الكنيسة في معركة الحياة – تأمّلات في رسالة كورنثوس الأولى

الكنيسة في معركة الحياة

تأمّلات في رسالة كورنثوس الأولى

القس بسّام بنّورة

الكنيسة في معركة الحياة تأمّلات في رسالة كورنثوس الأولى القس بسّام بنّورة

مقدّمة لرسالة كورنثوس الأولى

1. خلفية تاريخية: تقع مدينة كورنثوس في اليونان في قارة أوروبا. وعندما كتب بولس الرّسول  رسالته الى الكنيسة هناك، كانت كورنثوس ميناءً تجاريًا هامًا يقع على كل من البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجة. وكانت تبعد عن العاصمة أثينا بمسافة 70 كم. وقد أعطاها هذا الموقع الممتاز أهمية تجارية وعسكرية مميزة. فلقد كانت مدينة مزدهرة ودُعيت “جسر البحر”. جاء في “قاموس الكنيسة الرّسوليّة” (HDAC: Hastings: Dictionary of the Apsotolic church) أن عدد سكانها قد بلغ في أوج قوتها ومجدها حوالي 200000 نسمة، بالإضافة إلى نصف مليون من العبيد يخدمون في أسطولها التجاري ومستعمراتها.

دمر الرومان مدينة كورنثوس سنة 146 ق.م، ولم تبن من جديد إلا سنة 46 ق.م على يد القائد الروماني يوليوس قيصر. وقد بناها على الطراز الروماني، مع أنها مدينة في اليونان. وأصبحت مدينة مزدهرة من جديد.

على بعد 10 كم من مدينة كورنثوس، كان هنالك معبد يعرف باسم “معبد بوسيدون (Poseidon)، وكان هذا المعبد مكرّسًا لعبادة الآلهة أفروديت (Aphrodite)، والتي عرفت أيضاَ باسم عشتروت. وكان يوجد في هذا المعبد حوالي ألف امرأة يقدّمن خدمات جنسيّة، ولذلك كان الكثيرون يأتون إلى كورنثوس بسبب تلك النسوة. وقد أدّى هذا الوضع إلى زيادة غنى المدينة.

جاء بولس الرّسول إلى هذه المدينة الغنية، ولكن السّاقطة أخلاقيًا، في خريف سنة 50 م، وذلك بعد أن بشّر بالإنجيل سكان أثينا المتعلمين. وعند مجيئه إلى كورنثوس، عمل بولس الرّسول في صناعة الخيام مع أكيلا وبريسكلا (راجع سفر أعمال الرّسل 1:18-5). وبعد مضي بعض الوقت على وجوده في المدينة، ازدادت مقاومة بولس الرّسول من قبل اليهود، فانتقل إلى تبشير غير اليهود من الأمم. وقد أمضى بولس الرّسول  مدة سنة ونصف في كورنثوس (أعمال الرسل 11:18) وذلك قبل أن يحضره اليهود بالقوّة ليحاكموه على يد الوالي الروماني غاليون (أعمال الرسل 12:18). بعد هذه المحاكمة، غادر بولس الرّسول  كورنثوس إلى سوريا مبحرًا عن طريق كَنخَرِيا (الآية 18).

تواجد في كنيسة كورنثوس أعضاء من اليهود واليونان والرومان، ونستنتج ذلك من ذكر أسماء لاتينية مثل غايس (كورنثوس الأولى 14:1) وفُرتوناتوس وأخائيكوس (كورنثوس الأولى 17:16). وأيضًا من ذكر أسماء يهودية مثل أكيلا وبريسكلا (أعمال الرسل 1:18-4) وكريسبوس رئيس المجمع (أعمال الرسل 8:18، كورنثوس الأولى 14:1) وأيضًا سوستانيس وهو رئيس مجمع آخر (أعمال الرسل 17:18، كورنثوس الأولى 1:1) وبدون شك فإن غالبية أعضاء الكنيسة كانوا من اليونانيين الّذين يخبرنا بولس الرّسول  أنهم يطلبون حكمة (كورنثوس الأولى 22:1)، ومما يؤكد على أنهم لم يكونوا يهودًا، هو ما قاله في كورنثوس الأولى 2:12 “أنكم كنتم أممًا” أي أنهم قبلًا كانوا لا يعرفون الله الحقيقي، ولم يكونوا من اليهود الّذين كانت لديهم معرفة بشريعة الله، وكتابات الانبياء، وتقاليد الآباء.

بالإضافة إلى مكوثه في كورنثوس مدّة طويلة، فإن بولس الرّسول بقي على اتصال بالكنيسة في كورنثوس حتّى بعد اضطراره إلى مغادرتها. نعرف من قراءة أعمال الرسل 1:19 أنّه بينما كان بولس الرّسول  في مدينة أفسس الواقعة في آسيا الصّغرى (غرب تركيا اليوم) كتب “الرسالة” الى كنيسة كورنثوس (راجع كورنثوس الأولى 9:5)، وهذه “الرسالة” غير موجودة اليوم، ولم تكن في أي يوم من رسائل الوحي المقدّس. وأيضًا سمع عن أخبارهم من أهل خُلُوي* (كورنثوس الأولى 11:1). كما وأن بولس الرّسول استقبل وفدًا منهم (كورنثوس الأولى 17:16)، ويبدوا أن الوفد عرض عليه أسئلة متنوعة (كورنثوس الأولى 1:7).

2. وحدة الرسالة: تشير كل الدلائل في الرسالة إلى أنها وحدة متكاملة. والأفكار فيها مرتّبة بشكل متسلسل من التحيات والشكر، إلى مناقشات حول المجموعات المتخاصمة في الكنيسة ومشاكلها الداخلية من حيث زواج المحارم وقضايا المحاكم. واضح من الرسالة أن أفرادًا من أهل خُلُوي قد قدّموا تقريرًا لبولس الرّسول عن هذه المشاكل. بعد ذلك يناقش بولس الرّسول الأسئلة التي أحضرها له الوفد الكورنثي (كورنثوس الأولى 17:16)، وهذه الأسئلة تتعلق بالزواج، وأكل اللحوم المقدمة للأوثان، والعبادة الجمهورية غير المنظمة، والمواهب الرّوحية، والقيامة. ثم يستمر بولس الرّسول  بشكل طبيعي ليتحدث عن العطاء للفقراء، وعن خططه القادمة في السفر، ثم ينهي الرسالة بالتحيات. فواضح إذًا أن الرسالة مترابطة ومتصلة الأفكار.

3. مؤلف الرسالة: يوجد اتفاق عام وكامل بين علماء الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة على أن بولس الرّسول هو الّذي كتب رسالة كورنثوس الأولى. ومن الأدلة الخارجية التي تؤكد على أن بولس الرّسول  هو مؤلف الرسالة، هو ورود ذكرها في كتابات كليمنت من روما في كتابه إلى أهل كورنثوس، الفصل 47. وبوليكارب في كتابه إلى أهل فيلبي، الفصل 11. وإيرانيوس في كتابه “ضد الهرطقات” 27:4. وكليمنت الإسكندري في مؤلفه  Peadag 1، 6 (33)،  وترتيليان في مؤلفاته العديدة.

4. مكان وزمان كتابة الرسالة، والجماعة المرسَلة إليهم، وغرضها النهائي: من الواضح أن الرسالة كُتبت بعد زيارة بولس الرّسول الأولى إلى مدينة كورنثوس. فبعد أن غادر المدينة، أبحر من كنخريا إلى سوريا عن طريق أفسس، ووصل إلى قيصرية في فلسطين. وهناك زار كنائس أوروشليم، ثم سافر شمالًا في طريقه إلى كنيسة أنطاكيا في سوريا (أعمال الرسل 18:18-23).

بعد مضي بعض الوقت في أنطاكيا، تركها بولس الرّسول في رحلته التبشيرية الثالثة، وزار كنائس غلاطية وفِريجيَّة (أعمال الرسل 23:18). وأخيرًا وصل إلى أفسس (أعمال الرسل 1:19) حيث علَّم ووعظ هناك لمدة ثلاث سنين (أعمال الرسل 31:20). أثناء وجود بولس الرّسول في أفسس، سمع عن المشاكل في كنيسة كورنثوس، والأسئلة التي يثيرونها عن طريق تقرير أهل خُلُوي (كورنثوس الأولى 11:1) وأيضًا عن طريق الوفد الّذي جاء من كورنثوس (17:16). وهنا، أي في أفسس، وبعد أن استلم تلك التقارير، قام بولس الرّسول بكتابة الرسالة.

وتوجد عدة نقاط تبرهن أن الرسالة كتبت خلال الرحلة التبشيرية الثالثة لبولس الرّسول من مدينة أفسس وفي ربيع سنة 55 أو 56م:

1. يقول بولس الرّسول في الرسالة أنه يكتب من أفسس (كورنثوس الأولى 8:16، 9، 19).

2. كتب الرسالة بعد عدة سنوات من مغادرة كورنثوس في خريف سنة 51م، ولأنها كتبت بعد زيارة بولس الرّسول للمدينة (أعمال الرسل 26:18-17، وكورنثوس الأولى 12:1)، وبعد أن أرسل بولس الرّسول تيموثاوس وأراستوس من أفسس إلى مقدونيا (أعمال الرسل 22:19)، وأيضًا إرسال تيموثاوس بعد ذلك إلى كورنثوس (كورنثوس الأولى 17:4). زد على ذلك أنه كان لا بدّ من مرور بعض الوقت قبل تطور المشاكل في كنيسة كورنثوس ووصول الأخبار إلى بولس الرّسول .

3. كُتبت الرسالة قبل فصل الصيف لأنه يقول في كورنثوس الأولى 8:16 أن يوم الخمسين سيأتي قريبًا، ونعرف أن يوم العنصرة يأتي في فصل الرّبيع، وبعد ذلك ينوي مغادرة أفسس. وواضح أن الرسالة كُتبت قبل فصل الشتاء لأن بولس الرّسول يقول أنه سيأتي ويقضي فصل الشتاء عندهم (كورنثوس الأولى 6:16، وأعمال 3:20).كل هذه الأحداث تمتدّ إلى أربع أو خمس سنوات بعد تركه كورنثوس في خريف سنة 51م.

5. مناسبة كتابة الرسالة: تعتبر رسالة كورنثوس الأولى مرجعًا للرد على أسئلة الكنيسة في الماضي والحاضر. فهي تعالج أهمية رسالة الرّب يسوع المسيح وتطبيقها الاجتماعي. بعد المقدمة، يبدأ بولس الرّسول في الإجابة على أسئلة لاهوتية وعملية أثارها التقرير الّذي أحضره أهل خُلُوي، وكذلك الوفد القادم من كنيسة كورنثوس (كورنثوس الأولى 11:1، 1:7؛ 17:16) فهذه التساؤلات، بالإضافة إلى رغبة بولس الرّسول في إرسال تحياته إلى الكنيسة التي خدمها مدة سنة ونصف، كانت أسبابًا كافية ومناسبة لكتابة الرسالة بقيادة الرّوح القدس.

6. الغرض من الرّسالة: تجاوبًا مع التقرير والأسئلة الواردة من كورنثوس، كان غرض بولس الرّسول من كتابة الرّسالة هو معالجة عقائد مهمة وخطايا أخلاقية مخجلة، وعدم الانضباط في الحياة المسيحية، بما في ذلك العبادة بشكل غير منتظم.

أهم الأسئلة والقضايا التي عالجها بولس الرّسول في الرسالة: وجهات نظر خاطئة عن قيامة المسيح وقيامة الجسد (كورنثوس الأولى 15)، وزواج الأقارب، والزنا وخطايا جنسية أخرى (كورنثوس الأولى 5). أيضًا اشتملت الرسالة على مناقشة عمل غير مسيحي وهو أخذ المسيحي لمسيحي آخر إلى المحاكم (كورنثوس الأولى 6)، وسوء استخدام الحريّة المسيحية (كورنثوس الأولى 8، 10)، والفوضى عند تناول عشاء الرّب (كورنثوس الأولى 17:11-34)، وتشويشات أخرى أثناء العبادة (كورنثوس الأولى 14).

7. القيمة اللاهوتية للرسالة: يتطرّق بولس الرّسول في رسالة كورنثوس الأولى لأمور لاهوتية وعقائدية كثيرة ، وهذه الأمور ترتبط بالحياة المسيحية اليومية، وأيضًا بالشهادة المشتركة والعامة في العبادة الكنسية. فمثلًا:

يكتب بولس الرّسول في الإصحاحين الخامس والسّادس بقوة ضد حادثة زواج الأقارب، وضد الزنا في الكنيسة، ويدين كل الخطايا الجنسية.

ويعالج وفي الإصحاح السّابع موضوع مهم ألا وهو موضوع زواج أو عدم زواج الإنسان المسيحي، وكيفية السلوك المسيحي الصحيح في الحالتين.

ويعالج بولس الرّسول في الإصحاحات الثّامن والتّاسع والعاشر موضوع حريّة المسيحي ومسئولياته بشكل موسع.

ويكتب في الإصحاح الحادي عشر تعليمًا  قويًّا وفعّالًا عن شركة عشاء الرّب، مع وعظ المسيحيين بأخذ الموضوع بجدّية.

ويكرّس بولس الرّسول الإصحاح الثاني عشر للكتابة عن المواهب الرّوحية وكيفية استخدامها من أجل بنيان الكنيسة.

ويدوّن بولس الرّسول في الإصحاح الثّالث عشر نشيد المحبّة الخالد.

ويتطرّق في الإصحاح الرّابع عشر لموضوع العبادة في الكنيسة، وكيفية استخدام موهبتي النّبوة والتّكلم بالسنة.

ويقدم لنا بولس الرّسول في الإصحاح الخامس عشر الأسباب الوجيهة للإيمان بقيامة الرّب يسوع المسيح بالجسد، ويربط ذلك بقيامة الأموات عند مجيء الرّب يسوع المسيح ثانيةً.

8. قانونية الرسالة:

  1. لا يوجد أي تساؤل قطعيًا حول قانونية الرسالة الأولى إلى كورنثوس. فبما أن الرسالة كُتبت بقلم بولس الرّسول ، فقد قبلتها الكنيسة رأسًا على اعتبار أنها موحى بها من الله. في كورنثوس الأولى 37:14 يقول بولس الرّسول عبارة قوية ومباشرة: “إن كان أحدٌ يحسب نفسه نبيِّا أو روحيِّا فليعلم ما أكتُبُه إليكم أنَّه وصايا الرّب”.
  2. شهدت الكنيسة الأولى على أن رسالة كورنثوس الأولى اعتبرت قانونية ولها سلطان على الكنيسة والمؤمنين، وتشكل جزءًا أساسيًا من العهد الجديد. من الناحية التاريخية، تعتبر كتابات بولس الرّسول الكتب المقدّسة الأولى لكنيسة العهد الجديد.
  3. ذكر الكثير من آباء الكنيسة وغيرهم رسالة كورنثوس الأولى في قائمة الأسفار القانونية منذ بداية تاريخ الكنيسة. فمثلًا قائمة الكتب القانونية المسماة قانون موراتوريان (سنة 170) احتوت على رسالة كورنثوس الأولى، أيضًا اعتبرها مارسيون (بين سنة 140-150) بين الكتب القانونية.

9. النص الأصلي: النص اليوناني لرسالة كورنثوس الأولى في وضع جيد، ومعظم المخطوطات اليونانية الأساسية القديمة للرسالة هي أيضًا في وضع جيد وأهمها مخطوطات p65, p51, p46, D, C, B, A.

صلاة: نشكرك أيها الرّب الإله الّذي أعطيتنا هذه الرّسالة، واستخدمت في كتابتها رسولك الأمين بولس. أعطنا يا رب قلبًا محبًّا وعقلًا مستنيرًا حتى ندرك ما تعلّمنا إياه في إصحاحات هذه الرّسالة. باسم الرّب يسوع. آمين

الأسئلة:

1. ماذا تعلّمت عن مدينة كورنثوس؟

2. أذكر بعض الأدّلة الّتي تبرهن على أنّ بولس الرّسول هو من كتب هذه الرّسالة؟

3. ما هي أهم المواضيع الّتي تعالجها هذه الرّسالة؟

خطة لدراسة رسالة كورنثوس الأولى

أوّلًا: تحيات إلى كنيسة كورنثوس 1:1-3

ثانيًا: شكر الله على عمله في حياة القديسين 4:1-9

ثالثًا: مشكلة الإنشقاقات في الكنيسة 10:1-17

رابعًا: حكمة الله ـ التبشير بالمسيح المصلوب 18:1- 16:2

  • المسيح قوة الله وحكمة الله 18:1-31

(القسم الاوّل: الآيات 18-19)

(القسم الثّاني: الآيات 20-21)

(القسم الثّالث: الآية 22)

(القسم الرّابع: الآيات 23-31)

  • بولس الرَّسول ينادي بالمسيح بقوة الله 1:2-5
    • حكمة المسيح معلنة بالرّوح القدس6:2-16

(القسم الأوّل: الآيات 6-8)

(القسم الثّاني: الآيات 9-16)

خامسًا: خدام المسيح 1:3 -21:4

أ. عمال مع الله: تصحيح استنتاج خاطئ 1:3-23

  1. انقسامات وعدم نضوج روحي 1:3-9البناء على أساس المسيح 10:3-15الكنيسة هي هيكل الله 16:3-17الاعتماد الكامل على الله وليس النّاس 18:3-23

ب. خدام المسيح: خدمة الرسل 1:4-21

1. خدام أمناء 1:4-5

2. الكورنثيون المفتخرون والخدام المحتقرون 6:4-13

3. تحدي الكورنثيين أن يكونوا متواضعين 14:4-21

سادسًا: جواب بولس الرَّسول  على تقارير وصلت إليه 1:5 -20:6

أ. إدانة خطيّة الجنس بين المحارم 1:5-13

   (القسم الأول: الآية 1)

   (القسم الثّاني: الآيات 2-13)

ب. تطبيق مبادئ الأخلاق المسيحية على أمور قانونية 1:6-20

1. مبادئ مسيحية في أمور قانونية 1:6-11

    (القسم الأوّل: الآيات 1-6)

    (القسم الثّاني: الآيات 7-11)

2. تعاليم حول أمور جنسية 12:6-20

سابعًا: جواب بولس الرَّسول لأسئلة أثارتها الكنيسة 1:7 – 40:14

أ. تعليمات بخصوص الزواج 1:7-40

1. واجبات المسيحي في الزواج 1:7-16

   (القسم الأوّل: الآيات 1-6)

   (القسم الثاني: الآيات 7-16)

2. العبوديّة والحياة بحسب دعوة الله 17:7-24

3. تعليمات بخصوص العذارى 25:7-40

ب. تعليمات بخصوص الحرية المسيحية: الحقوق والواجبات 1:8 – 1:11

1. أكل اللحوم المقدمة للأوثان 1:8-13

  • مقارنة العلم بالمحبّة 1:8-3معنى أكل اللحوم المقدمة للأوثان 4:8-6استخدام الحرية يحذر 7:8-13

2. دفاع بولس الرَّسول عن حقوقه كرسول 1:9-18

أ. حقوق الرَّسول  1:9-12 أ

(القسم الأوّل: الآيات 1-2)

(القسم الثّاني: الآيات 3-12)

ب. حقوق لم يستخدمها 12:9ب- 18

3. إنكار الذات من أجل خدمة الله 19:9-27

4. تحذير الكنبسة من تكرار خطايا الشّعب القديم 1:10-13

  • تحذير من المشاركة في أكل ذبائح الأوثان 14:10-22حرية ولكن بحكمة: افعلوا كل شيء لمجد الرّب 23:10 – 1:11

ت. العبادة في الكنيسة 2:11 – 40:14

1. معنى التّقاليد والخضوع 2:11-3

2. اللياقة في العبادة: غطاء رأس المرأة 4:11-16

3. مشاكل أثناء تناول الطّعام قبل شركة عشاء الرّب 17:11-22

4. عشاء الرّب 23:11-26

5. من يستحق المشاركة في تناول عشاء الرّب 27:11-34

6. المواهب الروحية 1:12- 40:14

  • الرّوح القدس هو معطي المواهب الروحية 1:12-24

(القسم الأوّل: الآيات 1-6)

(القسم الثّاني: الآيات 7-24)

  • مواهب ومراكز في الكنيسة 25:12-31مركز المحبّة السامي 31:12 – 13:13

(القسم الأوّل:الآيات 1-7)

(القسم الثّاني: الآيات 8-13)

  • أولوية التنبؤ على الألسنة وقواعد استخدام كليهما 1:14-25ضبط التّكلم بألسنة والتّنبؤ 26:14-33عبادة النّساء في الكنيسة 34:14-40

ثامنًا: قيامة الرّب يسوع المسيح، وقيامة المسيحيين 1:15-58

أ. يذكّر بولس كنيسة كورنثوس بالإنجيل الّذي بشّرهم به 1:15-4

ب. شهود على قيامة الرّب يسوع المسيح 5:15-11

ت. أهمية قيامة الرّب يسوع من الموت 12:15-19

  • الرّب يسوع المسيح هو باكورة الرّاقدين  20:15-28
    • أمور يتضمنها إنكار القيامة من الموت 29:15-34
    • الطّبيعه الرّوحيّة لجسد القيامة 35:15-50
    • عند البوق الأخير 51:15-58

تاسعًا: الجمع من أجل المؤمنين في أوروشليم، طلبات، وتحيّات ختاميّة 1:16-24

أ. الجمع من أجل المؤمنين في أوروشليم 1:16-4

ب. أسئلة وطلبات من أجل إخوة في الكنيسة 5:16-18

ت. تحيات ختامية 19:16-24

أولًا: تحيات إلى كنيسة كورنثوس 1:1-3

الآية 1: “بولس، الْمَدْعُوُّ رَسُولًا لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَسُوسْتَانِيسُ الأَخُ.” يبدأ بولس الرّسول رسالته إلى الكنيسة في مدينة كورنثوس بذكر اسمه وتحديد خدمته ومركزه كرسول للرَّب يسوع المسيح. ويتبع بولس الرّسول هذا الأسلوب في كل رسائله في العهد الجديد باستثناء رسالة فيلبي ورسالتي تسالونيكي وفيلمون، حيث لا يذكر بولس الرّسول حقيقة كونه رسولًا. وتوجد أهمية واضحة لذكر رسوليته وإرساليته بسبب ما واجهه من تحدي أثناء خدمته في المدينة، كما جاء في كورنثوس الأولى 12:1 و1:9-27.

يؤكد بولس الرّسول  على حقيقة كونه رسولًا للرَّب يسوع المسيح بناءً على إرادة الله التي اختبرها بقوة في الطريق إلى دمشق، كما نقرأ في أعمال الرسل 15:9 “فَقَالَ لَهُ الرّب: اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ”، وكلمة رسول في الأصل اليوناني هي  ἀπόστολος(أبوستولوس) وتأتي من الفعل ἀποστέλλω(أبوستيلو) والّذي يعني يرسل أو يبعث. فالرّسول هو المُرسَل برسالة أو مهمة من الله إلى جميع النّاس، وعليه أن يؤدّيها بأمانة.

سوستانيس: كان اسمًا يونانيًّا شائعًا، وهو أخ لبولس الرّسول كما يقول، وأحد مساعديه المقربين. ولا بد وأن سوستانيس كان معروفًا لدى كنيسة كورنثوس، ومن المرجَّح أنه كان رئيسًا لمجمع كورنثوس (أعمال الرسل 17:18). لذلك إن كان فهمنا صحيحًا، فإن هذا يعني أن  سوستانيس قد اصبح مؤمنًا وتلميذًا للرّب يسوع، ولذلك ترك المجمع وأصبح خادمًا للرّب، ورافق بولس الرّسول في سفرته إلى أفسس.

يستخدم بولس الرّسول كلمة “المدعو” لوصف كيفيّة بداية خدمته للرّب يسوع المسيح. والكلمة في الأصل اليوناني هيκλητός (كليتوس) وقد وردت في عبارته “المدعوين قديسين”، وكذلك في الآية 9، أي أن الدعوة هي من الله العامل فينا والّذي يدعونا للخدمة. أي أن من يخدم الله لا يدعو نفسه للخدمة لتحقيق مكاسب أرضيّة أو زمنيّة. فخدمة الرّب يسوع هي دعوة إلهية وسماوية، وليست عملًا أو واجبًا أو وظيفة.

الآية 2: “إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمقدّسينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الّذينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا.” يطلق بولس الرّسول على المؤمنين في كورنثوس اسم “كنيسة الله” ἐκκλησία (إكليسيا)، والكلمة لها إرتباط بالعهد القديم، حيث كانت تطلق على جماعة الرّب، أو شعب الله، أو محفل الرّب، كما جاء في سفر العدد 3:16، و 4:20، وتثنية 1:23، وأخبار الأيام الأول 8:28. محفل الرّب أو جماعة إسرائيل كما في لاويين 17:16، وتثنية 30:31. وردت عبارة كنيسة الله في أعمال الرسل 28:20 وهنا في كورنثوس الأولى 2:1، وكورنثوس الثانية 1:1 وهي إشارة واضحة إلى الكنيسة بشكل عام (كورنثوس الأولى 9:15، كورنثوس الأولى 32:10).

وُصِفَ المسيحيون في كورنثوس بكونهم “قدّيسين” أي مفصولين أو مفروزين أو معينين لله، ودعوتهم “قدّيسين” تفيد بأنّهم مساويين لغيرهم من المؤمنين في كل مكان. وقوله في آخر الآية الثانية “لهم ولنا” يعتبر إشارة إلى وحدة الكنيسة في الرّب يسوع. فالمسيح هو رب لهم ولنا، أي لكنيسة كورنثوس ولغيرها من الكنائس.

الآية 3: “نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرّب يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” ترد هذه التّحيّة حرفيًا في رومية 7:1، وكورنثوس الثانية 2:1، وغلاطية 3:1، وأفسس 2:1 وفلمون 3. النعمة والسّلام هما من الله الآب والرّب يسوع المسيح، أي أن مصدرها إلهي، فالله الآب رتب فداء البشرية بواسطة الرّب يسوع المسيح وبنعمته، (كورنثوس الثانية 9:8 وأفسس 8:2، 9) كذلك حقق لنا الرّب يسوع المسيح بالفداء سلامًا مع الله (أفسس 14:2). وتشير كلمة “نعمة” إلى عطيّة مجانيّة من الله لكلّ من يؤمن بالرّب يسوع المسيح مخلّصًا شخصيّاً لحياته، كما نقرا في رسالة أفسس 8:2-9: “لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.” وتشير كلمة “السّلام” إلى حالة السّكينة والثّقة وانعدام الخوف في حياة المؤمن بالرّب يسوع، كما نقرأ في رسالة فيلبّي 7:4: “وَسَلاَمُ اللهِ الّذي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.”

صلاة: أبانا السّماوي، نشكرك من أجل نعمة الخلاص الّذي تقدّمه لنا بالإيمان على حساب دم الرّب يسوع المسيح الّذي مات من أجلنا على الصّليب. كما ونشكرك من أجل سلامك الّذي يملا قلوبنا، ويعطينا أن نعيش حياتنا من دون خوف او قلق. باسم الرّب يسوع المسيح نصلّي. آمين

سؤال: ما هو معنى كلمتي “النعمة” والسّلام”، وهل اختبرتهما في حياتك الشّخصيّة؟

ثانيًا: شكر الله على عمله في حياة القدّيسين 4:1-9

الآية 4: “أَشْكُرُ إِلهِي فِي كُلِّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لَكُمْ فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ.”  كعادته في رومية 8:1، وفيلبي 3:1-7، وكولوسي 3:1-8 وغيرها، يشكر بولس الرّسول الله من أجل الّذين يكتبُ إليهم. ويَرِد الفعل “أشكر” في صيغة الفعل المضارع المستمر، مما يدل على استمرارية الصلاة في حياة بولس الرّسول من أجل مَن يعظهم بالإنجيل، فهو يتشفّع أمام الله بالصّلاة من أجلهم (أفسس 16:1، فيلبي 3:1). يقدّم الله لنا دعوة رائعة بقلم بولس الرّسول، ألا وهي شكر الله من اجل الإخوة والأخوات المؤمنين في الرّب يسوع. وما تزال الكنيسة محتاجة اليوم ان يشكر فيها الإخوة والاخوات الله من اجل بعضهم البعض، وستبقى كذلك حتّى عودة رب المجد يسوع ثانية

يدرك بولس الرّسول هنا أن الله أعطاهم نعمته نتيجة إيمانهم ومحبّتهم للرّب يسوع المسيح. وأغنى حياتهم بأن مكنهم أن يتحدثوا عن معرفتهم لله بشكل شخصي (الآية 5)، وياتي ذلك نتيجة لعمل الله في حياة المؤمنين به.

يشدّد اليونانيون عادةً على المعرفة والحكمة (كورنثوس الأولى 18:1-25)، وكانت لديهم القدرة العقلية واللغوية للتعبير عن أفكارهم، ونعرف من دراسة تاريخ الحضارة اليونانيّة عن فلاسفة اليونان القدماء، وخصوصًا سقراط وتلميذه افلاطون، ومدى تاثير أفكارهم الفلسفيّة على الحضارة الغربيّه، بل وحضارة العالم أجمع. ومع ذلك، فإنّ نعمة الله تبقى الاسمى والاعظم، والّتي لا تقارن بكلّ ما أبدعته البشريّة جمعاء. وقد أغنى الله حياة المؤمنين في كنيسة كورنثوس روحيًا، أي أعطاهم إدراكًا وقدرة على التعبير والحديث بحكمة سماويّة. وتدل عبارة “من جهتكم” على الإمكانيات والتجارب المتصلة بأهل كورنثوس، كما هي موضحة بمقدرتهم على الكلام، وفي معرفتهم لحقّ الله وحكمته الّتي تجسدّت في حياة وتعاليم ربّ المجد يسوع..

الآيات 5-6: “أَنَّكُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ اسْتَغْنَيْتُمْ فِيهِ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ عِلْمٍ، كَمَا ثُبِّتَتْ فِيكُمْ شَهَادَةُ الْمَسِيحِ.” تشير عبارة “قد استغنيتم” إلى معرفتهم وقدرتهم على الحديث في الأمور المسيحية. والمعرفة المذكورة في الآية 5، لا تشير إلى معرفة غامضة سرية قائمة بذاتها ومنفصلة عن صليب المسيح، بحيث يمكنهم الوصول إلى الله والخلاص دون الصّليب، أي خلافًا لتعاليم بدعة الغنوسيين الّتي ظهرت في تلك الحقبة من التّاريخ. فالمعرفة الّتي يكتب عنها بولس الرّسول هي معرفة الرّب يسوع المسيح وقوة قيامته، وذلك كما جاء أيضًا في فيلبي 8:3-10: “إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الّذي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الّذي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الّذي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الّذي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ. لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ.”  فبولس الرّسول يتحدث عن معرفة راسخة مبنية على حقيقة شخص الرّب يسوع المسيح وموته على الصّليب، وليس معرفة سرية غامضة أو رمزية.

الآيات 7-8: “حَتَّى إِنَّكُمْ لَسْتُمْ نَاقِصِينَ فِي مَوْهِبَةٍ مَا، وَأَنْتُمْ مُتَوَقِّعُونَ اسْتِعْلاَنَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الّذي سَيُثْبِتُكُمْ أَيْضًا إِلَى النِّهَايَةِ بِلاَ لَوْمٍ فِي يَوْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” يتحدث بولس الرّسول هنا عن إحتياجاتهم الحالية والمستقبلية والضرورية للحياة المسيحية. والموهبة المذكورة هنا تتحدّث عن موهبة روحية، فقد كانت كل المواهب الرّوحيَّة وفيرة في حياتهم، ولم ينقصهم شيء منها، كما جاء في الإصحاحات 12، 14 بتوسع، وهذه المواهب كافية للجميع، وقادرة أن تحفظهم أقوياء وبلا عيب أمام الله عند مجيء الرّب يسوع المسيح.

تشير عبارة “مُتَوَقِّعُونَ اسْتِعْلاَنَ” إلى حقيقة مجيء الرّب يسوع المسيح ثانية في اليوم الأخير، وليس إلى كشف حقيقة مخفيَّة عن شخصه المجيد. (أنظر بطرس الأولى 7:1، 13).

الآية 9: “أَمِينٌ هُوَ اللهُ الّذي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.” كما دعاهم الله في الأصل إلى شركة، أي علاقة وصداقة حميمة وصلة قوية مع الرّب يسوع المسيح، فالله أيضًا أمين حتى يُكمِّل عمله، ويعطيهم النعمة والمواهب اللازمة في حياتهم اليومية (فيلبي 6:1). ونلاحظ هنا تكرار اسم “يسوع المسيح” أو “المسيح” خمس مرات في آيات قليلة، فكل خلاصنا الماضي والحاضر والمستقبلي مبني على عمل الفداء الّذي أتمّه الرّب يسوع المسيح على الصّليب.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل الحكمة السّماويّة الّتي تعطيها لكنيستك الحيّة من فضل نعمتك الفائقة والغنيّة. ونسألك يا رب ان تعيننا بقوة عمل الرّوح القدس في حياتنا، حتّى نفكّر ونعمل ونتحدّث بنعمتك كل أيّام حياتنا. باسم الرّب يسوع. آمين.

سؤال: برأيك، ما هو الفرق بين حكمة العالم وحكمة السّماء؟

ثالثًا: مشكلة الإنشقاقات في الكنيسة 10:1-17

بناء على التقرير الّذي استلمه بولس الرّسول حول وجود انشقاقات في كنيسة كورنثوس، كتب بوحي من الله عن هذا الموضوع المزعج الّذي كانت تمرّ به الكنيسة، والّذي لا يزال موجودًا حتّى اليوم في كنيسة المسيح في معظم دول العالم. ولم يكتف بولس بالاشارة إلى موضوع الانشقاقات، بل علّم ووعظ الكنيسة كيف يجب ان تتصرّف وتعمل من اجل انهاء الإنشقاقات في الكنيسة.

الآية 10: “وَلكِنَّنِي أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَقُولُوا جَمِيعُكُمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلاَ يَكُونَ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٌ، بَلْ كُونُوا كَامِلِينَ فِي فِكْرٍ وَاحِدٍ وَرَأْيٍ وَاحِدٍ.” قوله “أطلب” يعني اشجعكم أو أعظكم بالحُسنى. وهو يطلب باسم ربنا يسوع المسيح أن يقولوا قولًا واحدًا، أي أن يكونوا متَّفقين في الرّوح والرأى والفكر، وألّا يكون بينكم انشقاقات. لدينا هنا ذكر واضح وصريح عن انشقاقات جماعة المؤمنين في كنيسة واحدة، وما يحزن القلب أن هذا الإنشقاق أصبح عالميًّا، وظاهرة مؤلمة ومؤسفة رافقت الكنيسة المسيحية في تاريخها الطّويل، حيث توجد اليوم أعداد ضخمة من الطوائف المسيحية غير المتفقة في الرأى والفكر.

الآية 11: “لأَنِّي أُخْبِرْتُ عَنْكُمْ يَا إِخْوَتِي مِنْ أَهْلِ خُلُوي أَنَّ بَيْنَكُمْ خُصُومَاتٍ.” نكتشف هنا أن معرفة بولس الرّسول عن الخصومات في الكنيسة جاءت عن طريق بيت أهل خُلُوي. وردت هذه الكلمة اليونانية Χλόη “خُلُوي” فقط هنا في العهد الجديد، ولذلك لا توجد معلوماتٍ كافية لمعرفة ما تعنيه الكلمة بالضّبط. وتوجد اجتهادات كثيرة كتبها مفسّرو العهد الجديد على مدى تاريخ الكنيسة لمعرفة حقيقة المعنى. فهنالك من يقول بأنّ الكلمة كانت تُطلق على العبيد، أو أنّها كانت اسم آلهة قديمة. ولكن المؤكّد لدينا أن الكلمة هنا تشير إلى اسم امرأة كان لها اعتبارها وقيمتها في كنيسة كورنثوس، وبالتّالي فإنّ استشاد بولس الرّسول بما سمعه من اهل بيتها لا يمكن تجاهله. وهكذا فإن إشارة بولس الرّسول إلى خُلُوي تدل على أن هذه المرأة كانت معروفة عند الكنيسة في كورنثوس، وواضحٌ أن أفرادٌ من أهل بيتها قد أخبروا بولس الرّسول بالمشاكل والانقسامات في  الكنيسة.

في الآية 12: “فَأَنَا أَعْنِي هذَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: أَنَا لِبولس، وَأَنَا لأَبُلُّوسَ، وَأَنَا لِصَفَا، وَأَنَا لِلْمَسِيحِ.” نستنتج من هذا الكلام أن الكنيسة في كورنثوس كانت على الأقل منقسمة إلى أربعة أقسام، وكل قسم له تركيز على أمور معينة، ويتبعون قائدًا معينًا:

  1. الفريق الأول كانوا يتبعون بولس الرّسول، لأنه كان رسول الأمم ومُنشئ كنيستهم. وقد رفض بولس أن يكون له أتباع أو أن يكون له اعتبار، فقد كان قمّةً ومثالًا في التواضع.
  2. الفريق الثاني كانوا يتبعون أبُولوس، الواعظ الفصيح والمتعلم من الإسكندرية (أعمال الرسل 24:18، 1:19 وتيطس 13:3).
  3. الفريق الثالث كانوا يتبعون صَفا، أو Κηφᾷ “كيفا”، وهذا كان الإسم الآرامي لبطرس الرّسول كما جاء في يوحنا 42:1.
  4. الفريق الرابع كانوا يتبعون الرّب يسوع المسيح، ويبدو هنا أن هذا الفريق كان يدَّعي أن لهم علاقة سريَّة مميزة بالمسيح (راجع كورنثوس الثانية 7:10) أو ربما أنهم شددوا على إتباع المسيح أولًا وقبل كل شيء، لأن الآخرين يتبعون رجالًا وقادةً في الكنيسة أكثر مما يتبعون الرّب نفسه.

لذلك يسارع بولس الرّسول في الآية 13 ليسأل: “هَلِ انْقَسَمَ الْمَسِيحُ؟ أَلَعَلَّ بولس الرّسول صُلِبَ لأَجْلِكُمْ، أَمْ بِاسْمِ بولس الرّسول اعْتَمَدْتُمْ.” وذلك لينفي أية مصداقية لهذه الإنقسامات. فالمسيحيون هم واحد في المسيح الّذي هو واحد ولا ينقسم. أي أن سؤاله “هل إنقسم المسيح” يفترض بأن تكون الإجابة بالنفي. ويعيد سؤاله بصيغة أخرى ليبين لهم أنه لم يصلب لأجلهم، وبأن معموديتهم لم تكن باسمه، وهذا إشارة إلى أنها تمت باسم الرّب يسوع المسيح.

الآيات 14-16: “أَشْكُرُ اللهَ أَنِّي لَمْ أُعَمِّدْ أَحَدًا مِنْكُمْ إِلاَّ كِرِيسْبُسَ وَغَايُسَ، حَتَّى لاَ يَقُولَ أَحَدٌ إِنِّي عَمَّدْتُ بِاسْمِي. وَعَمَّدْتُ أَيْضًا بَيْتَ اسْتِفَانُوسَ.[1] عَدَا ذلِكَ لَسْتُ أَعْلَمُ هَلْ عَمَّدْتُ أَحَدًا آخَرَ.” يقول بولس الرّسول بأنه إن كان البعض في كنيسة كورنثوس يتبعونه لأنه عمّد عددًا قليلًا منهم، فهذا سبب غير صحيح. فقد عمّد فقط كريسبُس، الّذي كان رئيس مجمع كورنثوس (أعمال الرسل 8:18)، وغايس الّذي كان مضيف بولس الرّسول (رومية 23:16)، وبيت استيفاناس الّذين كانوا أول من آمنوا في آخائية وخدموا القديِّسين (كورنثوس الأولى 15:16).

الآية 17: “لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يُرْسِلْنِي لأُعَمِّدَ بَلْ لأُبَشِّرَ، لاَ بِحِكْمَةِ كَلاَمٍ لِئَلاَّ يَتَعَطَّلَ صَلِيبُ الْمَسِيحِ.” نجد هنا سبب عدم تشديد الرّسول على المعمودية، وهو أن مهمته الأساسية كانت التبشير بالإنجيل (أعمال الرسل 17:26؛ 18)، وأنّ المعمودية كانت نتيجة الإيمان. وحديثه عن أن مهمته الأولى هي التبشير، كانت مناسبة ليخبرهم أن تبشيره لم يكن بحنكة أو حكمة بشرية وحُسن إختيار الكلمات، لأن جوهر التبشير هو اخبار النّاس عن صليب الرّب يسوع المسيح. فالصّليب هو أساس وجوهر رسالة الكنيسة.

صلاة: أبانا السّماوي. أصلي اليك اليوم من أجل كنيستك في العالم اجمع، وأسالك يا إلهنا القدّوس ان تعمل بقوّة الرّوح القدس في قلوب جميع المؤمنين بك أن تمتلىء قلوبهم بالمحبّة القلبيّة الصادقة لشخصك ولبعضهم البض، ممّا يؤدي إلى تمجيد اسمك وإلى معرفة العالم بأننّا تلاميذ أمناء لشخصك، وأنّنا نصبح فعلًا أن نورًا وملحًا للأرض. أصّلي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين

سؤال: برأيك، ما الّذي أدّى إلى انقسام الإخوة والأخوات في كنيسة كورنثوس، وما هو المطلوب عمله من الكنيسة اليوم لعلاج الإنقسامات والحفاظ على وحدة المؤمنين؟

رابعًا: حكمة الله – التبشير بالمسيح المصلوب 18:1-16:2

أ. المسيح: قوة الله وحكمة الله 18:1- 31

(القسم الأوّل: الآيات 18-19)

عرفنا من قول بولس الرّسول في الآية 17 أنّه لم يأت ليبشر بحكمة بشرية، لذلك فإن رسالته الواضحة والمباشرة عن الصّليب أنتجت أثرين.

في الآية 18: “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصّليب عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ.” عبارة “كلمة الصّليب” في الأصل اليوناني  هي Ὁ λόγος γὰρ ὁ τοῦ σταυροῦ. (هو لوجوس هو تو ستاورو). تتكرّر كلمة λόγος  (لوجوس)  في العهد الجديد 331 مرّة، وهي كلمة غنيّة في المعاني، واكثر إستخدامٍ لها هو في الحديث عن الرّب يسوع باعتباره الكلمة الأزلي (أنظر يوحنّا 1:1؛ 14). ومن معاني كلمة λόγος: كلمة، وتعليم، وكلام، وإعلان سماوي، وعقيدة، وأقوال الله، وتعليمات. أي أنّ الحديث هنا يدور عن عقيدة الصّليب، مع أنّ الترجمة العربيّة تستخدم عبارة “كلمة الصّليب”، قإنّ المقصود في الاصل اليوناني هو كلّ ما يتعلّقٌ بعقيدة الخلاص الإلهي للجنس البشري بواسطة سفك دم الرّب يسوع المسيح على الصّليب من أجل خلاص العالم أجمع. فالرّب يسوع لم يمت شهيدًا على الصّليب، بل مات من أجل التّكفير عن خطايا العالم بدمه، وبالتّالي فداء كل من يؤمن به، ومصالحته مع الله. وهذا هو معنى الآلام الّتي عاناها الرّب يسوع على الصّليب.

تُعتَبرُ عقيدة الخلاص بالتّكفير بدم الرّب يسوع على الصّليب جهلٌ وغباء بالنّسبة لمن وصفهم بولس الرّسول “بالهالكين”، أي الّذين مصيرهم الموت والعذاب الأبدي في بحيرة النّار والكبريت، فهؤلاء الخطاة يسخرون بصليب ربّ المجد يسوع، بلكيلك فإنّهم يتطاولون ويضطهدون المؤمنين بالرّب يسوع وصليبه. وهؤلاء الهالكون هم نقيض مباشر للمخلّصين الّذين نالوا غفران الله وخلاصه، وذلك لأن عقيدة الصّليب بالنّسبة للمؤمنين المخلّصين هي قوة الله. (أنظر رومية 16:1).

اعتبر قادة ومفكّروا العالم القديم، وخصوصًا القيادات الدّينيّة للشّعب القديم، من الكتبة والفرّيسيّين والصّدوقيّين، وأتباع الفلسفة اليونانيّة، ومعهم كثيرين غيرهم من اتباع العقائد والدّيانات الوثنيّة المختلفة، اعتبروا ما يقوله المسيحيّون عن الصّليب بأنّه جهلٌ وغباء وسفسطة وخداعٌ وضلال. فكيف يمكن أو يعقل لشخصٍ ولد في أسرة بسيطة وفقيرة، وعاش في مدينة سمعتها رديّة مثل النّاصرة (أنظر يوحنّا 46:1)، وكان له عددً قليلً من الأصدقاء والاتباع، وكان مرفوضًا من أهل بلده وأقربائه، ومات موتة العبيد والمجرمين على الصّليب، كيف يمكن أن يكون شخصٌ كهذا سبب خلاص البشريّة جمعاء. فجميع هؤلاء لم يعرفوا، بل ولم يريدوا ان يبحثوا ليعرفوا، بأن يسوع كان مسيح الرّب، وبأنّه الله المتجسّد الّذي جاء من السّماء بدافعٍ من محبّته الأبديّة للنّاس الّذين خلقهم، لكي يدفع بدمه الطّاهر ثمن خطاياهم، وذلك بحسب قانون السّماء المعلن في النّاموس، والّذي نصّه: “بِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ.” (عبرانيّين 22:9).

الآية 19: “لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: سَأُبِيدُ حِكْمَةَ الْحُكَمَاءِ، وَأَرْفُضُ فَهْمَ الْفُهَمَاءِ.”  في تشديده على أن قوة الله للخلاص هي في الصّليب، يقتبس بولس الرّسول المقطع الثّاني ممّا جاء في سفر النّبي إشعياء 14:29: “لِذلِكَ هأَنَذَا أَعُودُ أَصْنَعُ بِهذَا الشَّعْبِ عَجَبًا وَعَجِيبًا، فَتَبِيدُ حِكْمَةُ حُكَمَائِهِ، وَيَخْتَفِي فَهْمُ فُهَمَائِهِ.” وذلك لكي يبيّن لنا بأنّ الله يرفض حكمة النّاس كسبيل إلى الخلاص. وهكذا نجدّ بأنّ الله قد عمل في الصّليب على كشف حقيقة الحكمة البشريّة المحدودة، وحقيقة فهم البشريّة العاجز عن فهم حكمة وطرق الله. وتذكّرنا هذه الكلمات بما كتبه أيضًا النّبي إشعياء في 8:55: “لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ، وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي، يَقُولُ الرّب.”

صلاة: أشكرك أيّها الآب السّماوي من اجل صليب ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، فنحن نؤمن أنّك بالصّليب كفّرت عن خطايانا بدم الرّب يسوع المسيح، وأعطيتنا الخلاص الابدي من فيض نعمتك، وأنقذتنا من حياة الجهل الّتي تقود إلى الهلاك، وأصبحنا بالإيمان مخلّصين وورثة للحياة الابديّة. نصلي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: من هم الجهلة، ولماذا رفضوا كلمة الصّليب؟ وكيف نردّ عليهم؟

أ. المسيح: قوة الله وحكمة الله 18:1- 31

(القسم الثّاني: الآيات 20-21)

الآية 20: “أَيْنَ الْحَكِيمُ؟ أَيْنَ الْكَاتِبُ؟ أَيْنَ مُبَاحِثُ هذَا الدَّهْرِ؟ أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟” يسأل بولس الرّسول هنا عن ثلاثة أنواع من النّاس في المجتمعات البشريّة:

1. الحكيمُ: الكلمة في الأصل اليوناني هي σοφός (سوفوس)، وهي كلمة غنيّة في المعاني، ومنها: حكيم، ومتعلّم، وذكي، ومثقّف، وماهر، وخبير، وحاذق، ومتمكّن، وخبير. أي أنّ الحديث هنا يدور عن شخص مميّز جدًّا، وعنده قدرات عقليّة ومعرفة كبيرة. وقد قصد بولس هنا رجال الفلسفة والحكمة اليونانيّة. ولكن بالرّغم من كل هذه الإمتيازات الّتي يمتلكها مثل هذا الإنسان الحكيم والمثقّف، فإنه لم يستطع بكل حكمته ومهارته أن يفهم حكمة الله الّتي تجسّدت في الصّليب.

 2. الكاتبُ: الكلمة في الأصل اليوناني هي γραμματεύς (جراماتيووس)، وتعني الشّخص الّذي يقوم بنسخ المخطوطات من أجل كتابة نسخة جديدة من مخطوطة قديمة، أي أنّ المقصود هو النّاسخ أو الكاتب. ورد ذكر “الكتبة” في الإنجيل المقدّس 64 مرّة، وقد كانوا خبراء وضليعين في ناموس موسى وبقيّة كتابات العهد القديم وتقاليد شيوخ الشّعب القديم، أي أنّهم كانوا علماء ومفسّري الشّريعة معلمّي الشّعب. وقد ورد السّؤال عن “الكاتب” قبلًا في سفر إشعياء النّبي: “أَيْنَ الْكَاتِبُ؟” (إشعياء 18:33). اتّخذ الكتبة موقف الرّفض والعداء لشخص الرّب يسوع منذ بداية خدمته، وحتّى صعوده إلى السّماء. وما يلفت النّظر هنا هو أنّه بالرّغم من معرفتهم الكبيرة وضلوعهم في كلّ كتب العهد القديم، ومعرفتهم لكلّ النّبوات المتعلّقة بشخص المسيّا المنتظر، إلّا أنهم فشلوا في رؤية إتمام النّبوات في شخص الرّب يسوع المسيح، ولم يدركوا حكمة الله في الخلاص بسفك دم المسيح على الصّليب.

3. مباحثُ هذا الدهر: الكلمة في الأصل اليوناني هي συζητητής (سودزايتيتس)، وتعني مُجادل أو مناظر وكل محبٍّ للنّقاش. ولم ترد الكلمة في أيّ موقعٍ آخر في العهد الجديد، وهي وصفٌ لأيِّ شخصٍ يحترف الغوص في مناقشاتٍ حامية وحادّة في أمور الفلسفة والدّين والعقائد. ومن خلال قراءة العهد الجديد، نستنتج أنّ بعض الفرّيسيّين في أيّام الرّب يسوع كانوا من كبار المجادلين، ومع ذلك فإنهم، مثل الكتبة والحكماء، فشلوا في إدراك حكمة الله في الصّليب.

 بعد أن سأل بولس الرّسول عن الحكماء والكتبة والمجادلين، طرح سؤالًا بليغًا: “أَلَمْ يُجَهِّلِ اللهُ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ؟” أي هل يوجد بين رجال الفلسفة والحكمة والمعرفة والجدل من يقدر أن يعمل مثلما عملت رسالة صليب الرّب يسوع المسيح في الكون؟ أي أنّ كل هؤلاء المفكّرين والمثقّفين قد تمّ وضعهم في خانة الجهلاء عندما ظهرت حكمة الله متجسّدة في صليب ربّ المجد يسوع. نجد في سؤال بولس الرّسول صدىً لما كتبه نبيّ الله إشعياء قبل حوالي 800 سنة من أيّام رب المجد يسوع: “هكَذَا يَقُولُ الرّب فَادِيكَ وَجَابِلُكَ مِنَ الْبَطْنِ: أَنَا الرّب صَانِعٌ كُلَّ شَيْءٍ، نَاشِرٌ السَّمَاوَاتِ وَحْدِي، بَاسِطٌ الأَرْضَ. مَنْ مَعِي؟ مُبَطِّلٌ آيَاتِ الْمُخَادِعِينَ وَمُحَمِّقٌ الْعَرَّافِينَ. مُرَجِّعٌ الْحُكَمَاءَ إِلَى الْوَرَاءِ، وَمُجَهِّلٌ مَعْرِفَتَهُمْ.”. إشعياء 24:44؛ أنظر أيضًا مزمور 1:14). ففي الصّليب، أعطى الله للعالم رجاءً حيًّا بالخلاص من الخطيّة وعقابها، وحياة الفرح والقداسة في العالم، والحصول على الحياة الابديّة بعد رقاد الجسد. وكل هذه الأمور عجزت حكمة ومعرفة العالم أن تقدّمها للجنس البشري.

الآية 21: “لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ، اسْتَحْسَنَ اللهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةِ الْكِرَازَةِ.” أجاب بولس الرّسول على السؤال الثلاثي “أين، أين، أين” بقوله أن الله جعل حكمة هذا العالم بمثابة الجهل. فالعالم سعى بحكمته، والتي هي أصلًا معطاة من الله، أن يعرف الله، ولكنه فشل وذهبت جهوده العقليّة عبثًا. لقد كان قصد الله منذ البدء أن يُخلِّص كلّ الّذين يؤمنون بالرّب يسوع من كلّ أشكال الخطيّة والجهل والخداع والرّذيلة، بواسطة التبشير والكرازة بالصّليب، والتي يعتبرها العالم البعيد عن الله جهل وغباء.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على نعمة الخلاص بواسطة ذبيحة الرّب يسوع الّذي سفك دمه على الصّليب لكي يطهرنا من خطايانا. نشكرك يا رب لأنّ خلاصنا لا يعتمد على حكمة وعلم وذكاء هذا العالم، بل على حكمتك السّماوية الّتي تجسّدت في الصّليب. نسألك يا رب ان تمدّنا بالقوة في الرّوح القدس العامل فينا لكي نشهد لك كلّ أيّام غربتنا في هذا العالم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ماذا تعلّمت عن حكمة هذا العالم، وكيف أبطلها الله؟

أ. المسيح: قوة الله وحكمة الله 18:1-31

(القسم الثالث: الآية 22)

الآية 22: “”لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً.” يقول بولس الرّسول في تفسير سعي النّاس في طلب الله، أنّ “الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً”، أي أنّهم يطلبون أو يريدون عجائب ومعجزات. ما يقوله بولس الرّسول عن اليهود لم يأتِ من فراغ، بل له جذور تاريخيّة تمتدّ لمئات السّنين. فلو عدنا إلى سفر الخروج، سنجد أنّ خروج بني إسرائيل من مصر قد تمّ بعد معجزاتٍ وآيات أجراها الله بيد نبيّه موسى. وأثناء الخروج شقّ الله لهم البحر الأحمر، وقادهم بعمود نار في الصحراء. وفي أيّام رحيلهم في بريّة سيناء، أطعمهم من المنّ والسّلوى، وأخرج لهم ماءً من صخرة لسقايتهم. وعندما دخلوا أرض كنعان، شقّ لهم نهر الأردن، وأعطاهم انتصاراتٍ كثيرة بواسطة آياتٍ عملها معهم. كذلك أجرى الله آياتٍ كثيرة على أيدي عددٍ من أنبياء العهد القديم.

وفي أيّام الرّب يسوع المسيح، طلب اليهود منه أن يجري لهم آياتٍ كشرط للإيمان به. نقرا في الإنجيل بحسب البشير متّى 1:16: “وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ.” كذلك نقرأ في مرقس 11:8: “فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَابْتَدَأُوا يُحَاوِرُونَهُ طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يُجَرِّبُوهُ.” (أنظر أيضًا لوقا 16:11). وعند قراءة الإنجيل، نكتشف أنّ الرّب يسوع قد أجرى آيات وعجائب كثيرة لم يسبق لأحدٍ أن عمل مثلها، وشاهدها أو سمع عنها عددً كبير من الكتبة والفرّيسيين والشّعب، ومع ذلك لم يؤمنوا به، وطالبوه بالمزيد من الآيات.

نقرأ في متّى 38:12-41: “حِينَئِذٍ خاطبهُ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ: يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً. فَأَجابَ وَقَالَ لَهُمْ: جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا.” عندما طلب رجال الدّين من الرّب يسوع مرّة أخرى أن يعطيهم آية، ذكّرهم رب المجد بما جرى مع نبيّ الله يونان الّذي خرج من بطن الحوت حيًّا بعد ثلاثة أيّام، وحقيقة إيمان أهل نينوى بكلام نبيّ الله يونان وتوبتهم عن خطاياهم. ثمّ أعلن لهم كيف أنّه نفسه سيموت وسيقوم بعد ثلاثة أيّام، أي أنه أعطاهم نبوّة عن موته القادم وعن قيامته من بين الأموات، والّتي كانت أعظم آية قام بها رب المجد يسوع. ومع ذلك لم يؤمنوا به.

لذلك عندما نقرأ قول بولس الرّسول بأن “اليهود يطلبون آية”، علينا أن ننتبه بأنّ هذا الطّلب لا يعني أبدًا بأنّهم سيؤمنون في حالة حصولهم على طلبهم، فالآيات لم تؤدِّ في أيّام نبي الله موسى إلى إيمان المصريّين. كذلك الآيات الّتي أجراها الله في وسط الشّعب القديم لم تمنعهم من الإرتداد عن الله، وعبادة الاوثان، وارتكاب شتّى أنواع الخطايا والشّرور. كذلك علينا أن نتذكّر بأنّ الشيطان قادرٌ على عمل المعجزات بواسطة الأنبياء والمسحاء الكذبة، كما قال الرّب يسوع في متّى 24:24: “لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ، حَتَّى يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا.” وكما كتب بولس الرّسول في رسالة تسالونيكي الثّانية 9:2: “الّذي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ.”

اجرى الرّب يسوع الآيات والعجائب لأغراضٍ محدّدة، واستخدمها الله على أيدي الرّسل، كما نقرأ في أعمال الرّسل 43:2: “وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ.” ومع ذلك، فالإيمان بالرّب يسوع كان وسيبقى مؤسّسًا على العقائد الحقيقيّة، وعلى أساس محبّة الله الّتي ظهرت وتجسّدت في حياة الرّب يسوع وموته على الصّليب من أجل التّكفير عن خطايا العالم أجمع.

“وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً.” وردت كلمة حكمة، وهي في الأصل اليوناني σοφία (صوفيا) 51 مرّة في العهد الجديد، وأكثر استخدام لها نجده هنا في رسالة كورنثوس الأولى، وسبب ذلك هو انّ مدينة كورنثوس كانت موجودة في اليونان المعروفة بفلاسفة الإغريق الكبار، وكانت مدينة مزدهرة جدًا. وآمن عدد جيّدٌ من مواطنيها برسالة الإنجيل، وانضموا لكنيسة كورنثوس بخلفيّتهم الثّقافيّة المبنيّة على الفلسفة والحكمة اليونانيّة. هذه الحقيقة دفعت بولس الرّسول، وبوحيٍ من الله، أن يشير إلى هذه الحقيقة الّتي كانت معروفة جدًّا عن اليونانيّين، وهي أنّهم يطلبون الحكمة والفلسفة والمعرفة، لأنهم كانوا يعتقدون أنّه بهذه الوسائل يمكنهم الحصول على أجوبةٍ لأسئلتهم عن الحياة وعن الله.

صلاة: نشكرك يا إلهنا الصّالح والقدّوس من أجل عملك العجيب في حياتنا، فأنت يا رب جدّدتنا ونقلتنا من حالة الموت في الذّنوب والخطايا، إلى حالة الخلاص والحياة الجديدة بالإيمان بربّنا يسوع المسيح. نعم يا رب، نشكرك من أجل عملك في حياتنا وتجديدنا، و هذه هي أعظم معجزة اختبرناها عندما تُبنا عن خطايانا، وقبلناك ربًّا ومخلّصًا لحياتنا. أصّلي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: هل نحتاج في أيّامنا إلى عجائب ملموسة لكي نؤمن بشخص الرّب يسوع المسيح؟

أ. المسيح: قوة الله وحكمة الله 18:1-31

(القسم الرّابع: الآيات 23-31)

الآية 23: “وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً.” يوضح بولس الرّسول هنا أنه يبشّر ويكرز بالمسيح المصلوب، أي بحقيقة الخلاص عن طريق الإيمان وقبول شخص الرّب يسوع المسيح الّذي مات على الصّليب من أجل دفع ثمن خطايا العالم. فالصّليب له عمل كَفّاري مستمر، ولذلك فإن رسالته كانت سبب عثرةٍ لليهود الّذين كانوا يتوقعون مخلصًا سياسيًا وعسكريًا، وليس مسيّا مُسالم ووديع ومحب، ويموت ميتةً قاسية على صليبٍ روماني. أمّا بالنّسبة لبقية الأمم (ليس فقط اليونان كما في الترجمة العربية)، حيث أنّ الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي ἔθνεσιν (إثنيسين) بصيغة الجمع، ومفردها كلمة  ἔθνος(إثنوس) وتعني شعب، أو أمّة، أو جنس، أو عرق. أي أنّ الكلمة تشير إلى كلّ شعوب العالم الّذين لم يكونوا على معرفة بالله الحقيقي خالق ورب الوجود، وخصوصًا اليونان والرومان. بالنّسبة للأمم، كان الصّليب يمثّل الجهالة، لأن المجرمين والعبيد والغرباء كانوا يُعدَمونَ بالصّليب، ولم يدرك اليونان والرومان كيف يمكن للصليب أن يقدم لهم أي مقياس أخلاقي أو روحي أو فلسفي يساعد في خلاصهم.

الآية 24: “وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.” يكشف لنا الله هنا بقلم بولس الرّسول بأنّ عنده مدعوّين ومختارين من اليهود وغيرهم من امم وشعوب الأرض، بما في ذلك اليونانيّين والرومان. وقد وعظ لهم بولس الرّسول معلّمًا ومعلنًا بأنّ قوة الله غير المحدودة، وحكمتة السّماويّة الفائقة، قد تجسّدت في شخص الرّب يسوع من أجل خلاصهم.

الآية 25: “لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النّاس، وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النّاس.” اعتبر اليونانيّون الكرازة بالإنجيل غباء وجهالة (راجع الآية 23 فوق)، وبما أنّ الإنجيل هو كلمة الله، فإنّ ذلك يعني بالنّسبة لليونانيين أنّ الكرازة بالإنجيل، أي برسالة الخلاص بالصّليب، هي جهالة الله. فالوعظ بالصّليب بالنّسبة للهالكين هو جهل وغباء، لذلك يسارع بولس الرّسول ليقول لمثل هؤلاء بأنّ ما تعتبرونه جهالة الله هو أحكم من كل النّاس. كذلك يشير بولس الرّسول في قوله هذا إلى عظمة وسمو حكمة الله وقدرته، وذلك بقوله أن أقل فكرة في ذهن الله هي أحكم من كل حكمة النّاس. ثمّ أشار بولس الرّسول إلى أن أبسط أو أضعف مظهر في خليقة الله هو أقوى من النّاس. فكل ما لدى النّاس من قوة وجبروت وذكاء وعبقرية كأنّه لا شيء أمام الله الكلي القدرة والمعرفة.

الآيات 26-29: “فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ.”  بعد المقارنة بين عظمة الله وضعف النّاس، ينتقل بولس الرّسول للحديث عن الظروف التي كان يعيش فيها المؤمنون قبل دعوتهم. ونعرف من قراءة العهد الجديد بأنّ غالبيّة المؤمنين بالرّب يسوع في ايّام بولس الرّسول وقبله كانوا من البسطاء والفقراء وصيّادي السّمك، ويبين لنا أن عددًا قليلًا منهم كان ينتمي إلى الفئات الاجتماعيّة الثلاث المميَّزة في المجتمع الروماني:

  1. dunatoi (دوناتوي) تشير إلى أصحاب النفوذ الإجتماعي والإقتصادي والسياسي في المجتمع.

تشمل دعوة الله جميع النّاس، بغض النّظر عن الطّبقة الإجتماعيّة، أي أنّها تشمل الإنسان البسيط والضعيف والفقير، كما تشمل الحكماء والأقوياء والشّرفاء. فقد إختارهم الله جميعًا وبدون أيّ تمييز، وذلك لكي يشعر كل من يفتخر بالقوة والحكمة البشرية والمركز الإجتماعي، بالخجل، وأن يتواضع أمام الله، كما نقرأ في إرمياء 24:9 “بَلْ بِهَذَا لِيَفْتَخِرَنَّ الْمُفْتَخِرُ: بِأَنَّهُ يَفْهَمُ وَيَعْرِفُنِي أَنِّي أَنَا الرّب الصَّانِعُ رَحْمَةً وَقَضَاءً وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ لأَنِّي بِهَذِهِ أُسَرُّ يَقُولُ الرّب.” وأن يفتخر كلّ من يفتخر من البشر بالرّب ولا يفتخر بأيّ شيءٍ آخر، وذلك كما يضيف بولس الرّسول في الآية 31: “مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرّب”.

الآية 30: “وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الّذي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً.” يشير بولس الرّسول في قوله “أنتم بالمسيح يسوع” إلى جميع الّذين خَلَصوا من خطاياهم وأصبح لهم علاقة حقيقية بالرّب يسوع لمسيح الّذي صار لنا “حكمةً من الله” أي أنّ الرّب يسوع المسيح يجسّد حكمة الله في شخصه القدّوس، أي[2] “برًا وقداسة وفداء”. يعني هذا الكلام أن حكمة الله جعلت من المسيح سببًا لتبريرنا وتقديسنا وفدائنا. نلاحظ هنا انتقال بولس الرّسول في الحديث من ضمير المخاطب “أنتم” إلى ضمير المتكلم “نحن”، أي أن كل المسيحيين، بما فيهم بولس الرّسول نفسه، لهم هذه الوحدة والعلاقة مع الرّب يسوع المسيح.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل دعوتك الّتي تشمل جميع النّاس ولا تستثني أحدًا، وبغض النّظر عن فقرِ أو غني الإنسان، وكذلك بغض النّظر عن علمه وثقافته ومكانته الإجتماعية، وانتمائه العرقي والقومي والوطني. فأنت يا رب تحب الجميع، وتريد الخلاص للجميع، ولذلك نشكرك على دعوتك الشّموليّة ونعمتك الغنيّة. نصلي هذا باسم الرّب يسوع المسيح.

سؤال: كيف كانت نظرة الشّعوب المختلفة لحكمة الله، وكيف ردّ عليهم بولس الرّسول؟

ب. بولس الرّسول ينادي بالمسيح بقوة الله 1:2-5

الآية 1: “وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ.” مرة أخرى يتناول بولس الرّسول موضوع الخلاص بصليب الرّب يسوع المسيح، و`ذلك ليس على أساس الحكمة والمنطق البشري. ففي إشارة إلى زيارته إلى كورنثوس (أعمال الرسل 1:18-18) يقول بأن وعظه لهم لم يكن بقوة الكلام وبمنطق الحكمة، بل جاء مناديًا بسر الله[3] الّذي أُعْلِن للعالم أجمع في تجسّد الكلمة الأزلي، أي الرّب يسوع المسيح.

الآية 2: “لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا.” يشدد بولس الرّسول على أن غايته الوحيدة هي معرفة يسوع المسيح الّذي صُلبَ على صليب روماني في اوروشليم. والّذي موته كان وما يزال كافيًا لغفران خطايا العالم (غلاطية 16:2)..

الآية 3: “وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ.” لا يتحدّث بولس الرّسول هنا عن ضعفٍ جسدي، أو خوف من النّاس، ولكنّه أمام حقيقة الله المتجسد، وضعفه كإنسان في محضر الله، نجد بولس الرّسول مرتعدًا ومتواضعًا.

الآيات 4-5: “وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرّوح وَالْقُوَّةِ، لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النّاس بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ.” يؤكّد بولس الرّسول هنا أنّ خدمته للرّب، وخصوصًا في التّعليم والوعظ، كانت كلها بالقوة المعطاة له من الرّوح القدس، لكي لا يكون إيمانهم سطحيًا ومبنيًا على الحكمة البشرية. فالإيمان المسيحي يأتي بقوة معطاة من الله القادر أن يعمل في النّفوس البشريّة، ويقودها في طريق الحياة الأبديّة.

ت. حكمة المسيح معلنة بالرّوح القدس 6:2-16

(القسم الاوّل: الآيات 6-8)

يوضح بولس الرّسول هنا، وبوحي من الرّوح القدس، على أن خلاص الله الأبدي مبنيٌ على حكمة الله المعلنة، وأن هذه الحكمة يفهمها شعب الله، وعلى أن الرّوح القدس له دور مركزي في إعلان حكمة الله.

الآية 6: “لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الّذينَ يُبْطَلُونَ.” يبدأ بولس الرّسول هنا الإشارة إلى أن حكمة الإنجيل هي أعظم من حكمة العالم الّذي لا يدرك غنى حكمة الله، ولكن يدركها الإنسان البسيط إذا آمن بالرّب يسوع ونضج في هذا الإيمان. وتشير كلمة “الكاملين” إلى الأشخاص الناضجين روحيًا. ثم يعاود الكلام عن الحكمة المُعطاة له من الله، وكيف أنّها ليست من هذا الزمان، أو من هذا العالم، أو من قادة هذا العالم الّذين مصيرهم الزوال والموت، بل أنها حسب الآية 7: “بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا.” محتواة في سر وغير معلنة بشكل كامل، وقد خطط لها الله منذ الأزل، و”الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ.” (آية 8) لم يفهمها عظماء العالم الأرضيين، ويقصد بولس الرّسول هنا الصدوقيين والفريسيين والكهنة والكتبة ومعلمي الناموس وهيرودس وبيلاطس، لأنهم لو فهموها، لَما أقدموا على صلب الرّب يسوع المسيح. ولكن ما حصل كان بحسب مشيئة الله الأزلية لفداء البشر، ولذلك كألّا بدّ أن تكون حكمة الله في سر، أي مكتومة وغير معروفة، إلى ان اعلنت في عمل الكفّارة على الصّليب. ويؤّكد بولس الرّسول على أنّ كلّ ما عمله الله كان بدافعٍ من محبّته للجنس البشري، وذلك في إشارته إلى حقيقة أنّ ما عمله الله كان “لمجدنا”، وهذا المجد سنناله في ملكوت السّماوات مع ربّ المجد يسوع.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل قوة عمل الرّوح القدس في حياة خادمك الامين بولس الرّسول في الماضي، وفي حياتنا هذه الأيّام. كما ونشكرك لأنّك يا رب عملت بحكمتك السّماوية، والّتي يعجز العالم البعيد عنك إدراكها، في إتمام فداء العالم في صليب رب المجد يسوع.

سؤال: لماذا اختار الله ان يبقى حكمته في سرًّ مكتوم عن عظماء الدّهر في أيّام ربّ المجد يسوع.

ت. حكمة المسيح معلنة بالرّوح القدس 6:2-16

(القسم الثّاني: الآيات 9-16)

الآية 9: “بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ.” بعد الحديث عن إخفاء حكمة الله في الصّليب عن “عظماء هذا الدّهر”،  يخبرنا بولس الرّسول هنا أنّ هذه الحكمة المخفية كان قد أشير إليها في العهد القديم، حيث أعد الله لنا المواعيد في المسيح، والتي أعلنها لنا بروح الله، أي بالرّوح القدس، كما جاء في الآية 10. تجدر الإشارة هنا إلى أنّه كثيرًا ما يتم اقتباس هذه الآية دون الرّجوع لسياق ورودها، وبالتّالي تفسيرها بمعنى ما يعدّه الله للمؤمنين في السّماء في الحياة الأبديّة، ولكن المعنى الاساسي والحقيقي لها هو الإشارة إلى الخلاص والفداء الّذي أعده الله لنا في صليب الرّب يسوع المسيح. ونحن نعرف أنّ خلاص الله يقود إلى الحياة الأبديّة في السّماء، وبالتّالي يمكن القول بأنّ الآية تشير ولو بشكلٍ غير مباشر إلى ما أعدّه الله في السّماء للّذين يحبّونه

قوله “كما هو مكتوب” ليس بالضرورة إشارة إلى إقتباس حرفي من العهد القديم، بل إشارة إلى معنىً موجود في العهد القديم دون الرجوع إلى نص حرفي. نجد هنا أن الجزء الأول والثاني والرابع هو معنى عام موجود في إشعياء 4:64، والجزء الثالث هو فكرة عامة من العهد القديم أو من مرجع آخر غير متوفر لنا اليوم.

في الآيات10-16 يتحدث بولس الرّسول بضمير المتكلم “نحن” وليس المخاطب “أنتم”.

الآية 10: “فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرّوح يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ.” أعلن الله حكمته الرّوحيَّة ومواعيده لنا، أي لبولس الرّسول، ولبقيّة الرّسل، وللكنيسة. وهذا الإعلان جاء بواسطة الرّوح القدس، وهو إعلان شامل وعميق وجوهري، وسبب ذلك هو أنّ الرّوح القدس “يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ.” نلاحظ هنا أن الفعل “يفحص” هو في صيغة المضارع المستمر، مما يشير إلى أن الرّوح القدس يعمل دائمًا على إعلان حكمة الله للكنيسة.

نتعلّم من كلمات بولس الرّسول هنا بأنّ ما يعرفه جميع المؤمنين في كنيسة الرّب يسوع، وهذا يشمله شخصيًّا مع بقيّة الرّسل، قد جاء بإعلان من الله عن طريق عمل الرّوح القدس في حياة المؤمنين. وتذكّرنا هذه الحقيقة بما وعدنا به الرّب يسوع المسيح عن الرّوح القدس في إنجيل المسيح بحسب البشير يوحنّا 26:14؛ 26:15-27؛ 7:16-14.

الآية 11: “لأَنْ مَنْ مِنَ النّاس يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الّذي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ.” يشير بولس الرّسول هنا إلى أن الحكمة الرّوحيَّة والحقيقية عن الله لا تعرف إلا من خلال عمل الرّوح القدس، وهذه إشارة مباشرة إلى مفهوم الوحي في الكتاب المقدّس. فكل ما يعرفه النّاس عن الله قد تمّ بواسطة الرّوح القدس، وذلك لأنّ الرّوح القدس مساوٍ للآب والإبن في جوهر الله الواحد الجامع المثلث الاقانيم.

الآيات 12-13 “وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرّوح الّذي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ، الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرّوح الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرّوحيَّاتِ بِالرّوحيَّاتِ.” نجد في هاتين الآيتين تأكيدًا على حقيقة عمل الرّوح القدس في حياة المؤمنين في كنيسة الرّب يسوع، وأنّ كل ما نعرفه من امور الله الرّوحيّة قد حصلنا عليه من عمل الرّوح القدس. وعبارة “قَارِنِينَ الرّوحيَّاتِ بِالرّوحيَّاتِ” تؤكد على حقيقة فهم الامور الرّوحيّة من خلال عمل الرّوح القدس في حياة المؤمنين، كما وانها تذكذرنا بانّ ما اوحى به الرّوح القدس في العهد القديم يفهم من خلال عمل ذات الرّوح في العهد الجديد.

الآية 14: “وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا.” الكلام هنا عن الإنسان غير المُخلَّص، اي الّذي لم يحصل على إنارة وحق روح الله. مثل هذا الإنسان يَعتبر أمور الله جهالة، وسبب ذلك جهل الإنسان الطّبيعي بحقيقة أن أمور الله لا تُعرف إلاَّ بعمل الرّوح القدس. وأما الإنسان الرّوحي فإنه يحكم في أمور الله بواسطة روح الله الساكنُ فيه،كما جاء في الآية 15: “وَأَمَّا الرّوحيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَيُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ”.

الآية 16: “لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرّب فَيُعَلِّمَهُ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ.” يقتبس بولس الرّسول  هنا من إشعياء 13:40 بصيغة سؤال ينفي معرفة الإنسان لحكمة الله وفكره. ولكنّه في بقية الآية يؤكد على أن المسيحي يعرف هذه الحكمة وهذا الفكر. في نهاية الآية يستخدم بولس الرّسول هنا عبارة νοῦν Χριστοῦ (نوس خريستو) أي عقل، أو ذهن، أو ذكاء، أو طريقة تفكير المسيح. بكلمات أخرى، يستطيع المسيحيون فهم الأمور الرّوحيَّة بنفس الطريقة التي يعرفها ويفهمها الرّب يسوع المسيح نفسُهُ.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من اجل كلمتك المعلنة لنا من خلال عمل الرّوح القدس في وحي وإعلان كل الكتاب المقدّس. نحن يا ربّ بشر ضعفاء وعاجزين، ولذلك نرفع لك كل حمدٍ وشكرٍ ومجدٍ وعبادة لأنك بدافعٍ من حبّك لنا وهبتنا الرّوح القدس ليكون معلّمًا ومساعدًا لنا في مسيرة حياتنا الارضيّة. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: من هو الرّوح القدس، وما هو عمله في حياة المؤمنين في كنيسة الرّب يسوع المسيح؟

خامسًا: خدام المسيح 1:3-21:4

أ. عمّال مع الله: تصحيح استنتاج خاطئ 1:3-23

1. انقسامات وعدم نضوج روحي 1:3-9

الآية 1: “وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ.” يخاطب بولس الرّسول في هذا المقطع كنيسة كورنثوس مذكّرًا الإخوة والأخوات بافتقارهم إلى القدرة على التمييز الرّوحي الّذي تكلم عنه في الإصحاح الثاني، ويقول بأنه خلال تعليمه السابق لهم، أي عندما كان يعيش معهم في مدينة كورنثوس، كانوا أشخاصًا غير ناضجين روحيًا، بل كانوا جسديين وكأنّهم أطفال في المسيح، أي أنّهم كانوا مؤمنين جدد مثل الأطفال حديثي الولادة.

ويؤكد بولس الرّسول في الآية 2: “سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ.” على عدم نضوجهم بذكره الحليب، أي غذاء الأطفال. ثم يستطرد في القول بأنهم غير ناضجين حتى اليوم، ودليل ذلك ما يقوله في الآية 3: “لأَنَّكُمْ بَعْدُ جَسَدِيُّونَ. فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ”، عن سلوكهم الجسدي حيث يتفشى بينهم الحسد والخصام والإنشقاقات. وللدلالة على صدق كلامه يقول في الآية 4: “لأَنَّهُ مَتَى قَالَ وَاحِدٌ: أَنَا لِبولس وَآخَرُ: أَنَا لأَبُلُّوسَ، أَفَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ”، فتنوع ولاءاتهم وانقسامهم في تأييده شخصيًا أو تأييد أبلّوس الّذي شارك في الخدمة بينهم يعتبر اكبر دليلٍ على عدم نضوجهم الرّوحي.

الآيات 5-7: “فَمَنْ هُوَ بولس ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا، وَكَمَا أَعْطَى الرّب لِكُلِّ وَاحِدٍ: أَنَا غَرَسْتُ وَأَبُلُّوسُ سَقَى، لكِنَّ اللهَ كَانَ يُنْمِي. إِذًا لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الّذي يُنْمِي.” يبيّن بولس الرّسول هنا كيف يجب أن تنظر الكنيسة إليه وإلى أبلّس، أو إلى أي رسول أو خادمٍ آخر، فيقول بأنهما مجرد خادمين للرَّب لا أكثر ولا أقل. والفكرة هنا هي أن الكنيسة يجب ألّا تؤلِّه الرسل والقديسين، بل أن تعطيهم مركزهم الحقيقي كخدّام للرَّب، ولذلك يسارع بولس الرّسول ويقول بأنه غرس وأبلّس سَقى، ولكن الله أعطى الثمار الرّوحيَّة. ويوضح في الآية 8: “وَالْغَارِسُ وَالسَّاقِي هُمَا وَاحِدٌ، وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ”، على أن الخُدام في أعمالهم المختلفة هم واحد، ومع ذلك فإن الرّب سيجازي كل فردٍ منهم بشكلٍ منفصل. ثم ينهي في الآية 9: “فَإِنَّنَا نَحْنُ عَامِلاَنِ مَعَ اللهِ، وَأَنْتُمْ فَلاَحَةُ اللهِ، بِنَاءُ اللهِ”، بقوله أن الكنيسة هي فِلاحة وبناء الله الّذي يستخدم أُناسًا بمواهب مختلفة وميول متنوعة في بناء كنيسته.

2. البناء على أساسي المسيح 10:3-15

الآية 10: “حَسَبَ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي كَبَنَّاءٍ حَكِيمٍ قَدْ وَضَعْتُ أَسَاسًا، وَآخَرُ يَبْنِي عَلَيْهِ. وَلكِنْ فَلْيَنْظُرْ كُلُّ وَاحِدٍ كَيْفَ يَبْنِي عَلَيْهِ.” يوضح بولس الرّسول في هذا المقطع على أن خادم الله يستطيع أن يبني في كنيسة المسيح، ويبدأ بوصف نفسه بالبنّاء الحكيم بحسب عطية الله، وبأن آخرين مثل أبلّس أيضًا لديهم موهبة البناء. ويحذر بولس الرّسول الخدام في نهاية الآية على أن يبنوا بإنتباه، وسبب الحذر هو كما في الآية 11: “فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الّذي وُضِعَ، الّذي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ.” كون الرّب يسوع المسيح هو الأساس الّذي يتم عليه البناء. وهذا الأساس ثابتٌ ولا يتغيَّر.

الآية 12 “وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدُ يَبْنِي عَلَى هَذَا الأَسَاسِ ذَهَبًا فِضَّةً حِجَارَةً كَرِيمَةً خَشَبًا عُشْبًا قَشًّا.” يصف بولس الرّسول هنا مواد البناء التي يستخدمها الخدّام المسيحيون، فيذكر أولًا الذهب والفضة والحجارة الكريمة، وهذه إشارة إلى التّعاليم والعقائد الصحيحة. ثم يذكر الخشب والعشب والقش، أي التعاليم غير الجوهرية وغير الأساسية. وجميع هذه التعاليم عليها أن تصمد أمام إختبار نار عدل وقضاء الله.

الآية 13 “فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ.”  كلمة “اليوم” المذكورة في هذه الآية تشير إلى يوم الرّب (تسالونيكي الأولى 2:5-9) أي يوم مجيئه الثاني (تسالونيكي الثانية 2:2)، والنار هي نار قضاء الله، وكلمة “نار” هنا وفي آياتٍ غيرها في الكتاب المقدّس مستخدمة لغرضين:

1. كعامل تطهير كما في متى 11:3 “هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِالرّوح القدس وَنَارٍ”، ومرقس 49:9 “لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُمَلَّحُ بِنَارٍ”.

2. كعامل إبادة كما في متى 12:3 “وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ”، وعبرانيين 29:12 “لأَنَّ إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ”، والّذين ستصمد أعمالهم أمام اختبار النَّار سوف يُجازون.

الآيتان 14-15: “إِنْ بَقِيَ عَمَلُ أَحَدٍ قَدْ بَنَاهُ عَلَيْهِ فَسَيَأْخُذُ أُجْرَةً. إِنِ احْتَرَقَ عَمَلُ أَحَدٍ فَسَيَخْسَرُ، وَأَمَّا هُوَ فَسَيَخْلُصُ، وَلَكِنْ كَمَا بِنَارٍ.” لدينا هنا تأكيد على أن الحديث يدور عن أمر مجازي وليس نار حقيقية. ويبيّن بولس الرّسول بأنّه يوجد مؤمنون سينالون من الله أجرةً مقابل عملهم الباقي، وأمانتهم في خدمة الرّب. كما ويوجد من ستأكل النار أعمالهم، ولكنّهم سينالون الخلاص، ولكن بدون مجازاةٍ أو مديحٍ. أي أنّ أعمال بعض المؤمنين ستذهب سدىً لأنها كانت بلا ثمر، وأما المؤمن نفسه فسينال الخلاص.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من اجل خدّامك الامناء المنتشرين في أرجاء المعمورة، كما ونشكرك من أجل من خدموا في الماضي مثل خادمك الامين بولس، وخادمك الأمين أبُلّوس، وصلاتي أن تجعل منّا خدّامًا مكرّسين لإنجيلك المقدّس، وأن تملأنا بقوّة الرّوح القدس لكي تكون حياتنا مثمرة لمجد اسمك القدّوس. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع. آمين.

سؤال: كيف يجب أن تكون نظرة الكنيسة للرّسل ورعاة الكنيسة في الماضي والحاضر؟

3. الكنيسة هي هيكل الله 16:3-17

الآيات 16-17: “أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُفْسِدُ هَيْكَلَ اللهِ فَسَيُفْسِدُهُ اللهُ، لأَنَّ هَيْكَلَ اللهِ مقدّس الّذي أَنْتُمْ هُوَ.” يخاطب بولس الرّسول جماعة المؤمنين في كنيسة كورنثوس قائلًا لهم: “أَمَا تَعْلَمُونَ”، وهو لا يقصد هنا طرح سؤالٍ عليهم، بل تعليمهم وتذكيرهم بما أصبحوا عليه بعد إيمانهم بربّ المجد يسوع المسيح. فبعد أن كان كلُّ واحدٍ منهم يعيش منفردًا في عالمه الخاص، فإنّ الإيمان بربّ المجد يسوع جمعهم ووحّدهم ليشكّلوا معًا صرحًا باهرًا ومشرقًا وساطعًا، وهذا البناء المميّز والفريد في العالم هو “هَيْكَلُ اللهِ.” وهذا الهيكل “مقدّس الّذي أَنْتُمْ هُوَ.” وهذه هي المرّة الاولى في كلّ العهد الجديد الّذي يتم فيه تسمية الكنيسة بعبارة “هيكل الله”.

قام النّاس منذ تأسيس المجتمعات البشريّة المختلفة ببناء أماكن لآلهتهم، وأطلقوا عليها تسمية معابد أو هياكل أو مجامع، وذلك بقصد الإجتماع لعبادة هذه الآلهة، وتقديم ذبائح لها طلبًا لرضاها، أو طمعًا في الحصول على بركات روحيّة أو معنويّة أو مادّية، مثل الإنتصار في الحروب، أو الحصول على حصادٍ وفير، أو الحماية من الظّواهر الطّبيعة المختلفة مثل الزّوابع والأعاصير والزّلازل والفيضانات. ووسط هذا الضّياع الرّوحي، والتّشتت المعنوي، وفوضى العبادات الوثنيّة لآلهة الشّعوب الباطلة، عمل الله من خلال شعبه القديم بقيادة موسى، على إقامة مكان عبادة لشخصه القدّوس، أي للرّب الحقيقي، الله الواحد والوحيد، خالق الوجود بما فيه ممّا يرى أو لا يرى. نقرأ في سفر الخروج أنّ الله كلّم نبيّه موسى وقال له أن يطلب من بني إسرائيل أن يأخذوا تقدمة للرّب: “فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ. بِحَسَبِ جَمِيعِ مَا أَنَا أُرِيكَ مِنْ مِثَالِ الْمَسْكَنِ، وَمِثَالِ جَمِيعِ آنِيَتِهِ هكَذَا تَصْنَعُونَ.” (خروج 8:24-9). وفعلًا تمّ بناء مسكن الله الأوّل في التّاريخ من أنواعٍ مختلفة من جلود الحيوانات والأقمشة، وأطلق عليه اسم “خيمة الإجتماع”. وفي زمن الملك سليمان، قام ببناء هيكلٍ للرّب في مدينة أوروشليم (أنظر سفر ملوك الأوّل 1:6-14).

كان هيكل الله في العهد القديم مكان سكنى وحضور الله وسط شعبه، ومن خلال أداء الهيكل لوظيفته في إعطاء المجد لله، كان باستطاعة كلّ النّاس أن يعرفوا الله الحقيقي. وكان البناء من حجارة وخشب، أي كان بناء ملموسًا تراه العين المجرّدة، وقد كان أبهى وأجمل وأعظم من كلّ معابد الامم القديمة. كان الهيكل مكرّسًا لخدمة وعبادة وتسبيح الله، وكانت تقدّم فيه أنواعٌ مختلفة من الذّبائح والقرابين لله، وخصوصًا قربان أو ذبيحة المحرقة للتّكفير عن الخطايا. (أنظر سفر اللّاويّين 3:1-4). ولكن بسبب تراكم ذنوب وخطايا الشّعب القديم، وكذلك نتيجة لتقديم الرّب يسوع ذبيحة نفسه للتّكفير عن خطايا كلّ من يؤمن به، انتهت وظيفة العهد القديم، وكألّا بدّ من دماره كما قال ربّ المجد يسوع: “ثٌمَّ خَرَجَ يَسُوعُ وَمَضَى مِنَ الْهَيْكَلِ، فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ لِكَيْ يُرُوهُ أَبْنِيَةَ الْهَيْكَلِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ.” (متّى 1:24-2؛ أنظر أيضًا متّى 38:23؛ مرقس 2:13؛ لوقا 35:23؛ لوقا 6:21). وفعلًا تمّت كلمات ربّ المجد يسوع، وتمّ دمار هيكل أوروشليم سنة 70 ميلاديّة بواسطة جيوش الإمبراطوريّة الرّومانية بقيادة الجنرال تيطس.

لم يكن دمار هيكل أوروشليم أمرًا عبثيًّا، بل تمّ بمشورة الله وقضائه العادل. لقد كان الهيكل القديم مجرّد ظلٍّ أو خيالٍ للهيكل الحقيقي، (أنظر رسالة العبرانيّين 2:8؛ 13؛ 1:10؛ 9). وهذا ما اشار اليه بولس الرّسول بالوحي عندما خاطب جمعًا من المتديّنين وطلاب الفلسفة في وسط أريوس باغوس في أثينا قائلًا لهم: “الإِلهُ الّذي خَلَقَ الْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لاَ يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي.” (أعمال الرّسل 24:17). وهكذا فعندما خاطب بولس الرّسول جماعة المؤمنين في كورنثوس قائلًا لهم بأنّهم هيكل الله، وعندما قال قبل ذلك في أثينا بانّ الله لا يسكن “فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِالأَيَادِي”، يمكننا الإستناج من كلامه بأنّه كان، وبطريقة غير مباشرة، يتنبّأ عن دمار هيكل أوروشليم، فقد قال كلامه قبل سنة 70 ميلاديّة، أي قبل دمار الهيكل، وذلك لانه لا يعقل ان تصبح الكنيسة هيكل الله، ويبقى في ذات الوقت الهكيل القديم قائمًا في أوروشليم.

عند توبة أي انسانٍ عن خطاياه، وقبوله يسوع المسيح مخلّصًا وربًّا لحياته، يسكن الرّوح القدس في حياة هذا الشّخص. وهكذا تشكّل جماعة المؤمنين أعظم هيكلٍ لله في الوجود. نقرأ في رسالة أفسس 20:2-22: “مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الّذي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرّب. الّذي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرّوح.” (أنظر أيضًا كورنثوس الاولى 19:6؛ كورنثوس الثّانية 16:6؛ عبرانيّين 6:3؛ بطرس الأولى 5:2).

كلمة “هيكل” المذكورة هنا هي في الأصل اليوناني  Ναός (ناوُس) وتشير إلى الجزء الدّاخلي من الهيكل، أي قدس الأقداس، وهو المكان الّذي كان يدخله رئيس الكهنة مرّة واحدة كلّ عام، في يوم الغفران أو الكفّارة، وذلك لرشّ الدّم من اجل التّكفير عن خطايا الشّعب القديم. وتوجد كلمة يونانيّة تعني هيكل، وهي كلمة  ἱερόν(هيرون) ولكنّ المقصود بها بالضّبط هو كلّ البناء، بما في ذلك السّاحات الخارجيّة المفتوحة لجميع النّاس.

في هيكل الله في العهد الجديد، يقدّم المؤمنون بالرّب يسوع المسيح ذبائح لله، وهذه الذّبائح هي صلوات وعبادة وتسبيح وترنيم لشخص الله القدّوس. نقرأ في رسالة العبرانيّين 15:13: “فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ ِللهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ.” وكذلك نقرا في مزمور 6:27: “فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ لِلرَّبِّ.” كما ونقرأ في رسالة رومية 1:12: ” فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ.”

ولذلك يحذّر بولس الرّسول كلّ مؤمنٍ في الكنيسة أن يدقّق في سلوكه ولا يفسد هيكل الله. والفعل اليوناني المستخدم هنا هو φθείρω (فْثيرو) وله جملة من المعاني منها: يفسد، أو يدمّر، أو يتلف، أو يبدّد، أو يهدم، أو يخرّب. وهكذا فإنّ بولس الرّسول يجذّر هنا من العمل على دمار وخراب وتقسيم الهيكل، أي جماعة المؤمنين، بواسطة إدخال التّعاليم والبدع الباطلة، أو بتشجيع روح التّحزب والإنقسام، وهذه إشارة إلى المعلّمين الكذبة الّذين قد يَظهرون في صفوف المؤمنين. ويقول بولس الرّسول بأنّ كل شخصٍ يعمل على دمار الكنيسة، سيدمّره الله بالعذاب الأبدي في بحيرة النّار والكبريت.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على خلاصك العظيم الّذي جعل كلّ واحدٍ منّا عضوًا في الكنيسة، أي في جسد الرّب يسوع المسيح، وبنيت منّا هيكًلًا لك بسكنى الرّوح القدس في حياتنا، حتّى نرفع اليك ذبائح الشّكر والحمد والتّسبيح، فأنت وحدك مستحقٌّ السجود والكرامة والمجد. باسم الرّب يسوع. آمين

سؤال: ما هو هيكل الله؟ وما هي وظيفته؟ وهل أنت جزء من هذا الهيكل؟

4. الإعتماد الكامل على الله وليس على النّاس 18:3-23

الآيات 18-19: “لاَ يَخْدَعَنَّ أَحَدٌ نَفْسَهُ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ حَكِيمٌ بَيْنَكُمْ فِي هذَا الدَّهْرِ، فَلْيَصِرْ جَاهِلاً لِكَيْ يَصِيرَ حَكِيمًا. لأَنَّ حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ.” يُحذِّر بولس الرّسول هنا المؤمنين مرة أخرى من الإعتماد على مقاييس هذا العالم وحكمته، ويطلب منهم أن يسعوا وراء الحكمة المعطاة من الله، لأن حكمة هذا العالم هي جهالةٌ عند الله. ويقدّم تطبيقًا عمليًّا للحق الّذي أعلنه في الآيات السّابقة، ويطلب من المؤمنين في الكنيسة أن يتواضعوا في مواقفهم وتصرّفاتهم، وأن يتخلّصوا من الخصام والمنازعات الّتي بينهم. ويدلّ كلام الرّسول هنا على أنّ سبب المشاكل والإنقسامات في كنيسة كورنثوس كان اعتقاد مجموعة منهم بأنّهم أكثر حكمة من غيرهم داخل الكنيسة، أي أنّ هؤلاء كانوا يخدعون أنفسهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الحكمة والفلسفة الأرضيّة الباطلة كانت ولا تزال أحد أهم أسباب النّزاعات والخصام، وحتّى الانشقاقات في الكنيسة، وبالتّالي يجب على من يظنّون بأنّهم حكماء أن يتواضعوا، وأن يعترفوا بجهلهم أمام حكمة وطرق الله، وسيؤدّي تواضعهم إلى معرفتهم للحكمة الحقيقيّة من خلال فهم غنى وعمق فكر الله المعلن في الإنجيل المقدّس.

في قول بولس أنّ “حِكْمَةَ هذَا الْعَالَمِ هِيَ جَهَالَةٌ عِنْدَ اللهِ”، فإنّه لا يقصد الحديث عن الحكمة المستمدّة من دراسة ومعرفة العلوم الطّبيعيّة، أو الفلك، أو الكيمياء، أو الرّياضيات، أو الطّب، أو الهندسة، فهذه الحكمة ضروريّة ومطلوبة في هذا العالم. الحديث هنا هو عن عدم جدوى حكمة هذا العالم فيما يتعلّق بمعرفة الله والخليقة والوجود وطريق الخلاص والوصول إلى الله، فهذه الأمور لا تدرك إلّا بطلب حكمة الله ومعرفة مشيئته، وما حقّقه للجنس البشري بواسطة صليب الرّب يسوع المسيح.

يكتب بولس بعد ذلك قائلًا: “لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: الآخِذُ الْحُكَمَاءَ بِمَكْرِهِمْ”، وهذا اقتباسٌ ممّا جاء في سفر أيّوب 13:5: “الآخِذِ الْحُكَمَاءَ بِحِيلَتِهِمْ، فَتَتَهَوَّرُ مَشُورَةُ الْمَاكِرِينَ.” هذا الكلام يعني أنّه مهما كان حكماء هذا العالم حاذقين ومهرة وواثقين بانفسهم، إلّا انّهم لا يستطيعون أن يخدعوا الله أو يبطلوا مشورته، فهو قادرٌ أن يحبط مؤامراتهم، وأن يقضي على برامجهم ومكايدهم، حتّى أنّه يستطيع أن يستخدم خطط وبرامج ومؤامرات المتكبّرين من مُدّعي الحكمة من أجل إبطال مشورتهم.

الآية 20: “وَأَيْضًا: الرّب يَعْلَمُ أَفْكَارَ الْحُكَمَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ”. يقتبس بولس الرّسول هنا ما جاء في مزمور 11:94: “الرّب يَعْرِفُ أَفْكَارَ الإِنْسَانِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ.”  لكي يشير إلى معرفة الرّب لأفكار العالم، ويبين أن كل ما يخالف حكمة وإرادة الله هو باطل.

ويصل بولس الرّسول إلى خلاصة نقاشه في موضوح الفكر والحكمة البشريّة بقوله في الآيات 21-22: “إِذًا لاَ يَفْتَخِرَنَّ أَحَدٌ بِالنّاس! فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَكُمْ: أَبولس، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبَلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ.” أي أنّه يجب على المؤمنين في الكنيسة عدم الإفتخار بما لديهم من حكمةٍ وذكاءٍ، لأن كلَّ شيءٍ، أي كل بركات الله، هي لهم. وكل أعمال خدام ورسل الله، هي أيضًا للكنيسة. فكل شيءٍ هو لفائدة ولمصلحة المؤمنين.

آية 23: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ ِللهِ.” يقول بولس الرّسول في هذه الآية أنه بالرّغم من كون كل شيءٍ للمؤمنين، فإنهم ليسوا لأنفسهم بل للرّب يسوع المسيح. وينهي الآية بقوله: “وَالْمَسِيحُ ِللهِ.” لا ينفي هذا القول حقيقة كون الرّب يسوع المسيح مساوٍ للآب في الجوهر، فالمسيح هو الله الّذي ظهر في الجسد، كذلك فالرّب يسوع المسيح هو الكلمة، ونعرف من الإنجيل المقدّس أنّه: “وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ” يوحنا 1:1. وقال الرّب يسوع: “أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ.” (يوحنا 30:10). ومع أهمّية التاكيد على لاهوت ربّ المجد يسوع، فإنّ الآب أرسله إلى العالم: “كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.” (يوحنا 18:17. أنظر أيضًا يوحنا 36:10أ)، وذلك حتّى يتمم الخلاص، وبذلك ننال الملكوت لانّنا: “وَرَثَةَ الْمَلَكُوتِ الّذي وَعَدَ بِهِ الّذينَ يُحِبُّونَهُ” (يعقوب 5:2).

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل دعوتك المقدّسة لنا أن نعيش بحسب مشورتك وحكمتك السّماويّة، وليس بحسب أفكارنا وحكمتنا الارضيّة. ونعترف لك يا ربّ بأنّنا كثيرًا ما وقعنا في تجربة الاعتماد على ذواتنا، لذلك نسالك أن تغفر لنا، وأن تعطينا الحكمة والبصيرة السّماوية لكي نعيش أيّام غربتنا في هذا العالم طائعين وخاضعين لك. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هو برأيك سبب تشديد بولس الرّسول على نبذ الحكمة الارضيّة وطلب الحكمة السّماويّة؟

ب. خدّام المسيح: خدمة الرسل 1:4-21

1. خدّامٌ أمناء 1:4-5

الآية 1: “هكَذَا فَلْيَحْسِبْنَا الإِنْسَانُ كَخُدَّامِ الْمَسِيحِ، وَوُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ.” كلمة “الإنسان” في هذه الآية وردت غير معرَّفة في الأصل اليوناني ἄνθρωπος (أنثروبوس)، أي أنّها تشير إلى أي انسان كان، وليس لشخصٍ معروفٍ أو معيّن. وأنّ على هذا الإنسان، وخصوصًا من كان عضوًا في الكنيسة، أن ينظر إلى بولس وغيره من الرّسل باعتبارهم مجرّد “خدّام للمسيح”، أي تابعين وخاضعين وعاملين بحسب إرادة الرّب يسوع المسيح. كلمة ὑπηρέτης (هوبيريتيس) تعني خادم أو مساعد لشخصٍ آخر، وهو انسان حر وليس عبدًا مسلوب الإرادة. فكلّ من يخدم الرّب يسوع المسيح يضع نفسه بملىء إرادته في خدمة ربّ المجد، أي أنّ الخدمة المسيحيّة هي خدمة طوعية. ويجب أن يكون خدام المسيح دائمًا أمناء، فهم وكلاء أمام الله الّذي أعلن سرَّه لهم.

بعد تذكير الكنيسة بضرورة اعتباره هو وغيره من الرّسل خدّامًا للمسيح، يتابع بولس الرّسول كلامه قائلًا بأنّ هولاء الخدّام هم “وُكَلاَءِ سَرَائِرِ اللهِ”، وكلمة “وكيل” في الأصل اليوناني هي οἰκονόμος (أويكونوموس) وتعني مدير أعمال، أو وكيل أعمال، أو حارس، أو وصِي.  وتعود هذه الكلمة إلى مركز يحتله العبد، كما كان يوسف في سفر التكويين 2:39-19. فهو الّذي يدبر شؤون البيت الموكَل إليه، وتقع عليه مسئولية عظيمة. والوكيل هنا مسؤول عن سرائر الله، أي ما يعجز الإنسان عن فهمه بالحكمة البشرية، وهؤلاء الوكلاء، كما نقرأ في الآية 2: “ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْوُكَلاَءِ لِكَيْ يُوجَدَ الإِنْسَانُ أَمِينًا”، يجب أن يكونوا أمناء.

وفي الآيات 3-4: “وَأَمَّا أَنَا فَأَقَلُّ شَيْءٍ عِنْدِي أَنْ يُحْكَمَ فِيَّ مِنْكُمْ، أَوْ مِنْ يَوْمِ بَشَرٍ. بَلْ لَسْتُ أَحْكُمُ فِي نَفْسِي أَيْضًا. فَإِنِّي لَسْتُ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ فِي ذَاتِي. لكِنَّنِي لَسْتُ بِذلِكَ مُبَرَّرًا. وَلكِنَّ الّذي يَحْكُمُ فِيَّ هُوَ الرّب.” يقول بولس الرّسول بأنه كوكيل وخادم للرَّب، فإنه مسئول أمام الرّب الّذي يحكم في عمله، ولذلك فحُكم النّاس، وحتى حُكمِه على نفسه، له قيمة قليلة. وبناءً على ذلك يتابع بولس الرّسول قائلًا للمؤمنين في الآية 5: “إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرّب الّذي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ.” يذكّر الرّسول هنا جماعة المؤمنين بضرورة السّلوك بلياقة، وعدم اصدار الأحكام على بعضهم البعض، و يشير إلى حقيقة مجيء الرّب يسوع المسيح ثانية، وبأنه سيلقي يومها النور على أعمال ودوافع قلوب النّاس عندما يظهرون أمام كرسيَّه (أنظر كورنثوس الثانية 10:5)، فهو وحده الّذي سيعطي كل شخصٍ ما يستحقه من مديحٍ ومجازاة. (أنظر متى 14:25-23 و لوقا 12:19-19).

2. الكورنثيون المتفاخرون والخدام المحتَّقرون 6:4-13

يصف بولس الرّسول في هذه الآيات الفرق بينه وبين أبُلُّوس من جهة، وغيرهم من الخدام المسيحيين من جهةٍ أخرى، فهو يقول أن الكورنثيين كانوا متفاخرين ويعتبرون أنفسهم أغنياء روحيًا، في حين أن بولس الرّسول وأبُلُوس أُعتبرا ضعيفَين ومحتقرَين، وقد تعرَّضا للملاحقة والإضطهاد.

الآية 6: “فَهذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ حَوَّلْتُهُ تَشْبِيهًا إِلَى نَفْسِي وَإِلَى أَبُلُّوسَ مِنْ أَجْلِكُمْ، لِكَيْ تَتَعَلَّمُوا فِينَا: ألّا تَفْتَكِرُوا فَوْقَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ، كَيْ لاَ يَنْتَفِخَ أَحَدٌ لأَجْلِ الْوَاحِدِ عَلَى الآخَرِ.” يكتب بولس الرّسول هنا ًبأُسلوب التشبيه الشخصي، حيث يطبق الكلام على نفسه وعلى أبُلُوس وذلك حين يطلب من الكورنثيين بألّا ينحازوا لأحدٍ على حساب أو حتى ضد الآخر، وذلك بناء على التعليم العام في العهد القديم حيث أنّ عبارة “ما هو مكتوب” هي مجرّد إشارة عامة إلى مبادئ وعقائد العهد القديم، وليس إلى نص حرفي.

الآية 7: “لأَنَّهُ مَنْ يُمَيِّزُكَ؟ وَأَيُّ شَيْءٍ لَكَ لَمْ تَأْخُذْهُ؟ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ، فَلِمَاذَا تَفْتَخِرُ كَأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْ.” يخاطب بولس الرّسول الأشخاص الّذين يفتخرون بما لهم من مواهب أو مراكز، حيث يكتب مستفسرًا: ما الّذي لديك ولم تأخذه أصلًا من الرّب؟ والجواب على ذلك هو كل شيء، كما جاء في الآية 8: “إِنَّكُمْ قَدْ شَبِعْتُمْ! قَدِ اسْتَغْنَيْتُمْ! مَلَكْتُمْ بِدُونِنَا! وَلَيْتَكُمْ مَلَكْتُمْ لِنَمْلِكَ نَحْنُ أَيْضًا مَعَكُمْ”. اعتقد المؤمنون في كنيسة كورنثوس أن لديهم كل ما يحتاجون إليه، وبأنهم أغنياء ويملكون كالملوك بدون مساعدة حتى من بولس الرّسول، فكانوا مفتخرين بدلًا من السّلوك بتواضع أمام الله.

الآية 9: “فَإِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ أَبْرَزَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ آخِرِينَ، كَأَنَّنَا مَحْكُومٌ عَلَيْنَا بِالْمَوْتِ. لأَنَّنَا صِرْنَا مَنْظَرًا لِلْعَالَمِ، لِلْمَلاَئِكَةِ وَالنّاس.” يخبر بولس الرّسول المؤمنين الكورنثين المفتخرين بأن الله يريد أن يكون الرّسل متواضعين، وأن يتصرّفوا وكأنّهم مستحقين الموت والعذاب. وتوجد هنا إشارة إلى تعرض المؤمنين للحيوانات المفترسة في مسارح روما، حيثُ أصبحوا محتقرين ومُذليّن ومنظرًا للجميع من بشرِ وملائكة. وكلمة “العالم” في الأصل اليوناني هي κόσμος (كوزموس) وتعني الكون أو العالم، وكذلك تشير إلى النّاس في العالم. وذِكرُ الملائكة هنا يبيّن على أنّهم يشاهدون بأعينهم ما يتعرّض له رسل الرّب يسوع من ضيقات، وعلى الأغلب هنا بأنّ الرّسول بولس هنا يشمل جميع الملائكة، الابرار والسّاقطين.

الآية 10: “نَحْنُ جُهَّالٌ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحُكَمَاءُ فِي الْمَسِيحِ! نَحْنُ ضُعَفَاءُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَقْوِيَاءُ! أَنْتُمْ مُكَرَّمُونَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَبِلاَ كَرَامَةٍ.” يستمر بولس الرّسول بالمقارنة بين إفتخار الكورنثين الّذين يعتقدون أنهم حكماء وأقوياء ومكرمين، في حين أن الرسل جُهال وضعفاء وبلا كرامة. وفي الآيات 11-13: “إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ، وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. يُفْتَرَى عَلَيْنَا فَنَعِظُ. صِرْنَا كَأَقْذَارِ الْعَالَمِ وَوَسَخِ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى الآنَ.” يعدّد بولس الرّسول هنا الضّيقات والشّدائد التي يعانيها الرسل والخدام خلال خدمتهم، فهو يتعرّضون للجوع والعطش والتّعرية والضّرب والتّشرد. ومع ذلك فإنّه لا يريد أن يثقل مادّيًا على الكنيسة، فهو يعمل بيديه لأجل قوتِهِ. بعد ذلك يستمر في تعداد معاناته، وهذه المرة من النواحي العاطفيّة والشّعورية، حيث تعرّض ويتعرض خدَّام الرّب للشتائم والإضطهاد والإفتراء والأكاذيب، لدرجة معاملتهم كأقذار العالم، مع ذلك فإنهم يبارِكون ويحتملون الإضطهاد ويعظون بكلمة الله.

صلاة: أبانا السّماوي، نشكرك من كل قلوبنا على كلّ امرٍ حدث او قد يحلّ بنا نتيجةً محبّتنا لشخصك القدّوس، فلنا في حياة بولس الرّسول مثالًا وقدوة في احتمال كلّ ما قد نعاني منه، وذلك بسبب إيماننا وثقتنا بأنّ كل آلام ومعاناة هذا العالم لا تعادل ولو لحظة في وجودنا معك في الامجاد السّماويّة. لذلك نسألك يا رب أن تكون معنا، وأن تعطينا القوة والقدرة لكي نخدمك بأمانة، ولكي نحمل الصّليب في كلّ يومٍ من أيّام حياتنا في هذا العالم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: عدّد الصّعوبات والضّيقات الّتي تعرّض لها رسل الرّب يسوع، وهل تعتقد بأنّك تستطيع أن تحتمل مثلها؟

3. تحدي الكورنثين أن يكونوا متواضعين 14:4-21

يتحدى بولس الرّسول في هذه الآيات جماعة المؤمنين الكورنثيّين في أن يكونوا متواضعين روحيًا، ولهذه الغاية سيرسل إليهم تيموثاوس لكي يساعدهم، كما ويخبرهم بأنه سيأتي بنفسه إليهم في وقتٍ قريب.

الآية 14: “لَيْسَ لِكَيْ أُخَجِّلَكُمْ أَكْتُبُ بِهذَا، بَلْ كَأَوْلاَدِي الأَحِبَّاءِ أُنْذِرُكُمْ.” بعد استخدام كلماتٍ صعبة معهم بسبب انتشار ظاهرة الكبرياء وروح التّحزب والإنقسام، وبعد الحديث عن الإضطاد وقسوة ما عاناه بسبب خدمته لرب المجد يسوع، يكتب بولس الرّسول هنا إلى المؤمنين في كنيسة كورنثوس باسلوب رقيقٍ ولطيف، ويخبرهم بأنّه لا يكتب من أجل تخجيلهم ووضعهم في موقفٍ محرجٍ، بل من أجل أن يبيّن لهم ما هو خطأ في تصرّفاتهم، وينذرهم بسبب أعمالهم وكبريائهم، ويذكّرهم بالواجبات المطلوبة منهم. فهو أبوهم الرّوحي الّذي بشّرهم بالرّب يسوع المسيح، ولذلك فله كلّ الحق أن ينصحهم.

الآيات 15-16: “لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَكُمْ رَبَوَاتٌ مِنَ الْمُرْشِدِينَ فِي الْمَسِيحِ، لكِنْ لَيْسَ آبَاءٌ كَثِيرُونَ. لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ. فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي.” يفترض بولس الرّسول هنا بأنّه لو كان لهم في الكنيسة عشراتُ الآلاف من من القادة والمرشدين، فإنه يبقى وحده الأب الرّوحي لهم. وكلمة مرشد هي ترجمة للأصل اليوناني παιδαγωγός (بايداجوجوس) وتعني الوَصِي أو الحارس على أولاد، أو المرشد، أو المؤدِّب. وقد تكرّرت الكلمة ثلاث مرّاتٍ فقط في العهد الجيد، هنا وفي رسالة غلاطية 24:3-25، حيث ترجمت بكلمة مؤدِّب. واستخدام هذه الكلمة في مخاطبة المؤمنين في الكنيسة يدلّ على احتياج المؤمنين للإرشاد والتّأديب. 

وفي قوله “لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ”، يذكّر بولس الرّسول المؤمنين في كنيسة كورنثوس بانّه هو الّذي بشّرهم بإنجيل الرّب يسوع المسيح، وقادهم إلى الإيمان والخلاص، وبالتّالي التّجديد والولادة الرّوحيّة الثّانية. أي أنّه بمثابة ابٍ روحيًّ لهم، وهذا يعطيه حقًا وجرأةً أن يدعوهم للتمثُّل به، أي أن يعتبرونه قدوةً في الإيمان والخدمة والصّبر والإستعداد للتّضحية واحتمال المشاق من أجل إعلان مجد الرّب يسوع المسيح. (أنظر كورنثوس الأولى 1:11؛ غلاطية 12:4؛ فيلبي 17:3؛ تسالونيكي الأولى 6:1؛ تسالونيكي الثانية 9:3)

الآية 17: لِذلِكَ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ تِيمُوثَاوُسَ، الّذي هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ وَالأَمِينُ فِي الرّب، الّذي يُذَكِّرُكُمْ بِطُرُقِي فِي الْمَسِيحِ كَمَا أُعَلِّمُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ.”  يخبر بولس الرّسول المؤمنين في كنيسة كورنثوس بأنّه سيرسل إليهم تيموثاوس، وهو مثلهم ابن روحي محبوب لبولس الرّسول، والهدف من إرساله هو لكي يذكّرهم بأعمال وطرق وتعاليم بولس الرّسول في كلّ الكنائس الّتي أسّسها أو زارها أو كتب إليها.

الآيات 18-19: “فَانْتَفَخَ قَوْمٌ كَأَنِّي لَسْتُ آتِيًا إِلَيْكُمْ. وَلكِنِّي سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعًا إِنْ شَاءَ الرّب، فَسَأَعْرِفُ لَيْسَ كَلاَمَ الّذينَ انْتَفَخُوا بَلْ قُوَّتَهُمْ.” يتحدث بولس الرّسول هنا عن المعلمين الكذبة الّذين حاولوا التقليل من مكانته، والّذين سلكوا بكبرياء، وقالوا بأن بولس الرّسول لن يجرؤ على القدوم إلى كورنثوس. ولكن بولس الرّسول يؤكد بأنه، إن شاء الرّب، سيأتي إليهم سريعًا ليعرف تعاليم وادّعاءات ومدى قوة أولئك الأشخاص الّذين يطعنون به. (أنظر كورنثوس الأولى 1:9-3).

الآية 20: “لأَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ لَيْسَ بِكَلاَمٍ، بَلْ بِقُوَّةٍ.” يذكر بولس الرّسول هنا عبارة “ملكوت الله”، ويقصد بها سلطة وقوة الله العاملة في حياة المؤمنين في الكنيسة، أي أنّه لا يتكلّم عن ملكوت الله أو ملكوت السّماوات القادم في المستقبل، أي في اليوم الأخير. وهذه السّلطة مصدرها قوّة عمل الرّوح القدس في الوعظ والتّعليم والصّلوات والخلاص والولادة من فوق، وليست مجرّد سلطة قائمة على كلامٍ عام.

الآية 21: :مَاذَا تُرِيدُونَ؟ أَبِعَصًا آتِي إِلَيْكُمْ أَمْ بِالمحبّة وَرُوحِ الْوَدَاعَةِ؟”  ينهي بولس الرّسول عتابه يسؤاله أعضاء الكنيسة في كورنثوس: كيف تريدون أن آتي اليكم؟ ونفهم من سؤاله بانّه لم يكن يريد الذّهاب اليهم بعصا العقاب والتّأديب، بل بروح المحبّة واللّطف والوداعة.

صلاة: نشكرك يا أبانا السّماوي لأنّك دعوت إلى خدمة كنيستك مرشدين ومعلّمين ومؤدّبين، وذلك لكي يخدموا جموع المؤمنين، ويمجّدوا اسمك القدّوس. كما ونشكرك يا ربّ من أجل من يخدمك بالتّبشير ونشر رسالة الإنجيل بين النّاس، وقيادتهم إلى الخلاص بالإيمان بالرّب يسوع المسيح. ساعدنا يا رب ان نخدمك بقوّة عمل الرّوح القدس، وساعدنا ان نكون امناء لك كلّ أيّام حياتنا. باسم الرّب يسوع. آمين.

سؤال: ما الفرق بين المرشد والأب الرّوحي، وماذا ترجو أن تكون خدمتك في الكنيسة؟

سادسًا: جواب بولس الرّسول على تقارير وصلت إليه 1:5-20:6

أ. إدانة خطيّة جنس بين المحارم 1:5-13

(القسم الاوّل: الآية 1)

يكتب بولس الرّسول هنا ضد خطيَّة الزّنا بشكل عام، وحول خطية زنى وقعت في كنيسة كورنثوس، وهي خطيَّة ثانية كبرى في الكنيسة بعد الكبرياء. ووصلت درجة تفشي الزنا مرحلة إلى أنّ أحد أعضاء الكنيسة ارتكب خطيّة الزّنا مع إمرأة أبيه، وهذا عمل لا يمارسه حتى الوثنيين.

الآية 1: “يُسْمَعُ مُطْلَقًا أَنَّ بَيْنَكُمْ زِنًى! وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ، حَتَّى أَنْ تَكُونَ لِلإِنْسَانِ امْرَأَةُ أَبِيهِ.” نفهم من قول بولس الرّسول: “يُسمع مطلقًا” بأنّ الخبر عن ارتكاب خطيّة الزّنا ما يزال ينتشر أكثر فأكثر، ويستخدم  الرّسول الفعل المضارع المستمر “يُسمع” للدّلالة على أن الخطيّة لم تتوقف. وكلمة “مطلقًا” هنا تفيد معنى التأكيد على صحّة الخبر، كما هو في الأصل اليوناني، حيث أنّ كلمة ὅλως (هولوس)، تعني بالتّأكيد، أو فعلًا، أو تمامًا، أو حقًّا، أو في الواقع. وواضحٌ من قوله “بينكم” أنّ اكثر من شخصٍ في الكنيسة كان يمارس هذه الخطيّة، مع أنهم من المفروض أن يكونوا قد تغيّروا وتجدّدوا بعد إيمانهم برب المجد يسوع. ولكن يبدو أنّ إيمان البعض منهم كان سطحيًّا، وأنهم انضموا إلى الكنيسة وأحضروا معهم أسلوب حياتهم الّذي عاشوه في مدينة كورنثوس الّتي كانت معروفة بانتشار الرّذيلة بين سكّانها، خاصّة نتيجة وجود معبدٍ وثني كانت فيه نساء تحترف الزّنى كطقسٍ في العبادات الوثنيّة.

وفي أيّامنا في القرن الحادي والعشرين، نسمع ونقرأ عن ما يسمّى “كنائس” و “طوائف مسيحيّة” تتهاون مع أشكالٍ متنوّعة من الزّنا والدّعارة والإنحراف الجنسي، غير عالمين أو مُبالين بما ستؤدي به مثل هذه الخطايا، إلى دمار وخراب وسقوط المجتمع الّذي تتواجد فيه مثل هذه النّجاسات. والمشكلة الأكبر هي أن كثيرين من قادة ورعاة الكنائس لا يتكلّمون ولا يعظون ولا يعلّمون ضد هذه الخطايا، وهذا يدلّ على جُبنهم وخوفهم، وكذلك يدلّ على حرصهم على وظائفهم ودخلهم المالي ومركزهم الإجتماعي، بدلًا من خدمتهم لله بامانة، ودعوتهم للنّاس إلى التّوبة والتّوقف عن حياة الخطيّة.

نقرأ بعد ذلك جملةً تعبّر عن حقيقة تستحقّ الإنتباه، فالرّسول بولس يقول بأنّ “وَزِنًى هَكَذَا لاَ يُسَمَّى بَيْنَ الأُمَمِ.” أي أنّ الشّعوب الّتي لم تكن تعرف الله، لم تسمح لنفسها أن تمارس هذه الخطيّة، حتّى أن مجرّد ذكرها لم يكن بينهم، والمقصود هنا هو زنى رجلٍ مع امراة أبيه. والأمم الّذين يشير إليهم بولس الرّسول هنا هم الشّعب اليوناني والرّوماني بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى بقيّة شعوب العالم القديم الّذي عرفه بولس الرّسول. فمع أنّ هذه الشّعوب كانت وثنيّة، إلّا أنّ ضميرهم، والقانون الطّبيعي الّذي وضعه الله في قلوب النّاس، كان كفيلًا بمنعهم عن ارتكاب هذا العمل المخزي والبشع. وقد أشار بولس الرّسول إلى حقيقة عمل الضّمير والقانون الطّبيعي في رسالته إلى الكنيسة في روما، حيث كتب قائلًا: “لأَنَّهُ الأُمَمُ الّذينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، الّذينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً.” (رسالة رومية 14:2-15).

يعد ذلك يأتي ذكر طبيعة خطيّة الزّنى الّتي يكتب الرّسول عنها وهي: “أَنْ تَكُونَ لِلإِنْسَانِ امْرَأَةُ أَبِيهِ.” فلا يعقل، بل أنّه عملٌ بشع ومخزي ومُشين، أن يُقدِم شخصٌ على ارتكاب خطيّة الزّنى مع زوجة أبيه. وسياق الكلام يدلّ بوضوح على أنّ الخطيّة هنا تقع على الطّرفين، أي على الرّجل وعلى امراة ابيه، والّتي هي ليست أمّه بالتّأكيد. فهو لم يقم باغتصابها، بل مارسا الجنس معًا، وهذا لا يمكن أن يتمّ إلّا باتّفاق المرأة والرّجل.

يستخدم بولس الرّسول هنا فعل “تكون”، وهو في الأصل اليوناني ἔχω (هيخو)، وهذا الفعل مكرّر 711 مرّة في العهد الجديد، ويفيد دائمًا معنى امتلاك شيء، أو إمساك شيء، او القبض على شيء. ونفهم من هذا المعنى أنّ زوجة الأب قد اصبحت للإبن، وهنا توجد ثلاثة احتمالات: هل أصبحت له عن طريق زواج الإبن من إمراة ابيه بعد طلاقها، والأب ما يزال على قيد الحياة؟ أو عن طريق الخيانة الزّوجيّة؟ أو عن طريق الزّواج بعد وفاة الأب؟ في جميع الحالات نتعلّم من كلمة الله أن ما حدث كان خطيّة زنى، وعلى الأغلب أنّ هذا الفعل القبيح قد تمّ والأب ما يزال على قيد الحياة، فالرّسول يقول عنها “امراة أبيه”، ولا يقول “أرملة أبيه”، ولا يلمّح إلى طلاقها من أبيه. أي أنّ ما حدث هنا هو ارتكاب خطيّة مضاعفة، فمن جهةٍ هو فعل عصيان لوصيّة الله القائلة “لاَ تَزْنِ.” (خروج 14:20). وكذلك عصيان لوصيّة أخرى في ناموس الرّب تقول: “عَوْرَةَ امْرَأَةِ أَبِيكَ لاَ تَكْشِفْ. إِنَّهَا عَوْرَةُ أَبِيكَ. (لاويين 8:18). وقد سبق للرّب يسوع المسيح وأن شدّد في تعاليمه على الإمتناع عن خطيّة الزّنا، فنقرا في متّى 27:5-28: ” قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.”. وعلّمنا الرّب كذلك أنّ الزّنا يؤدّي إلى الطّلاق ودمار الأسرة. (أنظر مثلًا متّى 32:5). وكانت هذه الخطيّة تحمل معها لعنة على من يمارسها من شعب الله، فنقرا في سفر التّثنية 20:27: “مَلْعُونٌ مَنْ يَضْطَجعُ مَعَ امْرَأَةِ أَبِيهِ، لأَنَّهُ يَكْشِفُ ذَيْلَ أَبِيهِ. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ.”

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل وصاياك المقدّسة الّتي تساعدنا في التّمييز بين طريق وحياة الحق والقداسة، وطريق وحياة الشّر والنّجاسة. ونسألك يا ربّ أن تقوّي إيماننا، وأن تحفظنا من التّجربة، فلا نسقط في خطيّة الزّنا المخجلة والبشعة والمدمّرة لحياة الإنسان وأسرته. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هي الخطيّة الّتي عالجها بولس الرّسول هنا؟ وما هو سبب فظاعتها؟

أ. إدانة خطيّة جنس بين المحارم 1:5-13

(القسم الثاني: الآيات 2-13)

الآيات 2-3: “أَفَأَنْتُمْ مُنْتَفِخُونَ، وَبِالْحَرِيِّ لَمْ تَنُوحُوا حَتَّى يُرْفَعَ مِنْ وَسْطِكُمُ الّذي فَعَلَ هذَا الْفِعْلَ؟ فَإِنِّي أَنَا كَأَنِّي غَائِبٌ بِالْجَسَدِ، وَلكِنْ حَاضِرٌ بِالرّوح، قَدْ حَكَمْتُ كَأَنِّي حَاضِرٌ فِي الّذي فَعَلَ هذَا، هكَذَا.” يُشير بولس الرّسول إلى أن كبرياء وإفتخار المؤمنين في كنيسة كورنثوس جعلهم يتسامحون مع الرّجل الّذي إرتكب خطيَّة الزّنا مع زوجة أبيه. لقد كان حريٌّ بالمؤمنين ان يبكوا ويتوبوا إلى الله بسبب انتشار الخطيّة داخل الكنيسة، ولكنّهم لم يفعلوا، بل تساهلوا مع المذنب وسمحوا لله باستمرار الحضور إلى اجتماعات الكنيسة بدون أيّ توبيخ أو تاديب.

يشبه تساهل كنيسة كورنثوس من مرتكبي الخطايا الجنسيّة في القرن الميلادي الاوّل ما يحدث في كثيرٍ من كنائس اليوم، سواء في دول الشّرق أو الغرب، وهذه وصفة للعار والرّدة والسّقوط في مستنقع الخطيّة. فبدلًا من تاثير الكنيسة على العالم، سمح قادة ورعاة كنائس كثيرة بدخول أخلاق وخطايا العالم إلى الكنيسة، وأدّى هذا الوضع إلى انتشار الرّذيلة والزّنا، وترك الكثيرون الكنيسة، وعادوا إلى العالم بكلّ مقاييسه الاخلاقيّة والرّوحيّة الرّديّة.

 الآيات 4-5: “بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِذْ أَنْتُمْ وَرُوحِي مُجْتَمِعُونَ مَعَ قُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرّوح فِي يَوْمِ الرّب يَسُوعَ.” يقول بولس الرّسول مع أنّه غائبٌ عنهم في الجسد، فإنه معهم في الرّوح، ولذلك يطلب منهم “بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” أي بقوة وسلطان الرّب يسوع المسيح، أن يمارسوا التأديب الكنسي ضد هذا الشخص بطرده من الكنيسة وتسليمه للشيطان. وقصد بولس الرّسول من تاديب هذا الإنسان بطرده وتسليمه للشّيطان هو عذاب جسده ولو حتى الموت، لأنّ مثل هذا التّأديب يساعد الإنسان الخاطىء على التوبة عن خطايه والرّجوع للرّب، وذلك حتى تخلُص روحه في يوم الرّب، أي يوم مجيء الرّب يسوع المسيح ثانية. (راجع تيموثاوس الأولى 20:1).

الآيات 6-7: “لَيْسَ افْتِخَارُكُمْ حَسَنًا. أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ خَمِيرَةً صَغِيرَةً تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ؟ إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا.” تشير الخميرة في العهد الجديد إلى الشر والخطيَّة (راجع متى 6:16)، ولذلك يجب نزع هذه الخطيَّة من الكنيسة قبل إستفحالها لكي تبقى الكنيسة نقيَّة. فالمسيح حمل الفصح، قد ذُبح ليجعلنا أنقياء أمام الله. ولذلك يدعو بولس الرّسول الكنيسة في الآية 8: “إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ”، أن تعيِّد، أي أن تحتفل بالحياة المسيحية، ولكن ليس بطرق الشّر والخبث القديمة، بل على أساس الإخلاص والحق.

الآية 9: “كَتَبْتُ إِلَيْكُمْ فِي الرِّسَالَةِ ألّا تُخَالِطُوا الزُّنَاةَ.” قوله “الرسالة” قد يكون إشارة إلى الجزء السابق من الرسالة نفسها، أو إلى رسالة أخرى ليست لدينا. وعلى أية حال، فما لدينا من كتابات في العهد الجديد هو وحيُ الله الكامل والكافي لإظهار حق الله وطريق الخلاص. وما كتبه في تلك الرسالة هو عدم مخالطة جميع أنواع الزناة، وكلمة “مخالطة” تشير إلى أنواع مختلفة من العلاقات البشرية.

الآيات 10-11: “وَلَيْسَ مُطْلَقًا زُنَاةَ هذَا الْعَالَمِ، أَوِ الطَّمَّاعِينَ، أَوِ الْخَاطِفِينَ، أَوْ عَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَإِلاَّ فَيَلْزَمُكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا مِنَ الْعَالَمِ! وَأَمَّا الآنَ فَكَتَبْتُ إِلَيْكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ مَدْعُوٌّ أَخًا زَانِيًا أَوْ طَمَّاعًا أَوْ عَابِدَ وَثَنٍ أَوْ شَتَّامًا أَوْ سِكِّيرًا أَوْ خَاطِفًا، ألّا تُخَالِطُوا وَلاَ تُؤَاكِلُوا مِثْلَ هذَا.” يوضح الرّسول هنا أن عدم مخالطة الزناة والطماعين واللصوص وعبدة الأوثان والشتَّامين، لا تشمل كل هؤلاء النّاس، بل أولئك الّذين ما يزالون يرتكبون هذه الخطايا بعد إيمانهم ودخولهم الكنيسة، وإلاَّ فإن وصيته في الآية 9 قد تعني الإنفصال كليًا عن العالم.

الآيات 12-13: “لأَنَّهُ مَاذَا لِي أَنْ أَدِينَ الّذينَ مِنْ خَارِجٍ؟ أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ تَدِينُونَ الّذينَ مِنْ دَاخِل؟ أَمَّا الّذينَ مِنْ خَارِجٍ فَاللهُ يَدِينُهُمْ. فَاعْزِلُوا الْخَبِيثَ مِنْ بَيْنِكُمْ.” مع أنه من المنطقي أن تمارس الكنيسة التأديب بحق أعضائها، إلاَّ أنه لا يجوز لها أن تحاكم المجتمع ككُل، لأن الله سيدينه. ثم ينهي بولس الرّسول كلامه في الموضوع بقوله أن ذلك الشخص الخبيث، أي الّذي ارتكب خطيّة الزّنا مع إمرأة أبيه، يجب أن يُطرد من صفوف الكنيسة.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل سفك دم الرّب يسوع على الصّليب للتكفير عن خطايانا، ونسالك أيّها السّيد أن تحفظنا في حقّك لكي نعيش بقيّة حياتنا بطريقة لائقة، أي أن تكون حياتنا مرضيّة أمامك، وألّا نسقط في خطيّة الزّنا وغيرها من شرور هذا العالم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: كيف تفهم موضوع التأديب الكنسي، ولماذا توقّفت الكثير من الكنائس عن ممارسته في أيّامنا؟

ب. تطبيق مبادئ الأخلاق المسيحية على أمور قانونية 1:6-20

1. مبادئ مسيحية في قضايا قانونية 1:6-11

(القسم الأوّل: الآيات 1-6).

يناقش بولس الرّسول هنا قضية أخلاقية وقضائية، ألا وهي تسوية المؤمنين لخلافاتهم أمام القضاء الروماني وليس داخل الكنيسة. ويبدو مِمّا جاء في الآية السّابعة أن الحديث يتمحور حول قضية سرقة ارتكبها أحد الإخوة، ويريد بولس الرّسول من الكنيسة أن تعالجها داخل الكنيسة، وعدم الّلجوء إلى محاكم العالم الخاطئ. فبما أن المؤمنين بحسب الآية الثّانية سيدينون العالم عند مجيء الرّب يسوع المسيح، فالأولى بهم أن يمارسوا القضاء الآن في أمورهم الخاصة كما جاء في تيموثاوس الثانية 21:2، ورؤيا 4:20.

الآية 1: “أَيَتَجَاسَرُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لَهُ دَعْوَى عَلَى آخَرَ أَنْ يُحَاكَمَ عِنْدَ الظَّالِمِينَ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْقِدِّيسِينَ؟” بعد أن بيّن بولس الرّسول في نهاية الإصحاح الخامس إرادة الله للكنيسة بعدم إدانة العالم خارج الكنيسة، والإمتناع عن إصدار أحكامٍ على النّاس، وترك أمرهم للرّب خالقهم، يخاطب الكنيسة هنا قائلًا للمؤمنين بألّا يسمحوا للّذين من خارج الكنيسة أن يحكموا في شئون وخلافات الإخوة والأخوات داخل الكنيسة.

كانت المحاكم في أيّام بولس الرّسول، أي في ظلّ سيطرة الإمبراطوريّة الرّومانية على بلاد حوض البحر المتوسط، تستخدم قوانين بشريّة وضعيّة لا علاقة لها بأيّ شكل من الأشكال بوحي الله وإرادته للجنس البشري. كذلك كان موقف النّاس خارج الكنيسة سلبيًّا بكل ما يتعلّق بالإيمان المسيحي الّذي بدأ ينتشر بقوّةٍ في أرجاء الإمبراطوريّة الرّومانية. لذلك كان على المؤمنين بالرّب يسوع أن يكونوا مدقّفين في سلوكهم، وأن تكون شهادتهم وسيرتهم حسنة أمام النّاس. وبالتّالي كان يجب عليهم في حالة وقوع خلافٌ فيما بينهم، أن يقوموا بمعالجته داخل الكنيسة، وعدم اللّجوء إلى المحاكم الرّومانيّة، حتّى لا يكونوا سبب عثرة للنّاس، وكذلك لمنع “الظَّالِمِينَ” من إصدار الحكم، وليس “الْقِدِّيسِين”. واستخدام وصف “ألظالمين” يعني بكلّ بساطة غير المؤمنين، أي من لا يعرفون إرادة الله، ولا يؤمنون بالرّب يسوع المسيح. كذلك فإنّ “الظّالمين” هم على النّقيض من القدّيسين، وتعتمد أحكامهم على أسس فكريّة وفلسفيّة لا رابط لها مع أحكام وفكر الله. وهذا الحال لا يعني أنّ قضاة أهل العالم لن يحكموا بالعدل نهائيًّا، ولكنهم من عالمٍ آخر غير عالم القدّيسين المسيحيّين.

الآية 2: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْقِدِّيسِينَ سَيَدِينُونَ الْعَالَمَ؟ فَإِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُدَانُ بِكُمْ، أَفَأَنْتُمْ غَيْرُ مُسْتَأْهِلِينَ لِلْمَحَاكِمِ الصُّغْرَى؟” يشير بولس الرّسول هنا، وبطريقة غير مباشرة، إلى ما قاله رب المجد يسوع المسيح: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الّذينَ تَبِعْتُمُونِي، فِي التَّجْدِيدِ، مَتَى جَلَسَ ابْنُ الإِنْسَانِ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ، تَجْلِسُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ أَسْبَاطَ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ.” (متّى 28:19). سيعطي الرّب يسوع لقدّيسه امتياز الجلوس على كرسيّ القضاء لدينونة الأشرار، وستكون هذه اعظم جلسة محكمة في التّاريخ، لذلك إن كان هذا ما سيقوم به القدّيسون في اليوم الأخير، فإنّه حريّ بهم أن يحكموا في أمور الخلافات الصّغيرة بين الإخوة والاخوات داخل الكنيسة.

الآية 3: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا سَنَدِينُ مَلاَئِكَةً؟ فَبِالأَوْلَى أُمُورَ هذِهِ الْحَيَاةِ.” قوله “سنُدين ملائكة” هو إشارة إلى دينونة الشيطان والملائكة الأشرار السَّاقطين، حيث أن الكلمة غير معرَّفة، “ملائكة” وليس “الملائكة” الأبرار، وهذا يعني أن الكنيسة ستحكُم مع الرّب يسوع حتى على المخلوقات الملائكية. ولذلك يقول في الآية 4: “فَإِنْ كَانَ لَكُمْ مَحَاكِمُ فِي أُمُورِ هذِهِ الْحَيَاةِ، فَأَجْلِسُوا الْمُحْتَقَرِينَ فِي الْكَنِيسَةِ قُضَاةً.” بما أن الكنيسة ستدين ملائكة، بالإضافة إلى أهل العالم، فإنها مدعوة إلى الانتباه لمن تعطيهم حق الجلوس كقضاةٍ للحكم في حالة نشوب نزاعٍ بين إخوةٍ داخل الكنيسة.  الفعل اليوناني هنا هو καθίζετε (كاثيزيتي)، ويمكن أن يفهم على أنّه بصيغة الامر، وبالتّالي تتمّ ترجمته كما لدينا في اللغة العربيّة[4]، أي “فَأَجْلِسُوا الْمُحْتَقَرِينَ”، أي دعوا المحتقرين ليجلسوا بصفة قضاة في الكنيسة. كذلك يمكن ان يفهم الفعل اليوناني بصيغة استفسارٍ، وبالتّالي يجب ترجمته بالقول “أفَتُجلِسونَ” وليس “فَأَجْلِسُوا”، وبما أن موضوع هذه الآيات هو توبيخ الكنيسة في كورنثوس على ما يجري بها من امورٍ لا تليق بالمؤمنين، واستهجان فكرة لجوء الكنيسة إلى محاكم العالم، أي إلى قضاة غير مؤمنين بالإنجيل المقدّس، فإنّ ترجمة الفعل اليوناني يجب ان تكون بصيغة السّؤال، أي باستخدام فعل “أفَتُجلِسونَ”، وهذه الصّيغة تدلّ على أنّ بولس الرّسول يعاتب ويلوم الكنيسة بسبب لجوئها إلى قضاةٍ “محتقرين”، أي غير ذو قيمة او اعتبارٍ في نظرة الكنيسة اليهم، وذلك لكونهم وثنيّين ولا يؤمنون بالرّب يسوع المسيح، وليسوا أعضاء في الكنيسة. يجب أن أضيف هنا بأنّه من غير المعقول، بل من المستحيل، أن تدعوا الكنيسة أعضاء قليلي الحكمة في الكنيسة لتجعلهم قظاة، فإصدار احكامٍ عند وقوع المشاكل بين اعضاءٍ في الكنيسة ييتطلّب دعوة اكثر اعضاء الكنيسة حكمةً ونضوجًا، وليس العكس.

الآيات 5-6: “لِتَخْجِيلِكُمْ أَقُولُ. أَهكَذَا لَيْسَ بَيْنَكُمْ حَكِيمٌ، وَلاَ وَاحِدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ إِخْوَتِهِ؟ لكِنَّ الأَخَ يُحَاكِمُ الأَخَ، وَذلِكَ عِنْدَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ.” يقول بولس الرّسول هنا أنه يجب على المؤمنين أن يخجلوا من سلوكهم، وأن يكونوا حكماء، وأن يحكموا في أمورهم بأنفسهم، ولا يذهبوا بخلافاتهم إلى محاكم العالم البعيد عن رب المجد يسوع. وما يقوله بولس الرّسول هنا يؤكّد على صحّة ترجمة الفعل καθίζετε بصيغة السّؤال الإستنكاري، وليس بصيغة الامر.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل نعمتك الفائقة الإدراك، وكيف أنّك جعلت منّا قدّيسين بعد أن كنّا نعيش في وحل الخطيّة، وأقمتنا وأجلستنا معك في السّماويات، واعطيتنا أن ندين العالم وملائكة في اليوم الأخير. لذلك نسالك يا رب أن تحفظنا في حقّك، وأن تعطينا القوّة لنتابع مسيرة حياتنا بحسب إرادتك حتّى يوم انتقالنا من هذا العالم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: كيف يجب على الكنيسة التّصرف في حالة نشوء نزاعٍ بين إخوةٍ أو أخواتٍ في الكنيسة، ولماذا؟

1. مبادئ مسيحية في قضايا قانونية 1:6-11

(القسم الثّاني: الآيات 7-11)

الآيات 7-8: “فَالآنَ فِيكُمْ عَيْبٌ مُطْلَقًا، لأَنَّ عِنْدَكُمْ مُحَاكَمَاتٍ بَعْضِكُمْ مَعَ بَعْضٍ. لِمَاذَا لاَ تُظْلَمُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لِمَاذَا لاَ تُسْلَبُونَ بِالْحَرِيِّ؟ لكِنْ أَنْتُمْ تَظْلِمُونَ وَتَسْلُبُونَ، وَذلِكَ لِلإِخْوَةِ.” يوجد في كلام بولس الرّسول هنا دليلٌ قاطع على وقوع سَقطات أخلاقيّة وروحية عند بعض الإخوة في الكنيسة، ولذلك يدعوهم إلى احتمال الظّلم الّذي يقع عليهم، مثل تعرّضهم للأذى والسّرقة، بدلًا من أن يدخلوا في خصام بين بعضهم البعض. أي أنّ عليهم أن يغفروا للإخوة في الكنيسة، حتى لو اساءوا اليهم، بدلًا من إيذاء بعضهم البعض.

عندما سال بطرس الرّسول الرّب يسوع المسيح: “يَارَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟” (متّى 21:18)، أجاب الرّب يسوع وقال له: “لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ.” (متّى 22:18). فالرّب يسوع له المجد علّم تلاميذه أن يغفروا لبعضهم البعض بلا حدود، وبنفس الرّوح كتب بولس الرّسول إلى كنيسة كورنثوس، وطلب من الإخوة والاخوات احتمال الاذى الّذي قد يصيبهم من الإخوة، ومسامحتهم، بدلًا من اللّجوء إلى محاكم أهل العالم.

الآيات 9-10: “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلاَ طَمَّاعُونَ وَلاَ سِكِّيرُونَ وَلاَ شَتَّامُونَ وَلاَ خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ.” يوجد في كلام بولس الرّسول تحذيرٌ واضحٌ من ارتكاب الخطايا والشّرور، فعقاب الله حتمي وأكيد، ولن يرث الأشرار من الظّالمين وغيرهم ملكوت الله. ونلاحظ من بين هذه الخطايا ذكر “المأبونون”، وفي اللّغة اليونانيّة μαλακοὶ  (ملاكوي)، ومفردها μαλακός (ملاكوس)، وتعني مخنّث، أو المتشبّه بالنّساء، أي الرّجل الّذي يتشبّه بالمرأة في سلوكه ولباسه وحركاته وكلامه. ومثل هؤلاء المنحرفين جنسيًا قد ازدادوا في أيّامنا، وفتحت لهم دولًا أوروبيّة وكندا والولايات المتّحدة الأمريكيّة أبواب مدارس الاطفال ليقدّموا لهم عروضًا جنسيّة تدمّر أخلاقهم، وتشجّعهم على الإنحطاط، وزرع صورًا بشعة عن الجنس في عقولهم.

يعدّد بولس الرّسول هنا جملة من الخطايا والشرور الّتي كانت منتشرة في مدينة كورنثوس، وفي غيرها من المدن ودول العالم، وما تزال هذه الخطايا منتشرة في العالم اليوم. ونشهد في ايّامنا دولًا وأنظمةً تتساهل مع هذه النّجاسات والشّرور، بل وتضع قوانينًا تعطي الحريّة الكاملة لكل من يريد ان يمارسها في العلن، بل وتمنح حقوقًا للشّواذ وصلت درجة اطلاق صفة “زواج المثليّين” على قذارة الإنحراف الجنسي، أي ممارسة الجنس بين رجل ورجل، أو امراة مع امراة. ووصلت الامور بقيام ما يسمّى “كنائس مسيحيّة” بعقد قران المنحرفين جنسيًّا داخل الكنيسة، ومباركة هذه النّجاسة، وحتّى رسامة أمثال هؤلاء الخطاة من الشّاذين جنسيًّا قسسًا ورعاة لكنائسهم. إنها قمة الوقاحة والرّدة والسّقوط الأخلاقي، وسيقود هذا حتمًا إلى وقوع دينونة الله العادلة على ممارسي هذا الشّر الفظيع. فالله سيدين مرتكبي مثل هذه الخطايا البشعة في بحيرة النّار والكبريت.

يكتب بولس الرّسول هنا محذرًا الكنيسة من السقوط في هذه الشرور، ويقول بكّل وضوحٍ بأن من يمارسون هذه الأعمال لن يرثوا ملكوت الله. كذلك نقرأ في رسالة رومية 18:1-32: لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الّذينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ…لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ أَيْضًا فِي شَهَوَاتِ قُلُوبِهِمْ إِلَى النَّجَاسَةِ، لإِهَانَةِ أَجْسَادِهِمْ بَيْنَ ذَوَاتِهِمِ…لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالّذي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ،..وَكَذلِكَ الذُّكُورُ أَيْضًا تَارِكِينَ اسْتِعْمَالَ الأُنْثَى الطَّبِيعِيَّ، اشْتَعَلُوا بِشَهْوَتِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَاعِلِينَ الْفَحْشَاءَ ذُكُورًا بِذُكُورٍ، وَنَائِلِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ جَزَاءَ ضَلاَلِهِمِ الْمُحِقَّ. وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لاَ يَلِيقُ. مَمْلُوئِينَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزِنًا وَشَرّ وَطَمَعٍ وَخُبْثٍ، مَشْحُونِينَ حَسَدًا وَقَتْلاً وَخِصَامًا وَمَكْرًا وَسُوءًا، نَمَّامِينَ مُفْتَرِينَ، مُبْغِضِينَ ِللهِ، ثَالِبِينَ مُتَعَظِّمِينَ مُدَّعِينَ، مُبْتَدِعِينَ شُرُورًا، غَيْرَ طَائِعِينَ لِلْوَالِدَيْنِ، بِلاَ فَهْمٍ وَلاَ عَهْدٍ وَلاَ حُنُوٍّ وَلاَ رِضىً وَلاَ رَحْمَةٍ. الّذينَ إِذْ عَرَفُوا حُكْمَ اللهِ أَنَّ الّذينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ هذِهِ يَسْتَوْجِبُونَ الْمَوْتَ، لاَ يَفْعَلُونَهَا فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا يُسَرُّونَ بِالّذينَ يَعْمَلُونَ.” غضب الله معلنٌ اليوم، في القرن الحادي والعشرين، على كلّ هذه النّجاسات والشّرور، بل وأنّ المنحرفين والشّواذ يفتخرون بخزيهم، ويحيون مسيراتٍ يطلقون عليها “مسيرات فخرٍ واعتزاز” في مدنٍ ودولٍ كثيرة في العالم.

الآية 11: “وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ. لكِنِ اغْتَسَلْتُمْ، بَلْ تَقَدَّسْتُمْ، بَلْ تَبَرَّرْتُمْ بِاسْمِ الرّب يَسُوعَ وَبِرُوحِ إِلهِنَا.” يعلن بولس الرّسول هنا أن بعض أعضاء الكنيسة كانوا سابقًا من الّذين عاشوا في النجاسة، ولكن الله جدّدهم وغيرهم. ثم يعدّد بولس مراحل عملية تجديدهم:

  1. اغتسلتم: أي أنهم تطهروا روحيًّا من قِبل الله، وهو عمل يشير إلى دم المسيح الّذي يطهرنا من كل خطايانا.
  2. تقدّستُم: أي أنّهم فُصِلوا أو انعزلوا عن الخطيّة، وعُينوا لله. أو أنهم أُعلنوا بأنّه شعب الله الخاص.
  3. تبرَّرتم: أظهرهم الله القاضي العادل، وأفرزهم كأبرار أمام الرّب يسوع المسيح. وقد عمل الله كل ذلك في حياتهم على أساس سلطة أو إسم الرّب يسوع المسيح وقوة عمل الرّوح القدس في حياتهم.

صلاة: نصلّي إليك أيّها الآب السّماوي أن ترسل روحك لكي تخلق وتجدّد وجه الأرض. قلوبنا يا الله تتوجّع بسبب كثرة الخطايا في هذا العالم، فقد استطاع عدو النّفوس أن يضل الكثيرين ويقودهم في طريق الخطيّة. لذلك نسألك يا االله أن تعمل من خلال البقيّة التّقيّة من المؤمنين، لكي يتحلّوا بالشّجاعة والجرأة، ويخرجوا صارخين للنّاس داعين إيّامهم إلى التّوبة وقبول يسوع المسيح ربًّا ومخلّصًا لحياتهم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ماذا يجب أن تعمل جماعة المؤمنين في وجه طوفان الخطيّة المنتشر في العالم؟

2. تعاليم حول أمور جنسيّة 12:6-20

الآيات 12-13: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لاَ يَتَسَلَّطُ عَلَيَّ شَيْءٌ. الأَطْعِمَةُ لِلْجَوْفِ وَالْجَوْفُ لِلأَطْعِمَةِ، وَاللهُ سَيُبِيدُ هذَا وَتِلْكَ. وَلكِنَّ الْجَسَدَ لَيْسَ لِلزِّنَا بَلْ للرَّب، وَالرّب لِلْجَسَدِ.” يناقش بولس الرّسول هنا مسالة أخلاقيّة ظهرت في كنيسة كورنثوس، وما تزال تظهر بين مؤمنين مسيحيّين في ايّامنا. فقد ادّعى بعض المؤمنين في كنيسة كورنثوسأنّه يحق لهم أن يمارسوا ما يريدون، وكان لسان كلّ واحدٍ منهم يقول: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي”، وبهذه العبارة حلّلوا لأنفسهم عمل ما يريدون، أي أنّهم أعطوا لأنفسهم حريّة مطلقة في عمل الشّر والخطيّة، غير مراعين ولا طائعين وصايا وتعاليم الرّب. فقد قارنوا بين عمليّة أكل الطعام وهضمه كعمليّة طبيعيّة، مع ممارسة الجنس كعمليّة طبيعيّة، وبالتالي فهي جائزة. لذلك يسارع بولس الرّسول ليبطل هذه المقارنة بتشديده على ضرورة طهارة الجسد من الزّنا لأن الجسد للرَّب، ولزيادة التّشديد على أهميّة الجسد يشير في الآيّة 14: “وَاللهُ قَدْ أَقَامَ الرّب، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ” إلى إقامة الرّب يسوع بالجسد، وإلى أن المؤمنين سيقومون أيضًا بأجسادهم بقوة الله.

الآيات 15-17: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ أَعْضَاءُ الْمَسِيحِ؟ أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ الْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِية؟ حَاشَا! أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ مَنِ الْتَصَقَ بِزَانِية هُوَ جَسَدٌ وَاحِدٌ؟ لأَنَّهُ يَقُولُ: يَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. وَأَمَّا مَنِ الْتَصَقَ بِالرّب فَهُوَ رُوحٌ وَاحِدٌ.” يطرح بولس الرّسول سؤالًا على المؤمنين في كنيسة كورنثوس، مع أنّه واثقٌ بمعرفتهم لإجابته، فهو الّذي بشّرهم بالإنجيل، وأسّس كنيستهم. ومع ذلك يعود ليقول لهم بأنّ المؤمنين هم أعضاء في جسد المسيح، أي في الكنيسة المقدّسة بدم الرّب يسوع، ولذلك يجب أن يمتنعوا عن ارتكاب خطيّة الزّنا. فالجنس ليس فقط لقاء جسدي، بل هو لقاء بين شخصين يصبحان واحدًا. ويقتبس هنا من تكوين 24:2، ومن متى 5:19: “مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا.” ولأنّ المؤمن أصبح واحدًا مع الرّب، فهو لا يستطيع أن يكون في وحدة أو علاقة مع الزّناة.

الآيّة 18: “اُهْرُبُوا مِنَ الزّنا. كُلُّ خطيّة يَفْعَلُهَا الإِنْسَانُ هِيَ خَارِجَةٌ عَنِ الْجَسَدِ، لكِنَّ الّذي يَزْنِي يُخْطِئُ إِلَى جَسَدِهِ.” يامرنا الله هنا قائلًا: “اُهْرُبُوا مِنَ الزّنا.” وهذه لغة حازمة وجازمة، لأنّه عندما تثور شهوة الجسد من أجل ممارسة الجنس، يتوقّف العقل عن التّفكير المنطقي، وتصبح الرّغبة في إشباع الشّهوة من أجل الحصول على لحظة من اللّذة الجسديّة هي المحرّكة والمسيطرة على الرّجل أو المراة. على الإنسان ان يهرب من الزّنا، ولا يعطي لنفسه فرصةً للتّفكير والتّعليل والتّحليل، حيث لا يوجد أيّ مبرّرٍ أخلاقي أو منطقي لارتكاب خطيّة الزّنا. وما أكثر الأشخاص الّذين دُمّرت حياتهم، وأصيبوا بأمراضٍ قاتلة، وخسروا اموالهم، وخربت بيوتهم، وتشتّت عائلاتهم، وانهمرت دموعهم، وحتّى تعرّضوا للقتل نتيجة السّقوط في خطيّة الزّنا.

معظم الخطايا الّتي يرتكبها النّاس لا تؤثّر بشكلٍ مباشر على أجسادهم، فارتكاب خطايا مثل الكذب والشّتيمة والنّفاق والحسد والكراهيّة والعصيان، وحتّى العبادات الوثنيّة الباطلة، هي ممارسات خارجة عن الجسد، ولا تترك أثرًا في الجسد، ولكن خطيّة الزّنا تمارس بواسطة الجسد، وتكون نتائجها مباشِرة على هذا الجسد، مثل الضّعف والوهن والامراض الجنسيّة القاتلة، وخصوصًا مرض نقصان المناعة، أو الإيدز.

الآية 19: “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الّذي فِيكُمُ، الّذي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟” يقدم بولس الرّسول في هذه الآيات فكر وحكم الله الإيجابي عن الجسد البشري، وللمرّة الثّانية يطرح سؤالًا يعرف المؤمنون جوابه سلفًا، لأنه يتعلّق بكون جسد المؤمنين هو هيكل الله[5]. ويذكّر المؤمنين بأنّ الرّوح القدس يسكن في حياة كلّ مؤمن حقيقي بالرّب يسوع المسيح، وان عطية الرّوح القدس هي نعمة من الله لكلّ مؤمن. كذلك ينبّه بولس الرّسول المؤمنين إللى حقيقة كونهم لا يملكون أنفسهم فيما بعد وذلك لانهم، كما نقرا في الآية 20: “لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ.” والّذي اشترانا هو الرّب يسوع المسيح الّذي دفع ثمننا بدمه الطّاهر الّذي سفك على الصّليب للتّكفير عن خطايانا. نقرأ في رسالة بطرس الاولى 18:1-19: “عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ.” ولذلك علينا أن نمجّد الله في اجسادنا وأرواحنا الّتي اشتراها الرّب بدمه. ويتمجّد الله في أجسادنا وارواحنا عندما نطيعه ونتصرّف بحسب إرادته، وكذلك في الصّلاة والتّسبيح والسّجود، و في عمل الخير والتّبشير بالإنجيل المقدّس، وقيادة الخطاة البعيدين إلى الخلاص والإنضمام لكنيسة الرّب يسوع.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل دم الرّب يسوع المسيح الّذي سفك على الصّليب من أجلنا نحن الخطاة وغير المستحقين. ونعترف لك يا ربّ بأنك السّيد على حياتنا، وبأنّك اشتريتنا بثمن عظيم. لذلك نسالك ان تكون معنا بحسب وعدك، وان تحفظنا من السّقوط في الخطايا، وخصوصًا خطيّة الزّنا. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: لماذا تختلف خطيّة الزّنا عن غيرها من الاعمال الشّريرة؟

سابعًا: جواب بولس الرّسول لأسئلة أثارتها الكنيسة 1:7-40:14

أ. تعليمات بخصوص الزواج: 1:7-40

1. واجبات المسيحي في الزواج: 1:7-16

(القسم الأوّل: الآيات 1-6)

تبين قراءة هذه الآيات أنه وجد اختلاف في الآراء بين الإخوة والأخوات في كنيسة كورنثوس حول أمور تتعلّق بالحياة الزّوجيّة، وطلبوا من بولس الرّسول جواب الله لمثل هذه الأمور. وجاء الجواب بما أوحى به الله لخادمه الأمين بولس الرّسول في الآيات 17-24 بأن المسيحي يجب أن يعيش حسب دعوة الله له سواء أكان أعزبًا أو متزوجًا.

الآية 1: “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأُمُورِ الَّتِي كَتَبْتُمْ لِي عَنْهَا: فَحَسَنٌ لِلرَّجُلِ ألّا يَمَسَّ امْرَأَةً.” نستنتج من كلام بولس الرّسول هنا أنّ المؤمنين في كورنثوس قد سألوه في موضوع الحالة الشّخصيّة للرّجل أو المرأة غير المتزوّجين. وطرح مثل هذا السّؤال ربّما يدلّ على أنهم كانوا يتوقّعون أنّ نهاية العالم قد اقتربت، أو بسبب انتشار مشاكل بين متزوّجين داخل الكنيسة، أو أنّ البعض قرّر عدم الزّواج وأراد معرفة فكر الرّب بما يتعلّق بهذا القرار. ومهما كانت أسباب السّؤال، فقد كتب بولس ردًّا شاملًا تناول فيه موضوع الزّواج من نواحٍ عديدة، ويبدو من القراءة السّريعة لردّه، أي في أي قوله: “َحَسَنٌ لِلرَّجُلِ ألّا يَمَسَّ امْرَأَةً” أن بولس الرّسول يناقش ضد الزواج، ولكن هذا غير المقصود، فكلامه له بقيّة، كذلك فهو لم يقل لا تتزّوجوا، بل قال بانّه حسنٌ أن يبقى الرّجل أعزبًا، وهذا الكلام صحيحٌ في حالاتٍ خاصّة، ولكنّ الكيفيّة التّي خلقنا عليها الله تدفع الرّجل لتكون له امراة، وكذلك تدفع المرأة ليكون لها رجلها. ونجد في كلّ كتابات بولس الرّسول بأنّه يُرَفّع من منزلة الزّواج كرباط مقدّس كما جاء في أفسس 5 وتيموثاوس الأولى 3. ويقول في تيموثاوس الأولى 1:4-3، أن ظهور أناس يدعون إلى عدم الزواج هو أحد علامات الإرتداد في آخر الأيام، وفي عبرانيين 4:13 نتعلم على أن الزواج يجب أن يكون مُكرَّمًا.

الآية 2: “وَلكِنْ لِسَبَبِ الزِّنَا، لِيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ امْرَأَتُهُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ رَجُلُهَا.” ترد هنا كلمة الزنا في الأصل اليوناني بصيغة الجمع، وهذا يدلّ على مدى انتشار هذه الخطيَّة في مدينة كورنثوس. ولأن التجربة قوية، وإمكانية سقوط الإنسان وارتكابه خطيّة الزّنا قد يقع بها كل من الرجل والمرأة، فلذلك يقول بأنّ الزواج المقدّس هو الحلّ السّماوي الأكيد والوحيد، والّذي من المفروض أن يحفظ الإنسان الّذي يحبّ الله ويطيع وصاياه من خطية الزنا. كذلك نستنتج من هذه الكلمات بأنّ مشيئة الله هي أن يتزوّج الرجل امرأة واحدة، وأن تتزوّج المرأة من رجل واحد، فهذه هي إرادة الله منذ أن خلق الإنسان، فقد خلق رجلًا واحدًا هو آدم، وخلق امراة واحده هي حوّاء، وقال الرّب يسوع مؤكّدًا على هذه الحقيقة: “أمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الّذي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالّذي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ.” (متّى 4:19-6).

في الآيات 3-4: “لِيُوفِ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ حَقَّهَا الْوَاجِبَ، وَكَذلِكَ الْمَرْأَةُ أَيْضًا الرَّجُلَ. لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا، بَلْ لِلرَّجُلِ. وَكَذلِكَ الرَّجُلُ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ، بَلْ لِلْمَرْأَةِ.” يجب أن تكون الحياة الجنسية بين الزوجين المسيحيين طبيعية، فالمسيحية ضد التقشف أو الزُهد الإجباري، بل من الضروري أن يكون للمتزوجين حياة جنسية طبيعية. لذلك يكمل قائلًا أن على كل من الرجل والمرأة أن يوفوا حق بعضهم البعض جنسيًا، وأن يتذكروا بأن أجسادهم تعود لبعضهم البعض (أنظر كورنثوس الأولى 16:6)، ويوضح في الآيتين 5-6 : “لاَ يَسْلُبْ أَحَدُكُمُ الآخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوافَقَةٍ، إِلَى حِينٍ، لِكَيْ تَتَفَرَّغُوا لِلصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، ثُمَّ تَجْتَمِعُوا أَيْضًا مَعًا لِكَيْ لاَ يُجَرِّبَكُمُ الشَّيْطَانُ لِسَبَبِ عَدَمِ نَزَاهَتِكُمْ. وَلكِنْ أَقُولُ هذَا عَلَى سَبِيلِ الإِذْنِ لاَ عَلَى سَبِيلِ الأَمْرِ”، أنّه يجب على أن الرجل ألّا يسلب المرأة حقها في جسده، أو أن تسلب المرأة حق زوجها في جسدها، على أن يتم ذلك على أساس إتفاق الإثنين من أجل غرض معين ووقت محدد، أي لكي يصرفوا وقتًا في الصوم والصلاة. وبعد إنتهاء وقت الصّوم، يجب أن يعودا لسابق حياتهم الجنسية وإلاَّ تعرّضا للتّجربة من إبليس في السقوط بالزّنا. ويوضّح الرّسول بأنّ ما قاله هنا ليس أمرًا بل اذنًا بعمل ما هو صواب.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي الّذي بحكمتك الأزلية خلقتنا ذكرًا وأنثى، وزرعت في قلوبنا محبّة للحياة والزّواج لتكوين الأسرة واختبار نعمة الإنجاب. أنت يا رب اله صالح وقدير، وأنت وحدك الّذي تحفظنا من هجمات عدوّ النّفوس الّذي يعمل على دمار حياتنا الرّوحيّة والاخلاقية، ولاسمك نعطي كل عبادة وتسبيحٍ ومجد. باسم الرّب يسوع. آمين.

سؤال: ما هي إرادة الله بخصوص علاقة الرّجل والمرأة، وما هو العمل للوقوف في وجه تيّار النّجاسة الّذي يهاجم العالم في ايّامنا؟

1. واجبات المسيحي في الزواج: 1:7-16

(القسم الثّاني: الآيات 7-16)

الآية 7: “لأَنِّي أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النّاس كَمَا أَنَا. لكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ مَوْهِبَتُهُ الْخَاصَّةُ مِنَ اللهِ. الْوَاحِدُ هكَذَا وَالآخَرُ هكَذَا.” يجب ربط كلام بولس الرّسول هنا بما كتبه بعد هذه الآية بقليل، أي في نفس هذه الرّسالة حيث كتب يقول: “أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَجُولَ بِأُخْتٍ زَوْجَةً كَبَاقِي الرُّسُلِ وَإِخْوَةِ الرّب وَصَفَا؟”. لقد اختار بولس الرّسول بإرادته عدم الزّواج، على عكس جميع رسل الرّب يسوع، بمن فيه بطرس. وسبب اختيار بولس الرّسول عدم الزّواج في الغالب هو لأنّه لم يُرد أن يكون السّبب في شقاء وعذاب من ستكون امراته، فقد كان يتنقّل باستمرار من مكألّاجر، وكان يعرّض حياته للخطر، وقد تعرّض لمحاولات قتلٍ كثيرة، وأمضى أوقاتًا طويلة في السّجن بسسب خدمته وتبشيره بإنجيل رب المجد يسوع. وهكذا يجب عدم اتّخاذ حالة بولس الرّسول كحجّة أو أساس لعدم الزّواج، أو لما يتمّ في كنائس تمنع خدّامها من الزّواج. كذلك لا يعقل تبرير ظهور ما تُسمّى “حياة الرّهبنة” بناءً على حالة بولس الرّسول الإستننائيّة، وتجاهل حقيقة زواج جميع الرّسل. يريد بولس الرّسول أن يكون النّاس مثله، أي أن يمكثوا بدون زواج، ولكنّه يدرك أن الله أعطى للنّاس مواهب مختلفة، فمنهم من يريد الزواج، ومنهم من يفضل العزوبية الدائمة. وبالتالي فالإنسان المسيحي يتمتع بحريّة الاختيار، وبالرغم من ذلك، فالله يريد للرجال والنساء أن يتزوجوا حتى لا يسقطوا في خطية الزنا، وحتى يستمر وجود الجنس البشري من خلال إنجاب الأطفال نتيجة للزواج.

الآيات 8-9: “وَلكِنْ أَقُولُ لِغَيْرِ الْمُتَزَوِّجِينَ وَلِلأَرَامِلِ، إِنَّهُ حَسَنٌ لَهُمْ إِذَا لَبِثُوا كَمَا أَنَا. وَلكِنْ إِنْ لَمْ يَضْبُطُوا أَنْفُسَهُمْ، فَلْيَتَزَوَّجُوا. لأَنَّ التَّزَوُّجَ أَصْلَحُ مِنَ التَّحَرُّق.” يقدم بولس الرّسول نصيحة لغير المتزوجين وللأرامل أن يمكثوا مثله عُزّاب، ولكن إن لم يضبطوا دوافعهم الجنسية فليتزوَّجوا، لأن الزواج أفضل من الإحتراق بالشهوات الجنسية والتي يصعب ضبطها خارج الزَّواج.

الآيات 10-16: يتحدث بولس الرّسول في هذه الآيات عن الإنفصال والطلاق. ويقتبس في الآية 10 من أقوال الرّب يسوع: “وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُونَ، فَأُوصِيهِمْ، لاَ أَنَا بَلِ الرّب، ألّا تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا”، فالرّب يسوع يوصي المرأة ألّا تنفصل أو تُفصِل نفسها عن زوجها.

الآية 11: “وَإِنْ فَارَقَتْهُ، فَلْتَلْبَثْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ، أَوْ لِتُصَالِحْ رَجُلَهَا. وَلاَ يَتْرُكِ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ.” في حالة انفصال المرأة عن زوجها، عليها ألّا تتزوج مثل غير المتزوجين في الآية 8، أو أن تصالح زوجها. وأما الرجل فعليه ألّا يترك أو يطلِّق إمرأته، والتَّشديد هنا على ضرورة المحافظة على الأسرة ورباط الزواج، وعلى أن يتصالح الأزواج الّذين سبق لهم وأن انفصلوا عن بعضهم البعض.

في الآيات 12-16: يتحدث بولس الرّسول عن حالات زواج كانت موجودة في كورنثوس حيث يوجد مؤمنون متزوِّجون من غير مؤمنين، ويقول بولس الرّسول للمسيحيين أنّ عليهم في مثل هذه الحالة أن يبقوا مع شركائهم غير المسيحيين إن وافقوا أو قبلوا. فرباط الزواج هو من الله، ولا يعقل أن يتم تدمير الأسرة عند إيمان الزّوج وعدم إيمان زوجته، أو العكس.

الآية 14: “لأَنَّ الرَّجُلَ غَيْرَ الْمُؤْمِنِ مقدّس فِي الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُؤْمِنَةِ مقدّسةٌ فِي الرَّجُلِ. وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ، وَأَمَّا الآنَ فَهُمْ مقدّسونَ.” تعني كلمة “مقدّس” أنّه منفصل ومخصّص، والمعنى هنا أن شريك الحياة غير المؤمن بقي مع شريكة حياته، فهو مخصّص لها ومنفصلٌ عن غيرها من النّساء. كذلك نتعلم من هذه الآية أنه يجب على الشريك المسيحي أن يفكر بحقيقة أن الله قادر أن يستخدمه كإنسان ورع ليحدث تأثيرًا إيجابيًا في أسرته. والكلمة agiazw (أجياتسو) تشير إلى العلاقة مع الله، أي أن الأسرة أو الفرد هو منفصل عن الخطية ومخصص لله، وينطبق نفس الوضع على الأولاد الّذين عيَّنهم الله له، فهم ليسوا نجسين، أي ليسوا منفصلين روحيًا عن الله.

الآية 15: “وَلكِنْ إِنْ فَارَقَ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ، فَلْيُفَارِقْ. لَيْسَ الأَخُ أَوِ الأُخْتُ مُسْتَعْبَدًا فِي مِثْلِ هذِهِ الأَحْوَالِ، وَلكِنَّ اللهَ قَدْ دَعَانَا فِي السّلام.” يذكُرُ بولس الرّسول هنا امكانية أن يفارق غير المؤمن زوجته المؤمنة، ولذلك فعلى الشّريك المؤمن أن يتركه. وسبب ذلك أن المؤمن في هذه الحالة غير ملزم بالحفاظ على الزواج. وكذلك لأنّ الله دعا شعبه إلى العيش بسلام، ولكن لا يكون سلام عندما يُجبَر إثنين على العيش معًا، فأساس الحياة الزّوجيّة هو المحبّة والاختيار الواعي والحر لشريك الحياة المؤمن بالرّب يسوع.

في الآية 16: “لأَنَّهُ كَيْفَ تَعْلَمِينَ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ، هَلْ تُخَلِّصِينَ الرَّجُلَ؟ أَوْ كَيْفَ تَعْلَمُ أَيُّهَا الرَّجُلُ، هَلْ تُخَلِّصُ الْمَرْأَةَ.” سبب محاولة المؤمن الحفاظ على الزواج مع غير المؤمن هو على أمل أن يستخدم الله هذا الزواج لخلاص غير المؤمن، وهذا الأمل أو الرّجاء كافٍ للحفاظ على رباط الزّواج، ولكنه غير ملزم لا للشّريك المؤمن أو غير المؤمن.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل أنّك خلقتنا ذكرًا وأنثى، ووضعت فينا عطيّة المحبّة الّتي تدفعنا للزّواج وتأسيس أسرة مسيحيّة تحبّ الرّب وتخدمه. كما ونشكرك للمواهب المختلفة الّتي منحتها للمؤمنين بشخصك القدوس. نصلي يا رب أن يتّفق ما نختاره لحياتنا مع إرادتك الصّالح والمرضيّة والكاملة. باسم الرّب يسوع. آمين.

سؤال: ما هي خلاصة تعليم بولس الرّسول في موضوع الزّواج؟

2. العبوديّة والحياة بحسب دعوة الله 17:7-24.

يجب على المسيحيين أن يعيشوا بأي ظرف دعاهم الله فيه إليه. وعليهم أن يقبلوا غرض الله في خلاصهم وبغض النظر عن مركزهم الإجتماعي. فعلى المسيحي أن يقبل العيش كمسيحي في جميع ظروف الحياة، وألّا يترك الظروف تؤثر على علاقته بالرّب. فسواء كان المسيحي أعزبًا أو متزوجًا، مختونًا أو أغلفًا، عبدًا أو حرًا، فإنه يجب أن يثبت مع الله.

الآية 17: “غَيْرَ أَنَّهُ كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ، كَمَا دَعَا الرّب كُلَّ وَاحِدٍ، هكَذَا لِيَسْلُكْ. وَهكَذَا أَنَا آمُرُ فِي جَمِيعِ الْكَنَائِسِ.” نجد هنا أمرًا من الله، بواسطة بولس الرّسول، بأن يعيش المسيحي المؤمن للرَّب، بغض النظر عن الظروف. وهذا مبدأ عام لكل الكنائس (أنظر أفسس 21:5-9:6؛ كولوسي 18:3-1:4)، أي يتخطّى كل الحدود الجغرافيّة. ويطبق بولس الرّسول هذا المبدأ في الآيات 18-19: “دُعِيَ أَحَدٌ وَهُوَ مَخْتُونٌ، فَلاَ يَصِرْ أَغْلَفَ. دُعِيَ أَحَدٌ فِي الْغُرْلَةِ، فَلاَ يَخْتَتِنْ. لَيْسَ الْخِتَانُ شَيْئًا، وَلَيْسَتِ الْغُرْلَةُ شَيْئًا، بَلْ حِفْظُ وَصَايَا اللهِ”، على الرّجل المختون، وعلى غير المختون، وعلى جميع المؤمنين والمؤمنات أن يعرفوا ويدركوا بأنه لا توجد أيّة قيمة روحية لختان الجسد في العهد الجديد، فهو أمر غير مهم، ويجب ألّا يفرق بين المؤمنين (رومية 25:2؛ غلاطية 12:6-13)، فهو علامة خارجية في جسد المؤمنين من الذكور فقط. والختان الحقيقي الآن هو ختان القلب بروح الله للذكور والإناث على السواء.

الآية 20: “اَلدَّعْوَةُ الَّتِي دُعِيَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ فَلْيَلْبَثْ فِيهَا.” في حالة دعوة الله لرجلٍ أغلف، أي غير مختون، فلا حاجه له للختان، فهذا عملٌ لا توجد له أيّة قيمة روحيّة، ولا دخل له بالخلاص. كذلك إن دعي إنسان وهو يحتلّ مركزًا اجتماعيًّا أو مهنيًّا معيّنًا، فعليه أن يثبت حيث هو، وأن يتابع حياته الإجتماعيّة والمهنيّة بسلام مع الله والنّاس. لا يعني هذا الكلام ألّا يعمل المؤمن على تغيير مهنته للأفضل أو التّقدم في الحياة، فالموضوع هنا هو الحفاظ على السّلام الشّخصي والقناعة والسّير بتواضع امام الله.

كثيرًا ما يحدث بعد إيمان شخص بالرّب يسوع المسيح، أن يعمل الله على تغيير وضع هذا الشّخص، فالعبد قد يتحرّر، كما في الآية 21. كذلك بعد الإيمان بالرّب يسوع، على من كان يمتهن عملًا باطلًا أن يترك هذا العمل ويشتغل في عملٍ شريف. فالّذي يعمل في البارات والتّجارة بالمخدّرات، أو الّذي أو الّتي تعمل في الدّعارة وبيع الجسد، عليه وعليها التّوقف عن هذه الخطايا. وأهّم شيء هنا هو أنّ الرّب قد يدعو إنسانًا بعد إيمانه للخدمة في حقل الرّب، وترك مهنته السّابقة، كما حصل مع بطرس ويعقوب واندراوس ويوحنّا ومتّى الّذين دعاهم الرّب لخدمته، فتركوا مهنتهم السّابقة وأصبحوا رسلًا مكرّسين لنشر إنجيل الخلاص لجميع الأمم.

الآية 21: “دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ. بَلْ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصِيرَ حُرًّا فَاسْتَعْمِلْهَا بِالْحَرِيِّ.” هل نفهم من كلمات بولس الرّسول ” دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ.” لا يعني هذا الكلام بأنّ الإيمان المسيحي يقبل بالعبوديّة، لأنّها تعني الظّلم، وانعدام المساواة بين النّاس، ومعاملة الإنسان المستعبد وكأنّه شيء أو بضاعة تباع وتشترى، وليس إنسانًا له حق التّنقل واختيار مكان سكنه وعمله وأسلوب حياته. فالمسيحيّة تدعو إلى احترام كرامة وإنسانية الإنسان، وهي ضد كل اشكال الظّلم والإضطهاد والعنف في معاملة الإنسألّاخيه الإنسان. والقاعدة الذّهبيّة في الأخلاق والسّلوك المسيحي هي ما قاله رب المجد يسوع: “فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ.” (متّى 12:7).

عندما كتب بولس الرّسول هذا الكلام، أي في منتصف القرن الميلادي الأوّل، كانت العبوديّة منتشرة في كلّ أرجاء الإمبراطوريّة الرّومانية، أي كانت منتشرة في مدينة كورنثوس الّتي وجد فيها عشرات الآلاف من العبيد. وكان قانون الإمبراطوريّة الرّومانيّة يتحكّم بكلّ ما يتعلّق بعبوديّة البشر، وسمح هذا القانون للسّيد مالك العبيد حق بيع وشراء العبيد، ومعاقبتهم حتّى بالموت، فهم ملكٌ له لأنّه دفع ثمنهم عند الحصول عليهم، وبالتّالي فهو يتحكّم بلباسهم وطعامهم وشرابهم وعملهم وساعات وأماكن نومهم، ولا يحقّ لأحد التّدخل بطريقة معاملته لعبيده، فهم “شيْ” يخصّه، وله الحق باستخدامه كما يشاء.

كانت العبوديّة شر وستبقى كذلك طول الوقت. والمسيحيّة تجسّد كلّ الخير والمحبّة للإنسان، وبالتّالي علينا أن نفهم كلمات بولس الرّسول ضمن الإطار التّاريخي والسّياسي والجغرافي الّذي كتب فيه عن موضوع العبوديّة. فلو دعا بولس الرّسول علنًا إلى تحرير العبيد، وكشف شرور وبشاعة العبوديّة، لادّى ذلك مباشرة إلى دخول مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، للإيمان المسيحي، ولكن بدون توبة حقيقيّة، وبدون معرفة بالرّب يسوع المسيح وتعاليم الإنجيل المقدّس، وبدون الولادة الجديدة من فوق بالإيمان بالخلاص الّذي تمّ بموت الرّب يسوع على الصّليب. كذلك لو دعا بولس الرّسول إلى تحرير العبيد، فلربّما أدّت دعوته إلى قيام ثورات أو تمرّد عنيف، يؤدّي الى تدمير الممتلكات وسفك الدّماء والقتل والحروب الأهليّة، وهذه الأمور ضد تعاليم الرّب يسوع الّذي دعا المؤمنين به ليكونوا دعاة وصانعوا سلام. كذلك لو دعا بولس علنًا إلى تحرير العبيد، وكان عددهم بالملايين في الإمبراطوريّة الرّومانية، حيث كان كل الإقتصاد الرّوماني يقوم على استغلالهم، لقام أصحاب العبيد من الطّبقة الارستقراطيّة والنّبلاء وجنرالات الجيش بارتكاب مجزرة ضد المسيحيّين والقضاء عليهم نهائيًّا.

وهكذا نفهم كلمات بولس “دُعِيتَ وَأَنْتَ عَبْدٌ فَلاَ يَهُمَّكَ”، بأنّه بعد إيمانك برب المجد يسوع، فإنّك قد تحرّرت بالمعنى الرّوحي والأخلاقي والمعنوي، وأصبحت عتيقًا للرَّب وحرًّا من الخطيَّة. فالقبول بحالة العبوديّة لا تعني تبرير ظلم واستبداد سادة العبيد، أو إعطاء الشّرعيّة لظاهرة العبوديّة. كذلك فإنّ تحلّي المسيحي المستعبد بروح الصّبر والوداعة والطّاعة، والثّقة بأنّ الرّب يسوع سيحرّرهم، وخدمة السّيد بأمانه، وإظهار محبّة صادقه له، فإنّ هذا السّلوك والشّهادة المسيحيّة الرّائعة كانت ستؤدّي حتمًا إلى التّأثير على سادة العبيد، وبالتّالي توبتهم وإيمانهم بالرّب يسوع، أو إطلاق سراح العبيد، أو العملين معًا.

كذلك فإن كلام بولس الرّسول لا يعني القبول بحالة العبوديّة والخضوع الدائم للظّلم، بل العمل من أجل الحريّة إن استطاع المؤمن تحقيق هذه الغاية. فقد تتمّ حريّة العبد بتغيير قوانين العبوديّة، أو بشراء العبد لحرّيته، أو بقيام صاحب العبيد بتحريرهم كما حدث فعلًا على يد كثيرين من السّادة الّذين آمنوا برب المجد يسوع المسيح. فالمهم بالأمر هو ألّا يتحرّر العبد عن طريق العنف والقتل وسفك الدّماء. وهنا علينا أن نلاحظ بأن المسيحية لا تضمن نجاحًا اقتصاديًا أو ماديًا، بل أن القضية هي مسئولية الإنسان الشخصية أمام الله (أعمال الرسل 29:11؛ أعمال الرسل 35:20).

لقد أدّت تعاليم الإنجيل المقدّس ضد الظّلم وضدّ الطمع، وإلى ضرورة العمل من أجل تحصيل لقمة العيش (أنظر رسالة تسالونيكي الثّانية 6:3-13)، وتأثيرها الكبير في العالم القديم، وما كتبه بولس الرّسول، مثل قوله في رسالة غلاطية: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” لقد أدّى انتشار هذه لتّعاليم، وخلال فترة زمنيّة قصيرة، إلى نهاية العبوديّة في الإمبراطوريّة الرّومانيّة، وفي كل المجتمعات الّتي انتشرت بها رسالة الإنجيل المقدّس.

الآية 22: “لأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرّب وَهُوَ عَبْدٌ، فَهُوَ عَتِيقُ الرّب. كَذلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ.” تذكّرنا كلمات بولس الرّسول هنا بما قاله الرّب يسوع المسيح: “وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.” (يوحنّا 32:8) وهكذا فكل من يؤمن بالرّب يسوع، حتّى ولو كان عبدًا لغيره من النّاس، فإن الرّب يسوع قد حرّره الحريّة الحقيقيّة، أي الحريّة من عبودية وقيود الخطيّة، وذلك لأنّ: “كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الابْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الابْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا.” (يوحنّا 34:8-35). المؤمن بالرّب يسوع ينال الحريّة الحقيقيّة في نظر الرّب، وهذا مصدر تعزية للمؤمن العبد، فهو حرٌ أو عتيق الرّب. أي أنّ الحديث هنا هو عن حقيقة وضع الإنسان أمام الله، وليس كما ظاهر بالعيان للنّاس. فأهم شيءٍ للإنسان هو علاقته وموقفه مع الله. فالحرّ ظاهريًّا، ولكنّه يؤمن بالرّب يسوع، هو عبدٌ للرّب الّذي اشتراه بدمه الّذي سفك على الصّليب. وهكذا نجد النّقيضين في كنيسة الرّب يسوع، فكلٍّ من العبيد والأحرار قد حصلوا على الحريّة الحقيقيّة في الخلاص من عبوديّة الخطيّة، وفي نفس الوقت أصبحوا عبيدًا للرّب الّذي اشتراهم بدمه. ومع ذلك يقول لهم ربُّ المجد يسوع: “لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيدًا، لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ، لكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي.” (يوحنّا 15:15).

الآية 23: “قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ، فَلاَ تَصِيرُوا عَبِيدًا لِلنَّاسِ.” يخاطب بولس الرّسول هنا كلّ المؤمنين في الكنيسة، ويذكّرهم بحقيقة قيام الرّب يسوع بدفع ثمن خطاياهم بدمه الّذي سفكه على الصّليب من أجلهم. نقرأ في رسالة بطرس الثّانية 1:2 بأن “الرّب الّذي اشْتَرَاهُمْ” هو يسوع المسيح، كما كتب بطرس أيضًا في رسالته الاولى 19:1 بأن الرّب يسوع فد افتداهم: ” بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ” (راجع تفسير كورنثوس الأولى 20:6). وهكذا فإن على المؤمن الّذي اشتراه المسيح وحرّره من عبوديّة الخطيّة، ألّا يعود ويستعبد للنّاس عن طريق اتّباع طرقهم الرّديّة أو طاعتهم في عمل الخطيّة.

الآية 24: “مَا دُعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيهِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلْيَلْبَثْ فِي ذلِكَ مَعَ اللهِ.” هنا يكرر الوصيَّة الواردة في الآيات 17 و20 بإضافة مقطع مع الله، أي أن الله مستعدٌ لمساعدة كل فردٍ في وضعه الخاص والمعيَّن.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل الحريّة الحقيقيّة الّتي أنعمت بها علينا وذلك بتحريرنا من قيود الخطيّة بالفداء بدم الرّب يسوع المسيح. لقد عشنا في الخطيّة، وعرفنا طعم العبوديّة، ولكنّنا الآن قد تحرّرنا بك، ودعوتنا أحباء، ولم نعد عبيدًا فيما بعد، لذلك نرفع إليك كل حمدٍ وعبادة وتسبيح، باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: كيف ساهم الإيمان المسيحي في تحرير العبيد؟ وما هي العبوديّة الحقيقيّة، وكيف نتحرّر منها؟

3. تعليمات بخصوص العذارى 25:7-40

يكتب بولس الرَّسول في هذه الآيات قائلًا أنه بسبب “الضيق الحاضر”، فحسنًا أن يبقى الإنسان في حالته سواء كان متزوجًا أو غير متزوج، وبأن يكرس حياته كليًا للرَّب، أو على الأقل أن يعطي الأولوية للرَّب. وعبارة “الضيق الحاضر” تشير إلى حقيقة وجود الكنيسة في العالم، وإمكانية تعرض المؤمنين لأنواع متعددة من التجارب والضيقات في العالم.

الآية 25: “وَأَمَّا الْعَذَارَى، فَلَيْسَ عِنْدِي أَمْرٌ مِنَ الرّب فِيهِنَّ، وَلكِنَّنِي أُعْطِي رَأْيًا كَمَنْ رَحِمَهُ الرّب أَنْ يَكُونَ أَمِينًا.” يجيب بولس الرّسول هنا على سؤال المؤمنين في كنيسة كورنثوس عن الفتيات العذارى، أي الّلواتي لم يتزوّجن، ويدل كلامه على أن ما يقوله ليس أمرًا مباشرًا من الرّب يسوع، بل إنه يكتب بوحي من الله الّذي، برحتم الفائقة، اعتبر بولس جديرًا بالثّقة لدرجة استخدامه في إعلان حق الله للنّاس. أي أن ما يكتبه بولس الرَّسول هنا هو وحي مباشر له من الله، وليس اقتباسًا من أقوال الرّب يسوع.

الآية 26: “فَأَظُنُّ أَنَّ هذَا حَسَنٌ لِسَبَبِ الضِّيقِ الْحَاضِرِ، أَنَّهُ حَسَنٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ هكَذَا.” الضيق الحاضر هو إشارة إلى اضطهاد تمر به الكنيسة، وإلى صعوبات الحياة في العالم بشكل عام. وفعلًا بدأ أباطرة روما باضطهاد الكنيسة بعد سنوات قليلة من كتابة رسالة كورنثوس، وذلك بالإضافة إلى الإضّطهاد الذي كان يمارسه اليهود أيضًا ضد الكنيسة.

الآية 27: “أَنْتَ مُرْتَبِطٌ بِامْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ الانْفِصَالَ. أَنْتَ مُنْفَصِلٌ عَنِ امْرَأَةٍ، فَلاَ تَطْلُبِ امْرَأَةً.” يدعو بولس الرَّسول أن يبقى الإنسان المتزوج مع زوجته وأن لا ينفصل عنها، وكذلك يدعو الإنسان الذي سبق له وأن انفصل عن زوجته، أن لا يحاول الزواج من جديد. وهذا الكلام لم يكن حكمًا قاطعًا ونهائيًّا، وذلك لأنّه يكمِل كلامه حول الموضوع في الآيات اللّاحقة.

الآية 28: “لكِنَّكَ وَإِنْ تَزَوَّجْتَ لَمْ تُخْطِئْ. وَإِنْ تَزَوَّجَتِ الْعَذْرَاءُ لَمْ تُخْطِئْ. وَلكِنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ يَكُونُ لَهُمْ ضِيقٌ فِي الْجَسَدِ. وَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُشْفِقُ عَلَيْكُمْ.” نجد في هذه الآية أنّه لا يوجد أيّ خطأ في زواج من كان منفصلًا عن زوجته، أي أنّ زواج المنفصل سابقًا ليس خطيّة، ولكن قد تصحبه ضيقات في الجسد. والضّيقات أو الآلام هي ما قد تصادفه الأسرة المكونه من الرجل والمرأة من جوع أو أمراض أو تشرّد أو فقر أو إعواز. ويضيف في الآيات 29-31: “فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: الْوَقْتُ مُنْذُ الآنَ مُقَصَّرٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ لَهُمْ نِسَاءٌ كَأَنْ لَيْسَ لَهُمْ، وَالَّذِينَ يَبْكُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَبْكُونَ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَفْرَحُونَ، وَالَّذِينَ يَشْتَرُونَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ، وَالَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هذَا الْعَالَمَ كَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَعْمِلُونَهُ. لأَنَّ هَيْئَةَ هذَا الْعَالَمِ تَزُولُ.” يريد الله من الإنسان المسيحي أن لا يهتم بأي أمرٍ أكثر من اهتمامه بالعمل والخدمة لأجل الرّب. فالمتزوج يعيش للرَّب وكأنه غير متزوج، وعلى الحزانى والفرحين أن يتساموا عن مشاعرهم الحالية، وعلى الميسورين ماديًا أن لا يتعلقوا بالماديات وأمور العالم المادية التي في طريقها إلى الزَّوال.

الآيات 32-33: “فَأُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا بِلاَ هَمٍّ. غَيْرُ الْمُتَزَوِّجِ يَهْتَمُّ فِي مَا للرَّب كَيْفَ يُرْضِي الرّب، وَأَمَّا الْمُتَزَوِّجُ فَيَهْتَمُّ فِي مَا لِلْعَالَمِ كَيْفَ يُرْضِي امْرَأَتَهُ.” يتطلب الزواج مسئوليات كل شريك تجاه شريكته في الحياة. وهذه المسئوليات قد تجعل من المؤمن مَيالًا لنسيان الرّب، بعكس العذراء التي تكون مقدّسة جسدًا وروحًا للرَّب. بمعنىً آخر، توجد هنا إشارة غير مباشرة للمؤمن بأنه وإن إهتم بشريك حياته، فعليه أن يكون مقدّسًا للرَّب وهذا واضح في الآية 35: “هذَا أَقُولُهُ لِخَيْرِكُمْ، لَيْسَ لِكَيْ أُلْقِيَ عَلَيْكُمْ وَهَقًا، بَلْ لأَجْلِ اللِّيَاقَةِ وَالْمُثَابَرَةِ للرَّب مِنْ دُونِ ارْتِبَاكٍ.” كلمة “وهقًا” تعني قيدًا أو رباطًا، أي أنّ الله يريد من المؤمن أن يكون مثابرًا في تكريسه للرَّب بدون ارتباك بشئوون الحياة، أي بدون أن تقيّده الحياة وصخبها عن خدمة الرّب.

الآية 36: “وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِدُونِ لِيَاقَةٍ نَحْوَ عَذْرَائِهِ إِذَا تَجَاوَزَتِ الْوَقْتَ، وَهكَذَا لَزِمَ أَنْ يَصِيرَ، فَلْيَفْعَلْ مَا يُرِيدُ. إِنَّهُ لاَ يُخْطِئُ. فَلْيَتَزَوَّجَا.” على الرجل الخاطب فتاة، وقد مضى على خطوبتهما مدة طويلة تجاوزت بها الفتاة الوقت، أي مرَّ عليها سنين كثيرة، عليه وعليها أن يتزوَّجا، ولا يوجد أي خطأ في هذا الزواج. ولكن في الآية 37: “وَأَمَّا مَنْ أَقَامَ رَاسِخًا فِي قَلْبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ اضْطِرَارٌ، بَلْ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى إِرَادَتِهِ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى هذَا فِي قَلْبِهِ أَنْ يَحْفَظَ عَذْرَاءَهُ، فَحَسَنًا يَفْعَلُ.” من يصمم على عدم الزواج ، وله إرادة على فعل ذلك، فحسنًا يفعل، حتّى لو وقع عليه ضغط للزواج. وينهي بولس الرّسول كلامه في موضوع العذارى قائلًا في الآية 38: “إِذًا، مَنْ زَوَّجَ فَحَسَنًا يَفْعَلُ، وَمَنْ لاَ يُزَوِّجُ يَفْعَلُ أَحْسَنَ” أي أنّ زّواج العذراء مسألة اختار، ولكل انسان الحريّة الكاملة ان يتزوّج أو لا يتزوّج.

الآيات 39-40: “الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيًّا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي الرّب فَقَطْ. وَلكِنَّهَا أَكْثَرُ غِبْطَةً إِنْ لَبِثَتْ هكَذَا، بِحَسَبِ رَأْيِي. وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ.” الزواج عقدٌ مقدّسٌ مدى الحياة، وإذا كانت امرأة متزوجة فعليها أن تبقى مرتبطة بزوجها حتى موته، ولكن إن مات فهي حُرةٌ أن تتزوج مرةً أخرى، ولكن أن يكون ذلك من رجلٍ مسيحي مؤمن. يقول بولس الرَّسول أن المرأة ستكون أكثر غبطة وحرة إن بقيت بدون زواج. وقوله: “وَأَظُنُّ أَنِّي أَنَا أَيْضًا عِنْدِي رُوحُ اللهِ” يعني أنه وهو يكتب هذه الأقوال والتعاليم، فإنه يكتبها بإيحاء من الرّوح القدس، الذي أوحى له ولغيره من كُتَّاب الكتاب المقدّس.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل أنّك خلقت الإنسان ذكرًا وأنثى، وأنّك أعطيتنا وصيّة الزّواج والتّكاثر. لذلك نسألك أن تتدخّل في وضع العالم اليوم، حيث كثر عدد الأرامل وعدم الزّواج، حتّى يعود العالم إلى العيش بحسب وصاياك، ولكي نرى الشّباب والصّبايا يطيعونك في الزّواج وتكوين أسَرٍ تعيش بحسب مشيئتك الصّالحة. باسم الرّب يسوع نصلّي. آمين.

سؤال: ما الّذي يجب على الكنيسة عمله من أجل العذارى والنّساء الأرامل؟

ب. تعليمات بخصوص الحرية المسيحية: الحقوق والواجبات 1:8-1:11

1. أكل اللحوم المقدمة للأوثان 1:8-13

    أ. مقارنة العلم بالمحبّة 1:8-3

يُجيب بولس الرَّسول في هذا المقطع على سؤال من كنيسة كورنثوس: ماذا بخصوص الأكل من لحوم الذبائح المقدمة للأوثان؟ وفي جوابه، يتوسّع بولس الرَّسول في الرّد ويشمل كيفية استخدام المؤمن لحريته المسيحيَّة. ويعلّم الكنيسة أن محبّة الأخ أو الأخت في المسيح يجب أن تكون الدّافع الوحيد عند التفكير في الحرية المسيحيَّة (1:8-13).

الآية 1: “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ: فَنَعْلَمُ أَنَّ لِجَمِيعِنَا عِلْمًا. الْعِلْمُ يَنْفُخُ، وَلكِنَّ المحبّة تَبْنِي.” كانت مدينة كورنثوس مسرحًا للعبادات الوثنيَّة، وتقديم الذبائح للأوثان كان منتشرًا على جميع المستويات في المجتمع اليوناني والروماني، ولم ينج أحدٌ من مثل هذه الممارسات.

كانت الذبيحة التي تُقدم للآلهة الوثنية تُقَسم عادةً إلى ثلاث حِصص: حِصّة للحريق، وحِصّة تُعطى للكاهن، والحِصة الثالثة تعطى لمُقدم الذبيحة. والذي كان يحصل أنَّه في كثير من الأحيان لا يستهلك الكهنة حِصصهم من اللحوم بسبب كثرتها، وبدلًا من ذلك تُرسل إلى البيع في الأسواق. وهكذا كانت كميات كبيرة من لحوم الذّبائح المقدمة للأوثان تنتهي في الملاحم للبيع لجمهور المستهلكين، ويشتريها النّاس ويأكلونها في بيوتهم ومناسباتهم المختلفة. وهكذا فإن المشكلة التي واجهها المسيحيون كانت واضحة: فهل تلك اللحوم كانت فاسدة أو مُعدية روحيًا؟ وهل أنَّ للوثن تأثير حقيقي على تلك اللحوم؟ وحتى لو أن الإنسان المسيحي لم يفكر بهذه الطريقة، فماذا بخصوص الأخ أو الأخت الذين قد يفكّرون بهذا الأسلوب؟ صحيح أن المسيحيين اليوم قد لا يواجهون هذا الوضع بالذّات، ولكنهم يجب أن يواجهوا أسئلة تتعلق بكيفية التصرف في مجتمعٍ غير مسيحي.

يقول بولس الرَّسول أن جميع المسيحيين يعرفون، وعلى الأقل نظريًا، معنى الذّبائح للأوثان، ولكن ربما أنَّ البعض يشعرون بأنّه يوجد شيء خطأ باللحم (أنظر الآية 7)، ولذلك يضيف قائلًا بأن مجرد العلم بأن لا عيب بهذا اللحم قد يدفع الفرد إلى الشعور بالأمن المزيف واللامبالاة والكبرياء. لذلك فالمحبّة هنا ضرورية، لأن المحبّة تأخذ الإنسان إلى خارج حدود الذات ليهتم وليساعد الآخرين، وذلك لأن المحبّة تبني الجميع، وتلغي الانانيّة.

الآية 2: “فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا بَعْدُ كَمَا يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ.” يستمر بولس الرّسول في نقاشه حول المعرفة، ويحذِّر من مجرد المعرفة وذلك لأن الإنسان لن يعرف أبدًا كل ما يتعلق بموضوعٍ ما. ولذلك يقول في الآية 3: “وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُحِبُّ اللهَ، فَهذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ.” تصبح المعرفة صحيحة وتتّفق مع مشيئة الله،  إن كانت هذه المحبّة لله. وعندما يحب الفرد الله، فإن الله يعرف هذا الفرد، أي يعرف أنه من خاصته، وبأن لديه النوع الصحيح من المعرفة.

ب معنى أكل اللحوم المقدمة للأوثان 4:8-6

الآية 4: “فَمِنْ جِهَةِ أَكْلِ مَا ذُبحَ لِلأَوْثَانِ: نَعْلَمُ أَنْ لَيْسَ وَثَنٌ فِي الْعَالَمِ، وَأَنْ لَيْسَ إِلهٌ آخَرُ إِلاَّ وَاحِدً.” يقول بولس الرَّسول بأنه لا يوجد آلهة أو أوثان لها شخصية أو قوة، فهي في الواقع لا شيء، فلا يوجد إلاَّ إلهٌ واحدٌ وهو الله (تثنية 4:6-9؛ ملوك الأول 39:18؛ وإشعياء 5:45)، وقوله في العالم يعني في كل الكون.

الآية 5: “لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً، سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّماء أَوْ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ.” يوضّح الرّسول هنا بإنّه يوجد مثل هؤلاء الآلهة والأرباب،كما نقرأ في مزمور 2:136؛ 3، وكولوسي 16:1، وهذه الآلهة تشير إلى سادة وأرباب خاضعين لله، وهذه الآلهة هي ما يسيطر على حياة وأفكار وسلوك النّاس الّذين يختارون إعطاء الأولويّة في حياتهم لغير الله.

الآية 6: “لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ.” يؤكّد بولس الرَّسول أنه بالرغم من وجود أرباب وآلهة متنوعة في العالم، فإن إلهنا واحدٌ وهو الله الآب الّذي منه جميع الأشياء، أي أنّه أساس ومصدر كل ما في الوجود، ورب واحدٌ هو يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء. فالآب هو الخالق والمسيح هو العامل الحي الذي من خلاله تمت الخليقة. ونحن له، أي للآب، ونحن به، أي في الإبن. أي أننا نعيش لله الآب بقوة مستمدة من الإبن يسوع المسيح. إنَّ الحرفين اليونانيين ἐκ (إ ك) و εἷς (هايس) يدلاّن على مصدر وغاية خليقة الله، فنحن من الله الآب، وفي الرّب يسوع المسيح. لذلك علينا أن نرفض الأوثان والذّبائح المقدمة لها.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي لأنّك منحتنا روح التّمييز، وأعطيتنا معرفة الحق في شخصك المجيد. كما ونشكرك لأنّك وحدك الله الخالق بربّنا يسوع المسيح، وبأنه لا توجد الهة أخرى لنا سواك في هذا العالم. ثبّتنا يا ربّ في حقّك، واحفظ قلوبنا وعقولنا في محبّتك. باسم الرّب يسوع، آمين.

سؤال: هل يؤمن المسيحيّون بإله واحد أو بآلهة كثيرة؟

ت. استخدام الحريَّة بحذر 7:8-13

الآية 7: “وَلكِنْ لَيْسَ الْعِلْمُ فِي الْجَمِيعِ. بَلْ أُنَاسٌ بِالضَّمِيرِ نَحْوَ الْوَثَنِ إِلَى الآنَ يَأْكُلُونَ كَأَنَّهُ مِمَّا ذُبِحَ لِوَثَنٍ، فَضَمِيرُهُمْ إِذْ هُوَ ضَعِيفٌ يَتَنَجَّسُ.” العلم الذي يتحدث عنه بولس الرَّسول هو معرفة مُدركة، أي ناتجة عن الإدراك الحسي بخصوص الأوثان والآلهة. وهذه المعرفة قد لا تكون عند الجميع.

يتّضح من قراءة رسالة كورنثوس الأولى أنه كان هنالك مسيحيون في كورنثوس ممن إعتادوا قبل إيمانهم أن يأكلوا من اللحوم التي تُقدَّم للأوثان، وبأنّهم كانوا يؤمنون بأنه توجد قوة أو ميزةٌ روحية معيَّنة في هذه اللّحوم. كذلك يبدو أنّ هؤلاء كانوا ما يزالون إلى وقت كتابة بولس الرّسول للرّسالة ينظرون إلى تلك اللحوم بنفس النظرة القديمة، دون ملاحظة أن هذه اللحوم هي طعام من الله. ولذلك فإن إدراكهم الأخلاقي، أي ضميرهم، هو ضعيف ولا يستطيع أن يميز في تلك الأمور، ولذلك فهو ضميرٌ قابل أن يتنجس، أي أن يشعر أو يحس بالذنب.

الآية 8: “وَلكِنَّ الطَّعَامَ لاَ يُقَدِّمُنَا إِلَى اللهِ، لأَنَّنَا إِنْ أَكَلْنَا لاَ نَزِيدُ وَإِنْ لَمْ نَأْكُلْ لاَ نَنْقُصُ.” يؤكد بولس الرَّسول هنا على أنه لا يوجد أي خطأ في الطعام المقدم للذبائح. فالطعام بحد ذاته لا يعزز أو يُضعف موقفنا أمام الله. كذلك بما أن أكل الطعام لا قيمة روحية له، فإن على المسيحيين أن يُشددوا على الموضوع بإعتباره ممارسة أو عدم ممارسة لحريتهم المسيحية.

توجد في المسيحيّة حرّية كاملة في موضوع الطّعام، فما يأكله الإنسان لا يزيد أو ينقص من إيمانه وعلاقته بالله، ولذلك لا يرتكب المؤمن خطيّة إن أكل ما يريد من اللّحوم أو لم يأكل، فالموضوع هو ذوقٌ شخصي، ولا رابط له بالإيمان وطاعة او عدم طاعة الله. ولذلك فمن المهم التّأكيد على أنّ الطّعام لا ينجّس الإنسان نهائيًّا. قال الرّب يسوع المسيح: “اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ.” وأضاف قائلًا: “أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ؟ وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْب يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ.” (متّى 10:15-11؛ 17-19).

الآية 9: “وَلكِنِ انْظُرُوا لِئَلاَّ يَصِيرَ سُلْطَانُكُمْ هذَا مَعْثَرَةً لِلضُّعَفَاءِ.” مع أن المسيحي له سلطة وحرّية كاملة في الأكل أو عدم الأكل، إلاَّ أنَّه يجب أن يكون حذرًا عند ممارسة حرّيته وذلك لكي لا يُعثِر غيره من الإخوة الضعفاء. فما أسهل أن يشعر المؤمن غير النّاضج في معرفة حقّ الإنجيل بالإحساس بالذنب، وبالتالي الظّن بأنّه إرتكب خطيَّة، وذلك بتهاون المؤمن النّاضج أمامه في موضوع الأكل ممّا ذبح للأوثان. ولتوضيح ذلك يعطي بولس الرَّسول مثلًا في الآية 10: “لأَنَّهُ إِنْ رَآكَ أَحَدٌ يَا مَنْ لَهُ عِلْمٌ، مُتَّكِئًا فِي هَيْكَلِ وَثَنٍ، أَفَلاَ يَتَقَوَّى ضَمِيرُهُ، إِذْ هُوَ ضَعِيفٌ، حَتَّى يَأْكُلَ مَا ذُبِحَ لِلأَوْثَانِ.” عندما يرى الأخ الضّعيف روحيًّا، أي الّذي لا يأكل مما ذُبح للوثن، أخًا مؤمنًا جالسًا في معبد وثنٍ، فإنّه سيتشجَّع ويقوى ضميره، وتدفعه هذه الرّؤية إلى عمل ما يمنعه عنه ضميره، وهذا يقوده إلى المزيد من الضعف الرّوحي، وبالتالي الهلاك، كما جاء في الآية 11: “فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِكَ الأَخُ الضَّعِيفُ الَّذِي مَاتَ الْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ”. والهلاك هنا ليس الهلاك الرّوحي الأبدي، لأن بولس الرَّسول يسميه أخًا، ولكنه هلاك ودمار لحياته الرّوحيّة والأخلاقيّة كأخ في الإيمان.

الآية 12: “وَهكَذَا إِذْ تُخْطِئُونَ إِلَى الإِخْوَةِ وَتَجْرَحُونَ ضَمِيرَهُمُ الضَّعِيفَ، تُخْطِئُونَ إِلَى الْمَسِيحِ.” يخاطب بولس الرَّسول الأخ القوي قائلًا له أنه إذا كان سببًا في إرتكاب الأخ الضعيف لخطيَّة ما، فإنه في هذه الحالة يخطىء إلى هذا الأخ من جهةٍ، وإلى الرّب يسوع من جهةٍ أخرى. وهكذا يُنهي نقاشه في الآية 13: “لِذلِكَ إِنْ كَانَ طَعَامٌ يُعْثِرُ أَخِي فَلَنْ آكُلَ لَحْمًا إِلَى الأَبَدِ، لِئَلاَّ أُعْثِرَ أَخِي”، بقوله أنه إن كان طعامي يسبب سقوط أخي في الخطيَّة، فإنني لن آكل لحمًا إلى الأبد. حتى لا أكون السبب في سقوط أخي. وهذا التّعليم يوافق ما قاله ربّ المجد يسوع المسيح: “وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ.وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ! فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ.” (متّى 6:18-7).

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل الحريّة الّتي وهبتها لنا في الرّب يسوع المسيح. كما ونشكرك من أجل الطّعام الّذي تعطينا إيّاه حتّى نعيش بقوّة في الجسد. وفي نفس الوقت نعطيك المجد من أجل أنّك تريد منّا ان نكون حذرين في طعامنا، وان لا نكون سبب عثرة لغيرنا إن كان طعامنا سيتسبب في سقوطهم في الخطيّة. أعطنا يا رب ان نكون بركة لغيرنا دائمًا. نصلي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: هل يحقّ للمؤمن المسيحي أن يأكل ما يشاء وقتما يشاء؟

2. دفاع بولس الرَّسول عن حقوقه كرسول 1:9-18

    أ. حقوق الرَّسول 1:9-12أ

          (القسم الأوّل: الآيات 1-2)

حديث بولس الرَّسول عن الحرية في الأكل في الإصحاح الثامن قاده إلى التّوسع في الحديث عن موضوع الحرية المسيحية، وتطبيقاتها في مجالات أخرى، وبالذات حول حريته وحقوقه كرسول وكخادم للرَّب.

الآية 1: “أَلَسْتُ أَنَا رَسُولًا؟ أَلَسْتُ أَنَا حُرًّا؟ أَمَا رَأَيْتُ يَسُوعَ الْمَسِيحَ رَبَّنَا؟ أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ عَمَلِي فِي الرّب؟” يطرح بولس الرّسول هنا أربعة أسئلة: الأول والثالث والرابع يتعلق برسوليّته، والثاني بكونه حرًا في الرّب. وصيغة الأسئلة تستلزم أن تكون الإجابات بالإيجاب:

1. “أَلَسْتُ أَنَا رَسُولًا؟”: والجواب هو: نعم. (راجع تفسير كورنثوس الأولى 1:1 في هذه التّأمّلات). نستنتج من هذا السّؤال أنّه لربّما كان بين أعضاء الكنيسة في كورنثوس من يشكّك في إرسالية بولس الرّسول، أو أنّهم كانوا يريدون أن يتحدّث بولس عن هذا الموضوع بشكل واضحٍ ومباشر. وبالعودة إلى سفر اعمال الرّسل 1:18-17، أي أثناء خدمة بولس الرّسول لمدّة عامٍ ونصف في مدينة كورنثوس، نجد أنّه كان قد سكن في بيت أكيلا وزوجته بريسكِلّا، واشتغل معهما في صناعة الخيام. أي أنّ بولس عاش معهما بكلّ تواضع، ولم يدّعي بأنّ له امتيازات أو حقوق لكونه رسول الرّب يسوع المسيح. أسلوب الحياة هذه اثارت فضول البعض ودفعته للسّؤال عن كون بولس رسولًا أم لا.

2. “أَلَسْتُ أَنَا حُرًّا؟”: حريّة بولس الرّسول هي مثل حرّية ايّ مؤمن آخر في الكنيسة، وخصوصّا حريّة الرّسل، لأنّه كان واحدًا منهم. والحرّية المقصودة هنا هي امتيازات الرّسل في التّفرغ لخدمة الكلمة، وليس العمل بيديه في مهنته في الخيام ليكسب معيشته. (راجع أعمال الرّسل 2:6-4). لم يطالب بولس الرّسول من الإخوة والاخوات في كنيسة كورنثوس أن يوفّروا له احتياجاته المادّية، مع أنّه كان يتمتّع بكلّ الحريّة للمطالبة بهذا الحق.

3. “أَمَا رَأَيْتُ يَسُوعَ الْمَسِيحَ رَبَّنَا؟”: نقرا في سفر اعمال الرّسل قصّة لقاء بولس الرّسول وهو في طريقه إلى دمش مع الرّب يسوع المسيح (أنظر أعمال الرّسل 3:9-9). وقد شهد بولس الرّسول عن لقائه بالرّب يسوع أمام جمعٍ كبير من الشّعب في مدينة اوروشليم. (أنظر أعمال الرّسل 5:22-11)، وكذلك في احتفالٍ عظيم في مدينة قيصريّة (أعمال الرّسل 23:25) امام الوالي الرّوماني فستوس، والملك هيرودس اغريباس وزوجته برنيكي، وحشد من كبار رجال الدّولة وقادة الجيش ورجال الدّين. (أنظر أعمال الرّسل 12:26-18. أنظر أيضًا أعمال الرّسل 9:18). ويبيّن بولس الرّسول للكنيسة أحد المقاييس أو المعايير للرسول، ألا وهو رؤية الرّب يسوع المسيح. ويقدم لاحقًا، في كورنثوس الثانية 12:12 معيارًا ثانيًا، وهو القيام بالآيات والعجائب والقوات.

4. “أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ عَمَلِي فِي الرّب؟”: في الإشارة مرّةٍ أخرى إلى خدمته بينهم لمدّة عامٍ ونصف (راجع أعمال الرّسل 5:22-11)، يذكّر بولس الرّسول الإخوة والاخوات في الكنيسة بأنّ جميعهم قد عرفوا عن الرّب يسوع المسيح وآمنوا به نتيجة خدمته وتعبه بينهم. فمثلًا نقرأ في اعمال الرّسل 8:18 عن إيمان كريسبس رئيس المجمع في كورنثوس وكثيرين من اليونانيّين. وسبق أن أشار بولس إلى إيمان  كريسبُس ومعموديّته في الرّسالة، وكذلك معموديّة غايس وبيت استفانوس (كورنثوس الأولى 14:1-16).

الآية 2: “إِنْ كُنْتُ لَسْتُ رَسُولًا إِلَى آخَرِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا إِلَيْكُمْ رَسُولٌ! لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ خَتْمُ رِسَالَتِي فِي الرّب.” يقول بولس الرَّسول مع أنَّ آخرين لم يقبلوه كرسول، إلاَّ أنَّ الكورنثيين قبلوه كرسول، وكانوا كختم القبول أو الموافقة على رسوليته. توجد هنا إشارة إلى اشخاصٍ انتقلوا حديثًا للسّكن في مدينة كورنثوس، أي بعد ان تركها بولس الرّسول، وبالتّالي لم يعتبروا بولس رسولًا لهم.

نلاحظ أنّ بولس الرّسول قد ذكر عبارة “في الرّب” في الآية الأولى ثمّ كرّرها في الآية الثّانية، وبهذا العمل، أكّد بولس على قناعته الرّاسخة بأنّ دعوته ليكون رسولًا كانت من الرّب يسوع، وأنّ الّذين آمنوا نتيجةً لخدمته يجسّدون إعلان موافقة الرّب على خدمته، وبالتّالي فهم ختمٌ على رسالته من قبل الرّب. ومن الجدير بالذّكر أنّ الختم في أيّام بولس الرّسول كان عبارة عن شمع يضاف في نهاية أية رسالة مهمّة أو وثيقة رسميّة، ويتمّ وشم الشّمع بخاتم من كَتبَ الوثيقة، وذلك للتاكيد على محتواها، واعتبارها وثيقة قانونيّة ورسميّة غير قابلةٍ للشّك أو المساءلة أو النّقاش.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على عملك العظيم في دعوة وخدمة رسولك الأمين بولس الرّسول. ونسألك أيّها السّيد أن تشعل في قلوبنا إيمانًا راسخًا كما كان جليًّا في حياة بولس، وان نشهد بكلّ قوّة عن خلاصك العجيب، وعن عملك في حياتنا. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح.

سؤال: ما هي الأسئلة الأربعة الّتي طرحها بولس الرّسول، وما هي الإجابة عليها؟

أ. حقوق الرَّسول 1:9-12أ

(القسم الثّاني: 3-12)

الآية 3: “هذَا هُوَ احْتِجَاجِي عِنْدَ الَّذِينَ يَفْحَصُونَنِي.” يبدأ بولس الرَّسول هنا في الدفاع عن حقوقه عند من يفحصونه. وكلمة “احتجاج” في التّرجمة العربيّة هي في الأصل اليوناني ἀπολογία (أبولوجيا)، وتعني دفاع أو مرافعة، أو حماية.[6] أي أنّ بولس الرّسول لم يكن يحتج أو يرفض فحص دعوته الرّسوليّة، بل كان يدافع عن حقوقه كرسول. ومن هذه الكلمة جاءت كلمة Apology (أبولوجي) وكلمة Apologetics (أبولوجتكس)، أي دفاعيات. والمقصود “بالدّفاعيات” هي مجموعة الكتابات اللّاهوتيّة والفلسفيّة الّتي كتبها مفكّرون وكتّاب مسيحيّون دفاعًا عن الإيمان المسيحي القويم.

وردت كلمة  ἀπολογία (أبولوجيا) ثمان مرّات في العهد الجديد، وترجمها البستاني في رسالة فيلبّي 7:1 بكلمة “المحاماة”، وهي ترجمة دقيقة بالمقارنة مع الترجمة هنا. أي أن بولس الرّسول هنا يقوم بدور المحامي عن كونه رسول، وكذلك حقوقه كرسولٍ لرب المجد يسوع. وأشهر آية استخدمت فيها كلمة  ἀπολογίαوردت في رسالة بطرس الأولى 15:3: “بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ.” ونلاحظ هنا بأن كلمة ἀπολογία ترجمت بكلمة “لمجاوبة”، مع أنّ النّص اليوناني[7] لا يوجد به فعل، ويمكن ترجمته حرفيًّا: “مستعدّين دائمًا من أجل [تقديم] دفاعٍ لكلِّ من يسألكم.”

الآيات 4-6: “أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَأْكُلَ وَنَشْرَبَ؟ أَلَعَلَّنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ نَجُولَ بِأُخْتٍ زَوْجَةً كَبَاقِي الرُّسُلِ وَإِخْوَةِ الرّب وَصَفَا؟ أَمْ أَنَا وَبَرْنَابَا وَحْدَنَا لَيْسَ لَنَا سُلْطَانٌ أَنْ لاَ نَشْتَغِلَ؟” يذكر بولس الرَّسول هنا حقوقًا معينة كان له الحق أن يمارسها:

  1. الحق أن يأكل ويشرب على حساب الكنيسة (أنظر 9:9-11).
  2. الحق أن تكون له زوجة لترافقه في رحلاته التبشيرية. ونقرأ هنا أنّ جميع الرّسل كانوا متزوّجين، باستثناء بولس الرّسول.
  3. الحق أن يُدعم ماديًا في خدمته مِن قِبل الكنيسة، بدلًا من عمله اليدوي لتغطية احتياجاته اليوميّة.

الآية 7: “مَنْ تَجَنَّدَ قَطُّ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ؟ وَمَنْ يَغْرِسُ كَرْمًا وَمِنْ ثَمَرِهِ لاَ يَأْكُلُ؟ أَوْ مَنْ يَرْعَى رَعِيَّةً وَمِنْ لَبَنِ الرَّعِيَّةِ لاَ يَأْكُلُ.” يقدم بولس الرَّسول أمثلة من الحياة اليومية العملية للتّدليل على حق خدام الرّب في الدعم مِن قِبل الكنيسة:

1. الجندي: لا يجند نفسه بل يتم الصرف عليه من قبل الدولة، ومن الأموال العامة.

2. الكرَّام: حقه في الأكل من ثمار الكرمة التي يحرسها ويرعاها.

3. الراعي: حقه في الشرب من حليب الغنم الذي يرعاه.

الآيات 8-10: “أَلَعَلِّي أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَإِنْسَانٍ؟ أَمْ لَيْسَ النَّامُوسُ أَيْضًا يَقُولُ هذَا؟ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ مُوسَى: لاَ تَكُمَّ ثَوْرًا دَارِسًا. أَلَعَلَّ اللهَ تُهِمُّهُ الثِّيرَانُ؟ أَمْ يَقُولُ مُطْلَقًا مِنْ أَجْلِنَا؟ إِنَّهُ مِنْ أَجْلِنَا مَكْتُوبٌ. لأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَرَّاثِ أَنْ يَحْرُثَ عَلَى رَجَاءٍ، وَلِلدَّارِسِ عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي رَجَائِهِ.” يستخدم بولس الرَّسول سلطة الكتاب المقدّس، ويقتبس من تثنية 4:25: “لاَ تَكُمَّ الثَّوْرَ فِي دِرَاسِهِ” أي وصيَّة الرحمة بالثور، ليقول بأن الله لا يعتني فقط بالحيوانات بل بالحري الإنسان. فكل من الحارث والدارس يعمل على رجاء المشاركة في الثِّمار.

الآيات 11-12: “إِنْ كُنَّا نَحْنُ قَدْ زَرَعْنَا لَكُمُ الرّوحيَّاتِ، أَفَعَظِيمٌ إِنْ حَصَدْنَا مِنْكُمُ الْجَسَدِيَّاتِ؟ إِنْ كَانَ آخَرُونَ شُرَكَاءَ فِي السُّلْطَانِ عَلَيْكُمْ، أَفَلَسْنَا نَحْنُ بِالأَوْلَى؟ لكِنَّنَا لَمْ نَسْتَعْمِلْ هذَا السُّلْطَانَ، بَلْ نَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيْءٍ لِئَلاَّ نَجْعَلَ عَائِقًا لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ.” يُطَّبق بولس الرَّسول هنا مبدأ مشاركة أو استفادته لعامل من ثمار عمله على الأمور الرّوحيَّة، فيقول بأنه زرع لهم البذور الرّوحيَّة بتبشيرهم بالإنجيل، ولذلك فمن حقه أن ينال منهم تسديد حاجاته الماديَّة. ويضيف مشيرًا إلى أن كنيسة كورنثوس قد دعمت غيره من القادة، لذلك فإنه من الحري بهم أن يدعموا بولس الرَّسول وشركاءه الذين زرعوا بينهم بذور الإيمان بالإنجيل.

إن المبدأ في هذه الآيات هو مبدأ أساسي وصحيح حتى اليوم: مِنْ حَق العامل المسيحي الذي يزرع بذور الإنجيل الرّوحيَّة أن يُدعم ماديًا من قِبل أولئك الذين يستفيدون ويتباركون من خدمته لهم.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على هذه التّعاليم المقدّسة، وهي أنّك تريد من كنيستك أن ترعى حاجات خدّام الإنجيل اليوميّة، وذلك لكي يتفرّغوا ويخدموا الكنيسة والعالم بأمانة، وذلك في الصّلاة والوعظ والتّعليم والتّبشير والرّعاية. ونسألك يا رب أن تبارك كلّ من يعطي بمحبّة وسرور. باسم الرّب يسوع نصلي، آمين.

سؤال: ما هي الحجج الّتي ذكرها بولس الرّسول من أجل الدّفاع عن حقوقه كرسول؟

ب. حقوق لم يستخدمها بولس الرّسول 12:9ب -18.

الآية 12ب: “… بَلْ نَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيْءٍ لِئَلاَّ نَجْعَلَ عَائِقًا لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ.” يعلن بولس الرَّسول بأنه احتمل الاضطّهاد وتعب العمل بيديه في صناعة الخيام، ولم يمارس حقوقه كرسول، أي لم يطلب من أحدٍ ان يزوّده بحاجاته اليوميّة الأساسيّة من طعامٍ وشرابٍ ولباس، فقد ركّز على خدمة ربّ المجد يسوع، ولم يصرف وقتًا في طلب مساعدة من جماعة المؤمنين لحاجاته المادّية، وذلك حتى لا يعوّق تقدم الإنجيل.

للأسف الشّديد، بل من المؤلم والمزعج، ما نسمعه في أيّامنا في القرن الحادي والعشرين، كيف يقضي كثيرون ممّن يقولون أو يصفون أنفسهم بأنّهم “خدّامٌ للرّب” معظم وقتهم في كتابة تقارير ورسائل عن خدماتهم وبطولاتهم في “خدمة الرّب”، حيث تمتلأ تقاريرهم بأرقامٍ عن أشخاصٍ بشّروهم بالإنجيل، أو أشخاصٍ قبلوا الخلاص، أو قاموا بتعميدهم، ومعظم هذه التّقارير تحتوي على مبالغات، بل أقول أكاذيب، لأن الغاية من هذه التّقارير هي تحصيل الأموال لا أكثر ولا أقل.

عندما دعتني إحدى الكنائس في الولايات المتّحدة الأمريكيّة لرعايتها لفترة مؤقّتة، ريثما يجدون قسّيسًا دائمًا لها، استمرّت خدمتي معهم مدّة عامٍ ونصف، ولم أخبر أيّ قسيسٍ في بلدي فلسطين عن خدمتي في هذه الكنيسة، باستثناء عددٍ قليلٍ جدًّا من الاصدقاء. وحدث خلال خدمتي أن وصلت للكنيسة رسائل من قسسٍ في فلسطين يطلبون الدّعم المالي من أجل مشاريعهم وخدماتهم ورعايتهم لأعدادٍ متزايدة من المؤمنين الجدد. ومن معرفتي لما يحدث في فلسطين، ومن خلال علاقاتي المتنوّعة، كنت أعرف زيف وبطلان هذه التّقارير، وكنت أتألّم من حقيقة من يدّعون بأنّهم “خدام الإنجيل”، لأنّهم في حقيقة الامر يخدمون المال.

الآية 13: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي الأَشْيَاءِ المقدّسة[8]، مِنَ الْهَيْكَلِ يَأْكُلُونَ؟ الَّذِينَ يُلاَزِمُونَ[9] الْمَذْبَحَ يُشَارِكُونَ الْمَذْبَحَ.” يقدم بولس الرّسول هنا مثلًا من الممارسات الدينية ليُبيِّن حقوق خدّام الرّب، وهذا المثل ينطبق على هيكل الله الذي كان قائمًا في اورشليم قبل دماره سنة 70ميلادي، وينطبق حتّى على الهياكل الوثنية في اليونان وروما وبقيّة العالم. والمقصود هو أنَّ الذين يعملون، أي يخدمون في الهيكل، فَمِن حقّهم الطّبيعي أن يأكلوا من الهيكل مقابل خدماتهم، كذلك فإنّ الذين يقدمون ذبائح لهم نصيب منها. (راجع لاويّين 16:6-18؛ 6:7-8، وسفر العدد 9:5-10؛ 8:18-20؛ وتثنية 9:10؛ 1:18-5؛ صموئيل الأوّل 28:2)

الآية 14: “هكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرّب: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ.” يستشهد بولس الرّسول هنا بكلامٍ صدر له شخصيًّا من الرّب يسوع المسيح، وهو أمر ومبدأ روحي جوهري يقول: “أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ.” أي أنَّ خدام الإنجيل من قسسٍ ورعاة ومبشّرين يستحقّون أن يعيشوا حياة اكتفاء وكرامة من عشور وعطايا المؤمنين بالإنجيل في كنيسة الرّب يسوع. قال الرّب يسوع المسيح له المجد: “لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِق طَعَامَهُ.” (متى 10:10؛ أنظر أيضًا لوقا 8:10).

الآيات 15-16: “أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْتَعْمِلْ شَيْئًا مِنْ هذَا، وَلاَ كَتَبْتُ هذَا لِكَيْ يَصِيرَ فِيَّ هكَذَا. لأَنَّهُ خَيْرٌ لِي أَنْ أَمُوتَ مِنْ أَنْ يُعَطِّلَ أَحَدٌ فَخْرِي. لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُبَشِّرُ فَلَيْسَ لِي فَخْرٌ، إِذِ الضَّرُورَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَيَّ، فَوَيْلٌ لِي إِنْ كُنْتُ لاَ أُبَشِّرُ.” يقول بولس الرَّسول ثانية بأنه لم يستخدم تلك الحقوق، وبأنه لا يكتب هذا الكلام حتى ينال حقوقه، بل يكتب لكي يواجه معارضيه بهذه الحقيقة التي يفتخر بها، وهي أنه يخدم الرّب طواعيةً. ويقول بأن التبشير بإنجيل الله هو واجب على كل مسيحي.

الآيات 17-18: “فَإِنَّهُ إِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ هذَا طَوْعًا فَلِي أَجْرٌ، وَلكِنْ إِنْ كَانَ كَرْهًا فَقَدِ اسْتُؤْمِنْتُ عَلَى وَكَالَةٍ. فَمَا هُوَ أَجْرِي؟ إِذْ وَأَنَا أُبَشِّرُ أَجْعَلُ إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ بِلاَ نَفَقَةٍ، حَتَّى لَمْ أَسْتَعْمِلْ سُلْطَانِي فِي الإِنْجِيلِ.” يوضح بولس الرَّسول هنا أنَّ أجره هو حقه في الإفتخار بأن خدمته وتبشيره لهم كانت دون أن يمارس حقوقه كرسولٍ وكخادمٍ للإنجيل. بكلمات أخرى، يريد بولس الرَّسول أن يثبت لأهل كورنثوس عن أصالته وجديته في خدمة الرّب، وبأنّ خدمته كانت نتيجة دعوته ومحبّته للرّب يسوع، وليست لايّ سببٍ آخر.

صلاة: أباني السّماوي، نصلّي إليك بقلوبٍ خاشعة، ونسألك ان تحمي خدّام الإنجيل في العالم من خطر السّقوط في خطيّة محبّة المال، وخطر استخدام مكانتهم كرعاةٍ أو قسس من اجل تحقيق مكاسب أرضيّة او مادّية. احم يا رب خدّامك من هجمات عدوِّ النّفوس، واعطهم القوّة لكي يخدمونك بأمانة طوال أيّام خدمتهم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هو الواجب الرّئيسي لخادم الإنجيل، وما الّذي يستحقّه مقابل قيامه بواجبه.

3. إنكار الذات من أجل خدمة الله 19:9-27

الآية 19: “فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ.” يعلن بولس الرَّسول هنا حقيقة أنّه لم يخضع لعبوديّة أيّ إنسان، وأنه حرٌّ في حياته وخدمته من الخضوع لسلطان أو أوامر أيِّ شخصٍ أو جماعة. فمن المعروف بأنّ كثيرين من النّاس يتم شراؤهم واستعبادهم عن طريق المال، ويصبحون بذلك عبيدًا لمن يقدّم لهم المال، ويعملون على تنفيذ أوامره وخدمة برامجه ومخطّطاته. لذلك يستحقّ مثل هؤلاء النّاس لقب مرتزقة وعبيد، وليس شرف وامتياز كونهم خدّامًا للإنجيل. ثمّ يضيف قائلًا بأنّه استعبد نفسه بنفسه، أي وضع نفسه طوعًا لخدمة جميع النّاس، وذلك من أجل ربح اكبر عددٍ ممكن منهم للرّب يسوع المسيح..

الآيات 20-22: “فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ، مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ ِللهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ، لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا.” يتحدّث بولس الرَّسول  هنا عن خدمته لمجموعاتٍ عرقيّة ودينيّة مختلفه، وكيف أنّ خدمته لهم كانت لغرضٍ مقدّسٍ واحدٍ ألا وهو ان يربحهم للرّب يسوع المسيح.

يبدأ بولس أوّلًا بذكر اليهود، أي الشّعب الّذي كان يعرف الله الحقيقي خالق السّماء والارض، والّذي كان يعيش بحسب تعاليم ناموس موسى وتقاليد الآباء الشّفهي، أي ما تمّ تدوينه في التّلمود. ويقول بولس بانّه سلك بينهم وكأنّه يهودي، أي أنّه تصرّف ضمن حدود عادات وعبادات وطقوس اليهود، ولم يكن عثرةً لهم، وخصوصًا اثناء تواجده في مدينة اوروشليم، حيث أدّى طقوسًا ناموسية من أجل الحفاظ على تواصلٍ معهم بقصدِ ربحهم للرّب يسوع المسيح. (راجع أعمال الرسل 3:16؛ 18:18؛ 20:21-26).

بعد اليهود من نسل إبراهيم، يذكر بولس الرّسول من أطلق عليه وصف “الّذين تحت النّاموس”، وهم مجموعة الأفراد والعائلات من الأمم، وخصوصًا من اليونانيّن الّذين آمنوا بالله وتهوّدوا، أي خضعوا لناموس موسى وتقاليد اليهود، وقد عرفوا باسم الدّخلاء (راجع متّى 15:23؛ أعمال الرّسل 10:2). هذه المجموعة الدّينيّة كان لها حضور كبير في أوروشليم، وقد آمن منهم كثيرون في يوم الخمسين وأصبحوا مسيحيّين، وانتخبت الكنيسة الاولى اثنين منهم ليكونا من بين أوّل سبعة شمامسة (أنظر أعمال الرّسل 5:6).

بعد ذلك يذكر بولس الرّسول “الذين بلا ناموس”، أي كل الشّعوب والامم الّذين لم يعرفوا الله الحقيقي وشريعته، وخصوصًا اليونانيّين والرّومان، حيث زار بولس أماكن تواجد هذه الشّعوب خلال رحلاته التّبشيريّة. نقرأ عن هؤلاء الشّعوب في رسالة رومية 12:2-14: “لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ.” عندما خدم بولس الرّسول الامم، عاش حياته كخادمٍ للإنجيل في إطار حضارتهم (انظر غلاطية 11:2-14)، ومع ذلك يسارع ليقول بأنه ما يزال تحت ناموس المسيح، كما هو ايضًا في المسيح (أنظر غلاطية 20:2؛ كورنثوس الثّانية 17:5).

يتحدّث بعد ذلك عن الضّعفاء، ولم يقصد الضّعف من النّاحية الصحيّة، بل الضّعفاء في المعرفة والنعمة والقدرات العقليّة، وكذلك أصحاب الضمير الضعيف. فيقول أنّه امتنع عن ممارسة حرّيته المسيحيّة أثناء تواجده معهم، وعلّمهم بطريقةٍ بسيطة جدًّا تتناسب مع قدراتهم وإمكانيّاتهم العقليّة والمعرفيّة، وذلك لكي يكسبهم للإيمان بشخص الرّب يسوع المسيح. وينهي الحديث عن مراعاته لجميع النّاس، وخدمتهم وتبشيرهم بما يتناسب مع اوضاعهمن ولكن بدون مسايرة أو مهادنة في الحق، بهدف كسبهم للرّب يسوع.

الآية 23: “وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ.” يوضح بولس الرَّسول هنا أنَّ سبب كلّ ما كان يفعله، وخصوصًا استعباده لنفسه، هو حتى يشارك شخصيًا في بركات الإنجيل، وذلك من خلال رؤية الآخرين يقبلون المسيح ربًا ومخلّصًا لحياتهم.

في الآيات 24-27: “أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يَرْكُضُونَ فِي الْمَيْدَانِ جَمِيعُهُمْ يَرْكُضُونَ، وَلكِنَّ وَاحِدًا يَأْخُذُ الْجَعَالَةَ؟ هكَذَا ارْكُضُوا لِكَيْ تَنَالُوا. وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَمَّا أُولئِكَ فَلِكَيْ يَأْخُذُوا إِكْلِيلًا يَفْنَى، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِكْلِيلًا لاَ يَفْنَى. إِذًا، أَنَا أَرْكُضُ هكَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ عَنْ غَيْرِ يَقِينٍ. هكَذَا أُضَارِبُ كَأَنِّي لاَ أَضْرِبُ الْهَوَاءَ. بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا.” يطلب بولس الرَّسول من المؤمنين أن يضبطوا أنفسهم من أجل الإنجيل، مقدمًا نفسه كمثالٍ على ذلك. ولتوضيح مغزى ما يريده يقدم مثلين من حقل الرياضة، وهما رياضة سباقات الجري والملاكمة. ونعرف من مصادر كثيرة، بما في ذلك الرّسومات والآثار، أن الألعاب الرياضية كانت منتشرة في اليونان، وبالتالي يمكن لأهل كورنثوس فهم المغزى من وراء الأمثلة الّتي يذكرها. ويذكّر الكنيسة بأن الرّياضي يسعى للحصول على إكليل نصرٍ قابل للفناء، ولكن المؤمن يرجو الحصول على إكليلٍ يبقي إلى الأبد، مثل إكليل البر (تيموثاوس الثّانية 6:4)، أو إكليل المجد (بطرس الأولى 4:5)، أو إكليل الحياة (رؤيا يوحنّا 10:2).

يقول بولس الرَّسول أن على الإنسان الرياضي أن يتدرب كثيرًا، وأن يتناول أنواعًا محدّدةً من الطعام، حتّى يحقّق الفوز وينال إكليل النّصر. وهكذا المسيحي عليه أن يجاهدَ ويمارسَ تأديب النفس، لدرجة أن بولس الرَّسول يقول بأنه كان يضرب نفسه وجسده، كما في مثل الملاكمة، حتى لا يسقط في أية خطيَّة وييصبح بالتّالي مرفوضًا من الله.

صلاة: ايّها الآب السّماوي القادر على كلّ شيء، نسألك من اعماق قلوبنا ان تكون معنا كلّ حين، وخصوصًا عندما نخرج إلى العالم من أجل تبشيرهم برسالة الإنجيل. نرجوك أن تعطينا الحكمة لكي نسلك بما يليق، وأن لا نعثر احدٍ من النّاس، بل أن نكون بركة لكلّ من تضعهم في طريقنا لكي نربحهم لشخص الرّب يسوع المسيح.

سؤال: عدّد أنواع الجماعات البشريّة الّتي خدمها بولس الرّسول، وكيف تصرّف أثناء تبشيره لهم.

4. تحذير الكنيسة من تكرار خطايا الشّعب القديم 1:10-13

يعدّد بولس الرَّسول في هذه الآيات بعض خطايا بني اسرائيل في أيام النبي موسى كأساس لتحذير الكورنثيين.

الآيات 1-5: “فَإِنِّي لَسْتُ أُرِيدُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَجْهَلُوا أَنَّ آبَاءَنَا جَمِيعَهُمْ كَانُوا تَحْتَ السَّحَابَةِ، وَجَمِيعَهُمُ اجْتَازُوا فِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ، وَجَمِيعَهُمْ أَكَلُوا طَعَامًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ. لكِنْ بِأَكْثَرِهِمْ لَمْ يُسَرَّ اللهُ، لأَنَّهُمْ طُرِحُوا فِي الْقَفْرِ.” نجد هنا أنَّ جميع الشعب القديم كانوا مع موسى منذ لحظة الخروج من مِصر وعبور البحر الأحمر، ولكن يشوع بن نون وكالِب بن يَفُنَّة فقط عبرا إلى أرض كنعان، في حين هَلكَ جميع ذلك الجيل من سنّ عشرين وما فوق في البرية بسبب خطاياهم. لاحظ قوله “جميعهم” المكررة 4 مرات، حيث أنَّ جميع الشعب القديم شاركوا في التّمتع بعطايا الله، ولكن الله نفسه لم يكن راضياَ بِهم، وأدانهم بعقاب الموت الجسدي، وبعثر جثثهم في برية سيناء.

قوله: “تَحْتَ السَّحَابَةِ” يشير إلى نعمة حضور الله معهم لحمايتهم والدّفاع عنهم (راجع خروج 21:13؛22؛ 6:14 عدد 15:9؛ تثنية 33:1؛ ومزمور 14:78). قد كانت السّحابة بمثابة غطاء حماية لهم من جنود مصر، وكذل حماية من حرارة الشّمس الحارقة اثناء رحلتهم الطّويلة في الصّحراء. (سفر العدد 14:14). وتعني عبارة: “وَجَمِيعَهُمُ اعْتَمَدُوا لِمُوسَى فِي السَّحَابَةِ وَفِي الْبَحْرِ” أي أنَّهُم خضعوا الله بقيادة موسى. وتشير السَّحابة إلى حضور الله في مجده. ويشير البحر إلى طريقة خلاص الله وقيادته لهم، حيث شقّ لهم في البحر طريقًا للنجاة من فرعون وجيشه. واستخدام فعل “اعتمدوا” يعطي معنًا روحيًّأ لخروجهم من عبودة مصر، والدّخول في البحر الاحمر، ثمّ الخروج إلى الحريّة في بريّة سيناء.وهذا ما يحدث في المعموديّة للرّب يسوع، حيث نخرج من عبودية الخطيّة بالإيمان بالرّب يسوع، وندفن تحت الماء كما دفن ربّ المجد يسوع، ثم نخرج من الدّفن في مياه المعموديّة إلى حياةٍ جديدة في هذا العالم بقيادة ربّ المجد يسوع. والطّعام الرّوحي يشير المن النّازل من السّماء، خبز الملائكة (مزمور 24:78-25)، ويشير إلى جسد ربَّ المجد يسوع (يوحنّا 55:6). بالإضافة إلى المن، شرب الشّعب القديم ماءً بشكلٍ معجزي أخرجه الله لهم من صخرة، وهذه الصّخرة ترمز للرّب يسوع المسيح الّذي يعطينا ماء الحياة (يوحنّا 10:4-14).

يكشف بولس الرّسول في الآيات من 6 إلى 12 كيف أن بني إسرائيل الّذين خرجوا من عبودية مصر بمعجزات وعجائب أجراها الله لخيرهم، قد ارتدوا بسرعة غريبة عن الله الحي، ومارسوا اشكالًا متعدّدة من الخطايا. أي أنهم رفضوا محبّة الله الّتي تجسدت في خلاصهم ورعايتهم وحمايتهم وتوفير الطّعام والشّراب لهم، وسقطوا في عبادة العجل والتّذمر على الله، والزّنا والكذب، وغيرها من الشّرور. والكنيسة اليوم ليست بحالٍ أفضل من الشّعب القديم، حيث تنشر بها العبادة الوثنيّة المتجسّدة في عبادة القدّيسين، وخصوصًا مريم أم يسوع، وكذلك تنتشر اليوم ظاهرة العودة إلى أركان النّاموس الّتي كتب بولس الرّسول رسالته إلى غلاطيّة محذّرًا منها. وتتساهل طوائف كثيرة في المواضيع الاخلاقيّة، ويتمّ التّغاضي عن اعمال الزّنا والإنحراف الجنسي، بل ورسامة منحريفين خدّامًا لطوائف معيّنة في رتبة قسس ورعاة. كذلك تساير كنائس كثيرة السّلطات السّياسيّة، وتصمت على كلّ مظاهر الفساد، وتؤيّد سياسات حكوماتها في الحرب والعدوان.

الآية 6: “وَهذِهِ الأُمُورُ حَدَثَتْ مِثَالًا لَنَا، حَتَّى لاَ نَكُونَ نَحْنُ مُشْتَهِينَ شُرُورًا كَمَا اشْتَهَى أُولئِك.” يوضِّح بولس الرَّسول هنا أنَّ هذه الأمور كانت أمثلة لنا لنفكر بها، حتى لا نُغضب الله بالشرور، كما فعل الشعب القديم.

الآية 7: “فَلاَ تَكُونُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ كَمَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْهُمْ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: جَلَسَ الشَّعْبُ لِلأَكْلِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ قَامُوا لِلَّعِبِ.” عبد الشعب القديم الأوثان، ومثال ذلك عبادة العجل الذهبي الذي صنعه هارون (خروج 6:32). وكلمة “اللَّعب” هنا تشير إلى العادات الوثنية في ممارسة الخطايا في معابد الأوثان، وخاصة خطية الزنا.

الآية 8: “وَلاَ نَزْنِ كَمَا زَنَى أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَسَقَطَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلاَثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا.” زِنا الشعب القديم هنا هو إشارة إلى القصة في سفر العدد 1:25-9 حيث عبدَ الشعب بعلِ فغور إله الموآبيين، ومارسوا الزنا مع نساءٍ من مؤاب، وكيف أن الله قتل منهم يومها حوالي 24000 شخص.

الآية 9: “وَلاَ نُجَرِّبِ الْمَسِيحَ كَمَا جَرَّبَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَتْهُمُ الْحَيَّاتُ.” يضع بولس الرَّسول نفسه معهم “ولا نُجرَّب” مُحذرًا من تجربة الرّب كما جربه الشعب، وتذمروا عليه (سفر العدد 5:21)، ولذلك عاقبهم الله بالحيَّات (سفر العدد 6:21).

الآية 10: “وَلاَ تَتَذَمَّرُوا كَمَا تَذَمَّرَ أَيْضًا أُنَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَهْلَكَهُمُ الْمُهْلِكُ.” إشارة إلى تذَّمر الشعب في قادِش برينغ (عدد 2:14). ثمّ هلاكهم على يد ملاك الرّب. (سفر العدد 37:14).

الآيات 11-12: “فَهذِهِ الأُمُورُ جَمِيعُهَا أَصَابَتْهُمْ مِثَالًا، وَكُتِبَتْ لإِنْذَارِنَا نَحْنُ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْنَا أَوَاخِرُ الدُّهُورِ. إِذًا مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ، فَلْيَنْظُرْ أَنْ لاَ يَسْقُطَ.” يقول بولس الرَّسول هنا أن القصص السابقة كُتبت لتحذيرنا، لكي نبقى واقفين وصامدين في الرّب، وألّا نسقط في الخطيّة كما حدث مع الشّعب القديم.

الآية 13: “لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلكِنَّ اللهَ أَمِينٌ، الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ، لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا.” تعتبر هذه الآية من الآيات المهمة في العهد الجديد، لأن فيها اعلانًا جوهريًّا من الله للإنسان عن موضوع التجربة. فالرّب يعلّمنا هنا أن التجربة بحد ذاتها ليست خطيَّة، والله يسمح بها من أجل تنقيتنا كما جاء في يعقوب 12:1، والشيطان يستخدمها حتى يدفعنا إلى الخطيَّة (متى 1:4). ولكن في وقت التجربة، يكون الله معنا ويحفظنا ويجد لنا المخرج، ويهبنا القدرة على احتمال تجارب وضيقات الحياة.

صلاة: نصلّي إليك أيّها الآب السّماوي من أجل كنيستك في العالم اليوم، سائلينك ان تحفظها من هجمات عدو النّفوس. أنت يا رب علّمتنا من خلال خادمك الأمين بولس الرّسول كيف أنّ الشّعب القديم قد ارتدّ سريعًا عنك بعد أن أخرجتهم بذراعك القويّة من العبوديّة في مصر. وكنيستك الّتي خلّصتها من عبوديّة الخطيّة بموت وقيامة ربّ المجد يسوع، تتعرّض اليوم لهجمةٍ شيطانيّة شرسة للإرتداد عن شخصك القدّوس، لذلك نصلي طالبين حمايتك وحفظك لنا من الشّرير. باسم الرّب يسوع نصلي. آمين.

سؤال: عدّد أشكال الخطايا الّتي ارتكبها الشّعب القديم بعد الخروج من عبودية مصر، وما الّذي علينا عمله لحماية الكنيسة اليوم من السّقوط في وحل الخطيّة؟

5. تحذيرٌ من المشاركة في أكل ذبائح الأوثان 14:10-22

يطلب الله من المؤمنين به الإبتعاد عن مشاركة الأمم والشّعوبفي أعيادهم وعبادتهم الوثنية، لأن هذه المشاركة هي عمل ردّة وزنا روحي لا يليق بالمؤمنين. وبنفس المبدأ، فإنّ المشاركة في عشاء الرّب تعني أن للمؤمنين علاقة حيّة ووحدة مع الرّب.

الآيات 14-15: “لِذلِكَ يَا أَحِبَّائِي اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ. أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ.” من خلال وحيِهِ لبولس الرسول، يطلب الله من المؤمنين في كنيسة كورنثوس أن يهربوا من عبادة الأوثان، ويخاطبهم باستخدام كلمتين في وصف الإخوة والأخوات، وهما “أحبائي” و “حكماء”، وبعمله هذا فإنه يشجّعهم بالرّغم من كلّ ضعفاتهم ووجود خطاة بينهم. ويطلب من أهل  كنيسة كورنثوس، وبالتالي من جميع المؤمنين في العالم اليوم، أن يحكموا في حقيقة وصدق ما يقوله. ويوجد في هذا الطّلب إشارة إلى ثقة بولس الرَّسول في صدق ما يقوله، فقد كان يكتب كلام الله بقيادة الرّوح القدس.

عالج بولس الرّسول في الإصحاح الثّامن موضوع الأوثان، واكل لحوم القرابين الّتي كانت تقدّم للاوثان. ويعود هنا للتّوسع في الموضوع بإعطاءِ أمرٍ حازمٍ وقاطع: “اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ.” ويوضّح هذا الامر في الآيتين 19-20. وتثير دعوة بولس للمؤمنين في الكنيسة أن يهربوا من عبادة الأوثان سؤالًا مهمًّا: هل كان في الكنيسة أعضاءٌ يمارسون هذه الخطيّة الفظيعة؟ وهل يعقل أن يعبد المؤمنون المسيحيّون الأوثان؟

الكلمة اليونانية εἰδωλολατρεία (آيدولولاتْرِيا) مكرّرة أربع مرّات في العهد الجديد وتعني وثنيّة، أي خدمة الوثن، وهذه الخدمة هي عبادة للوثن. ويتكرّر طلب عدم عبادة الأوثان في ثلاثة مواقع أخرى في العهد الجديد. فنقرا في غلاطية 20:5 ذكر عددٍ من أعمال الجسد، ومن ضمنها عبادة الأوثان. ونقرأ في رسالة كولوسي 5:3 أمرًا يدعو إلى إماتة النّزوات الأرضيّة، ومن ضمنها “الطَّمَعَ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ الأَوْثَانِ.” والطّمع عادة يشير إلى شهوة ورغبة قويّة في امتلاك المزيد من الأموال، أو الحصول على المزيد من لذّات الجسد، فكلمة طمع في الأصل اليوناني يمكن أن تترجم أيضًا بكلمة شبق، أي شهوة جنسيّة قويّة جدًّا. ويؤكّد بطرس الرّسول في رسالته الاولى قائلًا: “عِبَادَةِ الأَوْثَانِ الْمُحَرَّمَةِ.”

تعريف الوثنيّة: هي عبادة أي شيء أو شخص غير الله، مثل عبادة الشّمس أو القمر، أو احد آلهة الشّعوب القديمة مثل الإله تمّوز، أو فينوس، أو بعل، أو مولك، أو عشتروت، أو أبوللو. كذلك عبادة المنحوتات الصّنمية المختلفة، أو عبادة الصّليب، أو عبادة القدّيسين مثل مريم أم يسوع أو ملائكة أو الرّسل. كذلك تأخذ الوثنيّة أشكالًا أخرى، وخصوصًا في أيّامنا في القرن الحادي والعشرين، مثل الملذّات الأرضيّة من مال وطعام وجنس، كما كتب بولس الرّسول في رسالة فيلبّي 19:3: “الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ.” أو محبّة العالم اكثر من الله كما نقرأ في رسالة رومية 5:8-7: “فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرّوح فَبِمَا لِلرُّوحِ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرّوح هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ عَدَاوَةٌ ِللهِ.” ومن اهتمامات الجسد في أيّامنا أذكر الرّياضة، وخصوصًا لعبة كرة القدم، ومشاهدة الأفلام، بما فيها الإباحيّة، والملابس وآخر صيحات الموضة، والسّيارات، والممثّلين وأخبارهم، وغيرها من الامور الّتي يهتم بها النّاس، ولا يتذكّرون الله إلّا في الإحتفالات والأعياد.

يعرف كلُّ دارسٍ للكتاب المقدّس بأنّ الله يشبّه العبادة الوثنيّة بالزّنا، أي بالعلاقة الجنسيّة بين رجلٍ وامراةٍ خارج العلاقة الزّوجيّة المقدّسة. فعلى كلّ إنسانٍ في الوجود أن يعبد الله فقط، كما قال ربّ المجد يسوع: “لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ.” (متّى 10:4؛ لوقا 8:4). وخيانة الله في عبادة الاوثان تشبه خيانة رجل أو امراة لشريك الحياة، أي أنّ الوثنيّة هي زنا روحي. ونعرف من دراسة الكتاب المقدّس قصصًا كثيرة عن وقوع دينونة الله على أممٍ وشعوبٍ كثيرة، بمن فيهم الشّعب القديم، بسبب ارتكابهم لخطيّة عبادة الاوثان، أي خطيّة الزّنا الرّوحي.

الآيات 16-17: “كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ.” تشير كأس البركة إلى الكأس الثالثة التي إعتاد الشعب القديم أن يشربها في وليمة الفصح. وهذه هي الكأس التي أعطاها الرّب يسوع المسيح لتلاميذه. “شركة دم المسيح” هي ذكرى رمزية للمشاركة في آلام المسيح، وليس إشارة إلى حرفية العمل، أي شرب دم المسيح بالفعل. فلم يكن الرّب يسوع المسيح قد مات عندما أسس شركة عشاء الرّب. وبنفس المعنى المشاركة في الخبز إشارة إلى اشتراك الكنيسة في جسد المسيح.

الآيات 18-21: “انْظُرُوا إِسْرَائِيلَ حَسَبَ الْجَسَدِ. أَلَيْسَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الذَّبَائِحَ هُمْ شُرَكَاءَ الْمَذْبَحِ؟ فَمَاذَا أَقُولُ؟ أَإِنَّ الْوَثَنَ شَيْءٌ، أَوْ إِنَّ مَا ذُبحَ لِلْوَثَنِ شَيْءٌ؟ بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ فَإِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِينِ، لاَ ِللهِ. فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِينِ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرّب وَكَأْسَ شَيَاطِينَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرّب وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ.” عندما قدَّم الشعب القديم الذبائح وأكلوا جزءًا منها (لاويين 15:7؛ 31:8 وتثنية 17:12؛ 18) فإنهم بذلك أصبحوا جزءًا من نظام الذبائح، وعبدوا الله بهذه الطريقة. وبنفس المعنى لا يريد بولس الرَّسول من الكورنثيين أن يشاركوا في عبادة الأوثان والشيَّاطين. فالمؤمن لا يستطيع أن تكون له علاقة وشركة مع الرّب يسوع، وفي نفس الوقت، علاقة وشركة مع الشيطان، فهذا أمر لا يعقل أن يتم. فلا توجد شركة أو علاقة بين النور والظلمة.

نستنتج من كلمات بولس الرّسول هنا بأنّ عددًا من أعضاء كنيسة كورنثوس كانوا يُسايرون الوثنيّين في المدينة في عباداتهم واحتفالاتهم وأعيادهم الوثنيّة، والّتي كان يتم فيها تكريم وعبادة آلهة اليونان والرّومان، وخصوصًا الآلهة فينوس. فقد كان المؤمنون يأكلون في هذه الأعياد من لحوم الذّبائح والقرابين الّتي تقدّم للأوثان، أو أنهم كانوا يشترون هذه اللحوم ويأكلونها في بيوتهم، أو لربما كانوا يأكلونها في بيوت أصدقائهم وجيرانهم الوثنيّين. لذلك يحذّرهم بولس الرّسول من هذا العمل، وذلك لأنّ الإشتراك في مائدة الاوثان هو شركة مع الوثنيّين في مائدة الشّيطان، وهذا أمر محرّم يمقته الله. كذلك فإنّ الأكل من قرابين الأوثان هو عمليًّا مشاركة في عبادتها، ولذلك لا يكفي عدم المشاركة بأكلها، بل الهروب تمامًا من كلّ ما يتعلّق بعبادة الأوثان.

الآية 22: “أَمْ نُغِيرُ الرّب؟ أَلَعَلَّنَا أَقْوَى مِنْهُ؟” لا يمكن للبشر أن يغيّروا فكر ووصايا وطبيعة الله القدّوس،  وبربط هذه الحقيقة عن شخص الله مع الآيات السّابقة نستنتج بأنّه لو شارك المسيحي في عبادة الشيَّطان، فإنه يُثير غيرة الرّب الذي يكره الخطيَّة ويعاقبها بشدَّة. فنحن كبشرٍ لسنا أقوى من الرّب، ولا نصمد أمام غيرته ضد خطايانا في حالة إن اشتركنا في عبادة الأوثان.

صلاة: نصلّي إليك أيّها الآب السّماوي القدّوس أن تحفظنا من الشّرير، وأن تعطينا القوّة والإرادة لكي نعبدك وحدك، وأن نعيش دائمًا بحسب إرادتك. احفظنا يا رب من العبادات الوثنيّة الباطلة، وساعدنا أن ننظر دائمًا إلى رئيس إيماننا ومكمّله الرّب يسوع المسيح. باسم يسوع نصلّي. آمين.

سؤال: ما هو الوثن؟ وما هي بعض أشكال العبادات الوثنيّة؟

6. حُريَّة ولكن بحكمة: إفعلوا كل شيءٍ لمجد الرّب 23:10-1:11

الآية 23: “كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تُوَافِقُ. كُلُّ الأَشْيَاءِ تَحِلُّ لِي، وَلكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأَشْيَاءِ تَبْنِي.” يعاود بولس الرَّسول هنا الحديث عن الذّبائح المقدمة للأوثان، ويأكّد على أن هذه الممارسة مُضرَّة، ويقدّم للكنيسة مبادئ روحيَّة تتعلق بهذه الذّبائح: فمع أن للإنسان المسيحي كل الحرية في أكل ما يريد، مثل أكل لحوم الذّبائح المقدّمة للأوثان، ولكن ذلك قد يكون مضرًا، وذلك لأنه من النّاحيّة العمليّة لا يوجد أيّ اله غير الله، وما يسمّى “بالآلهة الوثنيّة” لا وجود حقيقي لهم خارج تهيّؤات وهلوسات من يؤمن بوجودها، ومع ذلك فعلى المؤمن المسيحي ان يحرص على الّا يكون سبب عثرة لغيره من النّاس، وأنّ ممارسة الحرية المسيحية قد لا تساعد في بناء إيمان الآخرين.

الآية 24: “لاَ يَطْلُبْ أَحَدٌ مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مَا هُوَ لِلآخَرِ.” على كلّ إنسانٍ ألّا يسعى فقط من أجل خيره ومصلحته، بل ومن أجل خير غيره من النّاس. مثل هذه الوصيّة بحاجة إلى ان تصبح شعارًا وأسلوب حياةٍ لكلّ إنسانٍ في الوجود، وخصوصًا أعضاء كنيسة الرّب يسوع في العالم أجمع. لقد أصبح شعار الكثيرين في أيّامنا هو: “اللّهمّ نفسي”، فالانانيّة ومحبّة الذّات والمصلحة الشّخصيّة تسيطر على فكر وعمل وطريقة حياة الكثيرين. ونتائج هذا التّفكير الاناني تتجسّد في الكراهية والطمع، وازياد مظاهر العداء والنّزاعات والحروب والإنقسامات في العالم. قال الرّب يسوع له المجد: “تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.” (متّى 39:22؛ أنظر أيضًا مرقس 31:12؛ ولاويّين 18:19). وكتب بولس الرّسول قائلًا: “لأَنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ.” (غلاطية 14:5). فلو أطاع النّاس وصيّة محبّة القريب، فإنهم بالتّالي سَيُطيعون ما يدعو اليه بولس الرّسول هنا ألا وهو الإهتمام أيضًا بحاجات الآخرين بدافع المحبّة. تجدر الملاحظة بأنّ كلمة “القريب” لا تشير إلى شخصٍ له علاقة قرابة شخصيّة بالإنسان، بل هو أيّ شخصٍ من العالم يضعه الله في طريقك. (إقرأ مثل السّامري في لوقا 25:10-37).

الآية 25: “كُلُّ مَا يُبَاعُ فِي الْمَلْحَمَةِ كُلُوهُ غَيْرَ فَاحِصِينَ عَنْ شَيْءٍ، مِنْ أَجْلِ الضَّمِيرِ.” بعد إعطاء المبدأ العام عن ضرورة الإهتمام بمصالح الآخرين، يتابع بولس كلامه في موضوع أكل اللّحوم، ويقول بأن على المسيحي أن يأكل اللحم المباع في السوق بدون إثارة أسئلة، متذكّرًا أن اللحوم، كما هي حال كل شيءٍ آخر، هي من الرّب، كما نقرأ في الآية 26: “لأَنَّ للرَّب الأَرْضَ وَمِلأَهَا.” ويقتبس بولس الرّسول هنا من مزمور 1:24: “لِلرَّبِّ الأَرْضُ وَمِلْؤُهَا. الْمَسْكُونَةُ، وَكُلُّ السَّاكِنِينَ فِيهَا.”

الآية 27: “وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَذْهَبُوا، فَكُلُّ مَا يُقَدَّمُ لَكُمْ كُلُوا مِنْهُ غَيْرَ فَاحِصِينَ، مِنْ أَجْلِ الضَّمِيرِ.” عند دعوة المؤمن لوجبة طعام من قبل غير المؤمن، فإن على المؤمن أن يأكل ما يقدم له من طعامٍ مع الشكر، ولكن، كما نقرأ في الآية 28: “إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هذَا مَذْبُوحٌ لِوَثَنٍ، فَلاَ تَأْكُلُوا مِنْ أَجْلِ ذَاكَ الَّذِي أَعْلَمَكُمْ، وَالضَّمِيرِ. لأَنَّ للرَّب الأَرْضَ وَمِلأَهَا.” إن عرف المؤمن أن هذا الطعام قُدِّم ذبيحة للوثن، فعلى المؤمن ألّا يأكل منه، وذلك حتى لا يصبح المؤمن سبب عثرة للحاضرين معه في تناول هذا النّوع من اللّحوم، لأنّهم عندها سيستنتجون بأن لحوم الذّبائح المقدّمة للاوثان هي لحومٌ مقدّسة، وبأنّه توجد بالفعل أوثانٍ يجب عبادتها وتقديم القرابين لها. وهكذا لا يشعر الحاضرون بتأنيب الضّمير عند ممارسة عبادة الأوثان وتقديم الذّبائح لها.

الآية 29: “أَقُولُ الضَّمِيرُ، لَيْسَ ضَمِيرَكَ أَنْتَ، بَلْ ضَمِيرُ الآخَرِ. لأَنَّهُ لِمَاذَا يُحْكَمُ فِي حُرِّيَّتِي مِنْ ضَمِيرِ آخَرَ؟” يوضّح بولس الرّسول هنا بأنّ “الضّمير” الّذي يتحدّث عنه هو ضمير الشّخص الّذي أخبر المؤمن بانّ اللّحم المقدّم للطعام مأخوذٌ من ذبيحةٍ قدّمت قربانًا في العبادة الوثنيّة. فإن أكل المؤمن في هذه الحالة من اللّحم، فسيعتقد من أخبره عن اللّحوم، وكذلك غيره من الحضور، بانّه لا توجد أيّة مشكلة أو خطيّة في تقديم ذبائح للأوثان، والاكل من لحوم هذه الذّبائح. وبهذا العمل يصبح المؤمن سبب عثرة لغيره من النّاس، ويشجّعهم دون ان يقصد على ممارسة العبادة الوثنيّة.

صحيحٌ أنّ المؤمن المسيحي قد حرّره الرّب يسوع المسيح من قيود الخطيّة، ولكن عليه ألّا يمارس حرّيته بطريقة قد تؤدّي إلى عثرة غيره من النّاس، أي تدفعهم لارتكاب الخطيّة. وينطبف هذا الكلام على الطّعام والشّراب وأيّ عملٍ آخر يمارسه المؤمن المسيحي أمام غيره من المؤمنين الضّعفاء، وكذلك أمام غير المسيحيّين. وبعمله هذا لا يعطي المؤمن لغيره فرصةً للحكم على حرّيته في المسيح.

في الآية 30: “فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَتَنَاوَلُ بِشُكْرٍ، فَلِمَاذَا يُفْتَرَى عَلَيَّ لأَجْلِ مَا أَشْكُرُ عَلَيْهِ.” على المؤمن القوي الإرادة ألّا يُعطي مجالًا للخطاة أن يُشهرِّوا به، خاصّة عندما يتناول طعامه بعد تقديم الشّكر لله على عطاياه.

الآية 31: “فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ.” غرض المؤمن النهائي من الطعام أو الشراب أو العمل هو مجد الله. الآية 32: “كُونُوا بِلاَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ وَلِكَنِيسَةِ اللهِ.” أي أنّ على كلّ مؤمن حقيقي بالرّب يسوع المسيح ألّا يكون سببًا في عثرة النّاس ودفعهم للسّقوط في ارتكاب الخطايا. ويذكر بولس الرَّسول اليهود واليونانيين، أي غير المؤمنين من هذه الخلفيات الدّينيّة والعرقية الذين كانوا يعيشون في مدينة كورنثوس. ويذكر أيضًا كنيسة الله، أي جماعة المؤمنين في كنيسة كورنثوس. الآية 33: “كَمَا أَنَا أَيْضًا أُرْضِي الْجَمِيعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ طَالِبٍ مَا يُوَافِقُ نَفْسِي، بَلِ الْكَثِيرِينَ، لِكَيْ يَخْلُصُوا.” ينهي بولس طلباته من الكنيسة في موضوع الطّعام قائلًا بأنّه شخصيًّا يعيش بحسب ما فاله لهم، وبانّ الهدف النهائي من وصاياه هو خلاص الكثيرين، وبذلك يتمجد اسم الله.

الإصحاح 1:11 “كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي كَمَا أَنَا أَيْضًا بِالْمَسِيحِ.” يدعو بولس الرَّسول جميع المؤمنين في كنيسة كورنثوس، وبالتّالي في الكنيسة في كلّ مكان وزمان، أن يتّخذوا منه قدوةً لهم، فكما  كان هو يسير في خُطى الرّب يسوع المسيح، ويتّخذه قدوته ومثله الأعلى، فكذلك على الكنيسة أن تجد في بولس مثالًا في اعتبار الرّب يسوع القدوة والمثل الأعلى في حياتهم اليوميّة.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على دعوتك لنا أن نخرج عن ذواتنا، ونحبّ جميع النّاس، وألّا نهتم ونفكّر فقط في مصالحنا الشّخصيّة، بل نهتم أيضًا بما هو خير وصالحٌ ونافعٌ لغيرنا. ساعدنا يا ربّ أن نكون دائمًا سبب ومصدر بركة لكلّ من تضعهم في طريقنا، واعطنا الحكمة يا ربّ أن نسلك بحكمة أمام جميع النّاس، والّا نكون سببًا في عثرة غيرنا. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين

سؤال: هل يمكن أن يتسبّب المؤمن المسيحي في عثرة غيره من النّاس؟ وما الّذي عليه فعله لكي يتفادي ارتكاب الغير خطايا بسببه؟

ت. العبادة في الكنيسة 2:11-40:14

1. معنى التّقاليد والخضوع 2-3

أثارت هذه الآيات منذ بدء تاريخ الكنيسة وحتى اليوم، انقسامًا في الرأى بين المسيحيين في كل العالم. وسبب الانقسام هو موضوع الآيات، لأنّ فيها يتحدث بولس الرَّسول عن غطاء رأس المرأة، وعن مكانة المرأة ومركزها، سواء في العبادة أو في علاقتها مع الرجل. لذلك من الضروري عند دراسة هذه الآيات أن نبحث عن المعاني الرّوحيَّة والمبادئ الأخلاقية الكامنة وراء هذه التعاليم المعطاة للكنيسة في كورنثوس، وبالتّالي للكنيسة في العالم اليوم.

الآية 2: “فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّعَالِيمَ كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ.” يبدأ بولس الرَّسول هنا في الحديث عن موضوعٍ جديد، ولكنّه قبل ذلك، يمدح الإخوة والأخوات في الكنيسة لأنّهم يتذكّرون خدمته بينهم، وكذلك  لأنّهم يحفظون “التّعاليم”  كما سلّمها إليهم. كلمة “التّعاليم” في ترجمة البستاني العربيّة للعهد الجديد هي كلمة παραδόσεις في الأصل اليوناني، وجاءت في صيغة الجمع، ومفردها كلمة παράδοσις (بارادوسيس) وتعني تقليد أو تسليم، أو نقل. وتفيد في استخدامها معاني تعليم، أو إرشاد، أو توجيه، أو أوامر. أي أنّ الكلمة تشير إلى ما تمّ تسليمه أو نقله إلى شخصٍ أو جماعة من النّاس بالكلام أو بالكتابة.

كتب البشير لوقا في سفر أعمال الرّسل عن اجتماع الرّسل في أوروشليم، وعن التّعاليم أو التّعليمات الصّادرة من هذاالإجتماع. وقد اختار الرّسل في نهاية اجتماعهم كلًّا من برنابا وبولس من أجل إيصال قرارات ذلك الإجتماع شِفاهًا، أي بالكلام وليس بالكتابة، إلى كنائس الأمم. نقرأ في أعمال الرّسل 25:15-27: “رَأَيْنَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ، رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلاَ نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. فَقَدْ أَرْسَلْنَا يَهُوذَا وَسِيلاَ، وَهُمَا يُخْبِرَانِكُمْ بِنَفْسِ الأُمُورِ شِفَاهًا.” وهذا هو المقصود في كلام بولس الرّسول هنا عن التّقاليد، أي ما نقله لهم شِفاهًا من تعاليم ووصايا وإرشادات صدرت عن إجتماع الرّسل في أوروشليم. (راجع أعمال الرّسل 6:15-29). وقد التزم بولس الرّسول بقرار الرّسل، ونفّذ ما طلب منه بكلّ أمانة، حيث نقرأ في سفر أعمال الرّسل 4:16: “وَإِذْ كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي الْمُدُنِ كَانُوا يُسَلِّمُونَهُمُ الْقَضَايَا الَّتِي حَكَمَ بِهَا الرُّسُلُ وَالْمَشَايخُ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ لِيَحْفَظُوهَا.” ونقرأ أيضًا في رسالة تسالونيكي الثّانية 6:3: “ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا.” وكلمة “تعليم” هنا هي أيضًا كلمة  παράδοσις، أي تقليد أو إرشاد أو توجيه.[10]

الآية 3: “وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ.” يبدأ بولس الرَّسول بالحديث عن السلطة حسب الترتيب الإلهي: الرجل تحت سلطة المسيح، والمرأة تحت سلطة الرجل، المسيح تحت سلطة الله. تعني عبارة “أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ”، أنّ الرّب يسوع هو قائد وحافظ ومصدر كلّ ما عند رجال العالم من خيراتٍ ومواهب، وبهذا المعنى يصف بولس الرّسول الرّب يسوع المسيح بأنّه رأس الجسد، أي الكنيسة (أنظر مثلًا كولوسي 18:1). ولذلك فإنّه في اليوم الاخير: “تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.” (فيلبّي 10:2-11).

ويضيف بولس الرّسول معلنًا بأنّ “رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ”، أي أنّه ربّ أسرته، وهو المسئول الأوّل عن رعايتها وحمايتها وتامين احتياجتها، وهذه مسئوليّة عظيمة وليست امتياز أو تفضيل للرّجل على المرأة، لأنه توجد مساواة روحيّة كاملة بين الرّجل والمراة عند الله، ومع ذلك تختلف وظيفة كلٍّ منهما عن الآخر. نقرأ في رسالة غلاطية 28:3: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” والمساواة الرّوحيّة بين الرّجل والمرأة تقوم على النّطام والتّرتيب، وليس على الفوضى والإختلاف.

يجب التّأكيد هنا على أنّ خضوع المرأة لرجلها يأتي من كونه رأسها (أفسس 22:5-23)، وهو ليس خضوع عبدٍ لسيّدٍ طاغية، بل هو إشارة إلى حالة انسجامٍ ونظامٍ وترتيبٍ تعمل على ضمان سلام واستقرار الاسرة، وإلى العيش والحياةِ معًا بحسب مشيئة الله. فالرّجل والمراة يحتاجان لبعضهما البعض، ويهدف الخضوع إلى المساعدة في القيام بحاجات الأسرة وضمان ما هو نافعٌ ومفيدٌ لها. ويقابل خضوغ المراة، حبّ زوجها وإخلاصه لها، لدرجة تشابه حبّ المسيح لكنيسته لدرجة موته لأجلها (أفسس 25:5).

أمّا عبارة “وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ.” فلا تنفي مساواة الرّب يسوع للآب في الجوهر، وكونه الله الّذي ظهر في الجسد، ولكنها تتعلّق بإرسالية الرّب يسوع، وكيف أنّه أصبح الوسيط والشّفيع بين الله والنّاس. كذلك تذكّرنا هذه الحقيقة بسيرة حياة الرّب يسوع في العالم، وكيف عمل طوال فترة خدمته على إتمام مشيئة الله، وجال يصنع خيرًا، وأنجز مهمّة فداء وخلاص العالم بموته على الصّليب وقيامته المجيدة.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل عظمتك وجلالك، وبانّك اله نظامٍ وترتيبٍ وسلام. كما ونشكرك لأنّك اعطيتنا في سيرة حياة ربّنا ومحلّصنا يسوع المسيح أعظم درسًا للعيش في حضوعٍ وتواضعٍ لمشيئتك الصّالحة، وكيف أن طاعتنا وخضوعنا يقود إلى حياة سلامٍ واستقرارٍ داخل بيوتنا وبين أفراد عائلاتنا ومجتمعنا. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هو معنى القول بأنّ الله رأس المسيح؟ وبأنّ الرّجل رأس المراة؟

2. اللياقة في العبادة: غِطاء رأس المرأة 4:11-16

يتحدّث بولس الرّسول في هذه الآيات عن كيفيّة التّصرف عند اجتماع جماعة المؤمنين، أي الكنيسة، للصّلاة. فالحديث في الموضوع هنا لا يتعلّق بالصّلاة الفرديّة، أي كما قال الرّب يسوع المسيح عن دخول غرفة في البيت والصّلاة للآب السّماوي (أنظر متّى 6:6).

الآيات 4-6: “كُلُّ رَجُل يُصَلِّي أَوْ يَتَنَبَّأُ وَلَهُ عَلَى رَأْسِهِ شَيْءٌ، يَشِينُ رَأْسَهُ. وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ وَرَأْسُهَا غَيْرُ مُغُطَّى، فَتَشِينُ رَأْسَهَا، لأَنَّهَا وَالْمَحْلُوقَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِعَيْنِهِ. إِذِ الْمَرْأَةُ، إِنْ كَانَتْ لاَ تَتَغَطَّى، فَلْيُقَصَّ شَعَرُهَا. وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُقَصَّ أَوْ تُحْلَقَ، فَلْتَتَغَطَّ.” يشير بولس الرّسول في كلامه عن عدم تغطية الرّجل لرأسه أثناء الصّلاة إلى الحرّية الّتي ينالها الإنسان بعد التّحرر من قيود وطقوس التّدين. كان بولس الرّسول قبل إيمانه من جماعة الفرّيسيّين، وكان كرجلٍ فرّيسي يغطّي رأسه عند الصّلاة مثل بقيّة الرّجال، وذلك تمسّكًا بتقاليد شيوخ وقيادات الشّعب القديم. كذلك كان الرّجال اليونانيّين والرّومانيّين يغطّون رؤؤسهم عند ممارسة طقوس عباداتهم الوثنيّة لآلهتهم الكثيرة.

وما يزال أحفاد الفرّيسيّين حتّى في أيّامنا يغطّون رؤؤسهم عند الصّلاة. ولكنّ الرّب يسوع قد حرّرنا من عبوديّة وقيود التّدين الظاهري والمزيّف، وأصبح بإمكان الرّجال الصلاة بدون غطاء الرّأس. ونلاحظ في أياّمنا، وخصوصًا في كنائس موجودة في العالم الغربي، وتحدبدًا في الولايات المتّحدة الامريكيّة، عودة إلى التّمسك بقيود الطّقوس القديمة، والعمل على الرّدة إلى ناموس الوصايا والفرائض، وتعليم الرّجال على تغطيّة رؤؤسهم بواسطة شال أو طاقيّة عند الصّلاة، وكأن الرّب يسوع لم يأتِ ليحرّرنا من الطّقوس، وكذلك رفضًا لتعاليم بولس الرّسول المعلنة هنا في رسالة كورنثوس.

يشير بولس الرّسول في قوله بأنّ الرّجل “يَشِينُ رَأْسَهُ” عندما يصلي وعل رأسه شيئًا، إلى حقيقة ما قاله في الآية السّابقه، وهو أنّ الرّب يسوع المسيح هو رأس الرّجل، وبالتّالي فمن غير المعقول أن يغطّي الرّجل رأسه أثناء العبادة، وكأنه بهذا العمل يلغي أو يخفي حضور الرّأس، أي الرّب يسوع المسيح، أثناء إجنماع الكنيسة للعبادة. وهكذا، عندما يخلع الرّجل غطاء رأسه أثناء العبادة، فإنّه بهذه الحركة يقدّم الإحترام والتّوقير والخضوع لحضور الرّب وسط كنيسته أثناء الصّلاة.

بعد الحديث عن ضرورة خلع الرّجل لغطاء رأسه أثناء الصّلاة، ينتقل بولس الرّسول للحديث عن المرأة وضرورة تغطيتها لشعرها والتزامها بحدود سلطتها. أي بكلمات أخرى، أن تمارس المرأة سلطتها بعدم الكشف عن رأسها. فبولس الرَّسول يقول بأن المرأة عندما تصلي ورأسها مكشوف فإنها تكون كمن قصَّت شعر رأسها أو حتى حلقته، ولذلك فهو يؤكّد أنه إن صلَّت المرأة ورأسها مكشوف، فإن عليها أن تحلق شعرها وإلاَّ فلتغطِ شعرها، وبما أنّه من غير الّلائق والمعقول أن تحلق المرأة شعرها، فالبديل هو طاعة الرّب وتغطية شعرها أثناء الصّلاة الجماعيّة.

في الآية السّابقة، أعلن لنا الله بقلم بولس الرّسول بأنّ “رأس المرأة هو الرّجل”، ولأن الّذي يجب أن يتمجّد أثناء العبادة هو الرّب يسوع وحده، لذلك فإنّ غطاء المرأة لشعرها يعني روحيًّا بأن المجد والظّهور في العبادة يجب أن يكون للرّب يسوع المسيح فقط، وليس لايّ شخصٍ آخر، سواء كان راعي الكنيسة أو ايّ رجل له مكانة اجتماعيّة أو سياسيّة في المجتمع. فكلّ فردٍ في جماعة الرّب مساوٍ لأخيه وأخته المؤمنة أمام الرّب.

ظهرت منذ عقودٍ قليلة، وخصوصًا في النّصف الثّاني من القرن العشرين، حركانٍ نسويّة تدعو إلى ما يسمّى “حريّة المرأة”، وعملت هذه الحركات على تحريض النّساء على الإجهاض، بحجّة حريّة تصرف المرأة بجسدها. وكذلك على ممارسة الجنس كما تشاء، مع رجالٍ أو نساء، وإلى ما يسمّى “تقوية المرأة” وتشجيعها على رفض أن يكون الرّجل هو ربّ الأسرة. وكذلك إلى دعوة النّساء إلى حرّية اللّباس وما يقلن عنه خداعًا “الإحتفال بأنوثتها” عن طريق ارتداء ملابس تكشف عن مفاتن جسد المرأة. وقد أدّت هذه الحركة إلى دمار حياة نساءٍ كثيرات، وسقوطهن ضحايا لخطايا كثيرة مثل الزّنا والدّعارة وقتل الاجنّة في أرحامهن بالإجهاض. وللأسف الشّديد، دخلت أفكار الحركات النّسويّة المعادية لتعاليم الإنجبل المقدّس، والمتعارضة أيضًا مع القوانين الطّبيعيّة، إلى داخل الكنيسة، وبدأنا نشاهد النّساء في اجتماعات الكنيسة بملابس غير لائقة، وبدون غطاءٍ للرّأس، وكل ذلك بحجّة الحريّة، مع أنّها في الواقع هي عبوديّة لشهوات الجسد الرّديّة.

بالإضافة إلى الصّلاة، يذكر بولس فعل “يتنبّأ”، و “تتنبّأ”. والنّبوة هنا لا تعني نهائيًّا إعلان أو كشف ما سيحدث في المستقبل، بل إنباء أو إخبار الكنيسة وتذكيرها بتعاليم الرّب يسوع، وتفسير كلمة الله وتطبيقها في وقتٍ وظرفٍ معيّن تمرّ به الكنيسة والعالم الّذي يعيش المؤمنون في وسطه.

الآيات 7-9: “فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ لِكَوْنِهِ صُورَةَ اللهِ وَمَجْدَهُ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَهِيَ مَجْدُ الرَّجُلِ. لأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنَ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنَ الرَّجُلِ. وَلأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ أَجْلِ الْمَرْأَةِ، بَلِ الْمَرْأَةُ مِنْ أَجْلِ الرَّجُلِ.” على الرجل أن يخضع لله وأن يُمثل سلطة الله، وهذا هو معنى قول بولس الرَّسول أن الرجل هو صورة الله ومجده. وهكذا فالمرأة التي هي مجد الرجل، عليها أن تخضع للرجل وأن تمثل سلطته، والنقاش الذي يقدمه بولس الرَّسول هو: المرأة جاءت من الرجل، وذلك عندما أخذ الله ضلعًا من آدم وخلق منه حوّاء. (أنظر تكوين 21:2-22)، ومن أجل الرجل، أي لتكون معينًا له بسبب حاجته لمن يقف معه في مواجهة ظروف الحياة.

الآية 10: “لِهذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا سُلْطَانٌ عَلَى رَأْسِهَا، مِنْ أَجْلِ الْمَلاَئِكَةِ.” على المرأة أن تمارس سلطتها في تغطية شَعر رأسها أثناء العبادة، وذلك لإظهار الإحترام أمام الملائكة الحاضرين. معنى هذا الكلام هو أنّ الملائكة يكونون حاضرين أثناء اجتماع الكنيسة للعبادة، أي أنّهم مهتمين في خلاص شعب الله. (أنظر بطرس الأولى 10:1-12) ولذلك فإن الملائكة سيلاحظون سلوك المسيحيين أثناء العبادة بما في ذلك النساء.

الآيات 11-12: “غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ، وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرّب. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ مِنَ الرَّجُلِ، هكَذَا الرَّجُلُ أَيْضًا هُوَ بِالْمَرْأَةِ. وَلكِنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنَ اللهِ.” يقدم لنا بولس الرَّسول هنا مبدأ أساسيًا وجوهريًا في مكانة كل من المرأة والرجل أمام الله، فهو يقول أن المرأة والرجل متساويين في الرّب، فلا أحد له مركز أسمى من الآخر، وكل واحدٍ منهم هو من الآخر وللآخر، وكلاهما من الله.

الآيات 13-15: “احْكُمُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: هَلْ يَلِيقُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُصَلِّيَ إِلَى اللهِ وَهِيَ غَيْرُ مُغَطَّاةٍ؟ أَمْ لَيْسَتِ الطَّبِيعَةُ نَفْسُهَا تُعَلِّمُكُمْ أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ كَانَ يُرْخِي شَعْرَهُ فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ؟ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ تُرْخِي شَعْرَهَا فَهُوَ مَجْدٌ لَهَا، لأَنَّ الشَّعْرَ قَدْ أُعْطِيَ لَهَا عِوَضَ بُرْقُعٍ.” يجب التمييز بين سلوك الرجل والمرأة أثناء العبادة، فالرجل ذو الشعر الطويل يجلب العيب على نفسه، ولكن بالنسبة للمرأة، فالشعر الطويل هو مجدٌ لها ويقوم مقام البرقع أو الحجاب.

الآية 16: “وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُظْهِرُ أَنَّهُ يُحِبُّ الْخِصَامَ، فَلَيْسَ لَنَا نَحْنُ عَادَةٌ مِثْلُ هذِهِ، وَلاَ لِكَنَائِسِ اللهِ.” لدينا هنا إشارة مباشرة إلى أن الله هو إله نظام، وأن الرجل والمرأة يجب أن يطيعوا الله، ويتجنبوا أية إشكالات أو تشويش، ليس فقط وقت العبادة، ولكن أيضًا في الحياة اليومية.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل كلامك المقدّس الّذي يقودنا وينير طريقنا في ظلمة هذا العالم. ونصلّي إليك يا رب أن تحمي كنيستك من أية تعاليم أو افكار قد تؤدي إلى الإبتعاد عن حياة القداسة، وتقود إلى حياة العبوديّة والعودة إلى ظلام التّدين والتّمرد على نعمة الله الغنيّة في الرّب يسوع المسيح. باسم يسوع نصلّي, آمين.

سؤال: ما المقصود بألا بغطّي الرّجل رأسه أثناء الصّلاة، بينما تغطّي المرأة رأسها؟

3. مشاكل أثناء تناول الطعام قبل شركة عشاء الرّب 17:11-22

يكتب بولس الرّسول هنا عن الإستخدام الخاطىء للحرّية، وذكر في هذه الآيات مشاكل كانت موجودة في اجتماعات الكنيسة للصّلاة في كورنثوس، ويبدأ كلامه بمعالجة مشكلة سوء التّصرف خلال تناول عشاء المحبّة الذي يسبق شركة عشاء أو مائدة الرّب (الآيات 17-22).

الآية 17: “وَلكِنَّنِي إِذْ أُوصِي بِهذَا، لَسْتُ أَمْدَحُ كَوْنَكُمْ تَجْتَمِعُونَ لَيْسَ لِلأَفْضَلِ، بَلْ لِلأَرْدَإِ.” سبق لبولس وأن مدح الكنيسة في مدينة كورنتوس وذلك لأنهم كانوا يتذكّرون خدمته بينهم، ولانّهم كانوا يحفظون التّقاليد الّتي سلّمها لهم (كورنثوس الأولى 2:11). ولكنّه هنا لا يمدحهم وذلك بسبب المشاكل الموجودة عندهم. لذلك قبل أن يعطي بولس وصايا لهم بما يتعلّق بعشاء الرّب، يخاطبهم بكلماتٍ يكشف فيها طبيعة اجتماعهم حيث يقول لهم: “تَجْتَمِعُونَ لَيْسَ لِلأَفْضَلِ”. عادةً تجتمع الكنيسة من أجل أهدافٍ روحيّة مقدّسة تشتمل على الصّلاة لله، وإعلان مجد الله، وتعليم كلمة الله، والشّركة بين المؤمنين. ولكن هذه الاهداف الرّوحيّة لم يكن لها وجود في كنيسة كورنثوس، حيث كانوا يجتمعون “لَيْسَ لِلأَفْضَلِ، بَلْ لِلأَرْدَإِ.” أي أنّ نتائج اجتماعاتهم كانت رديّة، أي باطلة وغير نافعة روحيًّا.

الآية 18: “لأَنِّي أَوَّلًا حِينَ تَجْتَمِعُونَ فِي الْكَنِيسَةِ، أَسْمَعُ أَنَّ بَيْنَكُمُ انْشِقَاقَاتٍ، وَأُصَدِّقُ بَعْضَ التَّصْدِيقِ.” في بداية رسالته (10:1-12) أشار بولس الرّسول إلى الإنقسام الّذي كان موجودًا في كنيسة كورنثوس، ويكرّر الإشارة إلى هذا الإنقسام في إصحاح 25:12. فبدلًا من الوحدة والإنسجام والمحبّة بين الإخوة والأخوات، انتشر بينهم انقسام ورفض لبعضهم البعض. ومع أن بولس الرَّسول لم يصدق كليًا ما سمعه عن انشقاقاتهم وخلافاتهم، إلّا أنّه يؤنبهم على هذا السّلوك المشين.

الآية 19: “لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَكُمْ بِدَعٌ أَيْضًا، لِيَكُونَ الْمُزَكَّوْنَ ظَاهِرِينَ بَيْنَكُمْ.” كلمة بدع في الأصل اليوناني هي  αἱρέσεις (هيريسيس) ومفردها αἵρεσις (هيريسس)، وهي كلمة غنيّة بالمعاني: هرطقة، بدعة، اختيار، رأي، اعتقاد، وجهة نظر، فرقة أو شيعة أو طائفة، انشقاق، خِلاف. وسياق كلام بولس الرّسول يدلّ على أن معنى الكلمة هنا هو الإنشقاق أو الإنقسام الّذي كان موجودًا في كنيسة كورنثوس، ولا تعني جماعات هرطقية كما هو المعنى الدّارج للكلمة. ويضيف بولس الرّسول قائلًا بأنّه عندما تظهر مشاكل بين جماعة المؤمنين، يظهر أيضًا وسطهم جماعة الأبرار الّذين يعملون ويصلّون من أجل وحدة وانسجام الكنيسة. يجسّد كلام بولس الرّسول عظمة الوحي المقدّس، فكلمة الله لا تجامل ولا تجمّل ما هو باطل، بل تعلن حقيقة الموجود، وتبيّن فساد الطّبيعة البشريّة، وكيف أنّ المؤمنين في الكنيسة الأولى، والّذين يتمّ تبجيلهم في ايّامنا وكأنهم كانوا آلهة تسير على الأرض وبلا لوم، كانوا في الواقع بشر مثلنا، عندهم مشاكلهم وسقطاتهم وصراعهم مع الخطيّة، وبأنهم رغم كل شيء، تابعوا مسيرة الإيمان بشخص الرّب يسوع المسيح.

الآية 20: “فَحِينَ تَجْتَمِعُونَ مَعًا لَيْسَ هُوَ لأَكْلِ عَشَاءِ الرّب.” يتعلّق الحديث هنا عن وليمة طعام عادية كانت تسبق عشاء الرّب. ويُدين الرَّسول في كلامه سلوك بعض المؤمنيين على إعتباره مضرٌ وينزل من هيبة الإجتماع لعشاء الرّب. والإشارة هنا إلى أنهم بسلوكهم هذا لا يتصرّفون وكأنهم مُقبلون على تناول عشاء الرّب، حيث أنهم كانوا يسيئون إلى قيمته الرّوحيَّة الغنيّة.

الآيات 21-22: “لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْبِقُ فَيَأْخُذُ عَشَاءَ نَفْسِهِ فِي الأَكْلِ، فَالْوَاحِدُ يَجُوعُ وَالآخَرُ يَسْكَرُ. أَفَلَيْسَ لَكُمْ بُيُوتٌ لِتَأْكُلُوا فِيهَا وَتَشْرَبُوا؟ أَمْ تَسْتَهِينُونَ بِكَنِيسَةِ اللهِ وَتُخْجِلُونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ؟ مَاذَا أَقُولُ لَكُمْ؟ أَأَمْدَحُكُمْ عَلَى هذَا؟ لَسْتُ أَمْدَحُكُمْ.”  كانت العادة أن يُحضر أعضاء الكنيسة الطعام من بيوتهم ثم يشتركون معًا في أكله. ولكن يبدو أنه انتشرت في كنيسة كورنثوس عادة أن الأغنياء لم يشاركوا الطعام مع الفقراء كما يجب، فقد كانوا يأكلون ويشبعون وحتى يسكرون اثناء اجتماع المؤمنين معًا لتناول الطّعام، في حين لا ينال الفقراء ما يكفيهم من الغذاء. وكان هذا السلوك مصدر إساءة إلى كنيسة الله، ويسبب مذلة للفقراء. وبسبب هذا السّلوك المخجل وغير الّلائق، كرّر بولس الرّسول لومه وتوبيخه لهم، وقال بانهم لا يستحقّون المدح بسبب هذه التّصرفات غير المسيحيّة.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على محبّتك العظيمة لنا نحن البشر الخطاة وغير المستحقّين. ونشكرك هنا بشكلٍ خاص على اهتمامك القلبي الصّادق بحالة كنيسة الرّب يسوع في العالم. فأنت يا ربّ تعمل على توبيخ ولوم الكنيسة عندما ترتكب أعمالًا لا تليق بمن دُعِيَ باسمك عليهم، وذلك لانّك تريد ان تكون الكنيسة نورًا وملحًا للعالم، وأن تكون سبب بركة وخلاص لكل النّاس. باسم الرّب يسوع نصلّي. آمين.

سؤال: ما هي المشكلة الّتي يتكلّم عنها بولس الرّسول في الآيات أعلاه؟ وما هو برأيك الحلّ لها؟

4. عشاء الرّب: 23:11-26

أثناء خدمة بولس الرّسول في مدينة كورنثوس، والّتي استمرّت لمدة عامٍ ونصف (أنظر سفر أعمال الرّسل 1:18-11)، علّم المؤمنين شفهيًّا عن معنى وممارسة أخذ شركة عشاء االرّب. ويعود الرّسول هنا إلى تناول الموضوع من جديد، ولكن عن طريق الكتابة، ممّا يدلّ على أنّ البعض في الكنيسة قد أثار أسئلة تتعلّق بالمضوع، أو أنّ أعضاء جدد قد انضمّوا للكنيسة، وكانوا بحاجة لمعرفة حقيقة هذه الخدمة الجوهريّة في حياة وعبادة الكنيسة.

الآيات 23-24: “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرّب مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا: إِنَّ الرّب يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا، أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ، وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.” واضح من كلام بولس الرَّسول أنه استلم معرفته عن عشاء الرّب من الرّب يسوع المسيح مباشرة، وذلك بحسب قوله “تَسَلَّمْتُ مِنَ الرّب.” هذه الحقيقة تعطي وزنًا روحيًّا وقيمة عظيمة لكلّ ما يقوله بولس الرّسول في موضوع شركة عشاء الرّب. فكلامه ليست تفسيرًا أو ظنونًا، بل وحيًا مباشرًا من الرّب يسوع المسيح له كلّ المجد. وقوله “مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا” يعني بأنّه قد سبق للرّسول بولس وسلّم، أي علّم وأخبر الكنيسة في كورنثوس، عن حقيقة شركة عشاء الرّب، وها هو يعيد ذكر ما علّمهم إيّاه. وهو بهذا العمل قد خدم كنيسة كورنثوس في الماضي، ويخدم الكنيسة في العالم اليوم بسبب كتابة هذا التّعليم في رسالته إلى كنيسة كورنثوس.

يعد تذكير الكنيسة بأنّه سبق له وأن سلّمهم هذه التّعاليم، يعلن بولس الرّسول  عن كيفيّة تأسيس شركة عشاء الرّب، وكلامه يوافق تمامًا مع ما هو موجودٌ في رواية الإنجيل المقدّس. (راجع متّى 26:26-29؛ مرقس 22:14-25؛ لوقا 19:22-20). في اللّيلة الّتي قبض فيها أعداء الرّب يسوع عليه بقصد صلبه، وأثناء تناول عشاء الفصح الأخير له مع تلاميذه، “أَخَذَ خُبْزًا وَشَكَرَ فَكَسَّرَ.” الخبز الّذي أحذه كان خبز فطير، أي غير مختمر، وذلك بحسب وصيّة الله لشعبه القديم قبل خروجهم من ارض العبوديّة في مصر. (أنظر سفر الخروج 8:12). يشير الخبز إلى جسد الرّب يسوع المسيح، وذلك لأنه الله الّذي ظهر في الجسد. (أنظر يوحنّا 14:1؛ كولوسي 9:2؛ تيموثاوس الأولى 16:3). وفي عشاء الفصح، أخذ يسوع الخبز، أي ما يرمز لجسده الّذي كان الرّب على وشك تقديمه قربانّا لخلاص العالم. (أنطر عبرانيّين 10:10؛ 14).

بعد أن أخذ الرّب يسوع الخبز، “شَكَرَ” الآب السّماوي، وهو بهذا العمل قد بارك الخبز الّذي كان يحمله وعلى وشك كسره وتقديمه لتلاميذه. والفعل شكر في الأصل اليوناني هو εὐχαριστέω (أوخارستو) ومعناه يشكر، ومنه جاءت كلمة أفخارستية، أي شركة عشاء الرّب، حيث يتناول المؤمنون الخبز ويشربون الكأس، ويشكرون الرّب يسوع على محبّته العظيمة بموته على الصّليب للتّكفير عن خطاياهم.

بعد شكر الآب على عطيّتة، “كَسَّرَ” الرّب يسوع الخبز، وهذا التّكسير للخبز يرمز إلى عذاب الرّب يسوع المسيح وانكسار جسده في الموت على الصّليب، فقد جرحه الجنود في رأسه عندما ألبسوه إكليل الشّوك، وعندما دقّوا المسامير في يديه ورجليه، وعندما طعنوه بحربةٍ في جنبه (أنظر إشعياء 5:53). يجب التّوضيح هنا بأنّ عظام الرّب يسوع بقيت سليمة ولم يتم تكسيرها (أنظر يوحنّا 33:19؛ 36)، وكان ذلك تتممةً للنّبوة في مزمور 20:34: “يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ.”

بعد كسر الخبز، أعطاه للتلاميذ قائلًا لهم: “خُذُوا كُلُوا هذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ.” كان الرّب جالسًا بجسده يأكل عشاء الفصح مع تلاميذه، وعندما أخذ رغيفًا من الخبز وقال “هذَا هُوَ جَسَدِي” لم يصبح له جسدان، فهذا كلامٌ غير منطقي وغير معقول، بل بقي للرّب جسدٌ واحدٌ، وبالتّالي يجب أن نأخذ ما قاله بالمعنى الرّوحي والرّمزي والمجازي. فقد بقي الخبز الّذي أكله التّلاميذ خبزًا عاديًّا، ولكنّه أصبح رمزًا لجسد الرّب يسوع المسيح الّذي انكسر بموته على الصّليب من أجل التّكفير عن خطايا العالم أجمع. نقرأ في  كورنثوس الأولى 4:10 كلمات بولس الرّسول بأنّ الصخرة الّتي شرب منها الشّعب القديم ماءً في البرّية كانت المسيح، ولم يقل أحدٌ بأنّ جسد الرّب تحوّل لصخرٍ، بل ولا يعقل مثل هذا القول أو التّفسير، ونص الآية هو: “وَجَمِيعَهُمْ شَرِبُوا شَرَابًا وَاحِدًا رُوحِيًّا، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ صَخْرَةٍ رُوحِيَّةٍ تَابِعَتِهِمْ، وَالصَّخْرَةُ كَانَتِ الْمَسِيحَ.” فالصّخرة كانت ترمز لحضور الرّب مع شعبه وتوفير احتياجاتهم في بريّة هذا العالم.

بعد ذلك أعطى الرّب يسوع المسيح وصيّة عظيمةً لتلاميذه حين قال لهم: ” اصْنَعُوا هذَا لِذِكْرِي.” (راجع لوقا 19:22). أي أنّ الخبز لم يعد لذكرى فصح العهد القديم، فقد أصبح يحمل المعنى الحقيقي وهو أنّه يرمز لجسد الرّب يسوع المسيح، وانّ على الكنيسة أن تتذكّر كلما تناولت الخبز ذكرى موت الرّب يسوع بتقديم جسده ذبيحةً، ولمرّةٍ واحدةٍ فقط، للتّكفير عن خطايا العالم. نلاحظ هنا بانّ صيغة الفعل هي المستقبل المستمر، وهذه إشارة إلى فعل يجب تكرار عمله، وليس إلى صناعته لمرة واحدة فقط.

الآيات 25-26: “كَذلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا، قَائِلًا: هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي. اصْنَعُوا هذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي. فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هذِهِ الْكَأْسَ، تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرّب إِلَى أَنْ يَجِيءَ.” بعدما انتهى التّلاميذ من تناول عشاء الفصح، أخذ الرّب يسوع كأس نبيذٍ وقال: “هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي.” أي أنّ النّبيذ في الكأس يرمز لدم الرّب يسوع المسيح، وهذا يعني بأنّ العهد الجديد، الذي قطعه الرّب يسوع المسيح مع العالم، قد ختمه الرّب بدمه الطّاهر والثّمين (لوقا 20:22)، كما ختم الله على العهد القديم بالدّم (أنظر خروج 8:24). بعد ذلك أوصى الرّب تلاميذه، ومن خلالهم كنيسته على مدى الأجيال، أن يداوموا عل تكرار ما فعله رب المجد، وذلك حتّى يتذكر المؤمنون دائمًا موت الرّب يسوع المسيح على الصّليب، وبأنه هو مصدر كلّ نعمة في حياتنا. فخلاص نفوسنا، وتقديسنا، ودخولنا إلى قدس الأقداس، ومصالحتنا مع الله والنّاس، وحصولنا على الحياة الأبديّة، كلّها تمت نتيجة عمل الرّب يسوع على الصّليب، أي أنّها نعمة من الله، وليس بسبب أعمالنا واجتهادنا.

لم يحدد الرّب يسوع مواعيد أو أوقات تناول عشاء الرّب، أي الخبز والكأس، وترك القرار للكنيسة. وتدل كلمة “كُلَّما” على المشاركة في عشاء الرّب بشكل دوري ومستمر. وعند تناول عشاء الرّب فإن المؤمنين “تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرّب إِلَى أَنْ يَجِيءَ.” أي أنّ على جماعة المؤمنين، الّذين هم جسد المسيح، أن يطبّقوا عمليًّا، وبشكلٍ شخصي، معنى موت الرّب على حياة الكنيسة، وفي شهادتها للعالم بالتّبشير بالرّب يسوع المسيح من أجل الخلاص.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل العهد الجديد الّذي قطعه معنا الرّب يسوع المسيح. نعم يا رب، نحن مديونين لك بسبب هذه المحبّة العظيمة الّتي جسّدتها بسفك دم الرّب يسوع من أجلنا على الصّليب. أعطنا يا رب أن نتذكر عمل النعمة هذا دائمًا، واعطنا القوّة أن نشهد لك في حياتنا واقوالنا لكل النّاس الّذين نلتقي بهم. نصلي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هو العهد الجديد؟ وكيف قطعه الرّب يسوع مع العالم؟

5. من يستحقّ المشاركة في تناول عشاء الرّب؟ 27:11-34

بعد أن بيّن بولس الرّسول حقيقة عشاء الرّب ومكانته المركزيّة في الحياة المسيحيّة، يتابع كلامه بتوجيه تحذيرٍ شديدٍ لجماعة المؤمنين يتعلّق باستحقاق وأهليّة من يتناول شركة عشاء الرّب.

الآية 27: “إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هذَا الْخُبْزَ، أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرّب، بِدُونِ اسْتِحْقَاق، يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرّب وَدَمِهِ.” يبدأ بولس الرّسول تحذيره بكلمة “إذًا”، أي أنّه بناءً على ما بيّنه عن أهميّة ومركزيّة عشاء الرّب، فإنّ أكل الخبز وشرب الكأس بدون استحقاق سيؤدّي إلى نتائج صعبة في حياة غير المستحق، حيث يرتكب الشخص جريمة في حق جسد ودم الرّب يسوع المسيح. لذلك على الإنسان المسيحي أن يلاحظ أسلوب حياته وإيمانه وسلوكه، وأن يتقدم إلى تناول الشركة بخوف الله وباحترام وبروح الصلاة. نلاحظ هنا استخدام بولس لكلمتي “الخبز والكأس”، أي أنّ الخبز بقي خبزّا ولم يتحوّل إلى جسد، والكأس، أي النّبيذ، بقي كما هو ولم يتحوّل إلى دم.

كانت الخطيّة بشموليّتها ومفهومها العام السّبب الوحيد في موت الرّب يسوع المسيح على الصّليب، وتوجد في الكتاب المقدّس شواهد وآيات كثيرة تؤكّد على حقيقة موت الرّب يسوع بسبب خطايا العالم. فمثلًا نقرأ في نبوّة إشعياء 5:53: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا.” وكذلك في رسالة رومية 8:5: “وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا.” وبالتّالي لا يعقل أن يقدم إنسان خاطىء على تناول الخبز والكأس، لأنّ من يرتكب مثل هذا الفعل هو كمن يشارك في صلب الرّب يسوع ثانيةً.

في الواقع أنّه لا يوجد ولم يوجد أيّ إنسانٍ يستحقّ أن يأخذ الخبز والكأس، ولكنّ من يؤمن بالرّب يسوع، ومن يراجع نفسه، ويكون مدقّقًا في حياته وعلاقته مع الرّب، ومن يفحص نفسه، ويتوب عن خطاياه، فإنه يتناول الخبز والكأس على أساس نعمة الله الغنيّة، وليس على أساس أي برٍّ ذاتيٍّ في حياته.

ويصف بولس الرّسول الشّخص الّذي يأخذ الخبز والكأس بدون استحقاق بأنه “مُجْرِمًا” فِي جَسَدِ الرّب وَدَمِهِ. وكلمة مجرم في الأصل اليوناني هي  ἔνοχος(إنوكسٍس) وتعني شخص مسئول قانونيًّا، أي يستحقّ العقاب أمام القانون. والمقصود في كلام بولس الرّسول هنا هو أنّ غير المستحق ستقع عليه دينونة الله العادل.

الآيات 28-30: “وَلكِنْ لِيَمْتَحِنِ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَهكَذَا يَأْكُلُ مِنَ الْخُبْزِ وَيَشْرَبُ مِنَ الْكَأْسِ. لأَنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِدُونِ اسْتِحْقَاق يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ دَيْنُونَةً لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرّب. مِنْ أَجْلِ هذَا فِيكُمْ كَثِيرُونَ ضُعَفَاءُ وَمَرْضَى، وَكَثِيرُونَ يَرْقُدُونَ.” على المؤمن أن يمتحن نفسه أمام الله، وأن يتفهم المعنى الرّوحي العميق لعشاء الرّب قبل تناوله. ويساعد فحص النفس على أن يحفظ المؤمن نفسه من الوقوع تحت الدينونة بسبب خطيته ضد جسد الرّب ودمه. والدينونة هنا لا تشير إلى دينونة اليوم الأخير، بل إلى عقاب مؤقت كما نرى في الآية 30، حيث يؤدّي عدم الإستحقاق إلى ضعفٍ عامٍّ في الجسد، أو المرض، وحتى مفارقة الحياة بسبب الإستهتار بعشاء الرّب.

الآيات 31-32: “لأَنَّنَا لَوْ كُنَّا حَكَمْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا لَمَا حُكِمَ عَلَيْنَا، وَلكِنْ إِذْ قَدْ حُكِمَ عَلَيْنَا، نُؤَدَّبُ مِنَ الرّب لِكَيْ لاَ نُدَانَ مَعَ الْعَالَمِ.” يُضيف بولس الرَّسول قائلًا أنه من الأجدر بالإنسان المؤمن أن يعترف بانّه خاطىء وغير مستحق، أي أن يحكم على نفسه لئلّا يقع تحت دينونة الله. وحتّى ولو أُدين المؤمن من قبل الرّب، فإن هذه الدينونة ليست للهلاك، بل هي نوع من التأديب الأبوي كما جاء في عبرانيين 5:12 “وَقَدْ نَسِيتُمُ الْوَعْظَ الَّذِي يُخَاطِبُكُمْ كَبَنِينَ: يَا ابْنِي لاَ تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرّب، وَلاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ”، وهدف هذا التأديب هو توبة المؤمن، وبالتالي فإنه في اليوم الأخير لا يدان مع الخطاة. (راجع رؤيا 12:20-15).

الآيات 33-34: “إِذًا يَا إِخْوَتِي، حِينَ تَجْتَمِعُونَ لِلأَكْلِ، انْتَظِرُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَجُوعُ فَلْيَأْكُلْ فِي الْبَيْتِ، كَيْ لاَ تَجْتَمِعُوا لِلدَّيْنُونَةِ. وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا.” يعود بولس الرّسول هنا إلى تذكير جماعة المؤمنين بضرورة التّصرف بلياقة واحترام عند تناول وجبة عشاء عاديّة مع بعضهم البعض. ويؤكّد أنّ على الإخوة والأخوات أن يراعوا مشاعر وظروف بعضهم البعض، وأن ينتظروا بعضهم البعض، وأن يتناولوا الطّعام في وقتٍ واحدٍ مع بعضهم البعض. وإن كان هنالك من يأتي فقط للأكل والشبع وليس للشركة مع الرّب ومع شعب الرّب، فإن مثل هؤلاء مطالبون بالأكل في بيوتهم حتى لا يقعوا تحت دينونة.

نفهم من المقطع الاخير من كلام بولس الرّسول: “وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا” بأنّه كانت ما تزال هنالك أمور أخرى غير مستعجلة، ولذلك لم يعالجها بولس الرَّسول في الرسالة، ولكنّه يعد الكنيسة بترتيبها عند زيارته القادمة إليهم.

صلاة: نشكرك ايّها الآب السّماوي على محبّتك ورعايتك واهتمامك بنا أيّها السّيد. فأنت يا رب تريد منّا أن نشارك في تناول الخبز والكأس، أي شركة عشاء الرّب، ونحن في حالة استتعداد روحي واستحقاق أساسه نعمتك الغنيّة. أنت يا رب تحذّرنا من الإستهتار في الأمور الرّوحيّة، وذلك لأنك لا تريد لنا الضّعف أو المرض أو الموت، ولذلك فإنّنا نرفع اليك كل حمدٍ وشكرٍ على هذه المحبّة العجيبة. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما المقصود بعدم استحقاق تناول الخبز والكأس؟ وما هو المطلوب عمله في تلك الحالة؟

6. المواهب الرّوحيَّة 1:12 – 40:14

    أ. الرّوح القدس هو معطي المواهب الرّوحيَّة 1:12-24

(القسم الأوّل: الآيات 1-6)

واضح من الآية 1: “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَوَاهِبِ الرّوحيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا.” أن بولس الرَّسول يجيب هنا على سؤال آخر من أسئلة الإخوة والأخوات في كنيسة  كورنثوس راجع (1:7؛ 25، 1:8، 1:16).

كلمة “موهبة” في الأصل اليوناني هي كلمة χάρισμα (خارزما) وتعني حرفياً: شيء يعطي مجاناً، أي بلا مقابل، أو هبة. والرّوح القدس هو الذي يعطي هذه المواهب للكنيسة لكي يساعدها في صراعها ضد الخطية والشيطان وشهوات الجسد الرّدية في العالم. فمواهب الرّوح القدس عندما تكون في متناول الكنيسة تساعد على عمل الإنسان بشكل مشترك مع قوة الله في الحياة والخدمة والصراع ضد قوى الظلام. كذلك فإن مواهب الرّوح القدس متاحة لكل إنسان في الكنيسة. فالله يريد أن يعطي الجميع كما يشاء، والكنيسة الحية لا بد وأن تظهر مواهب الرّوح القدس في أعضائها، لأن الرّوح القدس معطى من الله لكل من آمن بالرب يسوع وقبله مخلصاً شخصياً لحياته. فكل شخص مهم في الكنيسة. ولكل شخص دور كبير في الكنيسة، وحتى لو كان تنظيف الكنيسة أو فتح أبوابها أو دفع فاتورة الكهرباء أو شراء احتياج ما. فالمهم هو الإحساس بالانتماء، والعمل من القلب لخدمة الله وشعب الكنيسة، والناس بشكل عام خارج الكنيسة.

الآيات 2-6: “أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أُمَمًا مُنْقَادِينَ إِلَى الأَوْثَانِ الْبُكْمِ، كَمَا كُنْتُمْ تُسَاقُونَ. لِذلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: يَسُوعُ أَنَاثِيمَا. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: يَسُوعُ رَبٌّ، إِلاَّ بِالرّوح القدس. فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرّوح وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرّب وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَال مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.” يذكّر بولس الرَّسول الإخوة والأخوات في مدينة كورنثوس بأنهم كانوا ἔθνη (إثني)، ومفردها ἔθνος (إثنوس) أي عرق أو سلالة أو أمّة أو شعب، لا يعرف الله الحقيقي. ولكنّهم اختبروا أعظم عجيبة في الحياة، وهي معجزة التّغيير والتّجديد بالولادة من فوق، أي الولادة الثّانية نتيجة عمل الرّوح القدس في حياتهم بسبب إيمانهم بالرّب يسوع المسيح. وأدّى تجديدهم إلى انتقالهم من حياةٍ تحت سيطرة كهنة المعابد الوثنيّة، أي تحت تأثير تعاليم وآلهة متنوّعة وغرييبة، إلى حياةٍ تحت قيادة الرّوح القدس.

يصف بولس الرّسول الأوثان بأنّها “بُكمِ”، أي لا تسمع ولا تتكّلم، كما نقرأ في مزمور 4:115-8 وصفًا مفصّلًا للأوثان: “أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُ مُّ.لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا.” (إقرأ أيضًا 15:135-18؛ حبقوق 18:2-19).

بعد ذلك يقدم بولس الرَّسول للكنيسة في كورنثوس، وللكنيسة في العالم اليوم، طريقتين أو إختبارين يستطيعون بهما التّأكد من حضور الرّوح القدس وعمله في حياتهم:

1. لا يستطيع من هو ممتلئ بالرّوح القدس أن يلعن الرّب يسوع المسيح بالقول “يَسُوعُ أَنَاثِيمَا”. وكلمة “أَنَاثِيمَا” هي كلمة يونانيّة [11]ἀνάθεμα (أناثيما)، وتعني ذبيجة نذر، أو شيء أو شخص مخصّص لوثن أو إله غريب، أو لعنة، أو شتيمة، أو تجديف، أو شخص أو شيء ملعون.

2. اعتراف أي إنسان بأن يسوع المسيح هو الرّب يتم فقط بواسطة عمل الرّوح القدس في حياة هذا الإنسان.

تشير المواهب والخدمات والأعمال التي يذكرها بولس الرَّسول هنا إلى مواهب نافعة ومفيدة للكنيسة. ويجب ملاحظة قوله في الآيات 4-6: “الرّوح وَاحِدٌ، والرّب وَاحِدٌ، واللهَ وَاحِدٌ”، وهو إشارة إلى أن الثالوث القدّوس، أي الله الواحد الجامع، هو الذي يعمل كلّ شيء، ويوزع ويشرف على هذه المواهب كما جاء في كورنثوس الثانية 13:13؛ وأفسس 3:4-3.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي عل عطاياك ونعمتك الغنيّة التي تهبها لنا بالرّغم من عدم استحقاقنا. نعم يا رب، نعترف أن خلاصنا وتجديدنا وحصولنا على الحياة الابديّة تنبع من فيض مجبّتك لنا. ونشكرك يا رب الآن بشكل خاص علو مواهب الرّوح القدس الذتي تعطيها لكنيستك في العالم من اجل نشر الإنجيل وبنيان حياة المؤمنين بحسب إرادتك الصّالحة. باسم الرّب يسوع نصلّي، آمين.

سؤال: ماذا تعني كلمة موهبة؟ وما هي أعظم هبة من الله للإنسان؟

أ. الرّوح القدس هو معطي المواهب الرّوحيَّة 1:12-24

    (القسم الثّاني: الآيات 7-24)

الآيات 7 -11: “وَلكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ الرّوح لِلْمَنْفَعَةِ. فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرّوح كَلاَمُ حِكْمَةٍ، وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرّوح الْوَاحِدِ، وَلآخَرَ إِيمَانٌ بِالرّوح الْوَاحِدِ، وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرّوح الْوَاحِدِ. وَلآخَرَ عَمَلُ قُوَّاتٍ، وَلآخَرَ نُبُوَّةٌ، وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ، وَلآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. وَلكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا الرّوح الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ.” يعطي الرّوح القدس المواهب المختلفة لأفراد مختلفين، أي أنه ليس الجميع لديهم نفس المواهب. (أنظر 29:12-30). ولأجل فائدة الجميع في الكنيسة. بعد ذلك يذكر بولس الرَّسول  جملة من المواهب الرّوحيَّة وهي:

  1. كلام حكمة: من المواهب المهمة جدًا حيث أن إيصال الخبر السَّار حول خلاص الله هو من أولى الواجبات على الكنيسة.
  2. كلام عِلمٍ: أي المقدرة على الإتصال مع الآخرين بعلم، أي معرفة طريق الله للخلاص بواسطة الصّليب.
  3. إيمان: لا تشير موهبة الإيمان هنا إلى الثقة بالرّب يسوع المسيح كأساس للخلاص، بل يشير الإيمان هنا إلى إيمان عميق يعطي صاحبه المقدرة على تحمل المشاق حتى الموت من أجل الرّب يسوع المسيح.
  4. موهبة الشفاء: القدرة على الإتيان بالشفاء بقوة الله.
  5. عمل قوات: يرتبط عمل العجائب والقوات غالبًا بالشفاء، كما نرى ذلك واضحًا في خدمة بولس الرَّسول وغيره من الرسل. (راجع أعمال الرسل 11:19-12؛ 7:28-9؛ كورنثوس الثانية 12:12).
  6. نبوّات: أي المقدرة على إعطاء وصفًا لعمق معنى فداء الله للعالم وإرادته للكنيسة. وهذه الموهبة تختلف عن الوحي، أي وحي الرّوح القدس لكُتّاب الكتاب المقدّس كما في تيموثاوس الثانية 16:3.
  7. تمييز الأرواح: هي موهبة تختلف عما يدعو إليه يوحنا في رسالته الأولى 1:4 “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ”. إنها عمق الرؤيا المسيحية للأشياء، والإستدلال على الرّوح الكامنة وراءها.
  8. التكلم بألسنة: أي التّكلم لغات غريبة ومختلفة عن اللغات المعروفة داخل الكنيسة.
  9. ترجمة ألسنة: عند التكلم بألسنة، أي بلغة غير مفهومة، فإنه يجب ترجمة هذه الألسنة بناءً على عطية من الرّوح القدس.

يمكن تصنيف المواهب الرّوحية التسعة تحت ثلاثة أقسام:

1. مواهب إعلان أو إظهار أو معرفة: وهي مواهب كلام حكمة وكلام معرفة وتمييز الأرواح. هذه المواهب تتحدث عن عمل الله في إظهار حقيقة شيء أو شخص أو زمن أو مكان. لأنّه لا يمكن لأي إنسان أن يعرفها بقوته الخاصة وتحتاج إلى إعلان من السماء.

2. مواهب قوة: وهي مواهب الإيمان ومواهب الشفاء ومواهب عمل قوات: موهبة الإيمان هنا تختلف عن الإيمان العادي الذي يتمتع به كل مؤمن في الكنيسة. فكل مسيحي هو مؤمن بالله وبالخلاص وبعمل المسيح على الصليب وبالحياة الأبدية. ولكن الحديث هنا عن موهبة خاصة معطاة من الله لبعض المؤمنين من أجل إجراء أعمال تفوق الطبيعة وهدفها مجد الله وتأكيد صدق وعوده وكلمته. فمواهب القوات تعني ببساطة أن الله يعمل عملاً فائقاً لمصلحة الإنسان من خلال الإنسان. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد: إيليا وأليشع وصموئيل وموسى وداود …الخ.

3. مواهب الوحي والإلهام: وهي مواهب النبوة وأنواع ألسنة وترجمة ألسنة، وهذه المواهب تعني أن الله يستخدم شخصاً أو مجموعة من الأشخاص في الكنيسة ليكونوا واسطة بركة لبقية الكنيسة من خلال الحث والتعزية والتقويم والتوجيه.

ينهي بولس الرَّسول هذا المقطع بقوله أن الرّوح القدس يعطي هذه المواهب كما يشاء، فالرّوح يعمل على إعتبار أنه الله الحُر الإرادة والعامل في إعطاء المواهب. وبالتالي فإنه مهما تكن الموهبة المعطاة لشخص ما، فإن عليه أن لا يسخر أو يغار مما لدى الآخرين من مواهب. فجميع المواهب هي لخدمة الكنيسة ككل ولتمجيد الله.

الآيات 12-13: “لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا. لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا.” يوضح بولس الرَّسول هنا معنى وحدة وتنوع المواهب الرّوحيَّة عن طريق مثال الجسد البشري. فكما أن أعضاء الجسد البشري كثيرة ولكنها تشكل جسدًا واحدًا. كذلك في جسد المسيح، أي الكنيسة، فمع أنها مكونة من أناس قادمين من أعراق وقوميات وأجناس مختلفة، وفئات إجتماعية مختلفة، وبمواهب مختلفة، فإنهم جميعًا قد اتحدوا بالرّوح الواحد في جسدٍ واحدٍ بالمعموديَّة.

الآيات 14-20: “فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. إِنْ قَالَتِ الرِّجْلُ: لأَنِّي لَسْتُ يَدًا، لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذلِكَ مِنَ الْجَسَدِ؟ وَإِنْ قَالَتِ الأُذُنُ: لأِنِّي لَسْتُ عَيْنًا، لَسْتُ مِنَ الْجَسَدِ. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذلِكَ مِنَ الْجَسَدِ؟ لَوْ كَانَ كُلُّ الْجَسَدِ عَيْنًا، فَأَيْنَ السَّمْعُ؟ لَوْ كَانَ الْكُلُّ سَمْعًا، فَأَيْنَ الشَّمُّ؟ وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ وَضَعَ اللهُ الأَعْضَاءَ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْجَسَدِ، كَمَا أَرَادَ. وَلكِنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْوًا وَاحِدًا، أَيْنَ الْجَسَدُ؟ فَالآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ.” يذكر بولس الرَّسول أعضاءً من الجسد البشري: الأرجل، والأيدي، والآذان والعيون، وكيف أنها تعمل معًا في الجسد الواحد. فالأعضاء كثيرة ولكن الجسد واحد. وعلى كل عضوٍ في الجسد البشري أن يقوم بوظيفته حتى يعمل الجسد كوحدة واحدة. كذلك في كنيسة الرّب يسوع المسيح، على الإخوة والأخوات في الكنيسة الخدمة والعمل بحسب مواهبهم المتنوعة كجسدٍ واحدٍ في الكنيسة، أي جسد الرّب يسوع المسيح.

الآيات 21-24: “لاَ تَقْدِرُ الْعَيْنُ أَن تَقُولَ لِلْيَدِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ!. أَوِ الرَّأْسُ أَيْضًا لِلرِّجْلَيْنِ: لاَ حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا!. بَلْ بِالأَوْلَى أَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ. وَأَعْضَاءُ الْجَسَدِ الَّتِي نَحْسِبُ أَنَّهَا بِلاَ كَرَامَةٍ نُعْطِيهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَالأَعْضَاءُ الْقَبِيحَةُ فِينَا لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ. وَأَمَّا الْجَمِيلَةُ فِينَا فَلَيْسَ لَهَا احْتِيَاجٌ. لكِنَّ اللهَ مَزَجَ الْجَسَدَ، مُعْطِيًا النَّاقِصَ كَرَامَةً أَفْضَلَ.” يحتاج أعضاء الكنيسة لبعضهم البعض، كما تحتاج أعضاء الجسد البشري بعضها البعض. كذلك فإن الأعضاء القبيحة في الجسد هي مهمة جدًّا ويجب إكرامها فهي من الله الذي خلقها ووضعها في مكانها الضروري في الجسد. أي أنّه في الكنيسة لا يوجد تفضيل أو تمييز إخوة أو أخوات عن غيرهم. فالجميع واحدٌ في الرّب يسوع، كما نقرأ في رسالة غلاطية 26:3-28: “لأَنَّكُمْ جَمِيعًا أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.”

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل كنيستك في العالم أجمع، بالرّغم من كلّ ما تمرّ به من ظروفٍ صعبة. ونسالك أيّها الآب أن تعمل في قلوبِ كثيرين من خدّام ورعايا كنائس كثيرة في العالم، وأن تقودهم إلى قبول بعضهم البعض، وإلى وحدة الإيمان بشخصك القدّوس، ففي الوحدة تتحقّق صلاة الرّب يسوع من أجل كنيسته، وتصبح شهادة حيّة وعظيمة لشخص الرّب يسوع. باسم يسوع نصلّي. آمين.

سؤال: برأيك، ما الّذي يعمل ضد وحدة الكنيسة؟ وما الّذي على المؤمنين عمله لتحقيق وحدتهم؟

ب. مواهب ومراكز في الكنيسة 25:12-31

الآية 25: “لِكَيْ لاَ يَكُونَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَسَدِ، بَلْ تَهْتَمُّ الأَعْضَاءُ اهْتِمَامًا وَاحِدًا بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.” لدينا هنا دعوة إلى وحدة الكنيسة ونبذ الإنشقاق، والإهتمام المتبادل في الكنيسة لدرجة التّألم والفرح معًا كما جاء في الآية 26: “فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ الأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ.” يجب أن تعمل جميع المواهب التي يعطيها الله بالرّوح القدس للكنيسة معاً وبروح الوحدة والمحبة. ففي الوحدة يوجد قوة. فحتى الأشرار يعرفون معنى القوة في الوحدة، فكم بالحري يجب أن تكون الكنيسة موحدة في ممارسة المواهب المختلفة. وفي الوحدة استجابة لصلاة ودعوة الرب يسوع له المجد الذي يقول: “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي. وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. (يوحنّا 21:17-22).  

عندما يتّحد المؤمنون، يعمل الله بقوة من خلالهم بالرّغم من التنوع الموجود في هذه الوحدة. فوحدة الكنيسة هي مصدر قوة الكنيسة، ولكن هذه القوة يجب أن تقترن بالمحبة، لأن القوة بدون محبة تكون مدمرة. كذلك مواهب الرّوح القدس بدون محبة لا قيمة لها، لذلك يصف بولس الرسول المحبة بأنها طريقاً أفضل كما نقرأ في الآية 31: “وَلَكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأَيْضاً أُرِيكُمْ طَرِيقاً أَفْضَلَ”.

الآيات 27-28: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَادًا. فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُوَّاتٍ، وَبَعْدَ ذلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَانًا، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ.” يتحدث بولس الرَّسول في هذه الآيات عن وحدة الكنيسة روحيًا، وأن كل عضو له دوره في الكنيسة. واختار الله من أولئك الأعضاء قادة وأصحاب مراكز في الكنيسة. ولتوضيح ذلك، يقدم بولس الرَّسول قائمة ببعض المراكز أو المناصب في الكنيسة، وبعض المواهب الرّوحيَّة.

المراكز الثلاثة الأولى، أي الرسل والأنبياء والمعلمون، هي مراكز مهمة جدًا في الكنيسة وخدمتها (أنظر أفسس 11:4 وقارن مع رومية 6:12-7). بعد ذكر المراكز المهمة في الكنيسة، توجد وقفة أو عبارة اعتراضية ” وَبَعْدَ ذلِكَ” وذلك قبل ذكر مواهب معينة معطاة لأشخاص كثيرين في الكنيسة، وهذه المواهب هي: مواهب شفاء، وموهبة مساعدة الآخرين (أعوانًا) من مرضى وفقراء ومحتاجين، وموهبة حسن الإدارة والقدرة على تدبير أمور الكنيسة، وموهبة التكلم بألسنة.

1. الرسل: يقوم الرسول بكل الخدمات الأخرى في النبوة والتبشير والرعاية والتعليم، فهو المبادر والقائد، يلامس الجميع بحرية ويعمل مع الجميع، ولكنه يبقى الأساس في انتشار الإنجيل. وقد انتهى عهد الرّسل برقاد الرّسول يوحنّا بن زَبْدي.

2. الأنبياء: يؤشر النّبي إلى مواقع الضعف ومواقع الخطأ، ويدل الكنيسة على الاتجاه الصحيح. فالنبي لا يقود ولكنه يؤشر ويبين.

3. الرعاة المعلّمين: يرتبط الرّعاة بالكنيسة، ويجب أن يكونوا معلّمين لكلمة الله. فالرّاعي يحب الأعضاء ويهتم بهم ويعظهم ويعلّمهم، ويحاول مساعدتهم بشتى الطرق الممكنة. فالرّاعي الحقيقي والمدعو من الله هو الذي يهتم بأحوال الرعية باستمرار. أي أنّه يهتم بالتفاصيل، ويبين أهمية كل شيء، وحتى أبسط الأشياء. فلا يترك شيئاً إلا وينقب عنه في الكلمة ليعلّمه للكنيسة.

الآيات 29-30: “أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُوَّاتٍ؟ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ الْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ.” يؤكد بولس الرَّسول مرة أخرى أن الله يعطى مواهب مختلفة للأعضاء المختلفين في الكنيسة.

نقرأ في الإصحاح الثّاني من سفر أعمال الرّسل عن يوم الخمسين، أو يوم العنصرة، وكيف أنّه بعد حلول الرّوح القدس على التلاميذ، بدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، وواضح من الآية في أعمال الرّسل 6:2 بأن هذه الألسنة كانت لغات مفهومة ومعروفة، حيث نقرأ أن “الْجُمْهُورُ تَحَيَّرُوا لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ.” وفي الآيات 8-11 من نفس الإصحاح لدينا قائمة مفصّلة باللغات التي تكلم بها التلاميذ “نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا: فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ …كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ اللهِ؟” 

كان رد فعل الحاضرين في أوروشليم يومها متضارباً، فمنهم من تحيّر وارتاب، ومنهم من تساءل: ما عسى أن يكون هذا؟ ومنهم من استهزأ وقال بأن التلاميذ كانوا سكارى. بعد ذلك وقف بطرس الرسول يخاطبهم وقال لهم بأن ما جرى كان تتمة لوعد الله بلسان نبيه يوئيل عن انسكاب الرّوح القدس في الأيام الأخيرة. وطبعاً كان هذا إتماماً لنبوة يوحنا المعمدان بأن الرب يسوع سيعمّد الكنيسة بالرّوح القدس، كما وكان إتماماً لوعد الرب يسوع في أعمال 8:1 “لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرّوح الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ”.

الآية 31: “وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الْحُسْنَى. وَأَيْضًا أُرِيكُمْ طَرِيقًا أَفْضَلَ.” يحث بولس الرَّسول الكنيسة هنا أن تسعى إلى أفضل المواهب. وامتلاك المواهب بحد ذاته ليس مهمًا كما هي الطريقة التي يجب أن تمارس بها تلك المواهب. الآية 31 هي مقدمة للإصحاح 13 حيث يتحدث بولس الرَّسول عن المحبّة، والتي هي أفضل الطرق المسيحية التي على المسيحي أن يتحلى بها عند ممارسة مواهبه الرّوحيَّة.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل أنّك دعوت في الماضي، وما تزال تدعو في أيّامنا، رجالًا أنت تعرفهم وتختارهم، لكي يخدموا شخصك القدّوس في العالم والكنيسة. أنت يا رب من يدعو ويعطي المناصب والمراكز لمن تشاء، ولذلك نصلّي من أجل قادة ورعاة الكنائس المحليّة المختلفة والمنتشرة في العالم، سائلين منك يا رب أن تحفظهم وترعاهم وتقودهم لكي يكونوا دائمًا أمناء في خدمتهم. باسم الرّب يسوع نصلّي. آمين.

سؤال: اذكر أهم المواهب والمراكز في خدمة الكنيسة اليوم؟ وما الّذي على المدعوّين لهذه المناصب عمله؟

ت. مركز المحبّة السَّامي 1:13-13

             (القسم الاوّل: الآيات 1-7)

المحبّة هي أسمى طريق للإنسان المسيحي. لذلك فكل خدمة مسيحية، وكل ممارسة للمواهب الروحيَّة، يجب أن تكون بروح المحبّة. وتوجد في العهد الجديد كلمات مختلفة للتعبير عن أنواع المحبّة المختلفة، والكلمة المستخدمة في هذا الإصحاح هي  ἀγάπη (أجابي) والتي تدل على الإرتباط العميق والمحبّة الإلهية بين الآب والإبن، كما جاء في يوحنا 10:15 “إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ.” وأيضًا في يوحنّا 26:17 “وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ.” ومحبة الله لنا في يوحنا الأولى 9:4-10 “بِهذَا أُظْهِرَتْ مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ اللهَ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. فِي هذَا هِيَ المحبّة: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا.” وأيضًا لوصف علاقة المحبّة بين المؤمنين، كما جاء في يوحنا 34:13-35 “وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ.”

الآية 1: “إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النّاس وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ.” تعني عبارة “ِأَلْسِنَةِ النّاس وَالْمَلاَئِكَةِ” جميع اللغات المختلفة التي يتكلمها النّاس والملائكة. وقوله: “نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ” يشير إلى الأدوات الموسيقية بشكلٍ عام، وخصوصًا الّتي كانت تستخدم في العبادة في الهيكل. نقرأ في صموئيل الثاني 5:6: “وَدَاوُدُ وَكُلُّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ يَلْعَبُونَ أَمَامَ الرّب بِكُلِّ أَنْوَاعِ الآلاَتِ مِنْ خَشَبِ السَّرْوِ، بِالْعِيدَانِ وَبِالرّبابِ وَبِالدُّفُوفِ وَبِالْجُنُوكِ وَبِالصُّنُوجِ”، وكذلك في أخبار الأيام الأول 8:13: “وَدَاوُدُ وَكُلُّ إِسْرَائِيلَ يَلْعَبُونَ أَمَامَ اللهِ بِكُلِّ عِزّ وَبِأَغَانِيَّ وَعِيدَانٍ وَرَبَابٍ وَدُفُوفٍ وَصُنُوجٍ وَأَبْوَاق”، وفي مزمور 5:150: “سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ التَّصْوِيتِ. سَبِّحُوهُ بِصُنُوجِ الْهُتَافِ. كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ الرّب. هَلِّلُويَا”.

الآيات 2-3: “وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا.” يحذر بولس الرَّسول الكنيسة بقوله أن إمتلاك مواهب عديدة، وعمل الخير بكثرة، ولكن بدون محبَّة، هو كلا شيء وبلا فائدة. وهذه المواهب تشمل: النبوة، والعلم بجميع الأسرار، وهذه إشارة إلى معرفة حكمة الله في عمل الفداء. والعلم، والإيمان، والمقصود هنا ليس إيمان الخلاص، بل الإيمان لعمل المعجزات مثل نقل الجبال. والعطاء، مثل إطعام الفقراء. والشهادة، أي الموت من أجل الله والإنجيل.

الآيات 4-7: “المحبّة تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. المحبّة لاَ تَحْسِدُ. المحبّة لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.” يدلّ مضمون رسالة بولس الرّسول على أنّ كنيسة كورنثوس كانت تعاني من مشاكل كثيرة بين الإخوة والأخوات، وأنّه كان بينهم خلاف وخصام ونزاع. وكذلك كانت بينهم شكوك وغيرة وحسد وحتّى كراهيّة. وكانوا يطلقون احكامًا قاسية بحقّ بعضهم البعض، ويستخدمون ألقابًا ونعوتًا غير لائقة. كذلك كان بينهم أعضاء متكبّرين ومتفاخرين على غيرهم، وحتّى وجود أشخاصٍ يشكّكون بوجود الله. لذلك قاد الرّوح القدس بولس الرّسول، وبعد أن أنهى حديثه عن المواهب الرّوحيّة، إلى الكتابة عن المحبّة، وذلك لأنّ ممارسة المواهب الرّوحيّة لا يعني شيئًا إن لم تكن المحبّة هي الأساس، وهي السّائدة بين الإخوة والأخوات في كنيسة الرّب يسوع. ونلاحظ بأنّ بولس الرّسول قد استخدم صيغةٍ إيجابية وكذلك سلبية في وصف المحبّة. فمن ناحية إيجابية، نجد بأنّ المحبّة: تتأنى وترفق. وتفرح بالحق. وتحتمل كل شيء. وتصدق كل شيء. وترجو كل شيء. وتصبر على كل شيء. ومن ناحية سلبية فإن المحبّة: لا تحسد. ولا تتفاخر. ولا تنتفخ. ولا تُقبِّح. ولا تطلب ما لنفسها. ولا تحتد. ولا تظُن السوء. ولا تفرح بالإثم.

يعدّد بولس الرّسول هنا صفاتٍ للمحبَّة المسيحية وكأنّه يتحدّث عن صفاتِ إنسانٍ أنعم الله عليه بهذه الفضيلة الرّائعة. أي أنّ طبيعة المحبّة تصبح طبيعة الإنسان المحب لله وللنّاس، وتجعل منه صبورًا على غيره من النّاس، وتمنحه القوّة ليتحمّل ضعفات وجهل واخطاء الآخرين، ولا يكون هذا التّحمل لمرّةٍ واحدة فقط، بل يصبح صفةً ملازمة لللإنسان المحب، وبهذه المحبّة يستطيع الإنسان المحب أن يغلب الشّر الّذي في العالم.

يتميّز الإنسان المحب بالتّواضع والّلطف، ولا يحسد غيره من النّاس، ولا يدين أو يعاير النّاس، ويتعامل مع الجميع بطريقة مسالمة، ولا يلجأ للعنف مع أحد. كذلك يتّصف الإنسان المحب بالكرم والشّهامة، ولا يعرف الأنانيّة، ويطلب الخير لغيره، ولا يفكّر أو يظّن بالسّوء أو بشكلٍ سلبي في غيره من النّاس. ويرفض الخصام والمشاكل مع النّاس، ولا يفرح بأيّ شكلٍ من أشكال الخطيّة أو الإثم، بل يفرح بكلّ ما هو حقٌّ وطاهرّ ومقدّس.

صلاة: نشكرك أيّها الىب السّماوي على نعمة المحبّة الّتي زرعتها في قلب كل من يؤمن بشخص الرّب يسوع المسيح. لذلك نصلّي إليك ايّها السّيد أن تقوّينا أكثر واكثر في محبّتك ومحبّة جميع النّاس، وأن تعطينا القوّة بالرّوح القدس أن نخرج للعالم، ونزرع بذور المحبّة بين النّاس، خصوصًا في هذه الأيّام الصّعبة الّتي ازدادت فيها الكراهيّة والعداوة ورفض النّاس لبعضهم البعض. ساعدنا يا رب أن نجسّد محبّتك لكل النّاس، وأن نكون شهود أمناء لخلاصك العجيب. باسم الرّب يسوع نصلّي، آمين.

سؤال: عدّد صفات المحبّة الحقيقيّة؟ وكيف نستطيع إظهارها للعالم؟

مركز المحبّة السَّامي 1:13-13

     (القسم الثاني: الآيات 8-13)

الآيات 8-10: “المحبّة لاَ تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا النُّبُوَّاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. وَلكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ.” يعلن بولس الرّسول هنا حقيقة مفرحة عن المحبّة، ألا وهي خلود المحبّة، أي بقاؤها إلى الأبد. نقرا في رسالة يوحنّا الأولى 16:4: “اَللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ.” الله أزلي، والله محبّة، أي أنّ المحبّة خالدة وستبقى إلى الأبد لانها طبيعة الله الّذي كلّه محبّة.

نستطيع أن نستنتج من كلام بولس الرّسول بأنّ الإخوة والأخوات في كنيسة كورنثوس، كانوا يعطون مواهب الالسنة والنّبوات والمعرفة مكانة وأهميّة كبيرة في حياة الكنيسة. ولذلك عمل بولس الرّسول على تصحيح هذا الموقف والفكر الخاطىء، وأخبرهم بأنّ المحبّة ستبقى ولن تسقط ابدًا، ولكن مواهب النّبوات والتّكلم بألسنة والعلم سوف تبطل، أي لن يعود لها وجود. والفعل اليوناني الّذي يستخدمه بولس الرّسول هنا هو καταργηθήσεται (كاتارجيثيتاي) وهو بصيغة تدلّ على فعل مستقبلي مبني للمجهول، وجذره فعل καταργέω (كاتارجيو) ويعني يحيّد، أو يلغي، أو يبطل، أو يقطع، أو ينهي. وهذه الصّيغة المستقبليّة للفعل لا يمكن معرفة زمن وقوعها، أي أنّنا لا نعرف إن كان بولس الرّسول يتحدّث عن زمن مستقبلي قريب أو بعيد الحدوث. وبالتّالي لا يمكن القول بأنّ هذه المواهب قد انتهت بنهاية عصر الرّسل، أو في العصور المسيحيّة الأولى. كذلك علينا أن نتذكّر بأن الرّوح القدس ما يزال يعمل حتّى اليوم، وهو الّذي يعطي المواهب لأشخاصٍ في الكنيسة لبنيان جسد المسيح. وأهمّ شيء علينا أن نتذكره بأنّ هذه المواهب ستُقطع أو ستبطُل، أي أنّ مصيرها التّوقف عن الوجود، بعكس المحبّة الّتي ستبقى خالدة إلى الأبد.

يؤكد بولس الرّسول هنا أيضًا على حقيقة محدوديّة أو قلة المعرفة الّتي نعرفها كمؤمنين، أو معرفة البشريّة بشكلٍ عام. أي أنّ ما يعرفه البشر ناقص وجزئي ومتغيّر، وسيبقى كذلك إلى يوم مجيء “الكامل”، والكلمة اليونانيّة هيτέλειος  (تيليوس) وتعني كامل، أو تام، أو وافي، أو ناضج، ويسبقها كلمة τὸ الّتي تدلّ على شيء وليس على شخص. فالكامل هنا لا يعني الرب يسوع، بل أنّ الكلمة تشير إلى حالة أو شيء او زمن أو كينونة، وبالتّالي لا يستطيع احدٌ من النّاس أن يعرف بالضّبط ما الّذي قصده بولس الرّسول بالكلمة.

تشير كلمة “الكامل” إلى أنّ كل شيءٍ ناقصٍ ومحدود، سوف يكتمل في يومٍ من الأيّام. وبأنّنا في السّماء سنصبح في حالة الكمال المطلق. أي ما كان ناقصًا وجزئيًّا سوف يكتمل. فكل ظواهر الضّعف والجهل، ومحدوديّة المعرفة والقدرة، سوف تنتهي. ففي السّماء سيصبح كلّ شيءٍ منير وواضح وجلي، وسنعرف الله وأسرار ملكوت السّماوات بشكلٍ كامل، وستنتهي المعرفة النّاقصة والجزئيّة لأنّها ستكتمل.

الآية 11: “لَمَّا كُنْتُ طِفْلًا كَطِفْل كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْل كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلًا أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ.” المقارنة بين معرفة الطفل والرجل وهي إشارة إلى النمو والنّضوج في الحياة الآن على الأرض. كذلك هي مقارنة بين معرفتنا الآن ومعرفتنا اللاحقة في السَّماء. ونجد هنا أنّ بولس الرّسول قد استخدم ثلاثة أفعال في الحديث عن الطّفولة:

  • أتكلًم: والفعل في الأصل اليوناني هو λαλέω (لالِوو) وتعني: يقول ، أو ينطق، أو يحكي، أو يتكلّم. عادة يردّد الطفل كلمات يسمعها من الّذين حوله، ويتكلّم بألفاظٍ تنحصر في حاجاته البسيطة، وعن أمور تنبع من خيال خصب يتصور أشياء لا وجود لها. بعكس كبير السّن الذي يتكلم في أمور الدراسة والعمل والسّياسة والاقتصاد والجنس والمال والدّين والرّياضة والفن.
  • أفطن: والفعل اليوناني هو φρονέω (فرونيو)، ويعني: يفكر، أو يلاحظ، أو يحكم، أو يستوعب. ولو سالنا انفسنا: بماذا يفكر الاطفال؟ فإنّ الجواب بكل بساطة هو أنّهم يفكّرون باللّعب، والهدايا. فما يهمهم هو الرّعاية والإهتمام من الاهل، وينظرون إلى العالم بأنه كبير وجميل ومليء بالمرح.
  • أفتكر: والفعل اليوناني هو λογίζομαι (لوجِزوماي) ويعني: يفكر، أو يجادل، أو يحسب، أو يبرهن. ومن هذا الفعل اليوناني جاءت كلمة logic (لوجيك) وتعني “منطق”. أي ان بولس الرّسول يكتب عن الفرق بين منطق الطفولة البسيط والسّاذج، ومنطق الإنسان النّاضج الّذي يفحص كلّ شيء، ويوازن ويمتحن الأمور قبل الحكم عليها.

لقد كتب بولس الرسول بلسان حال كل انسان اختبر واكتشف طبيعة الأشياء. لقد كتب بلسان من عاش وعرف الكثير عن حقيقة ما يجري في الحياة. وهو هنا يعبر عن انتقاله من وضع المتدًين المتعصب، إلى حياة المؤمن النّاضج. كذلك كتب بلسان حال من تغيّر وانتقل من حياة الكراهية والرّفض ومحاولة قتل المختلف عنه في الدّين والعقيدة، إلى حياة الحب والتّضحية من أجل كل النّاس، بغض النّظر عن ايمانهم وطريقة حياتهم. لقد انتقل بولس من حالة الفرّيسي المتديّن، إلى المسيحي المحب، وكتب هذه الكلمات عن الفرق بين الطفل والرّجل، وذلك راسًا في نهاية نشيد المحبّة الخالد.

في مرحلة الرّجولة، تتحطّم معظم صور البراءة والطّيبة، ويصبح الرّجل الصّادق والمحبّ للرّب يسوع، يفتش عن الجمال الصادق والأصيل، لأنّه يصبح يرى الكثير من المزيف والمؤقّت والمصنّع. الإنسان النّاضج يعرف يقينًا بأن معظم ما يسمعه من وسائل الاعلام ورجال الدّين والسّياسة، وحتَى من مثقّفين وكتّاب ممّن يطلق عليهم لقب مفكّرين، ما هو إلّا كذب وخداع ودعاية باطلة وتزوير.

الآية 12: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.” نجد هنا مقارنة بين النظر إلى الرّب من خلال مرآة مصنوعة بشكلٍ فظٍ ولا تُعطي إنعكاسًا واضحًا للصورة، أي مرآة من القرن الميلادي الأول حيث لم تكن الصورة بها واضحة، وبين رؤية الرّب وجهًا لوجه. نقرأ في تكويين 30:32: “فَدَعَا يَعْقُوبُ اسْمَ الْمَكَانِ “فَنِيئِيلَ” قَائِلًا: لأَنِّي نَظَرْتُ اللهَ وَجْهًا لِوَجْهٍ، وَنُجِّيَتْ نَفْسِي.” وفي سفر عدد 8:12 “فَمًا إِلَى فَمٍ وَعَيَانًا أَتَكَلَّمُ مَعَهُ، لاَ بِالأَلْغَازِ. وَشِبْهَ الرّب يُعَايِنُ. فَلِمَاذَا لاَ تَخْشَيَانِ أَنْ تَتَكَلَّمَا عَلَى عَبْدِي مُوسَى”. وفي رسالة كورنثوس الثانية 18:3″وَنَحْنُ جَمِيعًا نَاظِرِينَ مَجْدَ الرّب بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا في مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرّب الرُّوحِ.” نحن نعرف الآن بعض الأشياء بواسطة كلمة الله، ولكن سنعرف بشكلٍ كاملٍ في محضر الرّب. فكلّ ما نراه في العالم اليوم هو صورة للحقيقة، أي أنّنا كمن ينظر في مرآة، ولا نرى الحقيقة الكاملة والرّائعة، ولكنّنا حتمًا سنراها وسنعرفها وسنختبرها في قادم الأيّام.

الآية 13: “أَمَّا الآنَ فَيَثْبُتُ الإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالمحبّة، هذِهِ الثَّلاَثَةُ وَلكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ المحبّة.” لا تشير كلمة “الآن” إلى لحظة زمنيّة معيّنة، بل إلى حقيقة قائمة يجب الإقرار بها، ألا وهي ثبات الإيمان والرجاء والمحبّة، وهذا الثبات سيكون إلى الأبد. فالحياة المسيحيّة تقوم على أساس الإيمان بالله وبكلامه وبتجسّده في شخص الرّب يسوع، وعمله على الصّليب من أجل خلاص العالم. وتقوم على الرّجاء بالحياة الابديّة. والمحبّة الابدية الّتي في قلب الله للبشر، هذه المحبّة الّتي يسكبها الله في قلوب المؤمنين به في كلّ العصور. حتّى في اليوم الاخير، عندما سنرى الرّب يسوع وجهًا لوجه، سيبقى إيماننا وثقتنا به. فالعيان لا يلغي أو ينفي الإيمان. وبنفس المعنى سيدوم رجاؤنا حتّى ونحن نعيش الابديّة مع الله، وستبقى محبّتنا لله وللإخوة والأخوات ما بقيت الحياة، أي بلا نهاية، ألى أبد الآبدين.

يتحدث بولس الرَّسول عن إيمان ورجاء ومحبة أبدية ومستمرة. ويشدّد على أن المحبّة هي أعظم المواهب، حيث تربط الإنسان بربه وبأخيه الإنسان. فالمحبّة هي الطريق التي نحصل بها على نعمة الله، وبها نُعرف كأولاد الله، كما جاء في يوحنا 34:13-35 “وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ: أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ.”

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على كل نعمة وهبتنا إيّاها في المسيح يسوع، وبشكلٍ خاص نعمة المحبّة الغنيّة وغير المحدودة والأبديّة، والّتي تجسّدت في أبهى صورها على صليب الجلجثة عندما قدّم الرّب يسوع حياته قربانًا لخلاصنا. كما ونشكرك يا رب من أجل كل المواهب والعطايا، ومن أجل الرّجاء الحي الّذي ملات به قلوبنا. ساعدنا يا رب أن نعيش ونجسّد محبتك لجميع النّاس في كلامنا واعمالنا وشهادتنا لشخصك المجيد. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هو “الكامل” الّذي ذكره بولس الرّسول؟ وما هي أعظم نعمة لدينا من الله؟

ث. أولوية التنبؤ على الألسنة، وقواعد استخدام كليهما 1:14-25

بعد التشديد على ضرورة ممارسة المواهب الروحيَّة المختلفة بروح المحبّة، ينتقل بولس الرَّسول هنا ليتحدث عن موهبتي النبوة والتكلم بألسنة، موضحًا أن التنبؤ أفضل من الألسنة لأنه يبني الكنيسة. في حين أن التكلم بألسنة، وبدون ترجمة، لا يخدم إلاَّ من يتكلم باللسان كما نقرأ في الآيات 5 و 13.

الآية 1: “اِتْبَعُوا المحبّة، وَلكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، وَبِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا.” يجب أن يرافق الإجتهاد للحصول على المواهب الرّوحيّة محبة قوية. والموهبة الأهم والأولى هي النبوة، أي ما يمكن ان يتفوّه به راعي الكنيسة او الواعظ من كلام أو إعلان يربط فيه كلمة الله مع واقع الحياة، وما يمكن أن يحدث، ودور الكنيسة في العمل والتّجاوب مع هذا الإعلان.

الآيات 2-4: “لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لاَ يُكَلِّمُ النّاس بَلِ اللهَ، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ، وَلكِنَّهُ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ بِأَسْرَارٍ. وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ، فَيُكَلِّمُ النّاس بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ. مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ، وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي الْكَنِيسَةَ.” عند التكلم بألسنة، فإن الإنسان يتكلم مع الله فقط، فروح ذلك الإنسان تخاطب ربها دون أن يفهم الآخرين. ولكن عند التنبؤ، فإن المتكلم يبني الكنيسة بعكس المتكلم بألسنة الذي يبني نفسه فقط.

الآية 5: “إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، وَلكِنْ بِالأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا. لأَنَّ مَنْ يَتَنَبَّأُ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ، إِلاَّ إِذَا تَرْجَمَ، حَتَّى تَنَالَ الْكَنِيسَةُ بُنْيَانًا.” مرة أخرى نجد أولوية التنبؤ على التكلم بألسنة، ولكن التكلم بألسنة أيضًا يكون نافعًا لبنيان الكنيسة، ويريد بولس الرَّسول أن تمارسه الكنيسة ككل بشرط وجود ترجمة.

الآيات من 6-13: “فَالآنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ مُتَكَلِّمًا بِأَلْسِنَةٍ، فَمَاذَا أَنْفَعُكُمْ، إِنْ لَمْ أُكَلِّمْكُمْ إِمَّا بِإِعْلاَنٍ، أَوْ بِعِلْمٍ، أَوْ بِنُبُوَّةٍ، أَوْ بِتَعْلِيمٍ؟ اَلأَشْيَاءُ الْعَادِمَةُ النُّفُوسِ الَّتِي تُعْطِي صَوْتًا: مِزْمَارٌ أَوْ قِيثَارَةٌ، مَعَ ذلِكَ إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقًا لِلنَّغَمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا زُمِّرَ أَوْ مَا عُزِفَ بِهِ؟ فَإِنَّهُ إِنْ أَعْطَى الْبُوقُ أَيْضًا صَوْتًا غَيْرَ وَاضِحٍ، فَمَنْ يَتَهَيَّأُ لِلْقِتَالِ؟ هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تُعْطُوا بِاللِّسَانِ كَلاَمًا يُفْهَمُ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا تُكُلِّمَ بِهِ؟ فَإِنَّكُمْ تَكُونُونَ تَتَكَلَّمُونَ فِي الْهَوَاءِ! رُبَّمَا تَكُونُ أَنْوَاعُ لُغَاتٍ هذَا عَدَدُهَا فِي الْعَالَمِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِلاَ مَعْنىً. فَإِنْ كُنْتُ لاَ أَعْرِفُ قُوَّةَ اللُّغَةِ أَكُونُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ أَعْجَمِيًّا، وَالْمُتَكَلِّمُ أَعْجَمِيًّا عِنْدِي. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ، اطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا. لِذلِكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ.” المعنى الإجمالي لهذه الآيات هو: ليس الصوت المسموع هو المهم، ولكن ما يفهمه السامعون من الأصوات والكلام هو المهم. ولذلك فهو يشدد على أهمية فهم اللغة عند التكلم بألسنة، مما يساعد في بنيان الكنيسة. ولتوضيح كلامهن أعطى بولس امثلة من الحياة العمليّة، مثل تمييز نغمات الالات الموسيقيّة عند العزف، أو فهم الرّسالة الّتي يريد من يضرب البوق، أي حارس المدينة، إيصالها إلى المواطنينن وخصوصًا رسالة الإستعداد لمقاومة العدو ومحاربته عند هجومه على حياتهم ومدينتهم.

الآية 14: “لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ، فَرُوحِي تُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلاَ ثَمَرٍ.” يدور الحديث هنا عن التكلم بألسنة، وكيف أنه يتم بالروح، وبأن العقل لا يشارك في البركات التي تحصل عليها الروّح.

الآيات 15-17: “فَمَا هُوَ إِذًا؟ أُصَلِّي بِالرُّوحِ، وَأُصَلِّي بِالذِّهْنِ أَيْضًا. أُرَتِّلُ بِالرُّوحِ، وَأُرَتِّلُ بِالذِّهْنِ أَيْضًا. وَإِلاَّ فَإِنْ بَارَكْتَ بِالرُّوحِ، فَالَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ الْعَامِّيِّ، كَيْفَ يَقُولُ “آمِينَ” عِنْدَ شُكْرِكَ؟ لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَاذَا تَقُولُ! فَإِنَّكَ أَنْتَ تَشْكُرُ حَسَنًا، وَلكِنَّ الآخَرَ لاَ يُبْنَى.” التسبيح والصلاة والترتيل بالروح والعقل هي عناصر من العبادة المسيحية. قول بولس “الَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ الْعَامِّيِّ” يدلّ على الشخص الذي لا يفهم اللغات، أو الشخص الباحث عن معنى الإيمان المسيحي. مثل هذا الإنسان لا يوافق على الصلاة المرفوعة بلغة غريبة بكلمة آمين، وذلك لأنه لا يفهمها، فالمتكلم بلسانٍ يفعل حسنًا، ولكن ذلك لا يبني الآخرين.

الآيات 18-19: “أَشْكُرُ إِلهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ. وَلكِنْ، فِي كَنِيسَةٍ، أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضًا، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلاَفِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ.” يقول بولس الرَّسول  هنا أنه يتكلم بألسنة أكثر من جميع المؤمنين في كنيسة كورنثوس، ولكنه مع ذلك يفضل قول كلمات قليلة بعقله، أي كلمات مفهومة تساعد في نمو الكنيسة، على التكلم كثيرًا بلسانٍ أو بلغّة لا يفهما الغخوة والاخوات في الكنيسة.

الآيات 20-25: “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ. مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ: إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هذَا الشَّعْبَ، وَلاَ هكَذَا يَسْمَعُونَ لِي، يَقُولُ الرّب. إِذًا الأَلْسِنَةُ آيَةٌ، لاَ لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ. أَمَّا النُّبُوَّةُ فَلَيْسَتْ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ الْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلاَ يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟ وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ، فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُوَبَّخُ مِنَ الْجَمِيعِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْجَمِيعِ. وَهكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً. وَهكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ ِللهِ، مُنَادِيًا: أَنَّ اللهَ بِالْحَقِيقَةِ فِيكُمْ.” يقول بولس الرَّسول في هذه الآيات أن التنبؤ أعظم من التكلم بألسنة، فمع أن التكلم بألسنة يؤثر في غير المؤمنين كما نقرأ في الإصحاح الثاني من سفر أعمال الرسل، إذ أنها تشير إلى حضور الله وعمله في قيادة النّاس إلى حق السَّماء وقبول المسيح. إلاَّ أن النبوات تعمل بفاعلية أكبر من أجل إحضار الخاطئ إلى الشعور بالذنب والتأنيب على خطاياه وبالتالي الإقرار بها، وقد تم هذا أيضًا في أعمال الرسل 2، حيث آمن الكثيرون بعد وعظة بطرس الشهيرة (أعمال الرسل 14:2-37).

صلاة: نصلّي إليك ايّها الآب السّماوي بروح الشّكر والخضوع لشخصك القدّوس، ونسالك يا رب ان تبارك اجتماعات كنيستك في العالم أجمع، وأن يكون روحك القدّوس هو القائد والمرشد والموجّه في كلّ ما يقال ويجري في هذه الإجتماعات، حتّى تكون سبب بركة ونمو وخلاص وتمجيد لشخصك القدّوس. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. أمين.

سؤال: لماذا تعتبر موهبة النّبوة أهم من الألسنة اثناء اجتماع الكنيسة للعبادة؟

ج. ضبط التّكلم بألسنة والتّنبؤ 26:14-33.

الآية 26: “فَمَا هُوَ إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ؟ مَتَى اجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ، لَهُ تَعْلِيمٌ، لَهُ لِسَانٌ، لَهُ إِعْلاَنٌ، لَهُ تَرْجَمَةٌ. فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَانِ.” يتحدث بولس الرَّسول هنا عن السلوك خلال العبادة الكنسية، حيث يؤكد على أنه يجب أن تساعد جميع مراحل العبادة في البناء والتنوير والتهذيب. فكل من التنبؤ والتكلم بألسنة وغيرها من المواهب يجب أن تمارس بشكلٍ منظم ومرتب وبلا تشويش.

يوجد في قول بولس الرّسول “مَتَى اجْتَمَعْتُمْ” إشارة إلى ضرورة التقيُّد بالتعليمات الواردة في الآيات من 26-40. ونستنتج من هذا التّعليم أن قراءة المزامير وتعليم الكتاب المقدّس والترانيم هي أقسامٌ من العبادة المسيحية في اجتماعات الكنيسة. نلاحظ أيضًا أن المواهب المتنوعة موزعة بين أفراد الكنيسة المختلفين، وهذه إشارة إلى تعدد الأعضاء في الجسد الواحد.

الآية 27: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ، فَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى الأَكْثَرِ ثَلاَثَةً ثَلاَثَةً، وَبِتَرْتِيبٍ، وَلْيُتَرْجِمْ وَاحِدٌ.” عند التكلم بألسنة، يجب أن يكون هنالك نظامٌ، بحيث يتكلم إثنين أو ثلاثة في المرة الواحدة، وبترتيب مع وجود من يترجم. ولكن في الآية 28: “إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ فِي الْكَنِيسَةِ، وَلْيُكَلِّمْ نَفْسَهُ وَاللهَ.” إن لم يكن هنالك شخص لديه موهبة ترجمة اللّغات، فإن على المتكلم أن يلتزم بالصمت، ويكلم نفسه والله فقط.

الآيات 29-33 أ: “أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلْيَتَكَلَّمِ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، وَلْيَحْكُمِ الآخَرُونَ. وَلكِنْ إِنْ أُعْلِنَ لآخَرَ جَالِسٍ فَلْيَسْكُتِ الأَوَّلُ. لأَنَّكُمْ تَقْدِرُونَ جَمِيعُكُمْ أَنْ تَتَنَبَّأُوا وَاحِدًا وَاحِدًا، لِيَتَعَلَّمَ الْجَمِيعُ وَيَتَعَزَّى الْجَمِيعُ. وَأَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ خَاضِعَةٌ لِلأَنْبِيَاءِ. لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ.” ينتقل بولس الرّسول هنا إلى الحديث عن التنبؤ في الكنيسة، ويقول بأنّه يمكن لإثنين أو ثلاثة أن يتنبأوا خلال اجتماع الكنيسة، وذلك حتى لا يقال الكثير مما يسبب تشويشًا في العبادة. تشير النبوة هنا إلى إعلان من السَّماء، أو تعليم خاص وعميق ولكنه ليس وحيًا جديدًا. وهذا الإعلان السماوي، كما في الآية 30، يجب أن يستمع إليه الحضور، وحتى لو أعطاه الله لشخصٍ جالس، أي غير مستعدٍ للكلام.

تشير عبارة “أَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ” في الآية 32 إلى أرواح الأشخاص الموجودين لحظة العبادة، والذين أعطاهم الرّوح القدس نبواتٍ ليتكلموا بها. أي أن الآية لا تتحدث عن أنبياء الله في العهد القديم، بل عن مؤمنين لديهم موهبة النبوة المعطاة من الرّوح القدس من أجل بنيان الكنيسة. لاحظ هنا أن النبوات التي تُعلن في الكنيسة يجب أن تخضع للفَحص بواسطة أشخاص آخرين موهوبين في الكنيسة، وذلك للتأكد من صحة ما يقولون ولمطابقته للعقيدة الصّحيحة الموحى بها من الله في الكتاب المقدّس. كل هذه الخطوات تقود إلى السّلام والنِّظام، لأن الله نفسه إله سلام وليس إله تشويش واضطراب وفوضى.

الآية 33. ب: يعلن بولس الرّسول هنا حقيقة مجيدة في قوله: “كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ.” وأصل هذه العبارة في اللّغة اليونانية هو:  Ὡς ἐν πάσαις ταῖς ἐκκλησίαις τῶν ἁγίων (أوس إن باسيايس إكليسياس تون هَجيون)، ولا ترد هذه العبارة في أي مكان آخر في العهد الجديد، وفيها تشديد على أن الكنيسة هي مسكونية أو عالمية، وعلى أن الكنيسة تتكون من مؤمنين قديسين. كذلك تدل العبارة على أن الكنيسة العالمية يجب أن تحكمها نفس المبادئ الروحيَّة الموحودة في كلّ كنيسة محليّة في حارة أو قرية أو مدينة.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل كلمتك المقدّسة والنّافعة للتّعليم والتّهذيب والتّقويم. أنت يا رب اله سلام ونظام وترتيب، وتريد من شعبك أن يكونوا في حالة سلام وتناغم وانسجام، وخصوصًا عند اجتماعهم لعبادة شخصك القدّوس. ساعدنا يا رب ان نعمل ونصلي بحسب مشيئتك وبقيادة روحك القدّوس. باسم الرّب يسوع نصلّي. آمين.

سؤال: ماذا يجب على الكنيسة عمله عند إعلان نبوّة أثناء اجتماعها للصّلاة؟

ح. عبادة النّساء في الكنيسة 34:14-40.

الآيات 34-35: “لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ.” يعتبر قول بولس الرّسول: “لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ” من التعاليم الصّعبة في العهد الجديد، والتي تختلف آراء النّاس في فهمها تفسيرها. ومن التفاسير المحتملة والمنتشرة بين مدارس التّفسير لهذه الآية، أذكر هنا خمسة احتمالات:

1. إن الوصيَّة هي قاطعة وشاملة ومطلقة، وبالتّالي فعلى النّساء أن تصمتْ نهائيًا في الكنائس.

2. عند كتابة الرسالة، كانت النساء اللواتي يُسمح لهن بالحديث في الإجتماعات العامة، أي ليس في اجتماعات الكنيسة، هن فقط النساء اليونانيات الزّانيات، وبالتالي فإن بولس الرَّسول لا يريد من النساء المسيحيات أن يتشبهن بالنساء اليونانيات الزانيات، وذلك بأن لا يتحدثن في الإجتماعات العامة، بما في ذلك اجتماع الكنيسة للعبادة. ولكن هذا التفسير يثير مشكلتين كبيرتين:

  • ماذا بخصوص قول بولس الرَّسول : ” كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ” (آية 33)؟ فهل وجدت نساء زانيات في كل أماكن تواجد الكنيسة في العالم؟ وهل كانت تلك النّسوة تتكلم في الإجتماعات العامة؟
  • هل الوصيَّة إذًا محددة زمنيًا بالسنوات التي كُتبت بها الرسالة أم مستمرة إلى يومنا هذا؟ بكلمات أخرى: هل إنعدام ظاهرة حديث النساء الزّانيات في الإجتماعات العامة ينهي مفعول هذه الوصيَّة؟ وبالتالي يُسمح للنساء المسيحيات أن يتكلمن في الكنائس؟.

3. البعض يقول أن المقصود هنا هو عدم إثارة الأسئلة والنقاش في موضوع التكلم بألسنة والنبوات، وأن على النساء أن يسألن أزواجهن في البيت عن الموضوع، وأن يصمتن في الكنائس للحفاظ على النظام. ولكن هذا التفسير فيه إقحام ويتعارض مع تعليم بولس الرَّسول العام عن خضوع المرأة للرجل كما في الآية 34.

4. في كورنثوس الأولى 5:11 يقول بولس الرَّسول “وَأَمَّا كُلُّ امْرَأَةٍ تُصَلِّي أَوْ تَتَنَبَّأُ”، أي أنه مسموح للنساء أن يصلين ويتنبأن أثناء العبادة، وبالتالي فهذا القول إمَّا يتعارض مع قوله “لتصمتْ نساؤكم”، أو أن المقصود بصمت النساء هو المحافظة على النظام والهدوء أثناء العبادة وليس الصمت نهائيًا. ولكن هذا التفسير أيضًا عليه إعتراض، إذ أن قول بولس الرَّسول في كورنثوس الأولى 5:11 عن صلاة النساء ونبواتهن هو قول لا يتعلق بالعبادة العامة في الكنيسة. فالحديث في كورنثوس الأولى 11 هو بشكل عام وليس في اجتماع الكنيسة.

5. قَصَدَ بولس الرَّسول هنا إلى أن يُشير إلى ضرورة المحافظة على نظام الله في الخضوع (كورنثوس الأولى 7:11-8، أفسس21:5-33)، وذلك حسب ما يقوله الناموس (تكوين 16:3، كورنثوس الأولى 3:11، أفسس22:5، تيموثاوس الأولى 12:1، تيطس 5:2)، وبالتالي فعلى الرجال أن يقودوا العبادة في الكنائس، ولكنّ هذا لا يمنع النساء من ممارسة إحدى المواهب المذكورة في الآية 26 من ترنيم وقراءة مزمور أو التكلم بلسان. ويتبع هذا التفسير معظم الكنائس اليوم، مع أن عددًا متزايدًا من النساء اليوم تطالبن بحقوق أكثر في الكنيسة، بما في ذلك المناصب القيادية في الكنائس، وهذا فيه خروجّ عن تعاليم الكتاب المقدّس.

الآية 36: “أَمْ مِنْكُمْ خَرَجَتْ كَلِمَةُ اللهِ؟ أَمْ إِلَيْكُمْ وَحْدَكُمُ انْتَهَتْ؟” يدل سؤال بولس الرَّسول الإستنكاري هنا على أنه كان لكنيسة كورنثوس أسلوبها الخاص بما يتعلق بلعبادة ودور النساء في تلك العبادة، وأن ذلك الأسلوب يختلف عن بقية الكنائس. وبعملهم هذا فكأنهم يفترضون أن كلمة الله خرجت منهم، وأنها تخصهم فقط. كذلك يجب أن نلاحظ أن في قوله “كلمة الله” إشارة غير مباشرة إلى أن كلام بولس الرَّسول هو وحىٌ من الله.

الآيات 37-40: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرّب. وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيَجْهَلْ! إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ جِدُّوا لِلتَّنَبُّؤِ، وَلاَ تَمْنَعُوا التَّكَلُّمَ بِأَلْسِنَةٍ. وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ.” بعد إعطاء هذه التعليمات المباشرة والقوية عن أسلوب العبادة المسيحية، يتقدم بولس الرَّسول إلى أولئك الذين لديهم موهبة النبوة، وأيضًا الروحانيين في الكنيسة، إلى أن يفحصوا ويتأكدوا من أن كلامه إليهم هو وصايا الرّب نفسه، وبالتالي فإن تجاهل أحدٌ من هذه الحقيقة، فإن ذلك الشخص سيتم تجاهله ويعامل وكأنه غير مؤمن. وينهي بولس الرَّسول هذا المقطع بالتشديد على السعي نحو موهبة النبوة لتمييز وفهم كلمة الله، وعلى عدم منع التكلم بألسنة، مع حرصه الشديد على أن يتم ذلك بليَّاقة وترتيب.

صلاة: نشكرك ايّها الىب السّماوي من اجل محبّتك وخلاصك العجيب. ونشكرك الآن بشكلٍ خاص من أجل تعليمك وإرشادك لنا فيما يتعلّق باجتماع الكنيسة للصّلاة، وخصوصًا دور النساء. ونسالك يا رب أن تحفظ كنيستك من التّعاليم والأفكار الغريبة الّتي يريد بها عدوّ النفوس أن يزرع روح التّشوية والبلبلة داخل كنستك في عالم اليوم. احفظنا في حقّك يا سيّد، واحمنا من هجمات عدو النّفوس. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح، آمين.

سؤال: ماذا تفهم من قول بولس الرّسول عن صمت النّساء في الكنائس؟

ثامنًا: قيامة الرّب يسوع المسيح، وقيامة المسيحيين 1:15-58

أ. يذكّر بولس كنيسة كورنثوس بالإنجيل الّذي بشّرهم به 1:15-4

يُطلق على الإصحاح الخامس عشر من رسالة كورنثوس الأولى تسمية إصحاح القيامة، وواضح من نص الآية رقم 12 أن بولس الرَّسول يناقش هذا الموضوع الجوهري لأن البعض في كنيسة كورنثوس كانوا ينكرون قيامة الأموات، مع أنّهم كانوا يؤمنون بقيامة الرّب يسوع.”وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ.”

يمكن تقسيم آيات القيامة في هذا الإصحاح كما يلي:

في الآيات 5-11: يشدد بولس الرّسول على حقيقة قيامة الرّب يسوع المسيح بذكر الشهود الذين شاهدوه بعد القيامة.

في الآيات 12-19: يعلِّم الرّسول أن قيامة الرّب يسوع المسيح هي أساس قيامة المؤمنين.

في الآيات 20-28: التّأكيد على أنّ قيامة الرّب يسوع المسيح وقيامة المؤمنين هي المقدمة لمجيء الرّب يسوع المسيح مرةً ثانية.

في الآيات 29-30: يُبيِّن الرّسول بطلان بعض الممارسات، مثل المعموديَّة من أجل الأموات، وذلك إن كان الأموات لا يقومون.

في الآيات 29-34: يتساءل الرّسول عن قيمة آلام الكنيسة من أجل الرّب يسوع المسيح في حالة لم يكن هنالك قيامة، ويطلب منالكورنثيين أن يتخلصوا من شكوكهم حول الموضوع، وبأن يشهدوا للرَّب المقام.

في الآيات 35-58: يتحدث بولس الرَّسول عن طبيعة الجسد المقام، وعن الغلبة على الموت التي سيعطينا إياها الله بواسطة الرّب يسوع.

الآيات 1-2: “وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِالإِنْجِيلِ الَّذِي بَشَّرْتُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضًا تَخْلُصُونَ، إِنْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّ كَلاَمٍ بَشَّرْتُكُمْ بِهِ. إِلاَّ إِذَا كُنْتُمْ قَدْ آمَنْتُمْ عَبَثًا.” يبدأ بولس الرّسول كلامه التّاريخي والجوهري والأساسي عن القيامة بتذكير الكنيسة في كورنثوس، وذلك عن طريق التّعليم، بحقيقة الإنجيل الّذي آمنوا به بعد أن بشّرهم به أثناء إقامته بينهم لمدة عام ونصف، وكيف أنّهم يعيشون بحسب تعاليم هذا الإنجيل. أي أنّهم ما زالوا يتذكّرون تعاليمه، وبأنّهم كانوا مؤمنين فعلًا بما علَّمهم إيّاه بولس الرَّسول، وإلاَّ فإن إيمانهم كان عبثًا، أي لم يكن إيمانًا صحيحًا.

يؤدّي التّبشير بالمبادىء الأساسيّة في الإنجيل المقدّس إلى الإيمان بأهم الحقائق المتعلّقة بشخص الرّب يسوع المسيح، وهي ولادته من عذراء بدون زرع بشر، وموته على الصّليب من أجل خطايا العالم، وقيامته المجيدة بعد ثلاثة أيّامٍ من دفنه. ويبيّن بولس الرّسول بأن الحقائق عن شخص الرّب يسوع قد سبق لرجال الله والأنبياء قد سطّروها في كتب العهد القديم. أي أنّ الرّب يسوع هو المسيّا المنتظر الّذي جاء واكمل ما هو مكتوب في النّبوات.

نستنتج من قراء هاتين الآيتين بأنّه كان في كنيسة كورنثوس أشخاصٌ ينكرون واحدة من أهم عقائد الإيمان المسيحي، ألا وهي قيامة الأشخاص الّذين آمنوا بالرّب يسوع المسيح ورقدوا على رجاء القيامة في اليوم الأخير والحياة في السّماء إلى الأبد مع ربّ المجد. ولا نستطيع الإستنتاج من النّص سبب إنكار هؤلاء حقيقة قيامة الأموات. فهل أنّ المؤمنين في الكنيسة من خلفيّة يهوديّة كانوا ما يزالون متاثّرين بتعاليم الصّدوقيّين الّذين كانوا ينكرون القيامة؟ (أنظر متّى 23:22). وهل كان بين الّذين آمنوا من خلفيّة يونانيّة أشخاصٌ لديهم أفكار سلبيّة ترفض القيامة كما كان حال سكّان أثينا الّذين التقى بهم بولس الرّسول، والّذين سخروا منه عندما حدّثهم عن القيامة؟ (أنظر أعمال الرّسل 32:17). أو هل كان في الكنيسة أشخاصٌ متأثّرين من الفلاسفة ألأبيكوريّين الّذين كانوا يدعون إلى حياة اللّذة الجسديّة والتّمتع بالطّعام والشّراب قبل الموت، كما نقرأ في الآية 32: “فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ.” (أنظر أعمال الرّسل 18:17).

الآيات من 3-4: “فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضًا: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ.” يقتبس بولس الرَّسول هنا نوعين من الشّهادة للحدث التاريخي العظيم، أي موت وقيامة الرّب يسوع المسيح، وهما نبوات من العهد القديم وكذلك شهود عيان للقيامة. فمن ناحية الكتب، فإنه لم يستشهد بأيّة آية من العهد القديم، ولكن ربما كان في ذهنة إشعياء 5:53-6 ومزمور 8:16-11. ويذكر دفن الرّب يسوع المسيح ليؤكد على حقيقة موته وعلى حقيقة قيامته. كذلك نلاحظ هنا أن بولس الرَّسول لم يذكر أيّة شهادة عن موت الرّب يسوع المسيح وذلك لأن هذا الحدث كان معروفًا وشائعًا بين الجميع، أي أنه حقيقة تاريخية أكيدة. ولكن عند الحديث عن القيامة، فإن الموضوع يختلف تمامًا. فالقيامة هي حدث فائق للطبيعة ولا مثيل له في تاريخ البشرية، ولذلك فهو بحاجة إلى إثبات. وذِكرُ بولس الرَّسول لأسماء شهود العيان جاء حتى يمكن تصديق حدث القيامة وقبوله كحقيقة تاريخية، وإعتباره أساسًا لحدث تاريخي مستقبلي وفائق للطبيعة أيضًا، ألا وهو قيامة المؤمنين من بين الأموات. ويجب الإنتباه هنا إلى عبارة “الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا”، لأنّهى تعني وتؤكّد في نفس الوقت على أن الرّب يسوع المسيح لم يكن خاطئًا يستحق الموت، بل نحن الخطاة، وموته كان نيابة عنَّا.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل ما تعلمنا إيّاه في الإنجيل المقدّس. نعم يا رب، نحن نؤمن وبدون خجلٍ أو خوفٍ من النّاس بأنّ يسوع المسيح هو الله الّذي ظهر في الجسد، وبأنّه ولد بدون زرع بشر، أنّه ولد بجسدٍ خالٍ من الفساد، وبأنه مات على الصّليب لكي يدفع ثمن خطايانا، وبأنّه دفن ثمّ قام بعد ثلاثة ايّام. وبأنه صعد إلى السّماء بعد أربعين يومًا من قيامته. وبأنّه سيأتي ثانية عن قريب ليدين الأحياء والأموات. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح.

سؤال: ما هو جوهر الإنجيل الّذي بشّر به بولس الرّسول الكنيسة في كورنثوس؟

ب. شهودٌ على قيامة الرّب يسوع المسيح 5:15-11

يسطّر بولس الرّسول هنا حقيقة قيامة الرّب يسوع المسيح من بين الاموات، وما سيتبع قيامة الرّب، أي قيامة كل من يؤمن به في اليوم الأخير. وبما أنّ قيامة الرّب يسوع هي حقيقة تاريخيّة، فكان لا بدّ من ذكر أسماء من شاهدوا الرّب يسوع حيًّا بعد قيامته، وذلك للبرهنة على صحّة القيامة. ومعظم الّذين أشار إليهم بولس الرّسول أو ذكر أسماءهم، كانوا ما يزالون على قيد الحياة، وكان هذا دليلًا قاطعًا على صدق كلامه. فلو انّ من ذكر أسماءهم لم يشاهدوا الرّب يسوع بعد قيامته، لكذّبوا بولس الرّسول. كذلك فإنّ ذكر أسماء الشّهود لم يكن سببًا لأيَّة منفعة أو افتخارٍ لهم، بل كان يمكن ان يضع حياتهم في خطر الإضطّهاد والملاحقة، وحتّى الشهادة على أيدي من اتّخذوا موقف العداء من شخص الرّب يسوع، وبالتّالي العداء للمؤمنين به في الكنيسة.

الآيات 5-7: “وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلاثْنَيْ عَشَرَ. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ، أَكْثَرُهُمْ بَاق إِلَى الآنَ. وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. وَبَعْدَ ذلِكَ ظَهَرَ لِيَعْقُوبَ، ثُمَّ لِلرُّسُلِ أَجْمَعِينَ.” لم يذكر بولس الرّسول هنا جميع ظهورات الرّب يسوع بعد قيامته، وكذلك لم يذكر أسماء جميع الّذين ظهر لهم، وخصوصًا النّساء. فقد اختار الله بحكمته ان لا يذكر بولس الرّسول أسماء النّساء للبرهنة على صحّة قيامة الرّب يسوع، ويمكن ان يكون السّبب هو لحمايتهن من خطر الإضطّهاد، أو فقط لانّ الّذين كانوا يجولون مبشّرين بالإنجيل كانوا من الرّجال. فالسّفر والتّنقل في القرن الميلادي الأوّل كان محفوفًا بمخاطر كثيرة بسبب اللّصوص وقطّاع الطّرق والحيوانات المفترسة.

ذكر بولس الرّسول أسماءً لإشخاصٍ ظهر لهم الرّب يسوع المسيح من أجل إثبات حقيقة القيامة، وأوّل شخصٍ ذكره هو صَفا، وفي اليوناني Κηφᾷ (كيفا) وهو الصّيغة الآراميّة لإسم بطرس (أنظر تفسير كورنثوس الاولى 12:1). ونلاحظ هنا بأنّ بولس الرّسول لم يقل بأنّ الرّب ظهر أوّلًا لبطرس، بل ذكر فقط حقيقة هذا الظّهور. (أنظر لوقا 34:24). لقد كان اوّل ظهورٍ للرّب بعد قيامته للأخت مريم المجدليّة، حيث نقرأ في مرقس 9:16: “وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ.” (أنظر أيضًا يوحنّا 14:20).

وظهر الرّب يسوع ايضًا لِلاثْنَيْ عَشَرَ.” (راجع يوحنّا 19:20-20؛ ولوقا 36:24-43).وكانت هذه التّسمية لقبًا معروفًا في الكنيسة الاولى للإثني عشر رسولًا الّذين اختارهم الرّب من بين تلاميذه الاوائل. نقرأ في لوقا 13:6: “وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضًا رُسُلاً.” وقد بقي هذا اللقب مرافقًا للرّسل حتّى بعد خيانة أحد الرّسل للرّب يسوع، وهو يهوذا الإسخريوطي الّذي انتحر بعد اكتشافه لبشاعة الخطيّة الّتي ارتكبها. (راجع متّى 3:27-5؛ واعمال الرّسل 18:1-19). كذلك لم يكن الرّسول توما حاضرًا عندما ظهر الرّب يسوع لمجموعة الإثني عشر. بكلّ بساطة، قول بولس الرّسول “لِلاثْنَيْ عَشَرَ” لا يشير هنا إلى العدد الأصلي للرّسل، بل إلى جماعة الرّسل، حيث كان عدد الحضور هو عشرة رسل بسبب غياب توما وموت يهوذا الإسخريوطي. نقرأ في سفر أعمال الرّسل بانّ عددهم قد رجع إلى اثني عشر بعد أن تمّ اختيار متيّاس ليكون مع الاحد عشر رسولًا (أنظر أعمال الرّسل 16:1).

ثم ظهر الرّب يسوع لأكثر من خمسمئة أخ كان أكثرهم كانوا أحياء زمن كتابة الرسالة، ولكن بعضهم قد رقدوا، أي ناموا أو غفوا. والفعل اليوناني المستحدم هنا هو  κοιμάομαι (كويماهماي) ومعناه يغفو أو ينام أو يرقد، والمقصود به هنا نوم أو رقاد الموت. ويُستخدم نفس الفعل في وصف موت استِفانوس، الّذي كان أوّل شهيدٍ في تاريخ الكنبسة المسيحيّة. (أنظر أعمال الرّسل 60:7). جدير بالملاحظة الإشارة إلى أنّ ظهور الرّب يسوع المقام لأكثر من خمسمئة أخ غير مذكور إلّا هنا، مع أنّنا نستطيع الإستنتاج من سفر أعمال الرّسل بأنّ هذا الظّهور قد تمّ في منطقة الجليل، وذلك لأنّ الرّب يسوع قد أمضى معظم وقته أيّام تجسّده في منطقة الجليل، وكذلك لأنّنا نقرأ في سفر أعمال الرّسل بأنّ عدد الإخوة والأخوات في أوروشليم عند قيامة الرّب يسوع كان مئة وعشرون شخصًا (أنظر أعمال الرّسل 15:1).

ثم ظهر الرّب يسوع ليعقوب، وواضح أن يعقوب المذكور هنا لم يكن أحد الرسل، لإنهم مذكورون بعد يعقوب مباشرة، وبالتالي فلا بد وأن يكون يعقوب أخو الرّب. (أنظر متى 55:13) وهو اّلذي انضم إلى جماعة الرسل (أعمال الرسل 14:1) وأصبح ذا مركز رفيع في كنيسة أوروشليم (أعمال الرسل 13:15).

في الآية 8: “وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا.” يذكر بولس الرَّسول  نفسه كأحد الشهود على قيامة الرّب يسوع المسيح، وقد تمّ ذلك في الطّريق إلى دمشق عندما ظهر الرّب يسوع لبولس ودعاه لخدمته. (أنظر أعمال الرّسل 5:9). ويصف بولس نفسه بكلمة “السقط” والكلمة اليونانيّة هنا هي  ἔκτρωμα(إكتروما) ولا تستخدم إلّا هنا في كل العهد الجديد، وتعني الطِّفل الّذي لا يولد في موعده الطّبيعي، وكأنه وُلد ولادة غير طبيعية. وهذه إشارة إلى أن إنضمام بولس إلى الرسل لم يكن بطريقة طبيعية.

الآيات من 9-11: “لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلًا لأَنْ أُدْعَى رَسُولًا، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ الْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِم ْ. وَلكِنْ لاَ أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ اللهِ الَّتِي مَعِي. فَسَوَاءٌ أَنَا أَمْ أُولئِكَ، هكَذَا نَكْرِزُ وَهكَذَا آمَنْتُمْ”، يذكر بولس الرَّسول في هذه الآيات عدم استحقاقه للقب الرَّسول بسبب شروره السّابقة وأهمها اضطهاد الكنيسة. وكيف أن الرّب انتشله من الخطية واختاره رسولًا له. ثم يتحدث بروح التواضع عن عمله من أجل الرّب، وكيف أن هذه الخدمة تمت فقط بنعمة الله التي خلَّصته ومكنته من خدمة الرّب يسوع المسيح. وفي الآية 11 يؤكد على حقيقة أن وعظه هو مثل وعظ بقية الرسل، فرسالة الكنيسة واحدة، وهي الرسالة التي آمن بها الكورنثيون.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل قيامة الرّب يسوع العجيبة والمجيدة. نعم يا رب، نحن نعلن إيماننا يقيامة الرّب يسوع، ونشكرك يا ربّنا بسوع لانّك أنت من قلت طوبى للّذين آمنوا ولم يروا. ونحن نشكرك أيضًا يا رب من أجل كلّ الشّهود من الإخوة والأخوات الّذين شاهدوك بعد قيامتك، ونؤمن بأنّ ايماننا بك الآن سوف بؤدّي إلى رؤيتك بالعيان. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: اذكر أسماء الأشخاص الّذين شاهدوا الرّب يسوع بعد قيامته، وما هي أهميّة شهادتهم لقيامة الرّب يسوع؟

ت. أهمية قيامة الرّب يسوع من الموت 12:15-19

بعد أن أعطى بولس الرّسول أسماء أشخاصٍ شاهدوا الرّب يسوع حيًّا بعد قيامته من الموت، يتابع كلامه بالقول أنّ أساس وسبب قيامة المؤمنين من بين الأموات هو قيامة الرّب يسوع المسيح، وانّ إنكار قيامة المؤمنين سيؤدّي إلى نتائج روحيّة وخيمة

الآيات 12-16: “وَلكِنْ إِنْ كَانَ الْمَسِيحُ يُكْرَزُ بِهِ أَنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، فَكَيْفَ يَقُولُ قَوْمٌ بَيْنَكُمْ إِنْ لَيْسَ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ؟ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ قِيَامَةُ أَمْوَاتٍ فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ! وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ، وَنُوجَدُ نَحْنُ أَيْضًا شُهُودَ زُورٍ للهِ، لأَنَّنَا شَهِدْنَا مِنْ جِهَةِ اللهِ أَنَّهُ أَقَامَ الْمَسِيحَ وَهُوَ لَمْ يُقِمْهُ، إِنْ كَانَ الْمَوْتى لاَ يَقُومُونَ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْتى لاَ يَقُومُونَ، فَلاَ يَكُونُ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ.” يخاطب بولس الرّسول الإخوة والأخوات في كنيسة كورنثوس بالقول أنّه يوجد بينهم قوم أو مجموعة تنكر عقيدة وحقيقة قيامة الأموات، ولكنهم في نفس الوقت يؤمنون بقيامة الرّب يسوع من بين الاموات. أي أنّ هؤلاء الاشخاص كانوا يعيشون في حالة تناقضٍ مع الذّات ومع الحق. فكيف ينكرون قيامة الأموات وفي نفس الوقت يؤمنون بقيامة الرّب يسوع المسيح! إنّ انكار قيامة المؤمنين من الموت هو إنكارٌ عملي لقيامة الرّب يسوع المسيح، وهو بالتّالي رفضٌ وإنكارٌ لكلّ ما يتعلّقُ بالإيمان المسيحي.

أنّ كل من يؤمن فعلًا بقيامة الرّب يسوع المسيح هو مؤمنٌ بقيامة الأموات، فلا يمكن فصل قيامة الأموات عن حقيقة قيامة الرّب يسوع. نقرأ في إنجيل المسيح بحسب البشير يوحنّا 19:14  كلمات الرّب يسوع المشجّعة والمفرحة، فهو يقول مخاطبًا جميع المؤمنين به في كلّ زمانٍ ومكان: “إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ.” الرّب يسوع الآن حيٌّ في السّماء، ونحن المؤمنون به سنقوم من الموت وسنحيا معه إلى الابد. كذلك نقرأ في رسالة تسالونيكي الأولى 14:4: “لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضًا مَعَهُ.”

يعلن بولس الرّسول في كلامه أن نكران قيامة الأموات يخالف تمامًا الإعلان عن قيامة المسيح. ونلاحظ أن الفعل “قام” في الأصل اليوناني هو ἐγήγερται (إجيجرْتاي) هو بصيغة الفعل الماضي التام أو الكامل من فعل ἐγείρω (إجايرو) ومعناه ينهض أو يقوم أو يستيقظ، وفي هذا تأكيد لحقيقة تاريخيّة حدثت. وقد ردّد بولس الرَّسول الفعل بصيغة الفعل الماضي التّام في سبع آيات من هذا الإصحاح (4، 12، 13، 14، 16، 17، 20)، كذلك لاحظ أن الصّيغة الشرطية في هذه الآيات مستخدمة للتأكيد على حقيقة القيامة.

بعد ذِكر واقعة إنكار قيامة الموتى من قِبَلِ البعض، يذكر بولس الرَّسول مجموعة من النتائج المترتبة على هذا الإنكار:

  1. إنكار قيامة الموتى يعني إنكار حقيقة قيامة الرّب يسوع المسيح.
  2. أن كِرازة بولس الرَّسول وغيره من الرّسل وخدّام الإنجيل كانت فارغة وبلا معنى.
  3. كذلك فإنّ إنكار قيامة الموتى يعني أن إيمان الكنيسة يصبح بلا معنى.
  4. إنكار قيامة الموتى يعني ايضًا أنّ شهادة بولس الرَّسول عن قيامة الرّب يسوع المسيح كانت شهادة فارغة، بل شهادة زور أمام الله.

الآيات 17-19: “وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ، فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ! إِذًا الَّذِينَ رَقَدُوا فِي الْمَسِيحِ أَيْضًا هَلَكُوا! إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النّاس.” يعطي بولس الرَّسول نتائج أخرى لإنكار قيامة الموتى:

  • إنكار قيامة الموتى يعني أن إيمان الإخوة والأخوات في الكنيسة بلا معنى وبلا ثمر.
  • إنكار قيامة الموتى يعني أنّ المؤمنين ما يزالون في خطاياهم، فهم غير مبررين.
  • إنكار قيامة الموتى يعني بأنه لا يوجد رجاء للذين ماتوا في المسيح، فهم قد هلكوا.
  • إنكار قيامة الموتى يعني كذلك أنّ الإضطهادات والشقاء من أجل الإنجيل مجرد هباء، وبأنّ الرسل وغيرهم ممن يكرزون بقيامة الرّب يسوع المسيح هم أشقى جميع النّاس.

عند قراءة سفر أعمال الرّسل، نكتشف بأن الكنيسة الاولى كانت تبشّر دائمًا بموت الرّب يسوع على الصّليب، وبقيامته المجيدة. لقد وعظ الرّسل والشّماسة وبقيّة المؤمنين في الكنيسة الاولى بقيامة الرّب يسوع المسيح لجميع النّاس، سواء أكانوا من الشّعب القديم الّذي كان يؤمن بالعهد القديم، أو من الشّعوب الّتي لم تكن تعرف الله مثل اليونانيّبن والرّومانيين وغيرهم من شعوب العالم القديم. (أنظر سفر أعمال الرّسل 32:2؛ 15:3؛ 26:3؛ 10:4؛ 31:5؛ 40:10؛ … إلخ). وبما أنّ قيامة الرّب يسوع كانت موضوع التّبشير أو الكرازة الرّئيسي، فإن هذا يعني بأن إنكار قيامة الموتى يجعل لا قيمة لقيامة الرّب يسوع، ويجعل التّبشير باطلًا، ويصبح الإيمان عبثًا، ويعني بأنّ المؤمنين لم ينالوا غفران الخطايا. كذلك فإنّ إنكار قيامة الموتى يعني عدم وجود أي رجاء بعد الموت، ويصبح المؤمنون أشقى النّاس واكثرهم تعاسة.

صلاة: أبانا السّماوي. نشكرك من كلّ القلب لأنّك زرعت في قلوبنا رجاءً حيّا بأنّنا سنقوم في اليوم الأخير، وسنمضي الأبديّة في اوروشليم السّماويّة مع ربّ المجد يسوع. ونعترف يا رب أن أساس هذا الرّجاء وهذا الإيمان هو قيامة ربّنا يسوع المسيح من بين الأموات. لذلك نسالك ايّها الآب أن تعطينا القوّة بالّروح القدس لكي نبشّر بفداء الرّب يسوع وقيامته لكل شخصٍ تضعه في طريقنا. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هي نتائج إنكار حقيقة قيامة الأموات؟

ث. الرّب يسوع المسيح هو باكورة الرّاقدين 20:15-28

الآية 20: “وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ.” قول بولس الرَّسول “ولكن الآن” Νυνὶ δὲ (نوني دي) هو أسلوب يستخدمه لإظهار أهمية النتيجة أو الكلام اللاحق، أي للتّشديد والتنبير عن حقيقة قيامة الرّب يسوع المسيح، وكيف أنّ قيامتة هي ضمان قيامة المسيحيين. فالرّب يسوع المسيح أصبح باكورة الراقدين، والباكورة هي أول الثّمار التي كان يحضرها شعب الله القديم إلى الهيكل لتقديمها للرَّب (لاويين 10:23-11؛ لاويين 17:23؛ 20). فالرّب يسوع المسيح قد سبق شعبه في القيامة بجسده، وهذه ضمانة لقيامة المؤمنين به عند مجيئه ثانيةً.

عرفنا من الآيات السّابقة بأنّه إن لم تكن قيامة، فإيماننا باطل، وشهادتنا باطلة، وبالتالي فنحن شهود زور. كما وعرفنا بأنّه إن لم تكن قيامة، فنحن ما زلنا نعيش في خطايانا، وبأنّنا نستحق الشفقة والرثاء من أتباع ديانات العالم ومن أمم العالم. ولكن العكس هو الصحيح، فالرّب يسوع المسيح قام حقًا قام، وهو باكورة الراقدين، أي أول من قام من بين الأموات. ونحن بدورنا سنقوم وسنختبر تغييرًا عظيمًا في القيامة، حيث سنلبس أجسادًا روحية لا تفنى، أجسادًا حية بقوة الروح القدس. فالقيامة هي رجاء المسيحي الحقيقي، وهي مصدر وأساس السعادة الأبدية، وهي موضوع إيماننا الراسخ.

أراد أحد رجال الدين من أتباع ديانات العالم أن يسخر من قسيس مسيحي، فقال له: “إيمانكم فارغ وقبر مسيحكم فارغ، أمّا نحن فعندما نذهب لتأدية أحد واجباتنا الدينيّة، فإننا نزور مدينة نبيّنا العظيم حيث يرقد جسده، أما أنتم فلا يوجد عندكم أي شيء لتفتخروا به في قبر نبيّكم”. فأجاب القس المسيحي قائلًا لرجل الدّين: “لقد نطقت بالحق، فقبر الرّب يسوع المسيح فارغ، لأن الرّب قد هزم الموت وقام، وهو الآن حي في السماء. ونحن نضع رجاءنا وإيماننا بالرّب يسوع المسيح الحي والمقام من بين الأموات. ولأن الرّب يسوع حي، فنحن سنحيا معه. أما نبيكم فميِّت، وأنتم تضعون رجاءكم على رجل ميت. انتم ستموتون كما وعدكم نبيكم الميت. أمّا نحن فنعرف أن ربنا يسوع حي، وسنحيا معه إلى الأبد، فهو الذي قال لنا: “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا.” (يوحنّا 25:11).

الآيات 21-22: “فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ.” الإنسان الذي أدخل الموت إلى العالم هو آدم، والإنسان الذي سَيُحضِر القيامة هو الرّب يسوع المسيح (رومية 12:5-21؛ كورنثوس الأولى 45:15). كان آدم ممثلًا للبشرية جمعاء، وآدم مات، وبالتالي فالبشرية ستموت. ولكن في الرّب يسوع المسيح، فإن جميع الذين فيه، أي جموع المفديين والمخلَّصين، سيحيون بالقيامة من جديد. (أنظر يوحنا 25:5).

الآيات 23-26: “وَلكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي رُتْبَتِهِ: الْمَسِيحُ بَاكُورَةٌ، ثُمَّ الَّذِينَ لِلْمَسِيحِ فِي مَجِيئِهِ. وَبَعْدَ ذلِكَ النِّهَايَةُ، مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ ِللهِ الآبِ، مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ. لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ.” قام الرّب يسوع المسيح من موته بعد ثلاثة أيام، ولكنَّ المؤمنين به سيقومون يوم مجيء الرّب يسوع المسيح ثانيةً. وبعد قيامة الذين للمسيح، يأتي الوقت لكي يسلم الرّب يسوع المسيح الملكوت لله الآب، وهذا يشمل إخضاع كل قوى الشر الروحيَّة، وممالك هذا العالم، ومراكز القوة والسلطان. وأثناء ذلك سيستمر الرّب يسوع المسيح في حكمه أو ملكه حتى يتم إخضاع جميع الأعداء. عبارة “تحت قدميه” هي عبارة معروفة في العهد القديم وتفيد معنى السّيطرة التامة كما في النّبوة في مزمور 1:110: “قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ.”  وبعد ذلك، يتمّ إنجاز عمل عظيم تتوق له البشريّة منذ موت آدم، وهو وضع نهايةٍ للموت وتحطيمه إلى الابد. نقرأ في سفر رؤيا يوحنّا 4:21: “وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ.”

الآية 27: “لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ :”إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ” فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ.” سيحكم الرّب يسوع العالم حتّى يضع جميع الأشياء تحت قدميه، أي حتّى يصير هو ربّ وسيّد كلّ ما في الوجود. فالرّب يسوع سينتصر كما جاء في مزمور 6:8: “جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ.” جدير بالملاحظة هنا أنّ المزمور يتحدّث عن الإنسان بشكلٍ عام، وكيف أنّ الله اعطاه سلطة على الطّبيعة، ولكنّ الرّب يسوع في تجسّده قد أصبح اعظم إنسان، وبالتّالي فالخضوع الكامل والتّام سيكون لرب المجد يسوع.

الآية 28: “وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.” يكتب بولس الرّسول هنا عن المستقبل، أي نهاية العالم الحالي، حين يخضع كل شيء في الوجود لسلطان الرّب يسوع المسيح. حينئذٍ “ابن الله”، أي الرّب يسوع المسيح نفسه، سيخضع طوعًا لله الآب. وهذا الخضوع لا يعني أبدًا أن المسيح ليس الله، أو أقل قيمة من الآب. ولكن في خطة الله الأزلية، كان المسيح الكفارة عن البشرية، فهو الذي أخضع الموت والخطيَّة. واسم “ابن الله” يؤكّد على مساواته للآب في الجوهر، وعلى تجسّده وظهوره كإنسان، وعلى قيامته من بين الأموات. نقرأ في رومية 4:1: “وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.”[12] فخضوع الإبن للآب يعني نهاية حقبة ومسيرة التّاريخ الحالي، عندما يقدّم الرّب يسوع النَّصرة والمجد لله الآب، حتى يكون الله الواحد الجامع، الثّالوث القدوس، الآب والإبن والرّوح القدس، هو الكلَّ في الكلِّ. (راجع صموئيل الثّاني 16:7؛ ومزمور 6:45؛ ودانيال 13:7-14؛ وعبرانيّين 8:1).

صلاة: أبانا السّماوي، نشكرك من كلّ قلوبنا على جميع وعودك الصّادقة من جهتنا نحن البشر الضّعفاء. نشكرك أيّها الآب على حقيقة قيامة الرّب يسوع، وكيف أنّه صار باكورة الرّاقدين. فالرّب يسوع قام اوّلًا، وهو الباكورة ونحن التّابعين، وسنقوم ونكون معه إلى أبد الآبدين. كما ونشكرك من أجل وعدك بالقضاء على الموت إلى الابد، وبأنّنا في السّماء سننعم بسلام وسعادة، ولا يعود للموت وجود. نعطيك يا رب كل المجد. باسم الرّب يسوع. آمين.

سؤال: كيف تفهم خضوع كل شيء للإبن؟ ومن ثمّ خضوع الإبن للآب السّماوي؟

ج. أمور يتضمنها إنكار القيامة من الموت 29:15-34

الآية 29: “وَإِلاَّ فَمَاذَا يَصْنَعُ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ مِنْ أَجْلِ الأَمْوَاتِ؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ الْبَتَّةَ، فَلِمَاذَا يَعْتَمِدُونَ مِنْ أَجْلِ الأَمْوَاتِ؟” يعود بولس الرَّسول مرة أخرى ليتحدث عن قيامة الأموات، فيبدأ بموضوع صعب الفهم وهو: المعمودية من أجل الأموات، ولماذا يعتمدون من أجل الأموات؟ نلاحظ هنا أن الفعل في صيغة المضارع المستمر βαπτιζόμενοι (بابتتزومينوي) مما يدل على أن ممارسة هذه المعمودية الغريبة والمبتدعة كانت منتشرة ومعروفة عندما كتب بولس الرّسول رسالته إلى الكنيسة في كورنثوس..

توجد عدة تفاسير لموضوع المعمودية من أجل الأموات، علمًا بأن الموضوع لا يُذكر في أي موقع آخر في الكتاب المقدّس:

1. اعتبرها البعض معمودية للأشخاص الذين تلقوا التّعليم والبشارة المسيحية وهم على فراش الموت. ولكن لا يوجد أي دليل على أن هذه المعمودية كانت تمُارَس زمن بولس الرَّسول .

2. آخرون فسروا الآية على إعتبار أن بولس الرَّسول يتحدث عن إعتماد المؤمنين الأحياء بالنيابة عن المؤمنين الذين ماتوا، وقد أعطوا أسبابًا لتلك المعمودية المفترضة:

أ. فهم يوحنا فم الذهب (350-407) من كلام بولس الرَّسول أنه يتحدث عن عبارة وردت في قانون الإيمان “وأومن بقيامة الموتى” على اعتبار أنه توجد معمودية لأجساد الميتين على رجاء القيامة، ولكن المقطع في قانون الإيمان لا يدعم هذه الفكرة المعقدة، زد على ذلك أن قانون الإيمان جاء بعد فترة تاريخية طويلة من زمن بولس الرَّسول .

ب. اقترح مفسرون معاصرون على أن هذه العادة ربما ترجع إلى معمودية خُرافية كانت تمُارس من أجل الذين يموتون وهم “خارج” الكنيسة، أو أن المؤمنين كانوا يُعمدون مقابر أقربائهم الذين ماتوا بدون المسيح. مرة أخرى لا يوجد أي دليل تاريخي على هذه الممارسه الوهمية للمعمودية.

3. تفسير آخر يقول بأن المؤمنين الأحياء كانوا يعتمدون بالنيابة عن المؤمنين الأموات، والذين أصبحوا خارج الكنيسة بسبب موتهم. وقد مارس المؤمنون هذه المعمودية حتى لا يتناقص عدد أعضاء الكنيسة، ولكن هذا التفسير يناقض حقيقة أن الأعضاء الجدد والمؤمنين المتجدّدين والذين ينضمون إلى الكنيسة يملأون أمكنة الأموات، وبالتالي لا يتناقص عدد أعضاء الكنيسة، ولا تكون هنالك حاجة لممارسة المعمودية من أجل الأموات.

4. تفسير آخر يقول أن المؤمنين الأحياء كانوا يعتمدون من أجل المؤمنين الأموات حتى يظهروا محبتهم واشتياقهم إليهم، وحتى يؤكدوا ارتباطهم مع الأموات ومشاركتهم معهم في القيامة، هذا التفسير لا يحتمله نص الآية 29.

5. وجهة نظر أخرى تقول أن مفهوم المعمودية في الآية 29 يجب أن لا تُفَسَر حرفيًا على إعتبارها معمودية حقيقية، بل يجب تفسيرها مجازيًا على إعتبارها تحمل معنىً روحيًا. فالمعمودية هنا تشير إلى “التمثُّل بِ والتشبه بِ”، وبذلك فإن الفكرة هي أنّه إن لم يكن هنالك قيامة من بين الأموات، فلماذا إذًا يتشبه المؤمنون الأحياء بالأموات؟ لماذا يُصلبون مع المسيح إن لم تكن هنالك قيامة؟ مرة أخرى توجد مشكلة هنا حيث أن الكلمة اليونانية هوبر ὑπὲρ تعني بالنيابة عن (مع المضاف) ولا تعني مثل أو ما يشابه.

6. تتحدث الآية عن المؤمنين الأحياء والذين سبق وأن اعتمدوا، ومع ذلك فإنهم كانوا يعتمدون مرة أخرى من أجل منفعة المؤمنين الذين ماتوا بدون معمودية. وقد مورست تلك المعمودية على إفتراض أنها ستعتبر لصالح الأموات مما يضمن قيامتهم مع المؤمنين الأحياء والمعتمدين. فيما بعد توقفت هذه الممارسة في الكنيسة ولكنها بقيت بين بعض الهراطقة مثل أتباع مارقيون (كما يقول يوحنا فم الذهب وترتليان)، وأيضًا في كورنثوس (كما يقول أبيفانيوس).

7. تفسير آخر يقول: أن المؤمنين الأحياء عندما كانوا يصلون سن الشيخوخة وأثناء استلقائهم على فراش الموت، كانوا يدعون أحبتهم (أولادهم أو أحفادهم) ممن لم يؤمنوا بعد بالمسيح ويعظونهم بالإنجيل ويطلبون إليهم أن يؤمنوا بالمسيح ويقبلونه رَبًا ومخلصًا لحياتهم. وكثيرًا ما كان هؤلاء يقعون تحت تأنيب وتبكيت الرّوح القدس، وفيما بعد، بعد وفاة المؤمن كبير السن، كان يقوم بعض الشباب بالحضور إلى الكنيسة وإعلان إيمانهم وممارسة المعمودية إكرامًا لمن وعظهم بالإنجيل من الأموات. مرة أخرى، ومع أن هذا التفسير معقول، إلاَّ أنه لا يوجد دليل تاريخي على ممارسته. زد على ذلك أنه عند كتابة الرسالة، كانت الكنيسة ما تزال حديثة العهد في كورنثوس ولا يُعقل أنه كان بها عدد كبير من المؤمنين الشيوخ الراقدين على فراش الموت.

8. هذه إشارة إلى معمودية الدم التي تحدَّث عنها المسيح لإبنيّ زَبدي في (متى 22:20)، صبغة الموت مثل موت المسيح، وعليه فيكون معنى الآية: لماذا يُسفك دم الأموات من أجل المسيح إن لم تكن هنالك قيامة أموات؟ وبالتالي فإن آلامهم وسفك دمهم هو بلا رجاء.

على أيَّة حال، فإن بولس الرَّسول يذكر موضوع المعمودية من أجل الأموات في سياق نقاشه حول قيامة الأموات دون التشديد على الموضوع، ودون إبداء موافقته أو معارضته للموضوع. ومع أن التفسير السادس هو المرجَّح تاريخيًا ولاهوتيًا، إلاَّ أنه يبدو أن هذه الآية ستبقى غامضة.

الآيات 30-33: “وَلِمَاذَا نُخَاطِرُ نَحْنُ كُلَّ سَاعَةٍ؟ إِنِّي بِافْتِخَارِكُمُ الَّذِي لِي فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا، أَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ. إِنْ كُنْتُ كَإِنْسَانٍ قَدْ حَارَبْتُ وُحُوشًا فِي أَفَسُسَ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ لِي؟ إِنْ كَانَ الأَمْوَاتُ لاَ يَقُومُونَ، فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَدًا نَمُوتُ!. لاَ تَضِلُّوا: فَإِنَّ الْمُعَاشَرَاتِ الرَّدِيَّةَ تُفْسِدُ الأَخْلاَقَ الْجَيِّدَةَ.” يتابع بولس الرَّسول نقاشه حول قيامة الأموات في الرّب يسوع المسيح، فيقول إن لم تكن هنالك قيامة، فإن الآلام والمشاق من أجل المسيح هي بلا فائدة. فبولس الرَّسول نفسه كان يتعرض يوميًا للموت والإضطهاد من أجل المسيح، ويُشبِّه أعداءه الذين اضطهدوه في أفسس بالوحوش البريّة. ولكن إن لم تكن هنالك قيامة أموات، فلماذا كل هذه المشاق من أجل المسيح؟ إذًا فلنعش حياتنا نأكل ونشرب كالآخرين لأننا غدًا نموت (إقتباس من إشعياء 13:22)، أي دعونا نعيش حياة استهتار لأنه لا توجد قيامة أموات. ولكن بولس الرَّسول يعترض على هذا، ويقول بأن المعاشرات الرديَّة، تُفسد الأخلاق الجيدة وتسيء إلى شهادة الكنيسة.

الآية 34: “اُصْحُوا لِلْبِرِّ وَلاَ تُخْطِئُوا، لأَنَّ قَوْمًا لَيْسَتْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِاللهِ. أَقُولُ ذلِكَ لِتَخْجِيلِكُمْ.” يدعو بولس الرَّسول في هذه الآية إلى التوقف عن خطيَّة نكران قيامة الأموات وبالتالي قيامة المسيح، هذا الإنكار الذي يؤدي إلى حياة الإستهتار والخطيَّة. ويدل هذا الكلام على أن البعض في كنيسة كورنثوس كانوا لا يعرفون الله ولا عقيدة القيامة ،ولذلك فإن بولس الرَّسول يكتب لتخجيل الكنيسة بسبب وجود مثل هؤلاء النّاس.

ترجمة البستاني للآية في الّلغة العربية: “لأَنَّ قَوْمًا لَيْسَتْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِاللهِ.” هي جملة ناقصة من ناحية المعنى حيث يجب إتمامها، ولكن في الرجوع إلى النص اليوناني ἀγνωσίαν γὰρ Θεοῦ τινες ἔχουσιν (أجنوسيان جار ثيو تينس إخوستن)  فإننا نجد أن معنى الجملة هو: “لأن لديهم جهلًا بالله”. فلا وجود لكلمة معرفة، وذلك لأنّ كلمة ἀγνωσία (أجنوسيا) تعني جهل، وبهذا القصد ترجم البستاني الكلمة بعبارة “لَيْسَتْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ.”

صلاة: يا أبانا السّماوي، نشكرك من كلّ القلب من أجل كلّ ما أعلنته لنا في وحيك المقدّس. ونعترف أمامك بكلّ تواضع وانكسار بأنّ هنالك أمورًا لا نفهما كبشر بسبب ضعفنا ومحدوديّة قدراتنا العقليّة. ولكننا نثق بوعدك الصّادق بأنّنا عندما سنكون معك في سماء المجد، سنفهم وسنعرف حقيقة كل شيء أنت تريد لنا ان نعرفه. لذلك نعطيك يا رب كل المجد. باسم الرّب يسوع المسيح نصلّي. آمين.

سؤال: ما هو في رأيك أفضل تفسير للمعموديّة من أجل الأموات؟

ح. الطّبيعة الرّوحية لجسد القيامة 35:15-50

الآيات 35-41: “لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ يُقَامُ الأَمْوَاتُ؟ وَبِأَيِّ جِسْمٍ يَأْتُونَ؟ يَاغَبِيُّ! الَّذِي تَزْرَعُهُ لاَ يُحْيَا إِنْ لَمْ يَمُتْ. وَالَّذِي تَزْرَعُهُ، لَسْتَ تَزْرَعُ الْجِسْمَ الَّذِي سَوْفَ يَصِيرُ، بَلْ حَبَّةً مُجَرَّدَةً، رُبَّمَا مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ أَحَدِ الْبَوَاقِي. وَلكِنَّ اللهَ يُعْطِيهَا جِسْمًا كَمَا أَرَادَ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبُزُورِ جِسْمَهُ. لَيْسَ كُلُّ جَسَدٍ جَسَدًا وَاحِدًا، بَلْ لِلنَّاسِ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَلِلْبَهَائِمِ جَسَدٌ آخَرُ، وَلِلسَّمَكِ آخَرُ، وَلِلطَّيْرِ آخَرُ. وَأَجْسَامٌ سَمَاوِيَّةٌ، وَأَجْسَامٌ أَرْضِيَّةٌ. لكِنَّ مَجْدَ السَّمَاوِيَّاتِ شَيْءٌ، وَمَجْدَ الأَرْضِيَّاتِ آخَرُ. مَجْدُ الشَّمْسِ شَيْءٌ، وَمَجْدُ الْقَمَرِ آخَرُ، وَمَجْدُ النُّجُومِ آخَرُ. لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ.” يستخدم بولس الرَّسول مثالًا من الطبيعة الزراعيَّة كطريقة لإجابة السؤال عن طبيعة الجسد المُقام. فمثال البذور كما جاء في يوحنا 24:12 يبيِّن أنه من خلال موت البذور، أي تحللها في التربة، فإنها تعطي بذورًا جديدة. فالميت يعطي جديد يختلف عن الذي مات، مع أنه يأتي منه. المثل الثاني من الكائنات الحيَّة: إنسان وحيوان وسمك وطير، فلكل من هذه الكائنات أجساد مختلفة. والمثل الثالث من الطبيعة الميتة غير الحيَّة، أي من النجوم والكواكب. فالأجساد السماوية مثل الشمس والقمر والنجوم تختلف عن الأجساد الأرضيَّة، ومجدها مختلف أيضًا. أي أن الله قادر أن يأخذ أجساد من الطبيعة وأن يرتبها بطرق مختلفة مما يُكَمِّل مقاصده في الكون.

الآيات 42-44: “هكَذَا أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضَعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ. يُزْرَعُ جِسْمًا حَيَوَانِيًّا وَيُقَامُ جِسْمًا رُوحَانِيًّا. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ.” يطبِّق بولس الرَّسول  في هذه الآيات المقارنة بين أنواع الأجسام في الحديث عن حقيقة الجسد المقام. فالله قادر أن يأخذ الجسد الطبيعي القابل للهلاك (غلاطية 8:6)، والمتواضع بسبب الخطيَّة (فيلبي 20:3-21)، والضعيف (مرقس 38:14)، أي الجسد الطبيعي المشابه لأجساد الحيوانات، وأن يُحضر منه أو يحوله إلى جسد روحاني ممجد وقوي كما نقرأ في فيلبي 21:3: “الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ.” أي أنّنا سنعطى جسدًا له خواص الأجساد السماوية. وهذا الجسد الروحاني هو جسد حقيقي ولكن من طبيعة مختلفة عن الجسد الأرضي. إنه جسد مُعطى لنا من الله لنعيش فيه الحياة الأبدية.

الآيات 45-49: “هكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: صَارَ آدَمُ، الإِنْسَانُ الأَوَّلُ، نَفْسًا حَيَّةً، وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحًا مُحْيِيًا. لكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلًا بَلِ الْحَيَوَانِيُّ، وَبَعْدَ ذلِكَ الرُّوحَانِيُّ. الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرّب مِنَ السَّماء. كَمَا هُوَ التُّرَابِيُّ هكَذَا التُّرَابِيُّونَ أَيْضًا، وَكَمَا هُوَ السَّمَاوِيُّ هكَذَا السَّمَاوِيُّونَ أَيْضًا. وَكَمَا لَبِسْنَا صُورَةَ التُّرَابِيِّ، سَنَلْبَسُ أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ.” يستمر بولس الرَّسول هنا في المقارنة بين الجسد الأرضي والجسد الروحاني باستخدام مثال آدم وذريته، والرّب يسوع المسيح، الذي هو آدم الأخير، وكذلك المفديِّين به. فالجسد الطبيعي يُشبه الجسد الذي كان لدى آدم عندما خلقه الله من تراب الأرض (تكوين 7:2). والجسد الروحاني هو الجسد غير الفاني والذي حصل على الحياة الأبدية من الرّب يسوع المسيح. الجسد الطبيعي جاء أولًا ثم جاء الجسد الروحاني. فآدم من الأرض، ولكنَّ المسيح هو الرّب من السَّماء، وقد تجسد بجسدٍ طبيعي تحول إلى جسدٍ روحانيٍّ بالقيامة من بين الأموات، وهكذا فأتباع الرّب يسوع المسيح سينالون نفس الجسد المُمجد الذي قام به المسيح، حتى يصرفوا الأبدية معه في السَّماء في الجسد الممجّد.

الآية 50: “فَأَقُولُ هذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ.” يشير اللحمُ والدم إلى الجسد الطبيعي الفاني، والذي لا يمكن أن يرث ملكوت الله. ولكنَّ الله سيغيِّر هذا الجسد إلى جسدٍ روحانيٍّ ممجد وسماوي نستطيع به أن نكون في محضر الله، ونرث ملكوته السّماوي إلى الأبد.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل محبّتك لنا نحن البشر الضّعفاء، لإنك أنت يا ربّ وعدّتنا بلسان خادمك الأمين بأنّنا سنلبس في الابديّة جسدًا جديدًا روحيًّا مثل الجسد الّذي قام به ربّ المجد يسوع من بين الاموات. كما ونشكرك يا رب بأنّ جسدنا الجديد لن يفنى، وبانّك وعدّتنا بأنّنا في الجسد العتيد أن نلبسه سنرث الحياة الابديّة. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هي طبيعة الجسد الموعود به للؤمنين بالرّب يسوع المسيح؟

خ. عند البوق الأخير. 51:15-58

الآيات 51-54: “هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ، فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ. ” يتابع بولس الرّسول الحديث عن التغيير القادم في الجسد الطبيعي الأرضي، ويبدأ بقوله: “هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ.” وتدلّ كلمة “سر” على أمرٍ لم يكن معروفًا حتّى لحظة الكشف عنه. (أنظر رومية 25:11؛ وأفسس 3:3-5). والسّر الّذي يكشف عنه بولس الرّسول هنا هو أنّه سيكون هنالك مؤمنون أحياء عند مجيء الرّب يسوع المسيح ثانيةً، وهؤلاء لن يموتوا أبدًا، ولكن ستتغيّر طبيعة اجسادهم لتصبح اجسادًا روحيّة ممجّدة غير قابلة للفساد والتّحلل. أي أن السّر هنا هو كشف طبيعة الجسد المقام، ومن الحقائق الّتي يكشف عنها بولس الرَّسول:

  • حقيقة عدم موت جميع المؤمنين، وكيف أنّ كثيرين منهم سيكونون أحياء عند مجيء الرّب يسوع المسيح ثانيةً (تسالونيكي الأولى 15:4).
  • ستتغيّر طبيعة أجساد جميع المؤمنين عندما يجمعهم الرّب يسوع المسيح عند ضرب البوق الأخير (تسالونيكي الأولى 13:4-17).
  • إن التغيير في طبيعة أجساد المؤمنين سيكون شاملًا ولحظيًا.
  • إن التغيير سيكون من نوع من الأجساد إلى نوع مختلف. وعندما تتم هذه الأمور، فإن كلمات النصرة في إشعياء 8:25؛ وهوشع 14:13 سوف تصبح حقيقية لشعب الله.

سيتمّ التّغيير في أجساد المؤمنين في لحظة، وبشكلٍ خاطف وفجائي، أي سريع جدًّا. ويستخدم بولس الرّسول هنا الكلمة اليونانيّة ἄτομος (أتوموس)، والّتي لا تستخدم في أي مكان آخر في العهد الجديد، ومنها جاءت كلمة Atom، أي “ذرّة”، وهي الشّيء الّذي لا يُقطع ولا ينقسم ولا يتجزّأ. وهذا يعني بأنّ التّغيير سيتم في لحظة زمنيّة واحدة وفي غاية القصر. أي أنّ التّغيير سيكون فجائيًّا وليس بالتّدريج أو على مراحل، وسيم ذلك لحظة ضرب البوق الأخير، حين سيجتمع جميع المؤمنون من كلّ العصور أمام شخص الرّب يسوع. وهكذا فإنّ سماع صوت البوق يعني دعوة للإجتماع، وهذا ما كان يحدث في العهد القديم، حيث كان يتم ضرب البوق من أجل دعوة جميع الشّعب للإجتماع، وخصوصًا للعبادة (أنظر خروج 18:20؛ ومزمور3:81؛ وإشعياء 3:18؛ و13:27). نقرأ في سفر رؤيا يوحنا عن التّبويق او النّفخ في البوق سبع مرّات، وكيف أنّه عندما يبوّق ملاكٌ من السّماء البوق السّابع، أي الأخير، سَتُسْمَعُ: ” أَصْوَاتٌ عَظِيمَةٌ فِي السَّمَاءِ قَائِلَةً: قَدْ صَارَتْ مَمَالِكُ الْعَالَمِ لِرَبِّنَا وَمَسِيحِهِ، فَسَيَمْلِكُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.” (رؤيا 15:11). أي أنّ البوق الأخير يشير إلى انتصار الرّب يسوع النّهائي على الموت والشّيطان، وهكذا نجد أنّ عبارة “عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ” تعني كمال وتحقيق ونهاية كل شيء، لأن عند ضربِهِ سيتمُّ أمران:

1. سيقوم الأموات بأجسادٍ روحيّةٍ ممجّدة لن تفسد إلى الأبد. (يوحنّا 25:5؛ وتسالونيكي الأولى 6:4).

2. ستتغيّر طبيعة أجساد المؤمنين الأحياء، وستصبح اجسادًا روحيّة ممجّدة، أي مثل الأجساد الجديدة الّتي سيقوم بها الرّاقدون.

بعد أن تتغيّر طبيعة الأجساد الأرضيّة وتأخذ طبيعة سماويّة، يتمّ ما هو مكتوبّ في سفر النّبي إشعياء 8:25: “يَبْلَعُ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ، وَيَمْسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّمُوعَ عَنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَيَنْزِعُ عَارَ شَعْبِهِ عَنْ كُلِّ الأَرْضِ، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ تَكَلَّمَ.” وتعني عبارة “ابْتُلِعَ الْمَوْتُ”، أنّ الرّب سيقضي على الموت بشكل نهائي، وسيختفي من الوجود. (أنظر رؤيا 16:12؛ وعبرانيّين 29:11).

الآيات 55-56: “أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ. أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ، وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ.” يطرح بولس الرّسول هنا سؤالين يشيران بطريقة غير مباشرة إلى القضاء على قوّة الموت، وإلى قيامة المؤمنين من الهاوية إلى الحياة الابديّة. وبهذا يجيب بولس الرّسول على سؤالٍ طرحه نبيُّ الله هوشع في العهد القديم: “مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟” (هوشع 14:13). نتعلّم هنا أنَّ الخطيَّة هي شوكة الموت، أي أنّ مصدر قوة الموت على كلّ البشر هو حقيقة سقوط كل النّاس في الخطيّة. فالجميع خطاة، وعقاب الخطية هو الموت. أي أنّ الخطيّة هي سبب الموت، كما نقرا في رومية 23:6: “لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ.” وفي رومية 12:5: “بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ.” (أنظر عبرانيّين 27:9).

بعد ذلك يقول بولس الرَّسول أنّ: “َقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ.” أي أن ناموس الله بمطالبه الأخلاقية الحازمة هو مصدر قوة وطاقة وجبروت الخطيَّة. وإذا تصفحنا مسيرة البشريّة، من يوم إعطاء النّاموس أو شريعة الله للبشريّة، سنكتشف أنه لم يوجد ولن يعيش أيّ إنسانٍ يستطيع أن يكمل ويطيع جميع وصايا النّاموس. أي أنه لا ولم يوجد إنسانٍ عاش أو سيعيش بدون ارتكاب خطيّة. فالنّاموس يُبيّن لنا كم نحن خطاة، وبالتاّلي فإنّ الناموس يُديننا كخطاة. نقرأ في رسالة رومية 7:7-13: “فَمَاذَا نَقُولُ؟ هَلِ النَّامُوسُ خَطِيَّةٌ؟ حَاشَا! بَلْ لَمْ أَعْرِفِ الْخَطِيَّةَ إِلاَّ بِالنَّامُوسِ. فَإِنَّنِي لَمْ أَعْرِفِ الشَّهْوَةَ لَوْ لَمْ يَقُلِ النَّامُوسُ: لاَ تَشْتَهِ. وَلكِنَّ الْخَطِيَّةَ وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ أَنْشَأَتْ فِيَّ كُلَّ شَهْوَةٍ. لأَنْ بِدُونِ النَّامُوسِ الْخَطِيَّةُ مَيِّتَةٌ. أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ بِدُونِ النَّامُوسِ عَائِشًا قَبْلاً. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَتِ الْوَصِيَّةُ عَاشَتِ الْخَطِيَّةُ، فَمُتُّ أَنَا، فَوُجِدَتِ الْوَصِيَّةُ الَّتِي لِلْحَيَاةِ هِيَ نَفْسُهَا لِي لِلْمَوْتِ. لأَنَّ الْخَطِيَّةَ، وَهِيَ مُتَّخِذَةٌ فُرْصَةً بِالْوَصِيَّةِ، خَدَعَتْنِي بِهَا وَقَتَلَتْنِي. إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ. فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتًا؟ حَاشَا! بَلِ الْخَطِيَّةُ. لِكَيْ تَظْهَرَ خَطِيَّةً مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتًا، لِكَيْ تَصِيرَ الْخَطِيَّةُ خَاطِئَةً جِدًّا بِالْوَصِيَّةِ.” وفي رومية 13:5: “فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ.” ومعنى جميع هذه الآيات بكلّ بساطة هو انّنا عرفنا الخطيّة عندما أمرنا النّاموس بعدمِ ارتكابها. فقد عرفنا أنّ الزّنا خطيّة وذلك لأنّ النّاموس يأمرنا قائلًا: “لاَ تَزْنِ.” (خروج 14:20).

يطرح بولس الرّسول أيضًا سؤالًا عن الهاوية، والكلمة في الاصل اليوناني هي ᾅδης[13] (هيديس) وهي مكان غير مرئي تذهب إليه أرواح جميع الأموات من الأبرار والخطاة، وتمكث هناك إلى يوم القيامة. ونستنتج من جملة الآيات الّتي تذكر الهاوية بأنها تتكوّن من قسمين منفصلين تمامًا عن بعضهما البعض، وانّ مكان سُكنى أرواح الأبرار هو المكان العلوي، ويسمّى الفردوس (أنظر مثل الغني ولِعازر في لوقا 19:16-31؛ و43:23). نقرا في مزمور 10:16: “لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا.” وقد تحقّقت هذه النّبوة في قيامة الرّب يسوع من بين الاموات، واقتبسها بطرس الرّسول في عظته الشّهيرة يوم الخمسين على مسامع الآلاف من الشّعب القديم، كما نقرا في سفر أعمال الرّسل 27:2: “لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا.”. كذلك الهاوية هي مقر الظّالمين (إشعياء 9:14)، والملائكة السّاقطة (بطرس الثّانية 4:2)، وجميع الخطاة (مزمور 8:139).

الآية 57: “وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” يكتب بولس الرّسول هنا بلسان المؤمن الواثق بالنّصر الحتمي والأكيد على الخطيّة وعلى الموت. وكيف انّ هذا النّصر هو نعمة من الله يهبها للمفديّين بدم الرّب يسوع المسيح. إنّها صرخة النصر والشكر لله الذي يعطينا الغلبة على الخطيَّة والموت بربنا يسوع المسيح الذي مات وقام وسيأتي ثانيةً. إنّه هتاف شكرٍ وانتصارٍ وفرح

يُنهي بولس الرَّسول هذا الإصحاح المهم قائلًا في الآية 58: “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرّب كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرّب.” نلاحظ أنّ بولس يستخدم لقب “إخوة” في مخاطبة أعضاء الكنيسة في كورنثوس. فبالرّغم من كل الاخطاء الّتي كانت بينهم، فإنهم يبقون إخوة له ولغيرهم من المؤمنين. يقول بولس لإخوته انّه بناءً على كلّ ما سبق من تعاليم وحقائق عن القيامة والإنتصار والحياة الأبديّة، فإنّ عليمهم الإنتباه لثلاثة وصايا مهمّة:

1. “كُونُوا رَاسِخِينَ”: أي داوموا على الثّبات في الإيمان بالرّب يسوع المسيح وبإنجيله المقدّس. فلا تعطوا للعالم بمغرياته وشهواته ودياناته وفلسفاته ان تبعدكم أو تفصلكم عن محبّة الرّب يسوع.

2. “غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ”: هذه الوصيّة تشبه الأولى كثيرًا، وذلك للتاكيد على أهميّة الصّمود والثّبات، وخصوصًا حتّى يبقى رجاؤهم حي، وأن يعيشوا مؤمنين ومتوقّعين قيامتهم من بين الأموات في اليوم الأخير، والحياة مع الرّب يسوع في السّماء وإلى الأبد.

3. “مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرّب كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلًا فِي الرّب.”: يطلب بولس الرّسول من المؤمنين أن يعملوا ما يطلبه منهم الرّب، وخصوصًا التّبشير برسالة الخلاص، وتعليم النّاس كلمة الله، وخدمة الله والنّاس باستمرار، والعمل والحياة بحسب مشيئة الله، وصنع الرّحمة والحق والعدل والسّلام والمصاحة بين الله والنّاس.

صلاة: نشكرك يا أبانا السّماوي من أجل جميع وعودك الصّادقة. فنحن يا ربّ نؤمن من كلّ القلب بأنّنا إن رقدنا قبل عودتك ثانية عن قريب كما وعدّتنا، إلّا أنّنا سنقوم حتمًا بأجسادٍ روحيّة سماويّة ممجّدة، وسنكون معك في السّماء إلى الأبد. هذا هو مصدر فرحنا ورجائنا الحي. لذلك نسألك يا رب أن تقوّينا وتشجّعنا حتّى لا نتزعز، ولكي نتابع خدمتك ما دمنا أحياء. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هو تاثير النّاموس على الحياة؟ وما هي شوكة الموت وكيف ننتصر عليها؟

تاسعًا: الجمع من أجل المؤمنين في أوروشليم، وطلبات، وتحيات ختاميَّة 1:16-24

يكتب بولس الرّسول في نهاية رسالته إلى الكنيسة في كورنثوس عن أمورٍ عمليّة ورعويّة ترتبط مباشرة بخدمة وحياة الكنيسة اليوميّة، حيث يتناول خمسة أمور مهمّة وأساسيّة:

  • الجمع من أجل القدّيسين، أي المؤمنين بالرّب يسوع، في مدينة أوروشليم. الآيات 1-4
  • الحديث عن سفرياته ورحلاته التبشيريّة القادمة. الآيات 5-9
  • توصيات متنوعة تتعلّق بإخوة وأخوات. الآيات 10-18
  • تحيات من كنائس وإخوة للكنيسة في كورنثوس. الآيات 19-20
  • تحيّات بولس الرّسول الشّخصيّة للكنيسة في كورنثوس. الآيات 21-24

أ الجمع من أجل المؤمنين في أوروشليم 1:16-4

الآية 1: “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ لأَجْلِ الْقِدِّيسِينَ، فَكَمَا أَوْصَيْتُ كَنَائِسَ غَلاَطِيَّةَ هكَذَا افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضًا.” نفهم من قوله “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ” أن بولس الرَّسول كان قد تلقّى سؤالًا حول موضوع الجمع، وهو الآن يجيب عليه. ويبيّن كلام بولس بأن هذه ليست المرة الأولى التي يتعرض بها إلى الحديث عن الجمع، حيث يقول لهم أنه يكتب إليهم تمامًا كما كتب إلى كنائس غلاطية، ويتحدّث عن الموضوع لاحقًا في رسالة كورنثوس الثانية 8-9. كان هذا الجمع من أجل الكنيسة في أورشليم، ولا يخبرنا بولس الرَّسول لماذا كان القديسين[14] في أورشليم محتاجين إلى العطاء في تلك الفترة التاريخيَّة (حوالي سنة 55 أو 56). فهل كان ذلك بسبب المجاعة المذكورة في أعمال الرسل 29:11 أو لأسباب أخرى، لأنه لا يوجد لدينا أي دليل لمعرفة سبب الجمع لأجل القدّيسين في أوروشليم.

نقرأ في رسالة رومية 25:15-27: “وَلكِنِ الآنَ أَنَا ذَاهِبٌ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَخْدِمَ الْقِدِّيسِينَ، لأَنَّ أَهْلَ مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ اسْتَحْسَنُوا أَنْ يَصْنَعُوا تَوْزِيعًا لِفُقَرَاءِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. اسْتَحْسَنُوا ذلِكَ، وَإِنَّهُمْ لَهُمْ مَدْيُونُونَ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الأُمَمُ قَدِ اشْتَرَكُوا فِي رُوحِيَّاتِهِمْ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوهُمْ فِي الْجَسَدِيَّاتِ أَيْضًا.” تبيّن هذه الآيات على أنّه قد سبق للكنائس في مناطق مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ تقديم مساعدات لفقراء القدّيسين في أوروشليم، أي أنّ موضوع مساعدتهم كان معروفًا بين الكنائس في القرن الميلادي الأوّل. ويذكر بولس الرّسول حقيقة مهمّة ألا وهي أنّ الكنائس الّتي قدّمت مساعدات مالية للكنيسة في أوروشليم قد قامت بهذا العمل بدافع شعورهم بالمديونيّة والإمتنان للكنيسة في أوروشليم، فالإخوة هناك هم الّذين نشروا رسالة الخلاص للعالم، وهم الّذين دفعوا ثمنًا غاليًا بسبب إيمانهم بالرّب يسوع المسيح. لقد تعرّضت كنيسة اوروشليم للملاحقة والإضطهاد منذ لحظة تأسيسها في يوم الخمسين، وفيها سقط أوّل شهيد مسيحي في تاريخ الكنيسة. (أنظر سفر أعمال الرّسل 3:4؛ 17؛ 21؛ 8:5؛ 40؛ 57:7-60؛ 1:8؛ 1:9). وعليه نستنتج بأنّ اضطهاد الكنيسة على أيدي القيادة الدّينيّة للشّعب القديم في أوروشليم قد ساهم في فقر الكنيسة هناك.

الآية 2: “فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ، لِيَضَعْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عِنْدَهُ، خَازِنًا مَا تَيَسَّرَ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ لاَ يَكُونُ جَمْعٌ حِينَئِذٍ.” يشجّع بولس الرّسول كل فردٍ في كنيسة كورنثوس على التّبرع بأموال في أول يوم في الأسبوع، أي يوم الأحد، يوم اجتماع الكنيسة من أجل العبادة (أعمال الرسل 7:20؛ رؤيا 10:1). لنلاحظ هنا أن الجمع يجب أن يُخطط له سلفًا، وأن يُجمع في الكنيسة عند اجتماعها للعبادة، وأن يوضع في خزينة لأخذه عند الحاجة.

يوم الأحد: يكتب بولس الرّسول هنا عبارة “فِي كُلِّ أَوَّلِ أُسْبُوعٍ”، أي في كلّ يوم أحد، وهو اليوم الّذي هزم فيه الرّب يسوع الموت وقام منتصرًا. وهذه العبارة تدّل على أنّ الكنائس المختلفة الّتي تأسّست في القرن الميلادي الأوّل كانت تعتبر يوم الأحد هو يوم سبت الكنيسة، أي يوم اجتماع المؤمنين للصّلاة وعبادة الله لأنّ الرّب يسوع قد قام صباح يوم الأحد. وعلى الكنيسة اليوم أن تتابع السّير في نفس الطّريق، وان تقدّس يوم الأحد باعتباره يوم الرّب. والمؤسف في أيامنا في نهاية الرّبع الأوّل من القرن الحادي والعشرين، أنّنا نشهد ردّة روحيّة واخلاقيّة بين بعض الجماعات “المسيحيّة، وبأنّه يوجد “قيادات” يريدون من الكنيسة العودة إلى النّاموس، وتحديدًا التّفاسير العجيبة والغريبة فيما يسمّى “التلمود”، وأن تعتبر الكنيسة يوم السّبت هو يوم الرّب، وليس يوم الأحد. لذلك على المؤمنين والقدّيسين في كلّ مكان الحذر ومقاومة هذه الظاهرة لانها في حقيقتها هي دعوة لدمار الكنيسة من داخلها. فما تزال الكنيسة في حربٍ روحيّة، ويبدو أن عدو النّفوس يعمل بقوّة. ومع ذلك نحن نعرف ونثق بان الرّب يسوع هو المنتصر، وسوف تفشل جميع هجمات وأضاليل عدو النّفوس.

يحتاج الجمع إلى وجود خطة واضحة لكي يتم بكلّ سهولة وسلاسة، وأن لا يكون بشكلٍ عفوي وفوضوي. لذلك يطلب بولس من الكنيسة ان تبدأ بالجمع وخزن الاموال قبل مدّة كافية، حتى تكون الأموال متوفّرة عند مجيئه اليهم. وأن يعطي كلّ مؤمن قدر طاقته وبدافعٍ من المحبّة، كما كتب بولس ايضّا: ” كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ. لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُ.” (كورنثوس الثّانية 7:9).

الآية 3: “وَمَتَى حَضَرْتُ، فَالَّذِينَ تَسْتَحْسِنُونَهُمْ أُرْسِلُهُمْ بِرَسَائِلَ لِيَحْمِلُوا إِحْسَانَكُمْ إِلَى أُورُشَلِيمَ.” نلاحظ أن الجمع المُخطط له سيتم إرساله إلى أورشليم بواسطة أشخاص تختارهم الكنيسة. فالأمانة في حمل الأموال والتّعامل بها مسألة في غاية الاهميّة في حياة الكنيسة. ويضيف بولس قائلّا بأنه سيعطي رسائل توضيح وتوصيَّة مع الاشخاص الذّين ستختارهم الكنيسة في كورنثوس لتوصيل أموال التّبرعات إلى القدّيسين في إوروشليم، وذلك لبيان سبب إرسال هذه الأموال، ومن هم الذين تبرّعوا بها.

الآية 4: “وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقُّ أَنْ أَذْهَبَ أَنَا أَيْضًا، فَسَيَذْهَبُونَ مَعِي.” يوضح بولس الرَّسول هنا أنه إن كان هنالك أمرٌ يستحقُ ذهابه، فإنه بالتّالي سيذهب مع وفد كنيسة كورنثوس إلى اوروشليم.إلى أورشليم.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي من أجل كلماتك ووصاياك الّتي تنير لنا طريق الحياة في هذا العالم. ونشكرك هنا بشكل خاص من أجل كنيستك الأولى وكيف كان القّديسون يحبّون بعضهم البعض بشكلٍ عملي، وبانهم كانوا يساعدون بعضهم بعضًا عند الحاجة. كذلك نشكرك لأنّ كثيرين في الكنيسة اليوم ما يزالون امناء في العطاء والتّضحية لأجل المحتاجين من إخوتهم المؤمنين. ونشكرك ايضّا من أجل يوم الاحد الّذي نجنمع فيه لعبادتك، حيث نتذكّر موت وقيامة ربّنا وفادينا يسوع المسيح، الذّي باسمه نصلّي. آمين.

سؤال: لماذا كانت الكنيسة في اوروشليم في وضعٍ تحتاج فيه إلى مساعدة ماليّة؟

ب. أسئلة وطلبات من أجل إخوة في الكنيسة والخدمة 5:16-18

تدور الأسئلة والطلبات في هذه الآيات حول خطط بولس الرَّسول للسفر، وحول الإخوة تيموثاوس وأبولوس وغيرهم.

الآيات 5-9: “وَسَأَجِيءُ إِلَيْكُمْ مَتَى اجْتَزْتُ بِمَكِدُونِيَّةَ، لأَنِّي أَجْتَازُ بِمَكِدُونِيَّةَ. وَرُبَّمَا أَمْكُثُ عِنْدَكُمْ أَوْ أُشَتِّي أَيْضًا لِكَيْ تُشَيِّعُونِي إِلَى حَيْثُمَا أَذْهَبُ. لأَنِّي لَسْتُ أُرِيدُ الآنَ أَنْ أَرَاكُمْ فِي الْعُبُورِ، لأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَمْكُثَ عِنْدَكُمْ زَمَانًا إِنْ أَذِنَ الرّب. وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُسَ إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ. لأَنَّهُ قَدِ انْفَتَحَ لِي بَابٌ عَظِيمٌ فَعَّالٌ، وَيُوجَدُ مُعَانِدُونَ كَثِيرُونَ.” تطابق رحلة بولس الرَّسول المتوقعة هنا مع ما جاء في سجلّ رحلات بولس الرَّسول في سفر أعمال الرسل 21:19 و1:20-2، والتي تبيِّن كيف أن رحلته انتهت بصرف ثلاثة أشهر في اليونان. وترتبط نيّة بولس الرَّسول في قضاء فصل الشتاء معهم، مع مدة الثلاثة أشهر المذكورة في سفر أعمال الرسل3:20. وقوله “لِكَيْ تُشَيِّعُونِي إِلَى حَيْثُمَا أَذْهَبُ يعني أنّ على كنيسة كورنثوس تشجيع بولس الرَّسول في رحلاته وسفره، وربما أيضًا تزويده ببعض الإحتياجات واللوازم. مع أنّ بولس الرَّسول لم يكن يريد أن يُثقِّل عليهم بطلب المال. (أنظر أعمال الرّسل 38:20؛ و5:21). تجدر الإشارة هنا الى قول بولس الرّسول “إِنْ أَذِنَ الرّب”، فكل شيءٍ في النّهاية هو بيد الرّب، وهكذا فإنّ بولس يقول بأنّ خططه بخصوص سفره وتنقّلاته هي بيد الرّب، أي انه لا يتحدّث بلغة الواثق بنفسه، بل بلغة المؤمن الّذي يضع ثقته بالرّب.

من الضّروري هنا الإنتباه جيّدًا إلى قول بولس الرّسول “وَلكِنَّنِي أَمْكُثُ فِي أَفَسُسَ إِلَى يَوْمِ الْخَمْسِينَ.” يوجد في هذا القول حقيقتان مهمّتان للكنيسة اليوم، كما كانت مهمّة للكنيسة على مدى العصور:

1. تبرهن كلمات بولس الرّسول في هذه العبارة على أنّه قد كتب رسالته إلى كنيسة كورنثوس أيّام مكوثه وخدمته في مدينة أفسس.

2. كذلك تبيّن كلمات بولس الرّسول بأنّه لا يريد الذّهاب إلى مدينة اوروشليم للإحتفال بعيد يوم الخمسين، أي عيد الحصاد أو الأسابيع، بحسب شريعة العهد القديم. (أنظر سفر الّلاويين 15:23-22؛ وسفر العدد 26:28-31؛ وسفر التّثنية 9:16-12). فقد كان على كلّ شخصٍ من الشّعب القديم واجب الذّهاب إلى أوروشليم للإحتفال بهذا العيد.

كان في كنيسة كورنثوس مؤمنون من خلفياتٍ متعدّدة، ومن بينهم مؤمنون من خلفيّة يهوديّة، وكان عيد الأسابيع معروفًا بينهم، وكان لزامًا عليهم قبل الإيمان بالرّب يسوع أن يحتفلوا بهذا العيد في أوروشليم. ولكنّهم الآن بإيمانهم بالرّب يسوع، لم يعودوا مستعبدين لحرف النّاموس وذلك لانّ الرّب يسوع قد اكمله روحيّا عن طريق موهبة الرّوح القدس الّتي سكبها على الكنيسة في يوم الخمسين (أنظر سفر أعمال الرّسل 1:2-4)، وهكذا أخذ العيد معناه الرّوحي الحقيقي. وللأسف الشّديد يوجد اليوم من يدعون إلى العودة لعبوديّة النّاموس، متجاهلين حرّية الكنيسة في الرّب يسوع، وحقائق العهد الجديد.

كذلك يذكر بولس الرَّسول أن خدمته لم تنته بعد في مدينة أفسس لأنه يوجد باب عظيم، أي كانت الفرصة ما تزال مفتوحة له للخدمة هناك (قارن كلامه هنا مع ما نقرأ في سفر أعمال الرسل 27:14؛ ورسالة كورنثوس الثانية 12:2؛ ورسالة كولوسي 3:4). ويتحدث بولس الرَّسول هنا عن معاندين كثيرين للإنجيل، وهو لا يذكر لنا من هم، ولكن من خلال القراءة في سفر أعمال الرسل 23:19-27، فلا بد وأنهم قد اشتملوا على بعض صُناع الحِلي للأصنام والعبادات الوثنيَّة.

الآيات 10-11: “ثُمَّ إِنْ أَتَى تِيمُوثَاوُسُ، فَانْظُرُوا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكُمْ بِلاَ خَوْفٍ. لأَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ الرّب كَمَا أَنَا أَيْضًا. فَلاَ يَحْتَقِرْهُ أَحَدٌ، بَلْ شَيِّعُوهُ بِسَلاَمٍ لِيَأْتِيَ إِلَيَّ، لأَنِّي أَنْتَظِرُهُ مَعَ الإِخْوَةِ.” نقرأ سفر في أعمال الرسل 22:19 عن إرسال بولس الرَّسول لتلميذه تيموثاوس إلى منطقة مقدونية، ولذلك عندما كتب بولس الرَّسول هذه الرسالة، كان يتوقع أن يصل تيموثاوس قريبًا إلى كورنثوس. ولأن الكورنثيين كانوا قُساة مع بولس الرَّسول ( أنظر كورنثوس الأولى 1:4 و8-13) فإنه كان خائفًا أن يعاملوا تيموثاوس ببرود، ولذلك فهو يطلب منهم أن يعاملوه بإحترام كخادم للرَّب، وأن يرسلوه بسلام من عندهم إلى بولس الرَّسول . لقد كان تيموثاوس الشاب مساعدًا لبولس الرَّسول لسنوات عديدة ( أنظر سفر أعمال الرسل 1:16-3)، وكان “يَعْمَلُ عَمَلَ الرّب” مثل بولس الرَّسول تمامًا.

الآية 12: “وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ أَبُلُّوسَ الأَخِ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكُمْ مَعَ الإِخْوَةِ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ إِرَادَةٌ الْبَتَّةَ أَنْ يَأْتِيَ الآنَ. وَلكِنَّهُ سَيَأْتِي مَتَى تَوَفَّقَ الْوَقْتُ.” تبيّن طريقة ذكر بولس الرَّسول للأخ أبلّوس، أي قوله “وأمَّا من جهة”، على أن الكورنثيين كانوا قد سألوا عنه. ويمكننا الإستنتاج من نص الآية بأن بولس الرَّسول كان قد طلب من الأخ أَبُلُّوسَ الذهاب إلى كورنثوس، ولكنّه لم يكن يريد أن يأتي إليهم عندما طلب منه بولس الرّسول، ولكنه سيأتي في الوقت المناسب، أي الوقت الّذي يريده الرّب.

الآيات 13-14:اِسْهَرُوا. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ. كُونُوا رِجَالاً. تَقَوَّوْا. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ.”

في نهابة رسالته، وبعد أن أجاب على جميع أسئلتهم، ووبّخهم على التّجاوزات والأخطاء الّتي ارتكبوها، بنهي بولس الرّسول رسالته إلى المؤمنين في مدينة كورنثوس بإعطاء خمسة أوامر حازمة وقاطعة، وهي أوامر لكنيسة الرّب يسوع في كلّ العصور، بغض النّظر عن الدّولة أو المكان الّذي يعيش فيه المؤمنون. ونلاحظ أنّ أربعة من هذه الأوامر تحمل طابعًا عسكريًّا يجب إطاعتها والعمل بها، أي تنفيذها باستمرار. وهي تتعلّق بالثّبات والصّمود والرّسوخ وقوة العقيدة والقناعة. أي أنّها ليست مجرّد أوامر يتم تنفيذها في لحظة زمنيّة، ثمّ تصبح من التّاريخ الماضي، بل هي أوامر تتطلّب من الإنسان المؤمن أن يعملها ويعيشها باستمرار، ما دام يعيش في هذا العالم، أي قبل رقاده ونهاية حياته الارضيّة. أمّا الأمر الخامس فيتعلّق بطبيعة العلاقة بين الإخوة والأخوات المؤمنين، وكيفيّة قيامهم بخدمة الله والنّاس.

1. اِسْهَرُوا: أي كونوا على حذر، وانتبهوا وراقبوا ما يدور من حولكم. فهي دعوة لليقظة الرّوحيّة وخدمة الرّب بنشاط. ويوجد لهذا الامر وجودٌ في الحياة العسكريّة، حيث أنّ على الجندي أن يكون يقظًا وحذرًا من هجمات الأعداء. والفعل في الأصل اليوناني هو γρηγορέω (جريجورِيو) وقد تكرّر ذكره ومشتقّاته 23 مرّة في العهد الجديد، ويعني يسهر، أو يبقى يقظًا، أو يحذر، أو يحترس، أو ينتبه. وغالبًا يتعلّق الفعل بالاستعداد لعودة الرّب يسوع ثانية، وكذلك بالحذر من مؤامرات وهجمات الشّيطان وأتباعه على كنيسة الرّب يسوع، وعلى المؤمنين بشكلٍ فردي.

نقرأ في الإنجيل المقدّس بحسب البشير متّى 42:24-44: “اِسْهَرُوا إِذًا لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ. وَاعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأْتِي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.” وفي رسالة تسالونيكي الاولى 2:5-6: “لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ. لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ:سَلاَمٌ وَأَمَانٌ، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ. وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ كَلَصٍّ. جَمِيعُكُمْ أَبْنَاءُ نُورٍ وَأَبْنَاءُ نَهَارٍ. لَسْنَا مِنْ لَيْل وَلاَ ظُلْمَةٍ. فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ.” وفي رسالة تيموثاوس الثّانية 5:4: “وَأَمَّا أَنْتَ فَاصْحُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. احْتَمِلِ الْمَشَقَّاتِ. اعْمَلْ عَمَلَ الْمُبَشِّرِ. تَمِّمْ خِدْمَتَكَ.” (راجع متّى 13:25؛ ومرقس 35:13؛ ولوقا 36:21؛ وأعمال الرّسل 31:20).

على جميع المؤمنبن السّهر والحذر والبقاء في حالة استعداد دائم لأنّ إبليس عدوِّ الكنيسة شرسٌ وكذّابٌ وقاتل، وبعمل باستمرار ضدّ الرّب يسوع المسيح وكنيسته. فمنذ أن أسّس الرّب يسوع كنيسته في أوروشليم، وهي تتعرّض لهجومٍ شرسٍ من الخطاة والأشرار وأتباع ديانات العالم بقيادة رئيس الظلمة إبليس عدو النّفوس.

2. اثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ: الفعل في الاصل اليوناني هو  (ستيكو)، ويتكرّر ذكره 11 مرّة ويعني يثبت، أو يرسخ، أو يستقر، أو يبقى يقظًا. أي أن هذا الأمر يدعو للوقوف بحزم وثبات، وذلك لأنّه من أهم مقوّمات الانتصار في أيّة معركة هو الثّبات والصّمود. والمؤمن المسيحي الحقيقي لا يتراجع نهائيًّا عن إيمانه بشخص الرّب يسوع وتعاليمه. وكلمة “الإيمان” تشير هنا إلى مجمل الإيمان المسيحي من تعاليم ووصايا وعقائد وقيم روحيّة واخلاقيّة. نقرأ في رسالة يهوذا 3: “أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ وَاعِظًا أَنْ تَجْتَهِدُوا لأَجْلِ الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ.” يتعرّض الإيمان المسيحي في ايّامنا لأشرس واكبر هجمة في التّاريخ، ليس فقط من جموع الخطاة والأشرار على اختلافهم، بل وحتّى من اشخاصٍ ومعلّمين وقيادات داخل الكنيسة نفسها، وخصوصًا من يريدون عودة الكنيسة إلى عبوديّة ناموس وطقوس وذبائح وأعياد العهد القديم، ودعاة الإنحراف والشّذوذ والقذارة الجنسيّة، ودعاة وحدة الأديان او ما يسمّى “الدّين العالمي الجديد” و “الدّين الإبراهيمي”.

على الكنيسة أن تتذكر باستمرار ما كتبه بولس الرّسول في كورنثوس الأولى 1:15-4 (راجع قراءة وتفسير الآيات). ونقرأ في رسالة افسس 14:4 تحذير بولس الرّسول للمؤمنين في قوله: “كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ.” ونقرأ في رسالة غلاطية 1:5: “فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ.” وفي رسالة فيلبي 27:1: “فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ.” لقد كان هذا الثّبات ضروريًّا للكنيسة عند تأسيسها في القرن الميلادي الاوّل، فكلام بولس الرّسول يدلّ على أن المؤمنين في كورنثوس كانوا فاترين ومتارجحين في إيمانهم، وبحاجةٍ للوقوف والثّبات على اساس كلمة الله. وازدادت حاجة الكنيسة للثّبات اكثر واكثر في ايّامنا الّذي نشهد فيه أبشع صور الرّدة والسّقوط الرّوحي والاخلاقي.

3. كُونُوا رِجَالاً: أي كونوا حازمين وجادّين في أمور الإيمان والحياة المسيحيّة اليوميّة، ولا تهربوا من المعارك والحروب الرّوحيّة والأخلاقيّة، ولا تتخاذلوا أو تخافوا عند مواجهة عدو النّفوس. يجسّد أمر بولس الرّسول هنا دعوة للعمل بنشاطٍ واجتهاد وشجاعة بعزيمة رجال الله الأقوياء، مثل إيليّا وأليشع ودانيال ويوحنّا المعمدان، وذلك من خلال عمل الرّوح القدس في حياتهم.

4. تَقَوَّوْا: تظهر القوّة عند الصّمود في المعركة إلى النّهاية. فلا يتمّ الإنتصار في الحرب الرّوحيّة في يومٍ واحدٍ، فالمعركة تطول وتطول، ويخوضها المؤمنون كل يوم، ويحتاجون للقوّة ومساعدة الله لهم كلّ يوم. أي أنّ قوة المؤمنين لا تنبع من داخلهم، بل هي من الله القادر على كلّ شيء. نقرا في رسالة أفسس 18:1-20: “مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ.” وكذلك في أفسس 10:6-11: “أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ.” فالكنيسة تحتاج دائمًا إلى قوّة من الله، والثّقة والإعتماد على الله.

5. لِتَصِرْ كُلُّ أُمُورِكُمْ فِي مَحَبَّةٍ: كرّس يولس الرّسول كل الإصحاح الثّالث عشر من رسالته إلى كنيسة كورنثوس للحديث عن المحبّة. فلقد كانت في الكنيسة انقسامات، وتعدّد في الآراء، فكان لا بدّ من تكرار دعوتهم إلى محبّة بعضهم البعضن وإلى ممارسة كل شيء فيما بينهم بروح ودافع المحبّة. وكما هو معروف، المحبّة لا تكون بالكلام، بل بالعمل والحق، كما يوصينا رب المجد يسوع: “اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي، وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي، وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي.” وكما نقرا رسالة يوحنّا الاولى 18:3: “يَا أَوْلاَدِي، لاَ نُحِبَّ بِالْكَلاَمِ وَلاَ بِاللِّسَانِ، بَلْ بِالْعَمَلِ وَالْحَقِّ.”

الآيات 15-18: “وَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ: أَنْتُمْ تَعْرِفُونَ بَيْتَ اسْتِفَانَاسَ أَنَّهُمْ بَاكُورَةُ أَخَائِيَةَ، وَقَدْ رَتَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِخِدْمَةِ الْقِدِّيسِينَ، كَيْ تَخْضَعُوا أَنْتُمْ أَيْضًا لِمِثْلِ هؤُلاَءِ، وَكُلِّ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيَتْعَبُ. ثُمَّ إِنِّي أَفْرَحُ بِمَجِيءِ اسْتِفَانَاسَ وَفُرْتُونَاتُوسَ وَأَخَائِيكُوسَ، لأَنَّ نُقْصَانَكُمْ، هؤُلاَءِ قَدْ جَبَرُوهُ، إِذْ أَرَاحُوا رُوحِي وَرُوحَكُمْ. فَاعْرِفُوا مِثْلَ هؤُلاَءِ.” يطلب بولس الرَّسول من الكورنثيين، المعروفين بمقدرتهم على عدم إظهار الإحترام، أن يخضعوا لبيت استفاناس ومَن شابههم لأنهم كانوا مكرسيِّن أنفسهم كليًا لخدمة شعب الله. وقد سبق للرّسول بولس أن ذكر في بداية رسالته أنّه عمّد بيت استفانوس (راجع تفسير 16:1)، ويضيف هنا قائلًا بانهم اوّل من آمن بالرّب يسوع في منطقة أَخَائِيَةَ. بعد ذلك يذكر بولس أسماء ثلاثة رجال هم استفاناس وفرتوناتوس وأخائيكوسن الّذين قاموا بزيارة بولس الرَّسول في افسس، ويبدوا أنهم كانوا أعضاء الوفد الذي حمل رسالة كنيسة كورنثوس إلى بولس الرَّسول، وزيارة هؤلاء بعثت الفرح في نفسه، ويقول بانّهم جديرين بالاحترام من قِبَل الكنيسة.

صلاة: أبانا السّماوي، نشكرك من كلّ قلوبنا من أجل جميع الإخوة الّذين يذكرهم بولس الرّسول في رسالته إلى الكنيسة في كورنثوس. ونسالك ايّها الآب القدير أن تهبنا بقوة الرّوح القدس، الغيرة والشّجاعة والحماس لكي نثبت في أيماننا، ونتحلّى بالشّجاعة والمثايرة في خدمتك، وعمل مسرّتك كل أيّام حياتنا. نطلب هذا باسم ربّنا يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هي الامور الّتي يحثّ بولس الرّسول كنيسة كورنثوس على عملها؟ وما الّذي تفهمه من بقائه في أفسس حتّى يوم الخمسين؟

ت. تحيات خِتاميَّة 19:16-24

الآية 19: “تُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ كَنَائِسُ أَسِيَّا. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ فِي الرّب كَثِيرًا أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ مَعَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا. كتب بولس الرّسول رسالته إلى الكنيسة في كورنثوس أثناء خدمته في مدينة افسس، وقد كانت أهم مدينة في منطقة آسيا الصّغرى المشرفة على بحر إيجة[15]. وقد أراد بولس الرَّسول أن يُعرِّف الكورنثيين أن كنائس آسيا كانت مهتمة بهم وبأنها تسلِّم عليهم، أي ترسل إليهم التّحيات مع أمنيات السّلام والإزدهار. ونقرأ في سفر رؤيا يوحنّا اللّاهوتي أسماء الكنائس السّبعة الّتي كانت في أَسِيَّا: ” أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ. الأَوَّلُ وَالآخِرُ. وَالَّذِي تَرَاهُ، اكْتُبْ فِي كِتَابٍ وَأَرْسِلْ إِلَى السَّبْعِ الْكَنَائِسِ الَّتِي فِي أَسِيَّا: إِلَى أَفَسُسَ، وَإِلَى سِمِيرْنَا، وَإِلَى بَرْغَامُسَ، وَإِلَى ثَيَاتِيرَا، وَإِلَى سَارْدِسَ، وَإِلَى فِيلاَدَلْفِيَا، وَإِلَى لاَوُدِكِيَّةَ.”

أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ:  نقرأ في سفر اعمال الرّسل 1:18-3: “وَبَعْدَ هذَا مَضَى بُولُسُ مِنْ أَثِينَا وَجَاءَ إِلَى كُورِنْثُوسَ، فَوَجَدَ يَهُودِيًّا اسْمُهُ أَكِيلاَ، بُنْطِيَّ الْجِنْسِ، كَانَ قَدْ جَاءَ حَدِيثًا مِنْ إِيطَالِيَة، وَبِرِيسْكِلاَّ امْرَأَتَهُ، لأَنَّ كُلُودِيُوسَ كَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يَمْضِيَ جَمِيعُ الْيَهُودِ مِنْ رُومِيَةَ، فَجَاءَ إِلَيْهِمَا. وَلِكَوْنِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِمَا أَقَامَ عِنْدَهُمَا وَكَانَ يَعْمَلُ، لأَنَّهُمَا كَانَا فِي صِنَاعَتِهِمَا خِيَامِيَّيْنِ.” نعرف من هذه الآيات بأن بولس الرّسول قد أقام في بيت أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ عندما جاء ليبشّر بالإنجيل في مدينة كورنثوس، وأن أَكِيلاَ كان يهوديًّا وزوجته بِرِيسْكِلاَّ كانت رومانيّة، وأنّهما كانا يعملان في صناعة الخيام، مثلما كان بولس الرّسول. كان طبيعيًا لأكيلا وبريسكلاَّ أن يرسلا تحياتهما إلى كنيسة كورنثوس، حيث أنهما كانا من سكّان المدينة، وقد ساعدا بولس الرّسول في خدمته هناك، وتركا مدينة كورنثوس مع بولس الرَّسول، وحضرا معه إلى أفسس، واقاما فيها. (أنظر أعمال الرسل 18:18-19).

الكنيسة في البيت: أرسلت “الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي بَيْتِهِمَا”، أي في بيت أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ، سلامها إلى كنيسة كورنثوس. تبيّن هذه الكلمات بأن أَكِيلاَ وَبِرِيسْكِلاَّ قد كرّسا بيتهما لاجتماع مؤمنين في مدينة أفسس من أجل عبادة الرّب يسوع المسيح. (رسالة رومية 3:16-5). فلم تكن هنالك عمارات أو بنايات كنسيّة ضخمة في زمن كتابة رسالة كورنثوس ، بل كان المؤمنون يتعرّضون لأنواعٍ متعدّدة من الإضطهادات، وكانوا يجتمعون بشكلٍ سرّي في بيوت مؤمنين، أو في مغاور وكهوف، وحتّى في مقابر، من أجل العبادة والصّلاة والشّركة وتناول شركة عشاء الرّب. كانت هنالك  أيضًا كنيسة في بيت نِمفاس (كولوسي15:4)، وفي بيت فِليمون (أنظر فيليمون 2؛ كورنثوس الأولى 19:16؛ ؛ أعمال الرّسل 24:2، 46؛ 42:5؛ 20:20). وحقيقة كون المؤمنون هم الكنيسه يؤكّد عليه قول الرّب يسوع له المجد: “لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ.” (متّى 20:18). وكلمة “حَيْثُمَا” في الأصل اليوناني هي οὗ (هو)، وهي ظرف مكان. أي أنّ المهم هو حضور الرّب يسوع في اجتماع الإخوة والاخوات المؤمنين والمؤمنات، بغض النّظر عن المكان.

إنّ أية مجموعة صغيرة من المؤمنين، تجتمع معًا في بيت واحدٍ منهم، يطلق عليها اسم “كنيسة”، وليس جزء من الكنيسة أو أشخاص ينتمون لكنيسةٍ أو طائفة دينيّة معيّنة. فكل اجتماع للمؤمنين بشخص الرّب يسوع هو كنيسة، سواء أكان في بيتٍ، أو في قاعةٍ، أو في حديقةٍ، أو في حيّ، أو في مخيّمٍ، أو في قريةٍ، أو في مدينة. كذلك يمكن أن نطلق على جميع الكنائس في العالم لفظة “كنيسة” بصيغة المفرد، ونستخدم بالتّالي عبارة “الكنيسة في العالم”، أو كنيسة الرّبِّ يسوع، أو كنيسة الله.

يهمني هنا التّشديد على حقيقة أنّ الكنيسة في المدن والمناطق المختلفة كانت تجتمع في بيتٍ من بيوت أحد الإخوة أو الاخوات بقصد الصّلاة والعبادة والشّركة وكسر الخبز. ويعني هذا الكلام بأن فكرة إنشاء بنايات ضخمة، يصرف من أجلها كمّيات هائلة من المال، ويستغرق بناؤها عدد من السّنوات، وتزيينها بفضّة وذهبٍ وأيقونات، هذه الفكرة دخيلة على الكنيسة، ولا أساس لها في وحي الله المقدّس. وفي هذه الأيّام، في زمن ٍأصبح فيه المسيحيّون أقليّة عدديّة في دولٍ كثيرة في العالم، وخصوصًا في فلسطين وبقيّة دول المشرق الحزين، فإنني أجد بأن الدعوة إلى عودة الكنيسة إلى البيت تاتي في وقتها، وبذلك يتم تصحيح خطا تاريخي، وكذلك لتعود بيوتنا أمكنة اجتماع لمحبّي ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح.

الآية 20: يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ الإِخْوَةُ أَجْمَعُونَ. سَلِّمُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِقُبْلَةٍ مقدّسةٍ.” الإخوة الّذين يقصدهم بولس الرّسول هنا هم اعضاء كنيسة افسس الّذين كانوا يهتمّون باحوال كنيسة كورنثوس، ويصلّون من اجل نموّها وسلامها.

يبدو أنّ “القُبلة المقدّسة” (روميَّة 16:16؛ كورنثوس الثانية 12:13؛ تسالونيكي الثانية 26:5) كانت طريقة طبيعيّة لإظهار القبول والمودّة والإحترام بين النّاس في دول شرق البحر المتوسّط. وقد تابعت كنيسة الرّب يسوع ممارسة هذا التّراث الشّعبي الجميل، واصبح للقبلة بعدًا روحيًّا، أي أصبحت مقدّسة، لأنّ هدفها هو إظهار المحبّة الأخويّة بين المؤمنين. وما تزال من العادات الشعبية المنتشرة في فلسطين وبقيّة دول الشَّرق.

الآية 21: “ اَلسَّلاَمُ بِيَدِي أَنَا بُولُسَ.” في معظم رسائله، كان بولس الرّسول يُملي الكلام الموحى به إليه من الله، ويقوم أحد الإخوة بكتابة ما يخرج من فم بولس. وفي نهاية الرسالة، كان يأخذ القلم بيده ويكتب تحيته الشخصية كعلامة على مصداقية الرسالة، أي كبرهان على أنّ كاتبها هو بولس الرّسول. (أنظر تسالونيكي الثّانية 17:3؛ فليمون 19؛ كولوسي 18:4).

الآية 22: “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُحِبُّ الرّب يَسُوعَ الْمَسِيحَ فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا! مَارَانْ أَثَا.” في ضوء المشاكل الّتي كانت موجودة في كنيسة كورنثوس، أوحى الله لبولس الرَّسول أنّه كانت الحاجة مُلِحَّة إلى إضافة هذا التحذير القوي اللهجة، وهو أنّ من لا يحب الرّب يسوع فهو ملعون وتحت غضب الله.[16] (كورنثوس الأولى 3:12؛ رومية 3:9؛ غلاطية 8:1). أكثر من كان لا يحبّ الرّب يسوع في أيّام خدمة بولس الرّسول كان الشّعب القديم وقيادتهم الدّينيّة. وللأسف الشّديد لم يتغيّر حالهم حتّى اليوم، فهم يكرهون الرّب يسوع ويجدّفون عليه في كتبهم وصلواتهم ومجامعهم، ويعملون على تدمير كنيسته بكلّ قوّة ونشاط.

بعد هذا التحذير الشّديد، يوجه بولس الرَّسول الأنظار إلى المستقبل المشرق والسعيد بعودة الرّب يسوع المسيح، ولذلك يهتف قائلًا   μαρὰν ἀθά(ماران اثا)، وهذه العبارة الآراميَّة אֲתָה מָרָנָא (أته مارنا) كانت منتشرة في الكنيسة الأولى وتعني: “تعال أيها الرّب” أو “أيها الرّب تعال”. لذلك على كلّ مؤمن حقيقي أن يعيش حياة مقدّسة بالكامل حتّى يرى الرّب ويكون معه عند هودته ثانيةً. نقرأ في رسالة العبرانيّين 14:12: “اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ.”

الآية 23: “نِعْمَةُ الرّب يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ.” ينهي بولس الرَّسول كلامه ببركة رسوليّة موجزة بقوله أن نعمة الرّب يسوع، أي كلّ بركات ومواهب وعطايا الرّب يسوع المجّانية ستكون موجودة دائمًا مع كنيسته في كورنثوس وبقيّة العالم.

الآية 24: مَحَبَّتِي مَعَ جَمِيعِكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. آمِينَ.” يشجّع بولس الرّسول كنيسة كورنثوس قائلًا بأنه يحبهم جميعًا في المسيح يسوع. أي أنّه بالرّغم من توبيخه لهم على الاخطاء والضّعفات، إلّا أنّه يحبّهم. والكلمة الأخيرة في رسالته هي كلمة “آمين” وتعني الإخلاص والصّدق في كلّ ما كتبه لهم بوحيٍ من الله، وبأنه يقبل بصدق وحقّ كل ما كتبه.

صلاة: نشكرك أيّها الآب السّماوي على كلّ كلمة أوحيت بها في رسالة كورنثوس الأولى. نحن يا ربّ نحبّك، ونؤمن بكلامك، وننتظر عودتك في كلّ لحظة من حياتنا، ونصلّي قائلين من كلّ قلوبنا ماران آثا. نطلب منك يا رب أن تمنحنا نعمتك باستمرار، وان تقوّينا لنسهر حاملين مصابيحنا، وأن نعيش حياتنا بحسب إرادتك كل يوم. نصلّي هذا باسم الرّب يسوع المسيح. آمين.

سؤال: ما هي أهم الأمور الّتي ذكرها بولس الرّسول في نهاية رسالته للكنيسة في كورنثوس؟


* خُلُوي: اسم يوناني كان يطلق على العبيد، وهو اسم امرأة مذكورة فقط في كورنثوس الأولى 11:1 وإشارة بولس الرّسول إليها يدل على أن هذه المرأة كانت معروفة عند الكنيسة في كورنثوس.

[1]  Στεφανᾶς  يجب ان يترجم الإسم بحسب ما جاء في الأصل اليوناني “إستيفاناس”.

[2] من الأفضل وضع حرف الإستدراك “أي” وليس حرف العطف “و” بين عبارة “حكمة من الله”  وكلمة “برًّا، حيث لا يوجد أي أداة ربط في الاصل  اليوناني، بل جاء حرف العطف بعد كلمة “برًّا، كما في الاصل اليوناني: “σοφία ἡμῖν ἀπὸ Θεοῦ, δικαιοσύνη

[3] معظم المخطوطات القديمة تحتوي على كلمة سر musthriou (موستيريون) وليس على كلمة شهادة marturion (مارتوريون)

[4]  المقصود في ترجمة البستاني للعهد الجديد.

[5]  راجع تفسير الآية 16 في الإصحاح الثّالث من الرّسالة.

[6]  اقترح تنقيح ترجمة البستاني، واستخدام كلمة “دفاعي” بدلًا من “احتجاجي” لإزالة أي سوء فهم لما يكتبه بولس الرّسول في هذه الآية.

[7] النص اليوناني في هذا المقطع من بطرس الأولى 15:3 هو: ἕτοιμοι ἀεὶ πρὸς ἀπολογίαν παντὶ τῷ αἰτοῦντι ὑμᾶς

[8] استخدم البستاني في ترجته عبارة “الأشياء المقدّسة” لتوضيح الكلام عن طبيعة الخدمة في الهيكل، وهذه العبارة تساعد في فهم النّص اليوناني الأصلي، مع انّها غير موجودة به.

[9] الفعل اليوناني المترجم هنا “يلازمون” هو προσεδρεύω (بروسِدريو) ولا يتكرّر في ايّ مكان آخر في العهد الجديد. ومعنى الفعل هو: يخدم، أو يعتني بشءٍ ما. لذلك فإنّ هذا التّوضيح ضروري حتّى لا يُساء فهم كلمة “يلازمون” المستخدمة في ترجمة البستاني وكأنّهم حرّاس للمذبح ليل نهار.

[10] وردت كلمة παράδοσις في 13 آية في العهد الجديد، وترجمها البستاني في 11 آية بكلمة “تقليد”، باستثناء كورنثوس الأولى 3:11؛ وتسالونيكي الثّانية 6:3 حيث ترجمها بكلمة “تعليم”.

[11] تتكرّر كلمة ἀνάθεμα ستّ مرّاتٍ في العهد الجديد، ولم تتم ترجمتها إلى اللّغة العربية في أربع آيات، بل استخدم البستاني الكلمة اليونانيّة “أناثيما” هنا وفي كورنثوس الاولى 22:16؛ وفي رسالة غلاطية 8:1-9. وتمّ ترجمتها في أعمال الرّسل 14:23 ورسالة رومية 3:9 بكلمتي حِرْم ومحروم.

1 في العودة إلى الأصل اليوناني، نجد بأنّ ترجمة البستاني لهذه الآية بحاجة للتّنقيح أو للتّوضيح من أجل جلاء التّرجمة، حيث من الأفضل أن تكون: “وَتَبَرهَنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ الرُوحِ الْقُدس، بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.”

[13] معظم مخطوطات رسالة كورنثوس تستخدم هنا كلمة  θάνατος (ثناتوس) وتعني موت جسدي أو روحي، وسبب ذلك هو أنّ الهاوية هي مقر الاموات.

[14] يصف بولس الرّسول المؤمنين في أوروشليم بالقدّيسين وليس بالفقراء.

[15]  غرب دولة تركيّا اليوم.

[16]  راجع تفسير كلمة “أناثيما” في آية كورنثوس الاولى 2:12 من هذه التّأملات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *