

إن الذين عرفوا المسيح عليهم أن يبذلوا كل ما في وسعهم ليأتوا أيضاً بغيرهم غلى معرفته. علينا أن لا نتناول الطعام الروحي وحدنا، ففي المسيح ما يكفي الجميع، أما الإحتكار فلا منفعة منه. وعندما تكون هنالك فرصة للحصول على الخير لنفوسنا فعلينا أن نأتي بأكبر عدد لمشاركتنا. فمن الممكن أن ينتفع بالفرص عدد أكبر مما نظن لو أنهم وصلتهم الدعوة لانتهازها.

إن المسيح هو الشخص الوحيد الذي ينبغي أن نأتي إليه بمرضانا، فلمن يذهبون سوى للطبيب الأعظم “شمس البر الذي في أجنحته الشفاء”.

أيها الرب يسوع المسيح ابن الله الحي، نسجد لك لأنك رب العناصر. الرياح والمياه تطيعك، والمرض يمضي من قربك. اغفر لنا قلة إيماننا، وعلّمنا السير المتجه إليك بلا انحراف، لكيلا نغرق في بحر المشاكل، بل نثبت في قدرتك. إذا عثرنا وسقطنا، فخذ بيدنا. لأن ليس منقذ إلا أنت.الصلاة:

السؤال 143 : لماذا لمس المؤمنون بهدب يسوع ونالوا الشفاء؟

تطهير الداخل والخارج

( 15: 1-20)

15: 1  حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: (2) لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزاً؟ (3) فَأَجَابَ: وَأَنْتُمْ أَيْضاً، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ؟ (4) فَإِنَّ اللّهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمْ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً. (5) وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأََبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. (6) فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللّهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! (7) يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: (8) يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً. (9) وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ.

(خر20: 12؛ 21: 17، أمثال 28: 24، إشعياء29: 13، مر7: 1-13، لو11: 38، 1تيمو5: 8)

غضب زعماء اليهود وخافوا من سلطان المسيح الروحي، ففتشوا عن نقاط الضعف في تلاميذه تمهيداً لإدانته. لقد كان علماء الشريعة من القدس يجهّزون الفخ ليصطادوا المسيح بشبكة أحكامهم.

وكان تلاميذه قد كسروا بعض أحكام الشيوخ التي استنتجوها من التوراة، إذ لم يكونوا يغسلون أيديهم قبل تناول الطعام. فاشتكى هؤلاء العلماء عليهم، ليس بسبب النظافة، بل لتجاوزهم التقاليد، التي تعتبر من لا يمارس الغسل نجساً، وصلاته وشهادته باطلتين. بذلك جعلوا تفسيرهم للتوراة أهم من التوراة، التي لا تتضمن مثل هذه الفرائض.

كان الكتبة والفريسيون هم عظماء الكنيسة اليهودية، كانوا رجالاً جعلوا من التقوى تجارة، وكانوا أعداء ألداء لإنجيل المسيح، ولكنهم كانوا يسترون مقاومتهم للإنجيل بادعاء الغيرة على شريعة موسى، مع انهم في الواقع لم يقصدوا سوى تدعيم بطشهم على عقول الناس، كانوا رجال علم ورجال أعمال عالمية.

كان تقليد الشيوخ أن يغسل الناس أيديهم مراراً عديدة وقت تناول الطعام. وهذا وضعوه ضمن مبادئهم الدينية مفترضين أن الطعام الذي يلمسونه بأيد غير مغسولة يدنسهم. كان الفريسيون أنفسهم يمارسون ذلك كما كانوا يفرضونه بمنتهى التدقيق على الآخرين. وكانوا لا يفرضون عقوبات بدنية على المخالفة، بل كانوا يعتبرونها خطيئة ضد الله. قال الرابي يوسيس “إن الأكل بأيد غير مغسولة خطيئة عظيمة كخطيئة الزنى” أما الرابي “اكيبا فإنه إذ أودع السجن وأرسلت إليه مياه لغسل يديه وللشرب وبعد أن نفذت كمية كبيرة منه، غسل يديه بالباقي ولم يترك لنفسه شيئاً ليشربه قائلاً إنه يفضل الموت على تعدي تقليد الشيوخ. بل إنهم كانوا لا يأكلون مع من لم يغسل يديه قبل الأكل. وإن هذه الغيرة المتحمسة في أمر تافه كهذا لا تبدو غريبة إن كنا لا زلنا نرى مضطهدي الكنيسة لا يحرصون فقط على اختراعاتهم بل يحاولون فرضها على غيرهم أيضاً.

لم يجب المسيح على أسئلة هؤلاء الفقهاء واتهاماتهم له بالتعدي على التقاليد، بل حكم عليهم بأنهم هم الذين تعدوا على وصية الله بتفسيراتهم. بهذا أراد أن يفتح أعينهم لعلهم يرجعون إليه، هو الحي المتجسد. بذلك أوضح لهم كيف أهملوا خدمة محبة الوالدين، وانكبّوا على جمع المال المختص بالآباء والأمهات، مدَّعين أن هذا المال هو لخدماتهم الدينية، ناسين أن شعار وصايا الله هو المحبة.

سمَّى المسيح الفقهاء والكتبة «مرائين». وهذه العبارة أثارت البغضة في نفوسهم، حتى غلت مراجل الحقد في صدورهم. لكن لم يلبث المسيح أن وبَّخ رياءهم، مستشهداً بكلمة الله في إشعياء 19: 13، مظهراً أن صلواتهم ليست إلا كلاماً تردده الشفاه، خال من شعور قلبي بحب الله، فتكلموا دون أن يفكروا مليّا بما تكلموا به، فكانوا مدعِّين التّقوى، وهم في الحقيقة محتالين ومتعالين، وكل عبادتهم باطلة وبلا قيمة وخالية من القوى المخلصة. خدعوا أنفسهم وأتباعهم، وعلَّموا التقاليد المتجمدة، وتركوا المحبة العملية، متعمقين في قوانينهم الزائدة على شريعة التوراة.

وصف المسيح المرائين في ناحيتين:

في تأدية عبادتهم، فالمرائي يقترب من الله ويكرمه هو في الظاهر يعبد الله “صعد الفريسي إلى الهيكل ليصلي”. إنه لا يقف بعيداً موقف من هم “بلا إله في العالم”، بل له اسم بين الشعب القريب منه. علّهم يكرمونه، أي يأخذون على أنفسهم إكرامه، ويشتركون مع من يكرمه. إن الله تصل إليه بعض الكرامة من خدمات المرائين إذ تساعد على ابقاء صورة التقوى، ولو عن غير قصد، امام العالم الذي يريد الله أن تبقى فيه كرامته.

في تعاليمهم للآخرين، والدليل على ريائهم انهم “يعلمون تعاليم هي وصايا الناس”. كان اليهود يؤدون للوصايا الشفوية التي أخذوها من المفسرين للشريعة بنفس الإحترام والتقديس لكلمة الله.

لم يعرفوا حقيقة الخلاص المبني على رحمة الله ونعمته، ولم يكن فيهم قلب متجدد، بل حاولوا تبرير أنفسهم بأعمال خالية من المحبة. ورغم صلواتهم الكثيرة وتبرعاتهم الضخمة رفض الله عبادتهم لأنها خالية من المحبة.

إن كان تديننا ذببيحة باطلة وديانة باطلة فما أعظم هذا الباطل. كم هو محزن أن نعيش في عصر الصلوات والعظات والطقوس الكثيرة باطلاً، أن “نضرب الهواء” في كل هذه. هذا ما يحدث فعلاً إن لم يكن القلب مع الله فيها. إن مجهود الشفتين مجهود ضائع (إش1: 11) فالمراؤون “يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة”    (هو8: 7) يعتمدون على الباطل، فيكون الباطل جزاءهم.

لذلك يجب أن تمتحن صلاتك، هل حصلت على قلب جديد، مطهر بدم المسيح، وممتلئ بصبر المحبة؟ وهل تحررت من عبودية التقاليد والعادات البشرية إلى خدمة الله الحقَّة؟ هل أنت من الذين يتظاهرون بالتقوى أم أنك بالفعل تحب الله من كل قلبك وبكل قدرتك؟

أيها الاب السماوي، قد عرفت صلواتنا وأفكارنا. اغفر لنا عميتنا وتجرباتنا وتظاهرنا بالتقوى رغم نجاستنا وشرنا بالمقارنة لقداستك ومحبتك. طهرنا في شعورنا الباطني، واخلق فينا قلباً جديداً ممتلئاً بمحبتك، لنصلي بضبط الفكر ولا نتكلم بدون صوت القلب. الصلاة:

السؤال 144 : ماهي الخطيئة التي كانت في عبادة اليهود المتدينين؟

من القلب تخرج أفكار شريرة

(15: 10-20)

15: 10 ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ: اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. (11) لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ (12) حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوا لَهُ: أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟  (13) فَأَجَابَ: كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. (14) اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ (15) فَقَالَ بُطْرُسُ لَهُ: فَسِّرْ لَنَا هذَا الْمَثَلَ (16) فَقَالَ يَسُوعُ: هَلْ أَنْتُمْ أَيْضاً حَتَّى الآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ (17) أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ، (18) وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْبِ يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، (19) لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ. (20) هذِهِ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. وَأَمَّا الأََكْلُ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ فَلاَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.

(تكوين8: 21، مر7: 1-13، أعمال5: 38؛ 10: 15، رو2: 19، تيطس1: 15)

يدعي المراؤون أن تناول بعض المأكولات والمشروبات المحرَّمة هي خطيئة كبيرة لا تغفر. وبهذا القرار الضعيف يظهرون أنهم لم يفهموا نجاسة قلوبهم بعد، فيحاولون ترويض الإنسان الشرير المتوحش لممارسة بعض المحرمات الباطلة.

لا شك في أن الكحول عدو الإنسان، كما أن النيكوتين من أهم مسبِّـبي مرض السرطان، أما التلفزيون فيساعد كثيراً على نشر الدّعارة والأكاذيب، ولحم الخنزير يضرّ الصحة . غير أن المسيح يوضِّح لنا جليّاً أن كل هذه الأشياء لا تسبب نجاسة للإنسان لأنه في طبيعته نجس رديء.

يخبرنا المسيح أن لنوع طعامنا أو حالة أيدينا أي تأثير على أرواحنا لتلويثها بأي فساد أدبي. “ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً” (رو14: 17). إن ما ينجس الإنسان هو ما يدفعه لارتكاب الخطيئة امام الله، ويجعله يخطئ في حقه وغير خليق بالشركة معه أما ما نأكله بتعقل واعتدال فإنه لا يؤدي إلى هذه النتيجة لأن “كل شيء طاهر للطاهرين” (تي1: 15).

إن الذي ينجس الإنسان هو ما يخرج من فمه، فنحن نتدنس لا بما نأكله بأيد غير مغسولة بل بالكلمات التي تخرج من قلوب غير مقدسة. لذلك فالفم يجعل الجسد يخطئ (جا5: 6).

فمتى يدرك هؤلاء الأتقياء المراؤون أن الرسول بولس اعترف بعد الإصحاح السادس من رسالته إلى أهل رومية، التي تحدث فيها عن قداسة المؤمن وأن ليس في قلبه شيء صالح. فالصالح الذي أراده لم يعمله، والشر الذي لم يرده فإياه عمل.

إن المؤمن، حتى بعد تجديده وتقديسه، يجد في قلبه ميلاً للعصيان والتّمرد والتجربة للنجاسة، ويتمنى أن يربح أموالاً طائلة لتأمين حياته، أو النفور من إخوته وزملائه مما يؤدي إلى السقوط في المشاكل والأخطاء. فيجد ضميره يبكِّته، ويئِن ويصرخ مع بولس قائلاً :” ويحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت”.

ليت الأتقياء يتوبون أولا، ويدركون عمق  النجاسة التي في كيانهم، فيصبحون متواضعين في المسيح منكسري القلوب ومساكين بالروح القدس. عندئذ يطلبون الغفران بالدم المسفوك باستمرار وينالون القداسة الكاملة الموهوبة لمستحقي الضمائر. لكن يا للأسف، كثيرون لا يعتمدون على الغفران اليومي ولا على تقديسهم بالروح الذي يبيد الكبرياء دائماً، بل يمنعون بأحكامهم السطحية وتقاليدهم المتجمدة، طالبي الخلاص على يد المسيح من أن يتقدموا إليه رغم قيامهم بالإجتماعات الإنتعاشية المتعددة.

متى يدرك المراؤون أن بولس اعترف بعد الأصحاح السادس من رسالة رومية، الذي تحدث فيه عن قداسة المؤمن (أي في الأصحاح السابع مباشرة) أن ليس في قلبه شيء صالح حتى ولو بعد التجديد؟ فالصالح الذي أراده لم يعمله، والشر الذي لم يرده فإياه عمل.

لقد خلقنا الله بكيفية عجيبة جداً وهو يحافظ على حياتنا بكيفية اعجب. إن القوة الطاردة للفضلات في الجسم ضرورية جداً كأية قوة أخرى، فهي لازمة لطرد الفضلات او المواد الضارة، وهكذا نجد الطبيعة لحسن الحظ قادرة على أن تعين نفسها بنفسها، وتدبر أمورها بنفسها لصالحها. بهذه الطريقة لا يبقى شيء ينجس. فإذا ما أكلنا بأيد غير مغسولة واختلط شيء غير طاهر بطعامنا أفرزته الطبيعة وطردته فلا ينجسنا. اما غسل الأيدي قبل الأكل فهو على سبيل النظافة لا على سبيل إرضاء الضمير، وإذا ما وجهناه الإتجاه الديني كان ذلك خطأ فاحشاً. لم يهاجم المسيح مجرد الغسل بل الباعث عليه، كأن الطعام يقدمنا إلى الله (1كور8:8) بينما لا تقوم المسيحية على مثل هذه التصرفات والأعمال الظاهرية.

لا يتخلص الإنسان ولا يتقدس بحفظ الشريعة، بل بالإيمان بدم المسيح وحده. فلا يرضى الله إلا بالقلب المنسحق والروح الوديع. ويدفعنا الروح القدس إلى خدمات خيرية، لننظف غرف بيت جارنا المريض، وندفع ديونه، دون أن يعرف، وبدون أن نذكر كلمة واحدة عن خدماتنا.

الينبوع الفاسد هو الذي يخرج من الفم. إنه يصدر من القلب الذي هو ينبوع وأصل كل خطيئة (أرميا8: 7). القلب شرير بدرجة خطيرة، لأن كل الكلمات والتصرفات الخاطئة صادرة عن القلب، فهو أصل المرارة الذي “يثمر علقماً وأفسنتيناً” (تثنية 29: 18) إن جوف الخاطئ هوة شريرة جداً، كل الكلمات الشريرة تصدر عن القلب، وهي التي تنجس الفاسد تصدر كل التصرفات الفاسدة.

أيها الأخ، هل تعرف أن قلبك مخادع جداً؟ إنه مصدر أحلامك النجسة، وأقوالك الماكرة وأعمالك السيئة. هل تتذكر ذنوبك الماضية، إنها نتيجة أخلاقك الفاسدة، فاعرف نفسك وادرك مصدر نجاستك الساكن فيك. قدِّم نفسك ليسوع ليغلب رواسب خطاياك ويطهّرك من كل خطيئة. مع العِلم أن الصراع بين جسدك وروح الرب لا ينتهي مادمت هذه الأرواح على قيد الحياة. أنت في جهاد روحي فلا تطمئن، بل اسهر وصلِّ لكيلا تسقط في تجربة، لأن الروح نشيط، أما الجسد فضعيف.

إن أكبر تجربة للأتقياء هي الرياء المبني على الفكر الخاطئ، إنهم يتقدّسون أكثر من طهارة دم المسيح والروح القدس يحفظ الممانعات والواجبات الخاصة، فلا تسقط في هذا النوع من التجربة.

أيها الرب يسوع الحنون، أنت عالم بنفسي وماضيَّ أكثر مما أعرف. خلّصني من نفسي ومن الرياء وإظهار «الأنا». حررني إلى حرية أولاد الله للتقديس بالإيمان في دمك الثمين، لأخدم كل محتاج بفرح. قدّسني إلى التمام لكيلا يبقى قلبي ينبوع الشر بل يصبح مصدر المحبة والعفّة والتأني.الصلاة:

السؤال 145  : ما هي الأفكار والأعمال الشريرة النابعة من القلب، وما هو ثمر الروح القدس؟

إيمان المرأة الفينيقية العظيم في تواضعها

( 15: 21-28)

15: 21 ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. (22) وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ: ارْحَمْنِي يَاسَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ. اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدّاً  (23) فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: اصْرِفْهَا، لأََنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!(24) فَأَجَابَ: لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ (25) فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: يَا سَيِّدُ أَعِنِّي! (26) فَأَجَابَ: لَيْسَ حَسَناً أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ (27) فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا سَيِّدُ. وَالْكِلاَبُ أَيْضاً تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا (28) حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لَهَا: يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ.

(متى8: 10و13؛ 10: 5-6، مر7: 24-30، رو15: 8)

بعدما وبخ المسيح أهل التقوى الشكلية لأجل نسخ وصية الله بتقاليدهم ولأنهم خدعوا أنفسهم، ثار هؤلاء في كل المجامع وحرّضوا وجهاء الشعب ضد يسوع، ليرفضوه ويتجسسوا عليه ويسلموه للهلاك. وابتعدت عنه والجماهير التي أكلت قبل ذلك من الخبز العجيب نعمة المسيح، أكثر فأكثر، خائفة من الزعماء، فتأججت البغضة، وابتدأ الارتداد العام.

هنا نجد تلك الرواية المشهورة عن إخراج الشيطان من ابنة المرأة الكنعانية. وفيها نرى شيئاً فريداً وغريباً جداً، مليئاً بالعطف على الأمم المساكين، وهو دليل على الرحمة التي كان يدخرها لهم المسيح. هنا نرى شعاعة لذلك النور الذي كان لا بد أن ينير للأمم (لو2: 32) المسيح “إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله” (يو1: 11).

فمن يبتعد عمداً عن المسيح، يبتعد عنه المسيح أيضاً. وهكذا مضى يسوع إلى الخطاة في لبنان وترك أمته اتجاه عبدة الأوثان. فابتدأ الفينيقيون يؤمنون به، بينما أتقياء أمته رفضوه. وجاءت امرأة ريفية غير مثقفة، وجثت عند قدمي يسوع، مؤمنة وطالبة شفاء ابنتها المجنونة جداً. لم يجبها المسيح بكلمة واحدة. واعتبر تلاميذه استغاثة المرأة إزعاجاً يلفت النظر إليهم. فطلبوا من ربهم أن يساعدها، ليس حباً بها، بل تخلُّصاً من لجاجتها وصوتها.

إن متاعب الأبناء مصائب للآباء، وأشد المصائب أن يروا أولادهم في قبضة الشيطان. إن الآباء الرقيقي القلب يحسون إحساساً رقيقاً جداً بشفاء أبنائهم الذين هم فلذة أكبادهم. فقد كان لسان حال تلك المرأة يقول “ولو كانت مجنونة جداً إلا أنها لا زالت ابنتي”. إن أشر المصائب التي تحل بإقربائنا لا يمكن أن تفصل علاقتنا بهم، ولذلك ينبغي أن لا ننزع عنهم محبتنا. فقد كانت ضيقة العائلة هي الباعث على تقديم هذه الإبنة إلى المسيح.

لكن المسيح أوضح لهم وصية أبيه السماوي، أنه أُرسل أولاً إلى الضالّين في شعبه ليخلّصهم من جنون تصلُّبهم وخداعهم لأنفسهم.

أما المرأة فلم تَكُفّ عن صياحها ولم تتركه واثقة أنه رجاءها الأخير، بل سجدت له وسط الطريق، معترضة سبيله لتجبره على شفاء ابنتها-مما يدل على أنها آمنت بقدرة المسيح الفائقة. وهذا الإيمان غلب حتى مبادئ المسيح الذي تحنن عليها ونقَّى إيمانها، وقادها إلى معرفة نفسها بواسطة امتحان صارم. وصنفها في خانة الكلاب كما صنف كل الشعوب التي على الأرض، إذ يمشون في استكبارهم بلا تعقّل بحسب شهواتهم، وليس عندهم شريعة موسى ولا استنارة بوحي الله. إن كلمة الله وحدها تنير الناس وتهذّب القلب وتغيّر الذهن. وإلا فكلّنا نشبه الكلاب في عدم معرفة الخالق.

إن الذين يقصد لهم المسيح كرامة مضاعفة يذلهم أولا ويشعرهم بحقارتهم وعدم استحقاقهم. ينبغي أن ننظر أولاً إلى أنفسنا بأننا غير مستحقين لمراحم الله، قبل أن نؤهل للتمتع بها. يسر المسيح أن يدرب الإيمان القوي بالتجارب القوية، وفي بعض الأحيان يبقى أشد التجارب لتكون آخرها حتى نخرج كالذهب بعد الإمتحان. وهذه القاعدة العامة تطبق على أشخاص آخرين للإرشاد، لكنها استعملت هنا للإمتحان فقط.

قبلت المرأة هذا اللقب الدنيء، لأنه قيل لها بالمحبة والحق، موضّحاً حالة البشر بالصواب. فغلبت المؤمنة تباطؤ المسيح في شفاء بنتها. لقد خلَّص نفسها أولاً من الكبرياء ثم شفى ابنتها. فهل أدركت سر هذه المعجزة في لبنان؟ فتواضَعْ حالاً مثل هذه المرأة الفينيقية، واعتبر نفسك أنجس خاطئ أمام الله، فتعرف الحقيقة وتطلب التطهير لذاتك أولاً.

بعد ما اجتازت هذه المرأة الامتحان الإلهي وتواضعت جداً، أكرمها يسوع إكراماً كبيراً، لأنها باكورة الأمم، فسمَّى إيمانها عظيماً، قادراً أن ينقل الجبال وينال الشفاء.

نتعلم من السيدة الفينيقية استمرارية الإبتهال لأجل المصابين بالأرواح النجسة، فالأم بملء محبتها لإبنتها ضحت بشرفها وأنانيتها وغلبت بإلحاحها نظام الله. عارضت طريق المسيح ولم تتركه حتى شفى فلذة كبدها. فمحبتها وإيمانها ورجاؤها، دفعت بالمسيح إلى تغيير رأيه. وهذا هو الدليل المبين للحصول على استجابة الصلاة لأجل أصدقائنا وأقربائنا.

اعترض البعض على هذه الآيات مدعيا أن هناك تناقض بين متى ومرقس، فمتى يخبرنا بأن المرأة كانت كنعانية، غير أن مرقس يخبرنا بأنها كانت أممية وجنسيتها فينيقية سورية.

نجيب بأن البلاد التي كانت تشتمل على صور وصيدا كانت في يد الكنعانيين، وكانت تدعى بلاد كنعان. ولا يخفى أن الفينيقيين تناسلوا من الكنعانيين، والبلاد التي كانت تشتمل على صور دعيت فينيقية أو فينيقية سورية، ثم استولى عليها الإسكندر ذو القرنين، فصارت تابعة لليونان. كانت تلك المدن في عصر المسيح يونانية، وكانت تلك المرأة أممية تحت حكومة اليونان لغتها يونانية. إذن هي كانت فينيقية سورية من حيث المولد، أما أصلها فهو من ذرية الكنعانيين.

أيها الرب العادل الرؤوف، أعترف قدَّامك بكبريائي، التي تمنع حلول خلاصك في شعبي. خلّصني من نفسي لأعرف نجاساتي. لست كاملاً، فاشفني من خبثي لأخدمك بإيمان ثابت، فيخلص أصدقائي. ولا نتركك، إذا لم تباركهم.الصلاة:

السؤال 146 :  لماذا شبَّه يسوع الأمم بالكلاب؟

إشباع الأربعة آلاف

( 15: 29-39)

15: 29 ثُمَّ انْتَقَلَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى جَانِبِ بَحْرِ الْجَلِيلِ، وَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَجَلَسَ هُنَاكَ. (30) فَجَاءَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، مَعَهُمْ عُرْجٌ وَعُمْيٌ وَخُرْسٌ وَشُلٌّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ، وَطَرَحُوهُمْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ. فَشَفَاهُمْ (31) حَتَّى تَعَجَّبَ الْجُمُوعُ إِذْ رَأَوُا الْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ، وَالشُّلَّ يَصِحُّونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْعُمْيَ يُبْصِرُونَ. وَمَجَّدُوا إِلهَ إِسْرَائِيلَ.                (مر7: 37)

جلس يسوع على جبل في برية الجليل، ولم يستطع الدخول إلى مدينته كالعادة، لأن الفريسيين اضطهدوه وحرَّضوا الشعب ضده. أما المساكين فتقدّموا إليه سراً ليتخلّصوا من أوجاعهم. فالمسيح هو الرجاء الوحيد لعالمنا المريض. الشلّ طلبوا مَنْ يحملهم إليه فشفاهم، والخرس فكّ عقدة ألسنتهم. وإنجيله بمحبة الله خلّص كثيرين ليرجعوا إليه ويثبتوا فيه.

هكذا لم تفارقه جماهير المحتاجين والبسطاء ليلاً ولا نهاراً، لأنهم لاحظوا ابتعاده عن الجليل أخيراً. فأرادوا أن يستفيدوا منه، ولو كلّفهم ذلك تحمُّل الجوع والصعوبات وسط الصحراء. فبقوا عند المسيح لينالوا منه القوة. كم تمكث من الوقت مع المسيح؟ دقائق، ساعات، أياماً، أو كل حياتك؟ فإنه حيث المسيح تعمل قوة الله للخلاص.

كانت قدرة المسيح عظيمة إلى ذلك الحد حتى أنه شفى كل نوع من المرض. غن الذين جاءوا إليه احضروا معهم أقرباءهم وأصدقاءهم المرضى وطرحوهم عند قدمي يسوع. لا نقرأ عن أية كلمة قالوها له، ولكنهم طرحوهم أمامه كموضوع للرحمة يتطلع إليه. كانت مصائبهم تعبر عن حالتهم أفصح من أفصح خطيب. مهما كانت آلامنا فإن الطريقة الوحيدة لنجد الراحة والخلاص منها هي أن نطرحها عند قدمي يسوع، ان نبسطها أمامه، ونعرضها على أنظاره وأسماعه، ثم نخضعها له ونتركها لتصرفه. فعلى الذين يريدون شفاء روحياً من المسيح أن يطرحوا أنفسهم عند قدميه ليتصرف فيهم كما يشاء ويسيرهم كما يريد.

أحضروا إلى المسيح عرج وعمي وخرس وشل وآخرين كثيرين. أنظر إلى ما صنعته الخطيئة، لقد حولت العالم إلى مستشفى، وما أكثر أنواع الأمراض التي تخضع لها أجساد البشر. أنظر إلى ما صنعه ويصنعه المخلص. إنه يخضع تلك الجيوش من أعداء البشرية. هنا نرى أنواعاً من الأمراض يحار العقل البشري في تعليلها وشفائها، امراضاً لا في طبائع الناس وأمزجتهم بل في اعضاء اجسادهم، ومع ذلك فقد خضعت هذه كلها لأمر المسيح “ارسل كلمته فشفاهم“(مزمور107: 20)

السؤال 147: لماذا استطاع المسيح أن يشفي كل أنواع الأمراض؟

15: 32 وَأَمَّا يَسُوعُ فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ: إِنِّي أُشْفِقُ عَلَى الْجَمْعِ، لأََنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَصْرِفَهُمْ صَائِمِينَ لِئَلاَّ يُخَّوِرُوا فِي الطَّرِيقِ (33) فَقَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: مِنْ أَيْنَ لَنَا فِي الْبَرِّيَّةِ خُبْزٌ بِهذَا الْمِقْدَارِ، حَتَّى يُشْبِعَ جَمْعاً هذَا عَدَدُهُ؟  (34) فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: كَمْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْخُبْزِ؟  فَقَالُوا: سَبْعَةٌ وَقَلِيلٌ مِنْ صِغَارِ السَّمَكِ (35) فَأَمَرَ الْجُمُوعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الأََرْضِ، (36) وَأَخَذَ السَّبْعَ خُبْزَاتٍ وَالسَّمَكَ، وَشَكَرَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ، وَالتَّلاَمِيذُ أَعْطَوُا الْجَمْعَ. (37) فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا. ثُمَّ رَفَعُوا مَا فَضَلَ مِنَ الْكِسَرِ سَبْعَةَ سِلاَلٍ مَمْلُوءَةٍ، (38) وَالآكِلُونَ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلاَفِ رَجُلٍ مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالأَوْلاَدَ. (39) ثُمَّ صَرَفَ الْجُمُوعَ وَصَعِدَ إِلَى السَّفِينَةِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ مَجْدَلَ.

(متى14: 31-21، مر8: 1-6)

نظر المسيح إلى الجماهير الجائعة، الذين بقوا عنده ثلاثة أيام وثلاث ليال وسمعوا كلماته وشاهدوا أعماله العجيبة، فتألم من ضيقهم وأشفق عليهم وهم مزدحمون حوله. ولما طلب إلى تلاميذه أن يساعدوهم، اعترفوا بعجزهم. أما المسيح فعلّمهم مرة أخرى مبدأه: أنه يعمل من القليل كثيراً إذا وُضِعَ تحت تصرّفه بإيمان. صلى المسيح أمام المتكئين حوله، وشكر أباه على الأرغفة السبعة والسمك القليل الذي بين يديه. فهذا الشكر على القليل هو سر هذه المعجزة. وكان الإبن يتكلم مع أبيه وأصغى إلى أجوبته. لم يكن يسوع محتاجاً إلى هذه الصلاة لأنه الله بالذات. لكنه كان متواضع القلب، مشتاقاً للتكلم مع أبيه فأخلى نفسه ورفض الحياة منفصلة عنه، ثابتاً في إنسجام كامل معه. فشكره للخبز القليل الذي صار فائضاً متزايداً. ثم أعطى المسيح الخبز والسمك لتلاميذه، فكفى لإشباع الأربعة آلاف رجل مع عائلاتهم.

إن الرب يسوع يسجل مقدار المشقات التي يتكبدها تابعوه في عبادته وخدمته “أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك” (رؤ2:2) ولا يمكن أن يضيع أجرك.

أيها الأخ، آمن بقدرة محبة المسيح وسلِّمه حياتك، فيستخدم مواهبك الضئيلة، ويجعلها بركة عظيمة للألوف. ضع وقتك ومالك وحياتك تحت تصرف الرب، وكرّس نفسك له على الدوام، فتختبر عجائب من قدرته.

شك التلاميذ في قدرة المسيح “من أين لنا في البرية خبز بهذا المقدار” وهذا سؤال قد يرى بأنه لائق كسؤال موسى “أيذبح لهم غنم وبقر ليكفيهم” (عدد11: 22). لكنه كان سؤالاً غير لائق ليس فقط بالنسبة إلى ثقة التلاميذ بصفة عامة في قدرة المسيح، بل أيضاً بالنسبة إلى اختبارهم بصفة خاصة في مناسبة مماثلة إذ أشبع المسيح جمعاً أكثر بقوة معجزية. لم يكونوا شهوداً فحسب في تلك المرة السابقة بل كانوا أيضاً خداماً، إذ وزع على أيديهم الخبز المتكاثر. لذلك كان سؤالهم دليلاً على الضعف المتناهي.

إن نسيان الإختبارات السابقة هو الباعث على الشكوك الحالية.

من يتبع المسيح بواسطة العطاء بسرور، ويستخدم المواهب للمساكين، يختبر في نفسه الحبور، وينقاد إلى تسابيح وشكر، لأن الله حاضر وعامل، حيث يملك روح محبته فينا.

أيها الآب، قد خلقت الكون من لا شيء، ولدتنا ثانية من محبتك الغافرة. علّمنا الإيمان والشكر، لكيلا نرفض قدرتك بشكوكنا. أنت تحب المساكين والصغار، وترحمهم دائماً، فساعدنا لنرافقك إلى خدمتهم. ونشكرك للمواهب المُعطاة لنا، ونكرّس حياتنا شكراً لك. فخذ بيدنا وقدنا كما تشاء.الصلاة:

السؤال 148: لماذا وكيف أكثر  يسوع الخبز والسمك للأربعة آلاف رجل مع عائلاتهم؟

يسوع يهاجم التعصب والسطحيَّة

( 16: 1-12)

16: 1 وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ. (2) فَأَجَابَ: إِذَا كَانَ الْمَسَاءُ قُلْتُمْ: صَحْوٌ لأََنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ. (3) وَفِي الصَّبَاحِ: الْيَوْمَ شِتَاءٌ لأََنَّ السَّمَاءَ مُحْمَرَّةٌ بِعُبُوسَةٍ. يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا وَجْهَ السَّمَاءِ، وَأَمَّا عَلاَمَاتُ الأََزْمِنَةِ فَلاَ تَسْتَطِيعُونَ! (4) جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَمَضَى.                            (متى11: 4؛ 12: 38-40، مر8: 11و12، لو12: 54-56)

هنا نرى حديث المسيح مع الفريسيين والصدوقيين، وقد كانوا على خلاف بين أنفسهم كما يتضح من (أعمال 23: 7و8)، ومع ذلك اتحدوا في مقاومتهم للمسيح، لأن تعاليمه هدمت هرطقات الصدوقيين الذين أنكروا وجود الأرواح والحياة العتيدة، كما هدمت أيضاً كبرياء وطغيان ورياء الفريسيين الذين فرضوا تقاليد الشيوخ فرضاً. فترك الفريقان المتخاصمان، الفريسيون والصدوقيون خصامهم جانباً، وتحالفا معاً ضد المسيح والمسيحية.

كان الأولون متدينين متحمسين لحفظ الشريعة، والآخرون حياديين عصريين، لا يؤمنون بالآخرة ولا بتدخّل قُوى روحية من خارج دنيانا في مسيرة الحياة. أما المتدينون فاعتقدوا بحقيقة الأرواح وإمكانية الرؤى والقيامة من بين الأموات.

حاصر الجمع يسوع ليجربوه، إذا كان يستطيع أن يثبت نفسه مسيحاً وملكاً بمعجزة. فلم يكتفوا بعجائب الشفاء التي أجراها، كإخراج الشياطين وإقامة الموتى، بل تمنّوا أن يُنزل ناراً من السماء على رؤوس الرومان ليهلكهم، أو يوقف الشمس علامة لإرساله من الله. لأن الناس لا يريدون الإيمان المبني على التوبة، بل على الدلائل الملموسة في المجال السياسي والإقتصادي ليتخلّصوا من مطالب الإيمان.

لم يقبل المسيح أن يفرض عليه أحد من الناس اي أمر، او يجربه بطريقة ما. وسرعان ماكشف سوء النية المبيتة ضده. لذلك بين لهم أنهم اذكياء مدركون أنظمة الطبيعة، وأنهم لو أرادوا إدراك نفسه، لفسّروا أعماله وقدرته ورحمته ولطفه وعفته. عندئذ يعرفون بسهولة من هو المسيح، وما ينتج منه وكيف سينتشر ملكوته. لكنهم لم يريدوا إدراك الآيات الروحية للعهد الجديد. لقد تعاموا عن أعمال المسيح الرحيمة، رغم أن السماء ممتلئة بمحبة الله. كذلك لم يعملوا بإرشاد الروح القدس، بل طلبوا مملكة سيلسية مبنية على أسلحة تنزل على دنيانا كمطر الشتاء. لكنهم لم يطلبوا ملكوت الله بلطف وتسامح وغفران. لهذا السبب سمَّاهم المسيح بالكلمة القاسية «جيلاً شريراً فاسقاً».

هنالك أشخاص كثيرون أذكياء جداً في الأمور الأخرى، ومع ذلك لا يستطيعون بل لا يريدون أن يعرفوا يوم الفرص المواتية لهم، ولا يحفلون بالريح لما تكون في مصلحتهم، وهكذا تفلت الفرص من بين أيديهم.

فسَّر يسوع بهذه العبارة جوهر البشر كله. ورغم غلاظة القلوب، فقد أعطى الاب السماوي المحب للبشر العصاة آية فريدة ينبغي أن ندرك بواسطتها جلال المسيح، لأنه كما لفظ الحوت يونان من فمه بعد العاصفة لخلاص كثيرين، هكذا ابتلع جوف الموت يسوع بعد عاصفة آلامه على الصليب. لكن الله أجبر الموت أن يسلّمه، ليعطي حياة أبدية للخطاة المتبررين. هذه هي الآية العظمى والوحيدة في تاريخ البشر، وستكون الفاصلة في الدينونة الأخيرة.

أيها الرب يسوع المسيح، أنت آية الله في سلوكك وكلامك، في معجزاتك وفي قيامتك من بين الأموات، وهي دليل العصمة لحياتك الأبدية وهيبتك السرمدية وانتصارك على الموت والشيطان. نشكرك ونتهلل لأجل انتصارك ونستمد منك، وأنت حي، الحق والقوة لنشترك في حياتك الأبدية. الصلاة:

السؤال 149: لماذا تكون قيامة المسيح العظمى الدليل البارز لألوهيته؟

16: 5  وَلَمَّا جَاءَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعَبْرِ نَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزاً. (6) وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: انْظُرُوا وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ (7) فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: إِنَّنَا لَمْ نَأْخُذْ خُبْزاً (8) فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ أَنَّكُمْ لَمْ تَأْخُذُوا خُبْزاً؟ (9) أَحَتَّى الآنَ لا تَفْهَمُونَ، وَلا تَذْكُرُونَ خَمْسَ خُبْزَاتِ الْخَمْسَةِ الآلاَفِ وَكَمْ قُفَّةً أَخَذْتُمْ،    (10) وَلاَ سَبْعَ خُبْزَاتِ الأَرْبَعَةِ الآلاَفِ وَكَمْ سَلاًّ أَخَذْتُمْ؟ (11) كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ أَنِّي لَيْسَ عَنِ الْخُبْزِ قُلْتُ لَكُمْ أَنْ تَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ؟  (12) حِينَئِذٍ فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَنْ يَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْخُبْزِ، بَلْ مِنْ تَعْلِيمِ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالصَّدُّوقِيِّينَ.

(متى14: 17-21؛ 15: 34-38، مر8: 14-21)

مضى يسوع سريعاً من الموضع الذي أشبع فيه الأربعة آلاف، منتقلاً إلى العبر. ولم يتمكن التلاميذ من شراء طعام ليأخذوا معهم في هذه السَّفرة. فعندما تكلم المسيح إليهم عن خميرة الفريسيين والصدوقيين المسمَّمة الأفكار، ظنوا أنه كان يقصد خمير الخبز. فكانوا مهتمين بالدنيا وهو مهتم بالسماء، لأنه قد استودع كل همومه بيد أبيه.

وبّخ يسوع تلاميذه لاهتمامهم بالخبز أكثر من الروح، فأشار إلى إشباع الخمسة آلاف بخمسة ارغفة وإلى إشباع الأربعة آلاف بسبعة أرغفة، فلماذا اهتموا بالخبز وهو في وسطهم. وأوضح لهم يسوع مرة أخرى أن الفكر التشريعي للفريسيين والحياة العصرية للصدوقيين لا يتفقان مع محبة الله في العهد الجديد، هذه المحبة التي ترشد الإنسان في قيادة الروح القدس إلى خدمة التضحية. شدّد يسوع على أتباعه ليمتنعوا عن الرياء، الذي له صورة التقوى، ويعترفوا بخطاياهم، ويخدموا الله بالنعمة.

إن هذا الخلاف بين عبادة الله المبنية على البر الذاتي بحفظ الشريعة وحرية محبة المسيح المبنية على كفَّارته وحلول الروح القدس، عميق جداً، إذ ظهر في صراع عنيف خلال سفر أعمال الرسل كله. ففي هذا السفر أصبح الرسول بولس المكافح البارز لأجل حرية تفكيرنا من البر بالشريعة. وشهد بحلول الروح القدس في قلوبنا، بعدما أتم المسيح على الصليب كل مستلزمات البر، وحتى اليوم للأسف، لا يُدرك بعض المؤمنين أن التبرير الخاطئ بالأعمال الخاصة هو فكر يهودي من صميم العهد القديم، بينما البر بالإيمان هو أساس العهد الجديد العالمي وحده.

نعظمك ونتهلل لك أيها الآب والإبن والروح القدس، لأنك حررتنا من خداع تقوانا الخاصة. فلسنا إلا خطاة. أما أنت فبررتنا وقدستنا، وتحفظنا في نعمتك لكي نخدمك بفرح، خالين من روح الرياء. فنحن خطاة متبررون، وجعلتنا أولاداً قديسين لك بحفظك إيانا. الصلاة:

السؤال 150 : لِمَ يتوجب علينا التحفظ من خميرة الفريسيين والصدوقيين؟

شهادة بطرس الفاصلة عن ألوهية يسوع

( 16: 13-20)

16: 13 وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ: مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟  (14) فَقَالُوا: قَوْمٌ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَآخَرُونَ إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ إِرْمِيَا أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأََنْبِيَاءِ (15) قَالَ لَهُمْ: وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟  (16) فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ الْحَيِّ. (متى14: 2؛ 17: 10، مر8: 27-30؛ 9: 18-21، لو7: 16، يو6: 69)

بعدما تخلّى أهل الجليل عن المسيح خوفاً من رؤساء اليهود، قاد يسوع تلاميذه إلى مملكة فيليبس المجاورة، وهو أحد أبناء هيرودس، حيث يستطيع أن يخلد إلى الهدوء والعزلة ويتحرر من مضطهديه. درَّب أتباعه على الأنظمة الرئيسية الكنسيَّة، لكي يستطيعوا أن يبشّروا بملكوت الله ويبنوه ويثبتوه بعد موته.

لم يسأل المسيح “من يقول الكتبة والفريسيون إني انا؟” فقد كانوا متحيزين ضده ومتحاملين عليه، وقالوا أنه مضل ومتحالف مع الشيطان، بل قال “من يقول الناس إني أنا؟”. كان يقصد عامة الناس الذين احتقرهم الفريسيون. لم يسأل المسيح هذا السؤال كأنه لا يعرف، فإنه كان قد عرف ما يفكر فيه الناس فبالأولى يعرف ما يقولونه، ولا سأل كأنه رغب في أن يسمع مدحه، بل لكي يجعل تلاميذه يهتمون بمعرفة نجاح خدمتهم، بأن يظهر لهم أنه هو كان كذلك. كان عامة الشعب أكثر اختلاطاً بالتلاميذ من معلمهم، ولذلك كان ممكناً أن يستقي منهم معلومات أو في عما يقولونه. لم يعلن المسيح عن شخصيته صراحة بل ترك للناس أن يدركوا ذلك من أعماله (يوحنا10: 24 و25). والآن أراد أن يعرف ماذا استنتجه الناس من أعماله ومن المعجزات التي صنعها رسله باسمه.

سمَّى المسيح نفسه في أكثر الأحيان «ابن الإنسان». وهذا يعني أمرين: أنه إنسان مثلنا، وقريب جداً من تلاميذه والبشر أجمعين. وهذا اللقب يتضمن الأعجوبة الكبرى، أن الله ظهر في هيئة إنسان ليقترب منَّا، ويغلب تجارب أجسادنا وضعفها. لكن هذه العبارة تعني أيضاً أن يسوع هو الدّيان الأزلي الجالس على عرش مجده، وآتياً ثانية بمجد أبيه السماوي محاطاً بربوات من الملائكة الذين سيرسلهم لتنفيذ الدينونة. كل عضو في العهد القديم يعرف أن هذه العبارة المثيرة «ابن الإنسان»، المأخوذة من نبوة دانيال 7 ، إنما قصد بها «المسيح الآتي بسلطانه العظيم في هيئة الإنسان السماوي». وذكر البشير متى تسمية يسوع نفسه بهذا المعنى واللقب في الأصحاحات 8: 20 ، 9: 6 ، 10: 23 ، 11: 19 ، 13: 41 ، 16: 27 ، 17: 12 ، 22 ، 19: 28 ، 4: 30 ، 26: 64. ونقرأ في العهد الجديد هذه التسمية ليسوع ثمانين مرة، وفي متى وحده ذُكرت ثلاثين مرة.

لما قاد يسوع تلاميذه تدريجياً إلى الاعتراف القاطع بجوهره الإلهي، قام بطرس وضرب بسيف الروح العقدة اليهودية، وسمَّى الشاب الناصري «المسيح»  كما كان موعوداً للملك داود قبل ذلك بألف سنة، وكما انتظره الأنبياء الأمناء على توالي الدهور. وعندما سقطت هذه العبارة كثمار يانعة في حلقة التلاميذ وصل يسوع بعمله في تلاميذه إلى مرحلة حاسمة فصارت هذه الشهادة النقطة الفاصلة في خدمة يسوع، لأن من هذا الوقت فصاعداً عكف على تربية تلاميذه وتثبيتهم في قدرته.

أوضح بطرس شهادته، متجاسراً على تسمية ابن الإنسان بابن الله، مولوداً من الروح القدس ممتلئاً نعمة وحقاً. مع العلم أن هاتين العبارتين «المسيح» و «الابن» كانتا مستوجبتين حكم الموت من قِبَل المجمع اليهودي.

أيها الرب يسوع المسيح نعظمك ونحبك لأنك ابن الإنسان وابن الله في نفس الوقت، وصرت قريباً منا لتفدينا من الخطيئة والموت والشيطان، ولتجعلنا أولاد الله في المحبة. نسجد لك ونتهلل ونخبر عنك كل من يريد أن يسمع أنك مسيح الله ومخلص العالم، امنح لنا شهادة واضحة وحكيمة ليعرف كل من يستعد للسمع أنك أنت المسيح ابن الله ويقبلوك مؤمنين مسرورين. الصلاة:

السؤال 151 : ماذا تعني شهادة بطرس “أنت المسيح ابن الله الحي”؟

الإيمان الحق هبة من وحي الله الآب

(16: 17-20)

16: 17 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (18) وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضاً: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. (19) وَأُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، فَكُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأََرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاوَاتِ. وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأََرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاوَاتِ (20) حِينَئِذٍ أَوْصَى تَلاَمِيذَهُ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأََحَدٍ إِنَّهُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ.

(متى11: 27؛ 18: 11؛ 17: 9، يو1: 42، أفسس2: 20، غل1: 15-16)

لم ينكر يسوع أنه المسيح الحقيقي، بل ثبت اعتراف بطرس رسمياً وطوَّبه. هو لم ينل هذا العلم من عقله أو اختباراته الخاصة، بل بوحي من الروح القدس مباشرة. فكل معرفة حقّة هي من عمل روح الله، الذي يمجد المسيح. وكل إيمان صحيح هو موهبة من الله، وليس من التحليل المنطقي ولا النسيج الخيالي. وبقبول يسوع هذا اللقب «ابن الله» سمَّى الخالق أباه، ولكن ليس كما يظن البعض أنه أب بواسطة اتصال جسدي. حاشاه! إنما بولادة روحية قبل كل الدهور. فالمسيح هو الابن منذ الأزل، وليست ولادته من مريم العذراء بداية كونه، لقد تجسَّد ليصالحنا مع أبيه.

أتؤمن أن المسيح هو ابن الله؟ فتعيش إلى الأبد؟ وهل تعترف بهذا اللقب جهراً؟ فتعيش سعيداً. لأن بهذا الاعتراف الملهَم من الآب، وبعمل الروح القدس، تنمو الكنيسة في كل حين. هي ليست مبنيَّة على شخص ضعيف متقلِّب كبطرس، بل على اعترافه الجريء أن يسوع هو المسيح وابن الله القُدوس.

وهذه الشهادة أقوى من جهنم، وأكثر فعالية من الخطيئة. ولا روح ولا شيطان يقدر أن يغالب هذه الحقيقة الإلهية. إن هذا الإسم “ابن الله” يحل قيود الخطايا، ويحرر الخطاة إلى الأبد. فمن يؤمن باسم المسيح، يدخل الكنيسة الحيَّة. ومن يشهد به يخلص سجناء من جهنم. ولكن من يرفض هذا الإسم الفريد، يربط نفسه في غضب الله إلى الأبد.

سلَّم يسوع لبطرس كأول تلميذ السلطان لفتح الباب المؤدي إلى السماء أو إغلاقه، لأنه اعترف قبل زملائه بلقب «المسيح هو ابن لله». هذه الشهادة هي مفتاح الباب المؤدي إلى السماء . ومن يؤمن بهذه العبارات ويعترف بها يخلص، ومن يرفضها يهلك. علماً أنه لا إنسان ولا بطرس يستطيع أن يفتح باب السماء من تلقاء نفسه. لكن هاتين الشهادتين أن يسوع هو المسيح الموعود، وأن فيه حلَّ كل ملء اللاهوت جسدياً، يوحّدنا مع وحدة الثالوث الأقدس. من يلتصق به يتبرر، ومن يعلن اسمه يخلّص كثيرين.

أيها الآب القدوس، نشكرك لأنك أعلنت لبطرس اسم المسيح بإلهام روحك القدوس، وأرشدته للاعتراف الخارق ببنوته لك. إفتح قلوبنا وأذهاننا لنسمع صوتك، وندرك أبوتك في ابنك ، ونتجاسر أن نشهد للعالمين بحقيقتك ليتحرر كثيرون من فكرهم الخاطئ.الصلاة:

السؤال 152 : ما هو المفتاح إلى السَّماء وأساس الكنيسة؟

إعلان يسوع الأول عن موته وقيامته

( 16: 21- 28)

16: 21 مِنْ ذ لِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. (22) فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هذَا!  (23) فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي، لأََنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلّهِ لكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ.

(متى12: 40، مر8: 31-33، لو9: 22، يو2: 19)

بعد اعتراف بطرس الشهير، حرَّر يسوع تلاميذه من الرجاء المكتوم في قلوبهم وهو أنهم سوف يُؤسّسون دولة مسيحية سياسية، ويجمعون ممالك العالم كلها. فأنبأهم جهراً أن شعبه سينكره، وأن الشيوخ سيرفضونه ويتآمرون عليه، وأن عليه آلاماً مُرّة سيتجرعها، ويموت بطريقة فظيعة شنيعة، وأن هذا الموت المقبل قريب، وفيه ستكون نهاية أمنياتهم الدنيوية الفانية.

ابتدأ المسيح منذ ذلك الوقت يعلن عن آلامه ويتكلم عنها. لقد سبق أن أعطى بعض الإشارات عن آلامه، مثلا عندما قال “انقضوا هذا الهيكل”، وعندما تكلم عن “رفع ابن الإنسان”، وعن أكل جسده وشرب دمه. أما الآن فقد ابتدأ يظهر ذلك بكل صراحة ووضوح. إلى الآن لم يكن قد تكلم عن آلامه لأن التلاميذ كانوا ضعفاء، ولم يكونوا يحتملون إعلان أمر غريب جداً ومحزن للغاية كهذا. أما الآن وقد أصبحوا أكثر نضوجاً في المعرفة وأقوى في الإيمان فقد ابتدأ يتحدث معهم عنه. فالمسيح يعلن أفكاره لشعبه تدريجياً، ويسمح لهم بالنور على قدر ما يحتملون، وعلى قدر استعدادهم لقبوله.

وكان هذا الإعلان كقنبلة وسط عرس، لأن التلاميذ بعد شهادة بطرس بأن المسيح هو ابن الله، وقبول يسوع هذا اللقب بلا تردد، فكّروا بنهضة سياسية وبانتصار المسيح على الرومان. لكن هاهم يُفاجأون بآلام المسيح التي أخبرهم بها وعن مصيره المميت.

استمر يسوع بنبوته وأراهم حقيقة سلطته وعظمة انتصاره. إنه لا يموت كسائر الناس بل سيقوم حقاًّ ويظهر جسدياً، لتبدو نوعية شخصيته الدالة على جوهر ملكوته.

كان مجد المسيح مستتراً، ومقاصده الروحية لم تظهر لعقل الإنسان بسهولة. فلم يدرك بطرس ضرورة آلام يسوع، لأنه لم يفهم-كسائر أمته-معنى ضرورة موت المسيح الكفاري عوضاً عن البشر، كطريق وحيد لله. لقد قبض بطرس على مفتاح السماء في شهادته، لكن لم يعرف أن الصليب هو ثقب الباب الذي ينبغي أن يضع المفتاح فيه ليصل إلى السماء.

انفرد بطرس جانباً بيسوع وكان غاضباً ومنزعجاً وانتهره رغم تسميته له قبلاً بعبارة “أب” وقائل له: «حاشاك يارب». مستحيل أن تفكر بالموت! لقد رفعناك للقمَّة لتنتصر على العالم، فكيف تتقهقر وتتكلم متشائماً عن الهزيمة والدمار؟ لعل بطرس لم يستمع منتبهاً لآخر الحديث، حيث أخبر يسوع عن قيامته المجيدة. فرأى هوة الموت كقبر مفتوح للقضاء على رجائه، وأراد التأثير على يسوع بالقوة، لكي لا يذهب نحو الصليب، بل يفر منه فراراً.

كاد بطرس بحماسه أن يقفل الباب المؤدي إلى السماء، على جميع البشر. لقد جرَّب الشيطان يسوع سابقاً في البرية ثلاث مرات ليرضي الناس ويريحهم بدون الموت الفدائي وهذه المرة حلَّ الشيطان في بطرس شخصياً لأنه استكبر عندما طوّبه ربه ورفع من معنوياته، فكان الشيطان حالاًّ في مقدام الرسل عندما حاول أن يمنع يسوع عن الصليب بشفقة مرائية ورثاء كاذب.

أما يسوع فميَّز صوت المجرّب، وانتهره بشدة وطرده من حضرته قائلاً: «يا شيطان اذهب عنِّي! أنت أتٍ بأمنياتك البشرية، عكس فكر الله».

إن كل فكرة لا ترتكز على الصليب هي باطلة وشيطانية، فمن لا يقبل الصليب كالطريق الوحيد إلى الله، فإنه يضل.

وهذا الحكم على بطرس يُرينا أنه ليس هو في شخصيته أساس الكنيسة، بل الأساس هو روح المسيح العامل في شهادته. لقد قصد يسوع أن يطهّر ويعمّق معرفة مقدام رسله ليفهمه ويفهم كل التلاميذ معه، أن ابن الله صار إنساناً ليموت. وأنه بموته النيابي عنا يستطيع أن يبني ملكوته بخطاة متبررين وبدون دم يسوع المسيح ليس هناك قدوم إلى الله.

نسجد لك ياحمل الله القدوس، لأنك لم تختر الطريق المريح ولا الرفاهية، بل اخترت موت الصليب المحتقر، ولم تسمع لصوت بطرس المجرب، بل كشفته كشيطان. حررنا نحن أيضاً من أفكارنا البشرية وأرائنا الدنيوية، وافتح أعيننا لنر خلاصنا ونجاة البشر في الصليب وحده. نعترف بموتك أنه انتصار الله على خطايانا. اغفر لنا ذنوبنا، فنتهلل من أجل موتك، ونشكرك لتبريرنا، ونعظمك لخلاص كل المؤمنين بك. اقبل حياتنا شكراً لمحبتك .الصلاة:

السؤال 153 : ماهو معنى قول يسوع لبطرس أنه شيطان؟

16: 24  حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي.                                  (متى10: 38-39، مر8: 34، لو9: 23، 1بط2: 21)

من ينكر إنساناً ما يتصرف كأنه لا يعرفه ولا يتجاوب معه، ويعتبره غير موجود ويهمله بشكل كامل. يطلب المسيح من كل من يريد اتباعه أن ينكر نفسه اولاً ولا يتجاوب مع متطلبات شهواته المضادة لإرادة الله، ويرفض أنانيته المتمركزة في دمه، ويهمل أمنياته الفردية، ويطلب أولاً ماهو لله وملكوته. يربينا المسيح على معارضة الدعايات الصارخة في الجرائد والتلفزيون والتي تدعو للشهوة والشراء  ويحررنا من التمحور والتركيز على الذات، ويقودنا إلى الرجوع والإهتمام بالآب السماوي والإنسان المحتاج إلى خدمتنا.

يتضمن هذا الإنكار إنهاء الوهم أن باستطاعة الإنسان خلاص نفسه بنفسه. فالحسنات لا تُذهب السيئات، لأن الحسنات تظهر امام قداسة الله أنانية صافية، فلا يبقى لنا فخر في ذواتنا إلا إذا نكرنا حقوقنا المزعومة وأدَنَّا أنفسنا واعترفنا ببطلاننا في إشاعة نور الله البهي.

لم يحرر المسيح تلاميذه من الصدمة بعدما أعلن لهم موته وسمَّى مقدام تابعيه شيطاناً بل عمَّق الرعب في قلوبهم خصوصاً عندما طلب من كلٍ منهم أن ينكر نفسه ويحمل صليبه الخاص.

لا يكفي لاتباع المسيح أن ينكر الناس أنفسهم الخاصة، بل يطلب الرب منا أن ندرك صليبنا الخاص ونقبله طوعاً ونحمله في قوة المسيح، وبدون هذا لا نستطيع اتِّباعه. لم يتكلم يسوع عن صليبه الشخصي بل عن صليب كل واحد من أتباعه. كانت عقوبة الصليب عند الرومان بمثابة العذاب الأحمر للعبيد العصاة الذين حاولوا الثورة ضد أسيادهم أو القصاص ضد اللصوص الأجانب. في هذه الوصية يطلب منا المسيح أن نُقرّ بأننا مستحقون الموت الشّنيع على الصليب، لأننا كنا بعيدين في السابق عن الله وتعدينا على شريعته وعارضنا لطفه. فكل إنسان يستحق عذاب الصليب فوراً. وهذا الإعتراف يشمل ذنوبنا وإرادتنا ونوايانا. يرغب المسيح أن يرشدنا لندين أنفسنا وندرك أنه ليس مستحقا الموت على الصليب، بل نحن المستحقون ذلك. عندئذ تموت فينا الكبرياء، ونقدم الشكر والحمد والتسبيح للذي أخذ مكاننا على الصليب، وأن نحتمل بدون أي تذمر صعوباتنا ونئن في أوجاعنا لأننا نستحقها كما كتب الرسول بولس :” مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيَّ“. فقط من ينكر نفسه ويحمل صليبه يستطيع أن يتبع يسوع ويختبر قدرة نعمته. ولكن من لا يزال يظن أنه صالح وقوي وجميل ومقبول عند الله من تلقاء نفسه لا يستطيع أن يتبع يسوع على الدوام، لأنه فقط حين تنتهي قدرة الإنسان وحكمته تكمل قوة الله في ضعفنا. طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات.

أيها الأب السماوي، قادنا إبنك إلى إدانة أنفسنا، فننكسر امامك ونتمتم باننا لسنا مستحقين أن نُدعى لك أبناء. لكن في نفس الوقت نتعزّى لأن يسوع أخذ مكاننا على الصليب لنتبرر أمامك. ساعدنا أن ننكر انفسنا عملياً ونحمل الصليب عن طواعية واختيار، ونتبع يسوع حيث يشاء ونبقى مصلوبين معه إلى أن يعيش هو فينا ونحن فيه. الصلاة:

السؤال 154: ما معنى إنكار الذات وحمل الصليب الخاص؟

16: 25  فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.

(مر8: 35، لو9: 24، رو12: 11)

يسعى العالم إلى المدنية والعلوم الحديثة والرفاهية، لكنه لا يتذكر أن قايين القاتل هو الذي بنى أول مدينة، وأهل سدوم وعمورة غرقوا في دعارتهم علانية لأجل رفاهيتهم وحياتهم المريحة. زيادة على هذا الفساد نجد أن التقنيات المتطورة في عصرنا الحاضر تلوث الكرة الأرضية من ماء وهواء وتربة، فإذا بنا نعيش وكأننا في مزبلة. إن العالم يتقدم إلى الأسوأ، ويشترك الأفراد في هذا الإنهيار واعتبروا الحلال حراماً والحرام حلالاً. هذا الشر إنما يصدر من أنفسنا الظالمة. فكل من يستمر في رفاهيته ولا ينكر نفسه، يهلك ذاته تلقائياً، مع العلم أن البشرية تحاول بطرق متنوعة بنيان الفردوس على الأرض بدون تغيير القلوب. إنهم يجلبون كل قذارات الدنيا، فلا رجاء لنا إلا في إنكار أنفسنا وإدانة أفكارنا تحت ضوء قداسة الإنجيل.

عندئذ نجد الحياة في المسيح الذي يبني أفراداً وشعوباً لحضارته المتواضعة بقناعة وعفة إلى أن يصبح الناس صادقين، متعاونين معا بأمانة وإخلاص. لكن هذه النهضة الروحية لا تبدأ إلا في إنكار الذات وإهلاك الأنانية.

لا تغتر لأنه ليست الصور التي نراها في التلفزيون والمجلات، هي الحياة الحقّة، لكنها أوهام مبالغ فيها. فلا تجدن حياة حقّة بدون محبة وتضحية، مُت لشهواتك باسم المسيح وانسَ حياتك الخاصة وسلمها كثوب مهلهل وعمل ناقص إلى الله، وهو يمنحك بالمسيح حياته الخاصة الممتلئة بالقوة والنشاط والفرح، فتصبح مفوضاً لبنيان ملكوته وسط دنيانا المتشائمة. إن الذي يعيش مع المسيح يعيش حقاً، ويجد معنى لحياته. لكن من يتصرف بدونه يكون على هامش الحياة خالياً من الفرحة. ومن يتمسك بحقوقه ويكافح بعنف لامتيازاته يفقد راحة قلبه وسلام ضميره. أما من يخدم المسيح ويتألم لأجله يتبارك ويعيش في سلام وسرور.

يسعى المجتمع لسلامة الأمة ويسعى إلى رفاهية الأقلية الحاكمة، ويدافع عن هذا الهدف ويقاتل لأجله. أما المسيح فيقول اهتموا بالأقلية بينكم وبالشعوب النامية بجانبكم وإلا ستتعرضون لهجوم من قبلهم بسبب الجوع والعقد النفسية التي تنخر أجسادهم. لا تكافحوا لأجل حفظ حياتكم فقط، بل اهتموا أيضا لأجل الفقراء والمساكين الذين في وسطكم. فالأفضل  من كل هذه الإجتهادات أن نقدم لهم الإنجيل كي يتعلموا إنكار الذات والجهد في العمل والمسؤولية في المجتمع ويحصلوا على بركة الله ويعيشوا من نعمة المسيح وبإرشاد روحه.

أيها الرب يسوع، أنت وديع ومتواضع القلب، سلمت أمرك بين يدي أبيك السماوي، فساعدنا لكي لا نبذل جهدنا لجمع وكنز الأموال والتمسك بحقوقنا، بل علمنا أن ننكر أنفسنا ونعيش قانتين قانعين ومسالمين. قونا لنشر إنجيلك مهما يكلفنا الأمر.الصلاة :

السؤال  155 : كيف نربح الحياة الحقة؟

16: 26 لأَنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟ أَوْ مَاذَا يُعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ؟                                (مز49: 9، مر8: 36-37؛ 9: 25، لو12: 20)

رجع أحد الروّاد من القمر وطلب الله، لأنه أدرك وهو في مركبته الفضائية جمال الأرض وغناها. لكن الناس بطبيعتهم يكافحون ويخربون بعضهم البعض، فالجميع أشرار، لأنهم يعيشون بدون خالقهم. اهتدى هذا الرائد وأصبح شاهداً للمسيح وقدرته الفادية.

ماتت سيدة مليونيرة، كانت تعيش في العزلة فوجدوا أنها كانت تلف جسدها بورق جرائد، لأنها أبخل من أن تشتري ملابس لنفسها! فالغِنى والنجاح لا يجعلان منا سعداء.

أيها الأخ، هل أدركت أن كل إنسان قد خسر نفسه وهي ملوثة كل التلوث؟ فماذا ينفعك لو جمعت مالاً وبنيت بيتاً وجئت بشهادات عالية وأنت الخاطئ؟ هل عرفت إفلاس نفسك، وتقر بذلك بألم وخجل شديد؟ أو لازلت مخادعاً فؤادك كأنك مستقيم وصالح، ماذا تعمل بخطاياك؟ هل عرفت أن كل خطيئة صغيرة تشبه الميكروب، تفسد نفسك؟

لا تظن أن ضميرك صالح ومرتاح، قد خسرت نفسك، وماضيك تحت ميكروسكوب الله العليم بذات الصدور وما تخفيه الأنفس. تظهر أمامه كل نجاسة وكذب وبغضة، وتظهر أيضاً خسارة حياتك جلياً. فلا تغتر بل اعترف أمامه بآثامك، تجد بداية الحياة الجديدة. إنكسر والتجئ لإلهك لأنه ينتظرك ويجددك لملكوت محبته.

إذا ماخسر المرء نفسه خسرها إلى الأبد. لا يوجد عوض أو بديل يمكن قبوله عنها. هي خسارة لن تصلح ولن ترد. إن كانت نفوسنا بعد ذلك الثمن العظيم الذي دفعه الله لفدائها ورد ملكيتها إلينا يهمل شأنها بسبب مشاغل العالم حتى تخسر فإن تلك الخسارة الجديدة لن تعوض، لا تبقى بعد ذبيحة عن الخطيئة، ولا ثمن يدفع عن النفوس، بل تضيع إلى الأبد كل فرصة للفداء. لذلك فمن الخير أن نتعقل في الوقت المناسب ونحسن إلى أنفسنا.

يلهمك قول يسوع أنه لو تجمع كل الأعمال الصالحة من العالم أو تقدم كل ما تملك من ذهب وفضة للفقراء والمساكين، فلن تجدي نفعاً لفداء المذنبين، لأن الخلاص لا يتم بأعمال ولا بتبرعات ولا بخدمات بل بكفارة المسيح وحدها. هي وحدها الأساس المتين لمصالحتنا مع الله. ليس أحد من البشر قدوس ومستحق لينوب عنا إلا يسوع، فلا يقدر الإنسان أن يفدي نفسه بنفسه حتى ولو قدَّم كنوز العالم كلها. إن دم يسوع المسيح أثمن من كل ما أن يقدمه البشر. هو فداؤنا المقبول عند القدوس.

نعظمك أيها الأب والإبن والروح القدس، لأنك حررتنا من الوهم أن نفدي أنفسنا باجتهاداتنا. نتهلل لأن دم يسوع المسيح وحده يطهرنا من كل إثم، وقد صالحنا مع الآب وأهِّلنا أن نصير أولاده بالنعمة. ساعدنا لنُفهم زملاءنا أن كل أعمالهم باطلة وليس لهم رجاء إلا بالإيمان بيسوع المسيح وإياه مصلوباً ومقاماً من بين الأموات، فتحل فيهم الحياة الطاهرة مع المحبة الإلهية، ويعيشوا بالإبتهاج والإطمئنان شاكرين. الصلاة:

السؤال 156:  لماذا لا تساعدنا أعمالنا الحسنة كلها على فدائنا؟

16: 27  فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ.                                                                         (رو2: 6)

يخبرك المسيح أنه لا مفرّ من أن تدخل إلى دينونة الله، وعندئذ يأتي ابن الله في هيئة ابن الإنسان محاطاً بمجد أبيه السماوي، ليدين العالمين. فالمسيح أعلن للمرة الثانية أمام تلاميذه، مجيئه ببهاء وجلال السماء ( متى 13: 40-43).  إن هذه الحادثة هي هدف تاريخ البشر كله، فمن يستعد للقائه؟ لا تخمد ضميرك قائلا: “مازال هناك متسع من الوقت، ويوم الدينونة مازال بعيداً. اعلم ياأخي أن العلاقة مع الله غير مرتبطة بالأوقات أو قرب الموت،  فإن مُتَّ اليوم، كيف ستمثل أمام ربك؟

إن أعمالك فاسدة وليست كافية لتبريرك، فماذا تقدم للديان الأزلي؟ إنك واقف أمامه عارياً مجرداً ملاماً، ماذا ستقول له عندما ستقف أمامه؟ لن تستطيع أن تكلمه بل ولا أن تتطلَّع نحوه، أما هو فسيؤنبك ويأمرك قائلا: “أخرج عني يا فاعل الإثم” إلى نار الندامة الأبدية، لأنك لم تنكر نفسك ولم تحمل صليبك. فاحمل الآن عقوبتك المضاعفة أضعافاً.

لكن إن تبعت المسيح في حمل الصليب، فستسمع صوت ابن الله المعزّي القائل: نعم أيها الشرير. أنت خاطئ أصيل، لكن قد اعترفت بذنوبك كلها، وآمنت بصليبي. مغفورة لك خطاياك لأجل ارتباطك الإيماني بي، فأنا قبلتك وأسكن فيك، وقوتي غيّرت موتك إلى الحياة، وإلى الصدق.

إن الرب يسوع سيأتي كديان لتوزيع الجزاء أو القصاص بما يفوق كل عقل بشري. فالناس سيجازون حينذاك لا بحسب أرباحهم في هذا العالم بل بحسب اعمالهم، وحسبما كانوا وفعلوا، وفي ذلك اليوم تعاقب خيانة المرتدين بهلاك أبدي، وتجازى أمانة المخلصين بإكليل الحياة.

فما هو موقفك من الدينونة الأخيرة؟ هل صلبت مع المسيح وهو ساكن فيك الآن؟ أم ما زلت تائها وضائعا في هذه الدنيا ومحكوم عليك بالموت والهلاك؟

أيها المسيح، ساعدني لأضع قبلة على قدميك لأنك قبلتني وأنا خاطئ وطهرتني وقدستني مجاناً، فلا أدخل إلى الدينونة ولا إلى النار لأجل محبتك العظيمة وموتك النيابي عني. إقبل حياتي وكل ما عندي شكراً لفدائك لأبلّغ أصدقائي بقيادة الروح القدس، عن الدينونة المقبلة عليهم وعن خلاصك الأقرب لينجو من لهيب النار بواسطة إيمانهم بك. الصلاة:

السؤال 157 : كيف ننجو من دينونة ابن الإنسان المقبلة علينا؟

16: 28 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْماً لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً فِي مَلَكُوتِهِ.                                                          (متى10: 23، لو9: 27)

أعلن المسيح لتلاميذه موته وقيامته، وأوضح لهم مجيئه في المجد وهيمنته على الدينونة وأنه يفتح ملكوته للذين ينكرون أنفسهم. إن كل من مات عن نفسه لن يموت إلى الأبد وكل من يلتصق به تحل حياته الأزلية فيه. فلا يذوق الموت، لأنه دخل ملكوت الله ورحاب المسيح.

أكد المسيح على أقواله عندما اخبرهم :” من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد” ( يوحنا 11: 25-26).  أتؤمن بهذا؟؟

يا ابن الله القدوس، أنت تعرفني. وأنا شرير منذ حداثتي. لا تطرحني من قُدّام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعه منّي. قلباً نقياً أخلق فيّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي. أُعظّمك لأنك قدوس، ورسمت لي طريق إنكار النفس. ضع صليبي عليَّ. وساعدني ألا ألقيه، بل أتبعك مع كل حاملي صلبانهم، وأموت لنفسي حقا لتحل بمحبتك فيَّ، فأنت حياتي والموت ربح لي. الصلاة:

السؤال 158  :لماذا حذر يسوع أتباعه من مجيئه للدينونة؟

تجلِّي يسوع على جبل حرمون

( 17: 1-8)

17: 1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ. (2) وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ.  (3) وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. (4) فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ. لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلِإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ (5) وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا (6) وَلَمَّا سَمِعَ التَّلَامِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً. (7) فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: قُومُوا وَلاَ تَخَافُوا (8) فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً إِلاَّّ يَسُوعَ وَحْدَهُ.

(متى3: 17، مر5: 37؛ 9: 2-13، لو8: 51؛ 9: 28-36، رو1: 16، 2بط1: 16-18)

أبقى يسوع تلاميذه خلال ستة أيام يعانون من الصدمة التي حلَّت بهم نتيجة الخبر الذي أعلنه عن محاكمته وموته القريب وضرورة إنكارهم لأنفسهم أيضاً. فمعنى كل ذلك إنهيار آمالهم واستعدادهم للاضطهاد. لم يخلّص المسيح هؤلاء المرتعبين من اضطرابهم بسرعة، بل أعطاهم وقتاً كافياً لينكروا أنفسهم، ويدفنوا تخطيطهم السياسي، وينسجموا مع فكر «موت المسيح وقيامته».

اختار نفراً منهم، وصعد معهم إلى قمة جبل حرمون العالية ليصلي. وفي أثناء صلاته تغيّرت هيئته وأضاء وجهه كنور الشمس، لأن الحجاب ارتفع حينئذ عن حقيقته الإلهية، فظهر مجده الأزلي، وحدث التحلِّي وهو يصلّي. فأدرك تلاميذه جوهر حياته التي لا يقدر الموت عليها. وتجلَّى يسوع لتلاميذ المضطربين ليتأكدوا من وعده بقيامته في المجد.

نرى هنا غيرة للتمتع بالأمور السماوية، غيرة محمودة للتمتع بمنظر مجد المسيح الذي أبصروه. فالذين ينظرون بالإيمان إلى جمال الرب في بيته لا يمكن إلاَّ أن يرغبوا أن يسكنوا هناك كل أيام حياتهم. جميل أن يكون لنا وتد في مكان قدسه، أي إقامة دائمة، ان نتمم الفرائض المقدسة كأناس مقيمين في بيوتهم لا كأناس طوافين متنقلين.

كان المسيح قد انبأ تلاميذه منذ وقت وجيز عن آلامه وأخبرهم أن يتوقعوا نظيرها، اما بطرس فقد نسي هذا أو، لكي يتفادى هذه الآلام، أراد إقامة مظال في جبل المجد بعيداً عن طريق الآلام. لا تزال نغمته “يا سيد اشفق على نفسك” رغم الصد الذي لقيه بعنف مؤخراً.

فجأة ظهر موسى وإيليا أمامه، لأن الأموات القديسين يحيون، ويفكرون ويتكلمون، ويخدمون الله في زينة القداسة والمجد. هذا الظهور العجيب ثبَّت إيمان التلاميذ الثلاثة ليتأكدوا أن المسيح هو رب الشريعة الموسوية وخلاصة النبوات كلها، وأنه سيموت بريئاً، وأنه المسيح الحقيقي الموعود به للأمم. فإن موت المسيح في إنسجام كامل مع موسى وسيط العهد القديم، وانطباقه على رسالة المعمدان الممهّد للعهد الجديد، ويرشدهم على أن الله بالذات أراد موت ابنه. فلا دخول للمجد إلا بالموت الكفاري.

كان موسى وإيليا رجلين عظيمين محبوبين من السماء، ومع ذلك لم يكونا سوى عبدين، وعبدين لم يسر بهما الله في كل الأوقات، لأن موسى تكلم بدون احتراس، وكان ايليا إنساناً تحت الآلام. أما المسيح فهو “ابن” وبه سر الله على الدوام. كان موسى وايليا بعض الأحيان وسائط للمصالحة بين الله وإسرائيل، وكان موسى شفيعاً عظيماً وايليا مصلحاً عظيماً، أما المسيح ففيه صالح الله العالم وشفاعته أفعل من شفاعة موسى، واصلاحه أكثرر إنتاجاً من إصلاح ايليا.

عبَّر بطرس عن اشتياق كل الناس لهذا اللقاء الفردوسي مع الأرواح النيِّرة، بحضور مجد المسيح. لأننا جميعاً نشتاق للحياة مع الله في السماء. هذا ما تُتمْتِم به قلوبنا. فأراد بطرس أن يستمسك بالسماء، ويبني مظالا للممجدين على شكل بيوت من سعف النخيل، ناسياً نفسه ورفاقه. فلم يكن واعياً تماماً، لأن مجد الله يفوق كل عقل.

ثبَّت الله إيمانهم، إذ ظلَّل الجميع بسحابة مجده المفعمة نوراً وحياة وحماية. فليت سحابة محبة الله تغطي أمتنا لنسقط من شدة الخوف من حضور القدوس ونسجد له، فنسمع صوت أبينا السماوي يعلن أن يسوع المسيح هو همّ محبة الله المتجسّده، وأن طريق المسيح إلى الصليب هو قصد الله بالتمام لخلاص العالم. سر الآب بطاعة ابنه أن يفدي العالم بموته النيابي عن البشر الساقط.

اخترق صوت الله قلوب الرسل المندهشين والمستغربين، لكن المسيح احتضن تلاميذه وأقامهم إلى الحياة مجدَّداً. من يسمع كلمته يموت عن الخطيئة ويحيا للبر، وينسى كل الأنوار المتلألئة في دنيانا، ولا يرى إلا يسوع نور العالم وحده. فهل رأيته، وتمركز في قلبك، هدفاً لحياتك؟

عندما يغادرنا موسى وشريعته وإيليا وتاريخه فإن يسوع يبقى معنا، ومرشدونا لا بد مرتحلون، اما يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عبرانيين13: 7و8).

أيها الأب السماوي، نعظمك لأجل تجلي إسم يسوع أمام نخبة التلاميذ وظهوره مخلصاً في مجده الأصلي. نشكره لأنه أخلى نفسه ومات لأجلنا متمماً وعودك في الشريعة الموسوية والأنبياء. ساعدنا لكي لا نرى أحداً آخر إلا يسوع ابنك الوحيد، وتكون صورته مختومة في قلوبنا، لنتغير إلى طاعته الكاملة، ونقدم خلاصه إلى الناس الذين حولنا. نسبحك لأن المسيح بسيرته رسم أمامنا طريقنا من الموت إلى المجد. الصلاة:

السؤال 159 : لماذا تجلَّى المسيح أمام نخبة من تلاميذه؟

إيضاح الوعد بمجيء إيليا

( 17: 9-13)

17: 9 وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأََمْوَاتِ (10) وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ: فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَّوَلاً؟  (11) فَأَجَابَ يَسُوعُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَّوَلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. (12) وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضاً سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ (13) حِينَئِذٍ فَهِمَ التَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ.

(متى11: 14؛ 14: 9-10؛ 16: 20، لو1: 17)

لما نزل التلاميذ من جبل حرمون إلى وادي الأردن، رجعت أفكارهم ببطء إلى الحقيقة الملموسة، وابتدأت عقولهم تشتغل وتتحرك.

أمر يسوع تلاميذه الثلاثة ألاَّ يتكلّموا بكلمة واحدة عما شاهدوه من مجده حتى يقوم من بين الأموات، فيرى الجميع حقيقته الروحية. لكن التلاميذ كأنهم مخدرون، لم يفهموا بالضبط كلمات المسيح عن القيامة، وفهموا أنه يمنعهم عن التكلم عن الأعجوبة، فصمتوا أمام التلاميذ الآخرين حسب إرادة ربهم. إنما قيامة يسوع لم يدركوها، لأن الروح القدس لم يكن قد حلّ فيهم بعد.

سمع التلاميذ من الكتبة أن إيليا سيظهر فيما بعد وهو متعلق بمجيء المسيح، فاعتقدوا أن يسوع سيقيم عندئذ مملكته وينزل ناراً من السماء كما عمل إيليا سابقاً، وينتصر مثل نبي الكرمل عندما أباد الكهنة الكذبة.

أما يسوع فأزال كل رجاء سياسي في تلاميذه من بدايته، وأوضح لهم أن يوحنا المعمدان كرز بروح إيليا الموعود، ومهَّد الطريق للمسيح بندائه للتوبة، وليس بتدريب عسكري لأتباعه في البرية. وأخيراً مات هذا الصارخ في البرية بريئاً على يد الطاغية هيرودس.

وتعميقاً لهذا المبدأ أعلن يسوع أنه سيلقى موتا مشابها، متروكاً من الناس، مظلوماً من الرؤساء، ومحكوماً عليه من الله لأجل خطايانا. فلم يشجع يسوع تلاميذه بنهضة سياسية أو تقدم اقتصادي، بل أنبأهم بانكسار وفشل أكيد لكل آمالهم الدنيوية.

كان ليسوع الحق أن يتكلم بهذا التطرف والخشونة، لأنه أُظهر لنخبة من تلاميذه فتأكدوا من بهائه وكلماته وقداسته، وقد رأوا الحياة الجديدة المقبلة إلى دنيانا. فليس موت يسوع هو النهاية بل قيامته تشركنا في حياة الله. فهل مازالت الأهداف الدنيوية والآمال الفانية تعشعش في قلبك؟ أو هل اتجهت نحو حياة الله المعلنة في المؤمنين عند مجيء المسيح المخلص؟ اطلب منه مصلياً، لكي يرتب حياتك ويملأك بروحه القدوس فتثبت إلى الأبد.

يا ابن الله القدوس، نعظمك لأنك مُتَّ بغضب الله عوضاً عنَّا ورفعت خطايانا، ونشكرك لأنك تأتي بحياة الآب إلينا. لن تموت حياتك، فأنت القدوس. وإيماننا يوحّدنا بك وقوتك تجري فينا. أنت الثابت في قلوبنا. احفظنا في ساعة موتنا، لنحيا فيك يا من مُتَّ لأجل خطايانا، وغفرت آثامنا، فأنت رجاؤنا وخلاصنا الأكيد. الصلاة:

السؤال 160  : ماهي علاقة يوحنا المعمدان بالنبي إيليا؟

شفاء الفتى المصروع

( 17: 14-21)

17: 14 وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى الْجَمْعِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ جَاثِياً لَهُ (15) وَقَائِلاً: يَا سَيِّدُ، ارْحَمِ ابْنِي فَإِنَّهُ يُصْرَعُ وَيَتَأَلَّمُ شَدِيداً، وَيَقَعُ كَثِيراً فِي النَّارِ وَكَثِيراً فِي الْمَاءِ. (16) وَأَحْضَرْتُهُ إِلَى تَلاَمِيذِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَشْفُوهُ (17) فَأَجَابَ يَسُوعُ: أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، الْمُلْتَوِي، إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ؟ إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ؟ قَدِّمُوهُ إِلَيَّ ههُنَا!  (18) فَانْتَهَرَهُ يَسُوعُ، فَخَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ. فَشُفِيَ الْغُلاَمُ مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ.                                   (مر9: 14-29، لو9: 37-42)

نزل المسيح من جبل التجلّي إلى أودية الخطاة، فعلى الجبل التقى بالأرواح المنيرة الصالحة، أما في الوادي فقد شاهد الشاب الذي خرَّبه الشيطان. كان هذا الانتقال صدمة قوية للتلاميذ، الذين كانوا ما يزالون بأفكارهم عائشين بمناخ الرؤية المجيدة، فأعادهم المسيح إلى الواقع، وهو الكفاح لتحرير الملبوسين.

لم يستطع التلاميذ كلهم أن يشفوا المريض ولا أن يخرجوا الأرواح النجسة منه، رغم أنهم نطقوا في محاولتهم باسم المسيح، لأن أنفسهم كانت مضعضعة منذ أعلن المسيح موته، فاضطربت قلوبهم وتعكر انسجامهم معه ومع موته.

هذا الابتعاد الروحي والنقص في الخضوع لتخطيط الله يسمّيه المسيح عدم إيمان. فمن لا يثبت في مشيئة القدوس، ويحاول تنفيذ أفكاره الخاصة، هو كافر وملتوٍ عنيد! وكل الحاضرين آنذاك، الأب وابنه المريض، والجماهير، والكتبة المتعلمون، وحتى التلاميذ جميعهم، لم ينسجموا مع محبة الله وخطة خلاصه، فبقوا ضعفاء منفصلين عن قوة المسيح.

إن انتصارات المسيح على الشيطان مصدرها قوة كلمته، وهي السيف الخارج من فمه (رؤيا19: 21) والشيطان لا يستطيع أن يثبت أمام انتهار المسيح مهما طالت مدة تملكه. ومما يعزي أولئك الذين يصارعون ضد الرياسات والسلاطين أن المسيح “جردهم وأشهرهم جهاراً ظافراً بهم”

(كو2: 15).

امتحن نفسك، ماذا يعيق اتحادك به؟ لماذا إيمانك ضعيف وبلا قوة؟ هل صارت محبتك باردة للناس ولله، ولم تمت بعد عن عنادك؟ أطلب من المسيح كشف عصيانك وانتصاره المبيد على تمردك أولاً، وبعدئذ تقدَّم إلى المسيح بالمريض الذي لا يحتاج إلى محاولتك لشفائه، بل للمسيح الطبيب الأعظم. فيتاح لك أن تصرخ كالآب الجاني: أؤمن يا سيد، فأعن عدم إيماني. لأنه شعر في حضور الرب بضعفه ونجاسته، رغم استعداده للثقة والمحبة.

استجاب المسيح لصلاة الأب الضعيف الإيمان فوراً، وطرد الشيطان من ابنه. فقدرة المسيح لا تؤخرها الروح النجسة، إذا طلبنا إليه أن يتدخل بالإيمان. فالتجئ إلى المسيح، ولو كنت مضطرب النفس وغير قادر على شيء، واطلب منه تحقيق انتصاره فيك وفي الذين حولك. لا تتشاءم وتستسلم للأوضاع الظالمة، بل آمن بقدرة ربك مُلحّاً بصلاتك إليه بالإيمان.

أيها الأب السماوي، لا تستطيع الأرواح والجن أن تقف في طريق ابنك الحبيب، لأنه قدير متواضع قدوس. نشكرك لأن ابنك جرَّد الفتى المصروع من الشيطان وطرده خارجاً. نطلب منك أن تقوي إيماننا لنخرج باسم يسوع فقط كل الأرواح النجسة العنيدة من أحبّائنا وزملائنا حتى لا يركضوا ويرتموا في الوحل تحت قيادة إبليس، بل يتحرروا تحرراً كاملاً ويتبعوك ويثبتوا فيك إلى الأبد. آمين .الصلاة:

السؤال 161 : كيف وبَّخ يسوع تلاميذه لعجزهم عن إخراج الجن من الفتى؟

17: 19ثُمَّ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى انْفِرَادٍ وَقَالُوا: لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ؟(20) فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لِعَدَمِ إِيمَانِكُمْ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ. (21) وَأَمَّا هذَا الْجِنْسُ فَلا يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ. (متى10: 1؛ 21:21، لو17: 6، 1كور13: 2)

ربما تستلزمك خدمة المسيح أن تلحّ في صلاتك وتصوم لتحرير الملبوسين، ليستجيب يسوع القدير  طلبتك. إن الصوم يفرّغك من الهموم الدنيوية، ويوّجه أفكارك إلى السماء، فتتكلم بشعورك الباطني دائماً مع ربك. وهذه الصلاة لها فاعلية في الدنيا والآخرة، إذ تختبر أن اسم المسيح ينقل جبال الخطايا من القلوب ويبيدها. وإن كنت تضع يدك بيده، يقودك إلى بركات غريبة، ويحلّ بواسطتك القيود الشيطانية في كثيرين.

من المعلوم أنك لا تستطيع نقل جبال مادية بقدرتك الخاصة. كما أن المسيح ورسله أيضاً لم ينفّذوا هذا الوعد حرفياً من «نقل الجبال» لأن ذلك لا يفيد أحداً. إن محبة الله تدفعك إلى أعمال متواضعة، لينتقل جبل كبريائك فتصبح خادماً للمساكين باسم المسيح ومحبته. فما هو غير ممكن عند الناس ممكن عند الله، فيخلقك خليقة جديدة لتنسجم مع لطفه وتواضعه وتشترك في قدرة الرحمن بواسطة إيمانك. يستطيع المتواضع أن يفعل ما يريده ربه المسيح، الذي يقويه، لأن القدير لم يجد مانعاً أن يحل في قلبه.

إن الصلاة والصوم واسطتان لازمتان لتحطيم قوة الشيطان التي يهاجمنا بها، وللحصول على القوة الإلهية لمساعدتنا. الصوم لازم لتقوية الصلاة، هو دليل الإتضاع والإذلال اللذين في الصلاة، وهو واسطة لقمع بعض العادات الفاسدة، وتهيئة الجسد لخدمة الروح في الصلاة.

أيها الآب السماوي، نحن أولاد عصرنا. فضعُف إيماننا وقلَّت محبتنا. وها نحن ملتجئون إليك، طالبين تحرير أنفسنا من الالتواء وعدم الإيمان، لنتمسك بيد ابنك، ونمتلئ بالمحبة للمساكين، ونغفر لأعدائنا، ونعمل ما تريد أنت لخلاص المتعَبين حولنا.الصلاة:

السؤال 162  : ما هو سر جريان قوة الله في المؤمنين بالمسيح؟

إعلان يسوع الثاني عن موته وقيامته

( 17: 22-27)

17: 22 وَفِيمَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي الْجَلِيلِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: ابْنُ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ (23) فَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ فَحَزِنُوا جِدّاً.         (متى16: 21؛ 20: 18-19)

ابن الإنسان هو الله المتأنس، المستمر بمجده. وهو ينبوع القوة الإلهية، وخادم جميع الناس. قداسته تديننا جميعاً، وسيرته مقياسنا يوم الحساب، لأن حياته هي التفسير الصحيح للوصايا العشر، فيسوع هو الإنسان الحق والإله الحق. لم يستخدم قدرته لمصالحه الخاصة. ولهذا التواضع دفع أبوه إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض.

لم يمتنع المسيح الوديع، مع أنه هو القدير، من أن يسلّم نفسه إلى أيدي الناس الخبثاء، لأن وداعته أقوى من عنف المتسلّطين، فغلب نفسه وبذل ذاته فدية عن كثيرين.

بهذا الإنكار الذاتي غلب كل القوى الشريرة العاملة في تخريب الكون، فشاء وعزم أن ينتصر بموته الكفاري لتبريرنا وتقديسنا وحفظنا. هكذا ثبَّت وجهه وتقدَّم نحو أورشليم، وتألم لأجل الذين يبغضونه، مفتدياً مملكته ومحبّاً مهلكيه.

ما أعظم الفداء بموت المسيح على الصليب! محبته تكشف فسادنا وكبرياءنا. لكن نعمة حمَل الله تغيّر عيوبنا إلى الطهارة، وقربان نفسه يخلّصنا نحن الهالكين.أما تلاميذ يسوع فلم يدركوا آنذاك عمق وسرّ خلاصه، فحزنوا جداً عندما أخبرهم عن دنو موته.

أيها القدوس، نعظمك لأن يسوع وُلد ليموت عوضاً عنّا، ويحمل خطيئة العالم ويتألم على أيدي الأتقياء الأبرار والسياسيين. نشكرك لأنه كان وديعاً، سلّم نفسه إلى إرادتك الأبوية، فربحنا من موته الحياة والبر والقداسة، ومنحنا روح البركة من خلال ذبيحته. ساعدنا حتى لا نحزن من أي حادثة تعترضنا في حياتنا الدنيوية ونجحد نعمك وبركاتك، بل نتمسك بك بكل قوة وشغف ونفرح ونشكره كما نشكرك ونتهلل لأجل خطة خلاصك لكل الناس.الصلاة:

السؤال 163 : لماذا حزن التلاميذ ولم يشكروا يسوع عندما اخبرهم عن موته النيابي؟

17: 24 وَلَمَّا جَاءُوا إِلَى كَفْرِنَاحُومَ تَقَدَّمَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الدِّرْهَمَيْنِ إِلَى بُطْرُسَ وَقَالُوا: أَمَا يُوفِي مُعَلِّمُكُمُ الدِّرْهَمَيْنِ؟  (25) قَالَ: بَلَى فَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ سَبَقَهُ يَسُوعُ قَائِلاً: مَاذَا تَظُنُّ يَا سِمْعَانُ؟ مِمَّنْ يَأْخُذُ مُلُوكُ الأََرْضِ الْجِبَايَةَ أَوِ الْجِزْيَةَ، أَمِنْ بَنِيهِمْ أَمْ مِنَ الأََجَانِبِ؟  (26) قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: مِنَ الأََجَانِبِ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: فَإِذاً الْبَنُونَ أَحْرَارٌ.  (27) وَلكِنْ لِئَلاَّ نُعْثِرَهُمُ، اذْهَبْ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقِ صِنَّارَةً، وَالسَّمَكَةُ الَّتِي تَطْلُعُ أَّوَلاً خُذْهَا، وَمَتَى فَتَحْتَ فَاهَا تَجِدْ إِسْتَاراً، فَخُذْهُ وَأَعْطِهِمْ عَنِّي وَعَنْكَ.                                                  (خر30: 13، 2مل12: 5-6)

لم تكن الجزية التي طلبت هي تلك الجزية المدنية التي كانت تدفع للسلطات الرومانية، والتي كان العشارون يدققون في تحصيلها، بل كانت الجزية الكنسية، نصف الشاقل، التي كانت تطلب من كل شخص لخدمات

الهيكل وتسديد نفقات العبادة فيه، وكانت تدعى “فدية النفس” (خروج30: 12). هذه لم تكن في ذلك الوقت تحصل بالدقة التي كانت متبعة من قبل، سيما في الجليل.

لم يعلن المسيح نفسه أنه ابن الإنسان فقط بل ابن الله أيضاً أثناء قضية جزية الهيكل. لم يكن مُجبَراً أن يدفع جزية لبيت أبيه السماوي، لأن كل ما هو لأبيه هو له. لكن محبته لأعدائه ورأفته بضعفهم حملته لدفع الجزية طوعاً، فربط نفسه ببطرس وتلاميذه الآخرين، وسمَّاهم «أبناء الله الأحرار». كما ذُكِرَ ذلك عدة مرات في إنجيل متى. هل تتمسك أيها الأخ بهذا اللقب والوعد؟ فتقف مع أبناء الله، ليس لصلاحك، بل لأنك آمنت بكلمة يسوع. وكلمته القوية ستقدسك إلى التمام لتكون كما يدعوك الله أن تكون.

إن الإلتزامات الكنسية التي تفرض قانونياً ينبغي أن توفى برغم ما قد يوجد هنالك من الأخطاء الكنسية، ينبغي أن نحذر من اتخاذ الحرية سترة للطمع والشر (1بطرس2: 16). وإن كان المسيح قد دفع الجزية فمن ذا الذي يدعي الإعفاء منها.

إن الحكمة والتواضع المسيحيين يعلمانا أنه في حالات كثيرة خير لنا التنازل عن حقوقنا من اعثار الآخرين بالتمسك بها، ثم اننا ينبغي أن لا نتخلى عن واجباتنا خوفاً من العثرة، بل ينبغي في بعض الأحيان أن ننكر ذواتنا بصدد مصالحنا المدنية أولى من إعثار الآخرين.

أيها الآب، نسجد لك بمحبة وفرح، لأن ابنك الوحيد صيَّرنا بموته أبناء لك. نحن بطبيعتنا أعداء لك وبعيدون عنك. أما دم يسوع فقرَّبنا إليك. نعظّمك لنعمتك، ونتهلل لأبوّتك لنا. ساعدنا لنخدم في محبتك كما خدم ابنك العالم لتتحقق ألوهيتك في إنسانيتنا.الصلاة:

السؤال 164  : كيف أعلن يسوع أنه ابن الإنسان وابن الله؟

رابعاً-النظام الداخلي لملكوت الله

(المجموعة الرابعة لكلمات المسيح)

( 18: 1-35)

كبرياء التلاميذ وتواضع الأطفال

( 18: 1-14)

18: 1 فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟  (2) فَدَعَا يَسُوعُ إِلَيْهِ وَلَداً وَأَقَامَهُ فِي وَسَطِهِمْ (3) وَقَالَ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأََوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. (4) فَمَنْ وَضَعَ نَفْسَهُ مِثْلَ هذَا الْوَلَدِ فَهُوَ الأََعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.    (متى19: 14، مر9: 33-37، لو9: 46-48)

وضع البشير متى باختياره هذه الحادثة كمدخل للخطاب الرابع ليسوع المسيح، نظراً لأهميته الكبرى في الكنيسة، وهو سؤال الرسل “من هو الأعظم في الكنيسة؟” هذا السؤال مازال يتداول إلى اليوم بين الشيوخ والقسس والأساقفة، فيحاول الشيطان بمكره وخداعه أن يبث روح خطيئته الخاصة إلى القادة في ملكوت الله، فيسقطوا في التجربة ويتركوا المحبة والقوة والتواضع ليبتدئ الخصام وتتبدّد الرّعيّة.

كانت مناسبة هذا الحديث عن التواضع منازعة سخيفة حصلت بين تلاميذه بصدد الرئاسة فيما بينهم لأنهم خجلوا أن يسألوه، لم يقصدوا “من هو الأعظم” بمقتضى صفاته وأخلاقه، وإلا كان السؤال لا غبار عليه إن أرادوا معرفة أي الواجبات والنعم التي ينبغي أن يتفاضلوا فيها، بل قصدوا “من هو الأعظم ” باسمه. لقد سمعوا كثيراً وعلموا كثيراً عن ملكوت السموات، ملكوت المسيا، كنيسته في هذا العالم، لكنهم إلى ذلك الوقت لم تكن لديهم فكرة واضحة عنها، فقد كانوا يحلمون بمملكة زمنية بعظمتها وقوتها الظاهريتين. كان المسيح قد تحدث مؤخراً عن آلامه، والمجد الذي يليها بقيامته ثانية، التي توقعوا أن تكون بداية ملكوته، والآن ظنوا أن هذا هو الوقت المناسب ليطالبوا بمراكزهم في ذلك الملكوت، فمن الخير في مثل تلك الظروف الكلام في وقت مبكر.

اجتهد التلاميذ أن يعرفوا من هو هذا، وكل يحاول أن يدعي بأن هو الذي له حق الأفضلية. فبطرس كان دائماً هو المتقدم في الكلام وسبق أن أعطيت إليه المفاتيح. ولذلك كان يتوقع أن يكون هو رئيس الدولة، وبالتالي الأعظم. ويهوذا كان معه الصندوق، ولذلك كان يتوقع أن يكون وزير المالية، وبالتالي الأعظم. وسمعان ويهوذا كنا أقرباء المسيح لذلك كانا يرجوان أن يمنحا أعظم مناصب في الدولة. وكان يوحنا هو التلميذ المحبوب، المقرب للملك، ولذلك كان يرجو أن يكون هو الأعظم. واندراوس كان أول من دعا فلماذا لا يكون الأعظم.

يحب الكثيرون أن يسمعوا ويتحدثوا عن الإمتيازات والأمجاد وهم لا يودون أن يفكروا في الخدمة والمتاعب. إنهم يطيلون النظر في الإكليل لدرجة أنهم ينسون النير والصليب. هكذا كان حال التلاميذ لما سألوا “من هو الأعظم في ملكوت السموات؟”

تظهر الخطيئة في الإنسان عادة باشتياقه إلى الشرف والسلطة والمال والجمال. كلنا مجرّبون بخطيئة الشيطان ألا وهو الإستكبار. وللغلبة على هذا المرض الروحي أوقف المسيح طفلاً بين الرجال الوقورين وطلب إليهم أن يتمثَّلوا ببساطة الطفل، ليدركوا أن شعار ملكوت الله عكس نيَّة الشيطان: التواضع والثقة المطلقة بالآب. وكما أن الطفل في طبيعته غير بالغ ومحتاج وضعيف، هكذا نحن. وكما أنه يلتجئ إلى حماية وعناية أبيه بكل أموره وآلامه، هكذا نلتجئ إلى الله في كل لحظة. إن لم ندخل إلى التبنّي السماوي، الذي أعده المسيح لنا شرعاً، فلن ندخل ملكوت السموات. يحاول يسوع جذبك لتتكل على أبوة الله، وتضع حياتك على عظمة محبته. فلا نجد في أسرة أبينا إلا أولاده، ولكن هذه البنوة السامية تظهر في التواضع والوداعة. فطوَّب يسوع الودعاء، لأنهم يرثون الأرض.

عندما قدم التلاميذ سؤالهم المبين، كانوا يظنون في أنفسهم انهم واثقون من ملكوت السموات، أما المسيح فإنه ينبههم لكي يحترسوا لأنفسهم. كانوا يطمعون في أن يكونوا “الأعظم في ملكوت السموات” أما المسيح فيخبرهم بأنهم إن لم يغيروا تفكيرهم فلن يدخلوه.

أيها القدوس نعظمك لأن ابنك يسوع عاش وديعاً متواضع القلب، ويريد أن يغيرنا إلى صورته. نجِّنا من تجربة الشرير لكي لا نستكبر أبداً ولا نحاول إبراز ذواتنا وانفسنا بل نخدم في الخفاء بفرح، لأن أسماءنا مكتوبة في سفر الحياة. اغفر لنا ميلنا إلى الكبرياء وامسحنا بروحك الوديع والحنون. الصلاة:

السؤال 165 : لماذا يعتبر الإستكبار الخطر الأعظم المهدِّد للكنيسة؟

18: 5 وَمَنْ قَبِلَ وَلَداً وَاحِداً مِثْلَ هذَا بِاسْمِي فَقَدْ قَبِلَنِي. (6) وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ.(7) وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ. فَلا بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ. (8) فَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ أَوْ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ أَوْ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي النَّارِ الأَبَدِيَّةِ وَلَكَ يَدَانِ أَوْ رِجْلانِ. (9) وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تُلْقَى فِي جَهَنَّمَ النَّارِ وَلَكَ عَيْنَانِ.

(متى5: 29-30؛ 10: 40، مر9: 42-47، لو17: 1-2)

المسيح يحب الأطفال، ليس لصلاحهم الخيالي، بل لأن نفوسهم تنمو وتنفتح لكل تعليم وقدوة وإرشاد. صحيح أن الأولاد خطاة عنيدون مستكبرون ككل الجنس البشري، لكنهم يمتصّون المحبة والحق، ويسرُّون بالجو الطاهر في العائلة السليمة. إن كل من يتبنّى يتيماً أو يقبل ولداً مجرّداً من كل عناية، يقبل المسيح بالذات. ومن يعلّم الصغار الخلاص بكلمات مفهومة وعبارات منسجمة لإدراكهم، يزرع بذور السماء في عقولهم. نشكر المسيح على هذا الوعد الفريد الذي سبب لجوء أولاد كثيرين إلى عناية أمهات وآباء في المسيح. ما أعظم البركات النابعة من هذا الوعد الحنون.

ويل لمن يقود ولداً للخطيئة بالكذب أو النجاسة أو السرقة، فينجم عن ذلك الضلال ألف خطيئة وخطيئة في مستقبل الولد. كل الذين يفعلون مثل هذا هم الأشرار الذين عيَّن الله لهم أشدّ العقاب، لأنهم قدوة سيئة للصغار. كان خيراً لهم لو طُوِّقت أعناقهم بحجر الرحى وأُلقوا في لجة البحر من أن يكونوا علة سقوط ولد في الخطيئة والهاوية والهلاك الأبدي.

أي رحمة تعمل لمثل هؤلاء يعتبرها المسيح قد عملت لنفسه. كل من يلاطف مسيحياً وديعاً متواضعاً، ويشد ازره، ولا يسيء إليه بسبب وداعته ويجعله موضوع حبه وعنايته، ويتخذه صديقاً ورفيقاً، ويجتهد بأن يحسن إليه، ويفعل كل هذا باسم المسيح ولأجله، لأنه يحمل صورة المسيح ويخدم المسيح، فإن المسيح يقبله ويكافئه كشخص يستحق الكرامة.

إن العناية الرقيقة التي يظهرها المسيح للكنيسة تشمل كل عضو مهما كان صغيراً، إنها لا تشمل الكنيسة كمجموعة فحسب بل كأفراد. وكلما صغر في أعين أنفسهم أولئك الذين نحسن إليهم عظم إحساننا في عيني الرب. ونحن إذ نحسن إليهم فذلك ليس من أجل أشخاصهم بقدر ماهو من أجل المسيح.

بالحقيقة كلنا مُدَانون، لأننا معثرة للأولاد. والجميع مسؤول عن بذاءة الأفلام وعار المجلات، لأن الحياة كلها صارت معثرة للصغار. كما أننا لا نقوم بمسؤوليتنا لتهذيب الأولاد في المدرسة والبيت.

يطلب المسيح منَّا، أن نقدس أنفسنا بقوة الروح القدس، كيلا نصبح سبباً لخطيئة الآخرين. وأثناء هذا الكفاح الروحي حول قداسة الجسد والنفس، لم يقطع الرسل أيديهم وأرجلهم هرباً من التجارب العديدة، بل كرَّسوا أجسادهم للمسيح. لأنهم اعتبروا أنفسهم أولاداً، وسلّموا ذواتهم لإرشاد أبيهم السماوي. هكذا حفظتهم ملائكة الله، الذي يحب الضالين التائبين حتى يجدهم.

أيها الآب السماوي، نسجد لك لأنك أبونا وتهتم بنا ليلاً ونهاراً. نطلب منك أن تقوي ثقتنا في إرشادك لنا، وتحفظنا متواضعين لكي لا نصبح قدوة سيّـئة أو سبب خطيئة للأولاد، بل نسلك في قداسة ونرشد الصغار إليك، ونلتمس منك الغفران، إذا ضللنا أحداً بسلوكنا غير المقبول عندك أو بسبب نجاستنا سواء كانت قولاً أو عملاً. يارب خلِّص هؤلاء الضحايا الذين أخطأنا في حقهم وامنحهم الرجوع والتوبة لكي لا يفسدوا الآخرين بفسادنا. الصلاة:

السؤال 166 : ماذا تُعلّمنا عظة يسوع عن الولد الذي أقامه في وسطهم؟

18: 10  اُنْظُرُوا، لاَ تَحْتَقِرُوا أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَلاَئِكَتَهُمْ فِي السَّمَاوَاتِ كُلَّ حِينٍ يَنْظُرُونَ وَجْهَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (11) لأََنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ. (12) مَاذَا تَظُنُّونَ؟ إِنْ كَانَ لإِنْسَانٍ مِئَةُ خَرُوفٍ، وَضَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا، أَفَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ عَلَى الْجِبَالِ وَيَذْهَبُ يَطْلُبُ الضَّالَّ؟ (13) وَإِنِ اتَّفَقَ أَنْ يَجِدَهُ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يَفْرَحُ بِهِ أَكْثَرَ مِنَ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي لَمْ تَضِلَّ. (14) هكَذَا لَيْسَتْ مَشِيئَةً أَمَامَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ. (لو15: 4-7، عب1: 14)

هل تؤمن بوجود الملائكة؟ إنها خدّام الله، وهم أرواح نورانية سريعة تتمم أوامر القُدّوس. يعلن لنا يسوع السر العظيم، أن الله أمر ملائكته أن يحرسوا الأولاد الصغار، موكلين من الله لأنه الأب الحقيقي الشفوق. وعطفه قبل كل شيء على أولاده الروحانيين، الذين يعيشون تحت حماية الملائكة الجبارة. مما لا ريب فيه أن الشيطان وجيشه يريد أن يمزّق المولودين من الروح القدس، لولا ملائكة الله الحارسين أولاده القديسين. فأبونا السماوي يشاء بملء إرادته ألا يفقد أحداً من أولاده.

من يريد أن يعارض مشيئة الله القوية؟ إن قصده وقراره أقوى قوة في العالم. فمن مسرَّته صدر الخلق والفداء، ومن مشيئته تتحقق النّعمة. ولتنفيذ تخطيطه الأبوي أرسل الله ابنه الوحيد، لكي يفتش عن الخراف الضالة حتى يجدها ويحررها من عليقة الخطيئة. فمحبته دفعت الراعي الصالح أن يترك حظيرة الأتقياء في العهد القديم ويطلب الضالين في الأمم ويخلصهم إلى التّمام. لسنا نحن الذين طلبنا الله وابنه أوّلاً، بل هو الذي أخلى مجده ونزل إلى الخطاة وحرّرنا من تورّطنا في الشهوات والأكاذيب وحملنا على كتفيه إلى أبيه، وهو أبونا أيضاً حسب إعلانه.

هذه هي مشيئة الله أن لا يهلك أحد مختاريه. وإرادته عظُمت في أنه فضَّل أن يموت ابنه، من أن يهلك أحد أولاده في غضبه. كل الناس فسدوا. وقد هلكوا لأنه ليس أحد يعمل صلاحاً ولا أحد. لكن من يسمح للمخلّص أن يجده، ويتجاوب بتفتيش المخلّص عنه بصرخة النّجاة، يخلص حتماً. بهذه الكلمات أعلن يسوع غاية آلامه وموته. إنه قد أتى ليخلّص أولاد الله الضالين. فقد مات، لنعيش نحن.

من هذه البصيرة علّمنا يسوع ألا نحتقر الصغار في الكنيسة ولا في المجتمع، بل نتعلّم خصوصاً من فئات الأولاد. لأنه كما أن الوالدين المسؤولين يهتمان بأولادهما ليلاً ونهاراً، هكذا يعتني الله بالصغار والبسطاء والمتواضعين والودعاء، الذين ولدهم من الروح القدس.

هل خدماتك في الكنيسة موّجهة نحو الوجهاء فقط، أم للصّغار المهمّشين أيضاً؟

من الأفضل أحياناً أن نفتح صف مدرسة أحد ونرسم محبة يسوع قدام الأعين الشاخصة، من أن نفسر عقائد معقدة للمستمعين المهمِلين. إن أنفس الأولاد منفتحة، ولم يُخَطّ فيها شيء بعد. فسجّل ودوِّن فيها اسم يسوع بخط عريض. وارسم محبته قدوة فيهم، ليصطبغوا بالتواضع والمحبة والطهارة. ولا تنْسَ أن طريق المسيحي لا يصعد إلى العلاء والتكبُّر، بل إلى تحت، للمساكين.

أيها الرب يسوع. أنت ابن الله. كنت خاضعاً لإرادة أبيك في كل نواحي الحياة. أما نحن فهربنا من حظيرته، وتعلّقنا بخطايا عديدة وسقطنا في حفرة الخبث والمكر. اغفر لنا ذنوبنا، واقبل شكرنا لأنك تركت السماء المجيدة. زرت الشعوب الضالة، ووصلت إلينا ودعوتنا من عبودية الخطيئة، وطهرتنا تطهيراً كاملاً، وحملتنا على كتف رحمتك. علّمنا أن لا نستكبر البتة، بل نهتم بالصغار ونتواضع جداً، ونخدم المساكين في قوة روحك القدوس.الصلاة:

السؤال 167  : ما هي مشيئة أبينا السماوي؟

الغفران المتبادل بين الإخوة

( 18: 15-17)

18: 15 وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَاذْهَبْ وَعَاتِبْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَحْدَكُمَا. إِنْ سَمِعَ مِنْكَ فَقَدْ رَبِحْتَ أَخَاكَ. (16) وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ، فَخُذْ مَعَكَ أَيْضاً وَاحِداً أَوِ اثْنَيْنِ، لِكَيْ تَقُومَ كُلُّ كَلِمَةٍ عَلَى فَمِ شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ. (17) وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ فَقُلْ لِلْكَنِيسَةِ. وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الْكَنِيسَةِ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ كَالْوَثَنِيِّ وَالْعَشَّارِ.

(لا19: 17، تث19: 15، لو17: 3، 1كور5: 13، 2تسا3: 6، غل6: 1، تيطس3: 10)

إن اهم مشكلة تهدّد الكنيسة بعد الإستكبار هي التفاهم والتوبيخ الحكيم والغفران المتبادل بين الإخوة. فالمحبة هي جوهر كنيسة المسيح. إنما حيث يستسلم أحد الأعضاء للأنانية يسرع في الإنحدار نحو الخطيئة ويدخل روح غريب إلى الكنيسة. لكن المؤمنين الواعين يكتشفون سريعاً الروح الغريب بتمييز الروح القدس ويغلبونه باسم المسيح.

بعد أن حذر المسيح تلاميذه من أن يعثروا أحداً نراه بعد ذلك يرشدهم عما ينبغي عمله إن أعثرهم احد، الأمر الذي إما أن يكون المقصود به الإساءات الشخصية، وعندئذ يكون القصد من هذه الإرشادات حفظ سلام الكنيسة، او الإساءات العامة وعندئذ يكون القصد منها حفظ نقاوة وجمال الكنيسة.

فإذا أدركت أن أحد أعضاء كنيستك أو جماعتك يخطئ باستمرار، عليك أن تصلي لأجله من كل قلبك وبلجاجة. لا تشهِّر به ولا تشوِّه سمعته، بل صلِّ حتى يعطيك المسيح دعوة خاصة وإرشاد واضح، ويدفعك أن تتكلم إلى المسيء على انفراد.

في هذه المكالمة لا تنس أن قوة إيمانك تظهر في التأني واللطف، فتقول للمخطئ الحق بصراحة ولكن بتواضع وشفقة لتخلّصه، وتربح ثقته. أما الذي يداهن الآخرين فليس صديقهم. والذي يدين بقساوة واستهزاء يُدان أيضاً، لأنه يعمل في استكباره خطيئة أعظم من خطيئة الضالين. إن لم توجد الجرأة لدى أعضاء الكنيسة ليقولوا الحق بعضهم لبعض بمحبة، فإن هذه الكنيسة تموت بسبب الرياء والحقد والمرارة.

وإن لم يستمع المخطئ إليك، فأطع قول المسيح بأخذ أخوين أو ثلاثة من المصلّين معك إلى ذلك العنيد، وتكلموا معه بوضوح، وحاولوا بالصلاة المشتركة ليتغيَّر في حضور الله القدوس. وإذا استمر بقساوة قلبه ولم يصنع الحق، فأحبوه أكثر كما أحب المسيح العشّارين والخطاة ليرجعهم إلى الله، لأن المحبة وحدها تشفي النفس المريضة.

إذا تمسّك الشرير بشرِّه ولم يتب توبة نصوحة، فانفصلوا عنه مؤقّتا لئلاَّ تنتقل العدوى إلى جماعتكم، وإن لم يترككم عن طواعية، فاطلبوا من الرب أن يخلصه أو يفصله عنكم بتدخل منه. علماً أننا  نحب هذا الضال لكن نبغض خطيئته ونرفضها بتاتاً بيننا.

أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك وبَّخت تلاميذك عند غرورهم وعنادهم وعدم إيمانهم لتساعدهم وتحرِّضهم على الخير. ساعدنا أن نواجه إخوتنا بالمحبة والحق، باحترام ووضوح لأجل إصلاحهم وقداستهم وأن لا نجرح مشاعرهم. كُن أنت المؤدب الحنون لنا جميعا. الصلاة:

السؤال 168 : ماهي الدرجات الثلاث التي يجب اتباعها اثناء التوبيخ بين جماعة المؤمنين؟

الربط والحل باسم المسيح

(18: 18-20)

18: 18اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأََرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطاً فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ. (19) وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً: إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، (20) لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ.

 (متى16: 19؛ 28: 20، مر11: 24، يو20: 23)

حيث تنضج المحبة وتتحقق وحدة الإيمان في الرجاء الحي. وهذه الوحدة هي قوة الكنيسة. هناك يصلي الأفراد والجماعات في روح المسيح، فيعمل هذا الروح في صلواتهم، ويجعلها مستجابة ومقتدرة في فعلها لدى الله. ليست الإحصاءات أو الأرصدة في البنوك هي البرهان لقدرة الكنيسة، بل حضور المسيح في الأعضاء المصلين. لأنه بواسطة شهاداتهم يتقدم كثيرون إلى المخلّص الذي يغفر خطاياهم. وقد منح يسوع لكل الرسل مفاتيح السماء وليس لبطرس وحده. فكل من يسكن الروح القدس قلبه هو عامل في قوة الله، لأن الرب يعمل بواسطته.

إن محبتكم هي أعظم قوة في العالم. هل توجد في كنيستكم حلقة للصلاة المستمرة؟ إن المسيح شخصياً يحل بملئه بين الذين ينسجمون مع مقاصد محبته. ما أعظم وحدة المحبة في الكنيسة! فالرب يستجيب صلواتهم إن صلوا بإرشاد الروح القدس.

نجد في هذا الوعد المطلق لاستجابة الصلوات تحريضاً لنمتحن ونتفق معاً ما هي إرادة الله الصالحة في هذا الوقت، فنطلبها باسم يسوع المسيح الحاضر معنا، وإذا لم تعرفوا ما هي مشيئة ربكم نحو قضيتكم فاسألوا أنفسكم ماذا كان المسيح سيفعله لو كان حاضراً بينكم؟ اطلبوا إلهام روح المسيح لكي تقدموا معاً صلوات مقبولة ومستجابة من الله باسم يسوع المسيح.

إنه لو اجتمع اثنان أو ثلاثة فقط فالمسيح سيكون في وسطهم، وهذا تشجيع لاجتماع أقل عدد عندما يكون ذلك:

` إما عن اختيار. فإنه علاوة على الصلوات السرية التي يمارسها المؤمنون كأفراد، والصلوات الجمهورية التي تمارسها كل الجماعة، فقد تدعو الحاجة أحياناً إلى اجتماع اثنين أو ثلاثة إما لتبادل الآراء أو للإتحاد في الصلاة معاً، لا استخفافاً بالعبادة الجمهورية بل تمشياً معها، هنالك يكون المسيح في وسطهم.

  • إما عن اضطرار. فعندما لا يكون هنالك أكثر من اثنين أو ثلاثة ليجتمعوا معاً، أو عندما لا يمكن اجتماعهم، إن وجد أكثر، لسبب الخوف من اليهود، فإن المسيح “هناك يكون في وسطهم” بالرغم من قلة العدد، لأن حضور المسيح لا يتوقف على كثرة المصلين بل على إيمانهم وعبادتهم الخالصة المخلصة. حتى إن لم يوجد سوى اثنين أو ثلاثة، وهو أقل عدد ممكن، يجعل اجتماعهم ثميناً جداً ومعزياً كما لو كانوا ألفين أو ثلاثة آلاف.

لا تنسوا بأن يسوع سيكون في وسطكم إذا تصالحتم واتحدتم في سبيل خدمته ونشر إنجيله. فحضوره هو امتياز حلول روح السماء وسط مشاكل وأخطار هذه الدنيا، فيعمل المسيح معكم ويحميكم.

أشكرك أيها الرب يسوع الحنون لأنك وعدتنا بان تكون في وسطنا مخلّّصاً ومعزّياً إذا اتحدنا معاً في سبيل خدمتك ولأجل حلّ وربط الخطايا في سبيل شهادتنا. ساعدنا لنسامح بعضنا بعضاً وننسى أخطاء الآخرين ونلتمس منك معرفة مشيئتك من الإنجيل حتى نصلي في انسجام تام وكامل مع مقاصدك، فنُتمم إرادتك فينا وبيننا ومن خلالنا. الصلاة:

السؤال 169 : متى يكون المسيح في وسطنا؟

الغفران المطلق

(18: 21-22)

18: 21 حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟  (22) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.                                                        (تكوين4: 24، لو17: 4، أفسس4: 32)

أدرك بطرس عظمة وعد المسيح بصلاة الإيمان في وحدة الكنيسة. لكنه خاف، في نفس الوقت حسب اختباراته، من عدم الحصول على إكمال الشرط الوحيد لإتمام الوعد، وهو الوحدة الأخوية. لأنه لا بد أن تحصل خلافات بين الناس وأن يهينوا بعضهم بعضاً عن غير قصد، أو يحدث سوء تفاهم بينهم، أو يفكرون سريعاً أن الآخرين أهانوا كرامتهم.

ليس من صالحنا أن نحصي عدد الإساءات التي يوجهها إخوتنا إلينا. وإن محاولة الحد من عدد الإساءات التي نصفح عنها ينم عن سوء النية والقصد، كأننا نسمح لأنفسنا بالإنتقام عندما يملأ المكيال. إن الله يحتفظ باحصائية لأنه هو الديان، ولأن له النقمة، اما نحن فليس لنا أن نحصي لئلا نوجد متعدين على حقه. إن التجاوز عن الإساءات دون إحصائها، والصفح والنسيان، كل ذلك لازم لحفظ السلام من الداخل ومن الخارج. إن الله يكثر الغفران، وهكذا ينبغي أن نكون نحن أيضاً. تتضمن هذه الآية أننا ينبغي أن نصفح بصفة مستمرة وندرب أنفسنا على ذلك حتى يصبح الصفح عادة عندنا.

وتعلم بطرس في الشركة مع المسيح معنى التسامح، وتقدم مستعداً أن يغفر لإخوته سبع مرات-أي علامة الكمال. وعلم مقدام الرسل، أن الغفران المتبادل هو الطريق الوحيد لبقاء الكنيسة. لذلك صمم أن يكون قدوة صالحة في تحقيق السماح، لما قدم العدد سبعة ” 7 ” مقياساً للغفران كهدف للكنيسة.  لكن يسوع أراه المحبة الكبرى المسيحية أنه لا يكفي الغفران سبع مرات بل أنه على الإخوة المؤمنين أن يغفروا 490 مرة كل يوم لأخيهم المخطئ في الكنيسة. ما أعظم التسامح والمحبة والعفو!

كان فتى مؤمن يغضب من أخته الصغيرة ويبغضها لأنها كانت تخرِّب ألعابه باستمرار. لكن من أجل يسوع قرر مسامحتها حتى 490 مرة يومياً. فابتدأ يسجّل أخطاءها كل يوم وعفوه عنها. ولم يصل إلى 100 مرة. لكن مع الوقت، اعتاد على الغفران والاحتمال، ولم يستطع أن يترك هذه العادة السماوية بمسامحة الجميع. فمرِّن نفسك على الغفران للمذنبين إليك، واطلب من ربك أن يمكّنك من الاحتمال بفرح، لأن الغفران المتبادل هو الطريق لبقاء الكنيسة، ولا تظن أن أخاك هو الذي أخطأ إليك فقط، لأن في كل مشكلة لا يكون الذنب من طرف واحد فقط بل عادة يكون الطرفان مشتركين في الخطأ. فعوّد نفسك على انحناء رأسك أولاً. وابتدئ بالبحث طالباً من عدوك أن يسامحك رغم أنه أخطأ كثيراً في حقك، لأن المحبة هي تكميل الناموس.

نشكرك أيها الآب لأنك دعوتنا إلى شركتك في وحدة الروح القدس، ولأن ابنك فدانا للمحبة لنهتم بالأعضاء الجدد ونسامحهم باستمرار ونصلي مع منكسري القلوب بارشاد روحك القدوس، لأن الصلاة المشتركة مستجابة باسمك، واحفظنا في انسجام متبادل لكيلا ننفصل، بل نحب بعضنا بعضاً، كما تحبنا أنت.الصلاة:

السؤال 170  : كم مرّة ينبغي أن نغفر لزميلنا ولقريبنا في كل يوم؟

مَثَل العبد غير المتسامح

( 18: 23-35)

18: 23 لِذلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. (24) فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ. (25) وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَى الدَّيْنُ. (26) فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. (27) فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ.                                                                                     (نحميا5: 5)

فسَّر المسيح لنا وصيته للتسامح المطلَق، وضرب لنا مثلاً أن ملكاً عظيماً أعطى وكيله مبلغاً يساوي اليوم تقريباً عشرين مليون دولار لتأسيس بنك. وكل واحد منا يشبه هذا الوكيل الموهوب بعطايا ثمينة، لأن الله منحنا العقول والأعين والآذان والأيادي والإرادة. وكل واحدة من هذه الهبات لا تُثمَّن، فأنت وكيل الله على مواهبه المستودعة في جسدك ونفسك وروحك. حتى عائلتك ومالك وقوتك ووقتك ليس إلا هبة من الله الوهَّاب، ومعطي العطايا الصالحة. لهذا تكون مسؤولاً أمامه طيلة حياتك.

أرانا المسيح في مَثَله صورة واضحة عن يوم الحساب، فإذا صرفنا عطايا الله لأنفسنا مثل الوكيل اللامبالي، لا نقدر أخيراً أن نُرجِع لله ما يخصّه، لأننا عشنا لذواتنا وليس لله. فامتحن بدقة استخدامك لمواهبك. هل تعيش لله، أم لنفسك؟ هل تخدم المحتاجين حسب إرشاد الروح القدس أم تغرق في عشيرتك الخاصة؟ إنتبه، فسوف تؤدي الحساب عن كل دقيقة وثانية استودعها إياك الله، وستقف مجرّداً متمتماً بإفلاسك وفشلك إذا لم تعترف بحالتك لله مسبقاً.

أحال الملك وكيله إلى المحاكمة، وأمر ببيعه وبيع امرأته وعائلته للعبودية ليوفي دينه. هكذا الشأن معك، فلابد من دينونة خطاياك الكثيرة. أنت لست مسؤولا عن نفسك فقط بل عن الآخرين أيضاً من أفراد عائلتك.

عندما أدرك الوكيل الظالم حالته وإفلاسه وقصاصه، خرَّ أمام ربه والتمس منه النعمة والرحمة، واعترف بذنبه وعصيانه. فمتى تسجد أنت لله طالباً الغفران والخلاص لنفسك ولعشيرتك قبل حلول الدينونة؟ ومتى تلتمس من القدوس العفو والسماح لأنك وكيل ظالم خاطئ في حياتك. إن الله يستجيب اليوم صلاتك التائبة، ويغفر كل ذنوبك إذا اعترفت له بها نادما. وكل من يؤمن برحمة الله العظيمة يُبصر المسيح معلقاً على عود الصليب ويدرك أن المصلوب قد رفع بدمه  كل الديون الروحية عنّا بصفة نهائية. فمنذ موت المسيح نعلم أن الله غفر خطايانا حقا. لذلك اطلب منه بإيمان أن يحقق الغفران في حياتك، لأنه المنعم عليك إذا تمسّكت بالصليب.

أيها الآب السماوي، ارحمني انا الخاطئ المستحق لغضبك. اغفر نجاساتي وأكاذيبي وحقدي لأجل موت ابنك. قدّس كل نواياي. أشكرك لأنك غفرت آثامنا، طهرتنا ولن تديننا، بل تحفظنا في نعمتك إلى الأبد. الصلاة:

السؤال 171 : لماذا وكيف غفر الملك للوكيل الظالم؟

18: 28 وَلَمَّا خَرَجَ ذلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِداً مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ، كَانَ مَدْيُوناً لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ. (29) فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. (30) فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ. (31) فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدّاً. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى.

(32) فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. (33) أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضاً تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟. (34) وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. (35) فَهكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلاَّتِهِ.

(متى5: 26؛ 6: 14-15، لو6: 36، يع2: 13، 1يو4: 11)

تذكّر دائماً أن الله منحك أن تعرف غفرانه لجميع خطاياك منذ ولادتك الثانية بالروح القدس. وهذا الغفران يجعلك تعيش من رحمة ربك في كل لحظة من زمانك، حيث دم يسوع يشفع فيك ويطهّرك من باطنك. فمن صليب الجلجثة تتدفق أنهر النّعمة والإنفراج والتطهير والتبرير. وبدون بحر هذه النّعمة لا يعيش إنسان في محضر الله مطمئنّاً. 

فكيف تستجيب لمحبة الله العظمى بالنسبة لعلاقتك بأخيك الإنسان؟ أتحب جميع الناس كما يحبك الله؟ هل تغفر لخصمك وتنسى خطاياه كما غفر الله لك ومحا خطاياك من سجلاته؟ أم تطلب من عدوك حقك بلا شفقة وبعنف؟

لعل الحق إلى جانبك، لأن خصمك قد ألحق بك الأذى قولاً وفعلاً، أو أهملك وأهانك وظلمك واستبدَّ بك. فالحق معك. لكن مع هذا الحق ستسقط في جهنم، لأن الله لو حاكمك بحسب حقه الإلهي، لصرت مذنباً مليون مرّة أكثر ممّا أذنب صاحبك المسيء إليك مرة واحدة أو مرّتين فقط. وإن حكمت عليه حسب حقِّك تهلك وتُباد لأنك بخُلْت بالرّحمة.

إلهنا إله محبّة، هذه هي بشرى العهد الجديد، ومن يرفض المحبّة الإلهيّة يقع تحت طائلة عدالته وغضب دينونته. فإن لم تعط لمحبة الله الفرصة لتغير قلبك القاسي وتحب عدوّك، بل ازددت قساوة وحكمت على خصمك حسب حقِّك، تحرم نفسك من امتياز الرجوع إلى الله. ويل لمن لا يغفر للمسيء إليه، لأن الله سوف لا يغفر له كذلك، ويلغي عنه الغفران السابق، صابّاً على رأسه كل الذنوب المغفورة، حتى ولو كان متجدّداً، وسيتعرّض لعقوبة جهنّم ويتعذّب بلا انقطاع أكثر من الآخرين.

إن الله يريد أن يغير قلبك الغليظ وذهنك الخبيث، ويعطيك استعداداً للمصالحة مع أخيك الإنسان. إرجع الآن سريعاً نحو خصمك وتصالح معه. صلِّ لأجله ولعائلته وأحبه كصديقك الحميم واخدمه وباركه بابتهالاتك، لأن محبّة الله لا تتحمل بغضة وكراهية. أحب خصمك ولو استهزأ بك لأنه ربما يكون غير عارف لله بعد، أما أنت فمحبّة الله قد لمستك وغيّرتك لتنسى الإنتقام وتتغلب على المرارة التي في فؤادك. وبقوة ربك تستطيع أن تحب خصمك اللدود وتغفر له ليس مرة أو مرتين أو حتى سبع مرات، بل تغفر له بلا نهاية كما يسامحك الله دائماً.

إن لم نغفر لأخينا من القلب فلن يكون الصفح مستقيماً ولا مقبولاً، لأن القلب هو الذي ينظر إليه الله. ينبغي أن لا يستقر في القلب أي خبث أو حقد أو ضغينة ضد أي إنسان، ينبغي أن لا تدبر فيه المؤامرات للإنتقام، او الرغبة فيه، كما هو الحال مع الكثيرين الذين يبدون في الظاهر انهم مسالمون. ومع ذلك فإن كل هذا لا يكفي بل ينبغي أن نتمنى من القلب خير الذين أساءوا إلينا ونسعى لخيرهم.

أيها الآب الغفور، سامحني لبطء قلبي وتجمُّد ذهني، وأذِبْ قساوة ضميري، وغيّر تفكيري لأنسى آثام أعدائي وأحبهم بلا رياء. فأطلب إليك أن تباركهم وتخلّصهم، مع كل الذين آذوني. املأهم بروحك القدوس، واخلق روح المصالحة في بلادنا. وغيّر أذهان الجميع لنستطيع حب العدو في قدرتك وحكمتك.الصلاة:

السؤال 172  :  لماذا ينبغي علينا أن نحب أعداءنا؟

الجزء الرابع

خدمات يسوع في وادي الأردن

أثناء سفره إلى أورشليم

(19: 1- 20: 34)

نظام الزواج الحقّ19: 1-6354
خطيئة الطلاق19: 7-9357
الإمتناع عن الزواج لخدمة المسيح19: 10-12359
المسيح يحب الصغار ويباركهم19: 13-15361
الشاب الغني وخطر الغِنى19: 16-22362
هل يدخل الغني إلى السماء؟19: 23-26365
أجر المطرودين بسبب المسيح19: 27-30367
الأجر المتساوي لكل الفعلة20: 1-16369
إعلان يسوع الثالث عن موته وقيامته20: 17-19372
الإستكبار الغبي بين أتباع يسوع20: 20-23373
من هو الأعظم ومن هو الأصغر؟20: 24-28375
شفاء أعميين في أريحا20: 29-34376
   
المسابقة الثالثة لإنجيل المسيح 379

نظام الزواج الحق

( 19: 1-12)

19: 1 وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذَا الْكَلاَمَ انْتَقَلَ مِنَ الْجَلِيلِ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. (2) وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ هُنَاكَ. (3) وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟  (4) فَأَجَابَ: أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟  (5) وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. (6) إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ.                                        (تكوين1: 27، مر10: 1-12، 1كور7: 10-11)

عالج يسوع بعد موضوع الإستكبار والخصومات في الكنيسة  نظام الزواج، لأن الزواج المسيحي ينبوع البركات المستمرّة إذا ثبت الفريقان في المسيح. وعندما يتعاهد رجل وامرأة على الزواج بإرشاد الله، ليس ابتغاء المال أو الشرف أو الجمال أو الراحة، أو حسب شروط العشيرة، بل يتحدان في قوة الروح القدس ويصليان معاً، عندئذ يعيشان في سعادة وكأنهما في السماء، لأن محبة الله تتجاوب معهما بالبركات العديدة.

إن الله لم يوجد الزواج المتعدد، بل خلق امرأة واحدة للرجل الواحد. ووحدة الزواج تعني وحدة القلوب أولاً. ومستحيل أن نجزئ المحبة. فلا انسجام أو سلام إذا أحب الرجل عدة نسوة وتزوجهن.

ونرى في إبراهيم الخليل أكبر مثل لحلول البؤس عندما تزوج امرأة ثانية مع امرأته الأولى، فحصلت البغضة والحقد والخداع والعذاب والدموع بكثرة على مرّ الأجيال.

يظن البعض أنه رغم إباحة الطلاق بحسب شريعة موسى إلا أنه كان هنالك نزاع بين الفريسيين بصدد الأسباب العادلة الداعية إلى الطلاق، ولذلك أرادوا معرفة رأي المسيح. فالقضايا المتعلقة بالزواج تعددت، وأصبحت في بعض الأحيان معقّدة، ولم تكن شريعة الله هي التي أدت إلى هذا، بل شهوات الناس وحماقتهم، وكثيراً ما كان الناس في هذه الحالات يقررون ما سيفعلون قبل أن يسألوا.

كان سؤالهم “هل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب”. كان الطلاق مباحاً لبعض الأسباب كالزنى، ولكن أيمكن أن يكون مباحاً لكل سبب كما كان يحصل بين أكثر الناس استهتاراً؟ لأي سبب يخطر ببال المرء مهما كان تافهاً أو متهوّراً، لأي بغضة أو هوى؟ في مثل هذه الحالة كان طلاق الزوجة مباحاً بشرط أنها “لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء” (تث24: 1) لكنهم تمادوا في التفسير حتى صرحوا بأن تكون أية مضايقة، ولو بدون سبب، علة طلاق.

مع أن السؤال كان القصد منه تجربة يسوع المسيح، إلا أنه إذ كان أمراً يتعلق بالضمير، وأمراً خطيراً، فقد أعطى عنه إجابة كاملة وسديدة وإن كانت غير مباشرة، واضعاً تلك المبادئ التي تبرهن بدون أدنى ريب على عدم شرعية حالات الطلاق التعسفية التي كانت متبعة وقتئذ والتي جعلت الروابط الزوجية في غاية التفكك.

ولكي يبرهن المسيح على أن هناك رباطاً قوياً بين الرجل وزوجته، يقدم لنا ثلاث حجج:

  1. خلقة آدم وحواء: وبصدد هذه الحجة يلجأ إلى معرفتهم بالكتب “أما قرأتم” لقد قرأتم ولكنكم لم تعرفوا “أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى” (تك1: 27؛ 5: 2). خلقهما ذكراً وأنثى، أنثى واحدة لذكر واحد، وهكذا كان آدم عاجزاً عن تطليق امرأته لأنه لم يكن موجوداً غيرها ليتزوج بها. كانت هذه تتضمن أيضاً الرابطة التي لم تفصل، فقد كانت حواء ضلعاً من جنب آدم، ولم يكن ممكناً أن يطلقها لئلاّ يكون قد نزع عنه جزءاً من نفسه وبذلك يناقض العلامة الواضحة من خلقتها.
  2. القانون الأساسي للزواج، وهو يترك “الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته”. إن العلاقة بين الزوج وزوجته أقرب من العلاقة بين الآباء والأبناء، فإن كانت العلاقة البنوية لا يمكن فصلها بسهولة، فمن باب أولى لا يمكن فصل العلاقة الزوجية. أيمكن للإبن أن يهجر أبوبه، اويمكن للآباء هجر الأبناء لأي سبب أو لكل سبب؟ كلا، ومن باب أولى لا يمكن للرجل ترك امرأته، فالعلاقة بينهما أقرب والإرتباط أقوى من العلاقة والإرتباط بين الآباء والأبناء، إن لم يكن ذلك بحكم الطبيعة فإنه بحكم التدبير الإلهي. لأن العلاقة الزوجية تفوق العلاقة البنوية.
  3. طبيعة عقد الزواج، فإنه اتحاد الشخصين “ويكون الإثنان جسداً واحداً” إن أبناء المرء جزء منه، أما زوجته فهي نفسه. وكما أن الرابطة الزوجية أمتن من رابطة الآباء بالأبناء، فهي كذلك تشبه لحد ما رابطة العضو بالآخر في الجسد الطبيعي. وكما أن هذا سبب لمحبة الأزواج لزوجاتهم، فهو أيضاً سبب لعدم ترك زوجاتهم “فإنه لم يبغض أحد جسده قط” أو يقطعه “بل يقوته ويربيه” (أف5: 29) ويبذل كل ما في وسعه للمحافظة عليه. “ويكون الإثنان جسداً واحداً”، لذلك ينبغي أن تكون الزوجة واحدة، لأن الله جعل حواء واحدة لآدم واحد (مل2: 15)، من ذلك يستنتج “فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان”.

فإن لم تكن قد تزوجت بعد، اطلب منذ اليوم من ربك أن يرشدك لامرأة مؤمنة بالمسيح، مصلّية وقنوعة ومتواضعة، تجد في الكتاب المقدس قوة يومية تؤهلها لاحتمالك بصبر وطول أناة. إن الإيمان المشترك في المخلِّص يكون الأساس المتين للعائلة السليمة، للغلبة على المشاكل المقبلة في حياتكما.

هكذا أيضاً يجدر بالفتاة أن لا تُسلّم نفسها للتجارب وللمغامرات الجنسية معتقدة بأن مثل هذه الممارسات ستُعجّل بزواجها واقترانها بالطرف الآخر. إن هذا اعتقاد خاطئ، وللأسف نجد مثل هذه الممارسات بين المدعين أنهم مسيحيون. على الفتاة أن تطلب من الله زوجاً يحبها كما أحب المسيح الكنيسة. وإن تمت هذه الشروط يمنح الرب في الزواج وحدة أسمى وأفضل من صلة الجسد.

لا نتزوج لإرضاء شهواتنا، بل لنخدم بعضنا بعضاً بالمحبة. ومن لا يريد أن يكون الخادم الأول في العائلة فالأفضل أن لا يتزوج البتة. وفي عهد الزواج لا يعيش الزوجان إلاّ بغفران متبادل، نابع من محبة الله التي هي سر الزواج السعيد. والعضو الأقوى في الزواج هو من تغلّب أولاً على غضبه، مستغفراً الآخر، وآتياً بوجه لطيف غير عابس.

إن المحبة لا تعني الضعف والليونة، فلئن أخطأ أحد القرينين أو تكاسل، أو صرف فوق ما ينبغي، أو دلَّع أولاده، أو تقسَّى عليهم بخشونة وفظاظة، فعلى قرينه أن يصلّي بصبر، ويشهد متواضعاً بالحق أمام المخطئ. علماً أن كلمة المسيح تشمل الزوجين وأهدافهما، إذ يقول «اطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه، وهذه كلها تُزاد لكم».فإذا خضع الزوجان وسلَّما حياتهما ذبيحة حيَّة مَرْضيَّة للمسيح الحي، يتحقق روحه وفضائله وسلامه في هذا الزواج المبني على اسمه.

أيها الآب السماوي، نشكرك لموهبة الزواج الإنجيلي. قد رفعتنا من المستوى الدنس إلى وحدة روحية وجسدية في الحق، متزوجين مؤمنين لكي نستطيع الحياة في قداسة. نحب ونخدم ونثق في بعضنا البعض بإخلاص. أعط للعائلات المسيحية أن تكون شهادة واضحة عن محبتك، ونوراً مضيئاً وسط الظلمة الدامسة. الصلاة:

السؤال 173 :  ماهي المبادئ الهامة في الزواج المسيحي؟

خطيئة الطلاق

(19: 7-9)

19: 7 فَسَأَلُوهُ: فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقُ؟  (8) قَالَ لَهُمْ: إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا.  (9) وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ الّزِنَا وَتَزَّوَجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَّوَجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي.                                                     (متى5: 31-32، لو16: 18)

ليس الزواج بمثابة هواية أو تسلية للإنسان، بل هو نظام طاهر إلهي ومسؤولية كبرى للتناسل وحفظ الحياة. وحيث تتفتّت بين الشعوب فكرة الزواج الشريف، ينفتح الباب للعلاقات غير المشروعة بحبّة منع الحمل، فيدخل كل عار وخطيئة، وهناك يزول ويضمحل الشعب تدريجياً. وكل مخلوق يتجاوز أنظمة وقوانين الخالق إلاَّ ويقع في القصاص الطبيعي.

نشاهد اليوم العار في الأفلام والمجلات والكتب واللافتات مكشوفاً وواضحا للعيان كأن الحس الأخلاقي قد مات في كل الناس. منذ سنوات كان أكثرية الناس يستحون من رؤية الصور الفاضحة والأفلام الخلاعية، أما اليوم فمن لا يشاهد مثل هذه الصور والأفلام يُنعت من قبل البعض بالمتخلف والجامد الذي لا يواكب التقدم العصري، كأن التقدم والإزدهار مرتبطان بهذه الأعمال الشنيعة والمخلِّة بالآداب. لذلك أصبحت الشعوب، كل الشعوب وبلا استثناء، تمارس الخطيئة كأنها تشرب كوب ماء بارد. فأين أنت أيها المسيح لترى ما آلت إليه أخلاق وممارسات شعبك؟

فمن يتعجب إذا اضمحلَّ الزواج الشريف وانحدرت كرامته وقيمه العائلية وعمَّت الخيانات الزوجية بين المتزوجين. إن الزوجين لا يدربان نفسيهما في ضبط النفس والتواضع والقناعة لأن الحياة الحديثة تقودهما نحو الفجور والإستكبار والرفاهية. حقا إنه حيث لا يكون المسيح مشرفا وحاضرا بين الزوجين، فهناك تعمّ الفوضى وتسيطر المشاحنات والإتهامات الدّنسة والثورات والآلام، وسرعان ما تطفح الخيانة الزوجية والبغضة وتصير الحياة كجهنّم الملتهبة بالكراهية والخصام، ويصير الطلاق هو حل الطرفين وإن كان ليس حلاً عند المسيح.

فما أمرّ الطلاق! لأنه يمزّق وحدة القلبين، ويضيّع على الأولاد عشَّهم، ويصبحون غالباً مجرمين، لأن هزيمة المحبة تخلق فيهم البغضة الحاقدة. فالمُطَلّقان لا يذنبان تجاه نفسيهما فقط، بل تجاه أولادهما والمجتمع أيضاً.

في العهد القديم كان النظام التشريعي أنه إذا اكتُشف رجل وامرأة في حالة الزنى رُجِما        (التثنية 22: 20). والفريق الطاهر، الذي زنى قرينه مع أحد الناس يستحق، بعد رجم قرينه، أن يتزوج من جديد. لأنه بموت الزاني أو الزانية يُعتبر الطلاق مشروعاً.

لكن موسى، وليس الله بالذات (تثنية 24: 1)، أوجد (بسبب عناد شعبه) حلاً وسطاً: إنه إذا وجد رجل عيباً في امرأته، كان له حق طلاقها. ومن هذا المبدأ طوَّر بعض الكتبة في زمن يسوع الأحكام السيئة، فجعلوا للرجل الحق أن يتخلّى عن امرأته لأتفه الأسباب.

فقاوم يسوع هذا الإلتواء عن النظام الطبيعي، وشرَّع المحافظة على الزواج وصيانته من أي عبث ومنع الطلاق. فعاد المسيح للمبدأ الأساسي، أن كل زنى ينتهي بالرجم وليس بالطلاق فقط. وبالحقيقة فإن المسيح حمل بمحبّته قصاص الرجم على نفسه. عندما مات على خشبة العار لأجل الزناة. فمحبّة الله قدوسة وتحمي نظام الزواج. فيكون من الواجب على كل شاب أو فتاة أن يدرسا قبل عقد قرانهما جوهر الحياة الزوجية، لأن الزواج ليس نزوة عابرة بل هو عهد النعمة الثابتة.

لا يطلق المسيحي المؤمن زوجته البتة، لأنه تزوجها بإرشاد الله، وعاش معها في قوة الروح القدس، وغفران الله يخلق فيه الاستعداد للغفران في الزواج، ويمنحه الصبر والتحمّل بفرح وشكر. فنحمد الله لوضعه قانون الزواج الذي يقدّس عائلاتنا بروحه ليوجد في وسط هذه العائلات جو السماء وسط الفساد.

يحذرنا العلماء في أيامنا بأن الزيادة المرتفعة للنسل تقود إلى كارثة كبيرة تهدد البشرية جمعاء. إن جوابنا لمثل هذا الخوف أو الإنذار أنه لو تزوّج كل رجل بامرأة واحدة فقط، واتفقا على ضبط أنفسهما فيما يخص الإنجاب وربيّا أبناءهما في محبة المسيح لعاش الجميع في سلام ووئام.

أيها الآب السماوي، نعظمك لأجل عهد الزواج والمحبة الموهوبة للمتزوجين. نطلب منك الغفران بخصوص تعدياتنا على نظام الله باية طريقة كانت. ونطلب تقوية المحبة والإحترام المتبادل بين الزوجين في كل العالم. نتأسف عن كل الدعايات النجسة والتجارب الخبيثة في حياتنا المعاصرة. نطلب منك التوبة لشعوبنا حتى يتعلموا الطهارة والأمانة في خوف الله ويتقدسوا بالروح القدس.الصلاة:

السؤال 174 : ماذا يقول يسوع عن قضيّة الطلاق؟

الإمتناع عن الزواج لخدمة المسيح

(19: 10-12)

19: 1 قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: إِنْ كَانَ هكَذَا أَمْرُ الرَّجُلِ مَعَ الْمَرْأَةِ فَلاَ يُوافِقُ أَنْ يَتَزَّوَجَ!    (11) فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ الْجَمِيعُ يَقْبَلُونَ هذَا الْكَلاَمَ بَلِ الَّذِينَ أُعْطِيَ لَهُم، (12) لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ، وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ.                       (1كور7: 7)

ارعبت كلمات يسوع عن قداسة ومسؤولية النظام الزوجي التلاميذ، حتى فضّلوا ألا يتزوجوا. فلم يسمح يسوع للرجل أن يتصرّف بامرأته كما يريد بل طلب منه أولا الأمانة والصّبر والحكمة والمحبّة. فالزواج يتطلب مسؤولية ومواظبة وتضحيّة مع انعدام حق الإنفصال أو الطلاق.

عند ذلك بيّن يسوع لأتباعه إمكانية العزوبة، ليس كهروب من أثقال الزواج بل ليتمكن الإنسان من خدمة الله. مع العلم أن الأعزب ليس أقدس من المتزوج، لأن كليهما يعيش من غفران المسيح وبره. لكن إذا سمع واحد، في محبته  لمخلّصه، الدعوة للعزوبة الدائمة، فليمتحن نفسه إن كان يريد الخضوع لضبط الروح القدس مطلقاً لكي لا تجربه دوافع جسده إلى الخطيئة. فيوحنا المعمدان وبولس الرسول إختارا طريقة العزوبة. لأنهما لم يعيشا لنفسيهما، بل قدما حياتهما ذبيحة حمد للمسيح. فلا يختار أحد هذه الطريقة إلا من دعاه الله بوضوح، فالقانون الطبيعي هو الزواج في الغفران والخدمة المتبادلة المبنية على محبة المسيح وقوته وعفوه.

أباح المسيح ما قاله التلاميذ “لا يوافق أن يتزوج” لا كاعتراض على منع الطلاق كما قصدوا هم، بل لإعطائهم قاعدة بان من لهم موهبة العفة وضبط النفس ولا يضطرون للزواج يفعلون أحسن إن لبثوا غير متزوجين، لأن غير المتزوج له فرصة، متى أراد، لكي “يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب”(1كو7: 32-34) إذ يكون أقل انشغالاً باهتمامات هذه الحياة، وله فراغ أكثر في وقته وعقله للتفكير في الأمور الأفضل. إن الإزدياد في النعمة أفضل من الإزدياد في أفراد العائلة، والشركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح تفضل على أية شركة أخرى.

لكن المسيح لا يوافق على منع الزواج، لأن ذلك ضار ضرراً بليغاً جداً “ليس الجميع يقبلون هذا الكلام” نعم، فالقليلون هم الذين يستطيعون، ولذلك وجب حمل صليب الحياة الزوجية. لأن حمله أولى من أن يدفع إلى التجربة ليتجنبوا هذا الصليب “لأن التزوج أصلح من التّحرق”(1كور7: 9).

أيها الرب يسوع المسيح، نحمدك لأنك بقيت أعزباً طيلة حياتك، وعشت دائماً في ضبط النفس، وبذلت حياتك فدية عن كثيرين. إغفر لنا كل نجاسة وميل للشهوة. علّمنا الطهارة والاستعداد للزواج الشريف، لنعيش مقدسين بدمك الطاهر، ونخدم بعضنا بعضاً، ولا نبغض ونطلّق أبداً. إحفظ بقوة محبتك كل الزيجات التي تمت باسمك.الصلاة:

السؤال 175  : ماذا تعني العزوبية في خدمة ملكوت السماوات؟

المسيح يحب الصغار ويباركهم

( 19: 13-15)

19: 13 حِينَئِذٍ قُدِّمَ إِلَيْهِ أَوْلاَدٌ لِكَيْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَيُصَلِّيَ، فَانْتَهَرَهُمُ التَّلامِيذُ. (14) أَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ: دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ (15) فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ. وَمَضَى مِنْ هُنَاكَ.           (متى18: 2-3، مر10: 13-16، لو18: 15-17)

جاءت أمهات بأولادهن إلى المسيح،طلباً للبركة. كان صغارهن في حاجة ماسة للاقتراب من المسيح وبركته، لأن كل مولود يحمل في نفسه بذرة الخطيئة متوارثاً إياها من أجداده. فليس طفل صالحاً في نفسه، حتى ولو لم يقع بعد في التجربة. صحيح أننا نجد في أعين الصغار البراءة الأصلية والسعادة التي تلمع في قلوبهم. لكن في غضبهم واستكبارهم وبغضتهم أثناء اللعب مع الآخرين تظهر آثار الأنانية التي تنمو.

لهذا يقول المسيح: «دعوا الأولاد يأتون إليَّ ولا تمنعوهم» لأنهم يحتاجون إلى الخلاص. ما أوسع بحر النعمة الذي جرى من هذه الكلمات إلى عالم الأولاد. فالمخلّصون يفتحون مدارس الأحد، والأمهات يصلين مع صغارهن، والمعلمون الأمناء يدلُّونهم على المخلّص. كل الصغار يحتاجون إلى المسيح وغفرانه وتجديده، لأنه بدون نعمته ليس ولداً باراً. ولكن للولد الامتياز أنه يؤمن بطريقته، واثقاً كلياً بكلمة الذين يُشعِرونه بمحبتهم.

ليت كل الناس يزرعون محبة الله في أولادهم منذ حداثتهم، فالذي علَّمته الأمهات لأولادهن من الكتاب المقدس وقصَّته عليهم من قصص المسيح، هو أعظم كنز وأثمن من كل الشهادات المدرسية والدبلومات الجامعية. فالذين يمجدون المسيح بمجيئهم إليه هم أنفسهم ينبغي أن يمجدوه أيضاً بان يقدموا إليه كل من لهم وكل من لهم سلطان عليهم. بهذا يمجدون غنى نعمته الذي لا يستقصى، ويمجدون ملأه الدائم الفيضان الذي لا ينضب.

املأوا بيوتكم بكلمة الله وعلِّموا أولادكم الآيات الروحية، لأن المسيح اقتنى لهم حق السماء بدمه. وبعدما صالحنا مع الله، صار لجميع الناس نصيب في السماء وامتياز أن ندعو الخالق «أبانا» فكلنا أولاد. طوبى لك إن تمسَّكت بحقك هذا، فتشعر أن المسيح يضع يده للبركة على رأسك.

وبّخ التلاميذ الأطفال واعترضوا على تقديم الأولاد إليه على أساس أن ذلك أمر تافه وبلا جدوى، ووبخوا الذين قدموهم بمثل هذه الجرأة.

جميل جداً أن يتوفر في المسيح من المحبة والعطف مالا يتوفر في أفضل تلاميذه. فلنتعلّم منه أن لا نستخف بأي نفس تطلبه برغبة ونية طيبة مهما كانت ضعيفة. وإن كان هو لا يقصف القصبة المرضوضة فسبيلنا أن لا نقصفها نحن. وعلى من يطلبون المسيح أن لا يعتبروه أمراً غريباً إن لقوا المقاومة والإنتهار حتى من الناس الطيبين الذين يظنون أنهم يعرفون فكر المسيح أفضل منهم.

أيها الأب السماوي، نشكرك لأنك دعوتنا أولادك وابنك اشترى لنا بموته حق التبني. علّمنا أن نسلم هذا الإمتياز لكل الأولاد في محيطنا قولا وسلوكاً لكي لا نصبح حجر عثرة لهم، بل دليلاً واضحاً إليك. نطلب منك أن تلهم الأمهات والمعلمين أن يُعلّموا الأولاد باخلاص إسمك القدوس الأبوي.الصلاة:

السؤال 176 : لِمَ ينبغي على الأولاد أن يأتوا إلى يسوع؟

الشاب الغني وخطر الغِنى

( 19: 16-26)

19: 16 وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟  (17) فَقَالَ لَهُ: لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللّهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا (18) قَالَ لَهُ: أَيَّةَ الْوَصَايَا؟  فَقَالَ يَسُوعُ: لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالّزُورِ. (19) أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ (20) قَالَ لَهُ الشَّابُّ: هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُنِي بَعْدُ؟  (21) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي (22) فَلَمَّا سَمِعَ الشَّابُّ الْكَلِمَةَ مَضَى حَزِيناً، لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ.

(خر20: 12-16، لا19: 18، مز62: 11، مر10: 17-27، لو18: 18-27؛ 12: 33)

اختار البشير متى في إبراز معالجة المشاكل في الكنيسة بطريقة تشريعية تجربة الغنى بعد الأمور المتعلّقة بالزواج والطلاق والعناية بالأولاد.

اشتاق شاب محترم إلى الحياة مع الله بطهارة وقداسة مع الأعمال الصالحة، وهذا طموح عظيم. لكن المسيح أراد أن يحرره أولاً من المقاييس البشرية الخاطئة، لكيلا يظن أن الصالح الاعتيادي عند الناس محسوب أيضاً صالحاً عند الله. فقال يسوع للشاب: «ليس أحد صالحاً إلا الله». خاطبه بهذه الجملة المثيرة ليفتح ذهنه فيدرك أن المسيح والله واحد، في صلاح واحد.

يعيش يسوع مع أبيه في وحدة الروح، في جودة وصلاح ومجد كامل. أما نحن فبالنسبة لقداسة الله فاسدون أشرار، غير قادرين على أي عمل صالح من أنفسنا. فيليق بنا التوبة وإنكار الذات.

إن الله وحده هو الصالح، وليس أحد غيره صالحاً الصلاح الجوهري الأصلي الدائم الذي لا يعتريه أي تغيير، وصلاحه ذاتي، وكل صلاح في المخلوقات مستمدة منه. هو ينبوع الصلاح، ومهما كانت المجاري فهي مستمّدة من ذلك الينبوع (يع1: 17)، هو المثل الأعلى في الصلاح، وهو المقياس لكل صلاح. كل ما كان مثله وكل ما اتفق مع رأيه فهو صالح. ونحن في لغتنا ندعوه إلهاً لأنه صالح. في هذه الناحية، كما في غيرها نـرى  الرب يسوع “بهاء مجده ورسم جوهره”. ولذلك دعي بحق “المعلم الصالح”.

لم يفهم الشاب درس المسيح، فوضع يسوع في وجهه مرآة الشريعة، ليرى نقصه في عدم إتمام واجباته اليومية. فظهرت مرة أخرى سطحية الشاب، حيث ظن أنه تمم كل ما طلبه الله منه. لم ير حقيقته كخاطئ أمام ربه القدوس. كان مغروراً بصلاحه ومتباهياً باستقامته، فاعتبر نفسه صالحاً وملتزماً بالشريعة، فاضطر يسوع أن يريه سلاسل عبوديته الشريرة، أي محبته للمال، وثقته الخاطئة بنفسه. بيَّن له أن الكمال في التقوى هي التضحية المتعلّقة بمحبة لله والناس المحتاجين. ولا يمكن بلوغ هذا الكمال إلا في إتّباع يسوع.

خص المسيح بالذكر هنا فقط القسم الثاني من الوصايا العشر، وليس ذلك لأن القسم الأول أقل أهمية بل لأن الذين جلسوا على كرسي موسى وقتئذ إما أنهم أهملوا كلية هذا القسم أو أفسدوه فساداً شديداً في تعليمهم. فإنهم في الوقت الذي دققوا في تعشير النعنع والشبث والكمون تغاضوا عن الحق والرحمة والإيمان، وهي خلاصة الثاني من الوصايا العشر (متى23:23). كان محور تعليمهم يدور حول الناحية الطقسية ولم يفكروا قط في الناحية الأدبية. لذلك وضع المسيح أهمية أكثر على الناحية التي لم يبالوا بها.

لا يعلمنا المسيح أن يبذر الغني أمواله بين الفقراء بدون انتباه أو احتراز، بل أن يدرس بحكمة كيف يستطيع مساعدتهم حتى يساعدوا أنفسهم. لا يستحق الكسلان تبرعات بل يحتاج إلى تغيير أخلاقه حتى يأكل خبزه بعرق جبينه.

لم يقصد المسيح بهذا اللقاء توزيع الأموال بين المحتاجين بالدرجة الأولى، بل أراد أن يحرّر الشاب التقي  من اتكاله على أملاكه وأن يقدّم نفسه وماله كلّيا لله، لأنه لا يقدر أحد أن يخدم الله والمال معاً.

لكن الشاب أراد اتِّباع يسوع والاتكال على ماله بنفس الوقت. أما المسيح فيطلب ثقة قلبك كلها لأنه لا يكلّل القلب المنشق. علماً بأن المسيح لا يأمر كل إنسان ببيع أملاكه. إنما دعوته لك أن تسلّم نفسك كلياً له. وهذا يشمل نقودك وأملاكك أيضاً.

إذا تسلطت محبة العالم على القلب أبعدت الكثيرين عن المسيح ممن يظهرون رغبات طيبة نحوه، وكما أن الثروات الطائلة تزيد المرء تقدماً في طريق السماء إن استطاع أن يعلو فوقها، فهي من الناحية الأخرى تعرقل سيره في طريق السماء إن شغل نفسه بمحبتها.

على أن الشاب كان فيه شيء من الأمانة، فإنه إذ لم يقبل الشروط مضى ولم يتظاهر بما لم يجده في قلبه لقبول هذه الشروط الصارمة، كان ذلك خيراً له من أن يفعل كما فعل ديماس الذي بعد أن عرف طريق البر تحوّل عنه فيما بعد، إذ أحبّ العالم الحاضر، الأمر الذي كان مخزياً ومحقراً لخدمته. وإذ وجد هذا الشاب أنه لا يستطيع أن يكون مسيحياً كاملاً لم يشأ أن يكون مُرائياً.

أيها القدوس، أنت الحي والمحق والممتلئ بالرحمة والرأفة. سامحنا إذا اتكلنا على أموالنا وممتلكاتنا الفانية. بل ساعدنا أن نضع أنفسنا وأموالنا كاملة تحت تصرفك. لا نقدر أن نخدمك والمال في نفس الوقت. فساعدنا أن نحبّك ونحبّ الفقراء والمحتاجين في محبّتك الأمينة. الصلاة:

السؤال 177 : كيف أراد يسوع أن يخلص الشاب التقي؟

هل يدخل الغني إلى السّماء؟

(19: 23-26)

19: 23 فَقَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. (24) وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً: إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللّهِ (25) فَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدّاً قَائِلِينَ: إِذاً مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟  (26) فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ: هذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلكِنْ عِنْدَ اللّهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ.

(أيوب42: 2)

كان الغِنى في العهد القديم محسوباً بركة من الله، فأحب الأتقياء الأملاك الكثيرة برهاناً لانسجامهم مع رحمة الله، بينما اعتبروا الفقراء ملعونين مرفوضين. أما يسوع فقلب هذا المبدأ تماماً، مظهراً أن الغِنى يعني خطيئة. علماً بأن الأغنياء ليسوا خطاة أكثر من الفقراء الطالبي الغِنى بأسرع وقت. الجميع يحتاجون إلى المنجّي وفدائه، الذي جعل المحبة جوهراً للعهد الجديد، لا المواهب المادية برهاناً للتقوى، كما في زمن العهد القديم. أرشد يسوع الناس إلى المحبة المضحّية لله، وقاد أتباعه للتبرع من أملاكهم وإعطاء المحتاجين بحكمة. فمن يحب نفسه لا الله، ويتمسك بممتلكاته، ولا يحب المحتاجين يعتبر إنسان فقير في قلبه. أما محبة الله وذبيحة المسيح فتحررك من همومك وحسدك وبخلك لكي تعيش قنوعاً ليسوع المسيح ورسله. فلا تعش لنفسك بل لربك وللذين يرشدك إليهم.

كل من قبض يده على أمواله وبنى مستقبله على الذهب غبي ومهمل لمحبة الله. لأن ليس أحد يستطيع أن يخدم الله والمال. لكن المسيح يوضح لك أنك إذا كنت تفكّر في شعورك بمستقبلك في المهنة أو زيادة المعاش أو بغلاء الأسعار أو صحتك المتعَبة أو خطر الحروب، ولا تهتم بجود الله وعنايته الحنونة بك، ولا تحمده وتشكره لأجل العطايا الموهوبة لك في جسدك وحياتك وروحك، بهذا تكون كعابد للأوثان. فشكرك يفيض من قلبك إذا أحببت أباك السماوي من كل قلبك واتكلت عليه وحده.

لكن من يتجوّل متكبّراً على سطح الأرض، ويرفع رأسه مشحوناً بمتاع هذه الدنيا، لن يستطيع المرور من ثقب الإبرة-الذي كان في زمن يسوع يُطْلَق على الباب الجانبي من سور المدينة. فهذا الباب الضيق، يبقى مفتوحاً ليلاً، لأنه كان منخفضاً لا يتيح المرور منه إلا لرجل واحد ينحني إلى الأرض حتى يعبره. هكذا الحال مع كل غني مالاً ومواهباً وقوةً ووقتاً، فإن لم تصبح منكسراً متواضعاً ومتحرراً من كل ما عندك ومن كل همومك وذنوبك لا تقدر أن تدخل إلى ملكوت الله. فإن كنت صغيراً منكسراً متواضعاً تدخل ملكوت الله.

لقد بقي يسوع فقيراً ومتواضعاً وقنوعاً على سطح الأرض. هكذا يحاول الروح القدس أن يكسر حبك وطموحك إلى الغنى، ويحررك من غرور الكنوز الدنيوية إن ثبت في ذبيحة يسوع المجانية. وإلاَّ فتدور أفكارك وحياتك حول صنم المال. إن الله يريد أن يعمل فيك ما هو مستحيل أن يعمله أي إنسان وذلك بتغيير ذهنك من ما هو مادي وأناني إلى ما هو روحاني مضحّ. وهذا يحدث طوعاً إن التصقت بالمسيح.

أيها الآب، حررني من الاتكال على المال والصحة والناس. وعلّمني التسليم الكامل لابنك. نجّنا من ارتباطاتنا الدنيوية، وعلّمنا التضحية بواسطة الإيمان في ذبيحة ابنك، الذي بذل نفسه الكريمة عوضاً عنّا. أنت تحبنا فاجعلنا أن نحبك أيضاً وكل المحتاجين في محيطنا، لنستخدم مواهبنا لتمجيد اسمك الرحيم.الصلاة:

السؤال 178  : لماذا يصعب أن يدخل غني إلى ملكوت الله؟

أجر المطرودين بسبب المسيح

( 19: 27- 30)

19: 27 فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ: هَانَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟  (28) فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُونِي فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيّاً تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الإِثْنَيْ عَشَرَ. (29) وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتاً أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَباً أَوْ أُمّاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ. (30) وَلكِنْ كَثِيرُونَ أَّوَلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ وَآخِرُونَ أَّوَلِينَ.

(متى4: 20-22، مر10: 28-31، لو18: 28-30، 1كور6: 2، رؤ3: 21)

يتعب الإنسان لأجل أجرته، ونادراً ما يفكر بخدمة طوعية مجّانية، وإذ ذاك يكون عمله غالباً للهواية وإبراز ذاته. أما المؤمنون بالمسيح فلا يرْجون من خدماتهم الإيمانية أجرة من الله، بل يخدمونه بشكر وحمد. لأنه منحهم الخلاص الأبدي مجاناً. إن الله أعطانا نفسه مكافأة مسبقاً، فلا يبقى لنا إلا أن نخدمه ونشكره، ونسلّم أنفسنا له حمداً لنعمته العظيمة. كلنا موهوبون وغِنى نعمته يمطر علينا. وقد قال الرب لإبراهيم “لا تخف أنا ترس لك وأجرك كثير جداً” ( التكوين 15: 1 ).

اتخذ بطرس من هذا فرصة ليتساءل عما سيكون جزاؤهم وقد قبلوا هذه الشروط التي رفضها الشاب، تركوا كل شيء ليتبعوه . للأسف، كان هذا “الكل” الذي تركوه تافهاً. صحيح أن أحدهم ترك مكان الجباية، لكن بطرس وأغلبية الباقين لم يتركوا سوى قليل من قوارب الصيد والشباك ورفقاء الصيد المتواضع. ومع ذلك فانظر كيف بالغ بطرس في حديثه عما تركوه كأنه أمر جلل “ها نحن قد تركنا كل شيء”.

إننا نميل إلى تعظيم خدماتنا وآلامنا، والتهويل في خسائرنا ونفقاتنا من أجل المسيح، والإعتقاد بأننا قد جعلناه مديناً لنا. وعلى أي حال فإن المسيح لم يُعيرهم بهذا، فمهما كان ما تركوه تافهاً إلاَّ أنه كان كل ما ملكوه كفلسي الأرملة، وكان عزيزاً لديهم كما لو كان أكثر من هذا، ولذلك قدّر المسيح تمام التقدير أنهم تركوا كل شيء لأتباعه، لأنه يقبل كل ما نقدمه إليه حسبما يكون في متناولنا.

فمن يتبع المسيح ويترك كل شيء من أجله، البيت والأسرة والأقرباء. ويتألم لأجله آلاماً كثيرة، حاملاً صليبه محبةً له ويستمر في طريق الإحتقار يشترك في تجديد ملكوت الله المقبل علينا. عندئذ يظهر ملء معنى الولادة الروحية في المؤمنين، حيث يجلس المسيح على عرش مجده وحوله تلاميذه الإثنا عشر الذين رفضتهم أمتهم، فهم الذين سيدينون ويحكمون على الأسباط الإثني عشر بشهادتهم واختباراتهم الروحية، فيتمجّد المحتقرون. وسوف يشرك المسيح أحباءه البسطاء الغير المثقّفين في حكمته وعمله الديان لأنهم أدانوا أنفسهم أولاً.

إن خسارة هذه الأشياء مفروض فيها أن تكون من أجل إسم المسيح، وإلا فإنه لا يلتزم بتعويضها. فكثيرون يتركون الإخوة والزوجات والأولاد اندفاعاً وراء أمزجتهم وشهواتهم “مثل العصفور التائه من عشه” (أمثال27: 8). هذا ترك خاطئ، أما إن تركناهم من أجل المسيح، لأننا لا نستطيع أن نحتفظ بهم ونحتفظ بضمير صالح، لأننا إما أن نتركهم أو نترك المسيح، إن كنا لا نترك اهتمامانا بهم أو واجباتنا من نحوهم بل نترك مصلحتنا فيهم أولى من إنكار المسيح متطلعين إليه وإلى إرادته ومجده، فهذا ما يكافأ عليه. ليست الآلام في حد ذاتها هي التي تجعل الشهيد شهيداً، أو المعترف معترفاً، بل الباعث على الآلام.

إن المكافأة الروحية هي هبة  على سبيل النعمة فقط. ليس لنا حق بالقدوم إلى الله لنطلب منه أجرتنا لأننا خُطاة ونستحق الدينونة، ولا يحق لنا أن ندين الآخرين، إلا إذا أنكرنا أنفسنا بإرشاد الروح القدس، الذي يغلب شهواتنا الجسدية ويبكّتنا على زلاتنا ويعزّينا لإيمان حي.

هذا الروح المعزي يحضرنا لمعاينة الحاكم الديان الأزلي، ويحفظنا في قربه لكي لا نهرب من أشعة قداسة مجده، بل نسجد أمامه متممين بكلمة الشكر والحمد والتهليل. كذلك الشركة بين المؤمنين على الأرض، هي نعمة فقط، لأن المحبة تضحي لأجل المطرودين لأجل بر المسيح. إن تقديمات المرفوضين توقفهم على أرجلهم ويخلق لهم المسيح وطنا جديداً وعائلة روحية. فكل المسيحيين إخوة والروح القدس يوحدهم رغم الإختلافات اللغوية والعادات الإجتماعية.

لذلك أيها الإخوة، تقاربوا واتحدوا فيما بينكم، وشاركوا المتضايقين لأجل المسيح الذين يحملون أجرة إيمانهم في أنفسهم، ؟أي الحياة الأبدية، ومن يخدم المطرودين المنسحقين كأنه يخدم ربه شخصياً.

هكذا أظهر المسيح لتلاميذه أن ليس للمؤمن حق بأجرة مادية لأجل خدماته، لأن المسيح  يدعو الجميع إلى خدمته، ويعطي الحياة الأبدية إلى كل من يلبّي دعوته. فما هي الحياة الأبدية؟ إنها الحياة الإلهية. فالقدوس يهبك جوهره إن وهبت نفسك له.

أيها الآب السماوي، اغفر لنا طموحنا للربح والمكافأة الخاصة لأنك وهبت لنا ابنك وروحك ونفسك مجاناًَ مسبقاً. علمنا أن نحبك ونشكرك ونقدم لك انفسنا ونترك الأمور الدنيوية مع كل المطرودين لأجل اسمك. احفظنا في نعمتك لكي نشترك في التجديد العظيم الذي سيظهر بمجيئك القريب.الصلاة:

السؤال 179  : ماهي الهبة المعينة لتلاميذ يسوع؟

الأجرة المتساوية لكل الفعلة

(20: 1-16)

20: 1 فَإِنَّ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ خَرَجَ مَعَ الصُّبْحِ لِيَسْتَأْجِرَ فَعَلَةً لِكَرْمِهِ، (2) فَاتَّفَقَ مَعَ الْفَعَلَةِ عَلَى دِينَارٍ فِي الْيَوْمِ، وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى كَرْمِهِ. (3) ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ وَرَأَى آخَرِينَ قِيَاماً فِي السُّوقِ بَطَّالِينَ، (4) فَقَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضاً إِلَى الْكَرْمِ فَأُعْطِيَكُمْ مَا يَحِقُّ لَكُمْ. فَمَضَوْا. (5) وَخَرَجَ أَيْضاً نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ وَالتَّاسِعَةِ وَفَعَلَ كَذلِكَ. (6) ثُمَّ نَحْوَ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ خَرَجَ وَوَجَدَ آخَرِينَ قِيَاماً بَطَّالِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا وَقَفْتُمْ ههُنَا كُلَّ النَّهَارِ بَطَّالِينَ؟ (7) قَالُوا لَهُ: لأَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْجِرْنَا أَحَدٌ. قَالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا أَنْتُمْ أَيْضاً إِلَى الْكَرْمِ فَتَأْخُذُوا مَا يَحِقُّ لَكُمْ. (8) فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ قَالَ صَاحِبُ الْكَرْمِ لِوَكِيلِهِ: ادْعُ الْفَعَلَةَ وَأَعْطِهِمُِ الأُجْرَةَ مُبْتَدِئاً مِنَ الآخِرِينَ إِلَى الأَّوَلِينَ. (9) فَجَاءَ أَصْحَابُ السَّاعَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَأَخَذُوا دِينَاراً دِينَاراً. (10) فَلَمَّا جَاءَ الأَّوَلُونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أَكْثَرَ.فَأَخَذُوا هُمْ أَيْضاً دِينَاراً دِينَاراً.(11) وَفِيمَا هُمْ يَأْخُذُونَ تَذَمَّرُوا عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ (12) قَائِلِينَ: هؤُلاَءِ الآخِرُونَ عَمِلُوا سَاعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ سَاوَيْتَهُمْ بِنَا نَحْنُ الَّذِينَ احْتَمَلْنَا ثِقَلَ النَّهَارِ وَالْحَرَّ! (13) فَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ، مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ (14) فَخُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هذَا الأََخِيرَ مِثْلَكَ. (15) أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَالِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ (16) هكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَّوَلِينَ وَالأَّوَلُونَ آخِرِينَ، لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ.                                             (رومية9: 16و 21)

إن القصد من هذا المثل بصفة خاصة هو أن يوضح لنا ما قرره في نهاية الإصحاح السابق عن ملكوت السموات وهو “كثيرون أولون يكونون آخرين وآخرون أولين”، وهو المتصل بهذا المثل. كان لا بد من توضيح هذه الحقيقة، إذ فيها شيء من المتناقضات.

لم يكن هنالك في عصر الإنجيل أكثر غموضاً من رفض اليهود ودعوة الأمم، والسماح لبقية الأمم بأن يكونوا شركاء في الميراث. لم يكن هنالك شيء يغيظ اليهود أكثر من الإشارة إلى هذا. ويبدو أن الغرض الأساسي من هذا المثل أن يبين بأن اليهود ينبغي دعوتهم أولاً إلى الكرم، وأن الكثيرين منهم سيلبون الدعوة. لكن الإنجيل سيكرز به أخيراً إلى الأمم فيقبلونه ويدخلون في امتيازات وحقوق مساوية لليهود، يصيرون “رعية مع القديسين”، الأمر الذي اغتاظ منه اليهود كل الغيظ بلا مبرر، حتى الذين آمنوا منهم.

أعلن المسيح لتلاميذه آلامه وموته، مؤكِداً لهم بنفس الوقت أنه الرب القائم من بين الأموات، والذي سيملك في مجيئه الثاني ظاهراً مجيداً لجميع الأعين ومحققا مملكة سلامه على الأرض، ومجددا كل الأشياء بقدرة محبّته. هذه المملكة الإلهية تسودها مبادئ عليا بنسبة الثواب والحقوق، تختلف عما في دنيانا. فها هنا نقبض أجرتنا حسب تعبنا وطاقتنا ووقتنا المصروف في العمل. أما في السماء فكل واحد ينال نفس القيمة، إذا استعد ليلبّي دعوة الله بالدخول إلى خدمة ملكوته. إن دعوة الله تفوق مقاييس عقلنا، لأن امتيازنا هو سماح الله لنا أن نخدمه في رحابه القدسية. فخدمته  فَرَحنا ومكافأتنا، ووجودنا عنده يكفينا.

إن الله هو رب البيت الأعظم “رجل رب بيت” الذي نحن له والذي نعبده، وكرب بيت له عمل ينبغي إتمامه، وخدام يريدهم أن يعملوا. فالله يستأجر فعلة لا لأنه في حاجة إليهم أو إلى خدماتهم، بل كما يفعل بعض أرباب البيوت الخيرين الكرماء، إذ يحتفظون ببعض الفقراء ليعملوا في بيوتهم لمجرد الشفقة عليهم وإنقاذهم من شر البطالة والفقر.

لكن الذهن البشري، يرى في تدابير الرب ظلماً، فنظن أن الذي آمن وخدم أكثر من الآخرين، وتألم لأجل المسيح وصلّى وصام متقشفاً، سينال مجازاة ورتبة أفضل من الآخرين. ومن ضحّى بأمواله وتبرَّع كثيراً وخدم المرضى بكد وجهد، وشهد باسم يسوع وسط الأخطار، يظن أن اسمه مرفوع إلى قمة السماء. أما يسوع فغيَّر هذه المقاييس البشرية بالنسبة للأجرة والمكافأة تماماً. لا يسود في السماء فِكر الأفضلية، لأننا كلنا خطاة ولا نستحق الدخول إلى شركة الله. فدعوة الرب إلى خدمته نعمة وامتياز معطى لنا على أساس الفداء وحده. فليس لأي إنسان الحق أن يخدم الله. أما يسوع فيبرر المجرمين لتمجيد القدوس بواسطة توبتهم وسلوكهم الطاهر، فننال نعمة الخلاص وشركة مع الله أبينا مجاناً وأنه هو أجرتنا.

دعي الفعلة في المساء كالمعتاد لأخذ أجورهم، فالمساء هو وقت المحاسبة. فالمحاسبة الخاصة ينبغي أن تتم في مساء حياتنا، لأنه بعد الموت.

لقد فكَّر اليهود أن لهم امتيازاً على الأمم، لأن التوراة أُوحيت إليهم قبل المسيح بألف وثلاثمائة وخمسين سنة، وتألموا لأجل ارتباطاتهم مع الرب في العهد القديم، فتمنّوا بركة خصوصية وشرفاً بين الشعوب وغِنى مزدهراً. لكنهم اختبروا الاستعمار والاحتقار! فكرهوا يسوع عندما ألغى امتيازهم، وهددهم أنهم سيكونون الآخِرِين، إذا استمروا في الكبرياء وعدم التوبة. حقاً لقد دخل في خدمة الرب مختارون من الأمم كرَّسوا حياتهم لملك الملوك، في حين أن أكثرية أبناء إبراهيم تمردوا حتى اليوم وامتنعوا عن السجود لفادي العالمين.

لكننا نحن المؤمنين لا يجوز أن نرتفع على أحد من آل ابراهيم، لأن إيماننا ليس ملكنا، بل نقتنيه يوميا مجددا في الكفاح الروحي. والذي يظن أنه قائم فلينظر ألاَّ يسقط. ها نحن لا نبني رجاءنا على أعمالنا الصالحة، بل على نعمة الصليب وحده. وكلنا عبيد بطالون لم نكمل بعد ما كان يجب علينا تكميله.

أيها الآب السماوي، نسجد لك، ونكرّس حياتنا لمحبتك، لأن ابنك دعانا لنخدم في كرمك. لسنا مستحقين عبادتك. ونشكرك لأنك لم تهلكنا لأجل خطايانا. نحبك ونلتمس منك إرشادنا إلى عمل أمين، وإلى جهد مستمر. ساعدنا لندعو زملاءنا إلى خدمة ملكوتك ليشتركوا في تمجيد اسمك القدوس.الصلاة:

السؤال 180 : ما هو سر مكافأة المسيح؟

إعلان يسوع الثالث عن موته وقيامته

( 20: 17-19 )

20: 17 وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ صَاعِداً إِلَى أُورُشَلِيمَ أَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذاً عَلَى انْفِرَادٍ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ لَهُمْ: (18) هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ، (19) وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ لِكَيْ يَهْزَأُوا بِهِ وَيَجْلِدُوهُ وَيَصْلِبُوهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ.

(متى16: 21؛ 17: 22-23، مر10: 32-34، لو18: 31-33، يو2: 13)

صعد يسوع بملء إرادته نحو أورشليم ليفدي البشر على الصليب. وهو كنبي الأنبياء علم مسبقاً بالأوجاع التي ستحل عليه حتى موته المرير، فأعلن لتلاميذه للمرة الثالثة بدقة وتوضيح أكثر التفاصيل غرابة: ان رؤساء الكهنة وفقهاء التوراة يبغضونه وأتباعه. لكن رغم هذا تقدم مع تلاميذه إلى مركز العدو، عالماً أنه يُسلَّم هناك إلى أيديهم حسب إرادة أبيه، وأنهم سيجدون طرقاً ليحكموا بها عليه بالموت وهو البار. فسيتهمون ابن الله الوديع بالتجديف، دون أن يلاحظوا أنهم هم المجدفون، ويزدادون في الظلم بتقديمهم القُدوس إلى أيدي الأمم المعتبرين نجسين لكي يحتقره اليهود ولا يؤمنوا بعد ذلك أنه المسيح المنتظر الموعود. سيستهزئ الأمم بملك اليهود ويجلدونه بخشونة، ويسمرونه أخيراً على خشبة العار. رأى يسوع كل هذه الحقائق مسبقاً، وأنبأ بها حرفياً، لكيلا يُعثر تلاميذه عند حدوثها، فأعدّهم تدريجياً لنهايته المريرة. لكنه أعلن لهم قيامته المجيدة، التي أنبأ إليها كأنما ببوق الانتصار فوق الضيق واليأس.

أحب يسوع أتباعه ولم يداهنهم أو يحجب عنهم الكارثة المقبلة بل أخبرهم الحقيقة سلفاً لكي لا يضطربوا ولا يفزعوا إذا حلّت عليهم ساعة الظلمة. كل من يفكر في هذه الإعلانات يتساءل: بما أن يسوع عرف مُسبقاً هذه التفاصيل الدقيقة والمُرعبة، فلماذا لم يلتجئ إلى مصر أو لبنان أو عبر الأردن؟ أو لماذا لم يختبئ؟ فمن يفهم أن يسوع أراد بملء إرادته أن يموت عوضاً عنا يدرك ضرورة موته، وأنه لا خلاص إلا بالصليب. فيسوع صعد عمداً مع أتباعه إلى أورشليم.

أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك صممت أن تتألم وتستهين وتموت وتقوم لأجلنا، نحن المذنبين النجسين، لننال طهارتك ونتبرر بكفارتك ونخلص من غضب الله لأجل نيابتك ونتصالح مع القدوس لذبيحتك. فكيف نقدر على شكرك؟ إقبل حياتنا ووقتنا وأموالنا لنعظمك أنت والآب السماوي بقوة روحك القدوس. آمين.الصلاة:

السؤال 181: لماذا لم يهرب المسيح بعدما عرف ما ينتظره في أورشليم؟

الإستكبار الغبي في أتباع يسوع

(20: 20-23)

20: 20 حِينَئِذٍ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ أُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي مَعَ ابْنَيْهَا، وَسَجَدَتْ وَطَلَبَتْ مِنْهُ شَيْئاً. (21) فَقَالَ لَهَا: مَاذَا تُرِيدِينَ؟  قَالَتْ لَهُ: قُلْ أَنْ يَجْلِسَ ابْنَايَ هذَانِ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنِ الْيَسَارِ فِي مَلَكُوتِكَ (22) فَأَجَابَ يَسُوعُ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ. أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي سَوْفَ أَشْرَبُهَا أَنَا، وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا؟ قَالا لَهُ: نَسْتَطِيعُ (23) فَقَالَ لَهُمَا: أَمَّا كَأْسِي فَتَشْرَبَانِهَا، وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ. وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَبِي.

(متى10: 2؛ 19: 28؛ 26: 39، مر10: 35-45، أعمال12: 2، رؤيا1: 9)

كانت قلوب التلاميذ غليظة وأذهانهم مغلقة نتيجة ما عمله فيهم الخبر المرير من صدمة، لدرجة أنهم لم يدركوا حقيقة موت يسوع القريب، بل تخيلوا وعد تجديد العالم والعروش المتلألئة الموعودة لهم. تقدمت إليه أم يعقوب ويوحنا مع ابنيها، طالبين أن يجعل لهما مكاني الشرف عن يمينه وشماله بعد اعتلائه للحكم وسيطرته على الملك. لعلهم توهموا أن دالة القُربى التي تربطهم بيسوع تخوّلهم حق التقدم بطلب كهذا (يوحنا 19: 25).

ويبدو أنهم لم يدركوا خطورة طلبهم. لقد قصدوا الشرف والسلطة، أما يسوع ففكر بالآلام والفداء. أرادوا التمتع بالامتيازات والحقوق، والمسيح قصد الكفارة والموت. هم دنيويون أما هو فسماوي. ولم يدركوا مرارة كأس غضب الله على خطايا العالم كلها والتي عزم الابن أن يشربها إلى الثمالة.

لم يدرك يعقوب ويوحنا أهميّة الساعة، بل فكروا أن يسوع سيدخل العاصمة ويأخذ الملك بمعجزة، فأرادا أن يؤمِّنا لنفسيهما الحصة المهمة في ملكوت السماء على الأرض. لم يلاحظا أنهما قد وقعا في تجربة إبليس وفخّه الذي أراد أن يحرّض يسوع  على الغضب وممارسة العنف، لكن حمل الله جاوبهما بوداعة ولطف وأكّد لهما أنهما سيشتركان معه في آلامه وموته.

أيها الرب القُدوس، أنت حمل الله الذي رفعت خطيئة العالم واحتملت عار الدنيا في قلبك، أما تلاميذك فاهتموا بالعروش والتيجان. سامحنا مثلما سامحتهما إذا فكرنا بالحياة وملذاتها وبالمال. ساعدنا أن نخبر كل الناس الذين نلتقي بهم أنك أكملت الكفارة عنا وعنهم بموتك المرير. الصلاة:

السؤال 182: لماذا استكبر كل من يوحنا ويعقوب؟

من هو الأعظم ومن هو الأصغر؟

(20: 24-28)

20: 24 فَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ اغْتَاظُوا مِنْ أَجْلِ الأَخَوَيْنِ. (25) فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. (26) فَلَا يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيماً فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِماً، (27) وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَّوَلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْداً، (28) كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.        (مر10: 44-45، لو22: 24-27، 1كور9: 19، فيلبي2: 7، 1بط1: 18-19)

لم يكن التلاميذ الآخرون أفضل من الأخوين وأمهما، لأن هذا الطلب الخاص أثار الغيرة والحسد في نفوسهم. فالجميع لم يفهموا المسيح ولم يشعروا به ولم يراعوا المخطط الذي وضعه لموته القريب في أورشليم.

الواقع أن قصد المسيح ليس إعطاءنا مكاناً عن يمينه أو شماله لأن أباه السّماوي أجلسه عن يمينه، لكن المقصود أن الابن اختارنا لنصبح كلنا معاً جسده الروحي. ليس لنا الجلوس بالقرب من يسوع، بل كما أن الإبن يثبت في الآب، والآب فيه هكذا اختارنا لنثبت فيه ونعيش معه في وحدة روحية إلى الأبد.

أما هذه الوحدة الإلهية فلا تتحقق في السماء فقط، بل تبدأ على الأرض في أيامنا الآن. علينا إذا أن نتبعه وننكر أنفسنا، ونحمل صليبنا بإماتة خطايانا واستكبارنا. ليس بين أولاد الله تسلّط أو تمييز، بل خضوع طوعي وخدمة دائمة. إن أفضل شخص في كنيستكم وجمعيتكم هو الأكثر خدمة، والأقل ذِكراً لما عمل. المصلّي والمحب والخادم وباذل نفسه شكراً للصليب، هو العظيم حقاً.

هل أدركت أن يسوع سمى نفسه خادماً وليس سيداً، إنه قلب مبادئ وأسس الحضارات الدنيوية، لأن الجميع يقصد العجرفة ويتمنى أن يخدمه الآخرون، إلا المسيح فهو تواضع إلى المنتهى إذ قدم خدماته للصالحين والطالحين، فأصبح يسوع قدوتنا. من يتبعه لا يصبح سيداً متسلّطاً ولا رئيساً كبيراً، بل خادماً مثل ربِّه. ومن يدرك هذا الإنقلاب الذهني لا يستطيع أن يجعل نفسه عبداً للمسيح.

إن خدمة يسوع هي فداء لأجل كثيرين لأنه الفادي المقتدر. ولد يسوع ليدفع الفدية عن البشر المستبعدين للخطيئة ليتحرروا ويتأهلوا ليكونوا شعباً مقدّساً في ملكوته. إنه بدون ذبيحة يسوع ليس للعالم رجاء، أما الآن فنحبه لأنه أحبّنا أولاً بل وأحبَّ العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية.

أيها الفادي الأمين، نعظّمك لأنك جعلت نفسك خادماً للجميع، بذلت نفسك فدية لكل من يقبل فداءك بحمد فيتغيّروا إلى صورتك ويمرِّنوا أنفسهم على خدمتك أينما كانوا. ساعدنا أن لا نسعى لنصبح أسياداً أو رؤساء، بل أن نتواضع مثلك. فاكشف لنا الخدمات الضرورية وساعدنا حتى ننفذها ونيلغ فداءك لكل من يرشدنا إليه روحك. الصلاة:

السؤال 183 : ما معنى قوله ” ابن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم”؟

شفاء الأعميين في أريحا

( 20: 29-34)

20: 29 وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، (30) وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ. فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ   (31) فَانْتَهَرَهُمَا الْجَمْعُ لِيَسْكُتَا، فَكَانَا يَصْرَخَانِ أَكْثَرَ قَائِلَيْنِ: ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ يَا ابْنَ دَاوُدَ (32) فَوَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَاهُمَا وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ بِكُمَا؟  (33) قَالاَ لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَنْ تَنْفَتِحَ أَعْيُنُنَا! (34) فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَلَمَسَ أَعْيُنَهُمَا، فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَتْ أَعْيُنُهُمَا فَتَبِعَاهُ.

(مر10: 46-52، لو18: 35-43)

نزل المسيح من جبال الجليل، إلى وادي الأردن العميق، واجتاز أريحا مدينة النخيل وصعد نحو الصحراء الجرداء، متجهاً إلى أورشليم الجالسة على قمم الجبال. وهذا كان طريق الموت ليسوع، الذي لم ينحرف عنه، لأن ساعة فداء العالم قد اقتربت.

تبعه كثيرون راغبين في سماع كلماته ورؤية معجزاته، فسمع أعميان ضجيج الموكب، ولما عرفا أن القادم هو يسوع الطبيب الإلهي، صرخا عالياً صرخة استغاثة، ونادياه باللقب الشهير: يا ابن داود ارحمنا.

كان هذا الاسم معيَّناً لخليفة الملك داود الموعود، الذي يولد من الله، ويجلس على عرش داود وارثاً مملكة أبدية، يحكمها بالحق والسلام (2 صموئيل 7: 12-14). فصرخة الأعميين سبَّبت خطراً سياسياً بالغاً على يسوع. ولم يريا المسيح بأعينهما، وإنما أبصراه بقلبيهما، ونادياه حسب النص اليوناني: «يارب». فقد أدركا وآمنا بحضوره العجيب وسلطانه المطلق ومحبته اللطيفة. ولم يثقا به فقط في الخفاء، بل جهراً.

لم تُرِد الجماهير سماع صراخهما المثير الخطير، فحاولت إسكاتهما. ولم تدرك أنهما يبصران بقلبيهما رغم عماهما. أما الجماهير فعلى العكس، كانوا ينظرون غير مدركين. هكذا يرفض اليوم كثير من الناس الشهادة عن المسيح لظنهم أنهم صالحون وغيرهم محتاج إلى فداء المخلص.

سمع المسيح الصراخ، وأصغى إلى اعتراف إيمانهما. فوقف وهو في طريقه لفداء العالم وترك الجماهير المكتفية بنفسها، وسأل المسكينين: «ماذا تريدان أن أفعل بكما؟».

هذا هو السؤال الذي يوجهه يسوع إليك اليوم أيضاً. ماذا تريد منه؟ أتقصد الشرف؟ المال؟ الملك؟ الطرب؟ أم تطلب عينين مفتوحتين لرؤية ربك والحصول على محبته وقدرته؟ إن يسوع يفتح اليوم أعيناً مغمضة كثيرة في أمتنا. هل تطلب منه فتح أعين جيرانك، ليتقوى كثيرون بواسطة شهاداتكم المشتركة؟

شفى المسيح الأعميين المتوسّلين بوضع يده على أعينهما، فكان المسيح أول من وقع بصرهما عليه وعرفاه، لقد برهنا إيمانهما به وتبعاه مباشرة، فلم ينظرا إلى الجمهور، بل شَخَصا إلى المسيح، ملتصقين به شكراً لشفائهما.

مات المسيح لأجلنا على الصليب، معبراً عن محبة الله الفائقة للخطاة. هل تراه معلّقاً على خشبة العار، سافكاً دمه لأجلك؟ فما شعورك تجاهه؟ هل أدركته وتحبه؟ اطلب عينين مفتوحتين لنفسك وللكثيرين.

ذكر البعض أن الأعميين اللذين شفاهما المسيح حسب البشير متى، لم يذكرهما مرقس، بل قال أنه وجد أعمى واحد اسمه بارتيماوس .

نجيب ونقول بأنه لو أفادت عبارة مرقس الحصر لثبت التناقض، وهي لا تفيده مطلقاً. ونص عبارته “وفيما هو خارج كان بارتيماوس الأعمى جالساً يستعطي”. ثم استغاث وتوسل وصاح. فذكر البشير مرقس هذا الأعمى لأنه كان ابن رجل مشهور، طحنته صروف الزمان. والقرينة الدالة على ذلك هو ذكره إياه بإسمه، فاكتفى بذكره، والقادر على فتح عيني أعمى قادر على فتح عيني غيره وغيره. على كل حال لا تناقض مطلقاً، لأن التناقض يتحقق إذا قال أحدهم أن المسيح فتح عيني بارتيماوس، ثم قال الآخر أن المسيح لم يفتح عيني بارتيماوس. لكن لم يحصل شيء من ذلك، بل اقتصر أحدهما على ذكره لأنه كان أشهر ولأن توسله كان أكبر، وهو لا ينافي أنه فتح عينيه وعيني غيره وغيره.

أيها الآب، نشكرك لأنك أنرتنا بإنجيل ابنك، ورفعت عنَّا الفترات الدامسة من حياتنا. نطلب لأجلنا ولكل الناس من حولنا أعيناً مفتوحة مبصرة لترى محبتك وفداء ابنك وقدرة خلاصه، لنقدس اسمك الأبوي، ونطلب مجيء ملكوتك. تمم إرادتك فينا وفي كل الأرض.الصلاة:

السؤال 184  : ماذا يعني لقب «ابن داود»؟

المسابقة الثالثة لإنجيل المسيح

حسب البشير متى

أيها الأخ المحترم، إن تعمّقت في دراسة كلمة الله حسب البشير متى، تستطيع بسهولة أن تجاوب على الأسئلة الموجودة في هذه الصفحة.

إن أجبت على 90 بالمئة  من الأسئلة الواردة في هذه الصفحة، نرسل لك الجزء التالي من هذا التفسير وكتباً  أخرى كجائزة لبنيان نفسك، إلى الأمام.

إذا أرسلت لنا أجويتك عن طريق البريد العادي، فلا تنس كتابة إسمك وعنوانك بوضوح على ورقة الأجوبة، وليس على الظرف الخارجي فقط.

الأسئلة

 

114. لِمَ لم يحرر يسوع المعمدان من السجن؟

115. لم اعتبر الأصغر في ملكوت الله أعظم مرتبة من يوحنا المعمدان، خاتم أنبياء العهد القديم؟

116. لماذا شبّه يسوع الناس في عصره بالأولاد؟

117. لماذا يُسمي المسيح عدم الإيمان به أنجس من خطيئة سدوم وعمورة؟

118. كيف عرف المسيح الله حق المعرفة، كما أن الله يعرف المسيح؟

119. ماهو نير المسيح الخاص الذي يحملنا إياه؟

120. كيف يكون المسيح رباً ليوم السبت؟

121. لماذا حكم المتدينون على المسيح بالموت؟

122. بماذا تنبأ إشعياء عن يسوع في الأصحاح (42: 1-4)؟

123. لماذا اتهم المتدينون من اليهود يسوع بأنه يخرج الأرواح بمساعدة رئيس الأبالسة؟

124. ماذا فهمت من جهنم ونصرة المسيح؟

125. كيف نحفظ من الحطيئة ضد الروح القدس؟

126. من هم أولاد الأفاعي، ومن هو الإنسان الصالح؟

127. من هو الذي يخص الجيل الشرير الفاسق؟

128. لماذا يستطيع الروح الشرير أن يرجع مع سبع أرواح اخرى إلى الذي أخرج منه في السابق؟

129. ماهو الفرق بين المرتد والفرد من عائلة الله؟

130. أكتب القاعدة للنمو والتناقص الروحي وقم بتفسيرها؟

131. ماهي موانع النمو الروحي، وماهو نظام التقسي عند غير المؤمنين؟

132. ماهي الأنواع الأربعة لمستمعي الإنجيل؟

133. كيف يتم حصاد الله؟

134. ماذا يعلمنا المثلان عن حبة الخردل والخميرة؟

135. لِمَ اعتبر المسيح هو كنز الكنوز؟

136. من هم الذين يريد المسيح أن تربحهم لملكوته؟

137. ماذا يعلمنا المثل عن الشبكة؟

138. ماهي أسماء إخوة يسوع وعدد أخواته، وذلك حسب نص الكتاب؟

139. ماهو سبب موت يوحنا؟

140. كيف أوجد يسوع الخبز لأجل الخمسة آلاف؟

141. ماذا تعني عبارة “أنا هو” الواردة في الكتاب المقدس؟

142. لماذا اعترف الرسل بعد سجودهم ليسوع أنه ابن الله؟

143. لماذا لمس المؤمنون بهدب يسوع ونالوا الشفاء؟

144. ماهي الخطيئة التي كانت في عبادة اليهود المتدينين؟

145. ماهي الأفكار والأعمال الشريرة النابعة من القلب، وماهو ثمر الروح القدس؟

146. لماذا شبّه يسوع الأمم بالكلاب؟

147. لماذا استطاع المسيح أن يشفي كل انواع الأمراض؟

148. لماذا وكيف أكثر يسوع الخبز والسمك للأبعة آلاف رجل مع عائلاتهم؟

149. لماذا تكون قيامة المسيح العظمى الدليل البارز لألوهيته؟

150. لِمَ يتوجب علينا التحفظ من خميرة الفريسيين والصدوقيين؟

151. ماذا تعني شهادة بطرس “أنت المسيح ابن الله الحي”؟

152. ماهو المفتاح إلى السماء وأساس الكنيسة؟

153. ماهو معنى قول يسوع لبطرس أنه شيطان؟

154. مامعنى إنكار الذات وحمل الصليب الخاص؟

155. كيف نربح الحياة الحقة؟

156. لماذا لا تساعدنا أعمالنا الحسنة كلها على فدائنا؟

157. كيف ننجو من دينونة ابن الإنسان المُقبلة علينا؟

158. لماذا حذّر يسوع أتباعه من مجيئه للدينونة؟

159. لماذا تجلّى المسيح أمام نخبة من تلاميذه؟

160. ماهي علاقة يوحنا المعمدان بالنبي إيليا؟

161. كيف وبّخ يسوع تلاميذه لعجزهم عن إخراج الجن من الفتى؟

162. ماهو سر جريان قوة الله في المؤمنين بالمسيح؟

163. لماذا حزن التلاميذ ولم يشكروا يسوع عندما أخبرهم عن موته النيابي؟

164. كيف أعلن يسوع أنه ابن الإنسان وابن الله؟

165. لماذا يعتبر الإستكبار الخطر الأعظم المهدد للكنيسة؟

166. ماذا تُعلمنا عظة يسوع عن الولد الذي أقامه في وسطهم؟

167. ماهي مشيئة أبينا السماوي؟

168. ماهي الدرجات الثلاث التي ينبغي اتباعها أثناء التوبيخ بين جماعة المؤمنين؟

169. متى يكون المسيح في وسطنا؟

170. كم مرّة ينبغي أن نغفر لزميلنا ولقريبنا في كل يوم؟

171. لماذا وكيف غفر الملك للوكيل الظالم؟

172. لماذا ينبغي علينا أن نحب أعداءنا؟

173. ماهي المبادئ الهامة في الزواج المسيحي؟

174. ماذا يقول يسوع عن قضية الطلاق؟

175. ماذا تعني العزوبية في خدمة ملكوت السموات؟

176. لم ينبغي علىالأولاد أن يأتوا إلى يسوع؟

177. كيف أراد يسوع أن يخلص الشاب التقي؟

178. لماذا يصعب أن يدخل غني إلى ملكوت الله؟

179. ماهي الهبة المعينة لتلاميذ يسوع؟

180. ماهو سر مكافأة المسيح؟

181. لماذا لم يهرب المسيح بعدما عرف ما ينتظره في أورشليم؟

182. لماذا استكبر كل من يوحنا ويعقوب؟

183. ما معنى قوله “ابن الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم”؟

184. ماذا يعني لقب “ابن داود”؟

عنواننا:

مركز الدراسة: الحياة الفُضلى، مزرعة يشوع- المتن – ص ب 226 – لبنان.

 E-mail: alhayatalfoudla@yahoo.com

ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ

بَلْ لِيَخْدِمَ،

وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.

متى20: 28

الجزء الخامس

خدمات يسوع الأخيرة في أورشليم

(متى 21: 1-25: 46)

أولاً- جدال في الهيكل(21: 1-22: 46)386
دخول يسوع إلى أورشليم(21: 1-9)386
تطهير الهيكل(21: 10-17)389
لعن التينة غيرالمثمرة(21: 18-22)393
وفد من المجلس الأعلى يستنطق يسوع(21: 23-27)395
يسوع يتكلم مع الشيوخ بثلاثة أمثلة(21: 28-22: 14)399
 أ –مَثَل الابنين المختلفين(21: 28-32)399
ب-مَثَل الكرامين الأردياء(21: 33-41)401
ج-حجر العثرة(21: 42-46)403
د-مَثَل وليمة العُرس(22: 1-14)404
ما لقيصر وما لله(22: 15-22)408
في القيامة لا يتزوَّجون(22: 23-33)411
الوصية العظمى(22: 34-40)414
المسيح هو الرب(22: 41-46)416
ثانياً-الويلات ضد الأتقياء المستكبرين (المجموعة الخامسة لكلمات يسوع)(23: 1-29)419
احذروا من الفريسيين والكتبة (الويلات الثمانية)(23: 1-33)419
نداء يسوع لأورشليم(23: 37-39)434
ثالثاً-خطاب المسيح على جبل الزيتون        عن مستقبل العالم (المجموعة السادسة لكلمات يسوع)(24: 1-25: 46)436
المسيح يترك الهيكل(24: 1-2)436
سؤالان من التلاميذ(24: 3)437
لا يضلكم أحد(24: 4-5)439
غضب الله المعلن على البشر(24: 6-8)440
يسلّمونكم إلى ضيق(24: 9-14)442
خراب أورشليم(24: 15-22)446
مسحاء كَذَبَة(24: 23-26)449
علامات المجيء الثاني للمسيح(24: 27-31)451
نهاية العالم(24: 32-36)453
دلائل على اختطاف المؤمنين(24: 37-41)455
اسهروا(24: 42-44)457
مثل العبد الأمين والعبد الرديء(24: 45-51)459
مَثَل العذارى الحكيمات(25: 1-13)461
مَثَل أصحاب الوزنات(25: 14-30)467
هل أنت موهوب؟(25: 14-18)467
الرب يمنح مكافآت للأمناء(25: 19-23)469
الرب يحاكم الكسلان(25: 24-30)471
المسيح هو الديَّان الأزلي(25: 31-46)474
حكم المسيح على اتباعه المحبين(25: 34-40)476
حكم الدّيان على الأشرار(25: 41-46)478

تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ

مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ،

وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ،

وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ.

(متى22: 37)

أولاً-جدال في الهيكل

(21: 1 – 22: 46)

1- دخول يسوع إلى أورشليم

(21: 1 – 9 )

21: 1  وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الّزَيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ (2) قَائِلاً لَهُمَا: اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَاناً مَرْبُوطَةً وَجَحْشاً مَعَهَا، فَحُلاهُمَا وَأْتِيَانِي بِهِمَا. (3) وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئاً فَقُولا: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا (4) فَكَانَ هذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: (5) قُولُوا لابْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعاً، رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ.

)مر11: 1-10، لو19: 29-38، يو12: 12-19)

تمتلئ سيرة يسوع بالنبوة والبصيرة. فمن يتعمق في تاريخه يجد أن حياته كلها كانت مُخططّة حسب برنامج أوقات أبيه، في انسجام كامل، عالماً مسبَّقاً ماذا سيحدث.

وفي التمهيد لدخوله أورشليم قال يسوع كلمة تعبّر عن تواضعه الشديد: الرب محتاج. فابن الله، القدير تواضع إلى درجة متدنية، ولبس صورة إنسان ضعيف حتى أصبح محتاجاً فقيراً لا يملك شيئاً، ولا حتى حماراً! أما اليوم، فكثيرون  يملكون سيارات من طراز حديث وبيوتاً فخمة، أما يسوع فقد جال على قدمين حافيتين شتاء وصيفا.

ولإتمام الوعد العظيم في سفر زكريا (9:9) أراه أباه حمارين في رؤية وهما أصبحا أهم حمارين في ذلك الوقت، لأنهما صارا البرهان الثالث العجيب. أولهما أن ابن الله لم يكن متكبراً بل وديعاً متواضعاً بدون غاية سياسية وعنف. وثانيها أنه الملك الروحي والمسيح الموعود المنتظر. والثالثة أن له يحق التهلل والغبطة والإستقبال العظيم.

كانت الحمير تستعمل كثيراً للسفر في تلك البلاد، أما الخيل فكانت تستعمل للعظماء وتستخدم في الحروب. كان ممكناً أن يأمر المسيح بأن تأتيه الكروبيم لتحمله (مز18: 10)، فإنه الآن باسمه يسوع، عمانوئيل (الله معنا)، في حالة تواضعه، يركب أتاناً. كما أن هذا الحيوان لا يستخدم في مظاهر العظمة بل في الخدمات الوضيعة، لا في الحروب بل في حمل الأثقال، بطيء الحركة ولكنه ثابت.

على أن البعض يظنون أنه كان هنا ناظراً إلى العادة التي كانت متبعة في إسرائيل في ذلك الوقت وهي ركوب القضاة على الأتان (قضاة5: 10) وركوب أبنائهم على جحش (قضاة12: 14). وهكذا أراد المسيح دخول أورشليم لا كظافر بل كقاضي إسرائيل الذي “لدينونة أتى إلى هذا العالم”.

اكتشف الكتبة في العهد القديم صورتين لمجيء المسيح، أنه أولهما أنه راكب على حمار. الثانية أنه سيأتي على سحاب من السماء، وفسروا هذا الإختلاف أنه سيأتي راكباً على حمار إذا لم يحفظ شعب العهد القديم كل الوصايا بأمانة، وسيأتي على سحابة من السماء إذا كان الشعب مستحقاً لهذه الرؤية. فلم يعرف هؤلاء المثقفون أن المسيح قد جاء راكباً على حمار وأنه سيأتي ثانية على سحابة من السماء عن قريب.

إن أمر المسيح أن تكون الأتان وابنها في خدمته دليل على العدل والأمانة، لعدم استخدام الأتان وابنها دون موافقة صاحبهما ورضائه رغم قصر المسافة التي كانت لا تتعدى شارعاً أو اثنين. يقول البعض إن المقصود بالعبارة الأخيرة “فقولا الرب محتاج إليهما وللوقت يرسلهما” أي يعيدهما إليك ويحرص على أن يرسلهما إليك ثانية سالمين بعد الإنتهاء منهما، وفي هذا يضع الرب قاعدة للأمانة.

الصلاة:أيها الآب القدوس، نتهلل بهتاف لأن وعدك للنبي زكريا يأمرنا بالإبتهاج عند إتيان ملك السموات ليتمسك بجكمه الروحي، ويؤسس ملكوته على حق كفارته. نشكرك أيها الآب لأن ابنك الوديع قد أتى متواضعاً ومحتاجاً حتى استطاع أن يشعر بالذين يعيشون في ضيق، فيباركهم ببركة روحه.

السؤال 185: ماذا تفهم من نبوة زكريا؟

21: 6 فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلا كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ، (7) وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا. (8) وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَاناً مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. (9) وَالْجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ: أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!

(2مل9: 13، مز118: 25-26)

جاء المسيح وفقاً للوعود القديمة ودخل أورشليم في موكب ملك المحبة، حاملاً سلام الله في قلبه، راكباً جحشاً لا فرساً كما يفعل الملوك الفاتحون. كان على أورشليم أن تفتح له الأبواب على مصراعيها، ويسجد سكانها له. فقد أتى ابن الله بجودته وتواضعه، وليس بدينونة وغضب وقساوة. أتى ليربح الضالين والخطاة الدنسين، مزمعاً أن يصير حملاً لله ورئيساً للكهنة، لكي يصنع بنفسه تكفيراً عن ذنوب الشعب.

أما الجماهير فلم تفهم غاية مجيئه الأول، بل تهللت بألسنتها، متمنية عصراً جديداً فائضاً بالرفاهية والسلطة والمجد. فهتفت له بالكلمات المعيَّنة لاستقبال رئيس الكهنة في الهيكل، لمصالحته الأمة مع الله. إلا أنهم أرادوا بهذا الهتاف والتهليل نزول عون الله وبركته عليهم ليغلبوا الرومان، بدلاً من حلول الغفران في قلوبهم.

إن الذين يتخدون المسيح ملكاً لهم أن يضعوا كل مالهم عند قدميه. الملابس علامة القلب، لأنه عندما يأتي المسيح ينبغي أن يقال للنفس انحني ليعبر (اشعياء51: 23). وبينما وضع التلاميذ ملابسهم على الأتان، قطع الجمهور الأغصان وفرشوها في الطريق، كما اعتادوا أن يصنعوا في عيد المظال علامة على الحرية والنصر والفرح، لأن سر ذلك العيد قيل عنه بصفة خاصة إنه يتعلّق بعصر الإنجيل (زكريا14: 16)

يأتي المسيح اليوم إليك وإلى شعبك في روحه، فهل تدرك هذا الإمتياز؟ يأتي متحدثاً بنعمة الله إليك ليسكن فيك، فماذا ستعمل؟ أتسجد له؟ هل شفتاك تسبحه وتضع نفسك وقوتك تحت تصرفه كما فرّش الشعب طريقه بملابسهم رمزاً لوضع ذواتهم بين يديه. ان ابن الله آت فكيف تستقبله؟

في ذلك الوقت، كان اليهود يعيشون تحت نير الإستعمار الروماني، فاستقبلوا المسيح بحماس سياسي لأنه لن يرفعك إلى المناصب الرفيعة ولن يهبك الغنى المادي. إنما الرب ناقلك من الزمن إلى الأبد، من الأنانية إلى المحبة، فإذا استقبلته بغايات بشرية سترفضه قريباً، لكن إذا طلبت غفران أثامك، وسلاماً مع الله لخدمات مستمرة، فيفتح قلبك ويحل فيك، ويبتدئ التهلل في حياتك ولن تنتهي غبطتك.

الصلاة:أيها الآب، لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفي. لكن طهّرني وقلوباً كثيرة من أمتنافتدخل وتتمركز فينا إلى الأبد. قدّسنا بقوتك، ولا تمرَّ بنا مروراً، بل امكث معنا ومع كل طالبيك المترقبينك في كل نواحي الأرض.

السؤال186 : ماذا نتعلّم من دخول المسيح إلى أورشليم؟

تطهير الهيكل

( 21: 10-17)

21: 10 وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: مَنْ هذَا؟  (11) فَقَالَتِ الْجُمُوعُ: هذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ (12) وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللّهِ وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ (13) وَقَالَ لَهُمْ: مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!

(مر11: 15-19، لو19: 45-48، يو2: 13-16، إرميا7: 11)

حين دخل يسوع أورشليم، لم يذهب توّا إلى البنك ولا إلى المحكمة الشرعية، ولا إلى رئيس البلدية، ولا إلى قائد الجيش الروماني، بل  تقدّم إلى الهيكل، ليصلي ويسجد، لأن الله هو محور المجتمع الصالح. دخل إلى هيكل الله لأن ملكوته روحي “ليس من هذا العالم” وهو يستخدم سلطانه في الأمور الروحية. وحيث لا يملك الرب بروحه على المكاتب والبيوت والمصانع والمدارس، فهناك يسود روح المجرب بالأكاذيب والخداع والنجاسة.

وجد المسيح أن هيكل الله تحوَّل إلى سوق تجارية تُباع فيها السلع والأمتعة. فالغيرة لله خلت من القلوب، لأجل بيع القرابين وصرف العملات الأجنبية لدفع الرسوم إلى الهيكل وشراء الملابس الفاخرة والروائح العطرة. تبعاً لذلك انتفى السجود لله بالروح والحق، وصارت أفكار العابدين تدور حول المال والمشاكل والهموم، فقلَّ عدد الذين يقدّسون الله بقلوبهم.

كثيرون من اتباع يسوع دعوه بالنبي الناصري الجليلي، فلم يدركوا بعد أنه المسيح ابن الله الحي، لكنهم شعروا بقوته وسلطانه ومحبته فاعتبروه ناصراً جليلاً، وسألوا أنفسهم “هل يأتي من الناصرة شيء صالح“؟ لأن هذه المنطقة الجبلية كانت مشهورة بقطاع الطرق، وتحوي خليطاً من الشعوب. فتساءل سكان العاصمة وهو يبتسمون عن الراكب على الحمار.

كانت الأرجاس التي صنعوها هي البيع والشراء والصيرفة في الهيكل. فالأمور الشرعية إن استخدمت في غير وقتها أو في غير مكانها أصبحت أموراً خاطئة. والأمور التي تُرى شرعية في مكان ما، وليست شرعية فحسب بل ممدوحة ومستحبة في يوم ما، قد تدنس الهيكل في مكان آخر وتدنس السبت.

مع أن البيع والشّراء وتبديل العملة أمور عالمية إلا أنها اتخذت شكل الخدمات الروحية. فقد كانوا يبيعون البهائم للذبائح إراحة لمن كان أيسر لهم أن يأتوا بأموالهم من أن يأتوا ببهائم. كانوا يقومون بالصيرفة لمن كانوا في حاجة إلى نصف الشاقل وهو فضة الكفّارة. وهكذا كانت هذه المعاملات تعتبر في نظر البعض لازمة لأجل بيت الله. ومع ذلك لم يسمح بها المسيح.

إن رجاسات ومفاسد شنيعة تأتي إلى الكنيسة من تصرفات الذين “يظنون إن التقوى تجارة” أي الذين يجعلون هدفهم من التقوى المصلحة المادية، ويتخذون من التقوى وسيلة لمنفعتهم الشخصية “فتجنّب مثل هؤلاء” (1تي6: 5).

دخل المسيح إلى الهيكل أولاً وطهَّر مسكن الله فوراً، لأنه لا يصح الشعب إلا بإيمان مجدد، فليس الاقتصاد يبني الأمة، بل الإيمان. اطلب من ربك أن يصلح طائفتك، لأن الإصلاح أهم موضوع في أيامنا. هل تعرف من أين يجب أن يبتدئ هذا الإصلاح؟ في نفسك أولاً!

يستشهد المسيح بنبوة كتابية ماذا ينبغي أن يكون عليه الهيكل، وماذا قصد به “بيتي بيت الصلاة يُدعى”، وهذه الآية مقتبسة من (إشعياء56: 7)

لقد كان القصد من كل الفرائض الطقسية أن تكون مساعدة للوصايا الأدبية. كان ينبغي أن يكون بيت الذبيحة بيتاً للصلاة لأن الصلاة هي روح وغاية كل تلك الخدمات. وعند تكريس الهيكل قصد به أن يكون بصفة خاصة بيتاً للصلاة، لأنه لم يكن مكاناً للعبادة فحسب بل واسطة لها، ولذلك أعطي وعد خاص باستجابة الصلوات التي ترفع فيه أو نحوه (2أي6: 21) لأنه كان رمزاً للمسيح.

ويبين بيتوبيخ كتابي كيف دنسوا الهيكل وحولوا القصد منه “وأنتم جعلتموه مغارة لصوص“، وهذه مقتبسة من (أرميا 7: 11) “هل صار هذا البيت مغارة لصوص في أعينكم“. عندما يكون التظاهر بالتقوى ستراً للإثم يصح القول إن بيت الصلاة تحول إلى مغارة للصوص بسبب الغش والأكاذيب التي ترتكب في البيع والشراء، على أن الأسواق في الهيكل لا بد أن تكون مغايرة للصوص لأنها تسلب الله من كرامته وهذه أشر أنواع السرقة (ملاخي3: 8). كان الكهنة يعيشون من المذبح، ويعيشون في سعة، ولكنهم إذ لم يكتفوا بهذا استنبطوا طرقاً ووسائل أخرى لابتزاز المال من الشعب، لهذا دعاهم المسيح هنا لصوصاً لأنهم حصلوا على ما ليس من حقهم.

ماهي عواطف وعبادة قلبك؟ أتحب المسيح من كل قلبك ولا تجعل معه شريكاً آخر؟ أتسمع لكلمة الله بانتباه؟ ما هو محور شعورك الباطني؟ ماذا يشغلك خلال يومك الطويل؟ هل الآب السماوي هو الكل في الكل في حياتك؟ لا تسمح لمحبة المال أن تسيطر على قلبك لئلاَّ تحوله إلى مغارة لصوص ممتلئا بغضة وطمعاً ونجاسة، هل يسكن روح الله فيك وأنت هيكل الله؟

الصلاة:هللوا يا، أيها الملك السماوي، قد أتيت لشعبك ولكن شعبك لم يدركك إلا نخبة منهم استقبلتك بالهتاف والسرور وقد طهرت الهيكل أولا ليسجد الجميع للآب السماوي وليس للمال. اغفر لنا إذا لم نستقبلك عند هبوب روحك القدوس. نطلب منك أن تطهر فؤادنا من كل فكر نجس ومن حب المال لتصبح قلوبنا هيكلا لك إلى الأبد.

السؤال 187 : لماذا طهر المسيح هيكل الله مباشرة بعد دخوله لأورشليم؟

21: 14وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ عُمْيٌ وَعُرْجٌ فِي الْهَيْكَلِ فَشَفَاهُمْ. (15) فَلَمَّا رَأَى رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ الْعَجَائِبَ الَّتِي صَنَعَ، وَالأَوْلادَ يَصْرَخُونَ فِي الْهَيْكَلِ وَيَقُولُونَ: أُوصَنَّا لابْنِ دَاوُدَ غَضِبُوا (16) وَقَالُوا لَهُ: أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ هؤُلاءِ؟ فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: نَعَمْ! أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ: مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ هَيَّأْتَ تَسْبِيحاً؟ (17) ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَخَرَجَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا وَبَاتَ هُنَاكَ.

المسيح هو هيكل الله والله في الهيكل، لأن فيه حلَّ كلُّ ملء اللاّهوت جسدياً. كما أن الله عمل بواسطته وخلّص كثيرين. يسوع هو رئيس الكهنة الصحيح، وحمل الله الذي قدَّم نفسه ليحلّ فينا ملء بركة الروح القدس. إنه هو الهيكل ورئيس الكهنة والذبيحة للكفارة عن خطايا العالم في آن واحد. فيه تمت كل متطلبات الشريعة بخصوص الخدمات الكهنوتية للمصالحة مع الله.

وحيث المسيح هناك العجائب، وسلطانه يشفي المرضى والعمي والعرج. كانت بيناته في الهيكل آيات دالة على ألوهيته، ليلفت أنظار الشعب من الحجارة الميّتة ويبصروه هيكل الله الحق.

كان محرّماً على العمي والعرج دخول بيت داود (2صم5: 8)، ولكنّه كان مصرّحاً لهم دخول بيت الله، لأن عظمة وكرامة ومجد بيته لا تتضمّن في الأمور التي تتطلّبها عظمة ومجد وكرامة قصور الملوك. لأن هذه ينبغي أن يبتعد عنها العمي والعرج، أما هيكل الله فلا يبتعد عنه إلا الأشرار والدنسون.

تدنّس الهيكل لما استخدم كسوق تجارية، ولكنّه أكرم لما استخدم كمستشفى. ففعل الخير في بيت الله أكرم وأليق به من تحصيل الأموال فيه.

يشعر الأولاد بعض المرّات بروحهم بحقيقة شخص أسرع من البالغين، هكذا أخذ الصغار يرتلون كصدى لهتاف اليوم الأسبق: «أوصنّا لابن داود». فلم يعرف الأطفال أنهم حيُّوا بهذه الكلمات الملك الإلهي. بل كل قصدهم أنهم يحيُّون يسوع الحنون الشافي.

إن صغار الأولاد يقولون ويعملون كما يسمعون ويرون في الآخرين، لأنهم يقلدون بسهولة، ولذلك وجب الحرص كل الحرص على إعطائهم أمثلة طيبة لا أمثلة رديئة. يقول المثل اللاتيني “يجب التدقيق جداً في مخالطة الصغار”. يتعلّم الأولاد ممن معهم، إما أن يلعنوا ويحلفوا أو يصلوا ويسبحوا. كان اليهود يعلّمون أولادهم في حداثتهم أن يحملوا الأغصان في عيد المظال ويصرخوا قائلين “أوصنا” على أن الله علّمهم هنا أن يطبقوا هذا على المسيح.

أما المتدينون وزعماء الشعب فكانوا مهتاجين وغائظين جداً. لقد خافوا من شغَب سياسي واضلال الأمة المرتج لاستقبال النبي الجديد، فترقَّبوا بيقظة: هل ينقضّ يسوع على السلطة فيأخذها بالقوة، ويعمل انقلاباً سياسياً؟ وعندما لم يحدث شيء، ولم يهبط حشد جيوش من السماء لإبادة الرومان، تقدَّموا إلى يسوع سائلين: “ماذا يكون موقفك بإطلاق اسم ابن داود عليه من قِبَل أنصارك”؟ فجاوبهم يسوع إن الروح القدس يتكلم بأفواه الأطفال والرُضَّع إذا لم يسجد له الرؤساء والأمراء. وبهذه الكلمات طلب من المجمع اليهودي الخضوع الطوعي لجلاله. وعندما لم يتم هذا السجود مضى يسوع من أورشليم مختفياً في بيت عنيا، لأن أعداءه قصدوا قتله.

الصلاة:أيها الآب، نحن في حاجة ماسة إلى التطهير والإنعاش والتجديد في صميم قلوبنا، لكيلا نشبه مغارة اللصوص. اطرد أفكارنا المضادة لمحبتك ولطفك. بدِّد همومنا الضاغطة من داخلنا، لنتقدس بدم ابنك، فيحل روحك القدوس فينا، جاعلاً أفواهنا وأفئدتنا ترتل، لأنك تستحق التسابيح في كل حين.

السؤال 188 : ماهو الفرق بين الأولاد المرتلين في الهيكل ورؤساء الكهنة والكتبة المغتاظين؟

لعنة التينة غير المثمرة

( 21: 18- 22)

21: 18وَفِي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعاً إِلَى الْمَدِينَةِ جَاعَ، (19) فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ، وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئاً إِلاَّ وَرَقاً فَقَطْ. فَقَالَ لَهَا: لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ. (20) فَلَمَّا رَأَى التَّلامِيذُ ذلِكَ تَعَجَّبُوا قَائِلِينَ: كَيْفَ يَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ؟ (21) فَأَجَابَ يَسُوعُ: اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ وَلا تَشُكُّونَ، فَلا تَفْعَلُونَ أَمْرَ التِّينَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنْ قُلْتُمْ أَيْضاً لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ فَيَكُونُ. (22) وَكُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ.                      (مر11: 12-14؛ 20-24، لو13: 6، متى17: 20)

وإذ كان المسيح راجعاً شعر بالجوع، حيث كان “ابن الإنسان” وخضع لضعفات الطبيعة. كان نشيطاً كانسان، فكان محصوراً في عمله حتى أنه لم يبال بطعام الجسد إذ خرج صائماً، لأن غيرة بيته أكلته. وكان طعامه أن يعمل مشيئة الآب، كان فقيراً كإنسان، حتى أنه لم يكن لديه طعام في ذلك الوقت. لم يرض نفسه، لم يبال بنفسه، لأنه ارتضى أن يكون طعام الإفطار من ذلك التين.

لقد جاع المسيح لكي تكون له الفرصة لعمل هذه المعجزة في لعنة شجرة التين غير المثمرة وجفافها، فيقدم الدليل على عدله وعلى قدرته، ومن هذا يقدم لنا دروساً لنتعلمها.

أراد المسيح أن يوضّح لتلاميذه النقص الروحي في الأمة بمثال منظور، فلعن التينة، لأنه لم يجد عليها إلاّ أوراقاً. وكانت كلمة المسيح على تلك الشجرة نبوة بمستقبل اليهود، وإنذاراً لكل الشعوب في كل عصر بوقوع دينونة الله عليهم، إن هم تكلَّموا كثيراً وكتبوا أوراقاً كثيرة، ولم يعملوا حسب علمهم وشهادتهم، فلم يثمروا لله.

ما هي الثمار الصالحة التي يطلبها يسوع فينا؟ إنها الإيمان والمحبة والرجاء. فالحياة مع المسيح تنشئ فينا هذه الثمار.

لم يطلب منا المسيح أفكاراً فلسفية ولا عقائد روتينية معقدة، ولا حفظ للشريعة حرفياً، ولا تغييب الآيات عن ظهر قلب، بل هو يريد خلاصنا وتقديسنا وصيرورتنا شركاء في طبيعته الإلهية التي بها نهرب من الفساد ونعيش في طهارة وحكمة ومحبة ونقدم خدماتنا لله والناس.

تمثل لعنة شجرة التين غير المثمرة حالة المرائين بوجه عام، وهكذا تعلمنا أن ثمار شجرة التين تنتظر ممن لهم أوراقها. ينتظر المسيح ممن لهم مظاهر التقوى أن تكون لهم قوتها. ينتظر عنباً من الكرمة التي غرست في جبل مخصب. إنه يجوع ويتعطّش إليها، ونفسه تشتهي الباكورة. كثيراً ما فشلت انتظارات المسيح العادلة ممن لهم المظاهر المفرحة. يأتي المسيح للكثيرين ليطلب الثمر فلا يجد إلا الأوراق. كثيرون لهم أسماء أنهم أحياء ولكنهم ليسوا أحياء حقيقيين، هم مولعون بمظاهر التقوى ولكنهم ينكرون قوتها.

فالإيمان الحق لا يتم بالفكر فقط، إنما في الشركة مع قوة المسيح. وكل الذين يعيشون معه يصلّون في انسجام مع إرادته، فيختبرون جريان قوته، لأن حياتهم تصير في ثبات مع ربهم. عندئذ يفكرون معه ويريدون إرادته، وينقلون قوته إلى الآخرين.

إن كل من يمتلئ بكلمة الله تخرج منه صلوات مقبولة عند القدوس. فادرس مفصلا الطلبات الثلاث الأولى من الصلاة الربانية، ونفذ معانيها ليلاً ونهاراً، فينقل المسيح بواسطتك جبالاً من الذنوب والبغضة.

ينتظر منك المسيح الإيمان بشخصه الرحيم والثقة بعنايته فعلاً، وسماع كلمته والعودة إليه والإقتراب منه وسؤاله بتواضع وقبوله شخصياً كمخلصك الأمين فيقطع معك عهداً أبدياً، لتختبر قواه وحفظه ونعمته الجليلة. فالإيمان يعني الإتحاد مع المسيح الذي لن يتركك أبداً، وإذا ارتبطت معه وثبت فيه، تعمل محبته في ضعفك، لأنه هو المخلص ومازال يعمل لخلاص العالم بكل ما عنده من قدرة وحنان.

الصلاة:أيها الآب، نشكرك للعهد الجديد الذي قطعته معنا في ابنك. نطلب إليك أن ينشئ روحك ثماراً وفيرة فينا وفي كثيرين، فتنتهي من بيوتنا البغضة والكذب ويعمّ سلامك وفرحك بيننا. اخلق الإيمان الحق بألوهية ابنك في أمتنا، لتتحقق كل دوافع روحك القدوس فينا، فلا تقع اللعنة علينا، بل نأتي بثمر كثير لتمجيد اسمك القدوس.

السؤال 189 : لماذا لعن يسوع التينة غير المثمرة؟

وفد من المجلس الأعلى

يفحص سلطان يسوع

( 21: 23- 27)

21: 23وَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْهَيْكَلِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ وَهُوَ يُعَلِّمُ، قَائِلِينَ: بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هذَا، وَمَنْ أَعْطَاكَ هذَا السُّلْطَانَ؟

(مر11: 27-33، لو20: 1-8، يو2: 18، أعمال4: 7)

اضطرب الزعماء الدينيون عند دخول المسيح إلى أورشليم وتطهيره الهيكل، فتشاوروا كيف يقبضون عليه، قبل أن يذهب كل الشعب وراءه. لكن المسيح نام خارج المدينة، ثم عاد في النهار إلى الهيكل، وعلَّم وسط أعدائه جهاراً.

كان أهم الذين نازعوه “رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب” أي قضاة المحكمتين الرئيسيتين، فرؤساء الكهنة كانوا يرأسون المحاكم الكنسية للنظر في كل الشؤون الدينية، والشيوخ كانوا يرأسون المحاكم المدنية للنظر في كل الشؤون الزمنية (2 أي19: 5و7و11). اتحد هؤلاء في مهاجمة المسيح ظانين بأن يجعلوه ممقوتاً من هذه الهيئة أو تلك. أنظر لأي درجة وصل انحطاط ذلك الجيل إذ أصبح قادة الكنيسة وقادة المملكة أشد المقاومين لملكوت المسيا مع أنه كان المفروض أن يكونوا أكبر المعضدين. هنا نراهم يزعجونه “وهو يُعلِّم” أنهم لم يقبلوا تعاليمه ولم يدعوا غيرهم يقبلونها.

فجاء إليه وفد رسمي من المجمع الأعلى لاستجوابه ومُساءلته عن مصدر سلطانه، وعن الذي فوَّضه للقول والعمل. شعروا بقوته الفائقة ولم يستطيعوا إنكار معجزاته المدهشة، لكنهم لم يفهموا مصدر سلطانه لأنهم غير مولودين من روح الله. فظهر المسيح لهم غريباً مخيفاً واتهموه أنه ملبوس بروح الشيطان، وقفلوا أذهانهم أمام دعوته.

حتى اليوم كثيرون من الناس لا يفهمون أن المسيح هو ابن الله المتجسّد. وأنه يحوي في ذاته كل سلطان في السماء وعلى الأرض.

هكذا لم يفهم اليهود جوهر الذي يشفي المرضى ويقيم الموتى ويخرج الشياطين لأن قلوبهم غليظة وإرادتهم قاسية. إن من لا يريد أن يدرك جوهر المسيح يبقى جاهلاً، ويظهر بذلك أنه لا يزال ميتاً في خطاياه.

إن سلطان المسيح هو أعظم قوة في العالم، ومن يؤمن بقدرة محبته يبتدئ فيه الخلق الجديد، وكلمة المسيح تحل، حتى اليوم، أصعب قيود الخطيئة وتطرد الأرواح الشريرة، شرط أن يبقى المصلي واقفاً في ضوء وجه المخلص. الحمد لله أنه يوجد رجاء في عالمنا، ألا وهو سلطان المسيح، العامل بيننا كما في أيام تجسده.

ليس هذا السلطان مخفياً على المؤمنين، لأنهم يعلمون أنه مصدر ومنبع المحبة. فليس المسيح سيداً قاسياً، ولا يستعمل عظمته ليهلكنا، بل هو رؤوف لطيف معزّ، كما رأينا فيه هذه الصفات ، اذ استخدم قدرته لخلاص المساكين الدنسين. افتح نفسك وفكرك لسلطان المسيح، فتتغير عن شكلك الماكر.

خليق بكل من يعملون بأي سلطان أن يسائلوا أنفسهم: من أعطانا هذا السلطان؟ لأنه مالم يكن المرء مستريح الضمير في هذه النّاحية فلا يستطيع أن يعمل أو يكون له أمل في أي نجاح. فالذين يزجون بأنفسهم في الخدمة لن يحصلوا على أي بركة (ارميا23: 21و22).

الصلاة:أيها المسيح القدير، نشكرك لأن أباك السماوي دفع إليك كل سلطان في السماء وعلى الأرض، وفي يدك مفاتيح الموت والهاوية. نتهلّل ونطمئن لأنه لا توجد قوة أقوى من سلطانك في الكون كله، ونؤمن بمحبتك ونستمد من قدرتك لخلاص أقربائنا وأصدقائنا، وحتى أعدائنا نطلب خلاصهم وتغيير أذهانهم وتجديد قلوبهم لعيشوا لك وفيك إلى الأبد. آمين .

السؤال 190 : لماذا سأل وفد رؤساء الأمة يسوع عن سلطانه؟

21: 24 فَأَجَابَ يَسُوعُ: وَأَنَا أَيْضاً أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قُلْتُمْ لِي عَنْهَا أَقُولُ لَكُمْ أَنَا أَيْضاً بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا: (25) مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا، مِنْ أَيْنَ كَانَتْ؟ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟  فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ: إِنْ قُلْنَا مِنَ السَّمَاءِ، يَقُولُ لَنَا: فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ؟ (26) وَإِنْ قُلْنَا: مِنَ النَّاسِ، نَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ، لأَنَّ يُوحَنَّا عِنْدَ الْجَمِيعِ مِثْلُ نَبِيٍّ (27) فَأَجَابُوا يَسُوعَ: لا نَعْلَمُ فَقَالَ لَهُمْ هُوَ أَيْضاً: وَلا أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هذَا.                  (متى14: 5)

أدرك المسيح الفخ الذي نصبه أعداؤه أمامه، فلم يجاوب مباشرة على سؤالهم، بل فتح لهم الباب للرجوع والاعتراف أن الله قد أرسل المعمدان ليعد الطريق للمسيح. يرينا هذا الأسلوب في الجواب شيئين: أولهما أن يسوع لم يعلّم الناس بكلمات منطقية وبراهين عقلية أنه ابن الله، إنما انتظر منهم تطور إيمانهم تدريجياً من قلب مطيع، ليتأكدوا من ألوهيته، ويستنتجوا هذا الإدراك من تقرّبهم إليه ومحبتهم له. هذا الأسلوب عكس ما نفعله نحن مع الناس، لأننا نحاول إقناعهم بألف طريقة ليقبلوا حقيقة المسيح الإلهية. فالأفضل أن نرسم أمامهم أعماله وتصرفاته وطهارته ولطفه، لتنمو ثقتهم بابن الإنسان، ويدركوا تلقائياً أن الذي يقيم الموتى ويحب الخطاة ويسامح أعداءه ليس إنساناً عادياً، فيستعدوا للإيمان أنه الإله المتجسّد.

والثاني هو أن المسيح طلب من أعدائه التفكير العقلي، وحاول أن ينشئ فيهم الإستعداد للتوبة والتنازل عن عقيدتهم الجافة والإبتعاد عن الإدانة الخالية من المحبة. لو أدركوا واعترفوا بأن يوحنا المعمدان أتى من الله، للزمتهم التوبة والرجوع والاعتراف بخطاياهم. لكنهم تخيّلوا أنفسهم أتقياء صالحين فلم يستعدوا للخضوع ليسوع، إنما تقسّت قلوبهم واغتاظوا وحقدوا.

لقد فكّروا في صيتهم الذي كان لا بد أن يعرضوه للخطر إن اعترفوا بأن معمودية يوحنا كانت من الله. لأنهم لو اعترفوا بهذا الإعتراف لسألهم المسيح أمام كل الشعب “فلماذا لم تؤمنوا به” ثم أن الإعتراف بأن تعليماً ماهو من الله وعدم قبوله والترحيب به يعتبر أشر ما يمكن أن يتهم به المرء من سخافة وإثم. كثيرون ممن لا يصدهم الخوف من الخطيئة عن إهمال ما يعرفون بأنه حق وصالح يصدهم الخوف من الخزي والعار عن الإعتراف بأن ما يهملونه ويقاومونه حق وصالح. هكذا رفضوا مشورة الله بسبب عدم خضوعهم لمعمودية يوحنا وصاروا بلا عذر.

فكروا في سلامتهم لئلاّ يعرضوا أنفسهم لغضب الشعب إن قالوا إن معمودية يوحنا كانت من الناس. فرؤساء الكهنة والشيوخ كانوا يخافون عامة الشعب، الأمر الذي يدل على اضطراب الأمور بينهم، وعلى أن الحسد كان متبادلاً بينهم لدرجة شنيعة جداً، وعلى أن الأداة الحكومية تعرّضت لبغض واحتقار الشعب، وبذلك تمّ المكتوب “فأنا أيضاً صيّرتكم محتقرين ودنيئين عند كل الشعب” (ملاخي2: 8و9) فلو أنهم احتفظوا بنزاهتهم وتمموا واجباتهم لاحتفظوا بسلطانهم لما خافوا الشعب. إن الذين لا همَّ لهم إلاَّ أن يجعلوا الشعب يخاف منهم لا يمكن إلاَّ أن يخافوا الشعب.

هكذا اختفى وفد المجمع اليهودي وراء الحجة الكاذبة أنهم لا يعلمون من أين أتى يوحنا. وكان هذا فشلاً كبيراً لهم، لأن الشعب كان يراقب هذه المناقشة مبتسماً من التواء زعمائهم.

أوقع يسوع الوفد في نفس الفخ الذي أعدّوه له. وقد خبَّأ إعلان سلطانه وألوهيته لأنهم لم يؤمنوا به، ولأن ساعته لم تأتِ بعد، وفيها سيعلن مجده الكامل في جملة واحدة قاطعة أمام أعدائه.

الصلاة:أيها الآب السماوي، أنت الإله الحقيقي، اعطيت سلطانك لابنك ليخلصنا ويقدسنا. نسجد لك ولمسيحك، لأنك ممتلئ المحبة والحنان والرأفة والرحمة. نشكرك لأنك فديتنا من قيود خطايانا بدم المصلوب، وقدستنا بقوة الروح القدس. نلتمس منك تحرير الكفار الذين حولنا من عدم إيمانهم بوحدة الثالوث الأقدس، لكي يأتوا ويؤمنوا أنك أنت الآب القدير.

السؤال 191 : لِـمَ لم يعلن يسوع سلطانه لوفد المجمع اليهودي؟

يسوع يتكلَّم مع شيوخ الشعب بثلاثة أمثلة

( 21: 28 – 22: 14)

مَثَل الابنين المختلفَيْن

(21: 28-32)

21: 28 مَاذَا تَظُنُّونَ؟ كَانَ لإِنْسَانٍ ابْنَانِ، فَجَاءَ إِلَى الأَّوَلِ وَقَالَ: يَا ابْنِي، اذْهَبِ الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي. (29) فَأَجَابَ: مَا أُرِيدُ. وَلكِنَّهُ نَدِمَ أَخِيراً وَمَضَى. (30) وَجَاءَ إِلَى الثَّانِي وَقَالَ كَذلِكَ. فَأَجَابَ: هَا أَنَا يَا سَيِّدُ. وَلَمْ يَمْضِ. (31) فَأَيُّ الاثْنَيْنِ عَمِلَ إِرَادَةَ الأَبِ؟  قَالُوا لَهُ: الأَّوَلُ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الْعَشَّارِينَ وَالّزَوَانِيَ يَسْبِقُونَكُمْ إِلَى مَلَكُوتِ اللّهِ،   (32) لأَنَّ يُوحَنَّا جَاءَكُمْ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، وَأَمَّا الْعَشَّارُونَ وَالّزَوَانِي فَآمَنُوا بِهِ. وَأَنْتُمْ إِذْ رَأَيْتُمْ لَمْ تَنْدَمُوا أَخِيراً لِتُؤْمِنُوا بِهِ.          (متى7: 21، لو7: 29؛ 18: 9-14)

يحب الله جميع الناس، كما يحب الآب بنيه رغم كل اختلافاتهم، ولا يميز الآب السماوي بين الصالح والشرير، بين الغني والفقير، لأنه بموت ابنه يسوع اقتنى كل الناس الساقطين من سلطة الخطيئة ومنحهم الحق أن يكونوا أهلاً في ملكوت محبته. لقد تم الخلاص مجاناً ولنا امتياز عظيم فيه، يدعوك الله أن ترجع إليه وتؤمن بابنه المخلص، فماذا ستعمل؟ هل تقبل الخلاص في المسيح سطحياً أو شكلياً وتستمر في خطاياك وعصيانك كأنه لم يحدث شيء على الجلجثة؟ فتشبه الولد الثاني في المثل والذي قال: نعم، ولم يفعل.

كان القصد المبدئي من المثل أن يبين كيف أن “العشّارين والزواني” الذين لم يتكلموا قط عن المسيا وملكوته رحّبوا بتعليم يوحنا المعمدان سابق المسيا وخضعوا لقوانينه، في الوقت الذي ازدرى فيه الكهنة والشيوخ بيوحنا المعمدان وسلكوا عكس القصد من رسالته، مع أنهم كانوا ينتظرون المسيا وكان يبدو عليهم الإستعداد لقبول تعاليمه. لكن للمثل مدى أبعد. فإن عدم طاعة الأمم كانت وقتية وظلوا طويلاً ابناء المعصية كالإبن الأكبر (تي3: 3و4)، لكن عندما كرز لهم بالإنجيل أطاعوا الإيمان. أما اليهود الذين قالوا “هاأنا أذهب ياسيد” فكان مظهرهم طيباً (خر24: 7،           يش24: 24) ولكنهم لم يمضوا “فخادعوه بأفواههم وكذبوا عليه بألسنتهم” (مزمور78: 36).

هل تشبه الابن الأول الذي رفض نعمة الله وخدمته، لأنه كسول محب لهواه أكثر من العمل والكد في الحقل الإلهي. فلعله ندم لقساوة قلبه ضد دعوة محبة الله، ورجع إلى نفسه وتاب، وابتدأ بالخدمة العملية، شكراً لأبوَّة الله. أيهما أفضل، من قال نعم ولم ينفّذ، أو من قال لا ثم أطاع؟ ويل للمرائين الذين يقبلون المسيح ظاهراً ولا يحققون وصية محبته، بل يتكلمون كثيراً عن الواجبات والمحرّمات ولا يعملون ثمار التقوى. فالزناة واللصوص التائبين هم أفضل من الشخص المدّعي التقوى والصلاح، وهو في حقيقته متكبّر محتقر الخطاة. إن خطيئته أكبر من خطيئة المجرم السجين الذي يقرأ الكتاب المقدس وعيناه تذرفان الدّمع.

لم يرفض المسيح اليهود، في محبته، بل أعطاهم بمَثَله فرصة أخيرة للرجوع، ولم يكونوا قد حكموا عليه بالموت في المجمع بعد فدعاهم إلى تغيير الفكر والإيمان وقبول الخلاص. إن محبة المسيح لا تسقط أبداً، هي مقدّمة للأبرار والأشرار، ويا للعجب، الأتقياء لا يتوبون، اما الأشرار فيرجعون لربهم.

الصلاة:أيها الآب، أشكرك لأنك أبي وقبلتني ولداً لك. اغفر لي عصياني وكسلي وريائي، وحررني لخدمتك كي أعبدك بفرح، وأخدمك طيلة حياتي، ولا أتكلم عن الأتعاب بل أجتهد في سبيلك. وأضحي بأموالي وقوتي مع كل المضحين في ملكوتك تعبيراً وشكراً على محبّتك.

السؤال 192 : لماذا كان الولد الأول في مَثَل يسوع أفضل من أخيه؟

مَثَل الكرّامين الأردياء

(21: 33- 46)

21: 33 اِسْمَعُوا مَثَلاً آخَرَ: كَانَ إِنْسَانٌ رَبُّ بَيْتٍ غَرَسَ كَرْماً، وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ، وَحَفَرَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وَبَنَى بُرْجاً، وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ. (34) وَلَمَّا قَرُبَ وَقْتُ الأَثْمَارِ أَرْسَلَ عَبِيدَهُ إِلَى الْكَرَّامِينَ لِيَأْخُذَ أَثْمَارَهُ. (35) فَأَخَذَ الْكَرَّامُونَ عَبِيدَهُ وَجَلَدُوا بَعْضاً وَقَتَلُوا بَعْضاً وَرَجَمُوا بَعْضاً. (36) ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ أَكْثَرَ مِنَ الأَّوَلِينَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ كَذلِكَ. (37) فَأَخِيراً أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ قَائِلاً: يَهَابُونَ ابْنِي! (38) وَأَمَّا الْكَرَّامُونَ فَلَمَّا رَأَوْا الابْنَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: هذَا هُوَ الْوَارِثُ. هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ وَنَأْخُذْ مِيرَاثَهُ! (39) فَأَخَذُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ وَقَتَلُوهُ.   (40) فَمَتَى جَاءَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، مَاذَا يَفْعَلُ بِأُولَئِكَ الْكَرَّامِينَ؟ (41) قَالُوا لَهُ: أُولئِكَ الأَرْدِيَاءُ يُهْلِكُهُمْ هَلاكاً رَدِيّاً، وَيُسَلِّمُ الْكَرْمَ إِلَى كَرَّامِينَ آخَرِينَ يُعْطُونَهُ الأَثْمَارَ فِي أَوْقَاتِهَا.

(مر12: 1-12، لو20: 9-19، إش5: 1-2، متى26: 3-5، يو1: 11)

حذّر المسيح أعداءه بمثل غريب عن محبّة الله الفائقة لكل المقاييس البشرية، فلا يصبر صاحب الكرم على الأرض كما يصبر صاحب المثل وما نال ثماراً قط! كل إنسان عادي يرى نفسه مضطراً بعد قتل عبيده الأولين أن يدَّعي على القاتلين أمام المحكمة، التي تتخذ الإجراءات القانونية ضدهم.

لكن الله كان صبوراً على اليهود العنيدين طيلة ألف سنة! فندرك من هذا الصبر عظمة رحمته وطول أناته، لأنه أرسل أنبياءه ورسله باستمرار للمتمردين والطامعين. فكانوا يرفضونهم ويقتلونهم.

لقد أحاط الله شعبه بسور الشريعة الموسوية، واضعاً الهيكل والمذبح كمعصرة في وسطه، وأوقف الأنبياء حرَّاساً منبّهين ووعاظاً. لكن كل هذه الشعائر بقيت بلا فائدة، لأن قلوب الأفراد تقسّت ولم تتغير.

أخيراً أرسل الله ابنه، فالمسيح هو رسول الله الأخير وذروة المعلنين وخلاصتهم، لأن فيه أتى الله بذاته إلى الأرض ليربح الأشرار بواسطة جودته العظيمة. فالمسيح سمَّى نفسه بهذا المَثَل «ابن الله» وأبوه مالك الكل، فأعطى الوفد اليهودي جواباً على مصدر سلطانه بطريقة مستترة بواسطة المَثَل، وطلب مكرراً خضوعهم وكل الشعب لبنوّته وأبوّة الله.

احتفظ الله بطول أناته من نحوهم، فقد أرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين، رغم فشل الأولين، بل رغم الإساءة إليهم. أرسل إليهم يوحنا المعمدان فقطعوا رأسه. ومع ذلك أرسل إليهم تلاميذه لتمهيد الطريق أمامه. يالغنى إمهال الله وصبره وطول أناته في الإحتفاظ بالخدمة والخدام المحتقرين المضطهدين. رغم ذلك أصروا على شرهم “ففعلوا بهم كذلك“. إن الخطيئة تمهد الطريق لخطيئة أخرى من نوعها، والذين يسكرون بدماء القديسين يضيفون إلى عطشهم سكراً، ومع ذلك يصرخون هات هات. وأخيراً “أرسل إليه ابنه”، لقد رأينا صلاح الله في إرسال عبيده، وفسادهم في الإساءة إليهم، أما في إرسال إبنه فنرى صلاح الله يتزايد وفسادهم أيضاً يتزايد.

إن كل الكرامين، حسب المثل، مساقين بروح جهنّم إذ صمموا على قتل ابن الله. هذا هو مبدأ الشيطان: إبادة الله وأتباعه. فليس فيه رحمة ولا يثمر إلا بغضة ويأس وخبث.

ينبغي على محبة الله أن تبيد أخيراً هذا الروح ومن يسير وراءه لأن الله ليس بدون عدالة وحق، فلا يقدم لك الغفران باستمرار وبلا نهاية. أنت اليوم تعيش وغذا ستموت، فما هي الثمار التي ستلاقي بها ربّك؟ كل من يرفض ابن الله يختار الطريق السالك والمعبّد نحو جهنّم. لكن من يخضع له ويخدمه بكل إخلاص ومحبة يدخل إلى ملكوت الآب. فأي ثمار من حياتك تقدمها للمسيح كتعبير عن الشكر لخلاصه وصلبه؟

الصلاة :أيها الآب السماوي، نعظمك ونشكرك لأجل محبّتك وصبرك مع أولاد يعقوب. نأخذ منهم مثلا لرحمتك وطول اناتك لنا ونشكرك لرأفتك ونتعلّم في نفس الوقت من القصاص الصّارم على اليهود حسب عدالتك. فمن حكم دينونتك عليهم نـفهم ان صبرك ينفذ معنا إذا لم نتب ونقبل ابنك ونقدم ثمار حياتنا له. ارحمنا وحفزنا على استقبال يسوع بالهتاف والتهليل والإحترام وعلى عبادته مثلما نعبدك بفرح وسرور.

السؤال 193 : ماذا تعلّمت من مثل الكرامين الأرذياء؟

حجر العثرة

(21: 42-46)

21: 42 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الّزَاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا؟ (43) لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. (44) وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ (45) وَلَمَّا سَمِعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ أَمْثَالَهُ عَرَفُوا أَنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَيْهِمْ. (46) وَإِذْ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ خَافُوا مِنَ الْجُمُوعِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ.                                                      (أع4: 11، 1بط2: 4-8)

بعد المثل المتطرف عن الكرمة والكرّامين الأشرار عمَّق يسوع دعوته لتوبة الرؤساء بواسطة المثل عن حجر الزاوية المأخوذ من العهد القديم-فهذا الحجر كان له ثلاثة معان مختلفة: إنه الأساس الحامل، والزاوية الصلبة، والحجر الأخير في قمة القنطرة الماسك جميع الحجارة بوجوده. يحصل أحياناً أن نحَّاتي الحجارة يرفضون حجراً ضخماً مرة تلو المرة. ثم أخيراً يرون أن هذا الحجر المرفوض هو أصلح ما يمكن لوضعه حجراً في القمة، لكي يثبت كل الحجارة الأخرى بنوعيته الفريدة.

هكذا رفض شيوخ الشعب المسيح مرات متتالية. لكنه كان في الحقيقة أساس العهد الجديد وقوته والتاج في هيكل الله، الماسك كل الحجارة الحية بقدرته.

كل من يرفض أن يكون حجراً حيّاً في هيكل العهد الجديد، يصبح يسوع حجر عثرة له. كثيرون عثروا فيه وسقطوا عليه خلال التاريخ فانكسروا وتحطَّموا. وكل حضارة لا تقبل المسيح تنسحق به. يشبه يسوع أيضاً حجر الدينونة، الذي يسقط من سطح البيت حسب إرادة الله فجأة على المارين تحته بلا مبالاة.

أنبأ يسوع اليهود جهراً أن الله سيسحب منهم مواعيد ملكوته، ويعطيها للأمم غير المستحقة لتأتي هي بثمار الروح القدس. فلمَّا سمع زعماء الشعب هذا التهديد العلني من يسوع جُنُّوا وحاولوا القبض عليه. لكن الشعب أحاط به، لأنهم شعروا بقوة محبته، واستعدوا للتوبة والإيمان.

عرف رؤساء الكهنة والفريسيون أنه تكلّم عنهم، وأنهم قرروا مصيرهم بما سبق أن قالوه (41). فالضمير الأثيم لا يحتاج إلى إقامة الدليل على التهمة، وفي بعض الأحيان يوفر على الخادم مشقّة توجيه التّوبيخ إليه ليقول له “أنت هو الرجل”. يقول المثل اللاتيني “غيِّر الإسم فقط تجد أن الرواية تنطبق عليك”. إن “كلمة الله حيّة وفعالة وخارقة إلى مفرق النفس ومميزة أفكار القلب ونياته” (عب4: 12)، لدرجة أنه يسهل على الأشرار أن يدركوا أنها تتحدّث عنهم إن لم يكن الضمير قد مات نهائياً.

الصلاة:أيها الآب السماوي، اغفر لنا عصياننا وتمردنا المستمر لأننا ولدنا من جيل فاسد وشرير، ولم نقدم لك ثمار محبّتك الطّاهرة. اغلبنا وغيرنا لنبتعد عن البغضاء والحقد، ونمتلئ بروح محبّتك لنخدمك بفرح دائم، كي لا ننكسر برفض محبتك، ولا ننسحق بمفاجأة مجيئك.

السؤال 194 : ماذا تعلّمت من مثل حجر الزاوية؟

مَثَل وليمة العُرس

( 22: 1-14)

22: 1 وَجَعَلَ يَسُوعُ يُكَلِّمُهُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً: (2) يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً صَنَعَ عُرْساً لابْنِهِ، (3) وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُّوِينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. (4) فَأَرْسَلَ أَيْضاً عَبِيداً آخَرِينَ قَائِلاً: قُولُوا لِلْمَدْعُّوِينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ! (5) وَلكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ، (6) وَالْبَاقُونَ أَمْسَكُوا عَبِيدَهُ وَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. (7) فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ غَضِبَ، وَأَرْسَلَ جُنُودَهُ وَأَهْلَكَ أُولئِكَ الْقَاتِلِينَ وَأَحْرَقَ مَدِينَتَهُمْ. (8) ثُمَّ قَالَ لِعَبِيدِهِ: أَمَّا الْعُرْسُ فَمُسْتَعَدٌّ، وَأَمَّا الْمَدْعُّوُونَ فَلَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ. (9) فَاذْهَبُوا إِلَى مَفَارِقِ الطُّرُقِ، وَكُلُّ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ فَادْعُوهُ إِلَى الْعُرْسِ. (10) فَخَرَجَ أُولئِكَ الْعَبِيدُ إِلَى الطُّرُقِ، وَجَمَعُوا كُلَّ الَّذِينَ وَجَدُوهُمْ أَشْرَاراً وَصَالِحِينَ. فَامْتَلأَ الْعُرْسُ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ. (11) فَلَمَّا دَخَلَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ الْمُتَّكِئِينَ، رَأَى هُنَاكَ إِنْسَاناً لَمْ يَكُنْ لابِساً لِبَاسَ الْعُرْسِ. (12) فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبُ، كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟ فَسَكَتَ. (13) حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ، وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.    (14) لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ.

(لو14: 16-24، يو3: 29، متى21: 35؛ 24: 2، رؤ19: 8)

يعرف المسيح كيف يجيب على أفكار الناس لأنه يعرفها، إذ استمر في التحدث معهم بنفس المرمى، لأن هذا المثل يمثل غرض الإنجيل، ومقدار الترحيب الذي يقابل به، كالمثل السابق ولكن بتشبيه آخر. يمثل مثل الكرم خطيئة القادة الذين اضطهدوا الأنبياء، ويمثل أيضاً خطيئة الشعب الذين أهملوا الرسالة بصفة عامة في الوقت الذي كان عظماؤهم يضطهدون المرسلين.

أقام الله لابنه عُرساً عجيباً وفريداً في نوعه، هو عُرس روحي لا جسدي. وكل المدعوين هم العروس بنفس الوقت. فجميع الناس مدعوون ليتحدوا في الإيمان مع ابن الله، وهذا الاتحاد الإيماني يعني فرحاً وسروراً وابتهالاً وشكراً بدون نهاية. إن العهد الجديد كله يشبه عُرساً ممتلئ الأفراح، وليس جهاداً بالدموع وسفك الدماء. فالمسيح يدعونا لأسمى غبطة.

إن الذين يصنعون وليمة يدعون بعض الضيوف لينعموا معهم بها. وضيوف الله هم بنو البشر. “يارب ماهو الإنسان” حتى ينال هذا الشّرف الرّفيع. كان الضيوف الذين دعوا أولا هم اليهود. وحيثما كرز بالإنجيل وجهت هذه الدّعوة. اما خدام الله فهم “العبيد” الذين يرسلون ليدعوا  (أمثال9: 4و5).

ومن هذا المثل نرى أن الضيوف دعوا، بل أمروا بالدخول إلى العرس. كل الذين يصل إلى أسماعهم الصوت المفرح للإنجيل فإليهم توجه كلمة هذه الدّعوة. العبيد الذين يحملون الدّعوة لا يكتبون أسماء المدعويين في قائمة، فالمجال لا يسمح بهذا، لأنه لا يستثنى أحد من الدّعوة سوى الذين يستثنون أنفسهم. كل المدعويين إلى الغداء مدعوون إلى العرس، لأن كل الذين يشتركون في امتيازات الإنجيل يلازمون الرب يسوع كأصدقاء أوفياء للعريس وكخدّامه المتضعين. إنهم مدعوون للعرس، ليخرجوا للقاء العريس، لأن إرادة الآب أن يكرم الجميع الإبن (يو5: 23).

ذهب العبيد إلى الضيوف، ذهبوا إلى منازلهم لدعوتهم، لأن الإنجيل لا يقدم الدعوة مجرّدة بل توجه بقوتها المعنوية “نسعى كسفراء عن المسيح” (2كور5: 11و20). فانظر كيف أن قلب المسيح منشغل بسعادة النفوس المسكينة، إنه لا يكتفي بأن يعد لهم كل شيء ناظراً إلى حاجتهم، بل يرسل إليهم ناظراً إلى ضعفهم وإهمالهم.

عندما تباطأ المدعوون في المجيء أرسل عبيداً آخرين. لما لم يفلح معهم أنبياء العهد القديم، ولا يوحنا المعمدان، ولا المسيح نفسه الذي أخبرهم باقتراب ملكوت السموات، أرسل الرسل وخدام الإنجيل بعد قيامة المسيح لإخبارهم بأن ملكوت السموات قد أتى فعلاً، وأن كل شيء معد، ولإقناعهم بقبول الدّعوة.

إن كان سبب الدعوة يؤثر فينا فلنسمع الدعوة تنادي “غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء معد”. الآب مستعد أن يقبلنا، والإبن مستعد أن يتشفع من أجلنا، والروح مستعد أن يقدسنا. الغفران معد، والسّلام معد، والعزاء معد. المواعيد معدّة كينابيع مياه حيّة، والفرائض والطقوس معدة كأنابيب ذهبيةلحمل البركات، والملائكة مستعدّة لخدمتنا، والخليقة مستعدة لمحالفتنا، وأعمال العناية الإلهية مستعدة لكي تعمل معاً لخيرنا، وأخيراً السّماء مستعدّة لتقبلنا، فالملكوت معد “ومستعد أن يعلن في الزّمان الأخير” (1بط1: 5).

أرسل الله أنبياءه ورسله أولاً لليهود، وبعدئذ لكل العالم. ويركض سعاة الله كعبيد حسب إرادة ربهم. فخدمتهم ليست اضطرارية ولا حزينة بل طوعية وبفرح كبير. هم لا يتعبون بل يتعاونون، لأنهم لا يطلبون ما لأنفسهم، إنما طلبهم لتمجيد ربهم في كل حين.

رسالتهم هي: «كل شيء مُعَدّ لعُرس ابن الله». والغريب في هذا العُرس أن العريس هو ذبيحة العُرس بنفس الوقت، وهو مات ليبرر المدعوين. فقد جهَّز الله كل شيء لحفلة السماء. الخلاص تمَّ وهو حاضر لك ولكل الناس. ونؤكد لك باسم الله: تعال، كل شيء مُعَدّ.

هناك يبدأ الأمر الغريب الآخر، وهو أن أكثرية المدعوين لم يأتوا، واحتجّوا بألف سبب لكيلا يحضروا. كانت حججهم أكاذيب واهية، دلت على أنهم لم يريدوا أن يكونوا مع الله ولم يحبوه، إنما أحبوا أنفسهم، ورغبوا بالاستقلال عن محبته.

ليس سبب عدم إقبال الخطاة إلى المسيح وإلى الخلاص به أنهم لا يقدرون بل لأنهم لا يريدون    (يو5: 40). ومما يزيد في شقاء الخطاة أنهم كانت لهم الفرصة لينالوا السعادة بالمجيء إليه ولكنّهم رفضوها من تلقاء ذواتهم وبفعل أيديهم “كم مرّة أردت … ولم تريدوا“.

إن مشاغل العالم تعوق الكثيرين عن الإتصال بالمسيح، ولا يرفض أحد الوليمة إلا ملتمساً هذه المعاذير أو تلك. فأهل الريف لهم حقولهم ومزارعهم للإهتمام بها، وما أكثر المشاغل التي تستجد كل يوم. وأهل المدن يهتمون بحوانيتهم وبالبيع والشراء والتجارة. صحيح أن كلاً من الفلاحين والتجار ينبغي أن يكونوا مجدين مجتهدين في عملهم، ولكن هذا ينبغي أن لا يكون إلى الحد الذي يعوقهم عن أن يجعلوا النّاحية الروحية اهتمامهم الرئيسي.

عندئذ غضب القدوس، إذ أن محبّته عادلة. فمن يرفض نعمته يبتعد عن نوره. وهذا هو غضب الله، تركه الكفار ليهلكوا أنفسهم بأنفسهم. أتعرف غضب الله؟ افتح الجرائد واقرأ فيها بأعين روحية، فتصير حكيماً مبصراً غضب الله.

بعد رَفْض المدعوين ابتدأت المفاجأة الكبرى، لأن الله يدعو الدنسين والغرباء والأشرار والمرضى إلى رحابه. خاصته لم تقبل دعوته، فدعا جميع المساكين إلى عُرس ابنه. وأنت أيضاً مدعو من الله العظيم شخصياً. فهل تأتي؟

زيادة على هذا يهب الله لكل من يقبل دعوته لباس البر المجَّاني. فهل لبست ثوب نعمة الله، وتزينت بجواهر الروح القدس؟بدون هذه التغطية المزيلة لشرِّك لا تستحق المكوث في عرس الله. من يظن أنه يتقدم إلى الله بدون لباس بر المسيح سيُطرد إلى الفزع اللانهائي.إن جهنّم لا تعذب باللهيب والعطش فقط، بل كذلك بالرعب والتقزز من الفزع والرهبة، والأشباح المخيفة في الظلمة الدّامسة.

دعا المسيح الجميع لعُرسه، ولكن قليلون أتوا. أما الآتون فهم مختارو الله. فهل أنت منهم وتلبس لباس بره الأبيض؟

الصلاة:نشكرك أيها الآب، لأنك دعوتنا ونحن أشرار، لنشترك في عرس إبنك. لا نستحق هذا الشرف، لكن دم يسوع المسيح يطهرنا من كل إثم وروحك القدوس يزيننا بالمحبّة والفرح والسلام، لكي نعيش معك ونسبحك مع كل المطهرين في العالم. فساعدنا لنتصل بالمساكين المنعزلين والمتشائمين اليائسين لندعوهم إلى عرسك، فتمتلئ سماؤك بهجة وسروراً.

السؤال 195 : ماهي الغرائب السّبعة التي تكتشفها في عرس ابن الله؟

ما لقيصر وما لله

( 22: 15-22)

22: 15 حِينَئِذٍ ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. (16) فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلامِيذَهُمْ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللّهِ بِالْحَقِّ، وَلا تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لا تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ. (17) فَقُلْ لَنَا مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لا؟ (18) فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟ (19) أَرُونِي مُعَامَلَةَ الْجِزْيَةِ فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً. (20) فَقَالَ لَهُمْ: لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟  (21) قَالُوا لَهُ: لِقَيْصَرَ فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ (22) فَلَمَّا سَمِعُوا تَعَجَّبُوا وَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا.

(مر12: 13-17، لو20: 20-26، يو3: 2، رو13: 1و7)

كان من ضمن آلام المسيح العنيفة أنه “احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه” (عب12: 3) وأقيمت له الفخاخ ممن أرادوا أن يصطادوه بأية طريقة. وفي هذه الأعداد نرى الفريسيين والهيرودسيين يهاجمونه بسؤال عن دفع الجزية لقيصر.

كره اليهود الرومان لأنهم وضعوا عليهم جزية، ولم يتركوا لهم الحرية الكاملة لممارسة أحكامهم وطقوسهم، فاعتبروا سلطة القيصر كفراً ومضادة لسلطة ربهم.

أعدَّ أعداء المسيح سؤالاً ماكراً يوقع المسيح بورطة، إما مع الرومان أو مع الشعب. وجاء مع الفقهاء جنود الملك هيرودس ليمسكوه فوراً فيما لوا تفوَّه بكلمة ضد السلطة.

فلو وافق المسيح على دفع الجزية لرفضه الشّعب، وإن قال بعبادة الله وحده دون دفع الجزية، لتعرّض للقبض من قبل الجند الروماني.

كان قصدهم أن “يصطادوه بكلمة” لقد رأوه حراً وجريئاً في التعبير عن آرائه، ولذلك تعشّموا أن يجدوا فرصة ضده إذا ما أحرجوه للكلام في نقطة حساسة. من عادة أعوان الشيطان منذ القديم أن يعثروا الإنسان في الكلام، في كلمة قيلت في غير مكانها، في كلمة محرّفة، أو أسيء فهمها، في كلمة حولت إلى قصد آخر، ولو كان القصد منها بريئاً أصلاً. وبذلك بينوا أن أعظم معلمي إسرائيل صاروا أعظم مكدريه. وهكذا نرى أن “الشرير يتفكّر ضد الصديق” (مز37: 12و13).

كانت هنالك طريقتان أمام أعداء المسيح للإنتقام منه والتّخلص منه، إما بالشرائع أو بالقوة. أما الأولى فقد فشلوا  فيها إلا إذا أثبتوا عليه أنه مناوئ للأحكام المدنية، لأنه كان لا يجوز لهم أن يقتلوا أحداً (يو18: 32). ولم تكن السلطات الرومانية تميل إلى التدخل في المسائل المتعلقة بالكلمات والأسماء والشريعة. وإما بالقوة، فلم يكن ذلك ممكنا لهم أيضاً إلا إذا جعلوه مكروهاً لدى الشعب الذين كانوا هم الوسيلة التي يستخدمونها دواماً في أعمال العنف. ولكن المسيح كان عند الشعب كنبي، ولذلك فلم يكن ممكناً لأعدائه أن يهيجوا عامة الشعب ضده.

لقد اضطرهم، قبل أن يشعروا، للإعتراف بسلطة قيصر عليهم. أثناء التصرف مع المكابرين يحسن تقديم براهيننا إليهم قبل تقديم الحقائق التي اعتزمنا تقديمها إليهم. هكذا تخرس أدلة الحق المكابرين إذ يقفون محترسين من الحق نفسه لا من أدلّته. طلب منهم المسيح أن يقدموا له معالمة الجزية، إذ لم يكن معه أي نقود لإقناعهم بها، لم تكن معه قطعة واحدة من المعاملة، لأنه من أجلنا أخلى نفسه، ومن أجلنا افتقر. لقد احتقر ثروة هذا العالم. وبذلك علّمنا أن لا نبالغ في تقدير قيمتها. لم تكن لف فضّة ولا ذهب، فلماذا إذاً نحاول أن نثقل أنفسنا بعبئها الثقيل.

أما هم فإنهم في الحال قدّموا له ديناراً رومانيا من فضّة، كان يحمل صورة وإسم الإمبراطور لكي يصبح معتمداً للتعامل بين الشعب. وهذه طريقة متفق عليها بين أغلب الشعوب لاعتماد عملتهم. أما سك العملة فإنه يعتبر دواماً من امتياز الملوك وسلطتهم. وأما قبول التداول بالعملة فهو اعتراف صريح بتلك السلطات واعتراف بقبول الخضوع لها.

أجاب المسيح المرائين على سؤالهم المجرب بكلمات مبنية على حكمة فائقة، وبسلطان الحق القاطع. فانتصر حق الله على مكيدة إبليس أبي الكذَّابين. وبّخ المسيح بكلماته الرياء الخبيث وطعن في التواء الفريسيين، لم يرفض يسوع دفع الجزية بل قدَّمها، لأن المال الظالم آت من سكة الدولة ويخصّها. فلا يقدر إنسان أن ينكر شراء الدولة المعادن الثمينة لصك النقود. فإذا طلبت الدولة جزءاً من حقها، علينا ألاَّ نضنّ به، بل نسلّم ما لا يخصّنا بكل طيبة خاطر. يطلب منك المسيح ألا تتمسك بالنقود والكنوز الدنيوية والمواد الميتة، بل سلّمها بفرح.

أصاب المسيح المرائين في الصميم، فأوقف محبي المال والسلطة في حضرة الله قائلاً: «أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر وما لله لله». فكل شيء لله، حتى قيصر نفسه لأن الله خلقنا. فأعيننا وأيدينا وأفواهنا وقلوبنا كلها تخص الله، وليست ملكاً لنا. إن نقودك ووقتك وعضلاتك كلها لربك، ووالدك وجيرانك وعملك وشعبك وزعماؤك كلهم هبة من الله، فأرْجِعْ الكل إلى مصدره. توبوا وأدركوا أنه ليس المال والسياسة هما شعار الحياة الأبدية، بل الإيمان بالله وابنه. أنت خاصة الله، فمتى تعيش حسب هذا المبدأ؟

سلِّم حياتك بشكل نهائي بين يدي مخلِّصك، ولا تنس وضع محفظة نقودك قدام عرشه الكريم.

إنما نحن ما زلنا نحيا على الأرض لا في السماء، فيحدث أن بعض الدول تطلب من المؤمنين خضوعاً في أمور تخصّ الله ولا تخص البشر. ينبغي في هذه الحالات أن نطيع الله أكثر من الناس، لأن الحق الذي علينا للناس والدولة صغير بالنسبة لما لعظمة الله من علو على كل مخلوقاته. فطاعة الله تتقدم على خدمتنا للدولة، فلا طاعة للمخلوق في معصيّة الخالق. لنخدم الدولة بإخلاص بما لا يتعارض مع قداسة الله وإنجيل سلامه.

عندما نعطي ما لقيصر لقيصر ينبغي أن يكون هذا مذكراً إيانا بإعطاء ما لله لله. إن كانت أموالنا لقيصر فضمائرنا لله. لقد قال “يا بني أعطني قلبك”. فينبغي أن يكون له أعمقه وأسماه. ينبغي أن نعطي لله حقوقه من أوقاتنا وممتلكاتنا. ينبغي أن يكون له نصيبه فيها كما أن لقيصر نصيبه. وإن تعارضت أوامر قيصر مع أوامر الله “فيجب أن يطاع الله أكثر من الناس“.

الصلاة:أيها الآب السماوي نحن نخصّك. والفرق بينك وبين سادتنا الدنيويين كبير بمقدار ما بين السماء والأرض. ساعدنا لنخدم دولتنا ولا نبالغ بأمور دنيانا، بل نعيش أمامك مستودعينك مشاكلنا ليتمجد اسمك بسلوكنا الحكيم.

السؤال 196: ما الذي يخصّ الدولة، وما الذي يخصّ الله؟

في القيامة لا يتزوَّجون

( 22: 23-33)

22: 23 فِي ذلِكَ الْيَوْمِ جَاءَ إِلَيْهِ صَدُّوقِيُّونَ، الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَةٌ، فَسَأَلُوهُ: (24) يَا مُعَلِّمُ، قَالَ مُوسَى: إِنْ مَاتَ أَحَدٌ وَلَيْسَ لَهُ أَوْلادٌ يَتَزَّوَجْ أَخُوهُ بِامْرَأَتِهِ وَيُقِمْ نَسْلاً لأَخِيهِ. (25) فَكَانَ عِنْدَنَا سَبْعَةُ إِخْوَةٍ، وَتَزَّوَجَ الأَّوَلُ وَمَاتَ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسْلٌ تَرَكَ امْرَأَتَهُ لأَخِيهِ. (26) وَكَذلِكَ الثَّانِي وَالثَّالِثُ إِلَى السَّبْعَةِ. (27) وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ أَيْضاً. (28) فَفِي الْقِيَامَةِ لِمَنْ مِنَ السَّبْعَةِ تَكُونُ زَوْجَةً؟ فَإِنَّهَا كَانَتْ لِلْجَمِيعِ!  (29) فَأَجَابَ يَسُوعُ: تَضِلُّونَ إِذْ لا تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلا قُّوَةَ اللّهِ. (30) لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لا يُزَّوِجُونَ وَلا يَتَزَّوَجُونَ، بَلْ يَكُونُونَ كَمَلائِكَةِ اللّهِ فِي السَّمَاءِ. (31) وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ، أَفَمَا قَرَأْتُمْ مَا قِيلَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ اللّهِ: (32) أَنَا إِلهُ إِبْراهِيمَ وَإِلهُ إِسْحاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ. لَيْسَ اللّهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ (33) فَلَمَّا سَمِعَ الْجُمُوعُ بُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ.

(مر12: 18-27، لو20: 27-40، أعمال4: 2؛ 23: 6و8)

نرى هنا مناقشة المسيح مع الصدوقيين عن القيامة. وقد كانت في نفس اليوم الذي هوجم من الفريسيين بصدد دفع الجزية. كان الشيطان وقتئذ منشغلاً أكثر من أي وقت آخر لازعاج المسيح وتعطيله، كانت تلك ساعة التّجربة (رؤ3: 10) ولا زال الحق الذي في المسيح يقاوم بهذه الطريقة أو تلك.

في زمننا، كما في زمن المسيح، يوجد فريقان متطرفان، أحدهما يؤمن بالرؤى وظهور الملائكة وقوى الأرواح وتأثير الغيب في الدنيا، بينما الآخرون ينكرون الحياة بعد الموت والآخرة كلها، لأنهم لا يقدرون أن يتصوّروها بعقولهم المحدودة، فيظنون أن ما يلمسونه ويدركونه هو الموجود فقط. وكان الصدوقيون من هذه الفئة. لم يريدوا القضاء على المسيح بصورة عنيفة، لأنهم مفكرون، بل أرادوا الاستهزاء به ليُضحِكوا الجميع عليه وليُسقِطوه من تقدير المثقَّفين. لهذا ألَّفوا رواية منطقية غير واقعية، غايتها البرهان على أنه لا حياة بعد الموت. فلو وافق يسوع على إمكانية حدوث هذه الرواية، لسقط في نظر كل المثقَّفين، ولو نفاها لحرَّض الفريسيون الأصوليون كل المؤمنين ضده بسبب الآخرة.

كانت للفريسيين الذين يعتقدون في القيامة آراء خاطئة جسدية عنها وعن الحياة الأخرى، إذ كانوا يتوقعون أن يروا هناك الملذات الجسدية الشهوانية، ولعل هذا هو ما دفع الصدوقيين إلى إنكار القيامة نفسها. لأنه لا يبعث المجال للكفر والإلحاد أكثر من الحياة الشهوانية، التي ينغمس فيها المتظاهرون بالتدين، الذين يتخذون من تدينهم فرصة لاشباع شهواتهم أو مصالحهم العالمية. وهنا نرى الصدوقيين باعتراضهم على القيامة يتحدون مع الفريسيين.

وصف المسيح مخترعي هذه القصة بالجهل، الذي هو اعتدادهم بذكائهم، قائلاً: «تضلّون إذ لا تعرفون الكتب المقدسة ولا قوة الله العظيمة». بهذه الكلمات دان منطقهم وكسر كبرياءهم وبرهن لهم أن عقلهم البشري المتفلسف لا يستطيع أن يستقصي الكتاب المقدس، الذي وحده يعلن قوة الله وأسراره. فمن يؤمن يستطيع أن يدرك أسرار الكلمة الموحاة لنا مستخرجاً منها قوة سماوية. أما من يجعل عقله مقياساً ومعلماً فوق الأسفار الإلهية يخدع نفسه. فاقرأ الإنجيل مصلياً لتنال قوة وتعزية أبدية.

قال المسيح إن قيامة الأموات لا تعيد المؤمنين كما كانوا، بل تنقلنا إلى درجة أعلى، إلى العالم الروحي، حيث تنتهي شهوات الجسد وتزول التخيّلات، فيصبح الإنسان محبة طاهرة مع سرور وسلام، أو يصبح بغضة كاملة مع اضطراب وفزع مستمر. فمن يؤمن بالمسيح الحي يصبح مجيداً حياً يشبه الملائكة طاهر القلب وحسن النوايا.

يشبه المؤمنون بالمسيح الملائكة لأنهم لن يبعثوا يأجسادهم الدنيوية بل الروحية، فلا يتزوجون في الآخرة ولا يشتاقون إلى الملذات الزائلة بل يحيوا  بالروح والحق والقداسة. وكل من يتخيّل ويتمنّى وجود علاقات جنسية في الجنة، يكون على خطأ ولا يعرف الكتب السّماوية الحقّة، ولم يختبر بعد قوة الله المجددة.

كل الذين يؤمنون بالمسيح إيماناً حقاً يتحدون معه بقوة حياته، فيصيرون أبناء الله الأحباء، ويعرفون أباهم السماوي بطريقة أفضل مما أُعلِنَت في العهد القديم-وهذا هو امتياز عهد النعمة. إن الله يتبنى كل الذين قَبِلوا المسيح، ويعطيهم حياة أبدية، فلا يأتون إلى دينونة، بل قد انتقلوا من الموت إلى الحياة.

علَّمنا يسوع أن إبراهيم وإسحق ويعقوب ليسوا أمواتاً بل أحياء، لأنهم فتحوا قلوبهم لصوت الروح القدس وآمنوا بالمسيح الآتي. فمن يلتفت إلى يسوع يحيا. وقوة الله تغلب في المؤمنين التجربة نحو الخطيئة وبذرة الموت، حتى تبتدئ القيامة في ايامنا. ليس الإيمان بالمسيح دين التشاؤم والموت، بل دين الحياة والفرح والرجاء. وحيث تحل فينا الحياة الموهوبة لنا بواسطة الروح القدس، لا نأمل من الفردوس بشهوات ولذائذ، بل شركة مع الله القدوس الممتلئ بالمسرة.

الصلاة:أيها الآب السماوي، نعظّمك ونتهلل بفرح عظيم لأنك أقمتنا من بين الأموات وأشركتنا بحياتك في المسيح. لسنا أمواتاً بالذنوب والخطايا، فقد خلَصْتنا بالإيمان بابنك. املأنا بروحك الطاهر. أقم أصدقاءنا وأقرباءنا من موتهم الروحي، ليشتاقوا إلى الطهارة ويتّحدوا بحياة المسيح ومسرته.

السؤال 197 : كيف برهن يسوع للصدوقيين حقيقة الأحياء عند الله؟

الوصية العُظمى

( 22: 34-40)

22: 34 أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعاً، (35) وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ نَامُوسِيٌّ، لِيُجَرِّبَهُ: (36) يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟  (37) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. (38) هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. (39) وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. (40) بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ.  (مر12: 28-31، لو10: 25-28، رو13: 9و10)

انفصل اليهود عن محور إيمانهم وغرقوا في تكثير وتفريع الشرائع، ظانين أنهم يرضون الله بحفظ الأحكام المتفرعة، فأصبحت تقواهم شكلية معقّدة. لم يميزوا جوهر الشريعة فيما بعد بسبب أحكامهم الخاصة، فابتعدوا عن لب الدين أكثر من الأمم. فمن دلائل الروح الفريسية والحسد الفريسي أن نغتاظ من الدّفاع عن الحق إذا ما تمّ على أيدي من لا نحبّهم، وأن نضحّي بالمصلحة العامة في سبيل المنافع الشّخصية.

ما هو جوهر الناموس؟ إنه الله بالذات القدوس الممتلئ بالمحبة، فمحبته القدوسة الكاملة هي لُب الشريعة وجوهرها وهي مقياسنا. والرب أوحى لموسى الآية السماوية، وتكونون قديسين لأني أنا قدوس. ويسوع فسّر لنا معنى هذه الآية بروح العهد الجديد قائلاً :كونوا كاملين كما أن أباكم في السماء هو كامل. من يتأمل في هاتين الوصيتين يرتعب ويدرك أن محبّته لله وللناس ضعيفة جداً، لأننا لا نحب الرب من كل القلب ومن كل النفس ومن كل الفكر ولا نحب أخانا الإنسان محبة حقة. ولا نبلغ كمال الله في رحمته ورأفته بطاقتنا البشرية لأنه ليس خليقة كاملة مثل خالقها.

 إن المسيح وحده أتم هذه الوصية، لأنه الإبن الفريد لأبيه العظيم، فكل حياته كانت تعبيراً وتفسيراً قاطعاً لوصية الكمال في المحبة والقداسة. وبكلمته وموته وقيامته أبرز المحبة لله والناس، لأنه أحبه من كل قلبه ومن كل نفسه ومن كل فكره ومن كل قوته وأحبنا ونحن الخطاة مثله، لذلك أوجد الفداء لنستحق لقب “اولاد الله بالتبني” رغم أن محبتنا ضئيلة. لكن منحنا القوة الإلهية بخلاصه لنحب أيضاً كما يحبنا، فحيث يحل الروح القدس فينا يرشدنا إلى محبة الله، ليس بكلام أو من خلال العواطف فحسب، بل بأعمال وخدمات وتضحيات أيضاً. إن الروح القدس هو حصتنا في كمال الله، يؤهلنا لمحبة مخلصه، وكما قال الرسول بولس “محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا” فهذا الجوهر الإلهي يغيرنا من انانيين إلى محبين. ومن يحب الله من كل قلبه ومن كل نفسه ومن كل فكره يحب الناس أيضاً، لأنهم حاملو صورته في هيئتهم، وإن ادعينا محبتنا لله، ولم نحب الآخرين كلهم، نكون من الكاذبين.

سأل السائل المسيح عن أعظم الوصايا. ليست هي الوصايا المتعلقة بالقضاء والتشريع، فهذه لم يكن ممكناً أن تكون هي الأعظم وقتئذ، إذ أن اليهود كانوا قليلي العدد. وليست هي الوصايا الطقسية، فهذه كانت قد عتقت وشاخت وأصبحت قريبة من الإضمحلال والزّوال وليست هي أية وصية أدبية خاصة. بل هي محبّة الله والقريب، التي هي أصل ومصدر لسائر الوصايا التي لا بد أن تتبع إن اتبعت هذه الوصيّة.

إن كل الشريعة تكمل بكلمة واحدة وهي “المحبّة” (رو13: 10). كل طاعة تبدأ بالمحبّة، ولا يمكن أن يتم أي عمل بطريقة مقبولة إن لم يكن الباعث له المحبّة. المحبّة هي الصّفة الأساسية التي تؤسس عليها كل الصفات الأخرى. ولذلك ينبغي الحصول عليها أولاً. لقد خلق الإنسان للمحبّة. المحبّة هي راحة النّفس وشبعها، فإن سلكنا في الطريق المستقيم وجدنا راحة لنا ولأنفسنا.

ليس في الله بغضة ولا انتقام. إنه ممتلئ بالمحبة العادلة. هكذا بذل ابنه عوضاً عن المذنبين ليخلّصهم. فلنحب نحن الخاطئ أيضاً. وأما الخطيئة فيهم فلنرفضها. يدعوك المسيح إلى الشركة مع أبيه السماوي لتتقوى وتمتلئ بمحبته، فقوته تنعش قوتك ومحبته تقدّس حُبَّك. ومعرفته تملأ قلبك سروراً. لتصبح حياتك شكراً لله.

هل تحب الله؟ فاحمده وعظمه واخدمه وانشر محبته في محيطك عملياً وباستمرار، واطلب من ربك العزم والبصيرة والحكمة لممارسة محبته. إن تعمَّقت في وصية المحبة لله والناس، سترى أن إلهنا ينتظر منك تسليم قلبك وعقلك وجسمك له، فلا يبقى مكان للأنانية وحب الذات، لأنك التصقْتَ بالله تماماً.

إننا ينبغي أن نحبّه محبّة كاملة “من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك”. يظن البعض أن هذه كلها بمعنى واحد أي أن نحب الله من كل قوانا. ويظن الآخرون انها تختلف عن بعضها، فالقلب والنفس والفكر هي الإرادة والعواطف والذهن، أو القوى الحيوية والحساسة والعاقلة. إن محبتنا لله ينبغي أن تكون خالصة لا بالكلام واللسان فقط كمحبّة الذين يدعون محبته ولكن قلوبهم ليست معه. ثم ينبغي أن تكون قوية، أن نحبه إلى أقصى درجات الحب، وأن نباركه بكل ما في باطننا (مز103: 1). فليساعدنا الرب حتى يكون القلب متحداً بمحبة الله دون أن يكون قلباً منقسماً. إن محبتنا قليلة لنهبها له، ولذلك وجب أن تنشغل كل قوى النفس بحبه.

ولمَّا كان كل إنسان أنانياً متكبراً من صغره، يطلب الرب منك التغيّر، فتصبح محباً للآخرين. ولا يبقى شيء من المحبة لنفسك، بل تتحوَّل إلى تضحية كما بذل المسيح نفسه فدية عن كثيرين.

الصلاة:أيها الآب القدوس، نحبك لأنك أنت المحبة العظيمة. خلقتنا وتطهّرنا وتقدّسنا وتحفظنا إلى الآبد. نشكرك لذبيحة ابنك الذي مات لنعيش نحن. نحبك ونسلِّم أنفسنا لخدمتك. استخدم حياتنا لحمد نعمتك المجيدة، ليعمّ لطفك ورحمتك في بيوتنا ومدارسنا، وفي كل نواحي الحياة. ساعدنا حتى لا نحب بالكلام بل بالعمل والحق.

السؤال 198 : كيف نستطيع أن نحب الله والناس محبة حقة؟

المسيح هو الرب

( 22: 41-46)

22: 41 وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ: (42) مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟  قَالُوا لَهُ: ابْنُ دَاوُدَ (43) قَالَ لَهُمْ: فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: (44) قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ (45) فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً، فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟ (46) فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً.  (مر12: 35-37، لو20: 41-44، إش11: 1، يو7: 42، متى26: 64)

ندعو الله يا رب، وحسناً نفعل، لأن الله خلقنا وهو مالكنا وقاضينا. ففي يده كل سلطان في السماء وعلى الأرض، وله كل المجد والجلال، والملائكة تخدمه، والكروبيم ينادي ليلاً ونهاراً: «قدوس قدوس قدوس الرب الإله القدير».

ورد إسم “الرب” حوالي 6828 مرة في العهد القديم. اما عبارة “الله” فقد وردت 2600 مرة فقط في العهد القديم، وهو يرينا مدى اهمية لقب “الرب” في التوراة.

كان ينبغي على البشر أن يخافوا عندما سمع الرُعاة إعلان الملاك فوق حقول بيت لحم أن الرب قد حضر، فقد بشَّرهم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه وُلد لهم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب. فهذه التسمية تعني أن الرب الإله تجسَّد في يسوع، فالخالق تواضع في صورة عبد. وباتضاعه صار مجرّباً في كل شيء مثلنا، لكن بلا خطيئة.

أية محبة أظهرها الله لنا في اقترابه إلينا بيسوع شخصياً! كل قُوى السموات حلَّت في طفل المذود. فشعر الرسل وأدركوا السر العظيم، فلم يسموا المسيح فيما بعد بالمعلم أو السيد، بل لقبوه بالرب وما تحمله هذه الكلمة من معنى. نقرأ في العهد الجديد اسم «الرب» 216 مرة، فانتبه عندما تقرأ إسم الرب مكتوباً  في الإنجيل عن يسوع. هذا يعني أنه قد حلّت فيه كل صفات وقوى الله. ولهذا تعترف الكنيسة منذ بدايتها “ربنا يسوع المسيح” كخلاصة لعقيدتها، فيسوع المسيح هو الرب. وهذا الإعتراف ينسجم مع نبوءتين وردتا في العهد القديم، ان الطفل المولود من احشاء ملك داود سيكون في نفس الوقت ابناً لله (2صموئيل 7: 13-14). وأن الرب قال لربه “اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مز110: 1).

ماذا تظنون في المسيح” لقد قدموا إليه السؤال بعد الآخر خارجاً عن الشريعة، أما هو فيقدّم إليهم سؤالاً عن الوعد. يمتلئ الكثيرون بالشريعة إلى درجة ينسون فيها المسيح كأن أعمالهم تخلصهم بدون استحقاق ونعمة المسيح. حري بكل منا أن يسأل نفسه هذا السؤال الخطير: “ماذا تظن في المسيح؟” البعض لا يفكرون فيه على الإطلاق، لا يخطر لهم على بال. والبعض يفكرون فيه تفكيراً وضيعاً بل تفكيراً شنيعاً. وأما للمؤمنين فهو كريم ونفيس، وما أكرم تفكيرهم فيه    (مز139: 17).

استخدم الرب يسوع المسيح هاتين النبوءتين ليرشد المتدينين في شعبه إلى الإعتراف بأن المسيح هو ابن الله والرب بالذات. غير أن الأصوليين لم يريدوا أن يعترفوا بهذه الحقيقة، وإلا فكان عليهم الإعتراف أن الله ظهر كشخصين في وحدة جامعة، ففضلوا أن يعلنوا الحجة الماكرة مدعين أنهم لم يعرفوا معنى وتفسير هاتين النبوءتين، ومضوا مغلوبين ممتلئين حقداً وكراهية. هذه الحقيقة الإلهية تتم في المسيح اليوم. هو جالس عن يمين أبيه السماوي (رؤ3: 21) ، مالكاً معه كل العالمين في انسجام المحبة والوحدة الكاملة. إن هذا السر عظيم لا يدركه عقل الإنسان تلقائياً، لأن ليس أحد يستطيع أن يسمّي المسيح رباً إلا بالروح القدس (1 كورنثوس 12: 3). ففي شركة الروح نشعر بمحبة الله المتأنسة في الرب يسوع المسيح، ونشترك في حياته بحياة ربنا بهبة الإيمان المعطَى لنا.

لم يستطع اليهود إدراك الكيان الرباني ليسوع، لأنهم قفلوا قلوبهم لمحبته، فكان ينبغي ليسوع أن يعلن لهم أن الله سيضعهم – وهم أعداء المسيح – موطئاً لقدميه، لأن كل إنسان وشعب لا يجثو للرب يسوع يهلك. ويدفعنا إدراك هذا الوحي الإلهي للتبشير، لأننا لا نحب أنفسنا وخلاصنا فحسب، بل ننسجم مع محبة الله، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يُقبلون.

الصلاة:نسجد لك ايها الآب والإبن والروح القدس، لأنك حي في وحدة محبتك الكاملة. أنت واحد في الثالوث القدوس، الذي يرشدنا ويساعدنا لنسمي يسوع المسيح رباً. نعظمك لأنك فديتنا على الصليب، وملأتنا بروحك لنشترك  في بناء ملكوتك على الأرض. هكذا نسبحك مع كل الساجدين في الدنيا والآخرة، ونسمي يسوع الرب لتمجيد اسمك الأبوي, آمين.

السؤال 199: كيف استطاع داود القول عن الربين؟

ثانيا: الويلات ضد الأتقياء المستكبرين

(المجموعة الخامسة لكلمات يسوع)

(23: 1-39)

احذروا من الفريسيين والكتبة

( 23: 1-36)

23: 1 حِينَئِذٍ خَاطَبَ يَسُوعُ الْجُمُوعَ وَتَلامِيذَهُ (2) قَائِلاً: عَلَى كُرْسِيِّ مُوسَى جَلَسَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ، (3) فَكُلُّ مَا قَالُوا لَكُمْ أَنْ تَحْفَظُوهُ فَاحْفَظُوهُ وَافْعَلُوهُ، وَلكِنْ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ لا تَعْمَلُوا، لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ وَلا يَفْعَلُونَ. (4) فَإِنَّهُمْ يَحْزِمُونَ أَحْمَالاً ثَقِيلَةً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَيَضَعُونَهَا عَلَى أَكْتَافِ النَّاسِ، وَهُمْ لا يُرِيدُونَ أَنْ يُحَرِّكُوهَا بِإِصْبِعِهِمْ، (5) وَكُلَّ أَعْمَالِهِمْ يَعْمَلُونَهَا لِكَيْ تَنْظُرَهُمُ النَّاسُ، فَيُعَرِّضُونَ عَصَائِبَهُمْ وَيُعَظِّمُونَ أَهْدَابَ ثِيَابِهِمْ، (6) وَيُحِبُّونَ الْمُتَّكَأَ الأَّوَلَ فِي الْوَلائِمِ، وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ، (7) وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَدْعُوَهُمُ النَّاسُ: سَيِّدِي سَيِّدِي!                                 (مل2: 7و8، رو2: 21-23، متى11: 28-30،

                                      أع15: 10و28، عدد15: 38-39، متى6: 1، لو14: 7)

شهد يسوع للفريسيين أنهم حصلوا وقاموا بوظيفة التعليم في العهد القديم كخلفاء موسى، فاعتبر الرب هذه الوظيفة مهمة، ونبَّه تلاميذه أن يتعمَّقوا في دراسة التوراة والأنبياء، ويقبلوا التفسيرات الدقيقة من الكتبة.

جلس هؤلاء على كرسي موسى، لا كما كان هو وسيطا بين الله وإسرائيل، بل كما كان رئيساً للقضاة (خر18: 26). ويمكن تطبيقها لا على مجلس السنهدريم بل على الكتبة والفريسيين الآخرين الذين فسروا الشريعة وعلّموا الشعب كيف يطبقونها على الحالات الخاصة.

إن “منبر الخشب” الذي عمل لعزرا “الكاتب بالشريعة” (نحميا8: 2و4) هو ما سمي هنا بكرسي موسى، لأن موسى “له في كل مدينة من يكرز به” فوق هذه المنابر (أعمال15: 21).

إنما الأهم من المعرفة هو تطبيقها. فمن السهل أن يعلّم أو يفسّر أحدٌ الشريعة، لكن إتمامها صعب. ويل للذي يفرض على الآخرين واجبات ثقيلة لا يريد هو نفسه أن يعمل بها.فمن يتكلّم اليوم عن الفرائض والممانعات والوصايا أكثر من عمل الله، ووعوده، ولا يساعد مستمعيه على استلام القوة لتنفيذ وتطبيق الواجبات. لا يكون معلماً من العهد الجديد، بل حسب العهد القديم.

علَّم الفريسيون أن شريعة موسى تحكم على اتباعها أن كل من يتجاوز وصية واحدة يكون مستوجب حكم الموت، كأنه تجاوز الشريعة كلها، لأن التجاوز يعني تعدّياً على الله بالذات.

ورغم أن معلّمي الشريعة علموا أنهم جميعهم تحت حكم الموت لأجل تعدياتهم على وصايا الرب، إلا أنهم هربوا من الحقيقة، متمسكين بالطقوس مثل ربط الأيدي بسير من الجلد أثناء الصلاة، والوضوء والغسلات، وتخييط أهداب من أسفل الثوب تدل كلٌّ منها على وصية أو أمر أو نهي، فأوجدوا ألوف الأحكام والطقوس ليُسكِتوا صوت ضمائرهم وليتناسوا شوكة التبكيت في قلوبهم. بهذا شددوا على حفظ الشريعة وتطبيقها وهم لا يعلمون.

إن الكثير من الأمكنة الصالحة مليئة بالناس الأشرار، وليس غريباً أن نرى أرذل الناس يرتفعون إلى كرسي موسى (مز12: 8) وفي هذه الحالة لا يوقر الناس بالكرسي بقدر ما يعاب الكرسي بالناس.

صار إظهار التقوى أهم من التقوى نفسها، وانتفاخ الأنا التقي غيّر العبادة إلى رياء وتجديف. فالمنافقون هم قمة الخطاة، وبّخهم المسيح علانية، وأوضح لهم أنهم أحبوا أحكام الناس أكثر من وصايا الله.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك وبخت المرائين الذين يأمرون بحفظ الوصايا ولا يعملون بها شخصياً، بل فضّلوا التظاهر امام الناس أنهم تقاة، لكنهم في داخلهم شياطين. اغفر لنا كل تظاهر ورياء لكي لا نكون من المنافقين الأتقياء الذين يتكلون عن التقوى ولا يمارسونها حقاً. احفظنا من الرياء وساعدنا على الإستقامة قولاً وعملاً في كل حين.

السؤال 200: لماذا وبّخ يسوع الكتبة والأتقياء في زمنه؟

تواضع المعلمين المخلصين

(23: 8-12)

23: 8 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلا تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعاً إِخْوَةٌ. (9) وَلا تَدْعُوا لَكُمْ أَباً عَلَى الأَرْضِ، لأَنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (10) وَلا تُدْعَوْا مُعَلِّمِينَ، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ. (11) وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِماً لَكُمْ. (12) فَمَنْ يَرْفَعْ نَفْسَهُ يَتَّضِعْ، وَمَنْ يَضَعْ نَفْسَهُ يَرْتَفِعْ.

(متى20: 26-27، أيوب28: 22-29، أمثال29: 23، حز21: 31، لو18: 14، 1بط5:5)

كل من يدَّعي أنه أفضل من الآخرين لأنه معلم أو قسيس أو أسقف فهو جاهل، إذ ليس بمعرفتنا تظهر درجة صلاحنا، بل بمحبتنا العملية ولطفنا المعزي. من يبرز نفسه ويرتفع ليكرمه الناس هو مسكين، فلا فرق في الكنيسة بين الأعضاء بالنسبة لشخصياتهم، بل بالنسبة لخدماتهم. كلهم تلاميذ المسيح وهو معلمهم. الكل خطاة وهو مخلّصهم، والكل صاروا إخوة لأن الله أبوهم وليس لنا آب روحي آخر، والروح القدس يرشد الجميع ليشتركوا في سباق التواضع. منح الآب السماوي ضِمْن الكنيسة نفس الجوهر ونفس الحق وذات القوة للجميع، لأن الآب واحد، والمصلوب واحد، والروح القدس واحد. هو يجهزنا للخدمة التي تختلف في نوعيتها لا في قيمتها. فماسح الغبار عن مقاعد الكنيسة ربما كان أعظم من المتكلم على المنبر، وليس أحد أفضل من الآخر، لأن الروح يدفعنا نحو الوحدة ليُعين كل عضو الآخر ويسنده ويستره ويكمله. فالمحبة التي تتجلى في التواضع هي رباط الكمال.

إن من يفكر بأنه أكثر موهبة وأعلى ثقافة، يخدم صنمه الخاص أي أنانيته، فعليه أن يتعلم سريعاً القول: أنا أصغر الجميع وأول الخطاة. وكل من يخدم في سبيل المسيح، فذلك ليس من مؤهلاته، بل بالنعمة وحدها. اترك الكبرياء واسع وراء المسيح الذي يعلمنا تواضعه، فتصبح نوراً للعالم.

كل عضو في الكنيسة يسقط في تجربة العجرفة أو إدعاء التقوى، يدخله الله إلى مدرسة تأديبه، لأن ربنا يحب أولاده حتى يؤدبهم إن لم يمارسوا ويطبقوا كلماته، فيعالج المنتفخين تماماً كما تغرز إبرة في بالون منتفخ، فينفس ويتفرقع. هكذا يصغّر الرب كل متكبّر، ويسمح بسقوطه في التجربة لكي يعترف: “أنا لا شيء، أنا خاطئ”، ليتنا نقول: “ربنا هو رجاؤنا، من نعمته نعيش ومن رحمته نستمر”.

التواضع هو الزينة الكثيرة الثمن قدام الله (1بط3: 4). في هذا العالم يكرم المتواضع بقبوله مع الله القدوس، واحترامه من جميع الحكماء والصّالحين، وتأهله لأشرف الخدمات، ودعوته إليها في أغلب الأحيان، لأن الكرامة كالظل تهرب ممن يتبعها ويمسك بها، ولكنها تتبع الذين يهربون منها. وعلى أي حال، ففي العالم الآخر سوف يرتفع إلى عرس المجد أولئك الذين اتضعوا بالإنسحاق من أجل خطاياهم والخضوع لإلههم والتنازل لإخواتهم.

الصلاة:أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك ولدتنا ثانية لرجاء حي، لنعبدك بفرح، ومنحت لنا بموت ابنك برك الكامل وأحببتنا بقوة روحك القدوس لنخدمك بسرور وفعالية. علمنا أننا عبيد بطالون، وأن نعيد إليك مواهبنا، ونسلك بتواضع ولا نكون من المنافقين.

السؤال 201: ما معنى “من يرتفع يتضع ومن يتضع يرتفع”؟

الويل الأول

23: 13 لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ فَلا تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلا تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ!

عندما يقول الله «ويل» تأتي الدينونة حتماً، وعندما يقول المسيح «ويل» ثماني مرات، فمعناه أن الفساد قد تضاعف، ولا بد من العقوبات الإلهية على المتدينين المرائين.

كان الكتبة والفريسيون مرائين، أي كانت صفاتهم الشريرة تلخص في رذيلة الرياء. كانت هي الخميرة التي خمرت كل أقوالهم وأفعالهم. المرائي يمثل على مسرح العالم الروحي، فهو يمثل دور شخص آخر غير شخصه، يمثل دور الشخص الذي لن يكونه وقد لا يريد أن يكونه. المراؤون في حالة ويل يرثى لها. ويل للمرائين هكذا قال ذاك الذي قوله قول الفصل، إن عاشوا فتدينهم باطل، وإن ماتوا فهلاكهم مروع.

ما هي خطيئة الأتقياء؟ إنها الرياء. لا يشمئز المسيح في حالة أشد مما عندما يلتقي بمراء متظاهر بالتقوى وهو في حقيقته شرير يتصرف كالأبرار بينما هو يثبت في الخطيئة ويصلي صلاة تتمحور حول نفسه. هو يتبرع ظاهراً لكن بلا محبة في قلبه. في كل هذه الأعمال الدينية يظن أنه غير محتاج إلى التوبة والتغيير الفكري، مكتفياً بذاته، ومتكلاً على بر نفسه. لا يطلب مخلّصاً بل يرفضه، فيبث المرائي أفكاره في الآخرين ويمنعهم تلقائياً من التوبة، ويثبتهم في اتكالهم على ذواتهم. إنه يبعدهم عن شعورهم باحتياجهم إلى المخلص. فالمرائي من أفظع المضلين، لهذا أحب المسيح الخطاة أكثر من الأتقياء المتظاهرين بالتقوى، فالأولين تابوا وطابوا، أما الآخرون لم يتوبوا فتقسُّوا وأثروا على طالبي الحق ومنعوهم من الخلاص.

طورت بعض المذاهب قوانينها لدرجة أن يحكم كل مؤمن تابع لابن الله المصلوب، وإن لم يرفض مخلصه يقتل. فالمتمسكون بالبر الذاتي لن يدخلوا إلى رحاب نعمة المسيح كما يمنعون الداخلين من الثبات في ربهم الحنون.

الصلاة:أيها الآب السماوي، امتحني وجددني لكي أتكلم بالحق ولا أعمل العكس. ساعدني لكيلا أصبح عثرة للآخرين قولاً وعملاً. غيرني نحو التواضع، تواضع الرب يسوع بلطف الروح القدس. املأني بمحبتك لكي أعيش وفق الإنجيل ولا أكون مرائياً بل أسلك بكل استقامة.

السؤال 202: كيف يمنع المراؤون طالبي الحق من الدخول إلى ملكوت السماوات؟

الويل الثاني

23: 14 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ، ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ.                                (مر12: 40)

أحب الأصوليون المال كبرهان لبركة الله في حياتهم، فاستخدموا معرفتهم بالشريعة ومهارتهم في الصلاة لإغناء أنفسهم. ذهبوا إلى الأرامل الغنيات ليقدموا لهن مشوراتهم بخصوص الحقوق الشرعية المتعلّقة بالإرث، وختموا اقتراحاتهم بصلوات طويلة حفظوها غيباً. أثناء تلاوتها يدور كل فكرهم حول المبلغ الذي سيتناولونه من الأرملة. كشف المسيح هذا المكر والرياء جهراً، وسمّى نتيجة هذه الصلوات، «عدم بركة» بل «دينونة الله» على المرائين.

لم يقصد المسيح بهذا انتقاد الصلاة الطويلة، كأنها في حد ذاتها تنم عن الرياء. نعم فلو لم يكن فيها شيء من المظاهر الحسنة لما استخدمت كستار. ولا بد أن ذلك الستار الذي استخدم لمداراة أمثال تلك التصرفات الشريرة كان كثيفاً. المسيح نفسه طالما قضى الليل كله في الصلاة، كما أمرنا أن نصلي كل حين ولا نمل، وحيثما وجدت خطايا كثيرة للإعتراف بها، وحاجات كثيرة للمطالبة بها، ونعم كثيرة لتقديم الشكر من أجلها، وجدت الفرصة للصلوات الطويلة. على أن صلوات الفريسيين الطويلة كانت عبارة عن تكرار باطل، وكانت غايتها مجرد التظاهر. بسببها اشتهروا بأنهم أتقياء، أحبوا الصلاة، وأنهم أعزاء السماء. وعلى هذا الأساس اعتقد الناس أنه من المستحيل أن يخدعهم أشخاص كهؤلاء. ولذلك فطوبى للأرملة التي تستطيع أن يكون وكيلها والوصي على أولادها فريسي. هكذا بينما بدوا محلقين في السماء على أجنحة الصلاة كانت عيونهم على فريستهم في الأرض كالحدأة، على بيت هذه الأرملة أو تلك.

كل من يحاول أن يربح من وراء خدمة الله مالا ويستغل الجاهلين للشريعة ينل دينونة صارمة سماها المسيح بالعظيمة. فالله محبة وتضحية، ومن لا يضحي ولا يخدم يعكس جوهر القدوس، وان استغل الآخرين بتقواه المزيفة فإنه مرائي محتال.

الصلاة:أيها الآب القدوس، ساعدنا لكي لا نستغل الدين لكسب المال، بل لنتبرع ونعطي كثيراً ليتمجد اسمك الأبوي وأرسل للأرامل من يرشدهن بإخلاص لينلن حصتهن. اغفر لنا إن لم نبال بالأفراد المنعزلين الذين لا صديق لهم أو قريب. ساعدنا لنقدم لهم المساعدة الحقة.

السؤال 203: لماذا يكون استغلال الدين أمر مكروه عند الرب؟

الويل الثالث

23: 15 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلاً وَاحِداً، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْناً لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفاً!

في زمن يسوع اجتهد كثير من اليهود لنشر دينهم في العالم عن وحدانية الله. وكثيرون من الناس في ذلك الوقت كانوا قد شبعوا من الخرافات اليونانية وآلهتها المتخاصمة فيما بينها، وتلذذوا بمعرفة أن الله واحد، وبالوصايا العشر الواضحة ويشريعته المنظمة.

لكن هذا الاحترام المبتدئ المكرّس بالغطس في الماء والختان تلاشى، وحلَّ محلّه الجدل حول المبادئ التشريعية والفقهية، وحول ماهو مقبول وما هو مرفوض من قبله، فالتفت الحنفاء  إلى المظاهر الخارجية، وتقسّوا أكثر من الفريسيين المنافقين.

فمن روح التدين والتفقه لا يحصل خلاص بل تقسي، اضطر معه يسوع أن يرسم أمام المرائين والكتبة فم جهنم المفتوح.

هناك مذاهب متنوعة قبلت مبادئ وحدانية الله مع قوانين الشريعة، وأسسوا حضاراتهم على التقوى وخوف الله وهددوا الناس بعقوبات صارمة وقصاص مخيف كي لا يتعدوا على الشريعة. إنما لا يعرفون حمل الله الوديع ورفضوا المصالحة مع الله وغيّروا معاني الروح القدس. فهم لم يعرفوا التجديد المبني على الصليب، ولا انفتحوا على محبة العدو وليس لهم سلام روحي في قلبهم. كما يعارضون وحدة الثالوث الأقدس. فنجح أبناء يعقوب بتدعيم الآخرين ضد الآب والإبن والروح القدس، وصار المتدينون منهم أخطر وأعنف من أجدادهم في مكافحتهم للمسيح، إذ يسميهم يسوع ابناء جهنم. فالمسيح مات لأجلهم وصالحهم مع الله، لكنهم رفضوا وما زالوا يرفضون الخلاص المعد لهم.

من المحزن أن نرى الكثيرين تحت قيادة أشخاص هم أنفسهم عميان، قد تعهدوا أن يدلوا غيرهم على الطريق الذي تعمدوا هم أنفسهم جهله “مراقبوه عمي كلهم” (اش 56: 10) وكثيراً ما أحب الشعب هذا وقالوا للرائين لا تنظروا، على أن الحالة تشتد سوءاً عندما يصير مرشدو الشعب مضلين(اش9: 16). مع أن حالة الشعب الذين لهم قادة عميان حالة محزنة جداً إلا أن حالة هؤلاء القادة العميان أشد هولاً. فالمسيح نطق بالويل على أولئك القادة العميان الذين سوف يطالبون بدم مثل تلك النفوس العديدة.

الصلاة:أيها الآب القدوس، نعظمك لأنك ولدتنا أولاداً لك في الروح، نشكرك انك مررتنا في الطهارة والمحبة والفرح لأجل موت المسيح الكفاري وقيامته المجيدة ورجوعه عن قريب. ساعدنا أن نقدم في كل قارة إنجيل سلامك ومحبتك إلى أبناء جهنم، إذا رغبوا في ذلك، وسمعوا سر السلام الروحي، فيتغيّروا إلى أبناء الله في النّعمة.

السؤال 204: لماذا يؤدي تبشير اليهود إلى خلق أبناء لجهنّم؟

الويل الرابع

(23: 16-22)

23: 16 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَبِ الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ! (17) أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ، أَيُّمَا أَعْظَمُ: الذَّهَبُ أَمِ الْهَيْكَلُ الَّذِي يُقَدِّسُ الذَّهَبَ؟ (18) وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ! (19) أَيُّهَا الْجُهَّالُ وَالْعُمْيَانُ، أَيُّمَا أَعْظَمُ: أَلْقُرْبَانُ أَمِ الْمَذْبَحُ الَّذِي يُقَدِّسُ الْقُرْبَانَ؟(20) فَإِنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِكُلِّ مَا عَلَيْهِ، (21) وَمَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَقَدْ حَلَفَ بِهِ وَبِالسَّاكِنِ فِيهِ، (22) وَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمَاءِ فَقَدْ حَلَفَ بِعَرْشِ اللّهِ وَبِالْجَالِسِ عَلَيْهِ!

(متى5: 34-37؛ 15: 14)

من يحلف ليقوّي كلماته يكن كاذباً، ويريد بحلفانه تغطية عدم يقين أقواله. فالفريسيون وقعوا في مشكلة. أرادوا منع الأكاذيب الكثيرة بواسطة حلفان قوي. لم يكن جائزاً عندهم ذكر اسم الله باطلاً، لأن مجرد نطق هذا الاسم يعتبر تجديفاً. فاقترحوا ألا يحلف الإنسان بالهيكل، بل بقشرة الهيكل المذهّبة. وحسبوا أيضاً الحلف بمذبح الله مخيفاً، فاقترحوا الذبيحة المشتراة بالمال للحلف بها. هكذا ألقوا شبكة أحكامهم على الناس واصطادوهم وأبعدوهم أكثر فأكثر عن الله نفسه.

أما المسيح فمنعنا من استخدام الحلف لتثبيت الحق، لأنه ينبغي أن تكون أقوالنا أمينة وصادقة. لم يلغ المسيح بتفسيراته حول حلف الفريسيين وصيته بعدم الحلف، بل أراد أن يرشد الإنسان مباشرة لله الجالس على عرشه لأننا مسؤولون أمامه. هو فاحص كل كلمة تخرج من أفواهنا، فهل نظهر مستقيمين أم كاذبين؟

الصلاة:أيها الرب يسوع، أنت الديان القدوس، تبتدئ بدينوناتك فينا. نحن اتباعك وقد ألقيت ويلاتك على المنافقين. حررنا من كل رياء وشبه رياء، لكي نبتعد عن الكذب والإحتيال والكبرياء، نقبل حقك وصدقك وأمانتك، نستغفرك لكل ظلم وغباوة وجهل وتوبة ناقصة. قدسنا لكي لا نهلك، بل نتكلم بصدق وحق دائماً.

السؤال 205: كيف غلب المسيح مشكلة الإكثار من الحلف؟

الويل الخامس

(23: 23-24)

23: 23 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ، وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلا تَتْرُكُوا تِلْكَ. (24) أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ، الَّذِينَ يُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ!

(لا27: 30، ميخ6: 8، لو18: 12)

يلتصق الإنسان بالمال والملك والغنى، فإذ يضحي من كنوزه، يشعر بتضحية من صميم دمه. وللعجب فالإنسان يريد أن يضحي! وهو مستعد ليبذل الثمن مما عنده ليبني خلاصه بالمال والطاقة من تلقاء نفسه كي يؤمن لنفسه مكاناً في الفردوس.

بالغ المتدينون في إنشاء البرّ المبني على الأعمال الذاتية، حتى أنهم عشَّروا البهارات! وجعلوا عُشراً للهيكل من كل شيء استعملوه في حياتهم، لكي يحصلوا من الله بذلك على تبريرهم، كأن الله تاجر مُحصي.

أما المسيح فلم يلزمنا بالعُشر، بل أرشدنا لنحقق الحق ونمارس الرحمة ونثبت في الإيمان، فأرشدنا ألاّ نضحّي بالعُشر فقط، بل أن نبذل أنفسنا كلها شكراً لتضحية المسيح الكاملة عوضاً عنَّا. فالإيمان المضحي بدافع المحبة هو التقوى المقبولة عند الله، وكل من يقدم العشر فقط يتبع شريعة موسى، وكل من يضحي بنفسه ووقته وماله هو تابع للمسيح وشريعته.

سمَّى يسوع الفقهاء الأبرار عند ذواتهم عمياً بالنسبة للحق والبر، لم يروا طريق الله المستقيم ولم يعرفوه. إنما يدَّعون أنهم قادة أفواج السيّاح إلى السماء. وأثناء اجتهادهم يتعبون ليحضروا لاتباعهم الشريعة مدققة ومفصلة ومتشعبة كأنهم ينظفون كأس الماء من كل غبار وبعوض عالق به، لكنهم عمي لا يرون الكؤوس التي يقدمونها لأتباعهم وقد مُلئت حيوانات ضخمة كالجمال ليشربوا منها.

استخدم المسيح هذا المثل المستحيل التطبيق ليوضح لمستمعيه أن الفقهاء في عهده دققوا وفصلوا في كل القوانين أكثر من اللازم، لكن أهم الوصايا كمحبة الله والتوبة النصوحة وخدمة الإنسان الضعيف وتجديد الذات وقبول المسيح بحمد وشكر لا يهتمون بها ولا يسعون إليها. هم يقدمون ويجبرون امتهم على الفرائض الثقيلة ويهملون الغفران بالنعمة والخلاص بواسطة محبة الله، إنهم يهتمون بالخطايا الضخمة مثل الرياء والدعارة والإستكبار ومحبة المال والحلف الكاذب والطلاق والإنتقام . . . لذلك يصفهم المسيح بالمرائين وبأنهم قادة عمي يقودون عمياناً آخرين.

ليتنا نسأل أنفسنا هل ندرك كثرة خطايانا مثلما يراها الله، أم نهتم بأخطاء جيراننا وأصدقائنا فقط ونتسرع لإدانتهم، بينما نسامح أنفسنا عن خطايانا! هل نحن مراؤون عمي عن الحقائق الروحية، نستكبر مدعين أننا متواضعون.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك رفعت القناع عن الفقهاء والأتقياء وكشفت لهم حقيقة أنفسهم، سامحنا إن كنا عميان مثلهم عن آثامنا. نطلب منك يا رب أن تظهر كل رياء مبطن فينا، اجعلنا متواضعين أمام قداستك لندرك عظمة محبّتك. نصلي من أجل كل المتدينين في أمتنا أن تفتح أعين قلوبهم حتى يروا أنفسهم كما تراها أنت، ويقبلوا المسيح وخلاصه المجاني.

السؤال 206: لماذا نجد كثيراً من الأتقياء والفقهاء عمي لحالة أنفسهم؟

الويل السادس

(23: 25-26)

23: 25 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ، وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءانِ اخْتِطَافاً وَدَعَارَةً! (26) أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى، نَقِّ أَّوَلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً.

(مر7: 4و8، يو9: 40، تيط1: 15)

اعتاد الفريسيون في بيوتهم أن ينظفوا كل كأس وصحن من الخارج ومن الداخل، ليس بقصد النظافة الصحية الضرورية، بل لأجل الطقوس الدينية، لئلا يتنجسوا إذا سقط غبار من إنسان نجس على أوانيهم. بنفس الوقت لا يهتمون إذا كان الذي صبّوه في الكؤوس مسروقاً، أو إذا قادهم الجشع إلى الدعارة! فشطب يسوع بجملة واحدة كل الأحكام التطهيرية، وطلب من المرائين تطهير قلب الإنسان وشعوره الباطني من كل نواياه السيئة وتقديس ذهنه المرفوض، عندئذ يهتم بالنظافة الضرورية أيضاً. إنما الطهارة الجسدية الخارجية لا تعني قداسة ضميرية، والملابس المفخفخة كثيراً ما تغطي قلباً شريراً وإنساناً خبيثاً.

إن كل غسل ووضوء يبقى سطحي إذ أنه لا يطهر روح الإنسان، مع العلم أن كل الأديان تؤكد بأن الإنسان في داخله ليس طاهراً، بل يحتاج إلى تطهير وغطس في الماء، لكن كل هذه الغسلات والتطهيرات لا تنقي القلب على الإطلاق، بل دم يسوع المسيح هو الذي يطهرنا من كل إثم، والروح القدس يقدس الإنسان فينال المؤمن بالمسيح قلباً جديداً وروحاً مستقيماً في داخله.

الصلاة:أيها الآب السماوي قد أرشدت نبيك داود إلى صرخة التوبة، “قلباً نقياً أخلق في يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي”. نعيد هذه الطلبة ونعترف بأن لا رجاء فينا للحصول على الطهارة السماوية إلا بدم يسوع المسيح وفي خلق جديد بواسطة الروح القدس. امنح التوبة الحقة لأمتنا وخاصة للمؤمنين الإسميين حتى لا يكتفوا ببرهم الخاص، بل يلتمسوا منك التبرير والتقديس الإلهي.

السؤال 207: ماهو خطأ المتدينين من شعب العهد القديم في قيامهم بتطهير الكؤوس والصحون أكثر من اللازم؟

الويل السابع

(23: 27-28)

23: 27 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً، وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. (28) هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً، وَلكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً!

لم يعتبر اليهود الجثث نجسة فقط، بل أيضاً القبور. فمن داس عليها صدفة كان عليه أن يخضع لأحكام التطهير الطويلة المتعِبة. فكانت العادة عند اليهود أن يدهنوا قبل موسم الفِصح جميع القبور التي حول أورشليم بكلس أبيض لامع، ليتمكن الحجاج أن يتقدَّموا إليها بلا عثرة.

أوضح يسوع لأتقياء زمنه أنهم يشبهون هذه القبور المبيضة، يظهرون من الخارج بيضاً لامعين محترمين، لكن في داخلهم ممتلئين بالموت والرائحة الكريهة. تسكن فيهم كل نجاسة، وهم عارفون خطاياهم، إنما يتصرفون كأنهم صالحون. هم يستمرون في الظلم والإثم رغم ريائهم وعلمهم بخطاياهم، فالمسيح يسمِّي المرائين قبوراً نتنة. كانت تحسب هذه العبارة في حينها من أشدّ الإهانات التي يمكن النطق بها. وقد حاول يسوع بهذه القساوة زعزعة شيوخ شعبه عن برّهم الذاتي، ليدركوا حقيقة قلوبهم، لكنهم لم يتوبوا لأن إيمانهم بذواتهم ارتفع كجبل عالٍ جداً.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، انت القدوس المحب. تعرف كل أعمالي وأقوالي ونواياي. ترى قلبي وشعوري الباطني. اغفر لي كياني النجس وطهرني بدمك الثمين واملأني بروحك القدوس. ساعدني حتى لا أتظاهر صالحاً في ذاتي، بل اعترف بأنك أنت المصلوب الحي، فقوتي وضعفي وحياتي بأكملها ليست في البر إلا فيك ومن خلالك، أنت الحياة الأبدية. أشكرك على هذا الإمتياز العظيم المعطى لي.

السؤال 208: ماذا تعني القبور المبيّضة بالنسبة لرجال الدين؟

الويل الثامن

(23: 29-33)

23: 29 وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ، لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَتُزَيِّنُونَ مَدَافِنَ الصِّدِّيقِينَ، (30) وَتَقُولُونَ: لَوْ كُنَّا فِي أَيَّامِ آبَائِنَا لَمَا شَارَكْنَاهُمْ فِي دَمِ الأَنْبِيَاءِ! (31) فَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنَّكُمْ أَبْنَاءُ قَتَلَةِ الأَنْبِيَاءِ. (32) فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ. (33) أَيُّهَا الْحَيَّاتُ أَوْلادَ الأَفَاعِي، كَيْفَ تَهْرُبُونَ مِنْ دَيْنُونَةِ جَهَنَّمَ؟

(إرميا26: 20-23، متى5: 12، أع7: 52)

بنى المسؤولون في زمن يسوع أضرحة عظيمة للشهداء الأنبياء الذين قُتلوا من أجل شهادتهم أضرحة عظيمة، لينجوا من العقاب الآتي، لأن آباءهم قتلوا هؤلاء الرسل المخلصين في دعوتهم، فحاول أبناء القتلة تغطية عار عشائرهم وجرائمهم بإنشاء أبنية فخمة للأبرار. فكانت هذه الخدمة برهاناً على ذنب الأجيال كلها. لم يوبخ المسيح الأحياء في زمنه بل كشف روح القاتل في هذه الأمة وسمّاهم “أبناء قتلة الأنبياء”. هزّ المسيح بكلماته الدائنة الأتقياء لكي يتوبوا ويرجعوا إليه، غير أنهم أتموا شرّ‍ آبائهم وقتلوه أيضاً لكي تصدر عليهم دينونة الله.

وفي غضبه القدوس سمّى الرب يسوع أصحاب البر الذاتي «حيَّات وأفاعي» التي هي من نسال الحيَّة الأصلية: الشيطان، الممتليء بالحيلة والغش والخبث والسموم، ورسم قدَّام أعينهم جهنم، كأنها فاتحة فاها لابتلاع الأمة كلها، إن لم يتوبوا بأسرع وقت ممكن.

نشكر الرب يسوع لأن ألوفاً من شعب العهد القديم سمعوا دعوته وتابوا وتجددوا في انسكاب الروح القدس. إن شهادة الرسل وصلواتهم تنعشنا وتبعث فينا الأمل لأن المسيح غلب فيهم روح الحيّة الأصلية، فأصبحوا ينابيع مياه حيّة ممتلئة بالطهارة والحق والمحبّة، وقد أنشئت الكنيسة على هذا الأساس المتين لثبوتهم في المسيح والمسيح فيهم.

والمسيح يُنزِل ويلاته حتى اليوم على المدن والقرى المسيحية أولاً، ويحذرّهم من المحبة الناقصة واللامبالاة في الإيمان. ويل لنا نحن المسيحيين إن لم نتب سريعاً ونخدم يسوع القدوس، لتحلّ حياته فينا، فنعيش بتواضع ولطف وإيمان.

الصلاة:أيها الآب السماوي القدوس، أنت قدوس، ودينونتك عادلة. نشكرك لصبرك العظيم. علِّمنا التوبة السريعة لننكسر نحن وكل أصدقائنا، لكيلا نشترك في الغضب الآتي. نجّنا من الرياء والاستكبار، واخلق فينا قلباً جديداً، وروحاً مستقيماً جدِّد في داخلنا. لا تطرحنا من قدام وجهك، وروحك القدوس لا تنزعه منّا.

السؤال 209 : لماذا دان يسوع أتقياء زمنه؟

استكمال يسوع للويل الثامن

(23: 34-36)

23: 34 لِذلِكَ هَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ أَنْبِيَاءَ وَحُكَمَاءَ وَكَتَبَةً، فَمِنْهُمْ تَقْتُلُونَ وَتَصْلِبُونَ، وَمِنْهُمْ تَجْلِدُونَ فِي مَجَامِعِكُمْ، وَتَطْرُدُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ، (35) لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زَكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. (36) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هذَا الْجِيلِ!

(تك4: 8، 2أخبار24: 20-21)

إن صلة الكلام غريبة، قفد قال لهم: “أنتم أولاد الأفاعي، لا ينتظر أن تهربوا من دينونة جهنم”، وكان المنتظر أن يلي هذا القول “لذلك لن يرسل إليكم نبي فيما بعد”. على أن هذا لم يحصل، بل بالعكس قال لهم: “ها أنا أرسل إليكم أنبياء”، لأرى إن كنتم أخيراً تتأثرون، وإلا تركتكم بلا عذر لكي يتبرر الله في هلاككم. ولهذا قدمت العبارة بكلمة التعجب هذه “ها أنا”. توضح لنا هذه العبارة أن المسيح هو الذي يرسلهم. وهذا دليل على أنه هو الله، إذ له السلطان أن يرسل الأنبياء ويؤهلهم ليكونوا أنبياء. سيرسلهم المسيح كسفراء للإتصال بنا في في أمر نفوسنا. بعد قيامته أكد هذه الكلمة حينما قال “أرسلكم” (يو20: 21).

أنبأ يسوع أنه سيرسل في سلطانه إلى شعب العهد القديم، وبعد موته النيابي عنهم، أنبياء ورسلاً وحكماء وكتبة. وأوضح لمستمعيه مسبقاً أن أعداءه المتدينين والمتمسكين ببرّهم الذاتي سيضطهدوهم ويجلدوهم ويرجموهم، بل سيصلبوهم ويطردوهم من مدينة إلى مدينة، وكل من يريد أن يقرأ تحقيق هذه النبوة من يسوع فليتعمّق في سفر أعمال الرسل، فيرى البغض والحقد النابع من أصوليي هذه الأمة الذين ظنوا أنهم سيخدمون ربهم إذا هاجموا وقتلوا أتباع المسيح (يوحنا16: 1-3).

لم يخبرهم المسيح عن أعمالهم الرديئة والنجسة فحسب، بل أخبرهم أيضاً بدينونة الله الساقطة عليهم لأنهم سفكوا دماءً كثيرة في سلسلة خدام الرب المرسلين إليهم بروح التدين، وهذا الدم يصرخ إلى الله (تكوين4: 10، عبرانيين12: 24). كما أن نفس القتلى من العهد القديم تنتظر دينونة الله العادلة (رؤ6: 9-11).

نجد في أيامنا أن بعض الكنائس والمؤمنين لا يحيون حياة الدعوة إلى التوبة وتغير الفكر، بل يكتفون بصلاحهم ويرفضون بشدة ومكر سفراء المسيح الذين يحاولون أن يحكو قداستهم المزيفة بفرشاة من حديد من قلوبهم، أي بويلات المسيح ليتوبوا ويتغيروا إلى صورة المسيح الوديع والمتواضع.

الصلاة:أيها الرب القدوس، نشكرك لأن ابنك تكلّم بصراحة وبحدة للمتمسكين ببرهم الذاتي، وصب عليهم الويلات الثمانية ليتوبوا في آخر لحظة. اغفر لنا كبرياءنا ورياءنا إذا تصرفنا مثلهم وإن لم نتب حقاً ولم نتغيّر إلى قداستك. احفظ كل داع للتوبة والإيمان بالمخلص الوحيد إذا واجه اضطهاد الأصوليين كي لا يتخلى عن بر الصليب ونعمة الخلاص المعد للجميع. نشكرك لأنك حفظتنا في كفارة يسوع وسط دينونتك على مناهضيك وعلى مناهضي ابنك وعلى المحايدين غير المبالين.

السؤال 210 : لماذا يرسل المسيح خدامه إلى علماء شعبه؟

تقسي قلوب أهل أورشليم على رحمة وحنان المسيح

(23: 37-39)

23: 37 يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلادَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا. (38) هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً! (39) لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لا تَرَوْنَنِي مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!                                                  (1مل9: 7-8، متى21: 9؛ 26: 64)

لم يتألم المسيح من الخطاة بل أشد ما تألم منه هو غلاظة المتدينين المتمسكين بشريعة موسى. فليس الخطاة العاديين هم الذين قتلوا يسوع بل المتدينين المرائين الحاقدين. أما المسيح فأحبهم ودعاهم مرة تلو المرة، حاول أن يجذبهم إليه، وكم مرّة أعلن أمامهم آيات محبته وقدرته! لكن قد دنت النهاية. هكذا سمّى يسوع أورشليم «قاتلة الأنبياء والرسل». فسمَّى محور الحضارة وحامية بيت الله «قاتلة». ما أشد الحكم النازل على القدس والمدن أجمع!

كانت النعمة المقدمة هي جمع بنيهم. إن قصد المسيح هو جمع النفوس المسكينة، جمعها من ضلالها، جمعها إلى مقرها، إلى نفسه “إليه يكون اجتماع شعوب”. لقد كان يريد ضم كل أمة اليهود إلى الكنيسة، وهكذا يجمعهم كلهم تحت جناحي العظمة الإلهية ما كان يعبر اليهود عن الدخلاء الذين يكسبونهم.

أراد المسيح أن يجمعهم بعواطف رقيقة كما تفعل الدجاجة إذ تعني بفراخها بعواطفها الغريزية. إن جمع المسيح للنفوس ناشئ من محبّته (ار31: 2). فالدجاجة تجمع فراخها تحت جناحيها لحمايتهم وسلامتهم، ثم للدفء والراحة. والنفوس المسكينة تجد في المسيح ملجأ وراحة. تركض الفراخ بطبيعتها إلى الدّجاجة طلباً للحماية عندما تهدد بالخطر من الطيور الجارحة.

أحب يسوع أولاد القاتلة أيضاً، ورسم محبة الله وعنايته بواسطة احتضان الدجاجة لفراخها تحت جناحيها، حماية من النسر المتربص بها والمنقض عليها. بهذه الصورة أعلن يسوع عن استعداده ليجمع الضالين كلهم في قلبه، يموت عنهم، ليخلّصهم من غضب الله، إذا التجأوا إلى ربهم. لكنهم لم يريدوا أن يلتجئوا إلى منجيهم الوحيد.

لكن الأغلبية أظهرت رفضها أكثر فأكثر ولم ترغب في انكسار كبريائها. لم يشاؤوا الإعتراف بخطاياهم، ولم يقبلوا محبة الله في ابنه الحنون، فرفضوه وسلموه للصلب وأهملوا عن قصد صوت الروح القدس، فأتت دينونة الله على أورشليم. خربت المدينة المقدسة سنة 70 ب م بعد ثورة اليهود ضد الرومان. وبين السنوات 132-135 م خربت البلاد الباقية كلها. منذ ذلك الوقت تشتت أعضاء العهد القديم بين الأمم المحتقِرة منهم. لن يروا المسيح الذي هو رجاؤهم، إلا إذا تابوا عن شر قلبهم، وآمنوا بابن الله المصلوب. حينئذ فقط ترتفع اللعنة عنهم، فتجري أنهار المياه الحيَّة من مدينة القدس المقدسة، إلى البراري الميتة التي حولها (زكريا12: 10-11). إنما قبل هذه التوبة تصبح أورشليم كأس الترنح وحجر عثرة لجميع الأمم (زكريا12: 2-3).

 لذلك نصرخ: تعال أيها الرب يسوع! إنك آتٍ إلى أرضنا، ونحن في انتظارك. تعال سريعاً!لأنه بدونك لا يحل السلام في أورشليم.

الصلاة:أيها الرب القدوس نحن متكبرون، أما ابنك فيحب المنكسرين المحتاجين إليه. اغفر لنا نقص محبتنا، واملأنا بقوتك لنخدمك بقلوب تائبة، ونبشّر بملكوتك، ليتوب كل الناس، ويتعالى الصوت: تعال أيها الرب يسوع! مبارك الآتي باسم الرب.

السؤال 211: ماذا يعلمنا المسيح عن مدينة أورشليم؟

ثالثا: الخطاب على جبل الزيتون عن مستقبل العالم

(المجموعة السادسة لكلمات يسوع)

(24: 1-25: 46)

المسيح يترك الهيكل

(24: 1-2)

24: 1 ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ الْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلامِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الْهَيْكَلِ. (2) فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لا يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لا يُنْقَضُ!                                                (مر13: 1-2، لو19: 44؛ 21: 5-6)

غادر المسيح الهيكل الذي بناه هيرودس الكبير، ولم يدخله مرة أخرى، فأتمَّ بخروجه نبوة حزقيال النبي الذي رأي في رؤياه مجد الله يترك الهيكل والمدينة المقدسة، متجهاً نحو جبل الزيتون        (حز10: 18-29؛ 11: 23).

فإلى زمن يسوع كان مجد الله حالاً في هذا الهيكل، مستتراً في قدس الأقداس. لكن عصيان أكثرية الشعب اليهودي جلب الدينونة عليهم، حتى خرج القدوس من بينهم، وتركهم لهجوم الأعداء بلا حماية.

فالهيكل العظيم مع قببه المذهبة بقي متلأليء المظهر أما في داخله كان فارغاً من روح الله، كقنديل بلا نور وسراب بلا حقيقة.

لم يلاحظ التلاميذ بأن الهيكل صار فارغاً من مجد الله، فتأثروا من الذهب المغطي قبب الأبنية ودلّوا يسوع عليها، فتأسف الرب على اهتماماتهم هذا وأفهمهم أن القدوس قد ترك بيته وأخذ الحماية معه، وستتهدّم هذه الأبنية في المستقبل القريب، فلا يبقى حجر على حجر. علم المسيح الأحداث المستقبلية قبل وقوعها فحذّر تلاميذه منها. فكل الوعود في العهد القديم بأن مجد الرب سيسكن في الهيكل المصنوع من حجارة قد انتهت بسبب قساوة قلوب شعب العهد. أما الله فحلّ وسكن في المسيح كلياً. الآن يسوع هو هيكل الله الذي أشركنا بلطفه نحن غير المستحقين لهذا الإمتياز أن تكون أجسادنا هيكلاً للقدوس بعدما سكب من روحه المعزي على أتباعه البركة من كفارته. أما انصراف يسوع من الهيكل فهذا يعني انتقاله من العهد القديم إلى العهد الجديد، كما أنبأ بوضوح الشهيد الأول في المسيحية استيفانوس (أعمال 7: 47-53).

 فكيف يا ترى حالة قلبك؟ هل أنت هيكل الله وروحه ساكن فيك؟ أتجري منك قوى الرحمة في محيطك أم أنك فارغ ميت؟ فتعيش بلا حماية معرضاً مصيرك للدينونة المهلكة. هل كنيستك مسبحة للفداء بتسابيح عظيمة، ولكنها خالية من المحبة والفرح وليس في داخلها تائب أو منيب؟ هل يجتمع الشيوخ في مجالسهم ويقررون ما ينبغي لروح الله أن يعمل أو لا يعمل؟ هل قوة الله حاضرة فيكم، ظاهرة في سرور قداستكم؟ أم تشبهون أمواتاً في الأنانية والخشونة رغم أن لكم دعوة أن تحيوا؟

الصلاة:أيها الآب القدوس، ما أعظم محبتك وصبرك، نشكرك لأنك منحت كنيستك أن تجتمع باسم المسيح وتسبحك في قوة روحك، اغفر لنا إذا لم نسلك في المحبة والرجاء. وإذا أشرفنا على الخطر لا تنزع روحك منا بسبب قلة إيماننا ورحمتنا الفاترة واكتفائنا بجودتنا المزعومة. طهرنا من روح الكسل والتمرد، ولا تتركنا لكي لا نصبح هيكلا فارغاً بدون قوة الرب وحمايته.

السؤال 212 : ماذا يعني أن المسيح ترك الهيكل نهائياً؟

سؤالي التلاميذ

24: 3 وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الّزَيْتُونِ، تَقَدَّمَ إِلَيْهِ التَّلامِيذُ عَلَى انْفِرَادٍ قَائِلِينَ: قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هذَا، وَمَا هِيَ عَلامَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟                               (أع1: 6-8)

في طريقهم نحو جبل الزيتون لفت التلاميذ نظر المسيح إلى الهيكل الفخم. أما المسيح فأبصر الفراغ والخراب لأجل الخطايا، بالرغم من كل المظاهر الرائعة. فرأت بصيرة محبته الدينونة المقبلة على أمّته. ومزقت كلماته المعلنة الرجاء الحي في اتباعه. فليس هدف محبة الله أبنية من اسمنت وفولاذ مغطاة بذهب وممتلئة بالبخور، بل الهيكل الروحي المبني من حجارة حيّة، أي المؤمنين الممتلئين بالروح القدس، الذين يخدمون الله في عالم الفساد. هل أصبحت حجراً حياً في هيكل الله؟ أم لا زلت تتشبه بالحجر المهمل المرمي في الحقول والذي لا يرجى منه منفعة؟ ضع نفسك تحت تصرف المسيح لينحتك فتصبح إنساناً نافعاً إلى الأبد.

كان لا بد لهيكل العهد القديم أن يسقط حتى ينشأ مكانه هيكل العهد الجديد، لكن لم يستطع تلاميذ المسيح آنذاك أن يفارقوا القدس القديم، لأنهم لم يكونوا قد رأوا الهيكل الجديد، فارتجفوا لهدم وزوال محور حضارتهم، وتخوفوا لأجل حياتهم وأقربائهم وأصدقائهم. لم يخرجوا لأجل مجيء ملكوت المسيح، بل ارتعبوا وخافوا من أعماق قلوبهم، وابتدأوا يلحون على ربهم ليعرفوا بدقة متى وكيف سيحصل هذا الخراب العظيم ومتى يظهر ملكوت الله في دنيانا؟ إنهم تمنوا حلول المملكة الإلهية على كرتنا الأرضية بدون تغييرات مؤلمة وخراب عام.

أتخاف من المستقبل؟ اطمئن وسط سقوط القنابل وموت الذين حولك. تعزّ واسترح إن هزل جسمك، لأن هذا كله يدل على اقتراب ربك واكتمال ملكوته رغم أن الظلمة متصاعدة. هل تشتاق إلى استقصاء تطورات المستقبل؟ لا تنس أن كل الأحداث دلائل على الهدف الأعظم، أي مجيء المسيح الثاني. ليست الضيقات والمشاكل إلاَّ مخاضاً لمجيء الرب، فلا تفقد الهدف من أمام عينيك وسط الضيق الضاغط عليك، بل ارفع رأسك لأن فداءك قريب.

الصلاةأيها الرب يسوع المسيح، نفرح لأنك ستأتي عن قريب، نترقّب ظهور فدائك. خلصنا من سطحيتنا وإهمالنا لكي لا نشبه الهيكل الفارغ المتلألئ من الخارج، بل نثبت في خطة روحك القدوس، ونضع أنفسنا حجراً حياً في هيكلك الجديد الروحي، فنتعلّم الطاعة الإيمانية والإحتمال، مع كل مترقبيك في أمتنا.

السؤال 213  : ماهي أبعاد أسئلة التلاميذ بالنسبة للخراب المستقبلي؟

لا يضلّكم أحد

(24: 4-8)

24: 4 فَأَجَابَ يَسُوعُ: انْظُرُوا، لا يُضِلَّكُمْ أَحَدٌ. (5) فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.                        (يو5: 43؛ 8: 44، 1يو2: 18-25)

سأل التلاميذ عن الأزمنة “متى يكون هذا؟” (الآية 4)، أما المسيح فلم يعط إجابة عن هذا، لم يقل إن نبواته تتم بعد أيام أو سنوات هذا عددها، لأنه ليس لنا أن نعرف الأزمنة. على أنهم وقد سألوا أيضاً “ماهي العلامة؟” فقد أجابهم عن هذا السؤال إجابة كاملة، لأنه يليق بنا أن نعرف علامات الأزمنة.

حذّر المسيح تلاميذه من التجربة والارتداد الآتي. الشيطان هو عدو الله الذي يحاول بأنبيائه الكذبة ومسحائه الزائفين أن يفصل جماهير الناس عن خالقهم، فيسقطون في الإستكبار والأنانية والبغضاء.

إن الشيطان يبغض الله ومسيحه ويملأ كل من لا يلتصق بيسوع بروحه العنيد، ويمنعه من الدخول إلى ملكوت الله ويلهمه بأفكار مدهشة، ويقويه لنشاطات ماكرة كأن الناس سيقدرون على فداء العالم بإمكانياتهم الذاتية، فلا يتوبون ظانين أنهم غير محتاجين للتوبة والتجديد، فالإتكال على صلاح الإنسان وقدرته التكنيكية هو أكبر الحيل التي تمتاز بها تجارب الشيطان في أيامنا.

ليست معرفة المستقبل أهم سؤال للإنسان بل كونه ممتلئاً بروح الله، لكيلا تملكه أفكار الشيطان. فروح الرب يخلق فيك التوبة والإيمان والتواضع والسلام، ويثبتك في الفرح والعفة المبنية على الصدق والصبر والمحبة. لكن روح الشيطان يظهر في الاستكبار والاتكال على النفس والتخطيط الشخصي، وكذلك في البغضاء والكذب، مع كل النجاسة والأحقاد والانتقام المر. إن أخبث ثمار روح الشيطان هي الرياء، لأن فيه يتظاهر الإنسان بالصلاح، رغم أن قلبه مفعم بالخبث.

امتحن الفلسفات والمذاهب والأحزاب المنحرفة، إذ كانوا قد حرضوا الناس لإنشاء فردوس بشري، أو بر ذاتي، بأعمال صالحة، فتميز أنهم مسحاء كذبة. لا تتبعهم، بل انظر إلى الصليب حيث ترى البرهان، أن كل انسان فاسد وبحاجة إلى المخلص. نحن لا نستطيع أن نخلص أنفسنا من جبلتنا الشريرة، بقوتنا الذاتية. لا تسلم إلى أي زعيم دنيوي، لأن يسوع خلّصك. هو سيأتي في السحاب كصاعقة بمجد عظيم، وسترى بيديه المسامير. فلا تستسلم ولا تصغي إلى أي مصلح آخر، إلا إذا دلّك على ابن الله المصلوب، لأن فيه وحدة رجائنا.

الصلاة:أيها الآب والإبن والروح القدس، الإله الواحد، نعظمك ونتهلل لأن المسيح خلصنا وروح الحق يعزينا. أنت تحذرنا من التجارب والتعاليم الضالة الملتوية، وتثبتنا في المخلص الوحيد. امنحنا موهبة التمييز لئلا نلتصق بالأنبياء الكذبة ونبتعد تلقائياً عن مواجهة المسيح وضده الممتلئ بالروح النجس. أما أنت فقدوس طاهر، وتشاء تقديس أفكارنا وذهننا وكلامنا وأعمالنا ليتمجّد الآب والإبن في سلوكنا المستقيم الموهوب لنا بالنعمة.

السؤال 214: لماذا تجنّب المسيح أسئلة أتباعه عن كيفية وتوقيت مجيئه الثاني؟

غضب الله المُعلن على البشر

(24: 6-8)

24: 6 وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لا تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. (7) لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلازِلُ فِي أَمَاكِنَ. (8) وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ.

أهم نصيحة منحها المسيح لتلاميذه في الأيام الأخيرة هي: «احترزوا لكيلا يضلّكم أحد». فالتلاميذ طلبوا من ربهم أن يذكر لهم علامات مجيئه ثانية، ليصبحوا عارفين أذكياء، لكنه لم يجبهم بل أراهم الخطر الهائل وسط الكفاح بين السماء وجهنم، وهو خسارتهم أنفسهم واشتراكهم في الارتداد العام.

بعدما يفسد الشيطان إيمان البشرية بواسطة مسحائه الكذبة، يوقع الشعوب في حروب وضيقات، حتى يعمّ الخوف والاضطراب، فينسى الناس خالقهم ويغرقون في أمواج المشاكل، كما غرق بطرس عندما حوَّل نظره عن المسيح، وشخَص إلى الموجة المندفقة نحوه. فلا تخف، لأن المسيح حي. هو قام، وهو معك ويخلّصك ويحملك ويضمنك. هو يمنعك من الخوف مهما تراكمت الضيقات، لأن المحبة ليس فيها خوف (1 يو 4:18-21).

لا تستغرب من كلمة المسيح أنه لابد من الضيقات الأربع: الحروب العالمية، والجوع المتزايد، والأوبئة المنتشرة، والزلازل المدمّرة. إن سياط الله هذه ستضرب حتى ولو أعلن الأنبياء الكذبة والزعماء الفخورون السلام. علماً أنهم يتمنون السلام حقيقة، ويجتهدون لتحقيقه، لكنهم لا يعرفون أن في الحروب غضب الله المنسكب على خطايانا. فينبغي أن تأتي الأمواج المهلكة على كرتنا الأرضية، لأن البشر يزدادون كبرياء ويتكلون على اختراعاتهم ويهملون الخالق، ويمارسون الفحشاء والموبقات. نحن اليوم نعيش في بداية دينونة الله، فمن يسمع ومن يتب بالإنجيل؟

إذا أردت خدمة السلام لشعبك، ارجع إلى ربك وبشّر بكل حكمة لأنه هو الطريق الوحيد للسلام مع الله وبين الناس.

يحذرنا المسيح من روح الثورة والإنقلابات العنيفة النامية بين الشعوب. لقد أصبح فكر التمرد والعصيان والبغضاء مبدأ شباب العالم، كما نقرأ هذا في كتب مثيرة متعددة تطرح هذه الأفكار كزوبعة وسط الشعوب لتجذب الجماهير إلى الهلاك.

فوق هذا كله يزداد الجوع في العالم فأكثر، بواسطة الحصاد المهترئ وتكاثر الشر، والغباوة في استعمال الغذاء، والرفاهية المبذرة عند بعض الشعوب. حتى أن هيئة الأمة المضطهدة وجدت أن الموت سيحصد ثمانين (80) مليون شخص سنويا، واللعنة على شفاههم لم يعرفوا الله الفادي لأن المؤمنين سيكونون كسالى في بيوتهم المريحة، لا يتحرك طرفُهم شفقة على الشعوب الجاهلة بتعزية الإنجيل.

اتعجب إن ارتجفت الأرض واقشعرت بازدياد الأنانية والكفر والدعارة؟ طبعاً إن سب الزلازل والهزات معروفة علمياً، فهو انزلاق في الطبقات الأرضية وهبوط كتل منها بسبب وجود فراغ ومغاور في جوف الأرض. لكن السبب الرئيسي، هو غضب الله على الرفاهية والبطر والسكر والعربدة، بجانب الجوع الهائل وعدم المحبة، وتكاثر قوى السلطات الإلحادية واستنادهما على الباطل والظلم.

عندما نذكر عدم تغيّر المقاصد الإلهية التي تتحكم في كل الحوادث فإن ذلك يسكن ويهدئ نفوسنا مهما حدث. والله إنما يتمم الأمور التي قصدها لنا، ولذلك فإن إفراطنا في الفزع لا يفسر إلا بالإعتراض على مقاصده. فإن كان “لا بد أن تكون هذه كلها” وجب أن نذعن ونمتثل. فإن هذه الحوادث لا بد أن تتم ليس فقط كنتيجة للمقاصد  الإلهية بل أيضاً كوسيلة لغاية سامية. ينبغي أن يهدم المسكن القديم، حتى وإن كان ذلك لا يمكن أن يتم بدون ضوضاء وغبار وخطر، قبل إقامة الجديد. ينبغي إزالة “الأشياء المتزعزعة لكي تبقى التي لا تتزعزع” (عب12: 27)

اطلبوا الرب فتحيوا. بشّروا بالإنجيل بحكمة، فترافقكم قدرة محبة الله. ويل للأرض بدون الإنجيل! لأن الشعوب تفترس بعضها بعضاً كذئاب جائعة.

الصلاة:أيها الآب، اغفر لنا أنانيتنا، واجعلنا صانعي السلام بواسطة التبشير بصليب ابنك. ارحمنا لنُشبع الجياع بخيراتك، ونضيء للضالين بحكمة، ونعزّي البائسين. احفظنا من الضلال المزمع أن يهبط على العالم، لأنك أنت الوحيد الذي تخلّصنا من خطايانا. نحن في حاجة ماسة إلى ابنك المخلّص الوحيد.

السؤال 215 : ما هو أكبر خطر على البشر؟

يسلّمونكم إلى ضيق

(24: 9-14)

24: 9 حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. (10) وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.(11) وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ.

(متى10: 21-22، يو16: 2، 2بط2: 1، 1يو4: 1)

يرسل المسيح سلامه إلى الأمم والمدن والقرى والمخيمات، فالمستعدون للإيمان يتوبون ويدخلون إلى رحاب المسيح، ويسلكون في قوة الروح القدس طاهرين، ويصبحون أنواراً في الظلمة المتكاثرة جداً. بيد أن كل الذين يفضّلون المال على الله، ويغتصبون السلطة ويغرقون في النجاسة، ويرفضون التوبة الحقة، مصرّين على ظنونهم أنهم صالحون، هؤلاء يقسّون أنفسهم تجاه خلاص الإنجيل تدريجياً، ويبغضون النور، ويكرهون رسل المسيح، ويقتلون الذين أشفقوا عليهم سابقاً، وقسموا الخبز معهم في ساعات الحرج والضيق، لأن الروح الشيطاني يضاد الله والمولودين من روحه. ينطبق هذا المبدأ على كل الأزمنة والأمكنة حتى لو اختلفت المظاهر الخارجية نوعاً ما.

إن في نهاية الزمن ستزداد البغضة ضد المسيح، حتى أن السلطات تحكم على أتباعه، وتجعلهم مسؤولين عن ضيقات العالم، فسوف يبغضون من قبل كل الشعوب، إذ الروح الشرير يقصد إبادة أتباع المسيح نهائياً.

لا تتعجب. فإنه بمقدار ما يُجري الله بواسطتك من قوة ومحبة في عالم البغضاء، بهذا المقدار يرفضونك ويعذّبونك، وربما يطردونك من بيتك، أو يقتلونك بفرح وابتسامة. ليس لنا في هذه الدنيا وعد بحياة مريحة، بل المسيح يدعوك للضيق والموت دون أن يفارقك سروره.

يكلف الإعتراف بالمسيحية ثمناً غالياً “حينئذ يعثر كثيرون” يتعثرون أولاً في مسيحيتهم ثم يعثرون عن مسيحيتهم. يبدأون بالتذمر على مسيحيتهم، ثم تفتر محبّتهم فيها، ثم يملّونها، وأخيراً يتمردون عليها.

إن أوقات الإضطهاد هي التي يظهر فيها كل واحد على حقيقته، فالذئاب التي في ثياب حملان تنزع عنها لباس تنكرها وتظهر حقيقتها.

إن خيانة الإخوة هي أشد الأمور مرارة. إن احتقار العالم لسفراء المسيح مفهوم، لكن الاحتيال وشهادة الزور أمام السلطات من الإخوة والإيقاع ببعضهم البعض، إن مثل هذا يحزّ في نفوسنا ويدميها! فلا تبغض أخاً ولو أنكرك، لأنه قد سقط غنيمة لحيلة الشيطان. فصَلّ لأجله وأحبَّه واحتملهُ كما احتمل المسيح خائنه يهوذا إلى المنتهى قائلاً له: «يا صاحب، لماذا جئت؟».

إن الشيطان يزيد ويفاقم هذه التطورات السلبية والمخاوف بواسطة مضلين يذيعون فداء العالم بالقدرة البشرية، ويسحرون الجماهير بفردوس العمال. وآخرون يحرضون الأتقياء إلى القمّة المزيفة في القداسة بحفظ الشريعة التي تمنعهم من بعض المآكل والمشروبات والألبسة. فكل مؤلفي الكتب والفلاسفة الموقرين، الذين لا يركزون على المحبة المعبر عنها بصليب المسيح، هم مضلون، لأنه لا فداء إلا بالمصلوب. امتحن الأرواح ولا تسلم نفسك لنبي أو مصلح يُذهب بالألباب إلا من يُعظِّم المسيح وإياه مصلوباً.

الصلاة:يارب المحبة، كم نتألم من ضربات دينونتك على المتمردين والكفار الذين تحبهم وتفديهم ولا يعرفون حقيقتهم ولا يريدون أن يعرفوك. اغفر لهم ولنا، وارسلنا إليهم وأرشدنا لإعلان إنجيلك بقوة وحكمة حتى يرجعوا إليك. ساعدنا لكي لا نخاف من ضربات غضبك على البشر، بل ننشر خلاصك ولطفك لكل من يتوب ويؤمن بمحبتك.

السؤال 216 : ماهي أسباب الإضطهاد وعواقب خيانة الإخوة في الأيام الأخيرة؟

24: 12 وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ. (13) وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ. (14) وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى.                           (متى10: 22؛ 28: 19، 2تيمو3: 1-5، رؤ13: 10)

كل سائق سيارة يختبر في ازدحام المدن كيف يقطع عليه زملاؤه الطريق بشراسة خطرة. ويتألم الطلاب في المدارس من حيل وخداع زملائهم واحتقارهم لهم. إن الظلم والأنانية والخشونة أصبحت عامة ومتداولة بيننا، والفضائل المحترمة أوشكت على الزوال، وهيبة الآباء على ابنائهم اضمحلّت، والوجهاء يقبلون الرشوة، ويسود الغش والمكر والإستغلال.

الجميع يعيش في وسط هذا الجو المسموم، الذي يدخل إلى قلوبنا رويداً رويداً، لنتغيّر نحن أيضاً إلى مبغضين نجسين سفاكين. أما المسيح فيضع يده علينا ويحررنا من الحقد ويمنحنا محبته الخاصة، لأن لطف المسيح وحده يمكنه أن يغلب ظلمة أيامنا الأخيرة. لكن من لم يثبت بتصميم في صبر المسيح سيسقط منه، لأن أساليب الشيطان ماكرة وقوية.

فيا أخي القارئ، انظر إلى المسيح، كيف غفر على الصليب ذنوب أعدائه، وخلّص اللص التائب، وثبت صابراً في عاصفة غضب الله على ذنوبنا. تألم المسيح بلا تذمّر، وأحب بلا انقطاع. فلا تقدر أن تحتمل بغضة زملائك بقدرتك الخاصة، بل الرب يقوّيك إلى محبة فائقة وإن لم تغلب حساسيتك الزائدة وتموت عن شرفك وتترك اشمئزازك من كل إهانة فتنفصل رويداً رويداً عن شركة القديسين وتبرد محبّتك. التجئ إلى يسوع ليقوّيك، فيحل في نفسك الضعيفة مانحاً لك التأني واللطف والمحبة السماوية، لأنك بدونه لا تقدر أن تعمل شيئاً بنّاءً.

أما الصَبور فيخلص مع العلم أن المسيح لا ينتظر منك صبراً في حادثة واحدة فقط، بل غفراناً مستمراً وسروراً مستديماً ورحمة إلى نهاية حياتك. المسيح مستعد أن يحمل نيرك معك، فتتعلم منه، لأنه وديع ومتواضع القلب، فتجد راحة لنفسك.

يخبرنا المسيح أن الإنجيل لا بد أن يُسمع، أو على الأقل يُسمع عنه، في كل العالم المعروف وقتئذ قبل خراب أورشليم، وأن كنيسة العهد القديم لا تنحل تمام الإنحلال قبل استقرار كنيسة العهد الجديد، وتوطد أساساتها. بعد أربعين سنة من موت المسيح خرج صوت الإنجيل إلى كل الأرض (رو10: 18). وبولس الرسول أكمل التبشير بالإنجيل من أورشليم وما حولها إلى الليريكون   (رو15: 19). والرسل الآخرون لم يكونوا كسالى. لقد ساعد اضطهاد القديسين في أورشليم على تشتيتهم حتى أنهم جالوا في كل مكان مبشرين بالكلمة (أعمال8: 1-4) وعندما تصل أخبار الفادي إلى كل أقصاء العالم حينئذ تزول دولة اليهود. وهكذا نرى أن ماظن اليهود أن يتحاشوه بقتل المسيح قد تمموه هم أنفسهم بنفس الوسيلة. فالجميع آمنوا به، وأتى الرومانيون وأخذوا موضعهم وأمتهم. وبولس يتحدّث عن وصول الإنجيل إلى كل العالم والكرازة به في كل الخليقة (كو1: 6-23).

كما نفهم أنه حتى في أوقات التّجارب والضيقات والإضطهادات لا بد من الكرازة ببشارة الملكوت وانتشارها، ولا بد أن يشق الإنجيل طريقه وسط أشد المقاومات. سوف يكرز بالإنجيل ولو اشتدت نيران أعداء الكنيسة وفترت محبّة محبيها. وحتى إن سقط الكثيرون بالسيف وباللهيب، وفسد الكثيرون بالتملقات، فإن الشعب الذين يعرفون إلههم تشتد سواعدهم ليأتوا أجلّ الأعمال  بتعليم الكثيرين.

يخبرنا الرب يسوع أن للأرض والكون نهاية، فلماذا نعيش كأنه لا نهاية لحياتنا وجنسنا؟ المنتهى قريب جداً بواسطة القنابل النووية يمكننا أن نفكر بزوال الكرة الأرضية بلمح البصر. لقد أعطانا موسى المفتاح للسلوك الحكيم بقوله: «إحصاء أيامنا هكذا علّمنا، فنؤتَى قلب حكمة»    (مزمور 90:12).

الصلاة:أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك تأتي إلينا لتحمينا. علّمنا أن نحب كل الناس ونقدّم إليهم قوة الإنجيل الفعَّال. علّمنا الصبر واحتمال الآلام، كما يسهر عبيدك في كل الأرض مصلّين: تعال أيها الرب يسوع.

السؤال 217:  كيف ننتصر على الضيقات في الأيام الأخيرة؟

خراب أورشليم

( 24: 15-22)

24: 15 فَمَتَى نَظَرْتُمْ رِجْسَةَ الْخَرَابِ  الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ – لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ – (16) فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، (17) وَالَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلا يَنْزِلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئاً، (18) وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ فَلا يَرْجِعْ إِلَى وَرَائِهِ لِيَأْخُذَ ثِيَابَهُ. (19) وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ! (20) وَصَلُّوا لِكَيْ لا يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلا فِي سَبْتٍ، (21) لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ. (22) وَلَوْ لَمْ تُقَصَّرْ تِلْكَ الأَيَّامُ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ تُقَصَّرُ تِلْكَ الأَيَّامُ.             (دانيال12: 1، لو23: 29، مر13: 14-23، لو21: 20-24)

بعدما لخَّص المسيح مباديء الدينونة التي ستقع على العالم كله في الأيام الأخيرة قبيل مجيئه، أوضح لتلاميذه عقوبات الله المزمعة أن تأتي على أورشليم، لأن الأمة اليهودية صلبت ابن الله.

طلب يسوع المسيح الغفران لأجلهم، واستجاب له أبوه لطلبته إنما بعد انسكاب الروح القدس رفضت الأكثرية منهم الإنجيل، واضطهدوا المؤمنين بالمسيح، فحل عليهم القصاص.

أما قوله «رجسة الخراب» ليست بصنم أو تمثال أقامه الرومان بعدئذ عوضاً عن الهيكل المنهدم، بل قد تمت قبيل التدمير الفظيع لأورشليم.

انقسم اليهود في ذلك الوقت إلى فرقتين، فحاصر الغيورون الذين استخدموا العنف ضد الكهنة في داخل الهيكل، ورموهم بحجارة ونيران، فسال دم الكهنة المقتولين قرب المذبح المقدس وغطى أرض دار الهيكل. استنتج المسيحيون الذين من أصل يهودي من هذا الجرم أنه رجس الخراب في وسط الهيكل أواخر سنة 70م في الوقت الذي كان فيه الرومان قادمين إلى أورشليم لحصارها، ففارقوا شعبهم حسب إرشاد نبوة المسيح الواضحة، والتجأوا إلى مدينة “بلا” في جنوب بحيرة طبريا، فارين من الحصار ومخلصين أنفسهم من الضيق العظيم الهابط على سكان عاصمتهم المقدسة.

بعد قليل أقبل القائد الروماني “تيطوس” بجيش كثيف، فحاصر أورشليم في أيام عيد الفصح، وهي مكتظة بالحجاج الوافين إليها بالملايين. استمر حصارها مدة خمسة أشهر، فحصل بسرعة قصوى جوع عظيم، حتى أن كثيراً منهم فروا مستسلمين للرومان الذين صلبوهم بلا شفقة. فارتفعت مئات الصلبان حول أسوار أورشليم القاتلة.

بعد فتح المدينة وإحراق الهيكل ودمار الأبنية الفخمة، سبى الرومان اليهود إلى الأسر والعبودية، وابتدأ ضيق غير مطاق عليهم، طبقاً لصراخهم أمام بيلاطس في محاكمة يسوع: دمه علينا وعلى أولادنا. وهكذا كان.

إن رجسة الخراب معناها اليوم الإنشقاق بين المؤمنين وانتقامهم من بعضهم البعض حتى الموت، في مكان مقدس، رغم الضيق والإضطهاد الزاحف عليهم من الخارج. وهذه المعرفة تدفعنا إلى التوبة والإستغفار إذا رأينا في جمعياتنا وكنائسنا وحلقاتنا تحزباً وانشقاقاً حتى يصير البعض محارباً للآخر. إن المسيحية المنشقة على نفسها هي مضادة لجوهرها الأصيل، فعلينا أن نخضع ونتواضع جداً، ونكرم ونحب ونغفر لبعضنا البعض، لكي لا نشترك في رجسة الخراب في أيامنا الحاضرة، حيث لا يتمم المؤمنون وصية المسيح الجديدة “المحبة المتبادلة”، ويقيمون مرة أخرى علامة العثرة الرجسة في البيت المقدس، ويمهدون لهبوط دينونة الله. إذا كان عندكم خصام فاصطلحوا مهما كلف الأمر، لكي لا تفقدوا أنفسكم وأنفس كثيرين، وأنتم مسؤولون عن الخراب إن لم تصطلحوا.

في أوقات الخطر الشديد ليس شرعياً فقط بل واجباً أن نطلب النجاة بكل الوسائل الشريفة الشّرعية. وإن فتح الرب باباً للنجاة وجب علينا أن نطلب النجاة، وإلا فإننا لا نثق في الله بل نجرّبه.

عندما يكون الموت على الأبواب فإن أي تأخير يكون شديد الخطورة. كان هذا ما أوصى به لوط “لاتنظر إلى ورائك” (تك19: 17). على الذين يقتنعون بتعاسة حياة الخطيئة، والهلاك الذي يقترن بحياة الخطيئة هذه، ويقتنعون بالتالي بضرورة هربهم إلى المسيح، أن يسرعوا لئلاّ يهلكوا إلى الأبد لسبب إبطائهم بعد كل هذه الإقتناعات.

كما أن حمل ثيابه ومنقولاته وأشياءه الثمينة معه يكون عبئاً عليه ويعرقل هربه. لما هرب الأراميون طرحوا ثيابهم عنهم (2مل7: 15). في وقت كهذا يستحسن أن نشكر الله إن أعطيت لنا نفوسنا غنيمة ولو لم ننج شيئاً من ممتلكاتنا. “فالحياة أفضل من الطعام” (مت6: 25). والذين يحملون أقل كمية ممكنة يكونون أكثر أمناً في هربهم. يقول المثل اليوناني “المسافر المفلس لا يسطو عليه اللصوص”. وقال أحد الفلاسفة أثناء هربه وهو خاوي الوفاض “كل ممتلكاتي معي”. من كان قلبه عامراً بالنعمة يحمل كل ممتلكاته معه وإن جُرد من كل شيء.

الصلاة: أيها الآب نستحق غضبك وهلاكك فوراً، لأننا مستكبرون متباهون ومنقسمون إلى فرق وأحزاب، ونكره ونحتقر بعضنا البعض. اغفر لنا ظننا أننا خير من الآخرين، ووحدنا في تواضع المحبة، وعلى أساس كلمتك القوية.

السؤال 218 : ماهي رجسة الخراب؟

مُسحاء كذَبة

( 24: 23-26)

24: 23 حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا أَوْ هُنَاكَ فَلا تُصَدِّقُوا. (24) لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضاً. (25) هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ. (26) فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: هَا هُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ فَلا تَخْرُجُوا! هَا هُوَ فِي الْمَخَادِعِ فَلا تُصَدِّقُوا! (تث13: 2-4، لو17: 23-24، 2تسا2: 8و9، رؤ13:13)

آمن اليهود أنه في آخر ساعة الضيق يرسل الله مسيحه مخلّصاً، ومعه جيوش الملائكة لعَوْنهم. لكنهم خسروا لأن الله لم يكن معهم، إذ صلبوا ابنه الوديع ورفضوا روحه القدوس. إنما بقوا ينتظرون المسيح حتى اليوم، غير مدركين أنه قد أتى. فهو سيأتي ثانية في سلطان ومجد عظيم، مثل البرق مضيئاً السماء. أما نحن فعلينا السهر والحذر والانتباه لكيلا نسقط غنيمة للمسيح الكذَّاب، الدجال المضل، الذي سيكون شخصية تاريخية هائلة، ابن الشيطان بالذات. لا نقبل رباً آخر إلا يسوع المسيح المُقام من بين الأموات، الجالس عن يمين الآب، وهو آتٍ في سحاب السماء.

وإذ يعرف إبليس أن وقته قصير، وأن العالم يسارع إلى المنتهى، يرسل أنبياءه الماكرين ورسله العباقرة ومسحاءه المقتدرين لإضلال الشعوب. إن كلمة «المسيح» تعني عادة الممسوح بالدهن المقدس، كنبي أو كاهن أو ملك، والذي أصبح مسؤولاً عن الدين والدولة أمام الله. أما المسيح الكذاب فهو الممسوح بروح الشيطان الممتلئ رجساً وكذباً وسفكاً.

منذ موت المسيح على الصليب كرئيس الكهنة الحق، أتى مئات الأنبياء الكذبة ورسل الشرير، مدَّعين أنهم مسحاء من قِبَل الله، مخلّصين للعالم.

إنما أحبوا أنفسهم وقبلوا تأليههم، وسمحوا برفع صورهم وتماثيلهم الكبيرة في الشوارع لتمجدهم الجماهير وتعبدهم من دون الله. هكذا فعل “هتلر” في ألمانيا، إذ طلب من الشعب أن ينادي “الخلاص بهتلر” وكذلك “ستالين” في روسيا، حيث طلب من أمته أن يرفعوا صورته عوضاً عن الأيقونات في بيوتهم. كذلك فعل “ماو” في الصين إذ يعتبره الملايين أنه الشمس المشرقة من الشرق. الغريب في الأمر أن هؤلاء الزعماء يمزجون الدين بالدولة، ويضادون بعنف روح المسيح الذي كان وديعاً ولطيفاً ومتواضعاً، وقد استغنى عن السلطة والسيف، ولم يبد أعداءه بل حمل خطاياهم وغلبهم بمحبته القدوسة.

لكن مسيحنا العظيم هو المصلوب المرفوض الذي صالحنا مع الله، ويستطيع  على تغيير القلوب، ويدعو أتباعه إلى ملكوت محبته. أما المسيح الكذَّاب فيعمل عكس ذلك، ويجعل الناس يتمسكون بصلاحهم الذاتي وجودتهم الكاذبة، وينكر ألوهية يسوع المسيح، ويطور الإعتقاد بالإنسان المتفوق، ويحاول أن يحل مشاكل دنيانا، بقدرته المهلكة وببهائه الفاسد (1يو2: 22-25؛        4: 1-5).

قال المسيح ثلاث مرات: «احترسوا من المسحاء الكذبة» لأن المضلّين يضلونكم للاتكال على النفس. أما حَمَل الله الوديع فيغفر الذنوب، ويمنح الحياة الأبدية للمؤمنين الملتصقين به. انتبه خاصة من المسيح الكذَّاب الأخير الذي هو قمة الدجالين. إنه سيوحد العالم كله، ويعمل على انسجام وتوحيد الأديان معا في اكاذيب عبقرية. سوف يأتي سريعاً إلينا، لأن العالم قد نضج واستعد لاستقباله في كل نواحي الحياة اقتصادياً ودينياً وتقنياً. لا تنس أن الدجَّال الكبير يأتي قبيل المسيح الحق.

الصلاة:أيها الآب، نشكرك لأنك ولدتنا ثانية بدم الحبيب وقوة روحك القدوس وجعلتنا أهلاً لملكوتك. احفظنا في تواضع لنتمسّك بالصليب ولا نؤمن بصلاح الإنسان الطبيعي. سدّ أذنينا لكيلا نصغي إلى وسوسات المسيح الكذَّاب وسعاته. أعطنا الثبات في ابنك مع كل مختاريك في العالم.

السؤال 219 : من هو المسيح الكذَّاب، وما هي صفاته وأعماله؟

علامات المجيء الثاني للمسيح

(24: 27-31)

24: 27 لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْبَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ الْمَشَارِقِ وَيَظْهَرُ إِلَى الْمَغَارِبِ، هكَذَا يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. (28) لأَنَّهُ حَيْثُمَا تَكُنِ الْجُثَّةُ فَهُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ. (29) وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ لا يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ، وَقُّوَاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. (30) وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلامَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِقُّوَةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. (31) فَيُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ الصَّوْتِ، فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا.( إش13: 10، دانيال7: 13و14، مر13: 24-27، لو17: 37؛ 21: 25-28، 1كور15: 52، 2بط3: 10، رؤ1: 7؛ 6: 12-13؛ 8: 2؛ 19: 11-13)

إن المجيء الثاني للمسيح هو أهم حادث في مستقبل العالم، وكل التطورات التاريخية تتجه نحو هذا الحدث الهام. فطوبى للإنسان المستعد للقاء الملك الآتي في مجد عظيم.

تسقط الصواعق على أهدافها فجأة باهرة وخاطفة الأبصار. هكذا سيكون المجيء الثاني للمسيح، ظاهراً ببهائه بسلطة ومجد عظيم، فتبدو السماء كأنها محترقة ملتهبة، والأرض متزلزلة متضعضعة والعناصر متزعزعة متقلّبة، والنجوم متكدّرة مترنحة، لأن الخالق يأتي مكشوفاً بكل سلطانه للحصاد الأخير.

قال صاحب الحق “لأنه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور” حيثما كرز بالمسيح اجتمعت إليه النفوس. إن رفع المسيح عن الأرض، أي الكرازة به مصلوباً، التي قد يظن بأنها تنفر الجميع منه، ستجذب الجميع إليه (يو12: 22)، وفق نبوة يعقوب من أنه “له يكون خضوع شعوب”        (تك49: 10).

تجتمع النسور حيث تكون الجثة لأنها طعام لها، وليمة لها “فراخ النسر تحسو الدم وحيثما تكن القتلى فهناك هو” (أي39: 30). هكذا كل الذين ينهض الله أرواحهم ينجذبون إلى المسيح ليجدوا فيه طعامهم. فلمن يذهب النسر إلا للفريسة، ولن تذهب النفس إلا ليسوع المسيح الذي عنده كلمة الحياة الأبدية.

لا يكون العالم مستعداً لمجيء المسيح وقبوله إذا استمر في ذنوبه وازداد في تجديفه، فالناس يشبهون الأموات في الخطايا. وكما تطير النسور في الفضاء وتدور حائمة فوق فرائسها، وتسطو عليها وتنهش منها قبل أن تلفظ الروح، هكذا سيأتي المسيح الكذَّاب بجيوشه ليأكل الكنيسة والعالم أجمع قبيل النهاية، ويكون الاضطهاد عظيماً على أتباع يسوع.

عندما يستمر الإضطهاد في كل نواحي الأرض، يصل ابن الشيطان إلى غايته، فيعم الكفر والإلحاد بين الأنام، حتى يحتجب الله وابنه، كالشمس والقمر عندما تغطيهما عواصف الرمال في الرياح الخمسينية.

قبيل مجيء المسيح الثاني ستحدث تغيرات كونية طبيعية، فيغطي الدخان والغبار الشمس والقمر، وتزيد البرودة والصقيع على سطح الأرض، لأن أشعة الحرارة الشمسية لا تصل إلى سطح كرتنا بسهولة.

تدل هذه التغيرات في الفضاء أيضاً على الصراع الروحي، لأن المسيح يأتي مع كل ملائكته منتصراً على جيوش السلطات الظالمة، فتغلي جهنم قبل مجيء ابن الله بغيظ عظيم، لأنها لا تقدر أن تمنع مجيء القاضي الأزلي. سيرى كل الناس علامة ابن الإنسان في السماء.

في ذلك الوقت سيكمل الروح القدس تعزيته فينا نحن المؤمنين، ويحيينا ويقيمنا لنفرح ونتقدم إلى ربنا المحبوب بهتاف ويقين الضمير. أما من هو غير مولود بروح الله فييأس ويولول، ويصرخ: يا ليتني متُّ قبلاً. لا أقدر أن أموت، لأنه لا توجد أماكن للهروب من نور الله!

أيها الأخ، إرجع إلى ربك واعترف له بذنوبك، فيطهّرك دم المسيح تطهيراً أبدياً، وروحه القادر يحييك ويجددك إلى إنسان روحي طاهر. إنك تمكث ميتاً فاسداً بدون روح المسيح فيك، وسوف تجمعك ملائكة الدينونة وترميك كقرمة جافة إلى لهيب النار. لكن إذا امتلأت بصلاح أبيك السماوي، فسوف يعرفك المسيح في اليوم الأخير، ويدعوك ويجمعك مع كل المؤمنين بيد ملائكة نعمته، لأنك أصبحت جزءاً من محبته وعضواً في جسده الروحي، حيث يبهرك نور المسيح، وتتخدر حواسك ويريك يسوع جروحه وأثر المسامير في يديه ورجليه قائلاً لك: “لا تخف، لأني فديتك، دعوتك باسمك، انت لي“.

الصلاة:أيها الرب القدوس، لست أستحق أن أرفع وجهي إلى بهاء مجدك الآتي إلينا. اغفر لي جبلتي المستكبرة، وامح أكاذيبي. طهرني من نجاساتي. قدسني تماماً لكي أصبح جزءاً من محبّتك وعضواً في جسدك الروحي، مستعداً لمجيئك العظيم. تعال أيها الرب يسوع لأن الظلمة تتكاثر وتزداد.

السؤال 220 : ماهي علامة مجيء ابن الإنسان؟

نهاية العوالم

(24: 32-36)

24: 32 فَمِنْ شَجَرَةِ التِّينِ تَعَلَّمُوا الْمَثَلَ: مَتَى صَارَ غُصْنُهَا رَخْصاً وَأَخْرَجَتْ أَوْرَاقَهَا، تَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّيْفَ قَرِيبٌ. (33) هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً، مَتَى رَأَيْتُمْ هذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ. (34) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لا يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ. (35) اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولانِ وَلكِنَّ كَلامِي لا يَزُولُ. (36) وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلا يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلا مَلائِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلا أَبِي وَحْدَهُ.

(مر13: 28-32، لو21: 29-33؛ 12: 39و40، إش51: 6، متى5: 18، أع1: 7)

تنبأ المسيح أن الأرض والقمر وعوالم النجوم ستزول حتماً، كما ألهم الروح القدس بطرس بهذه الحقائق، فكتبها في رسالته الثانية 3:8-13. إذا قرأت هذه الحقائق ترَى أن كل مخلوق يزول لأنه خاطيء وبعيد عن خالقه الغارق في الشر. لذلك ينبغي أن يزول الكون ويحترق كله، لأن جميعنا مستحقون الموت في هذه اللحظة.

لكن الله وعَد في نعمته الفائقة أنه سيخلق سماءً جديدة وأرضاً جديدة يسكن فيها البر والسلام.

سيعيش أتباع المسيح مع الله كعائلة واحدة في الفرح السرمدي. احفظ كلمات المسيح غيباً، لأنها أعظم كنز للبشر وهي تنقلنا من الفاني إلى الأبدي ومن الذنوب إلى البر. اصغ إلى كلمة المسيح أكثر مما تنتبه إلى صور التلفزيون، وآمن بقوتها واعمل بموجبها، فتشترك في عالم الله الجديد. وإذا اضطررت للسفر أو الهروب من بلادك والتجائك إلى مخبأ من القنابل الساقطة على بيتك، فأهم شيء هو أن تضع الكتاب المقدس في حقيبتك وليس المال أو الذهب والملابس، لأنه الغذاء الروحي لنفسك في الدنيا والآخرة. كن حكيماً ولا تنفصل عن كلمة ربك المطبوعة. هو أمّن لك سلامة إنجيله الذي ليس بإمكان أحد تغييره، لأن كلمات الله لا تزول ولو زال الكون بأكمله، فكلماته ثابتة والمسيح نفسه هو كلمة الله.

إن الشعوب تزول والعائلات تضمحل، لكن كلمة الله أمينة لا تتغير. فقد وعد الرب النبي إشعياء، أنه ستبقى بقيّة مقدّسة من أولاد يعقوب بعد الويلات المتعددة وضربات الله الأليمة (إش6: 9-13؛ رؤ7: 4-8) فإذا آمنت هذه النخبة بعد تجديدها بين الشعوب، تكون النهاية قد بدأت.

إن كلمة المسيح أثبت وأبقى من السّماء والأرض. إذا ما تكلّم الرب فلابد أن يتمم كلمته (اش38: 15). نستطيع أن نعتمد على كلمة المسيح بيقين أشد مما نعتمد على أعمدة السماء أو أساسات الأرض القوية. لأنهما عندما يتزعزعان ويتداعيان ويزولان تبقى كلمة المسيح، وتستمر في ملء قوتها ومفعولها.

علينا الاعتراف بأن أموراً كثيرة ستحدث تمهيداً لمجيء المسيح، ولو أننا لا نعرف كل تفاصيلها. أما الغبي فهو الذي يدَّعي معرفة كل شيء. بينما اعترف المسيح في اتضاعه كمن أخلى نفسه، بأنه لا أحد يعرف ساعة نهاية الكون، إلا أبوه. لكن بعد قيامته من بين الأموات شهد المنتصر على الموت والشرير أنه قد دفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض. رأى البشير في رؤياه على جزيرة بطمس أن الحَمَل الذبيح هو الوحيد المستحق أن يفتح ختوم سفر الرؤيا، مع تفسير الأيام الأخيرة، فتاريخ البشر بين يديّ المسيح الوديع.

الصلاة:أيها الرب يسوع، نسجد لك لأنك ملك الملوك ورب الأرباب وتحتوي في يدك تاريخ كل البشر. اغفر لنا اهمالنا ولا مبالاتنا. علمنا التفكير بنهاية الكون، كي نستعد لمجيئك ولا نيأس، بل نتقدّم إليك بهتاف وشكر. نعظمك لأجل كلماتك المعلنة لنا أسرار المستقبل، أنت رجاؤنا اليقين.

السؤال 221 : ماذا أعلن يسوع عن مثل التينة؟

دلائل على اختطاف المؤمنين

(24: 37-41)

24: 37 وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. (38) لأَنّهُ كَمَا كَانُوا فِي الأَيَّامِ الَّتِي قَبْلَ الطُّوفَانِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ وَيُزَوِّجُونَ، إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ الْفُلْكَ، (39) وَلَمْ يَعْلَمُوا حَتَّى جَاءَ الطُّوفَانُ وَأَخَذَ الْجَمِيعَ، كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضاً مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ. (40) حِينَئِذٍ يَكُونُ اثْنَانِ فِي الْحَقْلِ، يُؤْخَذُ الْوَاحِدُ وَيُتْرَكُ الآخَرُ. (41) اِثْنَتَانِ تَطْحَنَانِ عَلَى الرَّحَى، تُؤْخَذُ الْوَاحِدَةُ وَتُتْرَكُ الأُخْرَى.                           (لو17: 35)

قُبَيل الطوفان أمر الله نوحاً أن يصنع فلك الخلاص لنفسه وعشيرته، فاستهزأ أصدقاؤه به وحسبوه مجنوناً، حتى غرقوا في طوفان غضب الله يائسين. أما نوح فآمن بكلمة الله وأطاع هُداه، رغم المستهزئين حوله، فخلص مع عائلته.

المسيح هو فلك خلاصنا لا غيره. إنه يقدّم لنا الحماية من غضب الله، ويغفر ذنوبنا، ويمنحنا الحياة السرمدية، ويغذّينا بكلمته المقدسة. فتعال إلى مخلّصك، واتحد به في عهده الجديد فتعيش معه إلى الأبد حتى ولو زالت العوالم بالضجيج والنار.

إن أصبح تغافل الناحية الروحية عاماً شاملاً في أي شعب كانت علامة أخطر من أشر القبائح التي توجد في حالات فردية هنا وهنالك.

الأكل والشرب ضروريان لحفظ حياة الإنسان، والتزوج والتزويج ضروريان لحفظ الجنس، ولكن الأمور الشرعية تسبب لنا الهلاك إن تمّت بطريقة غير شرعية. كانوا غير معقولين فيها، متطرفين ومفرطين في إشباع الشهوات الجسدية وأرباح العالم، كانوا منغمسين فيها بكليتهم، كأنهم لم يخلقوا إلا ليأكلوا ويشربوا.

كانوا منغمسين فيها في الوقت غير المناسب، فقد انصرفوا بكليتهم للعالم وللجسد عندما كان الخراب على الأبواب، وعندما كانت لديهم الإنذارات الكافية، كانوا يأكلون ويشربون في الوقت الذي كان ينبغي فيه أن يتوبوا ويصلوا. عندما دعا الله بخدمة نوح إلى البكاء والنوح كان هنالك بهجة وفرح، فكانت هذه هي خطيئتهم التي لم تغتفر كما كان الحال مع إسرائيل فيما بعد     (إش22: 12و14).

نرى في تاريخ البشر أنه قبل زوال الحضارات، يصير الناس فاسدين سطحيين، يلعبون ويعملون النجاسة بدون خجل، رغم شعورهم بأن الخراب قادم! وقد وصف يسوع الوقت قبل مجيئه بأن الناس يكونون آكلين وشاربين ومتزوجين. فلا يعني هذا أن الأكل والشرب والزواج خطية، بل أن الناس يعملون كل ذلك بدون الله، وبعيداً عنه بسطحية وغرور، فلأجل لا مبالاتهم وكفرهم يسقطون إلى غضب القدير.

إن استقامتك المزيفة والمدعاة لا تنجيك من الدينونة المقبلة عليك، بل إيمانك بمخلصك يسوع وحده، هو الذي ينجيك. كثير من الناس يتعاونون في محنتهم لخير مجتمعهم، ويتباحثون في أمورهم المهمة، لكن المضطهد في المسيح وحده يخلص، ومن يترقب مجيئه حسب وعده هذا يحبه وينتظره ويتوقف فرز المسيح للبشر عند مجيئه على علاقة الفرد الشخصية بفاديه المحبوب. من يخصه ويمتلئ بروحه يكون مقبولاً ومأخوذاً في الساعة الأخيرة.

سيخطف المسيح خاصته كما يجذب المغناطيس ذرات الحديد من الغبار، فمحبة المسيح لقديسيه كبيرة بمقدار أنه يخطفهم في أوائل مجيئه. فيصعدون إلى السماء كما صعد ربهم مسبقاً. وهم طبعاً لا يستحقون هذا الصعود، لكن خلاص ربهم غيرهم من الأنانية إلى المحبة، ومن الكبرياء إلى التواضع.

لم يخبر المسيح المؤمنين مسبقاً عن ساعة مجيئه إذ يريد أن يكونوا مستعدين لاستقباله في كل حين، سواء كانوا في ساعات اليقظة والعمل حين تشرق الشمس في نصف الكرة الأرضية نهاراً، أو حين ينامون في الليلة الدامسة في النصف الآخر. سوف تأخذ ملائكة الرب الرجال والنساء على السواء، لأنه لا يوجد في الآخرة ذكوراً وإناثاُ، بل قديسين بلا لوم متشبهين بملائكة الرب.

إن محبة المسيح ستجتذب الأحياء في الروح من بين الأموات في الخطايا، لتوحيد أبدي مع مخلّصهم الفادي. هل أصبحت اليوم واحداً مع المسيح في الروح؟ وهل أدركت أن الرب نفسه يشتاق إليك وإلى كل المؤمنين منذ أن فارقنا ساعة ارتفاعه إلى السماء؟ إنه يأتي مدفوعاً من محبته وبملء إرادته ليخلص أحباءه المضطهدين في الضيقة العظيمة.

الصلاة:أيها الآب السماوي، نعظّمك لأن ابنك الحبيب أوجد لنا رجاءً حياً. إحفظنا من السطحية والتخيلات. امحُ معاصينا وثبّتنا في ابنك المخلّص لينجينا من ساعات الدينونة ويحفظنا إليه، مع كل المتغيّرين من الأنانية إلى المحبة ومن الحقد إلى السماح.

السؤال 222 : كيف سيعود المسيح ثانية إلى دنيانا وماذا سيحدث مع احبائه؟

اسهروا

(24: 42-44)

24: 42 اِسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لا تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ. (43) وَاعْلَمُوا هذَا أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأْتِي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. (44) لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لا تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.   (متى25: 13، 1تسا5: 2)

يأمرنا المسيح أن نتنبه ونسهر منتظرين مجيئه. هذا يعني أنه يتأخر وأن أحباءه ينعسون. لا يعرف أحد بدقة متى يأتي فعلاً. فالبعض يفكرون ويقولون: لا يأتي بتاتاً. وبعضهم يقول: قد أتى وهو بيننا الآن مستتراً. فالمسيح يوبّخنا ويأمرنا بالاستعداد واليقظة الروحية، لأنه يأتي فجأة على غير موعد، وبهدوء وسرية كسارق في الليل. فلا يلاحظ أحد البداية التمهيدية لمجيئه. لذلك فإن شعار زماننا هو الإنتباه المتيقظ والإصغاء إلى الأصوات في ظلمات الإلحاد، كي لا نفقد اللقاء مع ربنا.

إن السّهر لا يتضمّن فقط الإيمان بمجيء ربنا، بل الرغبة في مجيئه، ودوام الإنتظار في مجيئه ودوام التطلع إليه كأمر مؤكد وقريب وغير محدود وقته. والسهر لمجيء المسيح معناه الإستمرار في الحالة الروحية والفكرية التي نريد أن يجدنا عليها الرب عند مجيئه. السهر معناه أن نتنبّه لأول إعلان عن اقترابه، لكي نتقدّم إليه في الحال ونستعد لملاقاته. والمفروض أن السهر يكون في الليل، وهو في وقت النوم. فطالما كنا في هذا العالم فالوقت وقت ليل معنا، وينبغي أن نبذل الجهد لكي نبقى متيقظين مهما كلفنا من جهد.

كيف نستعد لمجيء المسيح؟

  1. نحبه ونشتاق إليه.
  2. نرتب البيت والقلب حتى يكونا طاهرين ومزينين، فنحضر كل ما يحبه ونرتب الأمور على أحسن وجه.
  3. ندرس علامات الساعة الدّالة على مجيئه ونقارن الوعود عند مجيئه في العهد القديم والعهد الجديد.
  4. نصلي ونسأل الرب ماذا يريد أن نفعل أو لا نفعل لحسن استقباله، حتى تصبح حياتنا كلها عبارة عن الاستعداد لمجيئه.
  5. نخبر جيراننا وأصدقاءنا عن مواعيد مجيئه والإعلان بما سيحدث قبل وبعد مجيئه، حتى يكونوا هم أيضاً مستعدين لاستقبال ملك الملوك.
  6. ندرّب أنفسنا على التسابيح وترانيم الحمد لاستقبال المخلص الحنون.

هل تستعد لمجيء يسوع أو تعيش بلا هدف وتتمحور حول ذاتك؟ امتحن ضميرك هل يوجد فيه نقطة سوداء أو حقد على إنسان لم تغفر له بعد زلاته؟ فاسرع لتنال التطهير لذاتك في أقرب وقت ممكن، واستغفر مادام الوقت موجود.

أيها الآب السماوي، سامحنا إذا اهملنا مجيء ابنك الحبيب بسبب انشغالنا بأمورنا الدنيوية. ارفع رؤوسنا نحو المنجي الآتي، الذي سيخلصنا من الإضطهاد والتجارب والموت. ساعدنا أن نمهد طريق الرب لعشيرتنا وأصدقائنا حتى يستعدوا هم أيضاً لاستقبال المسيح. قوِّ انتظارنا لئلاَّ ننام ونهمل ساعة وصوله.الصلاة:

السؤال 223 : كيف تستعد عملياً لمجيء ربك يسوع؟

العبد الأمين والعبد الرديء

(24: 45-51)

24: 45 فَمَنْ هُوَ الْعَبْدُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ فِي حِينِهِ؟ (46) طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا! (47) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ يُقِيمُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِ. (48) وَلكِنْ إِنْ قَالَ ذلِكَ الْعَبْدُ الرَّدِيُّ فِي قَلْبِهِ: سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ. (49) فَيَبْتَدِئُ يَضْرِبُ الْعَبِيدَ رُفَقَاءَهُ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ السُّكَارَى. (50) يَأْتِي سَيِّدُ ذلِكَ الْعَبْدِ فِي يَوْمٍ لا يَنْتَظِرُهُ وَفِي سَاعَةٍ لا يَعْرِفُهَا، (51) فَيُقَطِّعُهُ وَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ الْمُرَائِينَ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.               (متى25: 21-23، لو12: 41-46، 2بط3: 4)

أبناء الله أمناء لأبيهم منسجمون مع مقاصده، يخضعون لمسيحهم لأنه ربهم، ويسمّون أنفسهم عبيده. هذه العلاقة ليست مبنيّة على الخوف بل على المحبة والشكر للفداء. لا يسلم المؤمنون أنفسهم للمسيح مرغمين، بل يقبلونه حباً، ويتطور قبوله في قلوبهم، إلى طاعة بفرح.

من يسلّم قلبه للرب بلا قيد ولا شرط يؤهّله المسيح لخدمته في ملكوته، أي في الكنيسة. إن إحدى هذه الخدمات هي تقديم الغذاء الروحي لأعضاء عائلة ربهم. ربما يقودك المسيح لشهادة واضحة في مدرستك، ليتشجّع زملاؤك بكلامك. هل يوجد في محيطك إنسان جائع لبشرى الخلاص؟ هل سمع زملاؤك في مصنعك كلمة الصليب؟ وهل التقى أصدقاؤك بمخلّصهم، لأنك أوضحت محبته لهم؟ هل أنت أمين في خدمتك الموهوبة لك؟ إن كنت أميناً في القليل فسيستودعك ربك أنفساً كثيرة وخدمات متنوعة. فاطلب من ربك أن يصيرك أميناً وحكيماً في خدمتك بلا تهاون أو تشاؤم، بل بصلاة وإيمان ورجاء.

إن خدّام الإنجيل يقامون على أهل البيت كخدام ومدبرين، لا كرؤساء يتسلطون بعنف، فالمسيح طالما حذرنا من هذا، بل كوكلاء، لا كأسياد بل كمرشدين، لا للإرشاد إلى طرق جديدة بل ليبينوا ويرشدوا إلى الطريق الذي رسمه المسيح، فقد دعوا “مرشدين” (عب13: 17)، كنظّار لا لكي يستحدثوا عملاً جديداً بل لكي يرشدوا إلى العمل الذي رتّبه المسيح وبحثوا عليه. لقد أقامهم المسيح، فكل سلطة لهم مستمدّة منه، ولن يستطيع أحد أن ينتزعها منهم.

إن عمل خدام الإنجيل هو إعطاء الطّعام في حينه لأهل بيت المسيح كوكلاء، ولأجل هذا سلمت إليهم المفاتيح، فعملهم هو أن يعطوا لا أن يأخذوا لأنفسهم. أن يعطوا للأسرة ما اشتراه السيد، أن يوزعوا ما اشتراه المسيح. وللخدام يقال “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أعمال20: 35).

إن عملهم هو إعطاء الطّعام لا إعطاء الشريعة، فهذا هو عمل المسيح. بل إعطاء التعاليم التي إن هضمت جيّداً أصبحت غذاء للنفوس.

ويل لمن دعاه المسيح لخدمة الآخرين، فعاش لنفسه ولم يهتم بدعوة الله! وويل لمن نسي أعضاء كنيسته ولم يحبهم! فهذه التصرفات تدل على أن ذلك العبد الشرير نسي مجيء ربه القريب.

 فترقُّب إتيان المسيح يحفظنا من الكَسَل واللاّمبالاة، ويثبّتنا في الوعي والتواضع ويحرّضنا على الإقامة في خدمات متواصلة وبذل النفس، حتى نشتاق إلى تقديس أنفسنا، لنقف متزيّنين ساعة التقائه. من يشتاق إلى مجيء ابن الله، يرتب كل أمور حياته وبيته وكنيسته، ويرجو حصول الموعود بسرور.

إن من ينس هدف تاريخ البشر بسبب همومه أو طمعه يصبح إنساناً قاسياً، فهو لين مع نفسه، لكنه قاسٍ على زملائه المساكين. ويل لخدام الرب الكسالى! إن ربهم يهلكهم ويقطعهم قدام الآخرين الذين أهملهم، ويشقّهم بكلمته، كما يقهر الجبار أعداءه إرباً إرباً. هؤلاء المهملون لخدمة الرب، لا تنفعهم اختباراتهم الروحية المسبقة، ولا صلواتهم الحارة ولا تقدماتهم الضخمة، لأن المسيح يطلب منهم المواظبة في الخدمة والأمانة والإخلاص، كما كان هو دائماً وديعاً وقنوعاً وصبوراً. من لا يتبعه في هذه الصفات يفقد امتياز دعوته، ويهلك أنانيتهم إلى الرياء، حتى أنهم ظهروا أبراراً معتنين بزملائهم وكانوا أشراراً في داخلهم وفجاراً، فيكون عذابهم كبيراً.

هل أنت أمين في خدمة الذين استودعهم الرب بين يديك؟ أم تطلب احتراماً وتشريفاً آخر؟ هل أنت متوجه لالهك الآتي أم أناني تهتم بهمومك العديدة؟ فلا توجد منطقة حياد بين السماء وجهنم، فإما أن تعيش مع ربك في فرح عظيم، وإما أن تيأس بالمخاوف المظلمة الجهنمية التي تجعل الناس يبكون بلا نهاية، ويصرون على أسنانهم رهبة وخوفاً من الهجمات بسبب عدم أمانتهم في خدمة ربهم.

أيها الرب يسوع، أعترف أنني لم أكن حكيماً ولا أميناً في الخدمة التي دعوتني إليها وأوكلتني بها. إغفر لي إهمالي وتقصيراتي العديدة، وقدّسني لبداية متجددة في خدمتك، بقوة روحك القدوس، لتتجسد محبتك في ضعفي، فأصبح أميناً كما أنك أنت أمين لي بمحبتك العظيمة.الصلاة:

السؤال 224 : لماذا أمرنا المسيح باليقظة والسهر أثناء الخدمة؟

مَثَل العذارى الحكيمات والجاهلات

(25: 1-13)

25: 1 حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ عَشْرَ عَذَارَى، أَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَخَرَجْنَ لِلِقَاءِ الْعَرِيسِ. (2) وَكَانَ خَمْسٌ مِنْهُنَّ حَكِيمَاتٍ، وَخَمْسٌ جَاهِلاتٍ. (3) أَمَّا الْجَاهِلاتُ فَأَخَذْنَ مَصَابِيحَهُنَّ وَلَمْ يَأْخُذْنَ مَعَهُنَّ زَيْتاً، (4) وَأَمَّا الْحَكِيمَاتُ فَأَخَذْنَ زَيْتاً فِي آنِيَتِهِنَّ مَعَ مَصَابِيحِهِنَّ. (5) وَفِيمَا أَبْطَأَ الْعَرِيسُ نَعَسْنَ جَمِيعُهُنَّ وَنِمْنَ.      (لو12: 35و36، رؤ19: 7)

كانت العادة بين اليهود أحياناً أن يأتي العريس يحف به أصدقاؤه في وقت متأخر من الليل إلى بيت العروس حيث تكون في انتظاره تحف بها صديقاتها العذارى، اللاتي كن إذا ما اعطى إشعار باقتراب العريس يخرجن بمصابيح في أيديهن لإضاءة الطريق له في البيت باحتفال واحتفاء عظيمين لكي تتم المراسيم الزوجية بفرح عظيم.

يظن البعض أنه في تلك المناسبات كانت توجد هنالك عشر عذارى، لأن اليهود كانوا لا يعقدون مجمعاً ولا يمارسون فريضة الختان ولا يحفظون الفصح ولا يعقدون زواجاً إلاَّ إن حضر عشرة أشخاص على الأقل. عندما تزوّج بوعز راعوث كان هنالك عشرة رجال حاضرون (را4: 2).

يشبه ملكوت الله عشر عذارى، منهن خمس حكيمات وخمس غبيات. والعشر بتمامهن مختارات، وقد حصلن على الروح القدس، ولبسن لِباس العُرس من غفران المسيح، وتقدمن إلى ابن الله الآتي. فكلهن آمن بالمسيح وترقبْنَه.

لكن كما أن العريس لا يأتي في حر الظهيرة، بل متأخراً عند برودة الليل، هكذا لم يأت المسيح في زمن ازدهار الكنيسة، بل في ليل الاضطهاد وبغضة الشياطين، أثناء الضغط على مرتقبيه. وكما أننا نسمع في المَثَل أن العذارى العشر كن نائمات جميعهن لأنهن فرحن وصفقن، واستبشرن ساعات طويلة حتى دب النعاس إلى أجفانهن، هكذا سنختبر أن كل المسيحيين الأذكياء والأغبياء جميعاً سوف ينعسون، لأن ابن الله المنتصر لم يأتِ كما ظنّوا، وليس في زمن إنتظارهم.

هذا هو ضعفنا في الرجاء. إننا لا نواظب على انتظار المسيح، بل نيأس وننسى وننام. فالكنائس النائمة في الظلمة الكثيفة هي شعار الأيام الأخيرة. وللعجب أن المسيح لم يوبّخ نعسهن، بل اعتبره بديهياً، لأن ثقل الليل والانتظار الطويل وأحمال التجارب ترزح فوق كل المؤمنين.

إنما فرق كبير بين الكنائس النائمة في آخر الزمان. بعضها ممتلئ بالروح القدس، والبعض فارغ-لأن الزيت في المَثَل يدل على الروح القدس. وفتيلة القنديل هي كلمة الله، لأن قوة الروح تأتي بواسطة كلمة الله إلينا وتنيرنا.

كانت حماقة من العذارى الجاهلات أنهن أخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتاً. كان معهن من الزيت ما يكاد يكفي للوقت الحاضر لتظاهر به كأنهن قد قصدن لقاء العريس. لكن لم تكن معهن آنية لحفظ الزيت من باب الإحتياط إن أبطأ العريس. هكذا نرى أن المرائين ليست لهم مبادئ في داخلهم. في أيديهم مصابيح التظاهر بالتقوى، ولكن ليست في قلوبهم أية آثار للمعرفة السليمة، والمبادئ المتأصلة، والعزم الثابت، الأمور اللازمة لتدعيمهم وحفظهم وسط خدمات وتجارب العالم الحاضر. إنهم يعملون تحت المؤثرات الخارجية ولكنهم خالون من الحياة الروحية. يشبهون التاجر الذي يؤسس تجارته باقل رأس مال، او كالبذار الملقاة على الأرض المحجّرة التي ليس لها أصل.

إن السؤال البديهي لكل الكنائس هو “هل امتلأتم بقوة روح الله أم بنيتم أنفسكم على التقاليد والطقوس واللجان والتبرعات والأوقاف؟” من يمتلئ بكنوز وتعاليم دنيوية يكون وهو فقير فارغ ليس فيه قوة الإضاءة، لأن الروح القدس وحده يجلب قوة الرب إلى قلوبنا وينيرها.

أيها الأخ العزيز، هل تقرأ كلمة الله لبنيان نفسك باستمرار؟ هذا التعمق يعطيك القوة الغالبة في الحياة والآخرة.

أيها الرب يسوع المسيح، اغفر لنا إذا نسينا وانشغلنا بأمور أخرى. سامح الكنائس والجماعات إذا اهتموا بالمشاكل اليومية وأهملوا مجيئك لفداء البشر. ساعدنا حتى نفهم ونستوعب وعودك ونعملها للآخرين حتى يتعزوا بكلامك وينالوا الغفران وينتعشوا بالروح القدس ويتعلموا الصبر والرجاء. ارحمنا لنصبح حكماء لا أغبياء.الصلاة:

السؤال 225 : ماهو الفرق بين العذارى الحكيمات والجاهلات؟

25: 6 فَفِي نِصْفِ اللَّيْلِ صَارَ صُرَاخٌ: هُوَذَا الْعَرِيسُ مُقْبِلٌ، فَاخْرُجْنَ لِلِقَائِهِ! (7) فَقَامَتْ جَمِيعُ أُولئِكَ الْعَذَارَى وَأَصْلَحْنَ مَصَابِيحَهُنَّ.

إن من يطالع العهد الجديد بأكمله، يجد في أصحاحاته تذكيراً بمجيء المسيح الثاني، وهذا ورد ثلاثمائة مرة تقريباً. إن هذه العلامات مرتبطة عادة بدعوة المؤمنين لتقديسهم، لأنه كما أن العروس تتزين لملاقاة العريس، هكذا أعضاء المسيح يزينون أنفسهم بالتواضع والمحبة بالفرح والطهارة.

لا يستطيع إنسان أن يقدس نفسه، لأننا فاقدون لصورة الله بسبب ذنوبنا، لكن منذ طهرنا المسيح بدمه يقودنا الروح القدس لإتمام شريعة المسيح، ويخلق فينا الإشتياق لتطبيق المحبة الإلهية في حياتنا. هذا الروح المبارك هو الدافع لممارسة الرحمة على الأرض.

ليس يمقدور الإنسان أن يحب الله وأخاه الإنسان بشكل تلقائي، لهذا نحتاج إلى الكثير من كلمات الله في قلوبنا، لنصبح كلمة الله المتجسدة المتجولة. انتبه لمثل المسيح، فالعذارى كلهن عرفن كلمة الله، واختبرن حلاوة روحه القدوس، لكن الحكيمات جمعن كثيراً من قوة الله، والغبيات جمعن قليلاً. هذا هو الفرق بين الغبيات والحكيمات. فمن ينقص فيه روح الله، بعدما ذاق حلاوته، يسقط إلى الإهمال والنسيان، لأن الممتلئين بالروح وحدهم يخلصون.

كيف نحصل على زيت روح الله؟ لا تنس أن الإستحقاق لاستلام روح الله لا يأتي إلينا إلا بالمصلوب، فلأجل كفارته يحق لكل تائب أن يتسلم روح المعزي. ليس أمامنا أي طريق إلا أن نتجاسر ونطلب من أبينا السماوي مباشرة هذه العطية العظمى، لأن أبانا في السموات يريد أن يقدس كل أولاده. هل يسكن روح الله فيك؟ أطلب من ربك اليوم مسحة الروح القدس لكي لا تصبح فاتراً أو تسقط في الخطايا ثم الموت الروحي، فتتأخر في استقبال المسيح.

كيف تمتلئ بروح الله؟ ليس من طريق إلا الإستمرار بالتأمل في الكتاب المقدس، والإستماع إلى اختبارات الإخوة، ولست بنفسك محيطاً بكلمة الله كلها، بل لازلت تلميذاً وأكثر حاجة إلى هدى الله حتى لو قرأت الكتاب المقدس عشر مرات وعرفته غيباً تقريباً.

كيف نثبت في الروح القدس؟ هذا يتم إن كنا لا نُحزن روح الله بتصرفاتنا الغبية، بل نطيع جذبه اللطيف، ونرفض كل خطيئة ونؤمن بأبوة الله ونخدمه بأمانة وصبر. والغريب في هذا التقديس أن المؤمن المقدس هو دائماً غائب، وفي نفس الوقت مسرور وغير متكبر، بل يعيش وديعاً، لطيفاً بإرشاد الروح. هكذا تُمجّد المسيح بواسطة سيرتك وتنشر صورة أبيك السماوي في محيطك، فهل أصبحت غبياً أم حكيماً؟

أيها الآب نشكرك، لأنك منحتنا روحك القدوس عربوناً لفدائك رغم عدم استحاقنا ورغم أننا خطاة، لكن دم ابنك يطهرنا لكي تكمل نعمتك في ضعفنا. املأنا بقوتك لكي لا ننقص في المحبة بل نخدم بتأن وتواضع، ونمتلئ بآياتك ونسلك بسلطان إنجيلك مترقبين وصول العريس السماوي.الصلاة:

السؤال 226 : كيف ننال قوة الروح القدس ونثبت فيه؟

25: 8 فَقَالَتِ الْجَاهِلاتُ لِلْحَكِيمَاتِ: أَعْطِينَنَا مِنْ زَيْتِكُنَّ فَإِنَّ مَصَابِيحَنَا تَنْطَفِئُ. (9) فَأَجَابَتِ الْحَكِيمَاتُ: لَعَلَّهُ لا يَكْفِي لَنَا وَلَكُنَّ، بَلِ اذْهَبْنَ إِلَى الْبَاعَةِ وَابْتَعْنَ لَكُنَّ. (10) وَفِيمَا هُنَّ ذَاهِبَاتٌ لِيَبْتَعْنَ جَاءَ الْعَرِيسُ، وَالْمُسْتَعِدَّاتُ دَخَلْنَ مَعَهُ إِلَى الْعُرْسِ، وَأُغْلِقَ الْبَابُ. (11) أَخِيراً جَاءَتْ بَقِيَّةُ الْعَذَارَى أَيْضاً قَائِلاتٍ: يَا سَيِّدُ، يَا سَيِّدُ، افْتَحْ لَنَا. (12) فَأَجَابَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُنَّ: إِنِّي مَا أَعْرِفُكُنَّ. (13) فَاسْهَرُوا إِذاً لأَنَّكُمْ لا تَعْرِفُونَ الْيَوْمَ وَلا السَّاعَةَ الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ.                                               (متى7: 23؛ 24: 42و44، لو13: 25)

سيأتي المسيح من السموات في ساعة متأخرة لا يفكر أحد أن يأتي فيها. فمجيئه المفاجيء يهزّ ويقيم المؤمنين من تخيلاتهم ونومهم، لأنهم جميعاً يعرفون من قبل أن المخلص سيأتي، وأن نهاية الكون قريبة.

لكن كثيرون لا يعتقدون أن مجيء المسيح والدينونة القاطعة هي حقيقة واقعة في أيامنا، فالخوف سيعظم عند الذين لم يؤمنوا بابن الله المصلوب الحي ولم يمتلئوا بروح كلمة الله، لأنهم لا يجدون في هذه اللحظة لا التعزية ولا القوة للإيمان والصلاة في أنفسهم، ولم يصطلحوا مع إخوتهم بل يبغضونهم سراً، فيشعرون في هذه الساعة الفاصلة أنهم ناقصو الحياة والمحبة وعديمو الطهارة وفاقدو البر. يريدون التغطية والغلبة على هذه النقائص بسرعة. بيد أن فضائل الله الروحية لا تنمو فينا في لحظة واحدة، ولا يقدر أحد أن يقرضها أو يهبها أو يورّثها لغيره. علينا أن نشتريها مادام وقت ولكن الثمن غال ألا وهو دم يسوع المسيح الذي اقتنى لنا قوة الروح القدس، وهو الزيت لمصابيحنا. نشكره وننكر أنفسنا ونسلم حياتنا له ليقدسنا حقاً. قد درّب بولس ضميره وهو رسول للعيش في القداسة، وأسرع في سباق التقديس ليصل إلى الهدف كي يكون هو الأول في الكنائس بالنسبة للخضوع والسرور والتضحية والمحبة. درِّب أنت نفسك أيضاً في بر المسيح وحياته لتسلك قديساً، لا بقوتك الخاصة بل بامتياز حلول روح الرب فيك، فتصبح ينبوع الجودة واللطف والمسرّة في محيطك. هل أصبحت نور المسيح في هذا العالم المظلم؟

لا يعيش المؤمن لنفسه بل للمسيح الحي، كما أن العروس تزين نفسها لعريسها. لا نسلك في القداسة لنربح النعيم بل لأننا نحب المسيح الذي مات لأجلنا ومنحنا بره وسلامه وكل بركة السموات مجاناً. نشكره بتسليم قلوبنا له، ونستودع حياتنا بين يديه ليملأنا بصفاته. فالشاكرون لفدائه والثابتون في كلمة ربهم هم الذين يحفظهم المسيح ويخرجهم من جماهير الشر في مجيئه، لأنهم يحملون إسمه وصورته في أجسادهم، وأصبحوا ثماراً لصليبه، فشكرهم وحمدهم يوحدهم في محبته. إن هدف حياتنا هو الوحدة الروحية مع المسيح الذي طهرنا بدمه الثمين.

إنما كل خال من محبة يسوع وممتنع عن غفرانه وفاقد القوة الإلهية يخطئ الهدف في مجيء ابن الله، وكل اجتهاداته السابقة في سبيل تقديسه تفوت، لأنه لم يبن حياته على أساس بر المسيح وإنكار النفس ولبس المسيح وحده.

إن أبواب السموات مقفولة في وجه الذين لم يتحدوا مع المسيح بإيمانهم، فما أعظم البلية، فمحبة الله عادلة وقدوسة. لا يعترف المسيح بالذين لم يؤمنوا به ولم يثبتوا في كلمته، بل يعتبرهم غرباء كأنه لم يسمع عنهم ولا عن صلواتهم شيئاً. حتى لو تعالت الصرخات والولولة لأجل الفرصة الثمينة المفقودة، لا يفتح الرب باب السماء، للذين لم يتحدوا معه بثقة ولم ينفتحوا لدوافع روحه. أما المنتعش بروح الله فهو الذي يعيش في الحياة الحقّة، في حضرة الآب القدوس ولمسرته الأبدية. هل تعيش أيها الأخ الكريم بدون روح المسيح؟ أم هو العامل والمنتج فيك؟

عندما دخل العريس أُغلق الباب لحفظ الذين في الدّاخل. فإنهم وقد أصبحوا أعمدة في هيكل إلهنا لا يعودون يخرجون إلى خارج (رؤ3: 12). وضع آدم في الفردوس، ولكن الباب كان مفتوحاً ولذا فقد خرج. لكن عندما يوضع القديسون الممجدون في الفردوس السماوي يغلق الباب.

أغلق الباب لمنع الذين من الخارج من الدخول. إن حالة القديسين والخطاة في ذلك الوقت سوف تكون ثابتة غير قابلة للتغيير، وكل الذين يغلق في وجههم الباب سوف يبقون خارجاً إلى الأبد. صحيح أن الباب ضيق الآن، لكنه مفتوح. لكن حينذاك سوف يغلق، ويحكم إغلاقه وتكون هنالك هوة. هذا أشبه بغلق باب الفلك عندما كان نوح في الداخل. فكما ان غلق الباب نجاه هو وعائلته، لكنه في نفس الوقت أهلك الباقين نهائياً.

أيها الآب السماوي، نشكرك لأجل أفراح السموات التي تجتذبنا إليها بمجيء ابنك. ساعدنا حتى نثبت فيه بواسطة الإيمان لنغلب قلوبنا القاسية بمحبتك الحارة، ونحب أعداءنا، ونستعد لمجيء يسوع. قدّسنا إلى التمام لنحب الضالين وندعوهم للالتقاء به فلا يهلكون.الصلاة:

السؤال 227: لماذا لا تقدر الجاهلات أن تحصلن على بر المسيح وقداسته قبل مجيئه في آخر لحظة؟

مَثَل أصحاب الوَزَنات

(25: 14-30)

هل أنت موهوب؟

(25: 14-18)

25: 14 وَكَأَنَّمَا إِنْسَانٌ مُسَافِرٌ دَعَا عَبِيدَهُ وَسَلَّمَهُمْ أَمْوَالَهُ، (15) فَأَعْطَى وَاحِداً خَمْسَ وَزَنَاتٍ، وَآخَرَ وَزْنَتَيْنِ، وَآخَرَ وَزْنَةً – كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ. وَسَافَرَ لِلْوَقْتِ. (16) فَمَضَى الَّذِي أَخَذَ الْخَمْسَ وَزَنَاتٍ وَتَاجَرَ بِهَا، فَرَبِحَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخَرَ. (17) وَهكَذَا الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَتَيْنِ، رَبِحَ أَيْضاً وَزْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. (18) وَأَمَّا الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَةَ فَمَضَى وَحَفَرَ فِي الأَرْضِ وَأَخْفَى فِضَّةَ سَيِّدِهِ.                                         (لو19: 12-27، رو12: 6)

نرى في هذا المثل الوزنات المعطاة لثلاثة عبيد. يتضمّن لنا حالة انتظار. يبين المثل السابق ضرورة الإستعداد، ويبين هذا المثل ضرورة الإجتهاد العملي في عملنا الحاضر وخدمتنا. يحثنا ذلك على فعل الخير لنفوسنا، ويحثنا هذا على إقامة أنفسنا لمجد الله وخير الآخرين.

كل إنسان هو أعجوبة من الله، أنت أيضاً لم تخرج من تلقاء نفسك، بل الخالق أنشأك من سلالة أجدادك، فكل إنسان هو فكر الله المتجسد. وبالرغم من خطاياه بقي الإنسان حاملاً قبساً من صورة في نفسه.

أنت موهوب بالعقل والنفس والضمير واللغة، لا تشبه حجراً أو نباتاً تتحرّك إرادتك وتشعر بالآلام وتفرح بزملائك. هل شكرت ربك على المواهب العظيمة التي وضعها فيك؟ لو سألك واحد: “هل تبيع عينك أو قلبك”؟ لن تكون مستعداً لذلك حتى ولو أعطاك ملايين الدولارات! فأنت غني أكثر من إدراكك، ومبارك فوق شكرك. فمتى ترتمي إلى الأرض، وتسجد للذي صنعك؟ لأن كل من يشكر الآب السماوي يتشبث به، ومن يسبحه لأجل المواهب المعطاة له، يخدمه بفرح. لا يفكر الأناني بالله بل بنفسه الخاصة، طالباً إكراماً وتشريفاً، لكن الشاكر يكرم ربه ويخدمه بكل قواه متواضعاً، فماذا ستفعل لربك؟ إن هدف ومعنى حياتك هو إعطاء الحمد لأبينا السماوي، والإنسان الفارغ الشكر هو ميت روحياً وبارد القلب، وفي شكرك للرب تظهر معرفتك الروحية وقوة قلبك وعمق محبّتك.

إن كل واحد له وزنة واحدة على الأقل، وهي ليست بالأمر التافه ليبدأ به عبد مسكين. فالنفس هي الوزنة الواحدة التي اؤتمن عليها كل منا، وهي تتطلب منا العمل المتواصل. قال الفيلسوف “سنكا”: “إن واجب المرء أن يكون نافعاً لمن حوله، لأكبر عدد على قدر الإمكان. وإن تعذّر ذلك فليكن نافعاً لعدد قليل، لأقرب أقربائه، أو على الأقل لنفسه. إن من كان نافعاً للغير اعتبر خيراً عاماً. وكل من أراد أن يرشح نفسه لتزكية نفسه وجب أن يكون نافعاً لغيره، وجب عليه أن يتحلّى بتلك الصفات التي تجعله خادماً لهم”.

ليس جميع المؤمنين متساوين في الوزنات، لأنهم ليسوا متساوين في المقدرة والظروف. الله حر في عطاياه “قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كور12: 11). يخلق البعض لهذا النوع من الخدمة، والآخرون لذاك، كأعضاء الجسم الطبيعي. لما فرغ رب البيت أموره بهذا الشّكل “سافر للوقت“. لما فرغ الرب يسوع من إعطاء أوامره ووصاياه لتلاميذه صعد للوقت إلى السّماء.

إن كل موهبة هي نافعة لخدمة المسيح. فتحرك واعمل واخدم ربك بيديك ورجليك وممتلكاتك ووقتك. فكل ماعندك نافع للتضحية والخدمات المتنوعة لله والناس. أطلب من خالقك الحكمة والبصيرة فتخدمه بطريقة أكثر ثمراً.

ضع أمام أبيك السماوي كل مواهبك، فتكرمه وهو يدعوك إبناً له. إن منحت من غنى مواهبك المتنوعة للمحتاجين في محيطك يضاعف قيمة كيانك، فاتعب واخدم الرب في بيتك وفي مدرستك وفي مهنتك وفي فراغك، فتصبح خادماً مرحاً مسروراً. إن الأناني الذي يحوم حول نفسه وذاته، يشبه برميلاً ممتلئاً خلاً مراً. أما خادم الرب بكل نية وإخلاص، الذي يضحي بوقته وبنفسه فيشبه بخوراً طيباً. لذلك مارس قاعدة ومبدأ بولس واعمل جاهداً على تحقيقها في حياتك وفي مجتمعك “وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب، كما للرب ليس للناس” (كولوسي 3: 23)

أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك منحت لنا من فيض نعمتك فوق نعمة، وموهبة فوق موهبة، من نحن ومن أنت؟ لا نستحق غمرة بركاتك، فلأجل دم المسيح نستحق أن نعيش أمامك وفي قوة روحك نتنفس. ساعدنا لتصبح حياتنا كلها شكراً لك، وساعدنا حتى نقدم من بركاتنا لمن يعيش حولنا حتى يشترك في الفرح والإبتهال أمامك كل حين.الصلاة:

السؤال 228:  ماهي مواهبك الخاصة المعطاة لك؟

الرب يمنح مكافآت للأمناء

(25: 19-23)

25: 19 وَبَعْدَ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَتَى سَيِّدُ أُولئِكَ الْعَبِيدِ وَحَاسَبَهُمْ. (20) فَجَاءَ الَّذِي أَخَذَ الْخَمْسَ وَزَنَاتٍ وَقَدَّمَ خَمْسَ وَزَنَاتٍ أُخَرَ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، خَمْسَ وَزَنَاتٍ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا خَمْسُ وَزَنَاتٍ أُخَرُ رَبِحْتُهَا فَوْقَهَا. (21) فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ. كُنْتَ أَمِيناً فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ. (22) ثُمَّ جَاءَ الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَتَيْنِ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، وَزْنَتَيْنِ سَلَّمْتَنِي. هُوَذَا وَزْنَتَانِ أُخْرَيَانِ رَبِحْتُهُمَا فَوْقَهُمَا. (23) قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ الأَمِينُ. كُنْتَ أَمِيناً فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ.

(متى24: 45-47)

إن الله مستتر وبعيد عنا بسبب رجسنا، لا يمكننا رؤياه أو إدراكه بعقولنا ولا معرفته حق المعرفة، لكن قلوبنا مشتاقة إلى مصدر فرحنا. فالأديان كلها تعبر عن الشوق إلى الخالق، ومن لا يشتاق إلى ربه مريض روحيا.

يشتاق الله إلينا في محبته البالغة أكثر من اشتياقنا إليه. لقد أعلن لنا نفسه بواسطة عبيده الأنبياء المخلصين، وبابنه يسوع الحبيب، وأخيراً في قوة الروح القدس. نؤمن أن القدوس أصبح المسيح أبانا المحب، ولا بد من مجيء المسيح مرة ثانية، لأن كلمات محبته تكفل إتيانه لدينونة العالم ولخلاص أتباعه. إن روحه لا يخدعنا فقلوبنا تترقب مجيء المخلص، ولا نخاف منه، بل نشتاق إلى الذي مات لأجلنا فيصبح حسابه النهائي وإحساناً لأتباعه الأمناء.

إن التّاجر الذي اختار التجارة مهنة له، وبذل جهداً لتعلمها، يجعل همّه أن ينصرف لها بكليته، وينفق كل ما عنده لتقدمها، ويجعل كل الشؤون الأخرى خادمة لها، ويعيش على ربحها. هكذا يفعل المسيحي الحقيقي في أمر التّقوى. نحن ليس لنا رأس مال نتاجر به بل نتاجر كعملاء برأس مال سيدنا. ينبغي أن تُستخدم ملذات العالم، الممتلكات والصيت الحسن والمصالح والسلطان والمراكز الرفيعة، لأجل مجد المسيح. ينبغي أن تُستخدم خدمات الإنجيل من الكتب المقدّسة والخدام وأيام الأحد في الغاية التي رسمت لأجلها، مع الإحتفاظ بالشركة مع الله أثناء تأديتها، وممارسة مواهب ونعم الروح القدس. وهذه هي التجارة بوزناتنا.

يستعد خدام المسيح المخلصين للالتقاء بربهم، ويجهّزون أنفسهم ويضاعفون مواهب الروح القدس بواسطة شهاداتهم وسلوكهم وتبرعاتهم وأعمالهم الخيرية. كل مؤمن يصبح غنياً جداً لأن روح الله القدوس ساكن فيه. فحيثما تنقل قوة إيمانك بمخلّصك إلى الآخرين بشهادتك المفرحة، هناك تتحقق حياة أبيك السماوي فيهم. لكنك لست أنت الذي تخلّص إنساناً من خطاياه بل كلمة الله الممتلئة بالقوة المتمركزة فيك والعاملة بواسطتك. فلا فخر لك إلا امتياز الخدمة وتقديم النعمة للضالين.

ليس مهما مقدار ذكاء عقلك أو قوة عضلاتك أو جمال مظهرك، لأن المسيح الديان لا يدينك على أساس تفوق قدرتك وإنتاجك، بل على أساس أمانتك في الخدمة. فلربما يكون إنسان غير متعلم أكثر أمانة منك، ولهذا سيبدو في السموات أكثر بهاء منك، رغم أنك ذو مواهب أغنى منه، فلا تتكبر بل اجتهد في سبيل ملكوت الله، واسأل ملكك قبل وصوله إلى دنيانا متواضعاً “ماذا تريد أن أفعل؟” عندئذ يرشدك الروح المبارك للمساكين المشتاقين إلى المحبة والإنجيل، ويشكرونك لمجيئك. هل أنت جريء أم جبان؟ فاخدم الرب كما يرشدك الروح لتساهم في تضاعف وانتشار بركاته.

إن أمانتك تلتقي بأمانة المسيح، لأن من انسجم بدوافع الروح يشترك بالفرح الحال في القديسين اليوم وسط الضيقات، ويمتلئ سروراً غداً حين يعاين الآب السماوي في مجده. القديسون في السماء لا يتكاسلون ولا يسترخون بل يحصلون على مسؤوليات روحية زائدة لأنهم كهنة وملوك لإلههم مشتركين في حكمته ومجده، لأن ربهم نقلهم إلى مسرّته.

عرفنا أماً غير مثقفة، وليس لها مواهب في الفنون، وهي فقيرة، لكنها مصلّية ومرتلة ومسبّحة ومجتهدة لتدبير الخبز لعائلتها. ربَّت أولادها على خوف الله ومحبته وصبرت كثيراً، فتضاعفت موهبتها الروحية فيهم. لذلك ستحصل على إكرام الله شخصياً. هل أصبحت أنت سبباً لمسرة الله لأجل اجتهادك وأمانتك؟

أيها الآب القدوس، نشكرك لأنك وهبتنا مواهب كثيرة، وأهلتنا بدم ابنك للحياة الأبدية. نعظّمك ونسبحك ونطلب من روحك القدوس أن يدفعنا إلى التبشير قولاً وعملاً، حتى تتضاعف مواهبك المعطاة لنا في الكثيرين، ويعم جودك في بلادنا. ثبتنا في الأمانة والحكمة والتواضع لكي تفرح من اجتهاداتنا، والثمار الروحية التي من قوتك فينا.الصلاة:

السؤال 229: كيف يحاسب الرب عبيده عند مجيئه الثاني؟

الرب يحاكم الكسلان

(25: 24-30)

25: 24 ثُمَّ جَاءَ أَيْضاً الَّذِي أَخَذَ الْوَزْنَةَ الْوَاحِدَةَ وَقَالَ: يَا سَيِّدُ، عَرَفْتُ أَنَّكَ إِنْسَانٌ قَاسٍ، تَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ تَزْرَعْ وَتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُرْ. (25) فَخِفْتُ وَمَضَيْتُ وَأَخْفَيْتُ وَزْنَتَكَ فِي الأَرْضِ. هُوَذَا الَّذِي لَكَ. (26) فَأَجَابَ سَيِّدُهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ وَالْكَسْلانُ، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ حَيْثُ لَمْ أَزْرَعْ، وَأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُرْ، (27) فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عِنْدَ الصَّيَارِفَةِ، فَعِنْدَ مَجِيئِي كُنْتُ آخُذُ الَّذِي لِي مَعَ رِباً.  (28) فَخُذُوا مِنْهُ الْوَزْنَةَ وَأَعْطُوهَا لِلَّذِي لَهُ الْعَشْرُ وَزَنَاتٍ. (29) لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ.   (30) وَالْعَبْدُ الْبَطَّالُ اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.

(أمثال11: 24و25، متى13: 12)

كان العبد الشرير في مَثَل يسوع عاصياً متمرداً، لا يحب ربه، فسمَّى «الوهَّاب» إقطاعياً ظالماً، يحصد حيث لم يزرع. لقد كذب هذا العبد الثائر عندما قال إنه خاف من ربه وارتجف من غضبه، لأنه لو خاف منه حقاً لعمل وصلّى طالباً منه حكمة وإرشاداً كيف يضاعف مواهبه بأفضل وأحسن طريقة.  لكنه عاش في اللامبالاة واحتقر ربه المسافر الذي دعاه للحساب الفاصل عند رجوعه.

حفر في الأرض وأخفى الوزنة خشية أن تسرق. إنه لم يسئ التصرف فيها، لم يختلسها أو يبذرها، بل خبّأها. الأموال كالسماد الذي لا يصلح لشيء طالما كان مكدّساً في أكوام، بل ينبغي أن ينثر، ولكن شر طالما رأيناه تحت الشمس: أن نرى كنوزاً مكدّسة لا تنفع أي شخص.

هكذا الحال في المواهب الروحية، فكثيرون لديهم منها الكثير ولكنّهم لا يستخدمونها في الأغراض التي لأجلها أعطيت. إن الذين لديهم ممتلكات ولكنهم لا يستخدمونها في عمل الخير وفي تقدم الحياة الروحية، والذين لديهم نفوذ ولا يستخدمونه في تقدّم المسيحية في الأماكن التي يعيشون فيها، والخدام الذين لديهم كفاءات وفرص لعمل الخير لكنهم لا يضرمون الموهبة التي فيهم، هؤلاء وأولئك هم العبيد البطالون الكسالى الذين يطلبون ماهو لأنفسهم أكثر مما هو للمسيح.

إن الوكلاء على نعمة الله المتنوعة سوف يعطون حساب وكالتهم قريباً. ينبغي أن نحاسب جميعاً عما فعلناه من الخير لأرواحنا وعما فعلناه من الخير للآخرين بالإمتيازات التي تمتّعنا بها.

فإما أن يكون الإنسان خادماً لله أو عبداً لأنانيته. لا يجتهد خُدَّام الرب لربح خاص، بل يبذلون ذواتهم لمجد أبيهم السماوي، ويعظمون اسمه المجيد، وينفّذون إرادته. لكن الثائرين يعملون ويعيشون لأنفسهم، غير مهتمين بالله ولا يصلّون، فيضعِفون أنفسهم ويموت ضميرهم، حتى يشبهوا الذي أخفى كنزه الموهوب من الله ودفنه ونسيه. فكل من يعيش بدون المسيح، ففيه ينقص الإيمان والمحبة والرجاء، ويغرق في الذنوب والخطايا ويصبح من أبناء الغضب.

إن كل من يصمت عن نعمة الولادة الثانية المتحققة في حياته، يبتدئ فيه قانون النقصان الروحي تدريجياً، ومن لا يحب يسوع ولا يخدمه ولا يبذل نفسه لأجله سيفقد ذاته الغليظة. لكن من يضحي بقوته وكل ماعنده لأجل ربه، سيحصل على بركات متزايدة ومواهب متنوعة.

شدّد يسوع على فهم قانون النمو الروحي والنقصان الروحي، لكي لا نسلك فاترين، لأن من يغتر في محبة الله ينفصل عنه وتبتدئ فيه الدينونة التي تتم في الوقوف أمام الديان الأزلي.

أخذ الرب من العبد الكسول الموهبة الصغيرة والوحيدة عنده، وأعطاها للذي كان عنده كثير، فزاد ما عنده. وهنا يسأل العقل الإنساني: أليس هذا ضد المساواة والأخوَّة؟ إن الله حكيم، ويعلم مسبقاً من هو الأمين في خدمته، فيعطي كثيراً من المواهب للذي سيمارس خدماته بامانة، ويعطي قليلاً للمتمرد. لم يرفض الرب الشرير، بل منحه فرصة ليدرِّب أمانته في القليل. لكن من يستهزئ بالله ويعيش لنفسه، يختبر أن الرب يأخذ منه آخر فرصة، فتنطفئ فيه المواهب الروحية ويصبح قلبه كحجر صلب.

زيادة على ذلك، لا يأخذ منه المسيح المحاسب البركات والقوى الإيمانية فقط، بل يطرده من محضره ويسلّمه إلى أعدائه الهاجمين عليه كذئاب جائعة لتفترسه. لقد فسّر المسيح لنا جهنم بهذا المَثَل كظلمة كثيفة ممتلئة بالفزع والخوف، حيث الأرواح الشريرة وأتباع الشيطان يهاجمون الثائر ضد الله.

كثيراً ما يخشى الناس من ظلمة الليل ويخافون السير في الأقبية بدون مصباح، لكن إن لم تخدم الله بأمانة، ولا تستخدم المواهب الممنوحة لك لمجد أبيك السماوي، سيكون عليك الذهاب المخيف وحدك إلى أودية ظل الموت، حيث تتربص بك الأرواح الشريرة في الظلمة الكثيفة.

الله نور ومسرة ومحبّة. أما الشيطان، فهو قساوة وكذب وظلمة. ويا للعجب، فالعلماء وجدوا في النجوم الكثيفة الأكثر حرارة، أنها مظلمة سوداء. فأشد نار معروفة تكون في ظلمة أشد كثافة. إن وجه الشيطان قبيح، والتطلع إليه يسبب الرعب والبكاء وصرير الأسنان. أما العبيد الأمناء، فيدخلوا مسرة ربهم حيث يكون هو معهم، فيفرحون بفرحه، ويثبتون في مسرة أبيهم السماوي، ويعاينون وجهه باستمرار. إن سماءنا ممتلئة بالفرح والغبطة والإبتهاج، وكما قال النبي نحميا “لا تحزنوا لأن فرح الرب هو قوتكم” (نحميا8: 10).

أيها الآب السماوي، أسبّحك لأنك لم ترفضني، بل غفرت عدم أمانتي وقلة شهادتي، ومنحتني الإرادة لخدمتك. ساعدني لكيلا أرعى نفسي وبيتي أولاً، بل أحرس خرافك بالاجتهاد وأهديها وأعتني بها ليلاً نهاراً. سامحني للحكمة الناقصة في الخدمة، وامنحني التواضع والقوة لأعرف مشيئتك وأتممها، ليأتي ملكوتك ويتقدس اسمك فينا.الصلاة:

السؤال 230:  لِمَ أخذ الرب من العبد الشرير الموهبة التي استودعه إياها وأعطاها للآخر الناجح؟

المسيح هو الديَّان الأزلي

(25: 31-46)

25: 31 وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلائِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. (32) وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ، (33) فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ.

(حز34: 17، متى13: 49؛ 16: 27، رو14: 10، رؤ20: 11-13)

هل تنتظر مجيء المسيح المخلص والديان؟ لقد دُفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض، وهو جالس عن يمين أبيه، وسيأتي حتماً ببهائه ومجده العظيم ملكاً قاضياً ورباً، فتراه كل العيون، ويدرك كل الناس أنه في المصلوب المرفوض كان مجد محبة الله مستتراً لمَّا فدى العالم على خشبة العار. هكذا نشهد بمجد الله الآب وبمجد الابن أيضاً، الذي ظهر بكونه حَمَل الله الذبيح. هو يدعو كل مؤمن به أن يزيد هذا المجد بواسطة خدمته، فتتحقق فينا أهم طلبة من الصلوات الربانية: «ليتقدس اسمك».

يأتي المسيح ثانية كابن الإنسان، وكما أن تلاميذه عرفوه بعد قيامته من بين الأموات بتقاطيعه وحركاته وكلماته وأثر المسامير، هكذا سنعرفه كواحد منا إنسان حق، فنتهلل ونفرح لأنه شفيعنا الأمين ونائب عن كل البشر لدى الله. هو احتمل تجاربنا وغلبها، وفي أمانته انتصر على الشر في جسده، وعلى الموت المرعب، وقد أطفأ غضب الله الملتهب على خطايانا وصالح العالم مع القدوس. من أجل هذه المصالحة، نزل روح أبيه على المواطنين في الصلاة، محققاً فيهم خلاصه المتمم على الصليب. من يرفض هذا الخلاص التام يدين نفسه بنفسه. ومن يرفض نيابته يهلك لأنه يرفض النعمة والغفران المعد للجميع. أما أبوه السّماوي فأعطاه حق الدينونة بأكملها، وسيأتي ابن الإنسان ليدين في الأحياء والأموات ولا مفر من حكمه.

سوف يجمع المسيح الشعوب أمام كرسيه. وكما أنه فدى الجميع سيدينهم أيضاً. وكما شملت محبته الكل، هكذا ستصبح نفس المحبة مقياساً لجميع الناس، إذ قبلوها وتغيَّروا بها، أو بقوا قاسين في رفض المصالحة. فيحضر أمام ابن الإنسان كل البشرية ليدينهم فرداً فرداً.

المسيح هو الراعي الصالح الذي وضع نفسه عن الخراف، وهي تتبعه وتعرف صوته. أعطاها الحياة الأبدية فلا تهلك أبداً. ليس أحد يخطفها من يده. فكل من يتبع المسيح المضحّي بحياته، يصبح وديعاً ومتواضعاً أيضاً، باذلاً نفسه بلا تكبُّر، ثابتاً في رعوية محبة الله، وكل من يشبه حمل الله يوقفهم على يمينه.

إن الأشرار والصالحين يسكنون معاً في مملكة واحدة، في مدينة واحدة، في كنيسة واحدة في عائلة واحدة، دون تمييز الواحد عن الآخر تمييزاً حاسماً. هذه هي ضعفات القديسين، وهذا هو رياء الخطاة. وحادثة واحدة تحدث لكليهما. اما في ذلك اليوم فإنهم يفرزون ويعزلون نهائياً إلى الأبد. إنهم لا يستطيعون تمييز بعضهم من بعض في هذا العالم (1كور5: 10) كذلك لا يستطيع أحد تمييزهم (مت13: 29) أما الرب فيعرف الذين هم له، وهو الذي يستطيع تمييزهم.

إن الذي يقسّي ذهنه ضد محبة المسيح وفدائه يشبه تيساً عنيداً ينطح بقرونه كل الناس، ويمضي في طريقه الخاص غير مصغٍ لصوت راعيه الصالح. فالإنسان بدون المسيح يبقى شريراً، ويزداد شراً على شر، ويثبت في الشرير، فيمتلئ بروح الكذب والانتقام تابعاً أباه الشرير. سيميز المسيح الخراف عن الجداء في بداية دينونته. فأنت من تشبه: حَمَل الله أو تيس الشيطان؟

أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك ونعظمك لأنك تأتي دياناً قاضياً على كل الشعوب. أنت القدوس العادل الممتلئ بالمحبة، كنت إنساناً وتفهم جبلتنا وتجاربنا، غفرت آثامنا بموتك النيابي عن الجميع. أنت مخلّصنا وتحكم علينا من خلال دمك الثمين، فلنا الرجاء اليقين بأنك تحمينا في يوم الدين بقوة برك وحقك. امنح لمحبينا ومبغضينا فرصة التوبة والإيمان قبل مجيئك القريب.الصلاة:

السؤال 231:  كيف سيظهر ابن الإنسان في يوم الدين؟

حكم المسيح على أتباعه المحبين

(25: 34-40)

25: 34 ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ للَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. (35) لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. (36) عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ. (37) فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَاناً فَسَقَيْنَاكَ؟ (38) وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيباً فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَاناً فَكَسَوْنَاكَ؟ (39) وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟ (40) فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ.

(إش58: 7، أمثال19: 17، متى10: 42، عب2: 11)

يسمِّي المسيح، القاضي الأزلي، أتباعه المخلصين «مباركي أبي» لأنهم أصبحوا بواسطة إيمانهم به أولاد الله بالحق والجوهر. فالقدوس الأزلي هو أبوهم. سكب روحه في قلوبهم، وملأ فؤادهم بمحبته الحارة، ومنحهم بركاته العديدة وصفاته السامية. لم يكونوا هم صالحين في ذاتهم، لكن بواسطة إيمانهم بالمسيح تغيَّروا مبدئياً وتجدَّدوا في كل نواحي حياتهم، فأصبحوا يحملون في قلوبهم ملكوت الله مستتراً، والذي سيظهر في مجيء المسيح مشرقاً من وجوههم، فيتحقق ما قاله المسيح: «طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض».

أوضح المسيح أن ملكوت السموات هو بالحقيقة ملكوت الآب، وأهل ملكوته إخوة في الروح، مولودين من أب واحد، اعتبرهم المسيح إخوته الخاصة.

هل تخص عائلة الله؟ هل تعرف أن القدوس هو أبوك؟ لست صالحاً ولا مستحقاً أن ترث الملكوت، لأن القدوس محبة، ولكن كل إنسان أناني نجس، أما محبة المسيح فتطهرك ودمه يقدسك بالتمام وروحه يدفعك إلى أعمال لطفه والمواظبة في خدمته. فالروح القدس هو عربون إرثنا العظيم.

لا يَزِن المسيح إيمانك العاطفي في ساعة الدينونة، بل ثماره الظاهرة في أعمال محبتك. لا يباحثك في العقائد والطقوس، ولا يسألك إلى أية طائفة تنتمي، بل يسألك إن كنت قد أشبعت الجائعين، خبزاً يومياً وغذاء روحياً. هو عليم بكل كأس ماء قدمته في سبيل الرحمة للمحتاجين، وقد سجَّل كل كلمة لطيفة عزّيت بها المضطربين، فاتحاً لهم الطريق إلى اجتماعاتكم المفرحة. هل أهديت مسكيناً قطعة ثوب جديدة أو حتى مستعملة؟ إن المسيح نفسه كان يتسلّم عطيتك ويلبسها، لأنه كان يتمثّل بكل صغير ومتضايق في دنيانا. فمحبّته قريبة للمحتاجين، وكل ما تعمله للآخرين، إنما تعمله للمسيح بالذات.

امتحن محبّتك امتحاناً دقيقاً، واحفظ كلمات المسيح المختصّة بالدينونة غيباً، لأن الديان الأزلي سوف يدينك من خلالها، فطبقها على حياتك لئلاّ تهلك.

إن تضحياتك هي امتيازك في الدينونة، ليس لتبرير نفسك، لأن هذا قد تمَّ على الجلجثة. فأعمالك الصالحة هي زيادة في الخير والأجر، وليست سبب الخير. سيظهر جوهرك الصحيح في يوم الحساب. هل تزور مرضى؟ هل تقرأ لكفيف كلمات بناءة؟ هل تساعد زملاءك الضعفاء الذين معك في الصف؟ هل تصلي لأجل المتشائمين والمنعزلين؟ هل سمحت لروح الله أن يغيرك إلى خادم أمين؟ إن كل أفكارك وصلواتك ودموعك لا تنفعك كثيراً، إن لم تحقق هذه المشاعر في خدمات حكيمة.

إن المسيح يرعى قضايا شعبه، ويهتم بما يهمهم، إذ يعتبر نفسه بأنه قد قبل  وأكرم وأحسن إليه في أشخاصهم. لو أن المسيح نفسه كان بيننا في حالة فقر فما هو مقدار استعدادنا لإغاثته؟ ولو كان في السجن فكم مرة كنا نزوره؟ إننا نميل إلى حسد من كن يخدمنه من أموالهن (لو8: 3) حيث وجد القديسون الفقراء فإن المسيح مستعد أن يتقبّل في أشخاصهم عطفنا عليهم، وسوف يضاف هذا إلى حسابه.

الغريب في يوم الدين أن مباركي الآب سيسألون المسيح متعجّبين: متى خدمناك؟ فلم يعتبروا أعمال محبتهم مهمة، ولم يكونوا واعين لقيمة خدماتهم التبشيرية، فتكلّموا من قلب فائض المحبة، وساعدوا المساكين بجهد واستمرار وتحنّن. لم يقتربوا من الأغنياء والكبار والأذكياء والمشهورين، بل تواضعوا مع الصغار المحتقرين والأشرار المساكين، كما عمل المسيح قبلهم، لأن المخلّص لم يتّحد بالمتعجرفين، بل نزل من السماء ليشفي المرضى ويخلّص الخطاة. إذا أردت الالتقاء بالمسيح، فتّش عن أخيك الإنسان البسيط الصغير في محيطك. هناك تجد رب الأرباب ومخلّص العالمين وفي اتباعك للمسيح تتغيّر إلى صورته.

أيها القدوس، أنت المحبّة، اغفر لي أنانيتي وانكسار قلبي المتكبر لكي أخدم الغوغائيين والمحتاجين بتواضع، وأبحث عن المساكين المتشائمين، كما جلست أنت مع الخطاة وخلّصتهم. املأني بمحبّتك لكي أرث مع كل مباركي أبينا ملكوتك الروحي الذي اشتريته لنا بموتك. نعظمك لأنك أنت الديان الأزلي وحسابي بين يديك، أنت فادينا وعلى موتك نلقي رجاءنا.الصلاة:

السؤال 232:  لماذا لم يتكلّم يسوع في الدينونة عن الإيمان بل ركّز على أعمال المحبة فقط؟

حكم الديّان على الأشرار

(25: 41-46)

25: 41 ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلائِكَتِهِ، (42) لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي. (43) كُنْتُ غَرِيباً فَلَمْ تَأْوُونِي. عُرْيَاناً فَلَمْ تَكْسُونِي. مَرِيضاً وَمَحْبُوساً فَلَمْ تَزُورُونِي. (44) حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضاً: يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعاً أَوْ عَطْشَاناً أَوْ غَرِيباً أَوْ عُرْيَاناً أَوْ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوساً وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟ (45) فَيُجِيبُهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاءِ الأَصَاغِرِ فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا. (46) فَيَمْضِي هؤُلاءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.

(يو5: 29، يع2: 13، رؤ20: 10و15)

ربما تقول في تأملاتك عن الدينونة الأخيرة: هل كان الصالحون صالحين تماماً، ودائماً، والأشرار أشراراً فقط؟ هل لم يخطئ الصالحون مراراً ولم يعمل الأشرار صالحات أحياناً؟

فيا أيها الأخ العزيز، كل الصالحين كانوا أشراراً بطبيعتهم، لكن دم المسيح بررهم، وتجاوباً مع إيمانهم ملأهم روح الله بأعمال البر الصالحة، فإيمانهم خلَّصهم لا أعمالهم.

لقد أصبحوا صالحين مقبولين بإيمانهم بالمسيح، لأنه كفّر بتضحيّة حياته عن خطاياهم، فصاروا مطهرين بلا خطيئة، وتغيّروا بعطية الروح القدس، فأصبحوا قديسين ولم يبق منهم أثر لذنوبهم في الدينونة إلا الأعمال الصالحة التي أوجدها الروح القدس فيهم، لإن المسيح كان يطهرهم في كل لحظة من حياتهم حتى في النوم أو الوفاة.

أما الأشرار فبقوا أشراراً، لأن كل إنسان شرير إذا قسناه بقداسة الله. وقد كان خلاص الشرير معداً وممكناً لأن المسيح مات لأجله أيضاً، لكن الأشرار رفضوا الفادي وتضحيته ولم يفتحوا قلوبهم لروح محبّة الله. هكذا امتنعوا عن قوة تقديسهم وأهملوا شفاء أنفسهم، فبقيت أعمالهم أنانية أصيلة، وكل تقواهم رياء. يدين المسيح الأشرار حسب أعمالهم التي اتكلوا عليها خطأ، لأن عدم إيمانهم بالمسيح يدينهم إذا أنهم فضلوا الثبات في أنانيتهم وفسادهم.

قال المسيح في حكمه على الأشرار أنهم لم يحبوه ولم يخدموه عندما كان جائعاً وعطشاناً ومريضاً أو عرياناً وغريباً أو مسجوناً، وسمح الرب للأنانيين أن يدفعوا عن أنفسهم، فاحتجوا بأنهم لم يروه ولا مرة واحدة في حاجة إلى المساعدة، أو كان في ضيق. لقد أوضح لهم الرب أن من لا يحب المساكين والخطاة التائبين لا يتجاوب مع محبته أيضاً. فهو الحنون، وقد اتحد مع المساكين في لطفه. إن إهمال المجتاجين يعني إهمال الرب بالذات. لذلك ظهرت كل أعمالهم ناقصة وشريرة لأنهم اهتموا بأنفسهم وعشيرتهم أكثر مما للمسيح وأتباعه، فلم يكن هو محور حياتهم بل أنانيتهم وأموالهم ومكانتهم في المجتمع هي محورهم.

إن من يرفض المخلص يقسي قلبه ضد روح محبة الله، فيملأه الشيطان غروراً ويصير من أتباعه النجسين. لم يُسمِّ المسيح الأشرار أناساً فيما بعد، بل لقبهم بملائكة إبليس. ما أصعبها تسمية وعبارة “يا ملعون” لأن من يغلق نفسه عن محبة المسيح، يزداد شراً حتى يجدف على القدوس ويصبح من عبيد وأبناء الشيطان، مفعم بالكذب والدعارة والمكر والبغضة والإنتقام.

السماء حياة، كلها سعادة. وحياة النفس تنشأ من اتحادها بالله في يسوع المسيح، كحياة الجسد التي تنشأ من اتحادها بالنفس بوساطة الروح الحيوانية. تنشأ الحياة السماوية من رؤية الله والإستمتاع به، والتمثل به، والشركة التّامة معه التي لا تنفصل. إنها حياة “أبدية” لا يوجد موت يضع حداً للحياة نفسها، ولا توجد شيخوخة تمنع من التمتع بالحياة، ولا يوجد حزن يكدّرها.

هكذا نجد أمامنا الحياة والموت، الخير والشر، البركة واللعنة، لكي نختار ما يحلو لنا، وعلى هذا الإختيار يتوقف المصير.

أيها الأخ العزيز، المسيح هو مخلص العالم الوحيد، هو غفر خطاياك. آمن بقدرته فتميت محبته عنف أنانيتك، وتجعلك نوراً في الله وإبناً للعلي، عندئذ لا تطلب شرفاً ولا ترفاً، بل تتنازل وتتواضع إلى مستوى الصغار، وتصير مصلياً ومبتهلاً إلى الله لأجل أعدائك، لأن روح الله يجعلك من صانعي السلام ويثبت في الحياة الأبدية.

لكن بما أن محبة الله هي المقياس الوحيد في الدينونة، فسيظهر جميع الناس أشراراً بدون غفران المسيح، ويسقطون إلى الهلاك الأبدي حيث يعم اليأس والتجديف في البُعد عن النعيم.

أما الأبرار في المسيح فسيضيئون كشمس في الحياة الأبدية، لأن المسيح حلّ فيهم، وشملهم بمحبته وحقه وقداسته. هو يضمهم فرحاً بوجودهم معه، لأن صورة الله الأزلية ظهرت فيهم، وملأ مجد الله كل الأرض، فأين أنت يا آدم؟

أيها الرب يسوع المسيح المُقام من بين الأموات، نعظّمك ونحمدك لأنك فديتنا وخلّصتنا من الذنوب. لم يجد الشيطان حقاً فينا، وقد غلبت بذرة الموت في أجسادنا الفاسدة، وفديتنا ليس بفضة ولا ذهب بل بآلامك وموتك، لنكون خاصة لك ونعيش في ملكوتك مع كل القديسين في ملء قدرتك. كما قمت من بين الأموات وتحيا وتملك مع الآب والروح القدس إلهاً واحداً إلى أبد الآبدين. امنح لنا أن نتوسط لكل أقربائنا واصدقائنا وأعدائنا حتى يتوبوا ويؤمنوا بك ويتجددوا ويتقدسوا بنعمتك.الصلاة:

السؤال 233:  لماذا يظهر الصالحون في يوم الحساب بدون خطايا، والأشرار يظهرون أشراراً؟

الجزء الخامس

آلام المسيح وموته

(26: 1-27: 66)

(انظر: مر14-16، لو22-24، يو18-21)

نبوة يسوع عن موته(26: 1-2)482
التشاور ضد يسوع(26: 3-5)484
تكفين المسيح(26: 6-13)485
خيانة يهوذا(26: 14-16)487
تحضير الفصح(26: 17-19)488
إعلان الخيانة المقبلة(26: 20-25)489
العشاء الرباني الأول(26: 26-29)491
نبوات المسيح في طريقه إلى جثسيماني(26: 30-35)493
دعاء المسيح في جثسيماني(26: 36-38)494
صراع يسوع في دعائه(26: 39)496
صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة(26: 40-41)497
خضوع يسوع لمشيئة أبيه(26: 42-46)498
القبض على يسوع(26: 47-50)499
شفاء أذن المهاجم على يسوع(26: 51-56)501
الحكم على يسوع أمام المحكمة الدينية(26: 57-68)502
بطرس ينكر المسيح(26: 69-75)506
إثبات الحكم ضد يسوع في المجمع الاعلى(27: 1-2)507
نهاية الخائن(27: 3-5)508
تحقيق النبوة عن ثمن الخيانة(27: 6-10)510
يسوع أمام المحكمة المدنية “الرومانية”(27: 11-14)511
إختيار الثائر وطلب صلب يسوع(27: 15-23)512
لعنوا ذواتهم وأولادهم(27: 24-26)515
استهزاء الجند الروماني(27: 27-30)517
سمعان القيرواني يحمل صليب المسيح(27: 31-34)518
القدوس يصلب بين لصين(27: 35-38)519
التجديف الرسمي على المصلوب(27: 39-44)521
غضب الله المسلط على المصلوب(27: 45-50)523
الأحداث الغريبة عند موت يسوع(27: 51-53)526
شهود عيان على موت يسوع(27: 54-56)528
دفن المسيح(27: 57-61)530
ختم القبر وحراسته(27: 62-66)531

نبوة يسوع عن موته

(26: 1-2)

26: 1 وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ كُلَّهَا قَالَ لتَلامِيذِهِ:(2) تَعْلَمُونَ أَنَّهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الْفِصْحُ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ لِيُصْلَبَ.                      (تك12: 1-20، متى20: 18)

كل من يرغب في معرفة عظمة الإنجيل حسب البشير متى، عليه الإدراك أن يسوع هو الرب الملك الديان في دينونة العالم، وكل السلطان والأنفس بين يديه. فللعجب لا يُهلك البشر يسوع كطاغية بلا مبالاة، بل مات أولاً بذاته كحمل الله كفارة عن جميع الخطاة. إن عظمة الفداء الإلهي تفوق إدراكنا، وبر الله يثبت في الخطاة التائبين المؤمنين. مات الملك ليؤهلهم للدخول إلى رحاب ملكوته لكي لا يهلك كل من آمن به.

حاول يسوع جذب أمته الضالة بجمرة محبته، فأقواله كانت ممتلئة بالسلطان والقداسة، وأعماله أظهرت رثاءه ورحمته. بعدما أكمل أقواله وتعاليمه ومعجزاته ابتدأ بمرحلة جديدة في حياته، ودخل سبيل الموت عمداً وقصداً. فخدمته كمبشر شافٍ قد انتهت وابتدأت خدمته للمصالحة بين الله والناس، والغريب في الأمر أنه خلال فترة وجيزة “24 ساعة فقط” أكمل خلاص العالم. لعل هذا الحدث الفريد، الذي هو أهم تاريخ في العالم، قد تم في 13 نيسان (أبريل) سنة 28م#

كان الفِصح عيداً لذكرى تحرير شعب العهد القديم من عبودية الفرعون رعمسيس الثاني الطاغية، الذي لم يسمح للفعَلة العبيد أن يمارسوا عيدهم مع الله في البرية، فجاء ملاك الرب المُهلك، وقتل كل بِكر في مصر من الناس والبهائم. لم يكن أولاد إبراهيم أفضل من الآخرين، لكنهم آمنوا بقدرة حَمَل الله المذبوح، واحتموا بدمه وتقووا بأكل لحمه، فنجوا من غضب الله ودينونته. منذ ذلك الوقت، احتفلوا بعيد الفِصح ليذكروا مرور غضب الله عنهم.

أكمل المسيح معنى هذا العيد القديم، فملأه بأفكار جديدة عن فداء العالم أجمع. لقد أصبح بنفسه الذبيحة الكفارية، التي خلَّصت البشر كلهم من غضب الله المار عن الذين يتحدون مع الذبيح الإلهي بإيمانهم.

كان المسيح يعرف ساعة موته مسبَقاً كما أنبأ بها الأنبياء محوراً للتاريخ، وعرف أيضاً كيفية وفاته: إن اليهود المتعصبين سيسلّمونه إلى أيدي الأمم، الذين سيعلّقونه على خشبة العار، وهو الملك القدوس الحق والدّيان.

يظهر في هذا التطور السلبي أن الهيئات الشرعية أخطأت الحق في قراراتها، لأنها لم تدرك جوهر المسيح ولم تؤمن به، فحكمت على البار وأرادت إبادته. فلا تتبع الرأي العام، ولا تحكم على إنسان ما، بل تدقّق وتحقّف من خلال سلوكه وكلامه، كما قال يسوع “من ثمارهم تعرفونهم” وتقبل الخادم الأمين وتحافظ عليه حتى ولو رفضه الجميع.

الصلاة:أيها الرب يسوع الملك الديان، نعظمك لأنك أكملت تعليمك ومعجزاتك قبل توجهك نحو الصليب. لم تهرب بل أكملت خدمتك كحمل الله، وفديت العالم المظلم. نشكرك لأنك ذبيح الفصح الحقيقي لكي تحفظ من غضب الله على عصياننا إذا آمنا بك. نشكرك كل الشكر لتواضع محبتك ولأنك أكملت طريق حمل الله لأجل خلاص كل من يلتجئ إليك.

السؤال 234: مامعنى الفصح؟

التّشاور ضد يسوع

(26: 3-5)

26: 3 حِينَئِذٍ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ الَّذِي يُدْعَى قَيَافَا، (4) وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يُمْسِكُوا يَسُوعَ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُوهُ. (5) وَلكِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَ فِي الْعِيدِ لِئَلا يَكُونَ شَغَبٌ فِي الشَّعْبِ.                                                          (لو3: 1-2)

تمت من قبل مشاورات كثيرة على حياة المسيح. أما هذه المؤامرة فقد ازدادت إحكاماً لأن الرؤساء اشتركوا فيها. اشترك فيها “رؤساء الكهنة” الذين كانوا يترأسون الشؤون الكنسية، و”شيوخ الشعب” الذين كانوا يقضون في الشؤون المدنية، “والكتبة” الذين كانوا بمثابة مرشدين لهؤلاء وأولئك إذ كانوا معلمي النّاموس. ومن هؤلاء كان يتشكل السنهدريم، أو المجلس العظيم الذي يحكم الأمة. وهؤلاء تآمروا على المسيح.

أبغض زعماء اليهود المسيح لأنه بكَّتهم على ريائهم وذنوبهم، وطلب منهم تغيير أذهانهم والتوبة الحقة والإيمان بشخصه، بينما هم لم يعتبروه ابن الله بل مجدّفاً. هم حسدوه حقداً لأن الجماهير تبعته والعجائب شهدت لقدرته الكبيرة، فاغتاظوا في قلوبهم، وسمُّوه مُضلاً شيطاناً، وصمّموا على قتله سراً، خصوصاً بعدما كشف للكتبة والفريسيين رياءهم. اغتاظوا واجتمعوا في بيت رئيس الكهنة قيافا المدَّعي العام ليتشاوروا على خطة ماكرة لإبادته، دون أن يلاحظ الشعب قتله.

عرف المسيح هذا التآمر السري فاختفى عنهم، لأنه قصد أن يموت في الساعة المعيَّنة من عيد الفِصح كحَمَل الله الفريد، لكي يعلم الجميع السبب والغاية التي من أجلها أخذ الله جسداً، فمات حسب إرادته الخاصة، وليس حسب تخطيط أعدائه.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، قد عرفت مسبقاً أن ساعتك قد أتت وعلمت أن زعماء أمتك سيسلموك إلى الصلب. أما أنت فقررت أن تموت في وقت ذبح الحملان في عيد الفصح، ليتضح أنك أنت حمل الله الفريد، الذي يرفع خطايا العالم. لم يقدروا أن ينفذوا مشورتهم بل أنت عيّنت مصيرك خطوة بعد خطوة في هذه الليلة المظلمة، فنعظمك ونشكرك لثباتك في طريقك نحو الصليب.

السؤال 235:  لماذا لم يقدر المجمع الأعلى أن يصدر حكماً صائباً ضد المسيح؟

تكفين المسيح

(26: 6-13)

26: 6 وَفِيمَا كَانَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَانَ الأَبْرَصِ، (7) تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، فَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. (8) فَلَمَّا رَأَى تَلامِيذُهُ ذلِكَ اغْتَاظُوا قَائِلِينَ: لِمَاذَا هذَا الإِتْلافُ؟ (9) لأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هذَا الطِّيبُ بِكَثِيرٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ    (10) فَعَلِمَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُزْعِجُونَ الْمَرْأَةَ؟ فَإِنَّهَا قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَناً! (11) لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. (12) فَإِنَّهَا إِذْ سَكَبَتْ هذَا الطِّيبَ عَلَى جَسَدِي إِنَّمَا فَعَلَتْ ذلِكَ لأَجْلِ تَكْفِينِي. (13) اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضاً بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ تَذْكَاراً لَهَا.

(لو7: 36-50، يو12: 1-8، تث15: 11)

سكبت مريم أخت لعازر قارورة الطيب على جسد المسيح مندفعة بالروح القدس، لتدهنه كما يُدهَن الملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء علامة لامتلائهم بالروح القدس، بالمسحة السماوية. كان المسيح في وفاته الممسوح الحق، الذي حلَّ فيه كل ملء اللاهوت جسدياً. لقد تمَّت هذه المسحة للموت بانسجام مع مشيئة الآب، فجرى هذا الرمز بتضحية امرأة بذلت كل كنوز حياتها لتمجيد المضطَهَد المحبوب.

ينبغي أن نحرص على أن لا نظن بأن أي شيء نقدّمه نحن أو غيرنا إلى المسيح إتلاف. ينبغي أن لا نظن بأن الوقت الذي نصرفه في خدمة المسيح إتلاف، أو أن الأموال التي تنفق في الأعمال الروحية إتلاف، لأنها حتى ولو بدا بأنها قد ألقيت على وجه المياه، فإننا سوف نجدها ثانية بعد أيام كثيرة أنها كانت للخير (جا11: 1).

ظن التلاميذ أن الطيب قد اتلف بسكبه على رأسه. اما هو فقال لهم “إن سكب مثل هذا الطيب على جسد ميت حسب عادة بلادكم لما اغتظتم ولما اعتبرتم الأمر إتلافاً”. والواقع أن هذا ما حصل، فالجسد الذي دهنته هذه المرأة في حكم الميت، ولهذا فإن عملها إنما تم في وقته لهذه الغاية فكان ينبغي أن تأخذوه على هذا الوجه بدلاً من أن تدعوه إتلافاً.

لم يكن تلاميذ المسيح آنذاك ممسوحين بالروح القدس بعد، فاعتبروا أن سكب قارورة الطيب هو إتلاف، قائلين: كان من الأفضل بيعها، وإنفاق ثمنها على الفقراء الجياع. لكن المسيح مدح عمل مريم بمدح إلهي، وجعل خدمتها شهيرة كمقدمةٍ لصلبه ودفنه.

بعدئذ أوضح يسوع بجملة قصيرة أن تخيلات الأحزاب وآمال المذاهب كاذبة لأن الفردوس والمساواة لا تأتي بسهولة على الأرض. فالفقر لا يُمحى من دنيانا، لأن القلوب تبقى قاسية إن لم تلن بمحبة الله والإيمان بالمسيح. وبما أن الجماهير لا ينفتحون لروح المسيح، فلا ينتهي الضيق في العالم، بل تنفق الشعوب الملايين على الطائرات والصواريخ والدبابات والقنابل، بينما يموت الملايين جوعاً!

الصلاةأيها الرب يسوع، نحمدك لأنك سمحت للمرأة أن تدهنك بالزيت الثمين كمسح لموتك النيابي عنا، ودفنك القريب. نشكرك لأنك نخست قلوب تلاميذك الذين نظروا إلى ثمن قارورة الزيت ولم يفهموا أن ساعتك كانت قريبة. لقد أعلنت لنا أن الفقراء معنا في كل حين، وحرضتنا على خدمتهم عوضاً عنك، وأنت مُتَّ من أجلهم أيضاً، لكن لم يعرفوا ولم يستوعبوا هذا البعد. ارشدنا لكي نساعدهم بحكمة حسب الروح القدس والجسد ليمتلئوا بروح لطفك ومحبّتك.

السؤال 236:  ماذا تعني عبارة “الفقراء معكم في كل حين”؟

خيانة يهوذا

(26: 14-16)

26: 14 حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ، إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ (15) وَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟  فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. (16) وَمِنْ ذ لِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ.             (يو11: 57، زكريا11: 12)

أحب يهوذا المال أكثر من حبه لله، فلم يركز على  إرشادات وتعليمات معلمه خلال سنوات عديدة، بل تقسَّى تدريجياً، وانفصل عنه على مراحل، وعارض محبته بقلبه الثائر وكان غير أمين في الأموال المودعة بين يديه. استاء من توبيخ ربه نتيجة تذمر التلاميذ على كسر قارورة الطيب لأجل تكفينه.

كان يهوذا اليهودي الوحيد بين التلاميذ الاثني عشر، لأن الآخرين كانوا جليليين. ربما كان يهوذا متعاوناً مع المجلس الديني في العاصمة «القدس» وجاسوساً له لحفظ الأمة من الانتقام الروماني، كيلا يشاهد الرومان تجمُّع الشعب حول يسوع فيقضوا على الأمة.

بنفس الوقت حاول يهوذا تخليص نفسه من تهديدات المجلس الديني، فعمد إلى تسليم معلّمه. ليبرئ نفسه. ولعله فكَّر أيضاً أن يُجبِر يسوع على إعلان سلطانه وإنشاء ملكوته ظاهراً، عند ذلك ينتصر المسيح على أعدائه بقوته الإلهية وينشئ ملكوته على الأرض وينصب يهوذا مسؤولاً عن بيت المال.

سلَّم «المحكوم عليه» وأتباعه إلى ضيق شديد. وظهرت رداءة موقفه بقبول المال للخيانة. فما أنجسها تجارة، لأنه سلَّم إله المحبة بثمن تافه!

عامل المسيح يهوذا الخائن بنفس العطف الذي أظهره للباقين، لم يضع عليه أي علامة من علامات العار التي تفشله، بل وضعه في مركز يرضيه، إذ جعله أميناً للصندوق. وبالرغم من أنه اختلس من الصندوق(يو12: 6) إلا أننا لا نجد أي دليل على أنه طلب منه أن يقدم حساباً عنه. كما أنه لم يخامره أي شك في صحة كرازة المسيح. لم يكن السبب هو بغض سيده له أو منازعته معه، إنما كانت محبّة المال ليس إلاَّ. هذا هو السبب الوحيد الذي جعل يهوذا خائناً.

نقرأ في سفر زكريا (11: 12-13) الوعد المبهم القائل بأن رب العهد اعتبر 30 من الفضة التي دفعت لأجل حراسة الخراف من الذبح، المبلغ الذي ثمنه أهل الخراف. فالمبلغ المعين الذي تسلّمه يهوذا لأجل خيانة ربه كان مذكوراً مسبقاً في الوحي الإلهي، وكذلك تخلّصه من هذا المبلغ ورميه إلى الهيكل  حتى يتخلّص منه.

الصلاة:أيها الرب يسوع، أنت الحق والإستقامة، احتملت يهوذا بين رسلك، رغم أنك شعرت ببعد أمانته وعرفت أفكاره وباركته. صليت لأجله، لكنه أحب المال أكثر منك، فسلمك لأعدائك مقابل 30 قطعة من الفضّة. ساعدنا أن لا نحب المال ونثبت أمناء في مسألة النقود المستودعة بين أيدينا. لا نطلب الحياة والسلطة على أساس المال، بل نخدمك في روحك الوديع.

السؤال 237:  ماذا تعلّمت من استعداد يهوذا ليسلم ربه بمبلغ زهيد؟

تحضير الفصح

(26: 17-19)

26: 17 وَفِي أَّوَلِ أَيَّامِ الْفَطِيرِ تَقَدَّمَ التَّلامِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نُعِدَّ لَكَ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟  (18) فَقَالَ: اذْهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، إِلَى فُلانٍ وَقُولُوا لَهُ: الْمُعَلِّمُ يَقُولُ إِنَّ وَقْتِي قَرِيبٌ. عِنْدَكَ أَصْنَعُ الْفِصْحَ مَعَ تَلامِيذِي (19) فَفَعَلَ التَّلامِيذُ كَمَا أَمَرَهُمْ يَسُوعُ وَأَعَدُّوا الْفِصْحَ.

(خر12: 18-20، متى21: 3، يو13: 21-26)

امتنع المسيح أمام يهوذا عن ذِكر المكان المقرر أن يجتمع فيه مع تلاميذه لآخر مرة، لأنه لم يرد إزعاج حفلته الإلهية مع تلاميذه. أراد أن يهيّئ جواً هادئاً لإعلان خُلاصة تبشيره وهدف مشيئته. فكل التمهيدات للعشاء الرباني جرت بارشاد الروح القدس.

الأغلب أن يسوع احتفل مع تلاميذه عشية يوم الخميس، لكن يوم ذَبْح الحملان كان يوم الجمعة. فلم يسمح له أن يذبح خروفاً، لأنه مضطهد وغير مقبول من رؤساء الكهنة. فهيّأ له تلاميذه عشاء المضطهدين والمؤلف من خبز غير مخمّر وأعشاب مرة وخمر أحمر. لم يذكر في النصوص عن العشاء الرباني أنه احتوى على اللحم المشوي، لأن لم يكن أي خاطئ محتاجاً لحمايته من غضب الله بواسطة دم حمل المذبوح، بل لأنه في ذاته كان الحمل المستحق للذبح لحماية البشر من الغضب الآتي.

إن امتناع يسوع عن اللحم المشوي من حمل الفصح، يتطابق مع النظام في أيام الفطير. ففي الأسبوع الذي يسبق عيد الفصح، أبعد اليهود كل خمير من بيوتهم وأكلوا خبزاً غير مخمّر علامة لتوبتهم ومحاولتهم أن ينقوا بيوتهم من كل ما يبعدهم عن الرب، واعتبروا هذه الأيام تمهيداً لمصالحتهم مع الرب بواسطة ذبح حمل الفصح.

الصلاة:أيها الرب يسوع، قد اشتقت أن تحتفل مع تلاميذك قبل عيد الفصح، لتعدّهم لقطع العهد الجديد في دم حمل الله الحقيقي. ساعدنا حتى نستعد أيضاً لهذا الحدث العظيم ونتوب عن كل خطيئة معروفة في حياتنا معك، ويعيدوا أيام الفطير وعيد الفصح روحياً حسب الإنجيل.

السؤال 238:  مامعنى “أيام الفطير” عند اليهود في الماضي والحاضر؟

إعلان الخيانة المُقبلة

(26: 20-25)

26: 20 وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ. (21) وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي (22) فَحَزِنُوا جِدّاً، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟  (23) فَأَجَابَ: الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي. (24) إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ (25) فَسَأَلَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ: هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟  قَالَ لَهُ: أَنْتَ قُلْتَ.                                                                                 (لو17: 1-2)

عاش المسيح دائماً مع تلاميذه في شركة حميمة. فلقد أحبوا بعضهم بعضاً في القداسة والأخوة، والله كان حاضراً معهم، وقوته الفعلية صبغت جوَّ شركتهم، فعمَّ الفرح والسلام بينهم، رغم أنهم مضطهَدون ومُلاحَقون.

رفع يسوع أثناء العشاء الربَّاني قليلاً من الستار عن خائنه دون أن يعلن اسمه صراحة لكيلا يشهّره، لعله يرجع عن شر قلبه بتوبة نادمة. أما إعلان الخيانة المُقبلة عليهم فسقط كقنبلة في وسط فرح الحفلة. كان هذا الإكتشاف تمهيداً إلهياً لتطهير جميع الرسل من زلاتهم ووساوسهم، ليستحقوا قبول العشاء الرباني.

والمُرعب أنه لم يكن بين التلاميذ واحد متأكداً من أمانته. شعر كل منهم بإمكانية الخيانة في قلبه. ولربما خطر لهم من قبل أن يفرّوا إلى العدو، لينجوا من غضب الأمة، فكلٌّ منهم رأى نفسه مكشوفاً أمام الرب، فانكسر بخجل واعترف الجميع بضعفهم جهراً وهم مضطربون، لم يدّعوا أو يتباهوا بأمانتهم وشرفهم.

بدأ المسيح محاولة لربح نفس يهوذا، ليجذبه للتوبة والاعتراف، فرسم أمامه امتياز شركته ومحبته وقدرته التي اختبرها يهوذا في ربه طويلاً، وحذَّره بنفس الوقت من الدينونة في جهنم التي ستصيبه حتماً، لأنه قد اختبر نعمة الله وها هو يرفضها!

أما يهوذا فامتلأ بروح الشيطان، “أب الكذابين”، حيث تطلع إلى وجه يسوع متظاهراً بالندامة قائلاً “إن شاء الله، لن أكون أحد الخونة”. لم يسم يهوذا المسيح رباً كما فعل التلاميذ الآخرون بل دعاه سيداً فقط. فانفصاله عن المسيح ظهر في ريائه الخبيث. عندئذ نخسه المسيح وأعلن شر روحه، وقال له “أنت قلت” أي أنك الخائن.

هل تتوب قبل أن ينخسك المسيح ويدينك، أو تظهر نفسك كخادم للرب أم أن الشر مازال معقوداً في ضميرك؟ هل انكسرت حقاً أم أنك من المنافقين الذين لا يهتدون؟

الصلاة:أيها الآب السماوي ارحمني أنا الخاطئ، انزع بذرة كل خطيئة من نفسي. اغفر لي خبثي والشر الساكن فيَّ واخلق في داخلي خلقاً جديداً وأخلاقاً متجددة. أنا هالك حتماً بدون دم إبنك. خلّصني من شهواتي، وقدسني لأتبع بأمانة ابنك مع كل التائبين في الأرض، وامنح روح التوبة والندامة لكل الكنائس لتستطيع الحلول فيهم بروحك القدوس.

السؤال 239:  ماذا حدث قُبَيل رسم فريضة العشاء الربَّاني؟

العشاء الربَّاني الأول

(26: 26-29)

26: 26 وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ، وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلامِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا. هذَا هُوَ جَسَدِي (27) وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ، (28) لأَنَّ هذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (29) وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي مِنَ الآنَ لا أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ هذَا إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ مَعَكُمْ جَدِيداً فِي مَلَكُوتِ أَبِي.

(خر24: 8، إرميا31: 31، 1كور10: 16؛ 11: 23-25، عب9: 15و16)

خلال حفلة الفِصح في الغرفة المنعزلة التي شملت المضطهدين أخذ يسوع الخبز وشكر أباه السماوي لأجله، باركه لأجل سر العشاء الربَّاني المتضمن خلاصنا كله، وقد سمَّاه المسيحيون الأولون «سرّ الشكر». ليت شكرنا ينمو إلى جانب محبتنا للمسيح، فبقدر محبتنا له يكون شكرنا.

أعلن يسوع معنى الخبز في العشاء الرباني، كأنه يقول لتلاميذه: كما يدخل هذا الخبز إلى جوفكم، أريد أن أحل وأسكن فيكم، وهذا هو هدف العهد الجديد. وكما أن الخبز الطبيعي يقويكم للحياة والعمل والنشاط، أعمل أنا فيكم للحياة الأبدية والخدمات اليومية، فلا تكلّون وتضعفون، بل تخدمون بفرح. أنا هو قوتكم فيكم.

بعدما شرح يسوع معنى الخبز في العشاء الربَّاني أنه يمثل جسده، أخذ الكأس وأوضّح لهم معنى الخمر. إنه رمز لدمه الذي نلنا به غفران خطايانا، لأن موته الكفاري صالحنا مع الله. فبرُّنا ليس مبنياً على سفك دم ثيران مثلما حدث في العهد القديم، بل ابن الله تجسَّد ومات عوضاً عنَّا، سافكاً دمه الثمين ليُدخلنا إلى العهد الجديد مع أبيه، فيحل ويسكن روحه القدوس فينا لنعيش الحياة الأبدية.

إن موت المسيح على الصليب هو أساس العهد الجديد. لخَّص يسوع بذبيحته الفريدة كل أنظمة الذبائح في العهد القديم وأتمّها. إنه في ذاته حَمَل الله الذي يحفظنا من غضب الله القدوس، وهو وحده ذبيحة العهد الجديد لكل الأجيال من اتباعه. أوجد المسيح بموته فداءً كاملاً لخلاصنا الأبدي، وقال إن فداءه سيتم في مجيئه الثاني، حيث يتكئ معنا كما اتكأ مع تلاميذه في العُلّية. عندئذ سيظهر ملكوت أبيه بأمجاده وقدرته، فلا ينتهي شكر سجودنا، لأنه معنا وفينا ولن يفارقنا إلى الأبد.

كان دم العهد القديم يسفك من أجل قليلين، إنه ثبت عهداً قال عنه موسى أن الرب “قطعه معكم” (خر24: 8). وكان التفكير يصنع عن بني إسرائيل فقط (لا16: 34). أما يسوع المسيح فإنه “كفارة لخطايا كل العالم” (1يو2:2).

هل تشترك بحمد عند مجيئه؟ هل يسكن المسيح فيك اليوم لتستقبله غداً؟ تعمّق في كلمات يسوع لقطع العهد الجديد في سر العشاء الرباني، لأنها تتضمّن كل غنى إيماننا وخلاصنا.

الصلاة:نعظّمك أيها الآب السماوي ونحمدك من كل القلب  لأجل موت ابنك الوحيد، لأنه صالحنا معك بذبيحة ذاته وحلّ في قلوبنا بواسطة الروح القدس المعطى لنا، فأصبحنا بنعمتك أعضاء عائلتك في العهد الجديد المبارك. احفظنا في شركتك لكي نثبت في ابنك وهو ساكن فينا إلى الأبد.

السؤال 240:  ماهي المعاني البارزة للعشاء الرباني؟

نبوءات يسوع في طريقه إلى جثسيماني

(26: 30-35)

26: 30 ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الّزَيْتُونِ. (31) حِينَئِذٍ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ.   (32) وَلكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ (33) فَقَالَ بُطْرُسُ لَهُ: وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لا أَشُكُّ أَبَداً    (34) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ (35) قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لا أُنْكِرُكَ!  هكَذَا قَالَ أَيْضاً جَمِيعُ التَّلامِيذِ.                                      (مز113-118، متى28: 7، يو13: 38؛ 16: 32)

في أثناء العشاء الأخير مع تلاميذه قطع يسوع العهد الجديد مع معظم أتباعه. وإذ رسم وشرَّع سرّ العشاء الربَّاني، ختم الحفلة الفصحية بالتسبيحات المجيدة المكتوبة في المزمور 118. وبعد ذلك قام، وتقدّم نحو موته بتصميم ثابت.

لم يفكّر أولاً في آلامه المُقبلة، بل في تلاميذه الضعفاء، وحذّرهم من التجربة المزمعة أن تنزل بهم، وعزَّاهم بقيامته الأكيدة التي هي انتصاره. اليوم، يقود المسيح رعيّته في موكب نصرته كما وعد، ويقوِّينا لحياة غالبة، فنسير في خطوات المسيح المُقام من بين الأموات.

لم يكن التلاميذ قد أدركوا الكفاح العنيف الذي ينتظرهم مع الأرواح المضادة لله. لعلهم ظنوا أن قوتهم الذاتية تكفي للنضال. لهذا كان على المسيح أن ينبئهم بهزيمتهم الكاملة، لأنهم اعتبروا أنفسهم أقوى وأدهى حتى من الشيطان.

لم يفهم التلاميذ الآية التي اقتبسها يسوع من التوراة، ولم يدركوا أن الله سيضرب الراعي الصالح فتتبدد الرعيّة المختارة! لقد فاق هذا الفكر عقولهم، وكان عثرة كبيرة لهم: كيف يُعقل أن الله يقتل مخلّص العالم الوحيد؟

استاء بطرس من نبوة يسوع وأنه وكل التلاميذ سينكرون المسيح، فاعترض باعتداد، وأخذ يؤكد لربه إخلاصه المطلق. لكن يسوع سمع مسبَقاً صياح الديك وإنكار مقدام رسله ثلاث مرات، وحذَّر بطرس بهذه النبوّة، رغم علمه بأنه سيسقط في الخطيئة لأنه اتكل على نفسه!

كان بطرس كثير الثقة بنفسه، متسرّعاً في الكلام، سيما عن نفسه. كانت نتيجة تسرّعه خيراً في بعض الأحيان، ولكنها في أحيان أخرى كانت وبالاً عليه كما حدث هنا.

ربط بطرس نفسه بوعد بأن لا يشك في المسيح أبداً، ليس فقط في هذه الليلة بل في أي وقت آخر. لو أن هذا الوعد أعطي في تواضع واتكال على نعمة المسيح لكان وعداً جميلاً. لقد أدّى حديث المسيح قبل العشاء إلى أن يفحص كل من التلاميذ نفسه بهذا السؤال: “هل هو أنا يا رب“، لأن الواجب يحتم على كل واحد أن يمتحن نفسه استعداداً للتناول. أما بعد العشاء فقد أدى حديثه إلى أن يحرصوا على بقاء شركتهم معه، هذا هو ما يحتمه الواجب بعد التناول.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نحبك لأنك حذّرت تلاميذك كلهم من التجربة النازلة عليهم وأردت أن تساعد بطرس خاصة لكي لا يتّكل على ذاته، لكنه لم ينتبه لتحذيراتك. سامحنا إن لم ننتبه نحن أيضاً إلى كلماتك ونتّكل على قدرتنا الذاتية. أعنّا حتى نتقوّى بجدة قوتك، وامسك بيدنا وقدنا لنسير محفوظين مع كل اتباعك الواعين.

السؤال 241:  لماذا لم يؤمن بطرس بتحذيرات يسوع؟

دعاءالمسيح في جثسيماني

( 26: 36-37)

26: 36 حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي، فَقَالَ للتَّلامِيذِ: اجْلِسُوا ههُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ (37) ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ.(38) فَقَالَ لَهُمْ: نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي.

(متى17: 1، يو12: 27، عب5: 7)

كان المسيح على علم دقيق بما ينتظره من عذاب، لأن خطيئة العالم كلها كانت واقعة عليه، منذ أن تقلّد وظيفة حَمَل الله، ومقتضيات الفداء جعلته خطيئة لأجلنا، وهو الذي لم يعرف خطيئة، لنصير نحن برَّ الله فيه. وقد تجمَّع كل شر العالم على المسيح، قديمه وحديثه، لكنه لم يضعف محبة المسيح، ولم يعطله عن القيام بعمل الفداء، فمات موتنا، وحمل دينونتنا.

بهذا الصراع وسوس الشيطان إلى قلبه. إنه كحامل كل شرور العالم، أصبح مرفوضاً وملعوناً من الله. فأنفت نفسه احتمال الإنفصال عن أبيه، وكإنسان حين يشعر بأنه متروك من والده نهائياً، ارتجف بكل كيانه لأن الإنتزاع من شركة الله الآب يعني الهلاك والجحيم، فحزن يسوع حزناً مراً وارتجف كل جسده. اعترض الشرير طريقه بشبح الموت المخيف وحاول أن يجد سلطة فيه لأجل خطايانا. دخل يسوع إلى طمس ظلمة في حياته وأصبح حزيناً حتى الموت، لم يحزن لأجل موته الخاص بل لأجل موتنا جميعاً، وكان واقفاً أمام الذي له سلطة الموت، ألا وهو إبليس      (عبرانيين2: 14).

كان المسيح يعلم يقيناً أنهم متعبون، ولكنّه أراد أن يعلمنا فائدة شركة القديسين. إنه نافع أن نجد معونة إخوتنا في أوقات الشدة، ولذا فإنه من الضروري أن نطلب معونتهم “اثنان خير من واحد” (جا4: 9) إن ما قاله لهم “اسهروا” لا يزال يوجهه للجميع (مر13: 37)، وهو لم يقصد أن نسهر فقط متوقعين مجيئه الثاني بل أيضاً أن نسهر معه في خدمتنا الحالية.

من يدرك عُمق وعظمة آلام يسوع؟ لقد تعبت نفسه لأجلنا، لأنه انتُزع من وحدة الثالوث الأقدس، ليدخلنا نحن إلى عائلة الله. فمن يشكره لذبيحته الكاملة؟ وكيف تتوب عن خطاياك لتثبت في الله؟

الصلاة:أيها الرب يسوع المحب، نشكرك لحزنك الأليم ونحمدك لآلام نفسك، لأنك رفعت خطايانا وخبثنا وحملت دينونتنا والغضب عوضاً عنا. طهرنا من شرنا وقدسنا بروحك القدوس لأننا باطلون وأشرار. لا نستطيع الثبات في صراعنا مع أرواح عصرنا. نطلب منك وأنت المنتصر الحي أن تقودنا في موكب نصرتك في كل حين.

السؤال 242:  لماذا حزن يسوع؟

صراع يسوع في دعائه

26: 39 ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ.    (يو6: 38؛ 18: 11، عب5: 8)

سجود المسيح لله لا يعني أنه في ساعات آلامه فقد لاهوته،  وإنما كانت متطلبات الفداء تستلزم اتضاعه إلى هذه الدرجة. توصح لنا العبارات التي نطق بها في صلاته عُمق كفاح المحبة من أجل خلاصنا.

استهل يسوع سجوده بهذا النداء الرائع: «يا أبتاه» لأنه أراد التمسّك بأبيه رغم أنه انفصل عنه بسبب خطايانا الأثيمة. لم يشكّ في بنوته لله ومحبة الآب له. إن ما يعزّينا نحن أفضل تعزية في أوقات الأحزان هو أن نعتبر الله العظيم أباً لنا، ونخاطبه بدالة البنين رغم أن غضبه معلن وملتهب على كل خطيئة. يحقّ لنا هذا الالتجاء، لأن المسيح شرب عوضاً عنا كأس غيظ الله على رجاسات الناس وفجورهم، ففي صلاته في جثسيماني رأى يسوع الكأس الممتلئ بالغضب المهيأ له أن يشربه إلى الثمالة.

تمنى المسيح في إنسانيته أن تعبر عنه هذه الكأس المريرة، وإذا أمكن أن تتم إرادة الله الخلاصية دون أن يُصلب. لكن الابن أخضع إرادته الخاصة لمشيئة أبيه مبدئياً وكاملاً، فظهر في هذا الكفاح الإيماني أن المسيح كان إنساناً تاماً، كما أنه كان إلهاً حقاً. كذلك كانت له إرادة إنسانية في وحدة مع مشيئته الإلهية.

كان المسيح يحزن وينزعج فيما يختص بالطبيعة البشرية، وفضّل عدم الموت، كما أن ألوهيته لا تحتمل ترك أبيه له، لكن بالرغم من آلامه الشديدة وموته القريب، لم يرد شيئاً منافياً لإرادة الآب في انجاز عهد الفداء.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نحبك ونعظمك لأنك تحمّلت مخاوف الموت عوضا عنا، تألمت في نفسك لأجل انفصال الآب عنك بسبب قصاصنا. أما أنت فقد اخترت مشيئة أبيك عوضاً عن سلامة قلبك وصون جسمك. تحمّلت أحزاننا لأجل خلاصنا وشربت كأس الغضب عوضاً عنا. ساعدنا أن نحبك دائماً ونحفظ وصايا شريعتك. شكراً لآلامك ومحبتك العظيمة.

السؤال 243:  لماذا ارتجف يسوع وحزن حتى الموت؟

صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة

(26: 40-41)

26: 40 ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّلامِيذِ فَوَجَدَهُمْ نِيَاماً، فَقَالَ لِبُطْرُسَ: أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟ (41) اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لِئَلا تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ.                                                                 (أفسس6: 18، عب2: 18)

بينما كان المسيح يجاهد مصلياً وصارع الموت متألماً وقاوم إبليس مخلصاً، كان التلاميذ نياماً، حتى المختارين الثلاثة أيضاً. لم يستطيعوا السهر معه، ولم يقدروا أن يسندوا المسيح ولا أن يقدموا أبسط خدمة للمتضايق في سبيل الأخوَّة، أي الابتهال لأجله. فالتلاميذ سقطوا جميعاً في الوقت الحرج.

عاتبهم الرب يسوع، وأعلن لهم من اختباراته الخاصة أن جسد الإنسان ضعيف وخائف وغير مستعد لاحتمال الصليب. لا يستطيع أحد أن يخدم الله بدون الروح القدس، إنما الغلبة تُعطَى لمن يصلّي باستمرار فينال القوة ويتقوَّى في الإيمان ويحب أعداءه. لذلك اقرأ الكتاب المقدس يومياً، واصغ إلى العظات الصالحة لكيلا تسقط في التجربة. مع العلم أن كياننا البشري سرعان ما يتجاوب مع التجربة، لكن لا نيأس بل نثبت بثقة ورجاء تام.

ليتك، أخي القارئ، تطلب من الرب الحي موهبة الصلاة والدعاء والإبتهال لنفسك ولأصدقائك، لأن أباك السماوي ينتظر طلباتك الإيمانية.

الصلاة: أيها الرب يسوع، أنت ابن الإنسان وابن الله، تعلمت الطاعة في التجربة الهائلة وغلبت نفسك أثناء صلاتك، لأنك أحببت أباك السّماوي أكثر من ذاتك، وخضعت لإرادة الله. علمنا الطاعة الروحية لكي لا نمارس أمنياتنا وتحقيق رغباتنا، بل نسعى لمعرفة تخطيطاتك ونلتمس منك القوة لتنفيذ مشيئتك في حياتنا بالإيمان.

السؤال 244:  ماذا يعني “الجسد ضعيف أما الروح فقوي”؟

خضوع يسوع التام لمشيئة أبيه

26: 42 فَمَضَى أَيْضاً ثَانِيَةً وَصَلَّى قَائِلاً: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ إِلا أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ.

غلب المسيح جسده بواسطة الروح القدس، فصلَّى صلاته الثانية متغيرة عن الأولى، وفي انسجام كامل مع الله. فقد أدرك الابن أنه لا يوجد طريق لخلاص العالم إلا بالصليب.

فويل للذين يقولون أن الإنسان يتبرر بأعمال الشريعة فقط وليس بدم المسيح، هؤلاء لا يشتركون في الفداء المعد لهم، لأن يسوع وحده شرب كأس الغضب عوضاً عنا.

غلب الإبن إرادته الذاتية أثناء صلاته الثانية، فوافق في محبة لنا أن يشرب كأس الغضب الإلهي ويموت ذبيحة لأجل الخطاة وينفصل عن أبيه الذي فيه وهو في أبيه.

ليست الصلاة مجرد رفع رغباتنا إلى الله فحسب، إنما هي أيضاً إخضاع إرادتنا لإرادته. عندما نكون في الشدة ونلجأ إلى الله مسلِّمين طرقنا وأعمالنا له “لتكن مشيئتك” عندئذ تكون صلواتنا مقبولة.

26: 43 ثُمَّ جَاءَ فَوَجَدَهُمْ أَيْضاً نِيَاماً، إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً. (44) فَتَرَكَهُمْ وَمَضَى أَيْضاً وَصَلَّى ثَالِثَةً قَائِلاً ذلِكَ الْكَلامَ بِعَيْنِهِ. (45) ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلامِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا. هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. (46) قُومُوا نَنْطَلِقْ. هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ.                                             (2كور12: 8)

صلَّى يسوع ثلاث مرات في نفس الموضوع، واستخدم في صلاته الثالثة نفس الكلمات التي قالها في الصلاة الثانية، ليس لعدم الإيمان أو الشك في استجابة كلماته، بل لعلمه اليقين أن المجرّب سيهاجمه في الساعات المُقبلة عدة مرات لينزعه من موقفه المطيع في خضوعه لإرادة الله. ثبَّت يسوع نفسه بصلوات متكررة في مشيئة الله. وتيقّن بالمواظبة في الدعاء أنه الشخص الوحيد الذي يستطيع احتمال غضب الله عوضاً عن جميع الأنام.

في ساعة التجربة هذه، توقّف كل شهيق أو زفير سواء في السّماء أو على الأرض، لأنه لو فضّل يسوع الراحة لنفسه والوحدانية مع أبيه دون الإنفصال لأجل الفداء لهلكنا جميعاً. إنه انكر نفسه وحمل صليبه ومات لأجل خلاصنا.

الصلاة:أيها الرب المسيح نسجد لك بتهلل وشكر، لأنك احتملت دينونتنا من الله كلها وتألمت لغضب أبيك على خطايانا. اقبل أجسادنا وقلوبنا وأذهاننا. شكراً منا لموتك النيابي عنا، وقدّسنا لكيلا نسقط في التجربة. علِّمنا الصلاة بمواظبة لنثبت متحدين بخطتك، واعين لكل محاولات من الشرير لإضلالنا.

السؤال 245 : ماذا نتعلّم من صلوات المسيح الثلاث المتتابعة في بستان جثسيماني؟

القبض على يسوع

(26: 47-50)

26: 47 وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. (48) وَالَّذِي أَسْلَمَهُ أَعْطَاهُمْ عَلامَةً قَائِلاً: الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ (49) فَلِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إِلَى يَسُوعَ وَقَالَ: السَّلامُ يَا سَيِّدِي!  وَقَبَّلَهُ. (50) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: يَا صَاحِبُ، لِمَاذَا جِئْتَ؟ حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوُا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ.

سمَّى المسيح نفسه مرة أخرى ابن الإنسان، لأن الله وضع عليه دينونة البشر. لقد احتمل ضعفاتنا، ورفع خطية الأنام في جسده وهو إنسان حق. غلب كل خطيئة وشهوة بواسطة ألوهيته، وثبت قدوساً في كل التجارب. لهذا السبب ظل مستحقاً أن يموت لأجلنا ذبيحة حية مرضية أمام الله.

بعدما أفرغ يسوع ما بقلبه أثناء صلاته الفاصلة، قام وهيّأ تلاميذه النيام، فأظهر أسفه عليهم، قائلاً: “استمروا في الراحة واسترخوا، فأنتم لم تفهموا معنى الساعة الفاصلة والفريدة!!” أنبأهم يسوع ولآخر مرة أن ابن الإنسان المولود من الروح سيقبض عليه الخطاة المجبولون من التراب، وأن خائنه مقبل أن يقبض عليه. حرّك التلاميذ أعينهم باستغراب محاولين أن يفهموا كلامه ومعناه، فرأوا أنفسهم محاطين بالجند المسلحين.

تكلّم يهوذا بدون قصد وانتباه عن يسوع بعبارة غريبة “هو هُو” والتي تتضمن إسم يهوه. فسمى الخائن ربه بالإله الأصيل.

هجم الجند وزعماء الدين على المسيح، فقيّدوه وضربوه وصلبوه. ما أعظم البلية! الحق الحر رُبط من المربوطين في الخطيئة. لكنه بقى حراً رغم قيوده. أتت ساعة الظلمة ودان الظالمون الله بالذات لأجل محبته. لكن لم يدن المسيح خائنه المحتال الذي قبّله بقبلة الخيانة كاذباً، إنما رمقه بعينه، معطياً له آخر فرصة للخلاص، وقال له: «يا صاحب». إن محبة الله كلها ودعوته وغفرانه وخلاصه، جميع هذه الصفات اختصرت بهذه الكلمة اللطيفة. فمهما كانت خطيتئك عظيمة يسمّيك المسيح «صاحباً». هل تسمع صوته، وتنكسر تائباً باكياً؟

هنالك أشخاص كثيرون يخونون المسيح بقبلة وتحيّة، وهم تحت ستار إكرامه يخونون مصالح ملكوته ويسيئون إليه. يقول المثل اللاتيني “في الفم عسل وفي القلب مرارة”.

الصلاة:أيها الرب يسوع، انت رب العهد، سمحت لأهل العهد أن يقبضوا عليك ويقودوك إلى سجن المحكمة الدنيوية، ورغم ذلك، أحببت خائنك فلم تهلكه بقوتك رغم قدرتك على ذلك، إذ قَبِلت قُبلته المحتالة وخاطبته ب”يا صاحب”. ما أعظم محبّتك وضبط نفسك في إنكار ذاتك. نشكرك لأن لطفك يفوق كل العقول. شجعنا على الإيمان والثقة بأنك تحتملنا وتقبلنا حتى وإن كنا غير أمناء في الشهادة لك ولإسمك.

السؤال 246 : لماذا سمّى يسوع خائنه “يا صاحب”؟

شفاء أذن المهاجم على يسوع

(26: 51-56)

26: 51 وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَقَطَعَ أُذْنَهُ. (52) فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! (53) أَتَظُنُّ أَنِّي لا أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلائِكَةِ؟ (54) فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟

(تك9: 6، متى4: 11)

أراد بطرس حسب وعده الدفاع عن الملكوت السماوي بالسيف والشراسة، وظن أن بركة العلي ستحلّ على سلاحه. لكن المسيح منعه من استعمال العنف، لأن ملكوته يأتي بواسطة اللطف والتأني والمحبة فقط.يؤكد المسيح بهذا العمل رفضه للحروب الصليبية التي تناقض قصده وأوامره الإلهية الدّاعية للمحبة والإحترام. لم يستخدم الرب الاثني عشر جيشاً من الملائكة الذين تحت تصرفه، ولم يجرّب الروح القدس الذي أنبأ بضرورة موته وقيامته لخلاص العالم، بل تقدّم نحو أعدائه وأحبهم، واعترف أمامهم أنه هو هو، أمس واليوم وإلى الأبد. فلا تجرّب تنفيذ أفكارك بالقوة ولا تحتدّ، بل اصبر وسلّم لربك أمرك، وأحبّ أعداءك إلى المنتهى.

إن أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل روحية، ومع أن خدّام المسيح هم جنوده لكنهم لا يحاربون حسب الجسد (2كو10: 3و4). وليس هذا معناه أن شريعة المسيح يهدم قانون الطبيعة أو شرائع الشعوب طالما كانت هذه القوانين والشرائع تتطلب من رعاياها الوقوف للدفاع عت حقوقهم المدنية وحرياتهم وديانتهم. لكن شريعة المسيح تأمر بحفظ السلام العام والنظام إذ يأمر الأفراد بأن لا يقاوموا السلطات القائمة، بل لقد أعطانا المسيح وصيّة عامة هي أن لا نقاوم الشر (مت5: 39) كما أنه لا يتطلب من خدامه نشر ديانته بقوة السّلاح. يقول المثل اللاتيني “لا  يمكن أن تفرض الديانة بالقوة لكنها تتطلب الدفاع عنها لا بالقتل بل بالموت”. وكما حرّم المسيح على تلاميذه سيف العدل (مت20: 25و26) كذلك يحرم عليهم هنا سيف الحرب.

شفى المسيح أذن العبد الذي هاجمه بطرس ليستطيع أن يسمع كلمة الله مرة أخرى. تصوَّر تعجُّب العبد إذ رأى أذنه المقطوعة والمرمية على الأرض فأعادها «عدوه» ملحومة إلى موضعها ولم يقتله. فهذا الشفاء يؤكد لنا أنه بالنعمة يغفر لأعدائه، ويفتح لهم ملكوت الله مجاناً.

26: 55 فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي.(56) وَأَمَّا هذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلامِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا.

أحب يسوع مهاجميه ودافع عن نفسه، ليس بإنكار الحق، بل وبَّخهم بلطف، وأراهم رياءهم وجُبنهم وخوفهم من الشعب. بعدئذ أعلن لهم أن ليس لهم سلطة عليه. إنما الله وحده هو الذي أظهر بالأنبياء مسبقاً أن المسيح سيُسلَّم إلى أيدي الأمم ليفديهم من رجاساتهم، وأن الرب سيضرب الراعي فتتبدّد الخراف.

إلى تلك اللحظة كان التلاميذ ماكثين قرب يسوع. لكن عندما سمعوا أن الله نفسه سلَّم يسوع إلى أيدي أعدائه هرب التلاميذ إلى ليل اليأس بائسين.

الصلاة:أيها الرب يسوع، أنت وديع ومتواضع القلب. سلَّمت نفسك إلى إرادة أبيك وقبلت الحكم عليك والإهانة والآلام حتى الموت، موت العار عوضاً عنا لتنجينا من الحكم الإلهي علينا. اغفر لنا كل عنف وخبث، وعلّمنا سماع كلمتك والإيمان بك، لنتغيَّر إلى محبّتك وننجو من سيف دينونتك، فنسلُك ودَعَاء متقيدين في إرادتك ونذهب إلى حيث تريد أنت.

السؤال 247 : ما معنى تقييد يسوع؟

الحكم على يسوع أمام المحكمة الدينية

(26: 57-68)

26: 57 وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ. (58) وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، فَدَخَلَ إِلَى دَاخِلٍ وَجَلَسَ بَيْنَ الْخُدَّامِ لِيَنْظُرَ النِّهَايَةَ. (59) وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، (60) فَلَمْ يَجِدُوا. وَمَعَ أَنَّهُ جَاءَ شُهُودُ زُورٍ كَثِيرُونَ، لَمْ يَجِدُوا. وَلكِنْ أَخِيراً تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ (61) وَقَالا: هذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللّهِ، وَفِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ (62) فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ وَقَالَ لَهُ: أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ؟ مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هذَانِ عَلَيْكَ؟    (63) وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ سَاكِتاً.        (متى27: 10، يو2: 19-21، أع6: 14)

لم يقدر الشهود الذين مَثَلوا أمام محكمة المجمع الديني أن يُثبتوا علّة واحدة على المسيح، لأن كل أقوالهم تناقضت، فلم يجد الفقهاء والرؤساء والشيوخ سبباً ملموساً لإدانة المسيح، فوقف أمامهم بريئاً.

لم يفهموا كلمة المسيح عن هدم الهيكل وإعادة بنائه في ثلاثة أيام، لأن المسيح أشار بهذه النبوة إلى موته وقيامته. لم يقل بأنه هو شخصياً سيهدم الهيكل، بل إن هدموا هم الهيكل فهو مستعد وقادر ليبنيه في ثلاثة أيام. وإنما قصد بذلك جسده الممتلئ بلاهوت الله.

صَمَت يسوع أمام افتراءات وأكاذيب البشر ساعة بعد ساعة في صمت رهيب. ولمَّا وصلت المحاكمة إلى مرحلة فشلها، قام قيافا رئيس الكهنة لتلك السنة، وهو كان لمدة طويلة المدَّعي العام الماكر والماهر في أمته، الذي تلاعب بين الشريعة ومطالب الرومان، وفي غيظه قام وحاول أن يوقع بالمسيح عن طريق استدراجه لقول يدينه لكي يحكموا عليه فوراً. لكن يسوع لم يجاوب على السؤال الماكر، بل رمقه بعينيه وأدانه بلا كلمة!

الصلاة: أيها الرب يسوع، أنت الحق والإستقامة وليس فيك غش ولم تجب على اتهامات أعدائك. وقفت أمامهم بصمت متكلاً على أبيك السماوي أن يدافع عنك. ساعدنا أن نتعلّم منك الثقة في حمايتك وحضورك معنا أمام كل محكمة أو سائل شرير، وأن لا ندافع عن أنفسنا ونتكل على ذواتنا، بل نثق ونتكل عليك ونختبر أن الروح القدس يلهمنا الصمت أو الكلام المناسب في حينه. ساعد كل مؤمن بك أثناء استجوابه حتى يتكل أكثر من اللازم، بل يشهد لك بحكمة وتواضع وسلطان.

السؤال 248:  لماذا صمت يسوع أثناء استجوابه أمام المحكمة الدينية؟

26: 63 فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ: أَسْتَحْلِفُكَ بِاللّهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ؟  (64) قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضاً أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُّوَةِ، وَآتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ.(مز110: 1، دانيال7: 13، متى16: 27، يو10: 24)

لمَّا انتهى استجواب الشهود وثبتت براءة يسوع، عزم قيافا أن يدفع المسيح لتصريح تعتبره الشريعة اليهودي تجديفاً، فاستحلف يسوع المقيّد أمامه ليعلن جوهره ويجاوبه على السؤال القاطع: هل هو المسيح المنتظر ابن الله الحي؟

وفي ذروة المحاكمة هذه خرج يسوع عن صمته، وأعلن دينونة قاطعة على قاضيه، إذ قال موجّهاً خطابه أولاً إلى قيافا: «أنت قلت. قد عرفت الحقيقة ونطقت بها. ولكن لم تؤمن بألوهيتي. فستهلك بسبب قولك إن لم تتب».

وجّه المسيح خطابه لنواب الأمة المصغين إليه انتباه كبير، معلناً نفسه أمامهم بشهادة موجزة أنه المسيح الحق، فسيجلس عن يمين أبيه، الذي هو القوة الوحيدة في العالم رباً ومالكاً معه، وأنه سيأتي ثانية في سحابة المجد ليدين الأحياء والأموات، ومن بينهم القضاة الحاضرين أمامه. لم يستخدم يسوع عبارة “ابن الله” بل سمى نفسه “ابن الإنسان”.

استخدم يسوع نبوة داود في المزمور 110 لإعلان نفسه «قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك». فباستخدام هذه النبوة سمَّى يسوع نفسه رباً مع رب العهد، حاكماً معه في وحدة كاملة، فيظهر الشيوخ أمامه أعداء الله الذين سيرميهم مقيدين أمام كرسي يسوع.

أكمل يسوع إدانته الإلهية على قضاته، وشهد أنه ابن الإنسان المذكور في سفر دانيال، الذي سيأتي في سحاب السماء مفوَّضاً من أبيه السماوي ومكللاً بالمجد ليدين كل الشعوب والأفراد. فيسوع المقيَّد لم يتنازل عن شعرة من حقه، إذ أعلن نفسه الديان الأزلي، وأن قُضاته الذين أمامه محكوماً عليهم.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح البار، اعترفت أمام ممثلي أمتك عن شخصيتك بوضوح. لم تنكر ألوهيتك بل أعلنت بربط الوعدين من العهد القديم أنك ابن الله في هيئة ابن الإنسان. أحرجت قضاتك لأن يؤمنوا بك ويسجدوا لك، لأنك المسيح الموعود والرب بالذات. نعظّمك لأنك بكلمة واحدة دعوت زعماء شعبك للتوبة والإستسلام قبل أن تحكم عليهم بالحكم الإلهي النهائي. نعظِّمك لأنك تحل وتربط مستمعيك بشهادتك حسب إيمانهم أو رفضهم، فهم مسؤولون عن قرارهم الشخصي.

السؤال 249:  ماذا تعني شهادة يسوع الباهرة أمام المجلس الديني الأعلى؟

26: 65 فَمَّزَقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلاً: قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ! (66) مَاذَا تَرَوْنَ؟  فَأَجَابُوا: إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ (67) حِينَئِذٍ بَصَقُوا فِي وَجْهِهِ وَلَكَمُوهُ، وَآخَرُونَ لَطَمُوهُ (68) قَائِلِينَ: تَنَبَّأْ لَنَا أَيُّهَا الْمَسِيحُ، مَنْ ضَرَبَكَ؟

(لا24: 16، إش50: 6،  يو10: 33؛ 19: 7)

بعدما أعلن يسوع ألوهيته في جملة واحدة عظيمة، ودعا وجهاء شعبه إلى التوبة والإيمان والسجود، حنقوا وحمي غيظهم، فحكموا عليه بالإعدام لأجل ما سمّوه «تجديفاً» وأهانوه بكل إهانة.

كان على اليهود، بمقتضى متطلبات أحكامهم الشرعية، أن يضربوا المجدّف الذي في وسطهم فوراً، رمزاً على أنهم لا يشتركون في ذنبه، بل يرفضون الشرير من بينهم. بالغ البعض في هذا الاستهزاء حتى سمّوه «نبي الله» طالبين منه نبوة بدون الإيمان به!

فهل أنت أفضل من زعماء شعب العهد القديم؟ ما هو قرارك؟ هل تعترف أن يسوع، هو المسيح المخلِّص ابن الله الحي، أو ترفض ألوهيته وفداءه؟

الصلاة:نشكرك أيها الرب يسوع المسيح، لأنك سكتَّ أمام المجلس الأعلى مدة طويلة، وأعلنت لهم بعدئذ مجدك الكامل بجملة واحدة. نسجد لك ونؤمن ونعترف بأنك ابن الله الحي ربنا ومخلّصنا، الجالس عن يمين أبيك، والآتي في سحابة السّماء، لتدين الأحياء والأموات. دفع إليك كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاملأ قلوبنا بطاعة الإيمان، لنذهب إلى العالم أجمع وننشر إسمك فيأتي ملكوتك لمجد الله الآب.

السؤال 250:  ما معنى الجملة الوحيدة التي قالها يسوع أمام المحكمة الدينية؟

بطرس ينكر المسيح

(26: 69-75)

26: 69 أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِساً خَارِجاً فِي الدَّارِ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً: وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ (70) فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلاً: لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!  (71) ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى، فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: وَهذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!  (72) فَأَنْكَرَ أَيْضاً بِقَسَمٍ: إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ! (73) وَبَعْدَ قَلِيلٍ جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: حَقّاً أَنْتَ أَيْضاً مِنْهُمْ، فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ! (74) فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: إِنِّي لا أَعْرِفُ الرَّجُلَ!  وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. (75) فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلامَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً.

أراد بطرس أن يتبع المسيح بعزم وجرأة وأمانة. كان متحمساً ومتكلاً على نفسه، فتبع المسيح سراً من بعيد، بينما تملَّك اليأس التلاميذ الآخرين وهربوا. لعله لم يؤمن بانكسار المسيح، بل رجا أن ينتصر في اللحظة الأخيرة بتأييد ملايين الملائكة، فيساهم في الانتصار، ويكون لديه من المقرَّبين.

إن رفقة السوء تدفع الكثيرين إلى الخطيئة، والذين يدفعون أنفسهم إلى هذه الرفقة بلا مبرر إنما يدفعون أنفسهم للشيطان وأعوانه، وينبغي أن لا ينتظروا إلا أن يجربوا ريقعوا في فخاخه كما حدث لبطرس.

عثر لأول وهلة أمام استجواب خادمة بسيطة عرفته في دار الولاية المضاءة، وشهدت بصوت عال أنه من أتباع يسوع، وأنه ربما جاء لإنقاذه. لم يرد بطرس النِّقاش مع امرأة، بل فضَّل الكفاح ضد الرجال، فأنكر سيده أمام كل المستمعين قائلاً للمرأة: «لا أعلم شيئاً مما تقولين».

أثار سؤال الجارية قلبه بسبب خطر القبض عليه، لكنه تظاهر بالاطمئنان واللاَّمبالاة. وبعد قليل قام متمهلاً وخرج من الباب إلى الدار الخارجية لينطلق من النور إلى الظلمة. تبعه الشيطان وأرسل امرأة أخرى إليه كشفته بعين المراقبة، فكذب ثانية، وحلف أنه لم يَرَ المسيح طيلة حياته، فسقط من كذبة إلى أخرى، لأنه لم ينكر نفسه، ولم يختبر الصليب بل فضّل السيف والبطولة.

لمَّا التفت إليه الحاضرون وبينهم جنود وهو يحلف ويصيح، تراكضوا عليه وبرهنوا له من طريقة نطقه أنه جليلي ولا بد أنه من أتباع المتهم. عندئذ لعن بطرس نفسه وأشهد الله على نفسه بأنه لا صلة له بالمسيح ولم يره ولم يعرفه قط.

لكن المسيح في محبته سخَّر ديكاً ليوقظ بطرس، فصاح الديك وذكَّره بنبوّة المسيح، فأدرك جُبنه وشرَّه وضعفه واستحقاقه للهلاك، فانكسر وبكى بكاءً مراً. هنا مات بطرس لكبريائه، وانسحقت ثقته بنفسه نهائياً. وأنت، ألم يصح الديك لكبريائك وثقتك بنفسك؟ هل عندك جرأة لتقول إن المسيح هو ابن الله الحي، رغم المنكرين الذين حولك؟

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، اغفر لنا اتكالنا على أنفسنا، واخلق فينا الثقة بالله وحده، لنثبت في حقك أمناء حتى ساعة التجربة. علّمنا أن نبتعد عن كل كذبة بيضاء، ونعترف أنك ابن الله ولا ننكرك بصمتنا.

السؤال 251 : لماذا أنكر بطرس ربه ثلاث مرات؟

إثبات الحكم على يسوع

في المجلس الأعلى

(27: 1-2)

27: 1 وَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ تَشَاوَرَ جَمِيعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخُ الشَّعْبِ عَلَى يَسُوعَ حَتَّى يَقْتُلُوهُ، (2) فَأَوْثَقُوهُ وَمَضَوْا بِهِ وَدَفَعُوهُ إِلَى بِيلاطُسَ الْبُنْطِيِّ الْوَالِي.

بعدما أنكر بطرس ربه انكسر ما تبقى من نواة الكنيسة المستقبلية، وظهر كأن عمل يسوع باء بالفشل.

في تلك الليلة، وعلى أساس إعلان يسوع عن نفسه أنه المسيح والرب، أخبرت لجنة التحقيق الأعضاء الذين لم يحضروا الجلسة الأولى بهذا الاعتراف، وما قررته بشأنه من حكم الإعدام، كي توافق عليه الأغلبية. تراكض رؤساء الكهنة والكتبة والفقهاء والشيوخ ووجهاء الأمة ليروا يسوع المسيح ويحكموا عليه بالموت نهائياً. وبما أن تنفيذ الحكم بالموت كان محرَّماً عليهم من حكام الرومان، فقد قرروا تسليم « المدّعي الملك» إلى أيدي الأمم المحتقرين، ليخربوا سمعته في الشعب، لأنه إن لم يستطع تخليص نفسه من سلطة الرومان، فليس هو المسيح المنتظَر الآتي بملكوت الله، والغالب على كل الأشرار.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، شتمك الأعداء ولطمك الوجهاء في الليلة الظلماء وأحضروك إلى المجلس الأعلى. وقفت صامتاً، وصليت من أجل مبغضيك. باركتهم وواجهت كل نواب شعبك. لم يسجدوا لك بل حكموا عليك بالإعدام وسلموك إلى السلطة الرومانية ليصلبوك بجيلة ومكر. نشكرك يارب على ثباتك وصبرك ولطفك وقداستك. استعديت للموت عوضاً عنّا، نحن الذين نستحق العذاب، أما أنت فاحتملت ذنوبنا وتألمت بسبب قصاصنا وأحببتنا إلى المنتهى. نشكرك طيلة حياتنا على محبّتك الكاملة.

السؤال 252:  ماهو الفرق بين اجتماعات النواب المنعقد مساء، والآخر المنعقد في الصباح؟

نهاية الخائن

(27: 3-5)

27: 3 حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ، نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ (4) قَائِلاً: قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً فَقَالُوا: مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!    (5) فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ.

(متى26: 15، أعمال1: 18-19)

خاف يهوذا وندم لمَّا رأى أن سيده لم ينشئ انقلاباً، وقبل الإدانة والحكم بالموت، فأدرك أنه هو سبب موته. لكن ندمه أتى متأخراً، كندم قايين على قتل أخيه. هذا الندم المتأخر يقود إلى اليأس. حقاً إنه قد اعترف بخطيئته لرؤساء الكهنة، لكن لم يجد عندهم شفقة، فهو أول يهودي شهد ببراءة يسوع، وفوق ذلك أرجع مال خيانته، وألقى به في الهيكل بين يدي الله. لم يكن اعترافه في الحقيقة بداية لتوبة نصوحة، بل كان اعتراف الخائف من مصيره السيء، فتراكم ذنبه أمامه كجبل عال ضاغط عليه، حتى ربط نفسه بحبل واختنق، فانقطع الحبل وسقط الخائن إلى أسفل، فانشقَّ بطنه وخرجت أمعاؤه (أعمال 1:18).

ندم يهوذا وامتلأ حزناً وألماً وغضباً على نفسه عندما تأمل فيما فعل. عندما جرّب بتسليم سيده بدت الثلاثون من الفضّة براقة جميلة كالخمر إذا احمرت في الكأس وساغت مرقرقة. لكن عندما تمّ الأمر ودُفعت الفضة أصبحت هذه الفضة قذارة ولسعت كالحية ولدغت كالإفعى. لقد ثار الضمير في وجهه الآن “ماذا فعلت يا لحماقتي وشقائي إذ بعت سيدي وكل سعادتي فيه بثمن بخس تافه كهذا. إنني المسؤول عن كل هذه الإساءات والإهانات التي لحقته وتلحقه.

هوذا نراه الآن يلعن الكيس الذي حمله ، والفضة التي طمع فيها، والكهنة الذين تفاوض معهم، واليوم الذي ولد فيه، إن ذكرياته عن محبّة السيد من نحوه التي كافأها بهذه المكافأة الدنيئة، وإن أحشاء الرأفة التي رفسها بهذه الكيفية السافلة، والتحذيرات التي استخف بها، كل هذه مزّقت أحشاءه. لقد تحقّق الآن من صدق كلمات سيده “كان خيراً لذلك الإنسان لو لم يولد“.

ينبغي أن لا ننسى أن لقبول النعمة نهاية وزمناً محدوداً، وأن المال لا يقدم أية مساعدة مهما كان وفيراً ومتوفراً. إن مصير يهوذا صار سبباً للرجوع والتوبة الحقة لكثيرين من الفاترين.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نعظّمك لأنك دعوت خائنك في آخر لقائك معه “بالصاحب”، حذرته أثناء العشاء الرباني ليرجع ويتوب ويترك قصده الشرير، لكنّه لم يرغب في التوبة أو النّدامة ولم يعترف بإثمه. أحب المال أكثر منك حتى الموت. تمنّى السلطة والمركز. سمح للشيطان بأن يسيطر عليهوعلى أفكاره ويكون قائداً له. اغفر لنا خُبثنا وطهرنا من كل فكر سلبي عن أخ أو أخت لكي لا نخونهم عن قصد أو عن جهل، وأن لا نستغيبهم أو نمارس النميمة بحقهم، بل نقف معهم وإلى جانبهم في الضيق، وندافع عنهم أمام مبغضيهم.

السؤال 253:  لماذا شنق يهوذا نفسه ولم يتب مثل بطرس؟

تحقيق النبوءة عن ثمن الخيانة

(27: 6-10)

27: 6 فَأَخَذَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْفِضَّةَ وَقَالُوا: لا يَحِلُّ أَنْ نُلْقِيَهَا فِي الْخِزَانَةِ لأَنَّهَا ثَمَنُ دَمٍ (7) فَتَشَاوَرُوا وَاشْتَرَوْا بِهَا حَقْلَ الْفَخَّارِيِّ مَقْبَرَةً للْغُرَبَاءِ. (8) لِهذَا سُمِّيَ ذلِكَ الْحَقْلُ حَقْلَ الدَّمِ  إِلَى هذَا الْيَوْمِ. (9) حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ: وَأَخَذُوا الثَّلاثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ، ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، (10) وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ، كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ.

(تث23: 19)

صفَّى رؤساء الكهنة البعوضة وبلعوا الجمل عندما لم يقبلوا وضع مال يهوذا في الصندوق المكرَّس لله، لأنه معنوياً كان ملوثاً بالدم، فاشتروا به حقلاً لدفن الغرباء النجسين، ليرتبط الظلم بالظالمين النجسين. لكن لم يدركوا أنهم في كل أعمالهم الشرعية الدقيقة وبتصرفاتهم المنافقة قد أتمّوا نبوءة الله، الذي أعلن لإرميا ثمن المبلغ المقبوض لخيانة يسوع، وهو ثلاثون من الفضة، وكذلك الطريقة التي يُصْرَف لأجلها.

فقصة آلام يسوع مكشوفة في البداية لتحقق في الزمن، وإرادة الله تمت بدقة بالغة لخلاصنا. فكيف يدعي البعض أن يسوع لم يمت ولم يصلب، إذ كانت كل خطواته إلى الآلام مرسومة ومعلنة في نبوات أنبياء العهد القديم.

الصلاة:أيها الرب يسوع، عندما أنظر لنهاية يهوذا أرتجف وأقشعر. اغفر لي كل كذب ومحبة مال وخيانة، وإرادة متمردة ضد محبتك. انزعني من كل تجربة لأعترف قدامك بكل خطاياي مادام الوقت متاحاً، وأتوب بإرشاد روحك القدوس توبة نصوحة، وأحب أعدائي وأبغض مالي، ولا أسعى نحو الجاه والسلطة، بل أتبعك متواضعاً قنوعاً وديعاً، وأنشر مملكة محبتك بأمانة.

السؤال 254:  ماذا نتعلّم من موت يهوذا الخاطئ؟

يسوع أمام المحكمة المدنية

(27: 11-26)

الشكوك على ملوكية يسوع

(72: 11-14)

27: 11 فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي: أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟  فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنْتَ تَقُولُ (12) وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. (13) فَقَالَ لَهُ بِيلاطُسُ: أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟  (14) فَلَمْ يُجِبْهُ وَلا عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّاً.                                              (إش53: 7، متى26: 63، يو19: 9)

وقف يسوع أمام المحكمة المدنية، الممثلة ببيلاطس الوالي الروماني حاكم فلسطين، وكان عنيفاً جداً يحتقر الشعب والشعب يكرهه، لم يتباحث مع الشيوخ ولا مع يسوع، بل سأل المسيح مباشرة عن فحوى الشكوى المقدَمة من المجلس الديني: “هل أنت الملك الجديد لهذا الشعب”؟ فإن الشيوخ بحيلتهم لم يقدموا الشكوى على يسوع إلى ولاة الرومان لأسباب دينية حسب شريعتهم، بل اتهموه سياسياً بالفتنة، ليُجبروا الوالي أن يصغي إليهم، لأنهم لو قدَّموا إليه شكوى دينية من خصوماتهم الشريعة الموسوية، لصرفهم بيلاطس بلا مبالاة.

ولو أجاب يسوع على سؤال بيلاطس بالنفي، فلربما كان أطلقه. لكنه أثبت رسمياً أنه هو الملك المنتَظَر الفريد الإلهي. فموافقته الواضحة لملوكيته أعلنت أنه الملك الحق، المالك على ممتلكاته. وله حق الحكم المُطلَق. فكيف تتجاوب مع حق ملكك عليك؟ هل توافق بأنك من خاصته؟ هل تنفذ أوامره؟

لمَّا سمع بيلاطس كلمة «نعم» من فم يسوع، عكس كل ما توقعه، ابتسم الوالي الروماني مفتخراً أنه رأى في هذا الشاب الناصري أحد المتحمّسين النُسّاك الذين لا أهمية لهم. لم يكتشف فيه بيلاطس أي تجهيز لإنشاء مُلك أو تجمُّع جيش ولا إعداداً لفتنة. كان بيلاطس قد بثَّ جواسيسه في كل البلاد، فلم يأتوه إلا بأخبار شفاء المرضى، والتكلّم عن الوداعة والعفة والمحبة والحق، وركب على حمار بلا أسلحة قاصداً العاصمة. فلا ضرر منه على الإمبراطورية الرومانية!

تبين لبيلاطس أن يسوع بريء من الناحية السياسية، وأنه لا يسعى إلى إنشاء مملكة دنيوية، ولا يحضّر لفتنة أو ثورة، فأراد أن يتخلّص منه بسرعة.

عندما لاحظ الشيوخ، بغيظ،  استعداد بيلاطس لترك يسوع، ابتدأوا يصيحون ببراهين أن يسوع محرِّض، وأكبر عدو للقيصر. أما المسيح فلم يجبهم على اتهاماتهم بكلمة واحدة. صمت لما أتاح له الوالي فرصة للدفاع عن النفس، فعلم يسوع أن بيلاطس عرف الحق، وأنه مسؤول أمام الحق ليحكم بعدالة. فصار صمت المسيح دعوة واضحة لضمير الوالي ليحكم على استقامته ويطلق سبيله لأنه بار.

الصلاة:ياحمل الله الوديع، انت بالحقيقة الأسد من سبط يهوذا. أنت الملك الموعود الذي يكون ابن داود وابن الله في نفس الوقت. لم تدافع عن نفسك بل أثبت الحق وكنت مستحقاً للموت. نعظّمك لصبرك وضبط نفسك واستعدادك للموت موت الصليب عوضاً عنا، لنتحرّر من اللعنة والقصاص، ولنعيش على نشر ملكوت سلامك، ونبث لطفك ومحبّتك إلى كل من يحب الحق.

السؤال 255:  ما معنى اعتراف يسوع بأنه الملك الحقيقي؟

اختيار ثائر وطلب صلب يسوع

(27: 15-23)

27: 15 وَكَانَ الْوَالِي مُعْتَاداً فِي الْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيراً وَاحِداً، مَنْ أَرَادُوهُ. (16) وَكَانَ لَهُمْ حِينَئِذٍ أَسِيرٌ مَشْهُورٌ يُسَمَّى بَارَابَاسَ. (17) فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟ (18) لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً. (19) وَإِذْ كَانَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلايَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً: إِيَّاكَ وَذلِكَ الْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيراً فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ  (20) وَلكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ.                          (يو12: 19)

كان باراباس ثائراً قاتلاً وعدواً لروما. أما بيلاطس فقد حاول أن يُبعد الشيوخ عن بغضتهم ليسوع، هو أوقفهم أمام الاختيار الذي ليس اختياراً حقاً، لأنهم لو قرروا المطالبة بتحرير باراباس، لكان اعترافاً منهم أنهم أعداء روما. لذلك حاول بيلاطس أن يجتذب شيوخ الشعب إلى فخ، وأن يطلق يسوع بنفس الوقت، إذ علم أنه مسالم محب وليس ثائراً.

إن زوجة الوالي لم تكن تسمع من قبل عن المسيح شيئاً يبعث على هذا الحلم، لكنه كان من الله مباشرة، ولعلها كانت من النساء الشريفات المتعبدات وحصلت على شيء من الثقافة الدينية. على أي حال فكثيراً ما أعلن الله ذاته بأحلام لأشخاص لا يمتون إلى الدين بصلة كما حدث لنبوخذنصر.

لقد تألمت كثيراً في هذا الحلم إما أنها حلمت بالمعاملة القاسية التي عومل بها يسوع البريء، أو بالدينونة التي سوف تحل بكل من اشترك في موته. وعلى أي حال فيبدو أنه كان حلماً مزعجاً، وأن أفكارها افزعتها.

كانت شهادة زوجة الوالي كريمة للرب يسوع، إذ شهدت له بأنه “بار” حتى في الوقت الذي اضطهد فيه كأشرار الغرباء والأعداء للدفاع عنه. عندما أنكره بطرس اعترف به يهوذا. عندما حكم رؤساء الكهنة بأنه يستحق الموت صرّح بيلاطس بانه لم يجد فيه شراً. عندما وقفت النسوة، اللاتي احببنه، بعيدا عنه اهتمت به زوجة بيلاطس التي لم تعرف عنه شيئاً.

إن الله لا يترك نفسه بلا شاهد ليشهد لحقه حتى وإن ديس حقّه من أعدائه وإن أُنكر من أحبائه.

كان الوالي، مثل كثيرين من الموظفين في الوظائف العليا، مؤمناً بالأرواح يتكل عليها وعلى العرَّافين. لم يعرف الله الحق، بل خاف من الآلهة المتعددة والأشباح والأرواح المتنوعة. أما امرأته فقد سمعت عن أعمال يسوع الرحيمة، واضطربت من القبض عليه، فزاد الله اضطرابها ليلاً، حتى شعرت بوضوح أن زوجها مشرف على أكبر غلطة في حياته، فلم تخجل أن ترسل له مخبراً، وهو جالس على كرسي الولاية في المحكمة، لتحذّره تحذيراً شديداً ولتنقذه من حكم متعدّ على إرادة الله، لكي لا يسيء إلى مستقبله.

الصلاة:أيها الرب السماوي، نحني رؤوسنا أمام محبّتك العظيمة لأنك بذلت ابنك الوحيد ليموت عوضاً عنا ويصالحنا معك. لقد تألمت مع ابنك في كل لحظة من آلامه وإهانته والإتهامات الكاذبة ضده. لم تُبد أعداءه بل أحببتهم وأرشدت ابنك ليكمل طريق الصليب، حتى يكفر عن الثوار ويبررهم ليتوبوا ويؤمنوا بك بقوة الروح القدس.

السؤال 256:  لماذا عرض بيلاطس كل من باراباس ويسوع على اليهود ليختاروا من سيطلق سراحه؟

27: 21 فَسَأَلَ الْوَالِي: مَنْ مِنَ الاثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟  فَقَالُوا: بَارَابَاسَ(22) قَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟ قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: لِيُصْلَبْ! (23) فَقَالَ الْوَالِي: وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟ فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخاً قَائِلِينَ: لِيُصْلَبْ!

جلس بيلاطس على كرسي الولاية ليقرر تحرير أحد الأسرى، فتعجَّب وغضب جداً لمَّا صرخت الحشود بصوت واحد: نختار باراباس الفدائي، محرر الأمة، البطل العظيم!

علم الوالي أنه ليس مستحَباً ولا حكيماً أن يقتل بريئاً خاصة وأن حالة الإمبراطورية متضعضعة ومتدهورة، فأحال قرار الحكم إلى الشعب اليهودي. في هذا الاقتراح دعى يسوع بـ«المسيح المنتَظَر» لكي يلعب بعواطفهم الدينية ويساعد المتهم البريء.

عند ذلك انطلقت لأول مرة الكلمة الفظيعة: «اصلبه!» بعد أن لقّن الكهنة الشعب هذه الكلمة وأمروهم بترديدها.

عندما دخل أورشليم ظافراً كانت أصوات الهتاف والترحيب عامة حتى كان يخيل للمرء أنه لم يكن له أعداء، اما الآن وقد اقتيد إلى دار بيلاطس في شماتة فكانت أصوات العداء عامة حتى كان يخيل للمرء أنه لم يكن له أحباء. أمثال هذه التغيرات نراها في هذا العالم المتغيّر المتقلب الذي يقع فيه طريقنا إلى السماء. وهذا كان اختبار رسل ربنا “بمجد وهوان بصيت رديء وصيت حسن”   (2كور6: 8) لكي لا ننتفخ إذا نالنا مجد، كأننا إذا مدحنا الناس قد بنينا عشنا في النجوم وفي ذلك الوكر نسلم الروح (أي29: 18) أي أن المجد صار أبدياً ولكي لا نيأس أو نفشل إذا نالنا هوان، كأننا إذا احتقرنا الناس أو وطأونا بأقدامهم قد سقطنا في حفرة لا نجاة منها. قال الفبلسوف سينكا: “إذا رأيت الذين يمدحونك فاعرف أنهم إما أن يكونوا كلهم أعداءك أو أنهم سوف يكونون أعداءك”.

تضايق بيلاطس من هذا الطلب لأن الصلب بدون سبب ظلم كبير، ويمكن أن يصبح سبباً للحكم على الحاكم الظالم. طلب من اليهود أن يبرهنوا ذنب المتهم بوضوح، لكنهم لم يستطيعوا أن يجدوا عملاً شريراً واحداً ولا كلمة رديئة من فم يسوع، فاختاروا الوسيلة المعروفة عبر القرون وهي الشغب والضجيج والصراخ الهائج: «اصلبه! اصلبه! ».

الصلاة:أيها الرب يسوع، انت المسيح الحق، وقفت صامتاً أمام شعبك الهائج. شفيت أسقامهم، أحييت أمواتهم، أخرجت الشياطين من قلوبهم ومن أجسادهم، ومع ذلك لم يشكروك على هذه الأعمال النبيلة. لم يدافعوا عنك، فاظهروا عدم محبّتهم لك. خافوا من الرأي العام وارتعبوا من مكر رؤساء الكهنة وفضلوا صلبك وقتلك على أن يهتموا بعدم الإخلاص لأمتهم. ساعدنا حتى لا ننكرك في ساعة التّجربة. قدنا لشهادة حكيمة عنك، لكي ندافع عن حقك في وسط الأكاذيب والحقد والكراهية، ونثبت أمناء لك بنعمة قدرتك واستمرارية أمانتك.

السؤال 257:  ما أبعاد عجز اليهود في تقديم أدلة سياسية ثابتة تدين يسوع؟

لعنوا ذواتهم وأولادهم

(27: 24-26)

27: 24 فَلَمَّا رَأَى بِيلاطُسُ أَنَّهُ لا يَنْفَعُ شَيْئاً، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ (25) فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلادِنَا (26) حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ.

(تث21: 6، أعمال5: 28)

علم بيلاطس أن يسوع بار، وشهد ببراءته مرات عديدة. لم يرد أن يحكم عليه بالصلب، فغسل يديه بالماء رمزاً لبراءته من دم المسيح أمام الجميع، رغم أنه ظلم يسوع لعدم إطلاقه، فوضع كل الذنب على الشعب وشهد ببراءة المسيح.

عندئذ ظهر الأمر الفظيع، إذ صرخ الملبوسون ببغضتهم بصوت واحد “دمه علينا وعلى أولادنا”. لو تكلموا بنفس الكلمات مؤمنين بكفارة يسوع حمل الله، لخلصوا هم وأولادهم، لكنهم صرخوا بهذه العبارات للعن أنفسهم. سينتقم الله من كل ظلم فيهم وفي أولادهم، إذا حصل قتل وإباحة دم من قبل المحكمة الشرعية دون حق أو دليل. فهذه اللعنة التي وضعها اليهود على أنفسهم وعلى أولادهم هي سر تاريخهم منذ قتل يسوع. فمن يرد أن يعرف أو يفهم اليهود، عليه إدراك لعنة الله، التي وضعها على ذرية إبراهيم حسب طلبهم الخاص. إن تاريخ اليهود هو البرهان لبر وعدالة الله.

قبل اليهود قصاص هذه الخطيئة لا على أنفسهم فقط بل على أولادهم أيضاً، حتى الذين لم يكونوا قد ولدوا بعد، بدون تحديد لمن تقع عليهم اللعنة كما سرّ الله نفسه أن يحددها إلى الجيل الثالث والرابع. كان جنوناً أن يقبلوا القصاص على ذريتهم.

ياله من تعهد مخيف إذ قبلوا الغضب على أنفسهم وعلى نسلهم إلى الأبد، وذلك بإجماع الآراء وبرضائهم. وكان هذا معناه خسارة ذلك الوعد القديم “أكون لك إلهاً ولنسلك”. كان قبولهم لعنة دم المسيح على أمتهم خسارة بركة ذلك الدم لذريتهم، تلك البركة التي وعد بها لإبراهيم إذ قيل له أنه فيه تتبارك جميع قبائل الأرض. انظر كيف يكون الأشرار أعداء لأولادهم وذريتهم. إن الذين يجلبون الدينونة على أنفسهم لا يبالون بعدد الأنفس التي يجرونها معهم إلى جهنم.

بعد هذا الصراخ، حرّف بيلاطس الحق خوفاً من اليهود أن يشتكوا به إلى السلطات الرومانية، فقضى بصلب يسوع. وفي ظلمه هذا اشتركت معه كل الشعوب، لأننا نحن أيضاً، بعض الأحيان، نعتبر راحتنا ولقمتنا أهم من المدافعة عن حق الآخرين. نعم، فلأجل حقوقنا الخاصة، ندافع ونكافح إلى آخر رمق من حياتنا، لكن بالنسبة للظلمة الواقعة على الآخرين نغسل أيدينا ببراءة كاذبة. فلو حكم على يسوع اليوم، هل كنت ستشق صفوف الجماهير الهائلة وتتقدّم نحو الوالي طالباً منه تحريره؟

أما الجلد الروماني فكان تمهيداً رسمياً للصلب. وكانت قطع حديدية أو عظمية مركبة على سيور السياط بهدف تمزيق اللحم عن العظام، فصار ابن الله البريء نائباً عن كل المعذبين، وتم به قول إشعياء النبي: «لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمّلها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومزلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبحُبُره شُفينا».

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، أنت مَلِكي وأنا أخصّك، فأضع نفسي تحت تصرفك. اغفر لي إن حاولت خطف نفسي من يدك. اغفر لي كل ظلم فكراً وقولاً وعملاً، وسامحني إذا أهملت حقوق إخوتي في البيت والمدرسة والمهنة. درب ضميري على العبش في استقامة وإطاعة روحك القدوس. اغفر لنا نحن البشر إن حكمنا عليك بذنوبنا وأنت الإله الحي الذي مات على الصليب لأجلنا.

السؤال 258:  لماذا حكم بيلاطس على يسوع بالصلب؟

استهزاء الجند الروماني بيسوع

( 27: 27-30)

27: 27 فَأَخَذَ عَسْكَرُ الْوَالِي يَسُوعَ إِلَى دَارِ ا لْوِلايَةِ وَجَمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ الْكَتِيبَةِ،(28) فَعَرَّوْهُ وَأَلْبَسُوهُ رِدَاءً قِرْمِزِيّاً، (29) وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَصَبَةً فِي يَمِينِهِ. وَكَانُوا يَجْثُونَ قُدَّامَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ قَائِلِينَ: السَّلامُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ! (30) وَبَصَقُوا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقَصَبَةَ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ.                                                      (إش50: 6)

أرأيت مرة تاجاً في صورة أو متحف؟ إنه جميل جداً ومصنوع من ذهب ومرصّع بجواهر كريمة، تمثّل المجد والسلطة والغِنى للرأس الذي يحمله. أما ربنا ومخلّصنا الأمين فحمل تاج الشوك الذي انغرزت أشواكه العميقة في رأسه وجبينه حتى سال دمه. كان مسكيناً محتقراً. والرداء الأرجواني تخضَّب بدمه. أما العسكر الروماني فأكملوا استهزاءهم بقضيب من قصب وضعوه في يده، أذ ظنوا أنهم قبضوا على رأس العصابة التي أقلقت الأمن، وجلبت الخطر ليلاً ونهاراً. صبّوا عليه كل بغضتهم وبصقوا في وجهه، وضربوه على تاجه الشوكي، وسجدوا له كأنه الملك الإمبراطور. ما أعظم الخوف والرعب المتملّك بهؤلاء العساكر من الأمم، عندما يشاهدون في القيامة أن هذا المعذَّب هو ديّانهم الجبّار وملك الملوك المختار!

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نحبك ونتألم معك عند ذكر الظلم والعذاب المنصب عليك، أنت ملك الملوك، أنت القدير أخليت مجدك وصرت إنساناً مضروباً بدون حق لأجل خطايانا، نحن الذين نستحق الضربات النازلة عليك وكل الإهانات. لكنك احتملت قصاصنا لتخلصنا من غضب الله. نعتبر تاجك أمجد تاج في الدنيا والآخرة، لأنه تاج المحبة والسلام الملون بقطرات دمك الثمين. اسمح لنا أن نشكرك بتسليم حياتنا لخدمتك، فشكراً لآلمك.

السؤال 259:  لماذا عذبت الكتيبة العسكرية الرومانية المسيح بعنف واستهزاء؟

سمعان القيرواني يحمل صليب يسوع

(27: 31-34)

27: 31 وَبَعْدَ مَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ، نَزَعُوا عَنْهُ الرِّدَاءَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ، وَمَضَوْا بِهِ لِلصَّلْبِ.  (32) وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَاناً قَيْرَوَانِيّاً اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. (33) وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ   (34) أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ.                                        (مز69: 22)

في أزقة القدس سقط يسوع تحت حِمل صليبه الثقيل، لأن الجلد الروماني استنزف كل قوة جسده. ونتعلّم من هذا الحادث أن الإنسان لا يستطيع في بعض المرات أن يحمل صليبه من تلقاء قوته الخاصة بل يحتاج إلى من يعينه. أجبر الرومان أحد المارة وهو سمعان القيرواني أن يساعد المسيح في حمل الصليب. أما إبنا سمعان القيرواني، ألكسندر وروفس فقد انضمّا لاحقاً إلى الكنيسة في روما )مرقس15: 21، رومية16: 13). امتلأ بيت سمعان كله بالبركة من حَمل أبيهم صليب يسوع.

لما وصَل موكب الآلام إلى موضع الصلب خارج المدينة، أرسلت نسوة شريفات من المدينة بواسطة خدامهن، ليسوع شراباً ممزوجاً خلاً ومادة مرة، لكيلا يشعر بأوجاع الصليب الفظيع. لكنه رفض عطية الإنسانية، لأنه أراد أن يحمل خطايانا واعياً، ويغلب تجربة الشيطان مصلياً.

يدّعي البعض أن يسوع لم يُصلب بل سمعان القيرواني هو الذي صلب نيابة عنه، أما يسوع فمضى في سبيله، لكن لم تقدّم النسوة الشراب المخفف للآلام لسمعان، بل قدمنه ليسوع المسيح وحده، مما يدل على أنه ليس سمعان الذي جلد بل يسوع هو المصلوب الواقف بين الجنود، مضروباً مذلولاً، ولباسه ممسوحاً بدمه. فالرومان لم يخطئوا في صلبهم للمسيح أمام الشعوب الكثيرة.

الصلاة:أيها الرب يسوع القدير، نشكرك لأنك حملت صليبك إلى المنتهى، وعندما لم يتمكّن جسمك حمل العمود الثقيل فيما بعد، سمحت للشاب المار أن يساعدك. نطلب منك أن تسامحنا عن تعثرنا واعتقادنا أننا ليس باستطاعتنا أن نستمر في حمل صليبنا، لكن نتعزّى لأنك أنت القدير، وضعت نيرك وتحمله معنا حتى نصل بعونك إلى هدف حياتنا، وقد وعدتنا بأن تكون معنا إلى انتهاء الدهر. آمين.

السؤال 260:  ماذا يعني حمل الصليب في اتباع يسوع؟

القدوس صُلب بين لصّين

(27: 35-38)

27: 35 وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً (36) ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ. (37) وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً: هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ (38) حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ ا لْيَسَارِ.                                                     (يو19: 24، إش53: 12)

إن القلم ليرتجف والعقل يتوقف، حين نتذكّر كيف أن البشر صلبوا ابن الله. كلنا مذنبون أشرار جهال وبلا شفقة. لو كنت حاضراً، هل كنت ستمنع الجنود من تسميره على الخشبة؟ هل كنت قدمت نفسك للهلاك عوضاً عنه؟ كلنا أنانيون، ونادراً ما يستعد أحد للموت عن الآخر. المسيح وحده كان المحبّة ليتألم لأجل الآخرين ويموت حقاً. قلوبنا باردة ميتة لكنه مات حتى يحيينا ويملأنا بمحبته.

لم يهتم العسكر بالمصلوبين، بل كان كل اهتمامهم بالغنيمة. وبما أن رداء المسيح كان أثمن من أن يقتسموه، فقد ألقوا عليه القرعة. لم يعلموا أن هذا الرداء غير المخيط، أشبه بلباس رئيس الكهنة الذي يحمله في يوم مصالحة الشعب مع الله لأجل الخطايا غير المعروفة. فعُلّق يسوع على الصليب ليكفّر عن الآنام أجمع، وصلّى صلاته الشفاعية المستجابة العظيمة: «يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».

استهزأ بيلاطس باليهود، فوضع لافتة فوق رأس المصلوب كتب عليها الحكم الرسمي بالصلب: «يسوع الناصري ملك اليهود». فاشتكى الشيوخ لبيلاطس أنهم لم يعترفوا به ملكاً عليهم، وعارضوا كتابة بيلاطس لأنهم لا يريدون مجرد التفكير بأن يكون يسوع الوديع ملكهم، لأنه عُلِّق بين لصين. علَّقه العسكر في وسطهما رمزاً لملك اليهود، رئيس كل العصابات والمجرمين.

يقول المعترضون أن المسيح لم يصلب شخصياً، بل أن يهوذا الخائن صلب عوضاً عنه، ويدعون أن الله وضع ملامح ابن مريم على وجه يهوذا، ووضع ملامح يهوذا على وجه المسيح. يضيفون بأن الرومان التبس عليهم الأمر فأخذوا الخائن “يهوذا” وصلبوه بدلاً عن المسيح البار الذي ارتفع إلى السماء.

إنهم مخطئون في تقديراتهم، لأن يهوذا شنق نفسه ومات ودُفن قبل أن يُسمّر المسيح على الصليب خشبة العار. ولو حدث حقاً ما يدّعونه فلا بد أن يكون صرخ يهوذا ودافع عن نفسه وأوضح للجنود أنه ليس ابن مريم بل الخائن، وأنه غير الذي تعرّض للجلد من قبل الرومان قبل الصلب بساعات، بل يسوع الملطخ بالدم. يتّضح من هذه الحقائق أن الإدّعاء خرافة وأسطورة لم تقع تاريخياً مثلما أثبت العيان والشهود.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، اخترقت المسامير يديك ورجليك، وكان ينبغي عليها أن تخترق يديَّ ورجليَّ، ولكن في سبيل محبّتك العظمى، جعلتني حراً وسالماً. أما أنت فاحتملت ذنبي وقصاصي وبررتني، فلا أعرف كيف أشكرك في حياتي وصلاتي. ساعدني حتى أتقدّس بقوة روحك القدوس، وأعيش حسب وصاياك لأمجّد إسمك، وأترقب قدومك عن قريب.

السؤال 261:  ماهي الأسباب الرئيسية لصلب الرب يسوع المسيح؟

التجديف الرسمي على المصلوب

(27: 39-44)

27: 39 وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُّزُونَ رُؤُوسَهُمْ (40) قَائِلِينَ: يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللّهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ! (41) وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: (42) خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ! (43) قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللّهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللّهِ! (44) وَبِذلِكَ أَيْضاً كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ.

(مز22: 9، حكمة2: 13و16-20، مت26: 61، يو2: 18)

بينما عُلق قدوس الله على خشبة العار وتمزقت عضلاته بثقل جسده حتى الموت، كانت قوات الجحيم تسطو عليه لتنتزع من صدره كلمة خاطئة أو تصرفاً أنانياً يتعارض مع فكر الفداء، فتبطل ذبيحته الفريدة. انطلقت محاولة جهنم بألسنة اليهود، وبينهم رؤوس الشعب، الذين قالوا: «إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب». وكأنهم يقولون له: انزل عن خشبة العار فنؤمن بألوهيتك. كان هذا التحدي تجربة هائلة لأن المسيح قد أتى لينشئ الإيمان في الضالين ويشفي السُقَمَاء. لكن المارين بجانب الصليب كذبوا واحتالوا مظهرين استعدادهم للإيمان به ليطلبوا مصالحة العالم مع الله. هل يوجد استهزاء وتجربة أشد من هذه: أن يُعلق هؤلاء الأثمة تصديقهم بيسوع أنه ابن الله على نزوله عن الصليب؟ ومما لا ريب فيه أن هذا الطلب هو من وحي الشيطان، لأن الشرير كان منذ البدء يحاول منع يسوع من تقدمه نحو الصليب ليتعطّل الفداء كله. فلو نزل يسوع عن مذبح العالم لتحقق هدف الشيطان ومبتغاه، أي عدم فداء الناس ورجوع الصلة بينهم وبين الله.

يظهر من استهزاء أعداء يسوع أنه اعترف بوضوح ببنوته لله، فشهد المارون من تحت صليبه بأوضح بيان عن اعتراف يسوع بأنه انسان حق من انسان حق، وإله حق من إله حق، مولود غير مخلوق ذو جوهر واحد مع أبيه السماوي. فمن يتجاسر ويعارض هذه الشهادة الجليّةـ يظهر بأنه يتعامى عن قدرة المسيح الظاهرة في معجزاته، ولم يدرك ضرورة آلام وموت المسيح في سبيل مصالحتنا مع الله، ولا يعرف حقيقته ومعنى قيامته من بين الأموات.

لم يصدق اليهود أن يسوع هو ابن الله، ولم يتوقعوا أن القدوس سيحرر المصلوب، بل بالأحرى جربوا الله ذاته باستهزائهم، ليخلص المعذب المسكين إن كان ابنه الحبيب. ما أعظم الشيطان الذي يلهم الناس تجربة غيرهم لتخريب الفداء الذي أعدّه منذ القديم.

كان عاراً على المسيح أن يصلب مع اللصين. مع أنه انفصل عن الخطاة اثناء أيام حياته على الأرض، إلا أنه لم يفترق عنهم عند الموت. على أنه تعيّن له أن يشترك مع الأشرار في موتهم كأنه قد اشترك معهم في خطاياهم. لأنه صار خطيئة لأجلنا اتخذ لنفسه شبه جسد الخطيئة. لقد أحصى مع أثمة عند موته، وكان نصيبه مع الأشرار لكي نحصى نحن مع القديسين عند موتنا، ولكي يكون نصيبنا مع المختارين.

وكان عاراً أشد أن يصلب في وسطهما، كأنه أشر الثلاثة، عامل الشر الأصلي. لأن من توسّط ثلاثة صار هو الرئيس بينهم. لقد دبرت كل الظروف لتحقره كأن المخلص العظيم أشر من أشر الخطاة.

لقد صلب بعض رسل المسيح فيما بعد مثل بطرس وأندراوس، لكن لم يصلب أي واحد منهم معه، لئلاَّ يظن أنهم اشتركوا معه في إتمام التكفير عن خطيئة الإنسان، وفي شراء الحياة والمجد للبشرية. ولذلك صلب بين لصين لا يمكن أن يظن أنهما قد اشتركا معه في إتمام بركات الصليب، لأنه هو نفسه حمل خطايانا في جسده.

إن محبة الله هي التي دفعت يسوع إلى الصليب. هو ليس أنانياً، ولا يفكر في نفسه، إنما يفكر بالمساكين الضالين. ليس نزوله من السماء وعيشه بين البشر وعجائبه الرحيمة إلا محبة وخدمة وإنكاراً للنفس. فالشيطان طعن في جوهر المسيح، إذ أرشد الملبوسين ليقولوا: «خلَّص آخرين، وأما نفسه فما يقدر أن يخلّصها». كان المسيح قادراً على تخليص نفسه، لكن حباً لنا وافق على صلبه، وأحب المستهزئين به وغفر خطاياهم، فمن يدّعي أن يسوع نزل عن الصليب يكون قد انفتح لوحي شرير، لأن لا خلاص إلا بالمصلوب. فما هو موقفك من الصلب؟

الصلاة:أيها الآب السماوي، نتهلل ونفرح لأن ابنك الوحيد هو المحبّة. لم يوافق على التجربة أو الأنانية أو الحقد على المستهزئين، بل فدانا بمواظبة محبّته على الصليب. اغفر لنا ذنوبنا واملأنا بمعرفة محبّتك لنتمسك بنعمتك ونتغيّر إلى صورة ابنك، ونحب كل المجرمين، ونمجّد اسمك القدوس والمسيح فادينا الوحيد بحياة الخدمة والصبر والشكر.

السؤال 262:  ماهي معاني استهزاء اليهود بيسوع؟

غضب الله المسلّط على المصلوب

(27: 45-50)

27: 45 وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. (46) وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِيلِي إِيلِي، لَمَا شَبَقْتَنِي  (أَيْ: إِلهِي إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟) (47) فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا (48) وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَلاًّ وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. (49) وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا: اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ (50) فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ.                                                            (مز22: 2؛ 69: 22)

لقد ظهر نور غير عادي لينبئ بميلاد المسيح (مت2:2)، ولذلك كان لائقاً أن تظهر ظلمة غير عادية لتنبئ بموته، لأنه هو نور العالم. إن الإهانات التي وجهت للرب يسوع المسيح جعلت السموات تقشعر ويحل بها الفوضى والإضطراب. لم تر الشمس قط من قبل شراً كهذين ولذلك انسحبت ولم تشأ أن تراه.

صُلب يسوع يوم الجمعة بين الحادية عشرة والثانية عشرة ظهراً. وبما أن الأمة احتفلت بعيد الفصح العظيم يوم السبت، المبتدئ من مساء الجمعة في الساعة السادسة، فإن الجماهير تراكضت في الساعات التي كان فيها يسوع على الصليب في ساحة الهيكل، ليذبحوا هناك الحملان كي يمرّ عنهم غضب الله. فلم يعرفوا أن حَمَل الله الحق مُعلَّق خارج السور، يصالح كل الناس مع الله. مات المسيح قصداً يوم الجمعة قبل عيد الفصح، ليعلن لنا بوضوح أكثر أنه حَمَل الله الوحيد المستحق رفع خطايانا، وأنه يجمع غضب الله كله على رأسه لتمر ملائكة الدينونة عنا، فنتبرر بإيماننا بالذبيح.

نقل لنا البشير متى واحدة من الكلمات السبع التي نطق بها المسيح وهو على الصليب وهي: «إلهي إلهي، لماذا تركتني؟»- وهي اقتباس من مزمور 22:1. وقد جاءت في المزامير عن آلام داود ونصره عليها، كما جاءت نبوة عن آلام المسيح وانتصاره عليها.

لم يقل المسيح: «لماذا سمحت بآلامي؟» بل: «لماذا تركتني؟» لأن شدة آلامه كانت نتيجة احتماله خطيئة العالم فصار متروكاً من الله باعتباره نائب عن الخطاة جميعاً. ذاق المسيح الموت عن كل إنسان (عب 2:9) والذي لم يعرف خطيئة جُعل خطيئة لأجلنا لنصير نحن برّ الله فيه               (2 كو 5:21).

رغم أن هذه الكلمة عثرة لعقول التلاميذ وفهمنا المحدود، يتوقف عليها فداء العالم كله. فلو لم يصرخ المسيح بهذه الجملة الفريدة، لاستتر سر الفداء عنّا.

إن فريضة الكفّارة التي بدأها المسيح في جثسيماني تمت على الصليب، إذ شرب كأس الغضب من يد الله وقد حجب الآب وجهه عن ابنه، لأنه حمل في جسده خطيئة العالم وخطايانا كلها، فتحوّل الآب الحنون إلى ديان غاضب، وأكمل قصاصنا في ابنه فانفصل عنه.

فماهي دينونة العالم إلا الإبتعاد عن الله، فدخل يسوع المسيح على الصليب إلى الدينونة عوضاً عنّا. هو مات موتنا لنعيش حياته إلى الأبد. ما أعظم الأسرار في صليب يسوع الحامل دينونتنا والآتي بكفّارة شاملة كاملة.

في غمرة الظلام، لم يسم يسوع أباه لأن محبّة الآب ظهرت غضباً مهلكاً، فناداه “إلهي إلهي” وتمسّك بحقّه فيه، ولم ينفصل عنه بالإيمان رغم تركه إياه بل التصق به ووثق بمحبّته رغم أنه لم ير القدوس. هذا هو الكفاح الإيماني الذي كافحه المسيح. هو آمن بقرب وأمانة أبيه رغم غضبه. فإيمانه غلب على دينونته ولم يجد الشرير سلطة عليه، إذ ثبت في إيمانه حتى الموت وأبطل ضعف جسده المعذب فائزاً على حيل المجرب ومنهياً غضب الله.

لم يشعر الناس الواقفين قرب الصليب بالصراع العظيم بين السماء والأرض، الهائج في قلب المصلوب. ومعظم الجنود الذين حرسوا المكان لم يكونوا يتقنون اللغة العبرانية أو الآرامية، ففهموا كلماته خطأ، ظانين أنه يدعو النبي إيليا. لم يمنح اليهود لرجل الأوجاع إطفاء غليل جسده، بل استهزأوا به إلى المنتهى، قائلين “لعل إيليا يقوم من بين الأموات ليخلص هذا المسيح الضعيف” فتكاثفت الظلمة حتى حلّت الأرواح الشريرة في الرافضين للمسيح، لأنهم لم يدركوا ربهم الذبيح حتى في اللحظة الأخيرة، وكان الظلام الطبيعي بين الساعة 12 و3 ظهراً وقد حدث نتيجة خسوف الشمس كرمز واضح لتقسي القلوب في سلطة الشر.

أما يسوع، فأحب أباه المستتر وآمن به. أحب أعداءه وتوسّط لهم عند الله شفيعنا، وقد صلّى وهو معلّق على الصليب لأجلك أيضاً، وغفر خطاياك حتى ولو لم تكن تعرفها بالتفصيل. أنت خاطئ ولكن ربك يحبك وموته هو البرهان على خلاصك. لما صرخ “قد أكمل” كان يفكر فيك أنت أيضاً. فمحبّته غفرت خطاياك كلها وكلمته الإلهية تخصّك أيضاً وهي أن خطاياك مغفورة بالكامل.

إن صرخة المسيح المدوية كانت علامة على أن حياته كانت سليمة فيه وأن طبيعته قوية بعد كل الآلام التي تكبدها. فصوت الشخص الذي في النزاع الأخير يكون خافتاً جداً، لا ينطق إلا كلمات ضعيفة بشق النفس تكاد لا تسمع. أما المسيح فإنه قبيل لفظ النفس الأخير تكلّم كشخص في ملء قوته، ليبين أن حياته لم تغتصب منه، لكنه هو الذي سلمها اختياراً في يدي الآب بمحض إرادته. إن من كانت له القوة ليصرخ بصوت عظيم وقت الموت كان يمكن أن يحل نفسه من الوثق التي أوثق بها وأن يتحدى قوات الموت. لكن لكي يبين أنه قدّم ذاته بروح أزلي (عب9: 14) لأنه هو الكاهن وهو الذبيحة، فقد صرخ بصوت عظيم.

الصلاة: نسجد لك يا حمل الله القدوس، الرافع خطايا العالم. قد غسلتني من خطاياي بدمك الثمين وقدّستني بموتك. أحبك حباً عميقاً، وأشكرك وأومن بكفارتك. قد صالحتني مع الله نهائياً وحضرت الخلاص لكل البشر، لأن خلاصك قد تم في موتك الفدائي. حوِّل أنظار الناس نحو صليبك لكي يتبرروا بموتك. افتح أعينهم لغفران خطاياهم المعد لهم حتى لا يغتروا بمحاولة إنشاء برهم الذاتي باعمال الشرير الناقصة، لأنك قد بررتنا تماماً إلى الأبد. قدسنا جميعاً للتوبة والإنكسار لكي يتحقّق نصر صليبك فينا ونتجدّد بقوة محبّتك لحمد إسمك القدوس ولمجد الآب.

السؤال 263:  ماذا تعني كلمة المسيح الوحيدة التي قالها على الصليب، وذكرها البشير متى؟

الأحداث الغريبة عند وفاة يسوع

(27: 51-53)

27: 51 وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، (52) وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ (53) وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ.

(خر26: 31-33، 2أخبار3: 14)

ظهرت نتائج موت المسيح حالاً، إذ انشق الحجاب الذي كان أمام قدس الأقداس في الهيكل. ولهذا معانٍ كثيرة: أن العهد القديم قد اكتمل وابتدأ العهد الجديد، وأن الطريق إلى الله القدوس المعين لرئيس الكهنة مرة واحدة في السنة لمصالحة الله بواسطة دم الذبيح صار مفتوحاً بعد موت المسيح أمام المؤمنين به، لأن الله أصبح أباهم. لكن بالنسبة للذين يرفضون المسيح، فبعد أن كان الله عدواً مستتراً لهم، ظهرت عداوته واضحة لهم. فليس لهم حماية من قداسة الله وعقابه.

كان حجاب الهيكل يستر ماوراءه كما كان الحجاب الذي على وجه موسى، ولذلك سمي “حجاب السجف” (عدد4: 5) لأنه كان محظوراً جداً على أي إنسان أن يرى ما في قدس الأقداس إلا رئيس الكهنة، وهذا لم يكن مسموحاً له بالدخول إلا مرة واحدة في السنة باحتفال عظيم وبسحابة كثيفة من الدخان. وكل ذلك يرمز إلى ظلمة ذلك العهد القديم (2كور3: 13). اما الآن،عند موت المسيح، فقد كشف كل شيء، وكشف الحجاب عن الأسرار، واصبح ميسوراً لكل واحد أن يقرأ معانيها.

ومباشرة بعد أن أسلم المسيح روحه على الصليب، دخلت حياة الله إلى المؤمنين الأتقياء من العهد القديم. فمن يعيش متبرراً بدم المسيح لن يموت إلى الأبد، لأن موته جلب أعظم انقلاب للعالم كله، الله يسكن معنا ولن يتخلّى عنا لأجل كفارة الذبيح كي نعيش في شركة أبدية لا نهاية لها.

إن المسيح بموته غلب الموت ونزع سلاحه واضعفه. لقد كان هؤلاء القديسون الذين قاموا علامة على انتصار صليب المسيح على قوات الموت التي شهر بها جهاراً. إنه إذ أباد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت، سبى سبياً وافتخر بهذه السبايا، متمماً بها الكتاب القائل “من يد الهاوية أفديتهم ”  (هو13: 14).

حالاً ابتدأ نمو الإيمان في الأمميين حتى شهدوا بألوهية المصلوب، ومنذ رفض اليهود محبة الله المتجسدة، رجع ملايين الناس إلى ربهم يسوع فخلصوا. هل اتصلت بك موجة النعمة هذه ولمست بيتك وبلدتك؟

انتهت سلطة الخطيئة، وليس باستطاعة الشريعة أن تشتكي علينا لأننا متنا مع المسيح بالإيمان من وسوسات الشرير وقد تحررنا من غضب الله ومن سلسلة الخطيئة، من حيل الشيطان ومن خوف الموت. المسيح هو المنتصر وأشركنا في انتصاره لأنه مات لأجلنا وعوضاً عنا. أحبنا إلى المنتهى، إلى الموت. فأين شكرك؟ كيف تخدم مخلصك؟ متى تخبر الآخرين بأهم حادث وقع في تاريخ البشر، ألا وهو يوم مصالحتنا مع الله؟

يدعي البعض أن المسيح لم ينب عنا، لأنه “لا تزر وازرة وزر أخرى” إننا نوافقهم هذا الرأي، لأن المشحون والمليء بالأوزار لا يقدر أن يحمل وزر الآخرين إلا الذي لم يعرف وزراً ولا خطيئة، إنه فقط المسيح البريء يستحق أن ينوب عن الخطاة لأنه بلا ذنب. لذلك يزر الوازر والبريء وزر الآخرين، ونحمده ونتهلل ونشكره ونستمد منه قيامتنا من بين الأموات لأنه بررنا وقدسنا تماماً بنعمته.

الصلاة:أيها الرب يسوع، نعظّمك لأن موتك فتح لنا الطريق إلى الله، إذ لنا حق القدوم للقدوس، لأجل تبريرنا بواسطة كفارتك، ونرى أن القدوس صار أبانا المحب لأجل موتك النيابي عنا. نشكرك لأن الأموات الأبرار من العهد القديم قاموا في ساعة وفاتك، وظهروا لكثيرين دليلاً على انتصارك على الموت والخطيئة والشيطان، وحتى على غضب الله. أنت حياتنا ومخلصنا، نلتمس منك الإرشاد لنبلغ الأموات في خطاياهم سر تبريرهم ليحيوا، نشكرك لأنك فتحت لهم أيضاً الطريق إلى الله القدوس لأجل دمك الثمين. آمين.

السؤال 264:  لماذا لا يستطيع الوازر أن يحمل وزر الآخرين؟

شهود عيان على موت المسيح

(27: 54-56)

27: 54 وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا الّزَلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: حَقّاً كَانَ هذَا ابْنَ اللّهِ (55) وَكَانَتْ هُنَاكَ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُنَّ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَ يَسُوعَ مِنَ الْجَلِيلِ يَخْدِمْنَهُ، (56) وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي، وَأُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي.                                                                                 (لو8: 2و3)

علم القائد الروماني أن يسوع صُلب لتهمة التجديف وإضلال الجماهير وادّعائه أنه ملك اليهود وابن الله. لكن ما الذي اختبره هذا القائد في الساعات التي قضاها تحت الصليب؟ لم يشاهد موت مجرم، بل وفاة شخصية عظيمة. سمعه يدعو الله أباه مرتين في صلاته. لم يلعن أعداءه وصالبيه، ولم يحتد على المستهزئين به، فتعجب وصاح: حقاً هذا كان ابناً لله! فكان الضابط الوثني أوّل من تعلّم من اختبارات الصليب أن يسوع هو ابن الله الفريد واعترف بإيمانه جهراً.

لم تكن هذه مشاعر الضابط وحده، فالجنود الذين اقترعوا لاقتسام ملابس المصلوب في البداية تأثروا من خسوف الشمس والهزة العنيفة وشخصية الفادي الميّت، حتى ردّدوا إقرار قائدهم وتمتموا معه: حقاً هذا كان ابناً لله! ونظروا بخجل إلى المعلَّق فوق رؤوسهم.

لم يكن الرومان الأجانب هم شهود عيان كلمات يسوع الأخيرة فقط، بل بعض النسوة أيضاً، اللواتي تشجّعن بعد ترك رؤساء الكهنة للمكان فاقتربن من المصلوب خاشعات حزينات. لقد تبعنه في الطريق البعيد من الجليل وخدمنه بتبرعاتهن وتحضير الغذاء وغسل الملابس. وحفظهن شخصية المسيح وقدرته الإلهية جميعاً في القداسة والطهارة بلا لوم.

لم تدرك النساء أن المنتصر على كل الأمراض والشياطين تعلَّق ميتاً على الصليب. لكن النساء الأخريات كنَّ شاهدات منتبهات بدقة لكل الحوادث التي دارت حول الصليب. وعلى شهادتهن توقفت معرفتنا بكلمات المسيح السبع، والكلام الذي نطق به رؤساء الكهنة واللصان والجند، فالنسوة هن شهود العيان لموت المسيح لمصالحتنا أربع منهن معروفة أسماؤهن عند الناس، فبشهادتهن اتضح أن للنساء دوراً أساسياً ومهماً في الملكوت السماوي، لأن بدونهم لا نعرف هذه التفاصيل الدقيقة عن موت ملك الملوك.

الصلاة:نشكرك أيها الرب يسوع المسيح، لأنك فتحت عين قلب قائد المئة في الجيش الروماني، إذ أدرك وآمن بألوهيتك واعترف كأول شخص أممي بأنك ابن الله. نشكرك على النساء المحترمات اللواتي تبعناك من الجليل وخدمناك واقتربن من صليبك حتى نعرف تفاصيل الساعات الأخيرة من وجودك على خشبة العار، وعن كلمات محبّتك وإيمانك ورجائك في مواجهة الموت. نتهلل ونسبحك لأنك وكّلت النساء مثل الرجال للشهادة عن خلاصك المتمم لأجلنا.

السؤال 265:  ما الدور الذي لعبته النساء في قضيّة صلب المسيح؟

دفن المسيح

( 27: 57-61)

27: 57 وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، جَاءَ رَجُلٌ غَنِيٌّ مِنَ الرَّامَةِ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ هُوَ أَيْضاً تِلْمِيذاً لِيَسُوعَ. (58) فَهذَا تَقَدَّمَ إِلَى بِيلاطُسَ وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوعَ. فَأَمَرَ بِيلاطُسُ حِينَئِذٍ أَنْ يُعْطَى الْجَسَدُ. (59) فَأَخَذَ يُوسُفُ الْجَسَدَ وَلَفَّهُ بِكَتَّانٍ نَقِيٍّ، (60) وَوَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ الْجَدِيدِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَحَتَهُ فِي الصَّخْرَةِ، ثُمَّ دَحْرَجَ حَجَراً كَبِيراً عَلَى بَابِ الْقَبْرِ وَمَضَى. (61) وَكَانَتْ هُنَاكَ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى جَالِسَتَيْنِ تُجَاهَ الْقَبْرِ.                   (تث21: 22و23)

فجأة يظهر في الإنجيل رجل اسمه يوسف من الرامة كان غنياً. ولأجل وجاهته كان عضواً في المجلس الديني، وربما امتنع عن التصويت بالحكم على يسوع لأنه احترمه وأكرم  الطبيب الشافي الذي رافقته يد الله. اغتاظ يوسف من معاملات قيافا رئيس الكهنة الماكر وعشيرته المحتالة، وذهب جهراً إلى الوالي بيلاطس. ولمَّا كان له نفوذ فتحوا له، فطلب جثة يسوع. كان عمله هذا اعترافاً واضحاً بيسوع ضد المجمع اليهودي كله.

أما نيقوديموس، العضو في المجلس،  والنساء فقد ساعدوا يوسف في إنزال الجسد عن الصليب وغسله ودهنه وربطه. تمّت هذه الأعمال بسرعة قبل دخول وقت العيد الذي يبدأ مع غروب الشمس. ثم وضعوه في القبر الجديد الذي كان منحوتاً في الصخر وقد أعده يوسف لنفسه. فالمحكوم عليه كمجرم دُفن كأمير.

مات المسيح موتاً حقيقياً، توقف قلبه، ودمه انفصل ماء ودماء، وانقطع تنفّسه، وأصبح جسده بارداً صلباً. كان يسوع إنساناً حقاً، مولوداً لأجل تقديم نفسه ذبيحة، مات عوضاً عنّا. وبعد دفنه في الصخر دحرجوا حجراً مستديراً أمام الباب لحماية الفقيد من الحيونات المفترسة.

لم يكن للمسيح منزل يسند فيه رأسه في حياته، كذلك لم يكن له قبر يضع فيه جسده في موته، الأمر الذي كان ينم عن فقره. ومع ذلك فإننا هنا نرى سراً، فالقبر ميراث للذين أخطأوا       (أي24: 19)، ولا شيء يستحق أن يقال عنه بأننا نمتلكه سوى خطايانا وقبورنا. عندما نذهب إلى اقبر نعود إلى مكاننا، لكنّ الرب يسوع المسيح لم يمتلك قبراً لأنه لم يمتلك خطيئة. وإذ مات بسبب خطيئة غيره كان خليقاً به أن يدفن في قبر غيره. قصد اليهود أن يجعل قبره مع الأشرار، وأن يدفن مع اللصين اللذين صلبا معه، أما الله فقد غيّر الوضع وجعله “مع غني عند موته”     (إش 53: 9).

وها هم أولاء ينطلقون سراعاً إلى بيوتهم، لأن الفصح الكبير قد ابتدأ الساعة السادسة مساء. في هذه المناسبة كان يمنع أي عمل أو حركة. لكن المشتركين في الدفن صاروا حسب الناموس نجسين، لا يستحقون المساهمة في أفراح العيد. ويظهر هنا مرة أخرى ضعف الناموس، لأن هؤلاء هم الذين يستحقون كل الإحترام والتقديس. فمن يقبل المصلوب يطهر، ومن يأكل جسد المسيح يحيا، ومن يشرب دمه يتقدّس إلى الأبد.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك لأنك مت حقاً ودفنت في قبر منحوت في الصخر، وأكملت راحة السبت، بعدما ذبحت يوم الجمعة في ساعة ذبح الحملان للفصح. نسجد لك لأنك حمل الله الحقيقي، أتممت كل متطلبات الفصح، فدمك صار حمايتنا من غضب الله المار عنا، وجسدك صار المأكل الحق للحياة الأبدية. نحبّك ونخدمك ونسلّم أنفسنا إليك، ولا نريد إلا تعظيم إسمك القدوس.

السؤال 266:  ماذا تعلّمت من دفن يسوع؟

ختم القبر وحراسته

(27: 62-66)

27: 62 وَفِي الْغَدِ الَّذِي بَعْدَ الاسْتِعْدَادِ اجْتَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ إِلَى بِيلاطُسَ(63) قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، قَدْ تَذَكَّرْنَا أَنَّ ذلِكَ الْمُضِلَّ قَالَ وَهُوَ حَيٌّ: إِنِّي بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ أَقُومُ. (64) فَمُرْ بِضَبْطِ الْقَبْرِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، لِئَلا يَأْتِيَ تَلامِيذُهُ لَيْلاً وَيَسْرِقُوهُ، وَيَقُولُوا لِلشَّعْبِ إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَتَكُونَ الضَّلالَةُ الأَخِيرَةُ أَشَرَّ مِنَ الأُولَى!  (65) فَقَالَ لَهُمْ بِيلاطُسُ: عِنْدَكُمْ حُرَّاسٌ. اِذْهَبُوا وَاضْبُطُوهُ كَمَا تَعْلَمُونَ (66) فَمَضَوْا وَضَبَطُوا الْقَبْرَ بِالْحُرَّاسِ وَخَتَمُوا الْحَجَرَ.

(متى20: 19، مر15: 42)

لقد نسى التلاميذ أن يسوع أخبر عدة مرات عن قيامته المجيده. وأيضاً الفريسيون ورؤساء الكهنة لم يؤمنوا بإمكانية قيامة يسوع، بل حسبوا أن أتباعه قد يحتالون فيسرقوا جثته ويذيعوا الخبر عن قيامة معلّمهم. لم يختبر نواب الأمة اليهودية روح الحق، واعتقدوا أن اتباع يسوع هم عصابة محتالة مثلهم.

أصبح قضاة يسوع هم المتشككين بوعوده، لأنهم تذكروا تأكيده المستمر لمستمعيه أنه يقوم بعد ثلاثة أيام من موته فأمروا بختم القبر وحفظه. لا توجد صورة أكثر سخرية من حرَّاس قدَّام قبر ميّت، لكي لا يهرب الميت! فشخصية يسوع غلبت كل العادات. والشيطان الشرير شعر أنه لا يقدر أن يتمسّك برئيس الحياة.

اخترع بعض المعارضين على صلب يسوع، اتهاماً أو دعوة أن يهوذا صلب عوضاً عن يسوع، وبأن الخائن دفن في القبر المنحوت في الصخر. إن هذه الأسطورة تشعر كل مفكر بالضحك، لأنه هل أم يسوع الواقفة تحت صليب ابنها لم تدرك من هو المصلوب في الحقيقة؟ وهل الذين أنزلوه من على الصليب لم يميزوا من هو الذي تم إنزاله “يهوذا أم يسوع”؟ ومن الذي تم دهنه ودفنه؟

لقد ادعى البعض الآخر، أن المصلوب هو يهوذا لكن له صورة المسيح، أي أن الله ألقى عليه شبه وصورة المسيح، ولهذا لم تعرفه أمه ولا الذين أنزلوه”.

يشبه هذا الإتهام ببيت العنكبوت إذ لا حجة ولا قوة له على الإستمرار، بقدر ما هو حجة تؤكد صحة صلب وموت المسيح. وكل مدع لهذا الإتهام يسيء بصفة غير مباشرة إلى إلهه ويصفه بصفات غير محترمة. لو أخذنا بهذه التهمة أو بالأحرى بهذه القصّة، لتبيّن لنا أن مؤلفها هو الله وحده، ولا أحد يعرف ما جرى سواه، بالإضافة إلى يسوع ويهوذا الخائن، فهم الذين كانوا داخل الغرفة ولم يكن معهم أحد آخر. فلا غبار على إيمان وعقيدة أتباع المسيح، لأنهم آمنوا واعتقدوا بما رأت أم أعينهم، وهو أن الذي صلب كان يحمل صورة المسيح، وليس هم فقط بل أيضاً الأمة اليهودية والأمة الرومانية، وتأكد في كتب التاريخ، وتداولته الألسن والرواة والأجيال. تداولت أن المصلوب هو المسيح، صلب ودفن، ومن خلال ماشاهده الرواة صار جزءاً من عقيدتهم، لأن الله لم يخبر أحداً من حوارييه بأن المصلوب هو يهوذا في جسم المسيح.

إذا، كيف يساهم الله في هذه العقيدة ويرسخها في ذهن أتباع المسيح من خلال الأجيال والأجيال، حتى صارت جزءاً مهما وأساساً متيناً لعقيدتهم ثم يحاسبهم عليها، ويؤاخذهم على أنهم يؤمنون بموت المسيح وصلبه؟ كما أن هذه القصّة تعطي صورة غير بريئة عن الله الذي حرّف وغيّر ثم عاقب من لا حول لهم ولا قوة في هذا كله.

الصلاة:يا ربي ومخلّصي، قد ذقت الموت المرير، واضطجعت في القبر المظلم. أنت سبقتني إلى قبري، لكي لا أخاف ولا أكون منفرداً عند موتي، بل ألتقي بك. أشكرك لأنك غفرت آثامي، ووضعت بذرة حياتك فيَّ فلا يجد الموت سلطة فيّ لأنك منحت لأتباعك أن يعيشوا رغم موتهم، فأنت الغالب وشفيعنا ومنجينا، ولأجل موتك نحيا إلى الأبد.

السؤال 267:  ما هي اهم الحوادث التي وقعت بعد موت يسوع مباشرة؟

هذَا هُوَ دَمِي

 الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ

 الَّذِي يُسْفَكُ

مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ

 لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا

(متى26: 28)

النبوءة عن عبد الرب 700 سنة قبل حدوثها

53: 1 مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا وَلِمَنْ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرّبِّ، (2) نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيَّهُ (3) مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الحَزَنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا مُحْتَقَرٌ، فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ.

(4) لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ الله وَمَذْلُولاً. (5) وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. (6) كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (7) ظُلِمَ أَمَّا هُوَّ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. (8) مِنَ الضُّغْطَةِ وَمِنَ الدَّيْنُونَةِ أُخِذَ. وَفِي جِيلِهِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ قُطِعَ مِنْ أَرْضِ الأَحْيَاءِ، أَنَّهُ ضُرِبَ مِنْ أَجْلِ ذَنْبِ شَعْبِي. (9) وَجُعِلَ مَعَ الأَشْرَارِ قَبْرُهُ، وَمَعَ غَنِيٍّ عِنْدَ مَوْتِهِ. عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ ظُلْماً وَلَمْ يَكُنْ فِي فَمِهِ غِشٌّ.

الجزء السادس

قيامة الرب يسوع المسيح

(28: 1-20)

(أنظر: مر16: 1-10، لو24: 1-10، يو20: 1-18)

اكتشاف القبر الفارغ(28: 1-4)535
شهادة الوحي عن قيامة المصلوب(28: 5-7)537
ظهور المسيح(28: 8-10)539
احتيال شيوخ اليهود(28: 11-15)541
ظهور المسيح والمأمورية العظمى(28: 16-20)542
   
المسابقة الرابعة 551

اكتشاف القبر الفارغ وكلام الملاك

(28: 1-7)

28: 1 وَبَعْدَ السَّبْتِ، عِنْدَ فَجْرِ أَّوَلِ الأُسْبُوعِ، جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَمَرْيَمُ الأُخْرَى لِتَنْظُرَا الْقَبْرَ. (2) وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ، لأَنَّ مَلاكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ. (3) وَكَانَ مَنْظَرُهُ كَالْبَرْقِ، وَلِبَاسُهُ أَبْيَضَ كَالثَّلْجِ. (4) فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ.  (متى17: 2، أع1: 10؛ 20: 7، 1كو16: 2، رؤ1: 10)

الموت عدو كل الناس، وكل المولودين من النساء حصدهم الحاصد القبيح العظيم، إنه الشيء الوحيد الذي لا بد منه. فاستعد لوفاتك فتُؤتى قلب حكمة.

أفكار مثل هذه تقدمت النسوة في فجر اليوم الأول بعد العيد إلى القبر ليكملن دهن جثة يسوع، لأنهنّ لم يستطعن يوم الجمعة أن تعملن إلا اللاّزم لوداعه.

كان سبت العيد لهن وللتلاميذ أسوأ يوم في الحياة. مات ابن الله المسيطر على الأرواح، وانكسر كل رجاء بملكوت الله القريب. لم يبقَ لهم إلا البكاء واليأس والتشاؤم. لكن المحبّة والإحترام ليسوع جذبت النساء إلى القبر، فأردن الجلوس قرب القدوس.

عندما مات رأينا الأرض التي استقبلته تزلزلت خوفاً، والآن وقد قام نرى الأرض التي أخرجته تتزلزل فرحاً برفعته. وكأن الزلزلة قد حلّت ربط الموت، وحطّمت قيود القبر وقدّمت مشتهى كل الأمم. لقد كانت علامة نصرة المسيح، وإعلاناً على أنه إن كانت السماء قد فرحت فقد فرحت الأرض أيضاً. وكانت عينة لتلك الزلزلة التي ستهز الأرض في القيامة العامة عندما تزول الجبال والجزر لكي لا تغطي الأرض قتلاها فيما بعد (إش26: 21).

فكرت النساء وهنّ على الطريق فجراً بالحجر الثقيل ومن يدحرجه لهن عن القبر؟ فاستجاب الرب صلاة النسوة واستمع لأسئلة قلوبهن قبل أن يصلن إلى القبر، فأرسل ملاكاً ليفتح لهن الطريق إلى القبر الفارغ. ظهر الملاك بزلزال كبير، ورآه الحراس مقبلاً فارتعبوا ووقعوا كأموات. دحرج الملاك الحجر وجلس عليه، رمزاً لانتصار المسيح في قيامته.

لم ينزل الملاك من السماء ليقيم المسيح من بين الأموات، لأن رئيس الحياة غير محتاج إلى مُعِين ليغلب الموت. الرب قام بكل هدوء تلقائياً، وانسلّ من أربطته بدون تمزيقها، ومرَّ بهدوء وبدون أي ضجّة من وسط الصخور، كما دخل بعدئذ إلى الغرف المغلقة على تلاميذه. فلم يعاين أي إنسان قيامة المسيح من بين الأموات، إلا أن القبر كان فارغاً عندما وصلت النساء إليه.

الصلاة:أيها الرب يسوع المقام من بين الأموات، نعظّمك لأنك غلبت الموت والحزن والشيطان وأظهرت الحياة وأبدية روحك ومحبّتك لأتباعك. نشكرك لأنك أرسلت ملاكاً عوناً للنساء ليرفع الحجر الثقيل عن القبر قبل وصولهن إليه، استجبت لصلواتهن. تشجعنا لنؤمن بأنك حي حاضر تعمل معنا فلا نهتم بالأثقال الضاغطة علينا، بل نؤمن ونتقدّم، فنرى أنك حللت مشاكلنا لأنك حي وحاضر وعامل معنا. هللويا.

السؤال 268:  لماذا دحرج الملاك الحجر عن قبر يسوع؟

شهادة الوحي عن قيامة المصلوب

(28: 5-7)

28: 5 فَقَالَ الْمَلاكُ لِلْمَرْأَتَيْنِ: لا تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ.(6) لَيْسَ هُوَ ههُنَا، لأَنَّهُ قَامَ كَمَا قَالَ. هَلُمَّا ا نْظُرَا الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ الرَّبُّ مُضْطَجِعاً فِيهِ. (7) وَاذْهَبَا سَرِيعاً قُولا لِتَلامِيذِهِ إِنَّهُ قَدْ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ. هَا هُوَ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ. هُنَاكَ تَرَوْنَهُ. هَا أَنَا قَدْ قُلْتُ لَكُمَا.                 (متى12: 40؛ 16: 21؛ 17؛ 23؛ 20: 19؛ 26: 32)

تتطلب كلمات الملاك الانتباه، لأن الله أرسله خاصة للمرأتين وإلينا أجمعين لندرك الأمر المستحيل: إن الإنسان يسوع قام حقاً. قبل كل شيء منع الملاك النسوة من الخوف، لأن الله أكرمهن بإرساله إليهن، فأعلن لهن أفكار قلوبهن: إنهن يعرفن يسوع، ويفكرْنَ به.

لم يوبّخ الملاك النسوة على عدم إيمانهن بكلام يسوع، بل تكلم معهن كما مع أطفال صغار، لأنهن كنَّ متحيّرات. فالقبر كان مفتوحاً، والحرَّاس الأقوياء على الأرض كأموات، والملاك الساطع كلمهن شخصياً. كل هذا فاق قدرة شعورهن وعقولهن، فأعلن الملاك لهن أن جثة يسوع ليست موجودة هناك، وأرشدهم بلطف إلى المكان حيث كان مضطجعاً ليرين أن القبر في الصخر كان حقاً فارغاً.

شهد الملاك البراق عن قيامة المسيح، مشيراً إلى الحقيقة بأنه قام في قوته الخاصة. فابن الإنسان غلب الموت وجرّده. هذا هو رجاء الملايين، الموت المغلوب لأن المسيح كسّر قدرته وفتح فتحاً مبيناً في سجن المخلوقين. من يتمّسك بيسوع الحي يمر معه في وادي ظل الموت، داخلاً إلى ملء الحياة في دار النّعيم.

بعدئذ ذكّر الملاك النساء أنه لم يقل لهن خبراً جديداً، بل كرر ما أنبأ به يسوع قبل موته، يدلّنا هذا على أن كل كلمة تفوّه بها يسوع في الإنجيل هي مهمة جداً ومستحقة كل الإيمان. فالكافر لا يؤمن أما يسوع فقد غفر كل الذنوب لجميع الناس. اليوم هو يمنح حياته الأبدية لكل من يفتح قلبه لحلول الروح القدس.

لم يسمّ الملاك يسوع «ابن الإنسان» بل «الرب» بكل احترام ومخافة، عالماً أن المسيح نزل من السماء، وفيه أتى المالك إلى المخلوقات ليحرر بمحبته أسرى الشيطان. فالذي كان في القبر هو الرب بالذات لكنه قام. كل الفلاسفة والأنبياء وزعماء الشعوب ماتوا وعظامهم ماكثة في القبور، لكن ربنا قام حقاً وأكد لنا بقيامته رجاء الحياة.

بعد هذه الأقوال أمر الملاك النّسوة أن يرجعن إلى الرجال الخائفين ليشهدن لهم عن حقيقة قيامة المسيح، فأصبحت النساء المحتقرات، الشاهدات المبشّرات الأوّل اللواتي اختارهن الله ليعلن حياة المسيح للعالم. نؤمن حتى اليوم أن البنات والأمهات المؤمنات يحملن قوة حياة الله في شهادتهن وسط العالم، حتى يكتسب الرّجال من شهادتهن رجاءً ويشتركوا في جدة حياة يسوع.

بعدئذ أعلن الملاك للمرأتين أن يسوع سيسبق تلاميذه إلى الجليل كما أخبرهم عن ذلك قبل أيام ثلاثة. هناك سيظهر لهم شخصياً. فلم يقصد الرب إخفاء نفسه، بل إعلان ذاته لأحبائه، حالما يؤمنون بخبر قيامته المجيدة.

أخيراً أكدّ الملاك للنسوة المضطربات ألاَّ ينسين كلمة مما قاله لهن، لأن الله أرسله إليهن ليعرف كل الناس الخبر المدهش العظيم: إن المصلوب حي، والشاب من الناصرة هو الرب المنتصر على الموت والخطيئة والشيطان.

فهل تؤمن بوحي الملاك وبشهادة النسوة؟

الصلاة:أيها الرب يسوع المُقام من بين الأموات، نعظّمك ونتهلل لأن الموت لم يستطع أن يقبض عليك، بل غلبته وجرّدته وقمت حياً. نعظّمك ونفرح لأنك فتحت لنا باب الرّجاء، فليس الموت نهايتنا، بل أنت تحيينا وتملأنا بحياتك وتستقبلنا بعد وفاتنا. ساعدنا لنخبر معارفنا بانتصارك على الموت حتى يتوبوا مثلنا وينالوا معك غفران خطاياهم ويتقدّسوا بحلول روحك القدوس، فيحيوا معنا في الحياة الأبدية.

السؤال 269:  ماذا قال الملاك للمرأتين؟

ظهور المسيح

(28: 8-10)

28: 8 فَخَرَجَتَا سَرِيعاً مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلامِيذَهُ. (9) وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلامِيذَهُ إِذَا يَسُوعُ لاقَاهُمَا وَقَالَ: سَلامٌ لَكُمَا فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ. (10) فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: لا تَخَافَا. اِذْهَبَا قُولا لإِخْوَتِي أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْجَلِيلِ، وَهُنَاكَ يَرَوْنَنِي.                                                                  (عب2: 11)

ركضت المرأتان سريعاً من داخل القبر وهما خائفتان وفي قلبيهما فرح عظيم جداً، وأطاعتا كلام الملاك، وركضتا إلى التلاميذ للشهادة لهم بمجد يسوع الحي. وكادتا تطيران فرحاً وهما في الطريق.

فجأة رأتا يسوع مقبلاً نحوهما، فوقفتا متجمّدتين أمام الميّت وهو حي إذ قام يسير على قدميه، ويتكلم إليهما بكلمات واضحة، ويسلّم عليهما بلطف. فالواقف أمامهما ليس شبحاً ولا خيالاً، بل يخاطبهما بكلمات مفهومة. لم يلعن أعداءه الذين صلبوه، ولم يشتم تلاميذه الذين هربوا منه، بل أعطى المرأتين سلامه لتقبلا هذا السلام الجديد. فكلمة «سلام» من صميم عيد القيامة.

كل من يريد أن يفهم عمق وطول هذه التحية الإلهية فليتذكّر أن الإنفصال والحرب عمّت سابقاً بين الله والبشر لأجل خطايانا، لأن الخطيئة هي التّعدي. فالقدوس كان ضدنا وغضبه صبغ تاريخ البشر. لكن ومنذ أن أصبح يسوع نائباً عنا مات على الصليب لأجلنا وصالحنامع الخالق. صار لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح، فهذه الدّعوة “سلام لكم” هي أعظم رسالة نستطيع نقلها إلى كل إنسان، والرب المقام من بين الأموات هو البرهان والضمان والكفيل لأجل سلامنا مع الله. لو بقي المسيح في قبره لما عرفنا أن مصالحتنا مع الله قد تمّت بالفعل. لكن المسيح قد قام، وهذه الحقيقة تؤكّد لنا أن الله قبِل ذبيحة الذات من يد يسوع كفارة عنا، لأنه الحمل البريء المستحق أن يموت عوضاً عنّا. لم يكن فيه علة أو ذنب، وقد أتمّ في انسجام كامل مع أبيه جميع متطلبات البر، فيثبت الله باراً، رغم أنه يبرر الخطاة لأنه أكمل قصاصنا في ابنه.

أيها الأخ العزيز، هل قبلت السّلام مع الله بإيمانك بالمسيح المقام الحي؟

لم يسلّم المسيح على المرأتين بقوله “السلام عليكما” لأنه لم يرد أن يفرض سلامه على أحد، بل يجعلنا مسؤولين أن نقبل سلامه المعروض علينا أو نرفضه. فمحبّته لا تجبرنا أن نقبل سلامه بل ترفعنا إلى مستواه كأحرار.

لمَّا أدركت المرأتان الخائفتان والمغبوطتان أن يسوع يقف أمامهما، خرّتا وسجدتا وحاولتا التمسّك برجليه. لم يمنعهما من لمسه لتدركا أنه ليس حلماً جميلاً، ولا روحاً، بل إنساناً بجسد مادي ملموس. فمعرفة ألوهية الإنسان يسوع بعد قيامته أرعبت المرأتين، فقال الرب مرة أخرى ما قاله الملاك لهما عند القبر: «لا تخافا!». بهذا الأمر يمنعنا يسوع أن نخاف من الموت، أو نرتعب مما يجيء بعد الموت، لأنه هو برهان رجائنا.

بعدئذ نطق يسوع بالكلمة العظيمة الجميلة، عندما سمَّى التلاميذ الهاربين «إخوته»، فأحبهم حباً جماً. منحنا يسوع بآلامه وموته وقيامته، المساهمة في حقوق بنوَّته الخاصة. قد أصبحنا أولاداً بإيماننا بالابن. فالله الأزلي لا يغضب علينا لأجل خطايانا، بل أعلن نفسه أبانا القدوس. والدّيان الأزلي لا يحكم علينا بل يقبلنا كإخوته المحبوبين. ما أعظم النّعمة لأجلنا نحن الخطاة، إذ نسمع في الدينونة الأخيرة العبارة من فم المسيح: «إخوتي وأخواتي».

ثم دعا يسوع المرأتين للخدمة، وأرسلهما إلى تلاميذه مثبتاً رسالة الملاك أنه يريد أن يسبق إخوته في طريقهم إلى الجليل فيلتقي بهم هناك.

هكذا يلتقي المسيح الحي بك في أيامنا، ليس لتُمتع نفسك فقط، بل يرسلك إلى أنسبائك وأصدقائك ليلتقوا هم أيضاً بربهم لقاءً عظيماً.

الصلاة:نعظّمك أيها المقام من بين الأموات الحي، لأنك التقيت بالمرأتين اللتين بحثتا عن جثتك، ورأتا الملاك في قبرك الفارغ، نشكرك لأنك قدّمت لهما سلامك، لأنك أكملت المصالحة بينك وبين الله. أنت سلامنا وجعلتنا إخوة لك، كبنين وبنات لأبينا السّماوي. نعظّمك لأنك برهنت بقيامتك قداستك وفعلية خلاصنا وانتصارك على الموت. جعلتنا رسلاً لحياتك، أحييتنا لنبلغ سلامك لكل من يريد أن يحيا في روحك الطّاهر.

السؤال 270:  ماذا تعلّمت من التقاء المسيح بالمرأتين بعد هربهما من القبر الفارغ؟

إحتيال شيوخ اليهود

(28: 11-15)

28: 11 وَفِيمَا هُمَا ذَاهِبَتَانِ إِذَا قَوْمٌ مِنَ الْحُرَّاسِ جَاءُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَخْبَرُوا رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ بِكُلِّ مَا كَانَ. (12) فَاجْتَمَعُوا مَعَ الشُّيُوخِ، وَتَشَاوَرُوا، وَأَعْطَوُا الْعَسْكَرَ فِضَّةً كَثِيرَةً (13) قَائِلِينَ: قُولُوا إِنَّ تَلامِيذَهُ أَتَوْا لَيْلاً وَسَرَقُوهُ وَنَحْنُ نِيَامٌ. (14) وَإِذَا سُمِعَ ذلِكَ عِنْدَ الْوَالِي فَنَحْنُ نَسْتَعْطِفُهُ، وَنَجْعَلُكُمْ مُطْمَئِنِّينَ (15) فَأَخَذُوا الْفِضَّةَ وَفَعَلُوا كَمَا عَلَّمُوهُمْ، فَشَاعَ هذَا الْقَوْلُ عِنْدَ الْيَهُودِ إِلَى هذَا الْيَوْمِ.                                                         (متى27: 64)

سمع رؤساء الكهنة أن يسوع قام، وأن ملاكاً كلّم المرأتين، ففقدوا صوابهم، وقرروا قراراً ممتلئاً بالأكاذيب والأقوال المتضاربة، وصرفوا مالاً كثيراً ليُسكتوا الحرَّاس. أمروهم أن يقولوا إنهم بينما كانوا نياماً قرب القبر وأعينهم مغلقة رأوا التلاميذ يدحرجون الحجر بضجيج! فسمحوا للتلاميذ بسرقة الجثة. إن هذا الخبر مستحيل بل مضحك! لكننا نرى فيه خوف رجال المجلس اليهودي، لأن ما حاولوا منع تلاميذه منه قد تم، وهو اختفاء الجثة من القبر. لكن الحق لا يُخنق بالمال والكذب، لأن الحق ليس فكراً بل شخصاً مُقاماً حياً بيننا.

ما أعظم الفرق بين الموقفين: التقاء المسيح بالنسوة، وإقناع رؤساء الكهنة للجنود بالاحتيال. ففي الحادثة الأولى نرى الحقيقة والسلام والفرح. وفي الموقف الثاني نرى الكذب والرشوة!.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح القدوس الحي إلى الأبد، نسجد لك لأن الموت لم يستطع أن يقيدك، وقوة حياتك فتحت سجن الموت المرعب. بررتنا بكفارتك على الصليب ومنحتنا سلامك مباشرة بعد قيامتك. نشكرك لأنك سميتنا إخوتك. فنحمدك ونتهلّل فرحين، لأن بواسطتك أصبح الله أبانا بالحق. أنت جعلتنا بقيامتك أولاداً لله إلى الأبد.

السؤال 271 : ماهي الكلمات المتضاربة التي قالها رؤساء اليهود لحراس قبر المسيح؟

ظهور المسيح في الجليل

والمأمورية العظمى

(28: 16-18)

28: 16 وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذاً فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ.(17) وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا. (18) فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً:

سمع التلاميذ أخبار قيامة المسيح، ضحكوا ولم يؤمنوا لا بأقواله ولا بشهادة النساء. ولكن وعوده عملت في قلوبهم حتى مشوا بإطاعة الطريق الطويلة إلى الجليل حيث ابتدأ ربهم خدمته، فأراد أن يعلن هناك مجد قيامته أيضاً.

ظهر يسوع فجأة لتلاميذه الاثني عشر على الجبل الذي عيَّنه لهم. والأغلب أنه كان معهم أصدقاء مخلصون آخرون. يظن بعض المفسرين أن هذا اللقاء هو ما أخبرنا عنه الرسول بولس في كورنثوس الأولى 15:5 ، حيث يذكر أنه ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ.

رغم أنهم رأوه بأعينهم فإن بعضهم شك ولم يؤمن، لكن حضوره الواضح أقنع أكثريتهم فآمنوا وخرّوا وسجدوا للمنتصر على الموت. قبلوه رب الأرباب وملك الملوك، وشعروا بجلاله وعظمته فارتجفوا خوفاً وفرحاً.

رغم هذا الظهور الرسمي العظيم لم يفارق الشك بعضهم، لأن فكرة أن الميت أصبح حياً فاقت عقولهم، ففكروا أنه شبح أو روح مضل، فتقدّم يسوع إليهم، وتكلّم معهم بلطف وباركهم.

الصلاة:أيها الرب يسوع المسيح، نعظّمك لأنك اجتمعت مع تلاميذك الهاربين في ساعة الإمتحان. لم توبخهم بل كلّفتهم أن يمسكوا مشعل الإنجيل ويقدموه إلى الشعوب. لم يؤمن كل أتباعك بقيامتك بعد، بل شكوا، لكن أنت علمت مستقبلهم بقوة الروح القدس، وثقت في أبيك السّماوي وأرسلتهم. ارحمنا نحن الفاشلين، وكلمنا وامنح لنا القوة لتتميم أوامرك بفرح.

السؤال 272:  لماذا أرسل المسيح المؤمنين الفاشلين إلى حصاده؟

السلطان المطلق للمسيح

28: … دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19فَاذْهَبُوا…

(مت10: 16؛ 11: 27، أفسس1: 20-22)

بعدما صالح المقام من بين الأموات العالم الفاسد والمنقطع عن الله القدوس، عزم المسيح أن يقدّم خلاصه المجاني لكل الناس، لكن لم يكن أحد من تلاميذه مستحقاً للخدمة الرسولية لأنهم هربوا في ليلة القبض على يسوع، فلا جودتهم ولا ذكاؤهم أهّلاهم ليصبحوا رسلاً للمسيح بل دعوة المسيح واختياره لهم فقط.

أعلن المسيح أن أباه السّماوي قد دفع إليه كل سلطة في السّماء وعلى الأرض، ويشمل هذا التفويض جميع الملائكة والناس مع بحور النجوم وجماهير الذرات، فكيف تجاسر القدير أن يسلّم كل حكم وقوة إلى المقام من بين الأموات. ألم يخف من ثورة أو فتنة في السّماء نتيجة هذا العمل. لكن الآب السماوي عرف أن ابنه وديع ومتواضع القلب وأنه أكرم أباه دائماً، كما أن الروح القدس يمجّد المسيح على الدّوام، فإلهنا متواضع! لم يستكبر يسوع بل بذل نفسه فدية لكثيرين، لذلك دفع الآب كل سلطان في السّماء وعلى الأرض إلى ابنه الحبيب، ولم يخف من انقلاب أو تعجرف.

لم يبستخدم يسوع، أثناء أيام اتضاعه على الأرض، قدرته لإنشاء دولة سياسية مع جيوش جبارة وأسلحة فتاكة. لم يفرض ضرائب تثقل كاهل الناس الفقراء، بل شفى مرضى وأخرج شياطين وأقام موتى وغفر خطايا وسكب من روحه على أتباعه المصلين، وأسّس عصراً روحياً جديداً، فجدّد قلوب أتباعه. أمر المسيح رسله أن يذهبوا ويتحرّكوا، وخلق فيهم، بإعلان قدرته وسلطته، الثقة حتى يخرجوا من عزلتهم ويتقدّموا إلى أخيهم الإنسان. فرض يسوع على أتباعه أن يسعوا ويركضوا. حرّرهم من الدّوران حول ذواتهم، ليتركوا اجتماعاتهم، ويفتشوا عن الغرباء والضّالين، كما أن الرّاعي الصالح يترك تسعة وتسعين باراً ليفتّش عن ضال واحد إلى أن يجده.

الصلاة:نسجد لك أيها المقام من بين الأموات، لأنه دفع إليك كل سلطان في السّماء وعلى الأرض. اغفر لنا خوفنا من السّلاطين في هذه الدّنيا، وارفع أعيننا نحوك لنراك في كل حين أمامنا، ونؤمن بقدرتك اللطيفة ونبتهل لأجل زملائنا في الضيق، حتى يتقووا في جدّة قوتك وينالوا منك الإرشاد والتّعزية، فننطلق معاً ونذهب لنعلن إسمك وخلاصك في ملكوتك الأبدي.

السؤال 273:  لماذا أمرنا يسوع بالإنطلاق والذهاب؟

أمر المسيح بالتبشير لجميع الأمم

28: 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ…

(متى24: 14، مر16: 15-16، 2كو5: 10)

إذا أراد أحد أن يطيع أمر المسيح هذا، يحتاج إلى إرشاد من روح الرب، وربما تسأل: إلى من أذهب؟ فلا أحد يهتم بالإنجيل أو يتوق إلى كلام الله. يجيبك الراعي الصالح “اطلبوا تجدوا، اسألوا تعطوا، اقرعوا يفتح لكم” إذ يحق لك أن تلتمس من المخلّص إرشادك إلى من أعدّ الروح القدس قلبه، وإن وجدت أحد طلاب الحق، فاسمع إلى أفكاره أولاً حتى يشعر بضيقاته وآلامه، ولا تقدم له أجوبة جاهزة، بل أطلب من يبسوع أن يرشدك إلى ما يريد هو أن تقوله إلى هذا الطالب. أطلب الكلمة المناسبة للشخص المعين في الوقت الخاص، وإذا كنت جباناً في تبشير الشخص الذي أراك إياه يسوع، فاطلب من الرب الغلبة على خجلك وخوفك وكل ما يقف أمامك حاجزاً في التبشير وإيصال الرسالة وإتمام وصيّة المسيح. لا تنس أن صلاتك لأجل هذا الإنسان قبل وأثناء وبعد التقائك به، ينبغي أن تهتم به أكثر من اهتمامك بالعبارات والمصطلحات المستعملة.

كانوا شغوفين جداً بوجود المسيح معهم بالجسد، ويرسلهم لخدمة أخرى “كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف” (تث32: 11) لكي يدفعها للطيران، هكذا يحرك المسيح تلاميذه لكي يتفرقوا في كل أرجاء العالم.

كل من يريد أن يربح المستمعين، لا بد أن يقدّم لهم شيئاً يجذبهم ويشتاقون إليه ويسعون وراءه بدون تردد. فالطلاب في الجامعات يصغون إلى الأستاذ الذي هو شخصيّة محترمة، يقدم لهم رسالة قوية ومفيدة. للمسيحيين رسالة ممتعة ومثيرة وقيّمة، إذ يعرفون الله، هو أباهم الذي يعتني بهم، واختبروا يسوع الذي خلّصهم من الموت والخطيئة ومن الخوف، لأنه غفر خطاياهم جميعها. والروح القدس يعزّيهم مانحاً لهم محبّة وفرحاً وسلاماً وطول أناة وإيمان ولطف وعفّة، ولنا رجاء حي بقيامة المسيح من بين الأموات. نترقّب عودته عن قريب، فعندك معنى للحياة وهدف للمستقبل. فلست ضالاً بل وُجدت، لذلك تخلّ عن عدم يقينك وتحمّسك بما منح إياه يسوع، وقدّم إنجيله لمن يرشدك إليه الرب، لأنه غرس فيك الحياة الأبدية، إذا آمنت برئيس ومانح الحياة.

دفع المسيح للمؤمنين به قوة لينشروا الإنجيل في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط أولا، ثم أرشدهم إلى بلاد الفرس وبعد ذلك تقدّم موكب انتصار المسيح إلى أوربا وآسيا الوسطى إلى أن بلغ الصين. وبعد اكتشاف أمريكا وطريق البحر نحو الهند، فتح المسيح الحي كل البلدان لتسمع إنجيله، وأولاد إبراهيم اليوم وكل البلدان الشيوعية تسمع للرّسالة السّماوية. الجدير بالذكر أن رسالتنا وصلواتنا وتبرعاتنا وكل مؤمن منا مدعو إلى الجهاد الروحي.

الصلاة:أيها المعلم الأعظم، قد قبلتنا تلاميذك وأعلنت لنا إنجيلك المفعم بالقوة والحكمة والإرشاد، غيرتنا لنطبق ما علمتنا. سامحنا إن كنا كسالى في حفظ دروسنا واغفر لنا إن لم نتقدّم إلى الجهال الذين لا يعرفون قوة الله الآب والإبن والروح القدس. ساعدنا أن نشركهم بمعرفتك وقوتك ومحبّتك وسلامك حتى يدركوا بأنك مخلّصهم، ويعرفوا الآب السّماوي بقوة روحك القدّوس.

السؤال 274:  كم بالمئة من سكان الأرض لم يسمعوا الإنجيل بعد، وأين يكمن دورك في هذا ؟

أمر السيح بالمعمودية

28: … وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.

(مر16:16، أعمال2: 38-39)

نجد في تاريخ الأديان رسلاً ودعاة متنوعين، لأن الإنسان الطبيعي يشعر بأنه غير طاهر ومحتاج إلى تطهير جذري إذا أراد أن يسلك أمام الله. فالمعمودية هي الغسل من خطايانا مع الإعتراف بأننا خطاة. أما الغطس فيدل على أن الإنسا القديم هو فاسد وشرير ويستحق الموت غرقاً والدفن النهائي، حتى يصعد إنساناً نقياً طاهراً وجديداً بعد المعمودية. اعترف داود وحزقيال ويوحنا المعمدان أن إنكار الذات وإماتة الأنا لا تكفي لتطهيرنا، بل نحتاج إلى خلق جديد حتى تجدد أذهاننا وقلوبنا بروح الرب، لذلك أنبأ يوحنا المعمدان أن المسيح سيعمد أتباعه بالروح القدس ليولدوا ولادة جديدة بالروح، ولا يستطيع أحد أن يدخل ملكوت السموات إلا إذا تعمّد وحلّ فيه الروح القدس. فالمعمودية هي الحادث الفاصل والشهادة الواضحة أن الإنسان يترك حياته القديمة ويقبل نعمة يسوع الذي قبله أولاً.

لم يعلن المسيح معرفة الله العظيم البعيد غير المدرك والمخيف، بل ذكر في أناجيله الأربعة ولأكثر من 187 مرة أن الآب السماوي قريب ومحب، هو ارتبط بنا في العهد الجديد. أكّد لنا يسوع أنه هو والآب واحد وليسا اثنين، فلم يذكر يسوع في مأموريته العظمى أسماء الله بصيغة الجمع، بل ذكر بصيغة المفرد الذي هو “الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد”.

لا نؤمن بثلاثة آلهة منفصلة أو مستقلة عن بعضها البعض، بل بوحدة الثالوث الأقدس. أثبت يسوع هذه العقيدة بقوله أنه في الآب والآب فيه.

إن معموديتك باسم الآب تمنحك حق التبني حتى تكون من أولاد القدير، فيهتم بك الآب السماوي شخصياً ويمنحك الحب والحماية ويستمع لصلواتك وطلباتك، ويقبلك أبوك السّماوي عضواً في ملكوته السّرمدي، ينتظر منك الثّقة في عنايته بك.

تتأكد معموديتك أيضاً في الإبن بأن المسيح يحبّك ويبذل نفسه لأجلك وكفر عن ذنوبك وحمل قصاصك، ودمه يطهرك من كل إثم، إذ قام من بين الأموات لتبريرك، وخلّصك من غضب الله والموت ومن الشّيطان، ويرسلك لتكمل دعوته ويمنحك حياته الأبدية لتحيا معه في القداسة والمحبّة.

ولد المسيح ومات وقام لأجلك وسيأتي إليك وإلى كل محبيه الذين اعترفوا وقبلوا معموديته، وأنه لا خلاص إلاَّ بالرب يسوع المسيح لمجد الله الآب.

إن معموديتك تشركك في الروح القدس بقوة الله والولادة الثانية، ويؤكد لك هذا الروح أن الله هو أبوك الحنون، روح الحق يقدّسك لتحب وتفرح وتعيش في سلام مع الله والناس، وتسلك بتأن وتنتصر على التّجارب لتعيش في العفّة والصبر، وتغفر لمن يخطئ إليك. أيضاً يحذِّرك هذا الروح من الأنبياء الكذبة، ويبكتك على زلاتك ويعزيك في كل نواحي حياتك، لأن هذا الروح هو الحياة الإلهيةبالذات.

إن معموديتك تثبتك في قدرة الآب وسلطان الإبن وقوة الروح القدس، التي تعمل في ضعفك حسب إيمانك. فنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبّة الآب وشركة الروح القدس تدوم وفي كل الذين اعتمدوا في وحدة الثالوث الأقدس إلى الأبد.

الصلاة:نعظّمك ونشكرك أيها الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد، لأنك سمحت لنا أن نتعمّد باسمك القدوس وندخل إلى ملء نعمتك ونثبت فيك ونستمد منك القوة الروحية والخلاص والسلام والقداسة والفداء. ساعدنا أن نشجع الذين لا يعرفون المعمودية المباركة على أن يتركوا حياتهم القديمة ويدخلوا فيك بعزم وثبات.

السؤال 275:  ماذا تعني معموديتك في الله الآب والإبن والروح القدس؟

أمر المسيح بالتّعليم للتّقديس

28: 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ.

(متى5: 17-20؛ 7: 21-27)

بعدما أرشد المسيح رسله لتبشير الأمم ومعمودية المؤمنين به، امرهم ان يعلموا ويثبتوا كل من آمن واعتمد لينمو روحياً ويتعمّق في التوراة والإنجيل.

أوصانا يسوع أن نحفظ كلماته غيباً ونملأ شعورنا الباطني بها لنتقوّى في الإيمان ونتعزّى في الأيام الحرجة، وننتعش في خدماته. فكل من يحب يسوع يحفظ وصاياه، ويليق لنا أن نتوب ونحفظ كل يوم آية واحدة من آيات المسيح غيباً لنكرمه ونمجّده.

إن العلم لا يكفي، إذ يتطلّب التطبيق العملي في الحياة. لذلك أمرنا الرب يسوع أن نسلك حسب الإنجيل.أوضح يسوع “وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أحْبَبْتُكُمْ”   (يو13: 34). المسيح هو لب وجوهر الشريعة، ومحبته مقياس لمحبتنا، فلا نحب لكي نخلص لأننا قد خلصنا بدم يسوع المسيح، اما يسوع فيريد تغيير شكلنا إلى صورته وتقديس أنفسنا بنعمته لنحبه ونشكره لأجل محبّته الأولى كما قال وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ.” (متى5: 44) وقال أيضاً “إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاتِهِمْ، لا يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلاتِكُمْ.” (متى6: 14و15) وأضاف ” لا تَدِينُوا لِكَيْ لا تُدَانُوا، لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.

فمن يبدأ التأمل في أوامر المسيح بشكل مخلص وجدّي، يبكته ضميره لأننا لا نحب كما يحبنا يسوع. تقودنا وصاياه إلى التوبة والإنكسار، فكيف نعلم الآخرين ونحن لا نحفظ الوصايا الضرورية.

طلب ملك الملوك أن نحفظ ونعلم جميع ما أوصانا به، فكيف تطيعه إذا لم تكن تعرف وصاياه؟ من يتعمّق في شريعة المسيح وفي أناجيله الأربعة يجد فيها أكثر من 500 وصيّة وفريضة ذكرت على لسان يسوع، الذي يطلب منا أن نعلمها لأعضاء عائلاتنا، وفي كنائسنا وأثناء مناقشاتنا مع أصدقائنا، ليس لأجل الفوز وجمع أعمال حسنة وصالحة لخلاصهم، بل شكراً للمسيح لأجل خلاصه المتمم لنا على الصليب. أوضح لنا يسوع هدف شريعته، إذ قال “كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.”(متى5: 48) فكل من يتعمّق في شريعة المسيح ينكسر لكبريائه وينسحق ويعيش في توبة مستمرّة لأن ليس من يعمل صلاحاً ولا واحد(رومية3: 9-20) ومن يحاول أن يحفظ جميع وصايا المسيح يترك رياءه سريعاً ولا يفكر أنه أحسن من الآخرين، بل يتواضع ويلتمس من مخلّصه الغفران والقوة لتطبيق وصاياه ليعيشها، فيعلّمها أيضاً للآخرين.

الصلاة: نشكرك أيها الرب يسوع لإنجيل خلاصك وتبرير أنفسنا، ساعدنا لنطيع أوامرك ونحفظها ونعلمها، اغفر لنا إن أهملنا أكثرية وصاياك وثبتنا فيها لكي لا نصبح عثرة للآخرين، إذ نعلم ما لا نطبقه على أنفسنا. ساعدنا لنتقدّس في كل نواحي حياتنا ونتبعك في قوة روحك القدوس.

السؤال 276:  كم وصيّة من وصايا المسيح تعرف، أتطبّقها في حياتك، وتعلّمها للآخرين؟

وعد المسيح برفقة أتباعه

28: … وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ آمِينَ.

(متى18: 20)

إذا كان أحد سفراء المسيح مضطهد من قبل أعداء الصليب، وإذا كان عبد من عبيد الرب يئس من نفسه لأنه لم يحفظ كل وصاياه، ويرى نفسه فاشلاً، إذا كانت المشاكل من الخارج أو من الداخل تبلبل قلبه حتى لا يجد مفراً إليه، عندئذ يأمره المسيح “افتح أعين قلبك، انظر ها أنا معك، لست بمفردك، بل أنا حاضر معك، لن أتركك وحيداً، أنا حي، أحبك وأعتني بك، واثَبّت إيمانك حتى في ساعة موتك، اطمئن وثق بي لأني قد غلبت العالم”.

وعد المسيح تلاميذه بالبركة عندما قال لهم “أنا معكم” لم يقل “ساكون معكم” بل “أنا معكم”. كما أرسل الله موسى هكذا أرسل المسيح ورسله بهذا الإسم “أنا”. لأنه هو الذي لن يتغيّر، هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (رؤ1: 8). كان وقتئذ على وشك أن يغادرهم، وهذا ما أحزنهم، لكنه يؤكذ لهم أنه سيكون معهم بالروح، وهذا أنسب لهم من وجوده معهم بالجسد.

قال المسيح “أنا معكم” لا “عليكم”، معكم لأقف بجانبكم، وأمسك بكم كما قيل عن ميخائيل (دا10: 21).

رأى أحد أتباع يسوع المسيح في حلم أثر خطوات شخصين في رمال الصّحراء، فسأل ربه ماذا يعني هذا؟ فأجابه يسوع “كنت أرافقك وأسير معك في قفر الحياة، لقد كنت معك في كل حين”. لكن الحالم لما وصل إلى أحد الأماكن الوعرة والخطيرة المسلك، اختفت أثار أحد المرافقين، إذ لم يعد هناك إلا أثر شخص واحد. استاء من هذا العمل فسأل ربه “لماذا تركتني في أصعب مرحلة من حياتي؟” ابتسم منجيه وقال “لم أتركك بل حملتك على أكتافي، والآثار التي رأيتها إنها خطواتي عندما كنت أحملك.”

هكذا يؤكد لك المخلص مدى امانته لك ولكل الذين يخدمونه ويذهبون نحو الضالين ليقدموا لهم بشرى الخلاص وينجوهم من خطاياهم ومن غضب الدينونة باسم المسيح وقوته.

يفسر المسيح وعده بحضوره معنا، إنه يرافقنا كل الأيام في حياتنا. هو لن ينساك ويتركك ليلاً أو نهاراً لا في برد الشتاء ولا في حر الصيف. يكون معك في حداثتك وفي شبابك وشيخوختك أيضاً، لن يتركك حتى وإن أخطأت، فتعترف مع النبي داود “ترد نفسي، تهديني إلى سبيل البر من أجل إسمك، أيضاً إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شراً، لأنك أنت معي”.

فكل من يسلم نفسه للمسيح ويرتبط به في العهد الجديد يقبله يسوع في أسرته ويكون أميناً له كل أيام حياته.

تكلم المسيح عن انقضاء الدّهر وحذرنا مع المسيح الكذاب الذي سيأتي بعد حروب وزلازل وأوبئة (متى24: 4-14؛ يو2: 22-25، 4: 1-5) فأمر يسوع أتباعه “انظروا حتى لا يضلكم أحد، اثبتوا في وأنا فيكم، فستختبرون أن ليس أحد باستطاعته أن يخطفكم من بين يدي”. سيأتي مخلصنا ثانية عندما تصل الإضطهادات والضيقات ذروتها لينقذ أحباءه من سيطرة الشرير. عند مجيء المسيح الثاني، سينتهي الزمان والمكان، وسيظهر ملكوت السموات في سلطان ملك المجد الذي هو حمل الله المذبوح مع أتباعه المطهرين ليصبحوا أهلاً لأسرة أبيه السّماوي.

تمتاز المأمورية العظمى بكلمة “كل” أو “جميع” التي وردت أربع مرات، فيؤكد لنا حمل الله أنه دفع إليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض، لذلك ينبغي أن تتلمذ جميع الأمم باسم الله كلياً “الآب، الإبن، الروح القدس” ونعلم المعمدين أن يحفظوا كل ما أوصانا به يسوع، ولا نيأس مهما يأتي، لأنه هو معنا كل الأيام إلى انقضاء الدهر. فإن أدركت وحفظت هذه الكلمات “كل، جميع” في خاتمة إنجيل المسيح حسب البشير متى، وتمسكت بها، تعش في سلام.

ودّع المسيح الكنيسة وداعين خطيرين، وفي كل مرة كانت كلمة الوداع مشجعة جداً. المرة الأولى نجدها عندما ختم حديثه الشخصي معهم، وكانت هذه هي كلمة الوداع “ها أنا معكم كل الأيام”، سأترككم ومع ذلك سأبقى معكم. والمرة الثانية نجدها عندما ختم كتابه المقدّس، وهي التي دونها على لسان تلميذه الحبيب “أنا آتي سريعاً”، سأترككم برهة وجيزة لكنني سوف أكون معكم قريباً (رؤ22: 20). من هذا انه لم يتركهم في حالة غضب بل في محبة، وأن إرادته هي أن نحتفظ بشركتنا معه وأن ننتظر مجيئه.

الصلاة:نحبك أيها الرب يسوع المسيح، ونسجد لك لأنك لست بعيداً عنا، بل اخترتنا وقبلتنا وطهرتنا وبررتنا وصالحتنا مع الآب السماوي، ومسحتنا بروحك القدوس، وتقدسنا بمحبة وفرح وسلام وتأنٍ وعفّة، لنسلك معك. نشكرك بانك لا ولن تتركنا، كما تكون مع كل الذين في الإضطهاد لأجل إسمك، انت الأمين وستأتي إلينا عن قريب جداً.

السؤال 277:  هل اختبرت حضور الرب يسوع المسيح معك؟ أكتب لنا شهادة إيمانك حسب إرشاد المسيح لك.

المسابقة الرابعة لإنجيل المسيح

حسب البشير متى

أيها الأخ المحترم، إن تعمّقت في دراسة كلمة الله حسب البشير متى، تستطيع بسهولة أن تجاوب على الأسئلة الموجودة في هذه الصفحة. إن أجبت على 90 بالمئة من الأسئلة الواردة في هذه الصفحة، نرسل لك أحد الكتب كجائزة لبنيان نفسك.

إذا أرسلت لنا أجويتك عن طريق البريد العادي، فلا تنس كتابة إسمك وعنوانك بوضوح على ورقة الأجوبة، وليس على الظرف الخارجي فقط.

الأسئلة

185. ماذا تفهم من نبوة زكريا؟

186. ماذا نتعلّم من دخول المسيح إلى أورشليم؟

187. لماذا طهّر المسيح هيكل الله بعد دخوله لأورشليم؟

188. ما هو الفرق بين الأولاد المرتّلين في الهيكل ورؤساء الكهنة والكتبة المغتاظين؟

189. لماذا لعن يسوع التينة غير المثمرة؟

190. لماذا سأل وفد رؤساء الأمة يسوع عن سلطانه؟

191. لِمَ لم يعلن يسوع سلطانه لوفد المجمع اليهودي؟

192. لماذا كان الولد الأول في مَثَلِ يسوع أفضل من أخيه؟

193. ماذا تعلّمت من مثل الكرامين الأرذياء؟

194. ماذا تعلّمت من مثل حجر الزاوية؟

195. ما هي الغرائب السّبعة التي تكتشفها في عرس ابن الله؟

196. ما الذي يخص الدولة، وما الذي يخص الله؟

197. كيف برهن يسوع للصدوقيين حقيقة الأحياء عند الله؟

198. كيف نستطيع أن نحب الله والناس محبّة حقّة؟

199. كيف استطاع داود القول عن الربين؟

200. لماذا وبّخ يسوع الكتبة والأتقياء في زمنه؟

201. ما معنى “من يرتفع يتضع ومن يتضع يرتفع”؟

202. كيف يمنع المراؤون طالبي الحق من الدخول إلى ملكوت السموات؟

203. لماذا يكون استغلال الدين أمر مكروه عند الرب؟

204. لماذا يؤدي تبشير اليهود إلى خلق أبناء لجهنّم؟

205. كيف غلب المسيح مشكلة الإكثار من الحلف؟

206. لماذا نجد كثيراً من الأتقياء والفقهاء عمي لحالة أنفسهم؟

207. ما هو خطأ المتدينين من شعب العهد القديم في قيامهم بتطهير الكؤوس والصحون أكثر من اللازم؟

208. ماذا تعني القبور المبيضة بالنسبة لرجال الدين؟

209. لماذا دان يسوع أتقياء زمنه؟

210. لماذا يرسل المسيح خدامه إلى علماء شعبه؟

211. ماذا يعلمنا المسيح عن مدينة أورشليم؟

212. ماذا يعني ان المسيح ترك الهيكل نهائياً؟

213. ما هي أبعاد أسئلة التلاميذ بالنسبة للخرايب المستقبلي؟

214. لماذا تجنّب المسيح أسئلة أتباعه عن كيفية وتوقيت مجيئه الثاني؟

215. ما هو اكبر خطر على البشر؟

216. ما هي أسباب الإضطهاد وعواقب خيانة الإخوة في الأيام الأخيرة؟

217. كيف ننتصر على الضيقات في الأيام الأخيرة؟

218. ما هي رجسة الخراب؟

219. من هو المسيح الكذّاب، وماهي صفاته وأعماله؟

220. ماهي علامة مجيء ابن الإنسان؟

221. ماذا أعلن يسوع عن مثل التينة؟

222. كيف سيعود المسيح ثانية إلى دنيانا، وماذا سيحدث مع احبائه؟

223. كيف تستعد عملياً لمجيء ربك يسوع؟

224. لماذا أمرنا المسيح باليقظة والسّهر أثناء الخدمة؟

225. ما هو الفرق بين العذارى الكحيمات والجاهلات؟

226. كيف ننال قوة الروح القدس ونثبت فيه؟

227. لماذا لا تقدر الجاهلات أن تحصلن على بر المسيح وقداسته قبل مجيئه في آخر لحظة؟

228. ماهي مواهبك الخاصة المعطاة لك؟

229. كيف يحاسب الرب عبيده عند مجيئه الثاني؟

230. لِمَ أخذ الرب من العبد الشرير الموهبة التي استودعه إياها وأعطاها للآخر الناجح؟

231. كيف سيظهر ابن الإنسان في يوم الدين؟

232. لماذا لم يتكلم يسوع في الدينونة عن الإيمان بل ركّز على أعمال المحبّة فقط؟

233. لماذا يظهر الصالحون في يوم الحساب بدون خطايا، والأشرار يظهرون أشراراً؟

234. ما معنى الفصح؟

235. لماذا لم يقدر المجمع الأعلى أن يصدر حكماً صائباً ضد المسيح؟

236. ماذا تعني عبارة “الفقراء معكم في كل حين”؟

237. ماذا تعلّمت من استعداد يهوذا ليسلم ربه بمبلغ زهيد؟

238. ما معنى “أيام الفطير” عند اليهود في الماضي والحاضر؟

239. ماذا حدث قبيل رسم فريضة العشاء الرباني؟

240. ما هي المعاني البارزة للعشاء الرباني؟

241. لماذا لم يؤمن بطرس بتحذيرات يسوع؟

242. لماذا حزن يسوع؟

243. لماذا ارتجف يسوع وحزن حتى الموت؟

244. ماذا يعني “الجسد ضعيف أما الروح فقوي”؟

245. ماذا نتعلّم من صلوات المسيح الثلاث المتتابعة في بستان جثسيماني؟

246. لماذا سمى يسوع خائنه “يا صاحب”؟

247. ما معنى تقييد يسوع؟

248. لماذا صمت يسوع أثناء استجوابه أمام المحكمة الدينية؟

249. ماذا تعني شهادة يسوع الباهرة أمام المجلس الديني الأعلى؟

250. ما معنى الجملة الوحيدة التي قالها يسوع أمام المحكمة الدينية؟

251. لماذا أنكر بطرس ربه ثلاث مرات؟

252. ما هو الفرق بين اجتماعات النواب المنعقد مساء، والآخر المنعقد في الصباح؟

253. لماذا شنق يهوذا نفسه، ولم يتب مثل بطرس؟

254. ماذا نتعلّم من موت يهوذا الخاطئ؟

255. ما معنى اعتراف يسوع بأنه الملك الحقيقي؟

256. لماذا عرض بيلاطس كل من برنابا ويسوع على اليهود ليختاروا من سيطلق سراحه؟

257. ما أبعاد عجزر اليهود في تقديم أدلة سياسية ثابتة تدين يسوع؟

258. لماذا حكم بيلاطس على يسوع بالصلب؟

259. لماذا عذبت الكتيبة العسكرية الرومانية المسيح بعنف واستهزاء؟

260. ماذا يعني حمل الصليب في اتباع يسوع؟

261. ما هي الأسباب الرئيسية لصلب الرب يسوع المسيح؟

262. ما هي معاني استهزاء اليهود بيسوع؟

263. ماذا تعني كلمة المسيح الوحيدة التي قالها على الصليب، وذكرها البشير متى؟

264. لماذا لا يستطيع الوازر أن يحمل وزر الآخرين؟

265. ما الدور الذي لعبته النساء في قضيّة صلب المسيح؟

266. ماذا تعلّمت من دفن يسوع؟

267. ما هي أهم الحوادث التي وقعت بعد موت يسوع مباشرة؟

268. لماذا دحرج الملاك الحجر عن قبر يسوع؟

269. ماذا قال الملاك للمرأتين؟

270. ماذا تعلّمت من إلتقاء المسيح بالمرأتين بعد هربهما من القبر الفارغ؟

271. ما هي الكلمات المتضاربة التي قالها رؤساء اليهود لحراس قبر المسيح؟

272. لماذا أرسل المسيح المؤمنين الفاشلين إلى حصاده؟

273. لماذا أمرنا يسوع بالإنطلاق والذهاب؟

274. كم بالمئة من سكان الأرض لم يسمعو الإنجيل بعد، وأين يكمن دورك في هذا؟

275. ماذا تعني معموديتك في الله الآب والإبن والروح القدس؟

276. كم وصيّة من وصايا المسيح تعرف، أتطبقها في حياتك، وتعلمها للآخرين؟

277. هل اختبرت حضور الرب يسوع معك؟ اكتب لنا شهادة إيمانك حسب إرشاد المسيح لك؟

مركز الدراسة: الحياة الفُضلى، مزرعة يشوع- المتن – ص ب 226 – لبنان.

 E-mail: alhayatalfoudla@yahoo.com

أيها القارئ المُجتهد،

نشكر الرب يسوع المقام من بين الأموات، لأجل اهتمامك وتعمّقك في انجيله واجتهادك وصلواتك وخدماتك. نطلب من رب الأرباب أن يباركك في كل طرقك، ويجعلك بركة لكثيرين.

سنكون فرحين إن توصلنا منك بأخبار، ونحن مستعدون أن نجيب على الأسئلة التي تخالجك بخصوص إيمانك.

إلى الأمام باسم الرب يسوع المسيح.                                                   عبد المسيح وزملاؤه

دُفِعَ إِلَيَّ

كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ،

 فَاذْهَبُوا

وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ

 وَعَمِّدُوهُمْ

بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ.

وَعَلِّمُوهُمْ

أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ

وَهَا أَنَا مَعَكُمْ

كُلَّ الأَيَّامِ

إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ

آمِينَ.

(متى28: 18-20)

 

#  إذا اعتبرنا أن يسوع المسيح ولد قبل الميلاد بأربع سنوات أو أكثر، لأن هيرودس الكبير الذي قتل أطفال بيت لحم، مات في السنة الرابعة لقبل الميلاد. ونحن نعلم، حسب الأحداث التاريخية، أن يسوع كان مولوداً قبل موت هيرودس.

الجزء السابع
المرشد إلى شريعة المسيح حسب البشير متى
المقدمة: التبرير بالنعمة وشريعة المسيح
أولا : أركان الإيمان

الله الآب

المسيح هو ابن الإنسان صاحب المعجزات والكفارة العظمى

الروح القدس والملائكة، الشيطان مع أرواحه

كتب وأسفار الوحي

الأنبياء السابقون ورسل المسيح

الاختيار المسبق ومسؤولية الفرد

يوم القيامة والحساب

 ثانيا : أركان الأعمال والنيات

1-العبادات

الطهارة، الصلاة، الصوم والتبرعات

العمل على نشر ملكوت السماوات

      2-المعاملات

الزواج والطلاق، اليتامى، الإرث والمُلك

التجارة، الشهادة، الأيْمان، القروض، الأمانات والربا

الحلال والحرام “قسم المأكولات”.

العقوبات : القصاص والمصالحة.

الخلاصة : الحياة الروحية في إتباع المسيح      

المقدمة: شريعة المسيح والتبرير بالنعمة

إن القارئ لرسائل الرسول بولس يدرك سريعا أن الرب يسوع المسيح برّر أتباعه بالنعمة فقط، بدون التركيز على أعمالهم أو التقيّد والالتزام بشريعة موسى (رو 3: 9-28، 4: 5، 5: 1؛ 2كور5: 1؛ غل 3: 1-13؛ أف 2: 8 واشعيا 53: 5 ). تبقى ذبيحة يسوع الكفارية الأساس المتين لبرّنا أمام الله، ومصالحتنا معه، وتقديسنا في قوته، وذلك  حسب ما يشهد به كاتب الرسالة إلى العبرانيين: “بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين”.( عب 10: 14 ). فموت المسيح النيابي عنا أوجد تبريرنا واستحقاقنا للحياة أمام الله.

من المؤسف أن يُهمل كثيرون من تلاميذ المسيح، بعد إيمانهم بفاديهم، أنه مع تحريرهم من لعنة شريعة موسى وهبهم شريعة الحياة الأبدية في روحه القدوس (رومية 8: 2 ). أعلن يسوع لأتباعه خلاصة نظامه الروحي عندما قال: “وصية جديدة أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضا. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضا بعضكم بعضا(يو 13: 34). بهذه الكلمات وضع المشرِّع الإلهي نفسه مقياساً لشريعته، وهي أن نحب الله والناس في قوة روحه كما أحبنا يسوع أولا وبذّل حياته لأجل أحبائه. إن الروح القدس بذاته الشريعة الجديدة، بالإضافة إلى أنه القوة والإرشاد لأتباع المسيح حتى يتمموا وصيّة المحبّة ( أرميا 23: 7؛ رومية 5: 5). يحفزنـا الروح القدس ويقوينا على درس وحفظ وصايا يسوع، وعددها حوالي 500 وصية التي وردت في أناجيله الأربعة، لنتبع المسيح شاكرين وحامدين، وننكسر يوميا أمامه بإدراك هدف شريعته السامي الذي رفعه شعارا لنا: فكونوا انتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل ( متى 5: 48 ).

نحاول، بإرشاد الروح القدس، أن ننظم ونرتب وصايا المسيح من أوامر ونواهي حسب النظام الشريعي المتداول بيننا، تعقبها سيرة الرب يسوع، كما هي مدوّنة في إنجيله حسب البشير متى،  لنعرف سبيل مخلصنا، ونسلك في أثر خطواته بقوة روحه. من يرغب أن يتعمّق في الآيات التالية، فليقرأ التّفاسير والتأملات المذكورة في هذا الكتاب عن كل آية من آيات الإنجيل الأول.

لم يقصد المسيح أن يثقلنا بشريعته الجديدة أو يديننا بسبب أعمالنا وأخطائنا العلنية بل يريد أن يغير أذهاننا، ويجدد قلوبنا، ويقدّس نوايانا أولا وآخرا . تتكون شريعة المسيح من قسمين رئيسيين: “أركان الإيمان” و“أركان الأعمال” اللذين يكونان معا دستور ملكوت السمـاوات، والذي يستحيل فصل أحدهما عن الآخر، لأن الإيمان هو مصدر الأعمال. هيّأ المسيح أمام أتباعه الصراط الروحي المستقيم أمامهم، إنه طريق ضيِّق وقليلون يجيدونه ( متى 7: 14 ) . فلنعش نحن أيضا كما عاش يسوع. لا يوجد سبيل أفضل للحياة الأبدية من شريعة المسيح الجديدة .

الأسئلة:

        1: كيف تتعلق أركان الإيمان بأركان الأعمال في شريعة المسيح ؟

        2: هل يتبرر الإنسان بالأعمال أو بالإيمان ؟ ولماذا ؟

        3: لماذا يكون المسيح بذاته مقياسنا وشريعتنا ؟

        4: ماذا يكون ويفعل الروح القدس في شريعة العهد الجديد ؟

        5: ما هو هدف شريعة المسيح حسب البشير متى ؟

        6: لماذا لم يثقل المسيح علينا بواسطة وصايا شريعته ؟

        7: ما هي الأقسام السبعة الرئيسية لأركان الإيمان في هذا الكتاب ؟

أولاً: أركان الإيمان

الله

أولاً: الخالق القدير، الرب العظيم والدّيان الأزلي.

جاء ذكر اسم الله في كلمات المسيح حوالي 27 مرّة في إنجيله حسب البشير متى. إن الآيات التي تحتها خط تشير إلى أوامر المسيح الواضحة والمعلنة بشكل صريح، أما بقيّة الآيات الأخرى، والتي لا يوجد تحتها خط، فهي تشير إلى أوامر غير مباشرة، أو بالأحرى تُفهم ضمنياً. أما الآيات الموجودة بين قوسين، فهي تشير إلى المقاطع التي ذكر فيها إسم الله في إنجيل المسيح حسب البشير متى لكن على لسان أشخاص آخرين.

(1 : 23 )                                15 : 3، 4،(6)

( 2: 12 )                                ( 16: 16، 22 )

( 3: 9 )                                  19: 6، 26

( 4: 3، 6 )                              21: 43 

4: 7، 10                               22: (16)، 21 (2×) ، 29،

5: 8 ، 33 – 34                                     31-32 (5×) ،37-38

6: 24 ، 30، 33                     23: 22                

( 8: 29 )                              26 :(63)، 64،(65)

( 9: 3 ، 8 )                           27:(40،43)،46(2 x)،54

( 14: 33 )            

الأسئلة:

        8:  كم مرة ترد كلمة الله في الإنجيل حسب متى وكم مرة استخدم  

             المسيح هذا الاسم في أقواله حسب هذا الإنجيل؟

        9:   ما هي صفات الله الرئيسية في الإنجيل حسب متى؟

        10: ما هي أهم وصية بالنسبة إلى الله في هذا الإنجيل؟

ثانيا: الله الآب وأبوته

ورد اسم الله الآب على لسان المسيح في الإنجيل حسب البشير متى 37 مرة، تشير الآيات التي تحتها خط إلى الأوامر الواضحة والمعلنة بشكل صريح لشريعته، أما بقيّة الآيات الأخرى، والتي لا يوجد تحتها خط، فهي تشير إلى أوامر غير مباشرة والتي تفهم ضمنياً بصفة غير مباشرة.

5: 16 ،45،48                                16: 17،27

6: 1،4،6(2×)،8،9-13،14                      18: 10،14،19،35                      

    15،17-18(2×)،25-26                      20: 23

    28-31،32،34                           23: 9

10: 20 ، 28-32،33                       24: 36                  

12: 49-50                                    26: 32، 42                

13: 43 ؛ 15 : 13                           28: 19

الأسئلة:

        11: كم مرة سمّى المسيح الله أبا في إنجيله حسب متى ؟

        12: لماذا استخدم المسيح اسم الآب أكثر من اسم الله؟

        13: ماذا يعني اسم الآب لأتباع المسيح شخصيا؟

        14: لماذا لا نصلي باسم الله بل نخاطبه أبانا الذي في السماوات مباشرةً؟

        15: كم مرة ربط المسيح في آياته اسم الآب بوصية أو أمر؟

المسيح

يرد اسم ” يسوع “في الإنجيل حسب البشير متى 110 مرة (متى1: 21)، ويرد لقب

” المسيح “ 18 مرة (متى12: 18)، أما الميزة الخاصة ليسوع المسيح حسب متى فهي اللقب ” إبن الإنسان “ الذي يرجع إلى النبوة في سفر دانيال 7: 13-14.

أولا: يسوع هو “ابن الإنسان” 

ورد لقب “ابن الإنسان” ليسوع 30 مرة في الإنجيل حسب البشير متى

  8: 20                     ليس له بيت ولا سرير                     

9: 6                        له سلطان على مغفرة الخطايا

10: 23                   يأتي ثانية قبل نهاية التبشير بين شعبه

11: 19                   إنه يأكل ويشرب كسائر الناس

12: 8 ،32،40          له حق أن يشفي في يوم السبت (مع آية يونان)

13: 37،41                     التفسير بأمثال عن مملكة ابن الإنسان 

16: 13،27،28        يأتي ثانية بمجد أبيه

17: 9،12،22          ينبغي أن يتألم ويموت ويقوم في اليوم الثالث

18: 11                   جاء ليخلص ما قد هلك

19: 28                   سيجلس على عرش مجده

20: 18،28                     الإعلان التفصيلي عن آلامه وموته وقيامته

24: 27،30،37        علامة ابن الإنسان في مجيئه الثاني

24: 39،44              كونوا مستعدين للقائه

25: 13،31                      ابن الإنسان سيدين الشعوب حسب أعمالها

26: 2،24،45،64     شهادته النهائية عن نفسه أمام المحكمة الدّينية

الأسئلة:

        16: كم مرة نقرأ اسم يسوع في الإنجيل الأول؟ وماذا يعني هذا الاسم 

              الفريد؟  

        17: كم مرة نقرأ لقب المسيح في الإنجيل حسب متى؟ وماذا تعني النبوة   

              المذكورة عنه في متى 12: 13؟

        18: كم مرة نجد لقب  ابن الإنسان عن يسوع في الإنجيل الأول؟

        19:  لماذا عرّف يسوع على نفسه بهذا اللقب الغريب؟

        20: كم آية من الآيات المتعلقة بابن الإنسان تدلّ على تواضع يسوع؟

              وكم آية تدل على مجده العظيم؟

ثانيا: معجزات المسيح

 المدوّنة في إنجيله حسب البشير متى

1- معجزات الشفاء واخراج الأرواح النّجسة ( 12 معجزة )

8: 1-4                  شفاء الأبرص النجس

8: 5-13                شفاء غلام قائد المائة الروماني من بعيد

8: 14-15                      شفاء حماة بطرس

8: 28-34                      إخراج الأبالسة من ملبوسين في منطقة الجراسيين            

9: 1-8                  غفران وشفاء المفلوج        

9: 18-26                      شفاء امرأة نازفة الدم بلمس ثوبه

9: 27-31                      فتح أعين المكفوفين

9: 32-33                      إخراج الأرواح من أخرس

12: 9-13                      شفاء اليد اليابسة في يوم السبت

15: 21-28            شفاء بنت امرأة كنعانية من الجنون

17: 14-20            إخراج الأرواح من الفتى المصروع

20: 29-34            فتح أعين المكفوفين في أريحا

  • إقامة ميتة

9: 18-26               إحياء بنت رئيس المجمع في كفرناحوم

3- الإنتصار على قوى الطبيعة (ذكرت 7 مرات ).

8: 23-27                      هدوء العاصفة  

14: 13-21            إشباع 5000 رجل ما عدا النساء والأولاد               بخمسة أرغفة وسمكتين

14: 22-33            مشى يسوع وبطرس على سطح البحر

15: 32-39            إشباع 4000 رجل ما عدا النساء والأولاد                  من سبعة أرغفة وسمك

17: 24-27            دفع جزية الهيكل بعد إخراجها من فم السمكة

21: 18-22            التينة التي يبست على الفور

27: 51-54            انفتاح القبور وخروج القديسين أثناء موت المسيح     

                            وقيامته

( يبلغ عدد معجزات المسيح المذكورة في إنجيله حسب متى عشرين معجزة فقط كنخبة من معجزاته العديدة التي لا تحصى ).

4– وصف شامل لمعجزات المسيح ( 5 مرات).

4: 23-25؛ 8: 16-17؛11: 1-6؛14: 34-36؛15: 29-31

شفى يسوع جميع المرضى الذين أحضروهم إليه، لأنه كان أقوى من كل الأمراض والأبالسة، بل انتصر على الموت إذ حمل آلامنا وخطايانا وقصاصنا. فذبيحة نفسه وكفّارته تشفينا وتقدِّسنا ( اشعيا 53: 4-8 ؛ 61: 1 )

5- المسيح هو آية الله

1: 18،22-25          ولادته بالروح القدس من مريم العذراء

9: 21و14: 36          خروج قوة من جسد المسيح بلمس ثوبه

17: 1-8                  التجلي على جبل حرمون

28: 9                      ظهورات المسيح بعد قيامته من بين الأموات

6- المسيح يأمر تلاميذه أن يتابعوا خدماته ومعجزاته.

10: 8؛ 16: 19؛ 17: 19-21؛ 18: 18-20

7- المسيح لم يجر عجائب كثيرة في الناصرة

        وذلك لقلة إيمان أهلها.   (13: 58)

8- آية يونان هي المعجزة الوحيدة للكفار.

12: 38-40 ؛ 16: 1-4

9- دعوة يسوع للمساكين والمرضى أن يأتوا إليه.

 9: 9-13 ؛ 11: 28-30  ؛16: 24-26  ؛19: 16-20

10- تحليل لمعجزات المسيح

  • الإيمان بالمسيح ومحبته تخلق الثقة التي تعمل كهمزة وصل لسلطان المسيح،   فبدون الإيمان والاعتراف بالخطايا تفشل الشفاءات والمعجزات.
  • استخدم الرب يسوع أوامر وكلمات قصيرة وواضحة، لإجراء معجزاته في

 طالبي الشفاء.

       8: 3،13،26،32

9: 6،22،29،30

12: 13 ؛14 :16-18،29

15: 28؛17: 17،18،27؛21: 19

  • ندرك عظمة المسيح من معجزاته ، لأنها تبين إرساليته وسلطانه (11: 1-6) . إن معجزاته هي بداية لخليقة جديدة وحلول ملكوته السماوي على الأرض . تكمن سرّ معجزات المسيح في محبته وحنانه على المساكين . تمت مشيئة الآب السماوي بواسطة طاعة إيمانه، فأتى ملكوت السماوات بواسطته ، فهو الملك القدير، ومنبع القوى السماوية  (14: 36) له الحق والقدرة على المغفرة والشفاء، وذلك لأنه بذل نفسه كفّارة عن كل الخطاة. ( 9: 1-8 ؛ أشعيا 53: 4-12)

الأسئلة:

        21: كم معجزة من الشفاءات يذكرها متى؟ وماذا يقصد من ذكرها؟

        22: ماذا يعني إحياء البنت الميتة في كفرناحوم؟

        23: ما هي المعجزات البارزة التي غلب يسوع فيها القوى والأنظمة

             الطبيعية ؟ وماذا تستنتج منها؟

        24: لماذا يكون المسيح بذاته آية الله الفريدة؟

        25: ما هي الأسرار في معجزات المسيح؟

ثالثا: طريق المسيح للكفارة عن الخطاة .

1: 18-23               ولادة يسوع في إسطبل تشير إلى رفضه منذ طفولته.

2: 2-11                  المجوس يقدمون ذهبا، لبانا ومرا .

3: 13-17               معمودية يسوع لإتمام كل البر.

4: 1-11                  تجربة المسيح لإنشاء الخلاص بدون الصليب.

12: 14                   التشاور الأول لقتل يسوع بسبب الشفاء في يوم السبت.

12: 46-50             عائلة يسوع الخاصة تعارض خدماته ( 13: 45-58)

16: 21-23             الإعلان الأول لآلام المسيح وموته وقيامته

17: 1-7                  تجلي يسوع إعدادا لطريقة موته

17: 13                   كما تألم يوحنا المعمدان في روح إيليا هكذا سيموت                المسيح أيضا

17: 22-23             الإعلان الثالث لآلام المسيح وموته وقيامته

18: 11                   ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك

20: 17-19             الإعلان الرابع لآلام المسيح وموته وقيامته بالتفاصيل

20: 22-23             إشارة المسيح إلى شربه كأس غضب الله عوضا عنا

20: 28                   لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين

21: 1-11               دخول يسوع إلى أورشليم على حمار ليموت علانية عنا.

21: 37-59             مثل الكرّامين الذين قتلوا ابن صاحب الكرم

22: 1-14               مثل الدعوة إلى عرس ابن الملك: “كل شيء معدّ”

26: 1-4                  الإعلان الخامس لموت يسوع وقرار الرؤساء على قتله

26: 6-13               مسح يسوع بالدهن الطيب تكفينا لموته القريب

26: 17-30             العشاء الرباني يرمز إلى ذبح حمل الله عن الكثيرين

26: 31-35             تنبؤ المسيح بإنكار بطرس

26: 36-46             تسليم المسيح لمشيئة أبيه في جثسيماني

26: 57-68             شهادة يسوع الرسمية أمام المحكمة الدينية

27: 11-26             يسوع أمام الحاكم الروماني في المحكمة المدنيّة وصلبه

27: 57-66             دفن جثته في قبر منحوت وختمه رسميا

28: 5-10               قيامة المسيح من بين الأموات لتبريرنا، وظهوره للمؤمنات

الأسئلة:

        26: كم مرة أعلن يسوع آلامه وموته وقيامته مسبقا؟ وماذا يعني هذا 

             العِلم المسبق؟

        27: ما هي المبادئ الجذرية التي أعلنها يسوع في متى 20: 28؟

        28: ماذا أكّد الرب يسوع لأتباعه في العشاء الرباني(متى 26: 26-30)؟

       29: كيف أخضع يسوع نفسه كليا لمشيئة أبيه في جثسيماني؟

        30: كيف نظم يسوع شهادته النهائية أمام المجلس الأعلى مستخدما

             عددين من العهد القديم؟ وماذا تعني هذه الشهادة؟

        31: ما هو الفرق بين الاتهام على يسوع أمام المحكمة الدينية والاتهام عليه     

             أمام المحكمة المدنية؟

        32: ما هي الأدلة التاريخية على موت يسوع مصلوبا في الإنجيل حسب متى؟

        33: ماذا يعني دفن جثة يسوع وختم قبره ؟

        34: ماذا أعلن الملاك للنساء في القبر الفارغ يوم الأحد؟

رابعا: بنوة المسيح لله

إن المتعمق في الإنجيل حسب البشير متى، يستغرب من أقوال يسوع، إذ لم يشهد واضحا عن نفسه بأنه ابن الله , إنما نقرأ أن الله هو من أوحى بهذه الحقيقة، واكتشفها إبليس وأرواحه، وآمن بها تلاميذ يسوع، واستهزأ منها أعداؤه، فبنوة يسوع لله هي بالإيمان وليست بالبرهان.

ولد يسوع بروح الله من مريم العذارء. من يرغب أن يفهم هذا السرّ العظيم فليطلب من رب الحي حلول روحه القدوس في ذهنه وقلبه، ليستنير ويدرك حقيقة المسيح الروحية .و الدلائل الواردة في الإنجيل حسب متى فهي واضحة:

وحي الله مرتين3: 17؛ 17: 5
مكر إبليس مرتين        4: 3،6
خوف الأبالسة8: 29
فزع التلاميذ             14: 33
شهادة بطرس16: 16
إثبات يسوع             11: 27؛ 22: 45؛ 24: 36
استجواب قيافا         26: 63
شهادة يسوع النهائية    26: 64
الاستهزاء بالمصلوب 27: 40،43
إيمان القائد الروماني       27: 54
المأمورية العظمى         28: 19

الأسئلة:

        35: ماذا تعني ولادة المسيح بالروح القدس من مريم العذراء بالنسبة لبنوته لله؟

        36: من هم الذين تكلموا في الإنجيل حسب متى عن بنوة يسوع لله؟

        37: ما هي المعاني لشهادة  بطرس الفاصلة ( متى 16: 16) ؟

        38: من يقدر أن يمنع الله أن يعلن بأن يسوع هو ابنه الحبيب؟

الروح القدس

في إنجيل المسيح حسب إنجيل متى

1: 18-23               ولادة المسيح بالروح القدس من مريم العذراء

3: 11                      إعلان المعمدان أن يسوع سيعمد بالروح القدس

3: 16-17               ظهور الروح القدس بعد معمودية المسيح في نهر الأردن

4: 1-11                  الروح القدس يقود المسيح لينتصر على إبليس في تجربته

5: 3                        طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات

6: 22                      العين نور الجسد

10: 19-20             روح أبيكم السماوي يوحي لكم بالأجوبة أثناء المحاكمة

11: 26-27             سر الوحي بالهام الروح القدس

12: 18-21             عبد الرب هو الممسوح بالروح الإلهي

12: 22                   المسيح يخرج الشياطين بروح الله

12: 31-32             الخطيئة التي لن تغفر هي الخطية ضدّ الروح القدس

18: 20                   حيث يجتمع اثنان أو ثلاثة هناك أكون في وسطهم

25: 1-13               مثل العذارى الحكيمات والجاهلات: يرمز الزيت إلى                  الروح القدس في كلمة الله           

28: 18-20             دُفِعَ إليّ كُلّ سلطان …فعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد.

كان يسوع متحفظا أن يعلن أسرار الروح القدس، رغم انه مولود من روح الله وممتلئ بقوته . لم يشهد البشير متى كثيرا عن الروح الإلهي رغم انه كان بين الذين امتلئوا من الروح القدس في يوم الخمسين، فيرجع تحفظهما إلى رغبتهما على عدم إدخال أحد من رافضي يسوع إلى التجربة مما يؤدي إلى خطر رفض الروح القدس أيضا، فكل من يرفض أبوة الله وبنوة يسوع له باستمرار، لا يقدر أن ينال هبة الروح القدس.تعترف الكنيسة رسميا أن الروح الإلهي هو إله حق من اله حق، ونور من نور، وجوهر الله بالذات، فليس الروح القدس مخلوقا، بل هو الروح الأزلي الذي في الله نفسه . لا نقرأ هذا الاعتراف واضحا  في الإنجيل حسب متى، لان الروح القدس لم ينسكب بعد على كل ذي بشر في الوقت الذي عاش فيه المسيح بيننا. أما يسوع فهو الروح القدس المتجسد والمتجول بيننا. فمن يريد أن يعرف جوهر روح الله فلينظر إلى المولود من هذا الروح، إذ هو الذي يعمّد بهذا الروح من يتوب ويطلب حلول موعد الآب في نفسه وفي أصدقائه (أع 1: 4 – 5، 8).

الأسئلة:

        39: لماذا ظهر الروح القدس بعد معمودية يسوع في نهر الاردن في هيئة حمامة

              متمركزة على يسوع؟

        40: لماذا يصبح كل مولود ثانية من الروح القدس أحد المساكين بالروح؟

              وما هو الموعد الخاص لهم؟

        41: في أية مناسبة ينال أتباع المسيح وحيا مباشرا من روح الآب؟

        42: كيف أخرج المسيح الأرواح النجسة من الملبوسين؟

        43: ما هي الخطيئة ضد الروح القدس؟ وما هي نتائجها؟

        44: من هو الذي يعمّد بالروح القدس التائبين ؟

ملائكة الله

هم خدام المسيح والكنيسة، وذلك حسب الإنجيل من البشير متى :

4: 6-7                    مزمور 91 : 11-12 عن حماية الملائكة

4: 11                      خدمة الملائكة ليسوع بعد ما صام 40 نهارا و40 ليلا

13: 37-42             الملائكة هم الحصادون في يوم الدين

13: 49-50             الملائكة تفصل بين الأشرار والصالحين

16: 27                   مجيء المسيح في مجد أبيه مع ملائكته

18: 10                   تنظر الملائكة التي تحرس الصغار وجه أبيهم السماوي        

22: 30                   في القيامة لا يتزوجون بل سيكونون مثل ملائكة الله

24: 35-36             إن الملائكة لا تعرف ساعة القيامة

25: 31-32             سيأتي ابن الإنسان في مجده وجميع ملائكة القديسين معه

26: 35                   لو طلب المسيح من أبيه السماوي لأرسل إليه أكثر من

12 جيشا من الملائكة

28: 2-7                  أعلن ملاك الرب في قبر يسوع أن المصلوب قام من بين

الأموات. وكان منظر الملاك كالبرق ولباسه ابيض كالثلج

الأسئلة:

        45: ما هي الوظائف المختلفة لملائكة الله في الماضي والحاضر؟

        46: ما هو جوهرهم ومنظر ظهورهم في الإنجيل حسب متى؟

        47: ما هي ميزة الملائكة في يوم القيامة؟

الشيطان وأرواحه

نقرا في الإنجيل حسب البشير متى، الآيات التالية عن عدو الله واتباعه:

2: 16                      كان الملك هيرودس ضد المسيح وحاول قتله

4: 1-11                  انتصر يسوع على المجرب، ومنحه آخر فرصة للتوبة

4: 24                      يحرر المسيح الملبوسين من أرواحهم النجسة

6: 13                      نجّنا من الشرير

6: 22-23               العين الظالمة تُظهر الروح الظالم في الإنسان

7: 21-23               يرفض الرب يسوع بعض الذين أخرجوا الشياطين باسمه

8: 16-17               إخراج المسيح لكثير من الشياطين

8: 28-34               طلب الأرواح من المسيح الحلول في الخنازير

9: 32-34               شفاء المسيح لأخرس مجنون وتحريره من أرواحه

10: 1                      المسيح يمنح سلطاناً لرسله على طرد الأرواح النجسة

10: 8                      أمر يسوع رسله أن يُخرجوا الأبالسة من المجانين

10: 22-26             اتهام يسوع بأنه يخرج شياطين بمساعدة رئسهم

11: 18                   اتهام  المعمدان أنه ملبوس

12: 22-32             يسوع يكشف النظام الداخلي للشياطين والانتصار عليهم

12: 34-47             رجوع الأرواح إلى المتحررمنها، إن لم يمتلئ بروح الله

13: 38-45             إبليس وهو عدو الله يزرع الأشرار في العالم

15: 19                   من القلب تخرج أفكار شريرة

15: 22-28             شفاء يسوع للبنت المجنونة

16: 18                   أبواب الجحيم لن تقوى على كنيسة المسيح

16: 23                   المسيح يصف بطرس بالشيطان بسبب نصيحته الدنيوية

17: 18-21             أنواع من الأرواح لا تخرج إلا بالصلاة والصوم

21: 41                   الأردياء يهلكهم الله هلاكا ردياً

23: 15                   يجعل الكتبة المراءون المهتدين أبناء للجحيم

23: 27                   يشبه المراءون قبوراً مبيضة مشحونة رياء وإثما

23: 33                   أيها الحيات وأولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة  

                              جهنم

25: 41                    اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس

وملائكته

26: 15                   ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟

27: 39-46             الاستهزاء بالمصلوب وحلول الظلمة على كل الأرض.

الأسئلة:

        48: كيف انتصر يسوع على تجارب إبليس في البرية؟

        49: كيف لخص المسيح أسماء الشيطان وصفاته في لقب واحد في الصلاة

              الربانية؟

      50 : كم مرة يذكر الإنجيل حسب متى إخراج الأرواح والشياطين من المجانين                       

             على يد يسوع؟

        51: لماذا أمر المسيح رسله أن يخرجوا أيضا الأرواح النجسة من الملبوسين؟

        52: كيف يمكن أن الأبالسة يرجعون مع زيادة أرواح نجسة بعد إخراجهم من

              المتحررين؟ ولماذا؟

        53: ما هو الوعد العظيم لدوام كنيسة المسيح وحفظها من قدرة الشرير؟

        54: لماذا سمى المسيح بطرس شيطانا؟

       55: ما هو حكم المسيح النهائي على الشيطان وملائكته

             (متى 25: 41، 46)؟ 

السماء والأرض تزولان ولكن كلامي لا يزول متى 24: 35

كُتب وأسفار الوحي

الواردة في إنجيل المسيح حسب البشير متى

يجد القارئ للإنجيل حسب متى، أن يسوع أراد أن يخلص شعبه من خطاياهم حسب معنى اسمه (متى 1: 21)، لذلك استخدم يسوع ومتى شواهد كثيرة من أسفار العهد القديم ليبرهن إرساليته من الله أبيه، فمن يريد أن يفهم بشارة المسيح في إنجيله حسب متى ينبغي أن يدرس أيضا أسفار العهد القديم.

أولا: جدول الشواهد المقتبسة من نصوص العهد القديم

تكوين 35: 19=2: 17-18 2صموئيل 7: 12-29=1:1
ارميا 31: 5=  1 أخبار 17: 11= 
خروج 4: 19=2: 20 تكوين 22: 15-18= 
أيوب 31: 1=  تكوين 21: 3و12   =1: 2
اشعياء 11: 1=2: 23  تكوين 25و26= 
قضاة 13: 5=  تكوين 29: 35= 
اشعياء 40: 3=3: 3 تكوين 49: 10= 
2ملوك 1: 18=3: 4 تكوين 38: 29-30=1: 3-5
اشعياء 11: 2=3: 16 يشوع 2: 1= 
اشعياء 42: 1=3: 17 راعوث 4: 13-22= 
تكوين 3: 1=4: 1 2 صموئيل 12: 24=1: 6
خروج 34: 28=4: 2 1أخبار 3: 10-16=1: 7-11
1ملوك 19: 8=  2ملوك 25: 7و11و21= 
تثنيه 8: 3=4: 4 1أخبار 3: 17=1: 12
مزمور 91: 11 –12=4: 6 عزرا 3: 2= 
تثنيه 6: 16=4: 7 سلسلة نسب يسوع=1: 1-17
تثنيه 6: 13=4: 10 مزمور 130: 8=1: 21
اشعياء 8: 23=4: 14- 16 اشعياء 7: 14=1: 22-23
اشعياء 9: 1=  عدد 24: 17=2: 2
اشعياء 57: 15=5: 3 ميخا 5: 1=2: 5
مزمور 126 : 5=5: 4 عدد 24: 17=2: 7
مزمور 37: 11=5: 9 مزمور 72: 10و11و15=2: 11
مزمور 24: 3-5=5: 8 اشعياء 60: 6= 
مزمور 51: 12 – 13=  قضاة 2: 1=2: 13
الأنبياء بصفة عامة=5: 12 هوشع 11: 1=2: 15
لاويين 14: 2-32=8: 4 تثنيه 4: 2=5: 17-19
اشعياء 53: 4=8: 16-17 أمثال 30 : 5 – 6= 
مزمور 89: 10=8: 26 مزمور 119: 89= 
خروج 34: 6-7=9: 2 إرميا 1: 12-13= 
مزمور 103: 3=  تثنيه 20: 13=5: 21
حزقيال 34: 16=9: 12 تثنيه 21: 12= 
هوشع 6:6=9: 13 خروج 20: 14=5: 27
1صموئيل 15: 22=  2صموئيل 11: 12=5: 28
1ملوك 22: 17=9: 36 أيوب 31: 1= 
حزقيال 34: 5=  تثنية 24: 1=5: 31
عدد 18: 31=10: 10 لاويين 19: 12=5: 33-35
تكوين 19: 1-29=10: 15 عدد 30: 3= 
خروج 4: 12=10: 19 مزمور 84: 3= 
ميخا 7: 6=10: 21-34 اشعياء 66: 1= 
تثنية 13: 7-12=10: 37 خروج 21: 24=5: 38
تثنية 33: 9=  مراثي 3: 30= 
1ملوك 17: 8-24=10: 41 لاويين 19: 18=5: 43
اشعياء 35: 5=11: 5 تكوين 1: 27=5: 48
اشعياء 61: 1=  لاويين 19: 2= 
ملاخي 3: 1=11: 9-10 اشعياء 1: 15=6: 7
ملاخي 3: 23=11: 13-14 حزقيال 13: 23=6: 9
يونان 3: 6=11: 21 اشعياء 58: 5-6 =6: 16
اشعياء 14: 13-15=11: 20-24 1ملوك 10 =6: 29
اشعياء 29: 14=11: 25 1ملوك 3: 13-14=6: 33
اشعياء 28: 12=11: 29 خروج 37: 4 – 25= 
تثنيه 23: 26=12: 1-2 مزمور 37: 4و 25= 
خروج 20: 10=  خروج 16: 19=6: 34
1صموئيل 21: 7=12: 3 خروج 23: 4-5=7: 2
لاويين 24: 9=12 :4-6 اشعياء 33: 1=7: 12
هوشع 6: 6      مقتبسة للمرة الثانية=12: 7  كل الأنبياء=7: 15-20
نحميا 5: 5=18: 25 اشعياء 42: 1-4=12: 17-21
تكوين 2: 24و 27=19: 4-6 اشعياء 49: 24=12: 29
تثنية 24: 1=19: 7-8 يونان 2: 1و5=12: 39-41
خروج 20: 12-16=19: 18-19 1ملوك 10: 1-10=12: 42
اللاويين 19: 18=  أمثال 9: 9=13: 12
مزمور 62: 11=19: 22 تثنيه 29: 3=13: 13
أيوب 42: 2=19: 26 اشعياء 6: 9-10=13: 14-15
ابن داود=20: 30-31 كل الأنبياء عامة=13: 17
 زكريا 9: 9   =21: 4 حزقيال 17: 23=13: 32
2ملوك 9: 13=21: 8 مزمور 78: 2=13: 35
مزمور 118: 25-26=21: 9 دانيال 12: 3=13: 43
اعتبار يسوع نبياً=21: 11 كل الأنبياء عامة=13: 57
  اشعياء 56: 7=21: 13 خروج 20: 14=14: 4
ارميا 7: 11=  اعتبار يوحنا نبياً=14: 5
ابن داود=21: 15 2ملوك 4: 44=14: 20
مزمور 8: 3=21: 16 خروج 20: 12=15: 3-4
اعتبار يوحنا المعمدان نبياً=21: 26 خروج 21: 17= 
اشعياء 5: 1-2=21: 33 أمثال 28: 24=15: 5-6
اعتبار يسوع نبياً=21: 46 اشعياء 29: 13=15: 7-9
تثنية 25: 5-6=22: 24 تكوين 8: 21=15: 19
خروج 3،6=22: 31 مزمور 51: 12= 
تثنية 6: 5=22: 36-40 ارميا 17: 9= 
لاويين 19: 18 وردت لثاني مرة=  تثنية 18: 15و18=16: 14
2صموئيل 7: 12-14=22: 42-46 مزمور 49: 9=16: 26
مزمور 110: 1=  موسى وإيليا=17: 3-4
اشعياء 11: 1=  خروج 30: 13=17: 24
ملاخي 2: 7-8=23: 2 2ملوك 12: 5-6= 
عدد 15: 38-39=23: 5 لاويين 19: 17=18: 15-16
أيوب 22: 29=23: 12 تثنية 19: 5= 
أمثال 29: 23=  تكوين 4: 24=18: 22
خروج 24: 8=26: 27-28 حزقيال 21: 31=23: 12
ارميا 31: 31=  لاويين 27: 30=23: 23
مزمور 113-118=26: 30 ميخا 6: 8= 
زكريا 13: 17=26: 31 الإهتمام بالشريعة ككل=23: 28
تكوين 9: 6=26: 52 تكوين 4، 8=23: 29-35
مزمور 110: 1=26: 64 2 اخبار 24: 20-21= 
دانيال 7: 13=  ارميا 26: 20-23= 
لاويين 24: 16=26: 65-66 ارميا 22: 5=23: 37-38
اشعياء 50: 6=26: 67 مزمور 69: 26= 
تثنية 23: 19=27: 6 الأنبياء الكذبة=24: 11
ارميا 32: 9=27: 9-10 دانيال 9: 27؛ 11: 31=24: 15
زكريا 11: 12-13=  دانيال 12: 1=24: 21
اشعياء 53: 7=27: 12 تثنية 13: 2-4=24: 24
تثنية 21: 6=17: 24 اشعياء 13: 10=24: 29
اشعياء 50: 6=27: 30 دانيال 7: 13-14=24: 30
مزمور 69: 22=27: 34 اشعياء 51: 6=24: 35
اشعياء 53: 12=27: 38 تكوين 6: 9إلى 7: 23=24: 37-39
مزمور 22: 8=27: 39 امثال 11: 24-25=25: 29
مزمور 22: 9=27: 43 اشعياء 58: 7=25: 35-36
حكمة 2: 13، 16-20=  حزقيال25: 33و 34: 17= 
مزمور 22: 2=27: 46 أمثال 19: 7=25: 40
مزمور 69: 22=27: 48 خروج 12: 1-20=26: 2
خروج 26: 31-33=27: 51 تثنية 15: 11=26: 11
2 أخبار 3: 14=  زكريا 11: 12=26: 15
تثنية 21: 22-23=27: 57-58 خروج 12: 18-20=26: 17

الشواهد التي تحتها خط، تشير إلى أنها مقتبسة حرفياً من العهد القديم، والباقي مقتبس معنوياً.

الأسئلة: 56: لماذا استخدم يسوع ومتى وعودا من العهد القديم في الإنجيل الأول؟

         57: كم آية من أسفار العهد القديم اقتبسها يسوع ومتى حرفيا، وكم 

               واحد معنوية؟

ثانيا : تحليل جدول الشواهد من العهد القديم

نقرأ في إنجيل المسيح حسب متى حوالي 200 آية متأصلة في العهد القديم، نجد من هذه النصوص خمسين مقتبسة حرفيا، وبهذه الحقيقة يسرد لنا الإنجيل أهم كتب وأسفار العهد القديم، والتي احتلت مكانة هامة بين اليهود.

اقتبس البشير متى من التوراة (الكتب الخمسة الأولى) ثُلثا من كل هذه الآيات، منها ست عشرة مقتبسة حرفياً. تجد عددها الكلي في الجدول الأول ولكن في الجدول الثاني الآيات المقتبسة حرفيا.

تكوين  18 : 1

خروج  18 : 5

لاويين  9   :  3

عدد    5   :  1

تثنية    18 : 6

        68 : 16

اقتبس البشير متى من الأسفار التاريخية 14 آية بطريقة معنوية.

يشوع  1؛ قضاة 2؛ راعوث 1؛ صمويل الأول 2؛ صمويل الثاني 4؛

 ملوك الأول 6؛ ملوك الثاني 6؛ اخبارالايام الثاني 2؛ عزار 1؛ نحميا1.

اقتبس الإنجيل حسب متى من الأسفار التعليمية والشعرية 40 آية، منها ست آيات حرفيا

أيوب    3 : 0

مزمور 30 : 6 ( تُظهر لنا هذه القائمة أن للمزامير دورا مهماً أكثر من الكتب الأخرى من

     أسفار العهد القديم )

أمثال   6 : 0                  

الحكمة  1 : 0

40 :  6

اقتبس البشير متى من أسفار الأنبياء حوالي ثُلث الآيات المقتبسة من العهد القديم. ومنها 24 آية حرفياً، وهي تعلن عن عظمة المسيح وخدمته.

اشعيا28: 8
ارميا ومراثيه        8: 3
حزقيال6: 0
دانيال4: 3
هوشع3:3
يونان3: 0
ميخا3: 1
زكريا4: 4
ملاخي3: 2
المجموع:34: 16

تخبرنا هذه القائمة أن يسوع كان مطلعا على التوراة والمزامير والأنبياء، وكان يحفظ عن غيب كثيرا من الآيات. أما أهم أسفار الأنبياء عنده فكان سفر إشعياء، إذ وجد في أقواله أكثرية النبوات الدالة على مجيئه الأول والثاني.

تخبرنا هذه الجداول بنفس الوقت، أن إنجيل المسيح بحسب متى أكدت مصداقية العهد القديم، من التوارة والمزامير والأنبياء، وتمّ استخدامها لتوضيح وتثبيت المعاني في العهد الجديد.

الأسئلة:

        58: كم آية من أسفار التوراة أثرت على إنجيل المسيح حسب متى؟

        59: كم آية من المزامير ظهرت في الإنجيل الأول؟

        60: أي سفر من أسفار الأنبياء تلقى أقوى صدى في الإنجيل حسب متى؟

ثالثا: ضمان المسيح لعصمة الكتاب المقدس

نقرأ في العهد الجديد، أن الرب يسوع أكد صحة وصدق كتب العهد القديم، ووعد أن لا يسقط حرف ولا حركة وحدة من نصوص الكتاب المقدس الموحى بها، حتى يتم ما قاله الرب، وينبغي أن كل قارئ للكتاب المقدس يحفظ هذه الآية عن ظهر قلب لأنها تمثل  الجواب الإلهي عن كل التعديات الموجهة لأسفار العهد القديم :

“إن الحق أقول لكم: إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس ( شريعة موسى ) حتى يكون الكل. فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السماوات. وأما من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيما في ملكوت السماوات.” (متى5: 18-20)

بعدما ضمن يسوع كتب العهد القديم، ضمن أيضا كلماته الخاصة وما أوحاه الروح القدس لرسله . أثبت الله بذاته حقيقة يسوع المسيح كما أن الملاك بشر يوسف بولادة المسيح وإسمه الفريد وأكد للنساء بقيامته فالعهدين القديم والجديد ممتلئين بالوحي والإعلان  الإلهي .

الله بذاته تكلم                       3  : 17؛ 17: 5

المسيح ضامن إنجيله                         24 : 35

المسيح أعلن وحي الله لرسله         10 : 19-20؛ 16: 17

الملاك أوحى ليوسف والنساء        1 : 18- 23؛ 28: 1-8

الأسئلة:

        61: كيف ضمن المسيح عصمة التوراة والأنبياء، وكيف ضمن كلامه

              الخاص؟

        62: من هم الأشخاص الذين أوحي لهم في العهد الجديد عمليا؟

الأنبياء السابقون ورسل المسيح

يقدم لنا الإنجيل الأول أسماء 12 من أنبياء العهد القديم، و 12 رسولا من رسل المسيح. ليست الأسماء المذكورة هنا أسماء وهمية، بل هي أسماء لشخصيات تاريخية، تلقت الوحي والإرشاد من الله. يخبرنا إنجيل المسيح حسب متى عن إعلان مشيئة الله على مدة تتجاوز الألف سنة. وتظهر أهمية الأشخاص الموحى بها من أكثرية ذكر أسمائهم في الإنجيل.

إبراهيم (4×) 1: 2؛1: 17؛ 3: 9؛8: 11

اسحق        (2×) 1: 2؛ 8: 11

يعقوب (2×) 1: 2

يهوذا          (2×) 1: 2-3

موسى         (7×) 8: 4؛17: 3-4؛ 19: 7-8؛ 22: 24؛ 23: 2؛

داود          (5×) 1:6؛ 1: 17؛ 12: 3؛ 22: 42-45

يرد لقب إبن داود في 1: 20؛ 9: 27؛ 15: 22؛ 20: 30-31

سليمان       (3×) 1: 7؛ 6: 29 ؛ 12: 42

إيليا           (7×) 11: 14؛ 16: 14؛ 17: 3-4؛ 17: 10؛ 27: 47-49

اشعيا         (4×) 3: 3؛ 4: 14؛ 13: 14؛ 15: 7

ارميا           (3×) 2: 17؛ 16: 14؛27: 9

دانيال         (1×) 24: 15

يونان          (3×) 12: 39-41؛ 16: 4

نجد في الإنجيل الأول أسماء لأنبياء متعددين من العهد القديم، غير أن الاسم الذي ذكر أكثر من غيره هو يوحنا المعمدان، والذي يقف على عتبة الباب بين العهد القديم والعهد الجديد. كان كل رسل المسيح تبعوا أولاً الصوت المنادي في البرية ( اشعيا 40 : 3-5) قبل أن يلتحقوا بيسوع حمل الله (يوحنا 1: 29-51؛ 15: 27؛ اعمال1: 21-22) ورد اسم المعمدان 23 مرة في الإنجيل حسب متى، أي ثلاث مرات أكثر من موسى ( 8×) مدون شريعة الله.

يوحنا المعمدان           (23×)   3 :1،4،13-14؛ 4: 12؛ 9: 14 ؛11: 2 ،4،7،11-  13،18؛ 14: 2-4،8،10؛16: 14 ؛ 17: 13 ؛ 21: 25-26،32؛

الأنبياء عامة             (35×)   1: 22؛ 2: 5،15،17،23؛ 3:3؛ 4: 14؛ 5: 12،17؛ 7: 12،15؛ 8: 17؛ 10: 41؛ 11: 9،13؛ 12: 7،39؛

                           13: 17،35، 57؛ 14: 5؛ 16: 14؛ 21: 4،1،26،46؛23: 29-31 ،34،37؛ 24: 11؛ 26: 56؛ 27: 9،35

يوسف الأب بالتبني ليسوع (7×)   1: 16-24؛ 2: 13-19.

الأسئلة:

         63: اذكر أسماء الأنبياء من العهد القديم حسب أكثرية ورود 

               أسمائهم في الإنجيل حسب متى؟       

         64: لماذا نقرأ اسم يوحنا المعمدان في الإنجيل حسب متى أكثر من أسماء 

               موسى وايليا وجميع الأنبياء؟                                      

ترد لائحة أسماء رسل المسيح في إنجيله حسب متى (10: 3). ونقرأ عن إرشادات يسوع في نفس الإصحاح في الآيات اللاحقة (10:  2- 42) كما تظهر أسماء بعض تلاميذ يسوع مرة واحدة فقط، ولا يخبرنا متى أية تفاصيل عنهم، وهم فيلبوس، وبرثولماوس ، توما، يعقوب بن حلفا ، لباوس الملقب تداوس وسمعان القانوي، وتظهر أسماء رسل المسيح الستة الآخرين عدة مرات:

سمعان بطرس               (25×)  4: 18؛ 8: 14؛ 10: 2،42؛ 14: 19،28؛ 15: 15؛ 16: 16-18،22-23؛ 17: 1،4،24-25؛   18: 21؛ 19: 27؛26: 33-37، 40، 58

اندراوس أخاه               (2×)   4: 18 ؛10: 2؛

يعقوب ابن زبدي مع يوحنا أخيه   (3×) 4: 21؛ 10: 2؛ 17: 1.       

متى العشار                  (2×) 9: 9؛ 10: 3.

يهوذا الإسخريوطي         (5×) 10: 4؛ 26:14،25،27؛ 27: 3.

يرد لقب “رسل” في الإنجيل حسب متى مرة واحدة فقط ! (متى 10: 2-4).

ترد كلمة  “عبد” عن رسل المسيح في الإنجيل الأول سبع مرات :

      10: 24-25؛ 20: 27؛ 21: 34؛ 22: 3؛ 24: 45-46.

أما اللقب الذي نقرأه عادة عن الرسل الإثني عشر في هذا الإنجيل فهو “التلاميذ”. وضح متى بهذا اللقب الذي يرد 66 مرة في إنجيله، أنهم لم يستحقوا في هذه الفترة من حياتهم، أن يسموا أنفسهم رسلا، لانهم كانوا بعد طلاب في مدرسة يسوع، الذي علمهم بأقواله وأعماله وصلواته وسلوكه وفقره ومحبته مبادئ خدماتهم المقبلة، لم يكونوا أسيادا مكرمين ولا قديسين بلا لوم، بل تلاميذ في الصف الأول للتدريب الروحي، غير أن اهتمام ربهم بهم هيمن عليهم، إذ صلى  لأجلهم ووضع مسؤولية تبشير العالم على عاتقهم، رغم انهم كانوا خائفين فاشلين (متى 26: 56)  فجعلهم مختارين محفوظين في عنايته ( متى 28: 17-20).

بالمقارنة بين أسماء تلاميذ المسيح، يتضح أن سمعان بطرس كان الناطق باسمهم ومقدامهم، لأن الله الآب أوحى له، ونال سلطاناً روحياً لربط وحل الخطاة من ربه بعد شهادته الجريئة ( متى 16: 16-18). أبرز متى في إنجيله أيضا فشل بطرس بأوضح بيان، ودوّن أن يسوع لقبه شيطانا ( متى 16: 23) . وانه أنكر المسيح أثناء محاكمته لاعنا نفسه بالحلف انه لم يعرف هذا الإنسان المحكوم عليه البتة ( 26: 74). أوضح أن بطرس في ذاته ما كان افضل من بقيّة التلاميذ، بل تاب وتقوى بالنعمة بعد انكساره وندامته (متى 26: 75) . لم يمنح يسوع لبطرس مفاتيح السماء وحده بل سلمها إلى جميع رسله أيضا (متى 18: 18) رغم أنهم فشلوا وفروا مثل مقدامهم (متى 26: 56). فسلطان رسل المسيح لا يتوقف على قدرتهم الخاصة، ولا على سموّ أخلاقهم، بل على نعمة ربهم وحده، الذي جمع الهاربين بعد قيامته مرة أخرى، وعلمهم من جديد أنه كان ينبغي على المسيح أن يتألم ويموت ويقوم في اليوم الثالث ليدخل إلى مجده (لوقا 24 :26،45-48)

لم يتلق رسل المسيح دعوة أو تفويضاً من ربهم لخدمات سياسية، كما لم يسمح لهم أن  يمزجوا بين السلطة المدنية والقوة الروحية، إذ كان عليهم إبلاغ الوحي وإيصال الرسالة حتى ولو سببت معارضة واضطهاداً وقتلاً. استلم رسل المسيح قوة الروح القدس بعد صعود ربهم إلى السماء، لكي لا يهتموا بانشاء مملكة دنيوية مع جمع الأموال والضرائب، حيث طلب منهم إنشاء مملكة روحية بالإيمان والمحبة والرجاء . لا يدعونا المسيح للقتال أو إخضاع الآخرين بالعنف، بل طلب منا الجهاد الروحي ضد الأرواح النّجسة، في التواضع والوداعة والمحبة.

الأسئلة:

        65: ما هي أسماء رسل المسيح الإثني عشر حسب متى؟

        66: لماذا كتب متى في 25 آية عن سمعان بطرس أكثر من الرسل الآخرين؟

        67: لماذا أبرز متى الحوادث الإيجابية والسلبية عن بطرس بأوضح بيان؟

        68: هل سلم المسيح لبطرس وحده المفاتيح للسماء؟ وماذا تعني هذه العبارة؟

       69: هل درب  المسيح أتباعه لإنشاء مملكة سياسية أو لإنشاء مملكة روحية؟    

             ولماذا؟

الإختيار المسبق

 في الإنجيل حسب متى

أكد يسوع لأتباعه أن الله هو العليم الكلي العلم والذي يعرف تطورات وأسرار الماضي والحاضر والمستقبل, وقد انبثقت من مسرته خطة الخلاص المتضمنة المعرفة المسبقة عن الذين يقبلون الخلاص وعن الذين يرفضونه. ويشمل هذا العلم المسبق تفاصيل الدينونة مع دخول القديسين إلى السماء وسقوط الأشرار إلى عذاب الجحيم. أشار يسوع مرارا إلى اختيار الذين يحبون الله والى تقصّي الذين يحبون أنفسهم ويمقتون أعداءهم. ويتضمن العلم المسبق الإلهي إيماننا وحياتنا وقبولنا للمسيح أو رفضنا له، بل حتى الكفر والهلاك الأبدي.

ونتعزى ونتقوى في رجائنا بإعلان المسيح أن الذي يُعيّننا ويختارنا هو أبونا السماوي الذي يحبنا ويحرصنا، فهو يؤكد لنا أن لا شعرة واحدة تسقط من رؤوسنا بدون علمه (متى 10: 30). هذا الإعلان يمنحنا الاطمئنان بأن لا نخاف من المستقبل لأن أنفسنا محفوظة بين أيدي أبينا السماوي. ولن نخاف من يوم الدين والهلاك المتربص بالعصاة، لان الديان الأزلي هو ربنا يسوع المسيح الذي سمانا اخوته الخاصة (متى 12: 49-50)؛ (رومية 8: 29) لن يدخل إلى الدينونة من يلتصق به ويلتجئ إليه ويثبت فيه، ولا نرتعب من الموت والأرواح الشريرة لأن يسوع منح الروح القدس لأتباعه الذين سيعيشون معه إلى الأبد، وسيقومون من بين الأموات كما قام ربهم المسيح، الذي وعد لمحبيه انه سيجلسهم على عرشه، ليخدموا معه، فهو الحاكم والخادم الأول

( متى 19: 22 رؤيا 3: 21 )

الآيات المتعلقة بهذا الموضوع في إنجيل المسيح حسب متى:

 1- علم الله المسبق:6: 8،32؛ 10: 29-30؛ 12: 25؛ 13: 41-43؛ 16 : 18؛ 24: 36؛ 27: 18؛ 28: 5 …الخ                                       
 2- إظهار الأمور المخفية        :6: 4،18؛ 10: 26؛
 3- مشيئة الله الأب تكون      :6 :10؛ 11: 26؛ 12: 50؛ 18: 14؛ 26: 42
 4 – وعود الرب تتحقق        :1: 18-22؛ 2: 3-6، 14-17،23؛ 4: 14؛ 8: 17؛ 12: 17 ؛ 18: 22-33 000الخ
 5- الاضطرار  
 في حياة يسوع:16: 21؛ 17: 12، 22-23؛  20: 17-19؛21: 1-5؛ 26: 2
 في الأيام الأخيرة:12: 36؛ 17: 10؛ 18: 7 ؛ 23: 37-39؛ 24: 3-44  25: 31-46 000الخ
6-الساعة الحتمية  
 في حياة يسوع:24: 36؛ 26: 45؛ 27: 46
 في الكنيسة :10: 9؛ 25: 13
 في الأيام الأخيرة:16: 27؛ 24: 44, 50
7- تقسّي الكفار  :9 : 22-23،25؛ 13: 11-16( اشعيا 6: 9-10)؛ 21: 43؛ 23: 33-36.
8- اختيار المختارين       :11: 25؛ 20: 16؛ 22: 14؛ 24: 22، 24، 31؛ 25: 34
9-حرية الأفراد باتخاذ القرار:4: 2-10؛ 5: 21-44؛ 6: 1-9؛ 7: 1-5, 7-13، 24-29؛ 8: 19-22؛ 9: 37-38 ؛ 10: 32-33؛ 11: 28-29؛ 14: 28-31؛  15: 21-28؛ 21: 21-22؛ 23: 37؛  25: 24-46…الخ
10-الإرادة الحرة:7: 12؛ 8: 19؛ 11: 7، 14؛ 15: 28؛ 16: 25؛ 19: 17،21؛ 20: 20،26،32؛ 23: 13، 37؛ 26: 33, 39، 45؛ …الخ
11-التوبة والرجوع:3: 2، 8، 11؛ 4: 17؛ 11: 20، 21، 32؛ 12: 41؛ 18: 3؛ 21: 29-30؛ 27: 3
12-البحث والطلب:5: 44؛ 6: 8؛ 7: 7، 11؛ 8: 5، 31، 34؛ 9: 38؛ 13: 36، 45؛ 14: 36؛ 15: 25؛ 17: 15؛ 18: 12، 19؛ 20: 22؛ 21: 22؛ 22: 3؛ 24: 20؛ 26: 35؛ 27: 58؛ 28: 5
13-الإيمان:8: 10، 13؛ 9: 2، 22، 28-29؛ 15: 28؛ 17: 20؛ 18: 6؛ 21: 21، 22، 25، 32؛ 24: 23، 26؛ 27: 42
14-قبول العون والخلاص:1: 21؛ 10: 22؛ 19: 25؛ 24: 22
15- مسؤولية الإنسان أمام الله:4: 17؛ 7: 15-20؛ 9: 38-39؛ 12: 31-32،35-37؛ 16: 19، 24-26؛ 18: 3، 18-20 ؛ 25: 1-13،14-30، 34-46

يعتبر البعض التعليم عن الاختيار مضاد لحرية الإنسان إنما يقبلون هذا التعليم كضرورة فكرية بالنسبة لقدرة الله وعظمته، ويؤكد لنا الإنجيل بنفس الوقت أن الله في محبته وعدله يمنح للإنسان الحرّية للقرار حتى وإن كان متمرّغاً في الخطيئة. ويظهر أن الخطاة النادمين هم الذين يقبلون الخلاص المعدّ لهم، أما الصالحون والأبرار، الأقوياء والوجهاء فيظنون انهم لا يحتاجون إلى التوبة وقبول الخلاص. أعلن المسيح : ” كثيرون أولون يكونون آخرين وآخرون أولين “ ( متى 19: 30؛ 20: 16؛ مرقس 10: 31؛لوقا 13: 30 )

الأسئلة70: ماذا يعني أن الله هو العليم والقدير؟

        71: ما هي مشيئة الله الآب في حياتك؟

        72: ماذا تعني أن 333 وعداً من العهد القديم تحققت في العهد الجديد؟

        73: كيف يمكن أن يسوع عاش تحت اضطرار حتى قال ينبغي أن أعمل …؟

        74: ماذا يعني أن علم الرب المسبق يتحقق في الأيام الأخيرة ؟

        75: ماذا تعني الساعة الحتمية في حياة يسوع، في الكنيسة، وفي يوم الدين؟

        76: لماذا يُخلّصون المختارين ويتقسّون رافضو المصلوب؟

        77: كيف أثبت المسيح حرية الرأي والقرار؟

        78: لماذا جنّد يسوع إرادة الأفراد للحصول على الشفاء والبركات؟

        79: ماذا تعني الدعوة إلى التوبة والرجوع بالنسبة إلي حرية الإنسان ؟

        80: كيف شجع المسيح طالبي الحق على البحث والطلب بإلحاح؟

        81: ما هو دور الإيمان بالنسبة لحرية الإنسان ومسؤوليته؟

        82: كيف يخلص الخاطئ وينال السلام مع الله؟

        83: كيف تتم مسؤولية الإنسان في يوم الدين ؟

        84: لماذا لا ضرورة لأتباع المسيح أن يخافوا من الإختيار؟

        85: من هو الذي يعين مصير الكون؟

يوم القيامة

في إنجيل المسيح حسب متى

أولا: علامات الساعة:

1- الضلال بأنبياء كذبة وأضداد                    المسيح:7: 15-20؛ 18: 6-7؛ 24: 4-5،11،24
2- بداية الضيقات:24: 6-8
3- تقسّي شعب الله وتوبة بعضهم:5: 13 ؛ 8: 12؛ 13: 13-16؛ 21: 18-22،42-43؛ 23: 13، 23، 33-39
4- تبشير العالم:5: 13-16؛ 12: 21؛ 13: 38؛  15: 21-28؛ 21: 43؛ 22: 4؛ 24: 14،27؛ 27: 7-12؛ 28: 18-20
5- الضيقة العظيمة:10: 16-23؛ 24: 9-13،15-28
6-كوارث في الكون 5: 18؛ 24: 29،35-36.
7- السهر:24: 4،25-26،37-44،45-51؛ 25: 1-13؛ 26: 38-41

الأسئلة

        86: من هم الأنبياء الكذبة والمسحاء المضلّين؟

        87: لماذا يكون نشر ملكوت السماوات من علامات الساعة؟

        88: كيف نستعد للضيقة العظيمة؟

        89: ما هي الكوارث في الكون قُبيل مجيء المسيح؟

ثانيا: مجيء المسيح الثاني

1-  علامة ابن الإنسان   :16: 27-28؛ 24: 27-30؛ 25: 31؛ 26: 64. ( تلهمنا هذه الآيات بأن المسيح يأتي على سحابة، مع كل الملائكة بقوة عظيمة ومجد عظيم ، في مجد ابيه وفي مجده الخاص .)
2-  ليس أحد يعلم الساعة إلا       الآب السماوي، لذلك اسهروا :24: 32-44
3-  قيامة الأموات   
تجمع الملائكة المختارين والضالين:13: 30، 38-43؛ 22:  28-32؛  24: 31؛ 25: 32.
قيامة قديسين أثناء موت المسيح:27: 52-53؛ 28: 5-7،10  

الأسئلة

     90: ما هي علامة ابن الإنسان اللامعة الرهيبة ؟

     91: لماذا يأمرنا المسيح أن نسهر ونترقب مجيئه الثاني؟

     92: ما هو دور الملائكة في يوم القيامة؟

4-  دينونة الأبرار والظالمين  
 اختيار المتبررين:5: 7؛ 6: 14؛ 7: 1-5،13،21؛ 10: 32؛ 16: 25، 27؛ 19: 32؛  22: 14؛ 25: 14-32،43-40
 الحكم على الأشرار:5: 21-26،37؛ 6: 15؛ 7: 1-5، 1،21؛10: 32؛ 16: 25،27؛   19: 2؛ 22: 14؛ 25: 14-23،34-40.
 المخلّص هو القاضي الأزلي:1: 20-25؛ 5: 20،26؛ 7: 21-23؛ 8: 17؛ 9: 2-6؛ 10: 32-33؛  11: 28-30؛ 12: 31- 32،34؛  15: 30-31؛ 16: 13-20؛ 17: 1-8؛ 18: 20؛ 19: 28؛  20: 28؛ 32: 13-39؛ 24: 30-3؛ 25: 12،31-46؛ 26 :26-27،64؛ 28: 18-20.

الأسئلة:

        93: كيف يحكم المسيح على مختاريه الذين تبرّروا بكفارته عنهم؟

        94: كيف يحكم المسيح على الأنانيين الذين رفضوا كفارته وحلول روحه

      فيهم؟

        95: من هو الديّان الأزلي؟ وما هو علاقتك بشخصيته؟

5- جهنم  
 النار الأبدي:3: 10-12؛ 5: 22،29-30؛ 7: 19؛ 10: 28؛ 13: 30،39-42،49-50؛ 18: 8-9؛ 25: 41
 البكاء وصرير الأسنان:8: 12؛ 13: 42،50؛ 22: 13؛ 24: 51؛ 25: 30.
 الظلمة الدامسة:8: 12؛ 22: 13؛ 25: 30؛ 27: 45
 الشرير هو محور جهنم ورئيس ملائكته:4: 10؛6: 13؛ 25: 41؛
 دلائل أخرى على جهنم:8: 12؛ 24: 41،51؛ 25: 46؛ 26: 64…الخ

الأسئلة

        96: كم مرة يذكر الإنجيل حسب متى النار الأبدية؟

        97: كم مرة وردت عبارة “البكاء وصرير الأسنان” في الإنجيل الأول؟

        98: ما هي الظلم الدامسة في الجحيم ؟

        99: ماذا يعني أن الشرير هو محور جهنم  وملؤها؟

6- السماوات  
 أبونا السماوي هو محور السماوات وملؤها:5:9،16،44-48؛ 6: 1، 9-10؛ 7: 11،21؛ 10: 32-33؛ 16: 17؛     18: 10، 14،19؛ 23: 9؛ 25: 34
 الملكوت الأبدي ومَلِكه:6: 10، 13؛  8: 11-12؛ 11: 27؛ 13: 38،43؛ 16: 28؛ 17: 1-8؛ 25: 40، 31،34؛ 26: 29؛ 28: 18
 انشطار الستار:16: 19؛ 18: 18؛ 27: 51.
 يعيشون إلى الأبد:7: 14؛ 19: 29؛ 25: 46.
 يعاينون الله:5: 4،8؛ 13: 34
 الشركة مع يسوع:8: 11؛ 22: 32؛ 26: 29.
 يجلسون على عروش ويحاكمون أبناء أمتهم:19: 28
 لا يمارسون الجنس:22: 30
 جمعوا كنوزا سماوية أثناء حياتهم الدنيوية :5: 12، 19-20؛ 6-1،20؛ 19: 21
 أبناء الله يرثون الملكوت:5: 3،10؛19: 14، 23-24؛25: 34

الأسئلة

        100: ماذا يعني أن أبانا السماوي هو محور السماء وملؤها؟

        101: ما هو ملكوت السماوات ؟ ومن هو مَلِكُه؟

        102: ما هي الامتيازات للمفدين في السماوات ؟

        103: لماذا لا يمارسون الجنس في الحياة الأبدية ؟

        104: هل اشترى المُخلّصون بقاءهم في السماوات بتبرعاتهم الدنيوية؟

        105: ما هو أهم موضوع تعلمته من مواضيع أركان الإيمان؟

  اسمه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم ( متى 1: 21 )  

ثانيا: أركان الأعمال والنيات

1- العبادات

الموقف المبدئي تجاه العبادات في شريعة المسيح

متى 5 : 1 – 20                         متى 5 : 48

متى 7 : 21 – 27                       متى 9 : 12 – 13

متى 12 : 33 – 37                     متى 15 : 3 – 9

متى 15 : 19                             متى 16 : 6 – 11

متى 19 : 17 – 19                     متى 23 : 2 – 7

متى : 23 : 22 – 24                  متى 28 : 19 – 20

الأسئلة

106: لماذا افتتح المسيح شريعته بالتطويبات وليس بالواجبات؟

107: لماذا يطلب يسوع تنفيذ شريعته بالإخلاص؟

108: لماذا خدم المسيح الخطاة أولا طالبا الرحمة وليس حفظ الطقوس فقط؟

109: ما هي الأفكار الرئيسية التي استنتجتُ من الآيات المختصة بالموقف    

المبدئي في عبادات الشريعة؟

الطهارة

متى 5 : 8                                 متى 8 : 2 – 3

متى 10 : 8                               متى 11 : 5

متى 15 : 2 – 11                       متى 15 : 6 – 20

متى 23 : 25 – 28

الأسئلة

110: ماذا أجاب المسيح على طلب الأبرص، وماذا يعني جوابه؟

111: ما هي الأفكار التي تخرج من القلب باستمرار (متى 15: 16-20)؟

112: ما هو الحلال والحرام بالنسبة للمأكولات في الإنجيل حسب متى؟

113: كيف يستطيع المسيح أن يطهّر قلوبنا وأذهاننا وألسنتنا؟

الصلاة

متى 6 : 5 – 13                         متى 7 : 7 – 11

متى 9 : 38                               متى 14 : 23

متى 18 : 18 – 20                     متى 21 : 12 – 13

متى 21 : 21 – 22                     متى 23 : 14

متى 24 : 20                             متى 26 : 40 – 41

مواضيع متعلقة بالصلاة:

متى 9 : 15 – 17                       متى 12 : 1

متى 13 : 2                               متى 13 : 52

متى 18 : 5                               متى 19 : 14 – 15

متى 26 : 26 – 30

الأسئلة

114: كيف نصلى: واقفا، راكعا، ساجدا أو جالسا؟

115: كم مرة ينبغي أن نصلي في كل يوم؟

116: متى نصلي: صبحا، ظهرا، مساء أو ليلا؟

117: لمن نصلي؟ وكيف نواجهه؟

118: ما هو الجو أثناء الصلاة المسيحية؟

119: لماذا تكون الصلاة الربانية المصدر والقاعدة لصلواتنا؟

120: هل تجوز الصلاة بالعامية أو يجب عليك أن تصلي بالفصحى أم صامتا؟

121: هل نصلي فردا أو جماعةُ(مع مجموعة)؟

122: في أي مكان يجوز أن نصلي؟

123: ما هو سرّ الصلوات المستجابة؟

124: هل تصلى عمليا ، وما هي أهم المواضيع لصلاتك؟

 

الصوم

متى 4 : 2                                 متى 6 : 16 – 18

متى 9 : 14 – 15                       متى 17 : 21

الأسئلة

125: كيف يصوم أتباع المسيح؟

126: ماذا يعني الصوم من أجل إخراج الأرواح النجسة ؟

التبرعات:

متى 6 : 1 – 4                           متى 6 : 19 – 21

متى 6 : 24                               متى 15 : 5

متى 17 : 24 – 27                     متى 19 : 21

متى 22 : 17 – 22                     متى 23 : 23

متى 26 : 11

الأسئلة

127: هل يكفي للمؤمن أن يقدم العشر من مدخوله كتبرعاته

 أو الخمس من ربحه؟

128: كم بالمائة تبرع يسوع من ممتلكاته وحياته لأجلنا؟

129:  هل نربح النعيم بتضحياتنا؟

130:  لماذا طلب المسيح منا التبرع بالخفاء ؟

131: كيف نقدم التبرعات بالحكمة؟

 

نشر الملكوت السماوي:

متى 4 : 19 – 21                       متى 5 : 5 – 9

متى 5 : 10 – 16                       متى 6 : 33

متى 7 : 6                                 متى 9 : 37 – 38

متى 10 : 1                               متى 10 : 5 – 15

متى 10 : 16 – 26                     متى 10 : 27 – 33

متى 10 : 32 – 33                     متى 10 : 34 – 39

متى 10 : 40 – 41                     متى 13 : 3

متى 13 : 31 – 32                     متى 13 : 33 – 34

متى 13 : 37 – 39                     متى 13 : 45 – 48

متى 13 : 57                             متى 14 : 16 – 18

متى 15 : 14                             متى 16 : 16 – 19

متى 17 : 17 – 21                     متى 18 : 12 – 14

متى 18 : 18 – 20                     متى 19 : 21

متى 21 : 28 – 31                     متى 22 : 2 – 4

متى 22 : 8 – 10                       متى 23 : 13

متى 23 : 15                             متى 24 : 12 – 14

متى 26 : 52                             متى 28 : 7

متى 28 : 10                             متى 28 : 18 – 20

الأسئلة

132: من هم المدعوون لنشر بشرى الخلاص؟

133: لماذا يفضل المسيح الودعاء وصانعي السلام كرسله؟

134: أي سلطان يمنح المسيح لخدامه ؟

135: لماذا ينبغي أن يقدّم أتباع الرب خدماتهم مجانا وبدون ضمان مالي ؟

136: لماذا يأمر المسيح تلاميذه أن يكونوا حكماء كالحيات و ودع كالحمام؟

137: من أين ينال رسل المسيح حججهم في الاستجواب أمام الحكام ؟

138: هل الهرب أفضل أم الثبات في الضيق حتى الموت؟

139: لماذا يجوز لنا أن نخدم في سبيل المسيح باطمئنان وبلا خوف؟

140: لماذا يسبب بعض المرات نشر الإنجيل اضطهادا أو طردا أو ضيقا ؟

141: كيف ينمو ملكوت السماوات بهدوء وبلا مانع (متى13: 31- 35)؟

142:  ماذا يعني أمر يسوع أن نطلب من رب الحصاد باستمرار أن يرسل       

  فعلة  إلى حصاده؟

143: لماذا يحق للنساء نشر بشرى الخلاص مثل الرجال ( متى 28: 5-10)؟

144: ما هي المبادئ الأساسية في المأمورية العظمى؟

145: ما هي الوصية العظمي في العهد القديم وكيف نلتزم بها في العهد 

الجديد؟

146: لماذا أمرنا يسوع أن نصلي: “ليأت ملكتك، لتكن مشيئتك كما في

السماء كذلك على الأرض”؟

147: لماذا لا نقدر أن نخدم الله والمال معناً ؟

2 – المعاملات

الموقف المبدئي من المعاملات

متى 5 : 7                                 متى 5 : 43 – 48

متى 7 : 12                               متى 12 : 7

متى 18 : 3 – 4                         متى 19 : 19

متى 20 : 25 – 28                     متى 22 : 39 – 40

متى 23 : 11 – 12                     متى 24 : 12

الأسئلة

148: ماذا تعني لك الوصية “تحب قريبك كنفسك”؟

149: كيف نقتدي بالمسيح في حياتنا بحسب متى20: 28؟

150: لماذا يطلب المسيح من الأول أن يتضع، ويعتبر نفسه الأخر؟

151: ماذا يعني أن المسيح يطلب من أتباعه حفظ الوصايا العشر قبل وصاياه 

الخاصة؟

152: كيف استحق يسوع أن يطلب محبة العدو عوضا عن تنفيذ القصاص

المكتوب؟

إكرام الوالدين

متى 15 : 4

متى 19 : 19

السؤال:

153: كيف أثبت المسيح وصية إكرام الوالدين الذي أجمعت أكثرية الأديان

عليها؟

الزواج – الطلاق – الأولاد

متى 5 : 27 – 30                       متى 8 : 14

متى 19 : 4 – 6                         متى 19 : 12

متى 19 : 18                             متى 5 : 31 – 32

متى 19 : 3 –10                        متى 18 : 6 – 10

الأسئلة

154: لماذا أشار المسيح لمبادئ الخلق عندما أثبت الزواج بزوجة واحدة؟

155: كيف وضح المسيح أهمية كبرى على وحدة الزوجية روحية، نفسية 

وجسدية؟

156: كيف حذر الرب أتباعه بشدة من الزنى؟

157:  لماذا يعتبر المسيح الطلاق خطيئة ؟

158: من هم أقرباء يسوع (متى 10: 37-39؛12: 44-50؛13: 55)؟

159: كيف اعتنى يسوع بالصغار (متى 18: 6؛19: 13-15)؟

160: ما هي ميزة التبني (متى 18: 5)؟

الغنى والملك والسرقة

متى 5 : 40 – 41                       متى 6 : 19 – 20

متى 8 : 20                               متى 12 : 1

متى 19 : 18                             متى 19 : 23 – 24

متى 19 : 26                             متى 24 : 48 – 49

متى 25 : 23

الأسئلة

161: هل يستهزئ المسيح على المال والملك إذ يقول: ” من يأخذ ثوبك  

فاترك له الرداء أيضا”؟

162: لماذا لا نقدر أن نخدم الله والمال معنا؟

       163: لماذا فضل المسيح أن يعيش قنوعا فقيرا ومضطهدا من أن يتمتع بالرفاهية       

والغني ؟

      164: أين مكتوب أن يسوع منع السرقة؟     

      165:  لماذا يكون مرور جمل من ثقب الإبرة أيسر من دخول غني إلى السماء؟

      166: لماذا مدح يسوع العبدين المجتهدين اللذين ضاعفا ملك سيدهما أثناء

غيابه؟

الشهادة والحلف والقروض والربا

متى 5 : 33 – 37                       متى 15 : 19 – 20

متى 19 : 18                             متى 23 : 16

متى 23 : 17 – 22                     متى 5 : 24

متى 25 : 27

الأسئلة

167: أينما اقترح المسيح أن نعطي قرضا لمن يطلبه؟

168: لماذا يمنعنا المسيح من الحلف؟

169: ماذا ينتظر يسوع من أقوالنا وشهادتنا؟

170: لماذا يكره الرب شهادة الزور والكلمات التافهة؟

171: من هو أبو الكذب ( يوحنا 8: 44)؟

مبادئ القصاص

متى 5 : 38 – 39

التجديف

متى 15 : 19

القتل

متى 5 : 21 – 26                       متى 15 : 4

متى 15 : 19                             متى 19 : 18

الزنى

متى 5 : 28                               متى 15 : 18 – 20

السرقة

متى 5 : 40                               متى 6 : 19

متى 8 : 20                               متى 15 : 19

متى 19 : 18

الأسئلة

172: كيف أكمل يسوع الفريضة: عين بعين وسن بسن وأتمها بالصبر 

والحنان؟

173: ما هي الوصية الجديدة التي تغلب الانتقام والحقد؟

174: لماذا يعتبر الرب كل غاضب على إنسان باطلا أنه قاتل ومستوجب نار 

جهنم؟

175: أين أعلن يسوع ما هو مصدر كل شر مثل القتل ، الزنى، السرقة

والتجديف؟

176: أين أثبت المسيح أن الله منع القتل ، الزنى، السرقة و شهادة الزور؟

177: من هو الزاني والزانية وفقا لتفسير يسوع في إنجيله حسب متى؟

178: كيف يغلب يسوع نياتنا السيئة وأفكارنا الأثيمة؟

179: ماذا يقترح يسوع كيفية تأمين ممتلكاتنا لكي لا يسرقها السارق؟

180: أين مكتوب أن يسوع يدين كل سرقة وكل فكر بالسرقة؟

المصالحة والغفران

متى 5 : 9                                 متى 5 : 23 – 26

متى 6 : 12                               متى 6 : 14 – 15

متى 7 : 1 – 5                           متى 18 : 15 – 17

متى 18 : 21 – 22                     متى 18 : 23 – 24

الأسئلة

181: لماذا يدعي يسوع أهمية كبرى على مصالحتنا مع خصمنا ما دام وقت؟

182: ما هو الشرط للحصول على مغفرة الخطايا حسب الصلاة الربانية؟

183: لماذا لا يغفر الله الآب لنا ذنوبنا، إذ لم نغفر نحن للمذنبين إلينا أيضا؟

184: لماذا يدين الإنسان نفسه أولا إذ يعرف قليلا من عظمة ربه

ولا يدين خصمه؟

185: كيف ينبغي أن يتم التوبيخ الروحي في المحبة بين الأخوة في الكنيسة؟

186: كم مرة يجب علينا أ، نسامح أخانا وأختنا كل يوم؟

187: ما هو سر الجوهر في شريعة المسيح؟

الخلاصة:

الحياة الروحية في أتباع المسيح

إن المتعمق في إنجيل المسيح حسب البشير متى يجد فيه أكثر من 175 وصية والتي تمثل العمود الفقري لشريعته. نشكر الرب يسوع لأنه بررنا بكفارته تبريرا كاملا وقدّسنا بها تقديسا أبديا، فلا نتبرّر بأعمال الشريعة، بل بالإيمان بيسوع المسيح مخلّصنا الأمين.

يحثنا الروح القدس أن ننتبه لوصايا المسيح، كما يبكتنا إن أهملناها أو تعدّينا عليها، فروح المسيح هو في ذاته الشريعة الجديدة ومانح القوة لتنفيذها بنفس الوقت .

نجد في العهد القديم أن أهم وصية هي “أن تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك” ( تثنيه 6: 5؛ متى22: 37؛مرقس 12: 30؛لوقا10: 27) ثم الوصية الثانية مثلها “أن تحب قريبك كنفسك” ( لاوين 19: 18؛ متى 5: 43). أوضح لنا يسوع أن شريعة موسى بوصاياها ال 613 تتوقف على هاتين الوصيتين اللتين حفظهما يسوع قولا وعملا، صلاة وسلوكا.

 لخص يسوع جميع وصاياه الخاصة في وصية واحدة “أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا”(يوحنا 13: 34) وبهذه الوصيّة الجديدة يتّضح لنا أن خلاصة شريعة المسيح هي محبة الله والناس، وتظهر بنفس الوقت أن المسيح بذاته الشريعة و مقياس حياتنا، فهو لا يأمرنا بتنفيذ أوامر يستحيل تطبيقها، بل عاش كل ما قاله مثالاً وقدوة لنا.

في المأمورية العظمى، أرشد المسيح رسله أن يعلّموا أعضاء كنائسهم  أن يحفظوا جميع ما أوصى بهم. وهذا الأمر يحتّم على الرسل والرّعاة أن يعيشوا بأنفسهم كما يحق للإنجيل، وانهم مقدسون بقيادة الروح القدس الذي هو محبة الله المنسكبة في قلوبنا

 ( رومية5:5) منح المسيح لأتباعه الشريعة الجديدة مع الطاقة الروحية لتنفيذها على أساس البرّ الإلهي الموهوب لهم، لذلك يُعتبر حفظ شريعة المسيح شكرا على موته الكفاري على الصليب. فلا توجد محبة أعظم من أن يبذل أحد نفسه عن أعدائه.

يخلق الصليب فينا روح التضحية وبذل الذات لأجل الذين لا يحبوننا، الذين يرفضون إبن الله المصلوب. أما المسيح فيبُثّ محبته فينا، لنحبهم كما أحبنا أولا، وهذا المبدأ يتطلب منا تغيير الفكر، لكي يصبح أعداؤنا أقرباء لنا، وخصومنا أصدقاء لنا. ترشد شريعة المسيح أتباعه إلى التوبة الفكرية،  ليرجعوا أولا من الحياة الفاسدة إلى المسيح الذي سيرسلهم بعدئذ  إلى العالم المظلم، ليحبوا الكفّار كما أحبّهم الله. إن شريعة المسيح تدمّر كبرياءنا وأنانيتنا لكي لا نحتفظ بالخلاص الموهوب لنا لأنفسنا فحسب، بل نمنحه إلى الضالين أيضا. كيف نعيش في الحياة الأبدية وننسى الأموات في الذنوب والخطايا، ولا نشرك محبة الله المنعشة فيهم؟ من يتعمق في شريعة المسيح الجديدة، يجد ان أكثرية أوامر يسوع ترتكز على نشر ملكوته، إذ يطلب منا التوبة لنعِدّ طريقه حتى يحل ملكوته بيننا .

أما الموضوع الثاني والبارز في شريعة المسيح فهو مصالحة خصومنا. نقرأ في القوانين الوضعيّة عن فرض  العقوبات الزجرية من إنتقام وقصاص، وأنه لابد من معاقبة كل جانٍ وأثيم على فعله، إلاّ أن المسيح يرشدنا إلى المصالحة والغفران المتبادل، ويقوينا على محبة العدو، لأن لا أحدَ صالحٌ،كلنا خطاة. تأمرنا شريعة المسيح أن نغفر للمذنبين إلينا كما غفر لنا الله الآب أيضا (متى 6: 12و14- 15) . يعارض أصحاب الحق هذا المبدأ مدّعين أن كل ذنب يستوجب قصاصاً، وأن لا مغفرة إلاَّ بسفك الدّماء. (عبرانيين 9: 22) أما المسيح فحمل خطيئة العالم، إذ صالح الجميع مع الله، فيحق لنا أن نسامح أعداءنا، لان المسيح حمل خطاياهم أيضا، وسفك دمه الطاهر لأجلهم، كما سفكه لأجلنا أيضاً. إن موت المسيح الكفاري يغيّر نياتنا وأفكارنا جذريا،ً ويحررها من القوانين والتقاليد التي تأمرنا بالقصاص والجزاء، إلى الغفران المجاني والمسامحة الكاملة. لهذا لا نجد في شريعة المسيح آيات كثيرة عن موضوع القصاص، بل عن محبّة الذين يعارضوننا ومصالحتهم كما صالحنا المسيح مع الله. جاءت شريعة المسيح بثورة فكرية، ثورة تُنهي الحقد والبغض والكراهية، وتحفزنا على المحبة، مثلما قال المسيح : “طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون” ( متى 5: 9). قال أيضا: “أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات” (متى5: 44-45). فكما أن المسيح والروح القدس هما بالذات الشريعة الجديدة، هكذا الآب السماوي هو المقياس لمحبتنا، كما قال المسيح: “كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم الذي في السماوات هو كامل” (متى 5: 48).

  وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر ( متى 28:  20)  

المسابقة للمجتهدين

عن المرشد إلى شريعة المسيح

حسب البشير متى

أثبتت المسابقات السابقة القارئ في نصوص الإنجيل حسب البشير متى،

أما المسابقة الأخيرة فترشده إلى تنظيم شريعة المسيح حسب الإنجيل الأول،

الأمر الذي يحتاج إلى دراسة الإيمان والأعمال المسيحية بانتظام. من يجب على

90 بالمائة من الأسئلة التالية بصواب نقدم له

  شهادة النضوج في معرفة إنجيل المسيح حسب البشير متى

تتطلب الإجابة على الأسئلة التالية، قراءة الآيات المذكورة مع تفاسيرها السابقة في هذا الكتاب.

الأسئلة:                       

المقدمة
1- كيف تتعلق أركان الإيمان بأركان الأعمال في شريعة المسيح؟
2- هل يتبرر الإنسان بالأعمال أو بالإيمان؟ ولماذا؟
3- لماذا يكون المسيح بذاته مقياسنا وشريعتنا؟
4- ماذا يكون ويفعل الروح القدس في شريعة العهد الجديد؟
5- ما هو هدف شريعة المسيح حسب البشير متى؟
6- لماذا لم يثقل المسيح علينا بواسطة وصايا شريعته؟

أولا: أركان الإيمان
7- ما هي الأقسام الستة الرئيسية لأركان الإيمان في هذا الكتاب؟
الله
8- كم مرة ترد كلمة الله في الإنجيل حسب متى وكم مرة استخدم المسيح
هذا الاسم في أقواله حسب هذا الإنجيل؟
9- ما هي صفات الله الرئيسية في الإنجيل حسب متى؟
10- ما هي أهم وصية بالنسبة إلى الله في هذا الإنجيل؟

الله الآب
11- كم مرة سمى المسيح الله أباً في إنجيله حسب متى؟
12- لماذا استخدم المسيح اسم الآب أكثر من اسم الله؟
13- ماذا يعني اسم الآب لأتباع المسيح شخصيا؟
14- لماذا لا نصلي باسم الله بل نخاطبه أبانا الذي في السماوات مباشرة؟
15- كم مرة ربط المسيح في آياته اسم الآب بوصية أو أمر؟
المسيح
16- كم مرة نقرأ اسم يسوع في الإنجيل الأول وماذا يعني هذا الاسم الفريد؟
17- كم مرة نقرأ لقب المسيح في الإنجيل حسب متى؟ وماذا تعني النبوة المذكورة في متى 12: 13؟
18- كم مرة نجد لقب ابن الإنسان عن يسوع في الإنجيل الأول؟
19- لماذا عرّف يسوع على نفسه بهذا اللقب الغريب؟
20- كم آية من الآيات المتعلقة بابن الإنسان تدلّ على تواضع يسوع؟
وكم أية تدل على مجده العظيم؟
معجزات المسيح
21- كم معجزة من الشفاءات يذكرها متى ؟ وماذا يقصد من ذكرها؟
22- ماذا يعني إحياء البنت الميتة في كفرناحوم؟
23- ما هي المعجزات البارزة التي غلب يسوع فيها القوى والأنظمة الطبيعية؟
24- لماذا يكون المسيح بذاته آية الله الفريدة؟
25- ما هي الأسرار في إجراء معجزات المسيح؟
طريق المسيح للكفارة عن الخطاة
26- كم مرة أعلن يسوع آلامه و موته وقيامته مسبقا؟ وماذا يعني هذا العلم المسبق؟
27- ما هي المبادئ الجذرية التي أعلنها يسوع في متى 20: 28؟
28- ماذا أكد الرب يسوع لأتباعه في العشاء الرباني حسب متى 26: 17-30؟
29- كيف أخضع يسوع نفسه كليا لمشيئة أبيه في جثسيماني؟
30- كيف نظم يسوع شهادته النهائية أمام المجلس الأعلى مستخدما عددين من العهد القديم؟
31- ما هو الفرق بين الاتهام على يسوع أمام المحكمة الدينية والاتهام عليه أمام المحكمة المدنية؟
32- ما هي الأدلة التاريخية على موت يسوع مصلوبا في الإنجيل حسب متى؟
33- ماذا يعني دفن جثة يسوع وختم قبره؟
34- ماذا أعلن الملاك للنساء في القبر الفارغ يوم الأحد؟
بنوة المسيح لله
35- ماذا تعني ولادة المسيح بالروح القدس من مريم العذراء بالنسبة لبنوته لله؟
36- من هم الذين تكلموا في الإنجيل حسب متى عن بنوة يسوع لله؟
37- ما هي المعاني لشهادة بطرس الفاصلة (متى 16: 16)؟
38- من يقدر أن يمنع الله أن يعلن بأن يسوع هو ابنه الحبيب؟

الروح القدس
39- لماذا ظهر الروح القدس بعد معمودية يسوع في نهر الأردن
في هيئة حمامة متمركزة على يسوع؟
40- لماذا يصبح كل مولود ثانية من الروح القدس أحد المساكين بالروح؟
وما هو الوعد الخاص لهم؟
41- في أية مناسبة ينال أتباع المسيح وحيا مباشرا من روح الآب؟
42- كيف أخرج المسيح الأرواح النجسة من الملبوسين؟
43- ما هي الخطيئة ضد الروح القدس؟ وما هي نتائجها؟
44- من هو الذي يعمد بالروح القدس التائبين؟
ملائكة الله
45- ما هي الوظائف المختلفة لملائكة الله في الماضي والحاضر؟
46- ما هو جوهرهم ومنظر ظهورهم في الإنجيل حسب متى؟
47- ما هي ميزة الملائكة في يوم القيامة؟
الشيطان وأرواحه
48- كيف انتصر يسوع على تجارب إبليس في البرية؟
49- كيف لخص المسيح أسماء الشيطان وصفاته في لقب جديد في الصلاة الربانية؟
50- كم مرة يذكر الإنجيل حسب متى إخراج الأرواح والشياطين من المجانين على يد يسوع؟
51- لماذا أمر المسيح رسله أن يخرجوا أيضا الأرواح النجسة من الملبوسين؟
52- كيف يمكن أن الأبالسة يرجعون مع سيادة أرواحهم بعد إخراجهم من المتحررين؟ ولماذا؟
53- ما هو الوعد العظيم لاستمرارية كنيسة المسيح وحفظها من قدرة الشرير؟
54- لماذا سمى المسيح بطرس شيطانا؟
55- ما هو حكم المسيح النهائي على الشيطان وملائكته (متى25: 41 ،46 )؟
كتب وأسفار الوحي
56- لماذا استخدم يسوع ومتى وعودا متعددة من العهد القديم في الإنجيل الأول؟
57- كم آية من أسفار العهد القديم اقتبسها يسوع ومتى حرفيا ، وكم واحدة معنوية؟
58- كم آية من أسفار التوراة أثرت على إنجيل المسيح حسب متى؟
59- كم آية من المزامير ظهرت في الإنجيل الأول؟
60- أي سفر من أسفار الأنبياء تلقى أقوى صدى في الإنجيل حسب متى؟
61- كيف ضمن المسيح عصمة التوراة والأنبياء، وكيف ضمن كلامه الخاص؟
62- من هم الأشخاص الذين أوحي لهم في العهد الجديد عملياً؟
الأنبياء السابقون ورسل المسيح
63- اذكر أسماء الأنبياء من العهد القديم حسب أكثرية ورود أسمائهم في الإنجيل حسب متى؟
64- لماذا نقرأ اسم يوحنا المعمدان في الإنجيل حسب متى أكثر من موسى وإيليا وجميع الأنبياء؟
65- ما هي أسماء رسل المسيح الإثني عشر حسب متى؟
66- لماذا كتب متى في 25 آية عن سمعان بطرس أكثر جدا عن الرسل الآخرين؟
67- لماذا أبرز متى الحوادث الإيجابية والسلبية عن بطرس بأوضح بيان؟
68- هل سلم المسيح لبطرس وحده المفاتيح للسماء؟ وماذا تعنى هذه العبارة؟
69- هل درب المسيح أتباعه لإنشاء مملكة سياسية أو لإنشاء مملكة روحية؟ ولماذا؟
الاختيار المسبق
70- ماذا يعني أن الله هو العليم والقدير؟
71- ما هي مشيئة الله الآب في حياتك؟
72- ماذا تعنى أن 333 وعداً من العهد القديم تحققت في العهد الجديد؟
73- كيف يمكن أن يسوع عاش تحت اضطرار حتى قال ينبغي أن أعمل 000؟
74- ماذا يعني أن علم الرب المسبق يتحقق في الأيام الأخيرة؟
75- ماذا تعني الساعة الحتمية في حياة يسوع في الكنيسة وفي يوم الدين؟
76- لماذا يخلص المختارون ويتقسّى رافضو المصلوب؟
77- كيف ثبت المسيح انه يسمح بحرية الرأي والقرار؟
78- لماذا جند يسوع إرادة الأفراد للحصول على الشفاء والبركة؟
79- ماذا تعني الدعوة إلى التوبة والرجوع بالنسبة إلى حرية الإنسان؟
80- كيف شجع المسيح طالبي الحق على البحث والطلب بإلحاح؟
81- ما هو دور الإيمان بالنسبة لحرية الإنسان ومسؤوليته؟
82- كيف يخلص الخاطئ وينال السلام مع الله؟
83- كيف تتم مسؤولية الإنسان في يوم الدين؟
84- لماذا لا ضرورة لأتباع المسيح أن يخافوا من الاختيار؟
85- من هو الذي يعين مصير الكون؟
يوم القيامة ( علامات الساعة ومجيء المسيح )
86- من هم الأنبياء الكذبة والمسحاء المضلين؟
87- لماذا يكون نشر ملكوت السماوات من علامات الساعة؟
88- كيف نستعد للضيقة العظيمة؟
89- ما هي الكوارث في الكون قُبيل مجيء المسيح؟
90- ما هي علامة ابن الإنسان اللامعة الرهيبة؟
91- لماذا يأمرنا المسيح أن نسهر ونترقبه؟
92- ما هو دور الملائكة في يوم القيامة؟
الدينونة
93- كيف يحكم المسيح على مختاريه الذين تبرروا بكفارته عنهم؟
94- كيف يحكم المسيح على الأنانيين الذين رفضوا كفارة المسيح
وحلول روحه فيهم؟
95- من هو الديان الأزلي؟ وما هو موقفك لشخصيته؟
جهنم
96- كم مرة يذكر الإنجيل حسب متى النار الأبدية؟
97- كم مرة وردت عبارة ” البكاء وصرير الأسنان ” في الإنجيل الأول؟
98- ما هي الظلمة الدامسة في الجحيم؟
99- ماذا يعني أن الشرير هو محور جهنم وملؤها؟
السماوات
100- ماذا يعني أن أبانا السماوي هو محور السماء وملؤها؟
101- ما هو ملكوت السماوات؟ ومن هو مَلِكُهُ؟
102- ما هي الامتيازات للمفدين في السماوات؟
103- لماذا لا يمارسون الجنس في الحياة الأبدية؟
104- هل اشترى المخلصون بقاءهم في السماوات بتبرعاتهم الدنيوية؟
105- ما هو أهم موضوع تعلمته من مواضيع أركان الإيمان؟

ثانياً: أركان الأعمال والنيات
1- العبادات
الموقف المبدئي في العبادات الشريعة
106- لماذا افتتح المسيح شريعته بالتطويبات ولا بالواجبات؟
107- لماذا يطلب يسوع تنفيذ شريعته بالإخلاص؟
108- لماذا أتى المسيح لخدمة الخطاة أولا،طالبا الرحمة وليس حفظ الطقوس فقط؟
109- ما هي الأفكار الرئيسية التي استنتجت من الآيات المختصة بالموقف الطهارة
110- ماذا أجاب المسيح على طلب الأبرص وماذا يعني جوابه؟
111- ما هي الأفكار التي تخرج من القلب مرارا ( متى15: 16-20)؟
112- ما هو الحلال والحرام بالنسبة للمأكولات في إنجيل المسيح حسب متى؟
113- كيف يستطيع المسيح أن يطهر قلوبنا وأذهاننا وألسنتنا؟
الصلاة
114- كيف نصلى: واقفا راكعا ساجدا أو جالسا؟
115- كم مرة ينبغي أن نصلى في كل يوم؟
116- متى نصلي : صبحا ظهرا مساء أو ليلاً؟
117- لمن نصلي وكيف نواجهه؟
118- ما هو الجو أثناء الصلاة؟
119- لماذا تكون الصلاة الربانية القاعدة والمصدر لصلواتنا؟
120- هل يجوز الصلاة بالعامية أو يجب عليك أن تصلي بالفصحى أو صامتا؟
121- هل نصلي منفردا أو في الاجتماعات ( مع الجماعة)؟
122- في أي مكان يجوز أن نصلي؟
123- ما هو سر الصلوات المستجابة؟
124- هل تصلي عمليا؟ وما هي أهم المواضيع في صلاتك؟
الصوم
125- كيف يصوم أتباع المسيح؟
126- ماذا يعني الصوم من أجل إخراج الأرواح النجسة؟
التبرعات
127- هل يكفي للمؤمن العشر من مدخوله كتبرعاته؟
128- كم بالمائة تبرع يسوع من ممتلكاته وحياته لأجلنا؟
129- هل نربح النعيم بتضحياتنا؟
130- لماذا طلب المسيح منا التبرع بالخفاء؟
131- لمن نقدم التبرعات بالحكمة؟
نشر الملكوت السماوي
132- من هم المدعوون لنشر بشرى الخلاص؟
133- لماذا يفضل المسيح الودعاء وصانعي السلام كرسله؟
134- أي سلطان يمنح المسيح لخدامه؟
135- لماذا ينبغي أن يقدم أتباع الرب خدماتهم مجانا وبدون ضمان مالي؟
136- لماذا يأمر المسيح تلاميذه أن يكونوا أذكياء كالحيات وبسطاء كالحمامة؟
137- من أين ينال رسل المسيح حججهم في الاستجواب أمام الحكام؟
138- هل الهرب أفضل أم الثبات في الضيق حتى الموت؟
139- لماذا يجوز لنا أن نخدم في سبيل ربنا باطمئنان وبلا خوف؟
140- لماذا يسبب بعض المرات نشر الإنجيل اضطهاداً أو طرداً أو ضيقاً؟
141- كيف ينمو ملكوت السماوات بهدوء وبلا مانع (متى13: 31-35)؟
142- ماذا يعني أمر يسوع أن نطلب من الرب الحصاد باستمرار أن يرسل فعلة إلى حصاده؟
143- لماذا يحق للنساء نشر بشرى الخلاص مثل الرجال (متى 28: 5-10)؟
144- ما هي المبادئ الأساسية في المأمورية العظمى؟
خلاصة العبادات
145- ما هي الوصية العظمى في العهد القديم ( متى 22: 37) وكيف نلتزم بها؟
146- لماذا أمرنا يسوع أن نصلي ” ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذاك على الأرض “؟
147- لماذا لا نقدر أن نخدم الله والمال معا؟

2- المعاملات
الموقف المبدئي للمعاملات:
148- ماذا تعني لك الوصية ” تحب قريبك كنفسك؟
149- كيف نقتدي بالمسيح في حياتنا بحسب متى 20: 28؟
150- لماذا يطلب المسيح من الأول أن يتضع ويعتبر نفسه الآخر (متى 23: 11-12)؟
151- ماذا يعني أن يسوع يطلب من أتباعه حفظ الوصايا العشر؟
152- كيف استطاع يسوع أن يطلب محبة العدو عوضا عن تنفيذ القصاص المكتوب؟
إكرام الوالدين
153- كيف اثبت المسيح وصية إكرام الوالدين التي أجمعت أكثرية الأديان عليها؟
الزواج والطلاق والأولاد
154- لماذا أشار المسيح لمبادئ الخلق عندما أثبت الزواج بالوحدة؟
155- كيف وضح المسيح أهمية كبرى على الوحدة الزوجية روحية، نفسية، جسدية؟
156- كيف حذّر الرب أتباعه بشدة من الزنى؟
157- لماذا يعتبر المسيح الطلاق خطية؟
158- من هم أقرباء يسوع (متى10: 37-39 ؛12: 44-50؛ 13: 55)؟
159- كيف اعتنى يسوع بالصغار ( متى 18: 6؛ 19: 13-15)؟
160- ما هي ميزة التبني ( متى 18: 5 )؟

المال والملك والسرقة
161- هل يستهزئ المسيح على المال و المُلك إذ يقول:” من يأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا”؟
162- لماذا لا نقدر أن نخدم الله والمال معا ؟
163- لماذا فضل المسيح أن يعيش قنوعا فقيرا ومضطهدا من أن يتمتع بالرفاهية والغنى؟
164- أين مكتوب أن يسوع منع السرقة ؟
165- لماذا يكون مرور جمل من ثقب الإبرة ايسر من دخول غني إلى السماء؟
166- لماذا مدح يسوع العبدين المجتهدين اللذين ضاعفا ملك سيدهما أثناء غيابه؟
167- أينما اقترح المسيح أن نعطي قرضا لمن يطلبه؟
168- لماذا يمنعنا المسيح من الحلف؟
169- ماذا ينتظر يسوع من أقوالنا وشهادتنا؟
170- لماذا يكره الرب شهادة الزور؟
171- من هو أبو الكذب ( يوحنا 8 : 44 )؟
مبادئ القصاص
172- كيف أكمل يسوع الفريضة : عين بعين وسن بسن وأتمها بالصبر والحنان (متى 5: 38-39 ) ؟
173- ما هي الوصية الجديدة التي تغلب الانتقام والحقد ؟
174- لماذا يعتبر الرب كل غاضب على إنسان باطلا انه قاتل مستوجب نار جهنم ؟
175- أين أعلن يسوع ما هو مصدر كل شر مثل القتل ، الزنى، السرقة والتجديف ؟
176- أين أثبت المسيح أن الله منع القتل والزنى والسرقة و شهادة الزور؟
177- من هو الزاني والزانية وفقا لتفسير يسوع في إنجيله حسب متى ؟
178- كيف يغلب يسوع نياتنا السيئة وأفكارنا الأثيمة ؟
179- ماذا يقترح يسوع في كيفية تأمين ممتلكاتنا لكي لا يسرقها السارق ؟
180- أين مكتوب أن يسوع يدين كل سرقة وكل فكر بالسرقة ؟
المصالحة والمغفرة
181- لماذا يضع يسوع أهمية كبرى على مصالحتنا مع خصمنا ما دام وقت ؟
182- ما هو الشرط للحصول على مغفرة الخطايا حسب الصلاة الربانية ؟
183- لماذا لا يغفر الله الآب لنا ذنوبنا، إذ لم نغفر نحن للمذنبين إلينا أيضا ؟
184- لماذا يدين الإنسان نفسه أولا إذ يعرف قليلا من عظمة ربه ولا يدي خصمه ؟
185- كيف ينبغي أن يتم التوبيخ الروحي في المحبة بين الإخوة في الكنيسة ؟
186- كم مرة يجب علينا أن نسامح أخانا وأختنا كل يوم ؟
187- ما هو السر والجوهر في شريعة المسيح ؟

أرسل إجاباتك مع عنوانك الكامل إلى عنواننا التالي:

مركز الدارسة: الحياة الفضلى- ص ب 226 – مزرعة يشوع- المتن– لبنان

E-mail: family@hayatfudla.org

  الذي يَصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادةً لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى ( متى 26 : 13- 14 )  

أيها القارئ المحترم

تحية مخلصة وسلام من المصلوب الحي وبعد . . .

 نفرح لتعاونك معنا فإن تعمقت في آيات إنجيل المسيح حسب البشير متى ( وعددها 1071)، ودرستها مصليا بانتظام، وتبعت المرشد إلى شريعة المسيح تدرك المسيح في محبته وعظمته الذي يمنحك الإيمان الحق وينشئ فيك الأعمال الصالحة بنعمته.

يقودنا المسيح وهو إبن الإنسان إلى الله أبيه السماوي، لنلتجئ إليه ونمتلئ من روحه القدوس، الذي يجدد أذهاننا ويقدس نوايانا، لتنموا فينا المحبة والفرح، السلام و التأنّي، الأمانة والعفة .عندئذٍ تستنتج أن شريعة المسيح هي جزءٌ من قوة  إنجيله وهبة من نعمته .

أما المسيح الحي فيرسلنا إلى العالم المظلم، حتى نضيء كأنوار في الظلمة الدامسة ونخدمه كصانعي السلام، حتى وإذا يضطهدوننا ويضيّقون علينا لأجل كفارة المسيح. نشتاق إلى مجيء إبن الإنسان إلينا ليكمل ملكوته الروحي على أرضنا، فيعم السلام والوئام رغم الدموع والآلام في الماضي .

نهنئك إن أصبحت من عبيد المسيح المجتهدين، ونصلي لأجلك ليرشدك الرب إلى حصاده، ويحفظك في خدمتك. ونتمنى أن نسمع منك ماذا يفعل الرب الحي في محيطك .

دمتم في المسيح

عبد المسيح وزملاؤه.

  تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ   ( متى 25: 24 )  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *