اشترِك في دراسة الكِتَاب المُقَدَّس بالمراسَلة
أصدَرْنا منذ سنوات تفسيراً للكتاب المُقَدَّس. فندعوك باسم المَسِيْح، لتدرس معنا العَهْد الجَدِيْد، وأهمَّ أجزاء العَهْد القَدِيْم بطريقةٍ منظَّمةٍ متواصلة، لتنال النُّضج في معرفة الإِنْجِيْل. وإن نجحت في الإجابة عن المسابقات التّسع في هذا الكتاب سنرسل لك:
شهادة في معرفة الإِنْجِيْل
مُدوَّناً فيها الأسفار الّتي أجبتَ عن أسئلتها، شرط ألاَّ يقلَّ المعدَّل عن 70 بالمائة. ومَن يدرس معنا العَهْد الجَدِيْد كلَّه يحصل على
شهادة النُّضج في معرفة الإِنْجِيْل
وبالإضافة إلى هاتين الشَّهادتَين، نرسل لكل متسابق ناجح كتاباً كجائزة، يُعمِّقُه بطريقةٍ أُخرى في ملء كلمة الله، ليُصبح له خادماً مسروراً، نافعاً لكلِّ عملٍ صالحٍ.
اقرأ الكِتَاب المُقَدَّس يوميّاً مصلِّياً، فتكسب كنزاً عظيماً للزَّمن والأبَد، وتستطيع مقاومة الأمواج الإلحاديَّة، وتَعِيش حَقَّاً. لأنَّه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله.
ونطلب منك أن تكتب مسابقاتك على أوراق مستقلَّة، بدون ملاحظات أخرى، لأنَّ أجوبتك تصل إلى لجنة خاصَّة بمركزنا لتصحيحها. كلّ الملاحظات والطّلبات المضافة المكتوبة عليها تُهمَل. ولكن لا تنسَ أن تكتب لنا اسمك وعنوانك الكامل.
هلمَّ للاشتراك والتَّعمُّق في الإِنْجِيْل
المقدمة
لإِنْجِيْل المسيح حسب البشير مَرْقُس
أرشد المَسِيْح بعضاً من أتباعه إلى تدوين أقواله، وأَعْمَاله، وسيرة حياته، وموته، وقيامته، وصعوده. فكان منهم العَشَّار متّى، شاهد العيان، ومُتقن اللغات؛ ويُوْحَنَّا التِّلْمِيْذ المحبوب، من الأرومة الكهنوتية؛ ولُوْقَا الطبيب اليُوْنَانِيّ، المرافق لبُوْلُس الرَّسُول؛ ومَرْقُس الشاب، الّذي سجَّل عظات بُطْرُس مقدام الرُّسُل.
مَن هو مَرْقُس؟
نؤيِّد إجماع الكنيسة بأنَّ كاتب الإِنْجِيْل الثاني هو يُوْحَنَّا مَرْقُس، الّذي رافق خاله بَرْنَابَا والرَّسُول بُوْلُس في الرحلة التَّبْشِيْريّة الأولى (كما جاء في أَعْمَال الرُّسُل 12: 12- 25 و13: 5- 13 و15: 37- 39). ولكنه إذ لم يقدر أن يحتمل المشقَّات الجسديَّة والكفاح الرُّوْحِيّ، أثناء هذه الرحلة، لحداثته آنَذَاكَ، ترك الرَّسُولين، وقفل راجعاً إلى موطنه مِن أوّل الرحلة، الأمر الّذي لم يَرُقْ لبُوْلُس الرَّسُول.
ولكنَّ خاله بَرْنَابَا رأى فيه، بثاقب نظره وحكمته، رجل المستقبل. فحاول تهوين الأمر على بُوْلُس باصطحاب مَرْقُس ثانيةً. فاصطدم برفيقه بُوْلُس الّذي لم يَقبل اصطحاب شاب ليّن هارب. وهكذا حدث انفصالٌ بين زعيمَي التَّبْشِيْر بُوْلُس وبَرْنَابَا. إنما بعد بضع سنوات، نجد مَرْقُس ثانيةً رفيقاً لبُوْلُس وعوناً له في سجنه بروما (كولوسي 4: 10 وفليمون 24 و2تيموثاوس 4: 11).
ومِن المسلَّم به أن مَرْقُس هو ذلك الفتى الّذي تبع يَسُوْع مِن بعيد لابساً إزاراً على عريه. ولمَّا قبض الجند على يَسُوْع، هرب عرياناً، إذ نزعوا عنه إزاره (مَرْقُس 14: 51). فشهد مَرْقُس في إِنْجِيْله بهذه الحادثة، بمعنى أنه صار مكشوفاً عارياً في صلب المَسِيْح، عبداً باطلاً غير مستحقٍّ لكتابة الإِنْجِيْل. ولكنَّ المَسِيْح رحمه، وفوّض إليه كتابة سيرة حياته الإلهية.
كيف تَكوّن إِنْجِيْل مَرْقُس؟
يقول المؤرِّخ الكنسي “أوسابيوس” إنَّ مَرْقُس قد التحق بالرَّسُول بُطْرُس بعد موت الرَّسُول، ولازمه في روما خادماً مخلصاً له، وسجَّل بكلّ دقّة كلمات وعظات هذا الرَّسُول الشيخ عن حياة المَسِيْح، ليس حسب التسلسل التاريخي، بل وفقاً للعظات والمحاضرات الّتي كان يلقيها بُطْرُس في الكنائس والبيوت، ليرسم لسامعيه صورة حياة المَسِيْح، فيروه واضحاً كأنه أمامهم… وبالحقيقة ليس مَرْقُس هو مصدر أخبار إِنْجِيْله، بل بُطْرُس مقدام الرُّسُل.
ونجد في هذا الإِنْجِيْل القليلَ مِن أقوال المَسِيْح الّتي نقرأها في الأناجيل الأخرى. لكنْ تَظهر أمام أذهاننا أَعْمَال المَسِيْح بطريقة مقتضبة فعَّالة. وقد أوضح بُطْرُس خاصةً، مِن بين هذه الأحداث، فشله المرّ بصورة أوضح منها في الأناجيل الأخرى، ليمجِّد الِّنعمة المخلِّصة لِلمَسِيْح الّذي باركه رغم إنكاره إيَّاه ثلاث مرَّات.
لِمَنْ كُتِب هذا الإِنْجِيْل؟
لقد تعلَّم مَرْقُس أثناء اتّباعه لبَرْنَابَا وبُوْلُس وبُطْرُس أنَّ يَسُوْع النَّاصِرِيّ هو المَسِيْح المقتدر القوي المنتصر. فأظهره لسَامِعِيْه الرُّوْمَان أنّه ابن اللّه الأوحد. لأنَّ الرُّوْمَان واليُوْنَانِيّين لم يجدوا في آلهتهم المتعددة المنصوبة في هياكلهم الكثيرة رجاءً حقّاً للحياة والموت. فأبرز لهم ابن اللّه الوحيد رجاء العالمين.
وهكذا فسَّر لهؤلاء الوثنيين بعض العادات اليَهُوْدِيّة بوضوحٍ، ليفهموا خلفية حياة يَسُوْع. وترك وصف الكفاح مع الفَرِّيْسِيّين. واستخدم مفردات ومُصطلحاتٍ رومانية باللغة اليُوْنَانِيّة. مما يدلّ على أنّه لم يكتب إِنْجِيْله لليهود العِبْرَانِيّين، بل للمؤمنين من الأمم في روما، ليجتذبهم إلى الإيمان الحي بالمَسِيْح مَلِك المُلُوْك ورَبّ الأَرْبَاب، المؤسِّس الإلهي للمَلَكُوْت الرُّوْحِيّ في دنياه الفاسدة.
متى كُتِب إِنْجِيْل مَرْقُس؟
نقرأ عن القدّيس “إيرونيموس” قوله أن بُطْرُس قد طالع قبل موته هذا الإِنْجِيْل، ووافق على محتوياته. ممّا يدلّ على أنّه كُتب قبل سنة 64 ب.م. لأنَّ في هذه السَّنة حدث الاضْطِهَاد العظيم على يد القيصر نيرون، الّذي تسبَّب على الأغلب في موت بُطْرُس.
ونتعلَّم مِن أصغر الأناجيل هذا، أنَّ سلطان اللّه كان عاملاً في يَسُوْع المَسِيْح الربّ. وندرك أثناء تأمُّلنا في سيرته أنَّ المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات هو حاضرٌ حتّى اليوم بيننا، منشئاً مَلَكُوْت مَحَبَّته بين الأمم. وهكذا يدعونا ابن اللّه بأوامره الموجزة لإطاعة الإيمان، لأنَّ في رحابه لا توجد فوضى وخطيئة، بل قوَّة الرُّوْح القُدُس، عاملة حسب تنظيمات رحمته، المبنية على انتصاره الخالد.
لا تقرأ إِنْجِيْل مَرْقُس بسرعة وسطحية، بل تأمَّل كلَّ كلمة مِن كلماته، ونفِّذْها بإخلاص، فتتقوى في الحياة الرُّوْحِيّة.
وأمَّا تنظيم الكتاب فهو كما يلي:
1- التمهيدات لظهور المَسِيْح. 1: 1- 13
2- بداية أَعْمَال يَسُوْع في الجَلِيْل. 1: 14- 45
3- الاصطدامات مع فقهاء التَّوْرَاة والنَّامُوسِيّين. 2: 1- 3: 6
4- آيات المَسِيْح العظيمة وعجائبه 3: 7- 8: 26
في الجَلِيْل ومحيطه.
5- المَسِيْح يُعِدّ تلاميذه لآلامه وموته. 8: 27- 10: 45
6- دخول يَسُوْع أُوْرُشَلِيْم وأَعْمَاله الأخيرة. 10: 46- 52
7- آلام يَسُوْع وموته. 14و 15
8- قيامة يَسُوْع. 16
الأسئلة:
1- مَن هو مَرْقُس؟ ومع أي الرُّسُل تعاوَن؟
2- مَن هو مصدر إِنْجِيْل مَرْقُس؟
3- إلى مَن كَتب مَرْقُس إِنْجِيْله، وفي أي زمن؟
صَوْتُ صَارِخٍ في البَرِّيَّـةِ
أَعِـدُّوا طَرِيـْقَ الـرَّبِّ
(مَرْقُس1: 2 )
الجزء الأوَّل
التَّمهيدات
لظهور المَسِيْح
(مرقس 1: 1- 1: 13)
1- عنوان وشعار إِنْجِيْل مَرْقُس
(مرقس 1: 1)
1: 1 بَدْءُ إِنْجِيْل يَسُوْع الْمَسِيْح
اختبر الرُّسُل شخصية المَسِيْح، وحصلوا على تطهير لخطاياهم، وتقوَّوا بقوة الرُّوْح القُدُس المنيرة لأذهانهم. فعاشوا في العَهْد الجَدِيْد مع اللّه، وأدخلوا معانٍ جديدةً على اللّغات الّتي تكلمّوها، ليُعبِّروا عن فرحهم وشكرهم، ويعلنوا للناس اختباراتهم التاريخية.
أ: ماذا تعني كلمة “الإِنْجِيْل”؟
كلمة “إِنْجِيْل” مستعمَلةٌ قبل ولادة المَسِيْح بعصور. ومعناها: الخبر السارّ والبشرى المفرحة.
واستخدم الرُّوْمَان آنَذَاكَ هذه الكلمة خاصَّةً في الإِعْلاَنات الرَّسمية الصَّادرة عن دار القيصر، والّتي كانت تنشر الفرح العام في الدولة، مثل ولادة ابن للإمبراطور، أو انتصار جيوشه في معارك فاصلة. عِنْدَئِذٍ كان يُنْشَر هذا الخبر السارّ في جميع مناطق الإمبراطورية بواسطة لافتات كبيرة وأبواق مثيرة… لكي يشترك الجميع في هذه المناسبات التاريخية ويحتفلوا بها.
فكلمة إِنْجِيْل لا تعني فلسفةً للبحث، ولا ناموساً للحفظ، بل إِعْلاَناً رسميّاً لحادثة واقعية، يستطيع كلّ واحد قبولها أو رفضها.
فالمَسِيْح ورسله استخدموا هذه الكلمة المختصَّة بالقيصر، وملأوها بمعانٍ وقوى جديدة. لأنَّ اللّه عمل عجائب ومنح البشر بشرىً فريدة، إذ أرسل مَسِيْحه إلى العالم متجسّداً، وقد انتصر في المعركة الحاسمة على أعداء اللّه: الخطيئة والموت والشَّيْطَان. وأسّس مَمْلَكَة مَحَبَّته الرُّوْحِيّة. وهكذا نادى يَسُوْع سَامِعِيْه: “قد كمل الزمان واقترب مَلَكُوْت اللّه فتوبوا وآمنوا بالإِنْجِيْل”. (مَرْقُس 1: 15).
لم يُنزل اللّه كتاباً جديداً بجانب الأسفار المقدّسة الموجودة في العالم قبل المَسِيْح، بل شاء بنفسه أن يتجسَّد وحيده، كما اعترف الرَّسُول يُوْحَنَّا: “الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا ورأينا مجده مجداً…” فالإِنْجِيْل لا يعني بالدّرجة الأولى كتاباً، بل شخصاً حيّاً، هو المَسِيْح بسيرته ونتائج حياته. فكلّ ما نقرأه في الإِنْجِيْل صادرٌ مِن يَسُوْع نفسه. والنَّاصِرِيّ لم يتكلَّم بكلمة اللّه فقط، بل كان هو نفسه كلمة الله… فالمَسِيْح هو إِنْجِيْلنا.
كتب كثيرون مِن شهود العيان عن لقاءاتهم مع المَسِيْح. ويُعتبر كلٌّ مِن هذه الأخبار الّتي سجَّلوها بشرى سارّة، أو إِنْجِيْلاً مقدَّساً… فلا توجد أربعة أناجيل فقط، بل مئات الأناجيل. لأنَّ كلّ شهادة صالحة عن سيرة المَسِيْح وأقواله معناها “إِنْجِيْل”. وأمَّا آباء الإيمان، فاختاروا مِن إثباتات شهود العيان عن حياة يَسُوْع، أربعة أناجيل بارزة، وسمَّوها: إِنْجِيْل متّى، إِنْجِيْل مَرْقُس، إِنْجِيْل لُوْقَا، إِنْجِيْل يُوْحَنَّا. وهي كلُّها تشهد بكلّ انسجامٍ على عظمة ابن مريم.
ولكنَّ الرَّسُول بُوْلُس سمّى رسائله الصادرة والمكتوبة قبل هذه الأناجيل الأربعة ببضع سنين إِنْجِيْلاً أيضاً، كما كتب إلى أهل رومية: “لست أستحي بإِنْجِيْل المَسِيْح، لأنه قوّة اللّه للخلاص، لكل مَن يؤمن”. فاعتبر بُوْلُس رسالته عن المَسِيْح أهم مِن كلّ أناجيل القيصر. لأنَّ المَسِيْح لم يبقَ في القبر مثل جميع حكّام العالم، بل قام حقّاً.
والمَسِيْح الحي ليس بعيداً عنّا، بل هو حاضرٌ بيننا، بواسطة كلمات إِنْجِيْله المتضمّن قوى اللّه كلّها. فالإِنْجِيْل يشبه الديناميت الرُّوْحِيّ الكفيل بتغيير العالم.
الإِنْجِيْل هو المكان الّذي يتكلّم اللهُ منه إلينا… فيَسُوْع حاضرٌ شخصياً في هذا الكتاب، مع إمكانيات الخلاص كلّها. ومَن يفتح ذهنه للإِنْجِيْل مُصلِّياً، ويثق بالمَسِيْح الحي يخلص خلاصاً أبدياً، لأنَّ كلمات الإِنْجِيْل تربط المؤمنين بالمَسِيْح الحي شخصياً. عِنْدَئِذٍ تسري قوَّة الإِنْجِيْل في نفوس المخلصين، وتغيرّهم إلى صورة المَسِيْح الحنون الوديع، فيصبحون في ذواتهم شهادة حيّة على قدرة المَسِيْح، ويمثِّلون إِنْجِيْلاً حديثاً في حياتهم. فنعترف أنّه يوجد، بجانب الأناجيل الأربعة، إِنْجِيْل بُوْلُس رسول الأمم في رسائله القويَّة، وإِنْجِيْل حياة المَسِيْحيِّين المتواضعين. فهل أصبحت أنت إِنْجِيْلاً متنقِّلاً؟ وأيّ روحٍ يتكلّم منك؟
الصَّلاَة: أيّها الآب القُدُّوس نسجد لك، لأنّك أرسلت المَسِيْح إلى عالمنا، لندرك في
حياته جوهرك، ونسمع في كلماته مشيئتك. نشكرك لأنّك لم ترسله إلينا بناموس مميت، بل مخلِّصاً محيياً. افتح أذهاننا لكي يتجسّد إِنْجِيْلك في أجسادنا، لتأتي قواه فينا بثمار كثيرة. آميـن.
السُّؤَال: 4- ما معنى كلمـة “الإِنْجِيْل”؟
ب: ما هو الاسم الشَّخْصِيّ للمَسِيْح، وما معناه؟
الاسم الشَّخْصِيّ للمَسِيْح في اللغة العربية هو يَسُوْع. ويُنطَق بهذا الاسم بألفاظ مختلفة في اللغات المتعدّدة. فيسمّيه اليونانيُّون “ياسوس”، والإنكليز “جيزوس”، والألمان “ييسوس”، بينما العرب اقتربوا مِن اللفظ السامي أكثر، فينطقون “يَسُوْع”، مع العلم أنَّ اسمه في القرآن الكريم “عيسى”. أمّا في اللغة العِبْرَانِيّة فهو “يشوع” المصغَّر مِن الأصل “يهوشوع”.
ويعني هذا الاسم: اللّه يُعِين ويتدخَّل ويُخَلِّص. فالقادر على كلّ شيء يرحم، بصاحب هذا الاسم، البشر ويعمل ويبارك ويخلّص. فالاسم يَسُوْع هو خُلاَصَة عمل اللّه المنعم علينا، لأنَّ العلي لم يأتِ لدينونةٍ، بل فتح بمجيء يَسُوْع عهداً جديداً، عهد المَحَبَّة والفداء. كما أمر الملاك جبرائيل يوسف أبا يَسُوْع بالتبني أن يسمّي الطفل: “يَسُوْع”، لأنه يخلِّص شعبه مِن الخطايا (متى 1: 21). فالبَشِيْر متّى اعترف رأساً بابتهاج، وقال: اللّه معنا، في يَسُوْع. وليس فيما بعد ضدّنا لأجل خطايانا. فلا يهلكنا حسب حكم الناموس علينا. بل يخلّصنا لأجل المولود مِن مريم. وهكذا يعني اسم يَسُوْع نهاية عهد الناموس وبداية عهد النّعمة.
ومِن الضروري التَّمييز أن ليس اسم يَسُوْع هو المَسِيْح بل بالعكس الاسم الشَّخْصِيّ للمَسِيْح هو يَسُوْع. وأمَّا كلمة “المَسِيْح” فهي لقب وصِفة حسب تعيين وظائفه الإلهية.
هل أدركت جوهر يَسُوْع، إنّه كان إنساناً حقّاً مِن إنسان حق، وفي الوقت نفسه إلهاً حقّاً مِن إله حق؟
وقد دلّت بشائر السماء، إلى جانب النُّبُوَّات، على شخصيته الإلهية والنَّاسُوتِيَّة في آنٍ واحدٍ. لأنه قد وُلد مِن الرُّوْح القُدُس ومِن مريم العذراء. فكان له جسد بشري كما لجميع النّاس. ولكن كان جوهر اللّه مستتراً فيه أيضاً، لأنّه روح منه تعالى. وفي سلطان هذا الروح شفى يَسُوْع جَمَاهِيْر المرضى، أقام الموتى، وأخرج الشَّيَاطِيْن. والأَرْوَاح النجسة عرفت اسمه وجوهره مِن قبل، وصرخت مرتعبة باقترابه منها: “آه، ما لَنا ولك يا يَسُوْع النَّاصِرِيّ. أتيت لتهلكنا. أنا أعرفك مَن أنت: قُدُّوس اللّه” (مَرْقُس1: 24). فأَرْوَاح جَهَنَّم تعلم بدون تفسير مَن هو يَسُوْع. أمّا النّاس فعميٌ وجُهَّالٌ لا يدركون إلاّ نادراً أنّه الربّ بنفسه.
هذه هي العظمة والسرّ في اسم يَسُوْع، أنّه إنسان كامل وربٌّ حقٌّ. فالكنيسة تعترف بهذا السرّ بفرح ويقين: الربّ هو يَسُوْع.
وقد ثبت هذا الاسم “يَسُوْع” في السماء، كما كان على الأرض، إذ رأى الشهيد
استفانوس السَّمَاوَات مفتوحة، وابن الإنسان قائماً عن يمين اللّه. فصلّى قبل موته: “أيّها الربّ يَسُوْع، اقبل روحي”. (أَعْمَال 7: 56- 59).
وهذا النَّاصِرِيّ المجيد اعترض سبيل شاول الطرسوسي على طريق دمشق، وأوضح له بالصوّاب: “أنا يَسُوْع الّذي أنت تضطهده” (أَعْمَال 9: 5). فتغيّر الفقيه المتزمّت وتحوَّل عن تعصّبه، وصار مؤمناً عبداً للمَسِيْح. واعترف به في رسالته فيلبي بهتاف: “رفّعه اللّه وأعطاه اسماً فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يَسُوْع كلّ ركبة ممن في السماء ومَن على الأرض ومَن تحت الأرض، ويعترف كلّ لسان أنّ يَسُوْع هو ربّ لمجد اللّه الآب” (فيلبي 2: 9- 11).
ليس اسم يَسُوْع سحراً، بل هو سرّ عجيب. وحيث يُنْطَق به بالإيمان، يعني اسمه حضور الربّ بنفسه المتكلّم بفم عبيده، والعامل بواسطة كلماتهم. وهكذا نبشِّر اليوم باسم يَسُوْع. لكي يقبله كثيرون، فيتمّ فيهم الوعد الإلهي: “وأمّا كلّ الّذين قبلوه، فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد اللّه، أي المؤمنون باسمه” (يُوْحَنَّا 1: 12). وبقوَّة هذا الاسم الفريد شفى بُطْرُس الرَّسُول الأعرجَ في القدس (أَعْمَال الرُّسُل 3: 1و4: 31). وأخرج الرُّسُل بسلطان هذا الاسم الشَّيَاطِيْن. كما أنّ الكنيسة تترقّب مجيئه الثاني مناديةً: “تعال أيّها الربّ يَسُوْع” (رؤيا يُوْحَنَّا).
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع المَسِيْح نسجد لك لأنّك كلمة اللّه المتجسّد، وقد حلّ فيك ملء اللاهوت جسدياً. أنت المولود مِن روح اللّه، وقد غلبت الأمراض والموت والخطايا وإبليس. أنت المنتصر الّذي فتح لنا الباب إلى مَمْلَكَة مَحَبَّة اللّه. نشكرك لمجيئك ملتمسين منك أن تغيّرنا إلى قدوتك، لكي تكمل قوّتك في ضعفنا. آمين.
السُّؤَال:
5- ما هو معنى اسم “يَسُوْع”؟
ج: ما هي معاني لقب وظيفة المَسِيْح؟
إنَّ كلمة “المَسِيْح” عِبْرَانِيّة الأصل، ولا تقصد شخصاً، بل هي وصفٌ لرتبة ووظيفة الملوك في العَهْد القَدِيْم، فحتّى الملك الفارسي كورش سُمِّيَ مَسِيْحاً (إِشَعْيَاء 45 : 1). ولم يقتصر هذا الاسم على الملوك فقط، بل ثمَّة رؤساء كهنة وأنبياء بارزون كانوا أيضاً مُسَحَاء ممسوحين بزيت مقدّس. وكانت هذه المسحة رمزاًً لحلول مواهب إلهية على الممسوح، حتّى ينال الحقّ والحكمة والسلطان والرحمة مع جميع الصفات اللازمة، لكي يستطيع القيام بوظائفه وفقاً لمشيئة اللّه.
وبواسطة المُسَحَاء في العَهْد القَدِيْم، أعلن الرُّوْح القُدُس تدريجياً، أنّه سيأتي مَسِيْح فريد، يمكث فيه ملء مواهب اللّه. فإِشَعْيَاء النَّبِيّ أنبأ قبل 700 ق.م. بولادته: “يُولد لنا ولدٌ ونُعطى ابناً. وتكون الرياسة على كتفه. ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنموِّ رياسته وللسلام لا نهاية” (إِشَعْيَاء 9: 6- 7).
ويَسُوْع نفسه أثبت نبوَّة أخرى مِن إِشَعْيَاء، عندما جلس في مجمع النَّاصِرَة وقرأها وفسَّرها عن نفسه إذ قال: “روح الربّ عليّ، لأنّه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلَني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحريّة، وأكرز بسنة الربّ المقبولة” (لُوْقَا 4: 18- 19).
وأمام بِيْلاَطُس الوالي الرُّوْمَاني في القدس اعترف جهراً بمَلَكُوْته الإلهي قائلاً: “مملكتي ليست مِن هذا العالم. إنّي ملك. لهذا قد وُلدتُ أنا، ولهذا قد أتيتُ إلى العالم، لأشهد للحقّ. كلّ مَن هو مِن الحقّ يسمع صوتي” (يُوْحَنَّا 18: 36- 37).
من هذه الإثباتات نرى أنَّ يَسُوْع النَّاصِرِيّ ليس واحداً مِن المُسَحَاء الآخَرين، بل هو “المَسِيْح” الحقيقيُّ، مختار اللّه الفريد. لأنَّ فيه تجتمع صفات جميع الملوك والأنبياء والكهنة المرسَلين مِن اللّه. فهو الملك المتواضع الّذي دُفع إليه كُلّ سُلْطَانٍ فِيْ السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ. وهو أعظم مِن جميع الأنبياء الّذين كانوا ويكونون، لأنّه كلمة اللّه المتجسِّد حاملاً في نفسه الوحي الكامل. وهو رئيس الكهنة الحقيقي، حيث صالح بذبيحة نفسه جميع الناس مع اللّه. وهو الوسيط الوحيد الّذي فيه يلتقي الله بالناس.
يَسُوْع هو الملك الكهنوتي الّذي اشترى أهلَ مَلَكُوْته بدمه، ودعاهم إلى رعويته، وبرّرهم، وقدَّسهم، وغيّرهم إلى خليقة جديدة، ليصبحوا كهنوتاً ملوكياً مصلّين مِن أجل العالم العاصي.
وسوف يكون المَسِيْح القاضي في يوم الدين، لأنّه كان، إلى جانب ألوهيته، إنساناً ويَعْلَم ما في الإنسان. وهو القادر على إقامة الموتى كما برهن عمليّاً.
فعظَمة يَسُوْع المَسِيْح تُفجِّر كلّ مقياس بشري. لأنّه هو الكلمة الّذي به خلق اللّه الكلّ. وهو ربُّ العالمين الّذي ينتظر منَّا تسليماً كاملاً له. وله الحقّ في قبول السُّجود، كما قَبِل سجود الّذين شفاهم في الجَلِيْل. وإنَّنا لنجد في اسم “المَسِيْح” خُلاَصَة سلطان اللّه، والقدرة على تنفيذ خطَّة خلاصه.
أمَّا اليهود، في زمن يَسُوْع، فقد عرفوا النُّبُوَّات عن المَسِيْح الآتي غيباً، وترقَّبوا ظهوره بشغف، راجين أن يحرّرهم مِن نير الاستعمار الرُّوْمَاني، الأمر الّذي سبّب سوء فهمهم مقاصد اللّه. فانتظروا فادياً سياسياً وبطلاً يحشد طاقاتهم للبطش بأعدائهم، وليس مخلِّصاً حنوناً وديعاً. وعندما أتى يَسُوْع المَسِيْح متواضعاً بدون سلاحٍ ولا مال، وخالياً مِن أي سلطة دنيوية، يجوب القرى والمدن على قدميه، كارزاً بإِنْجِيْل الخلاص، اغتاظوا، ورفضوا الموعود به، وسلَّموه كثائر سياسي إلى الوالي الرُّوْمَاني ليحكم عليه بالموت في العار. فاليهود ينتظرون حتّى اليوم مَسِيْحاً، يجعل أُوْرُشَلِيْم بالقوَّة محور العالم، ويقيم الموتى، ويرعى الشعوب بقضيب موسى. ولهذا سوف يستقبل كثيرون، بفرح وهتاف، المَسِيْح الكَذَّاب الّذي سيضلّ البشر بحيله الكاذبة، وبهائه الجذّاب، وقدرته المميتة، ملقياً بالأمم في البؤس واليأس.
أمَّا المَسِيْح الحق، يَسُوْع اللطيف الراثي، فغلب جميع التجارب المؤدّية للخطايا في جسده، وأنكر ذاته، وبذبيحة نفسه أوجد غفران خطايانا عند اللّه. وغلب أيضاً شبح الموت، عندما قام مِن القبر صاعداً إلى السماء، حيث يملك عن يمين اللّه في الوحدة الكاملة معه، وسيطاً وشفيعاً لجميع المؤمنين به، الّذين إذْ طهّرهم أعطاهم قوّة روحه هبة ونعمة. وهكذا ينشئ مَمْلَكَة مَحَبَّته وسط بغضة البشر. فالمَسِيْح هو ملك السلام الظَّافِر على كلّ قوَّةٍ تقاوم الله.
وجميع المَسِيْحيين المتواضعين يحملون اسم مَسِيْحهم في قلوبهم. لأنّهم بالإيمان به، وبالمَعْمُودِيَّة على اسمه، حلَّ الرُّوْح القُدُس في كيانهم، حتّى أصبحوا ممسوحين بالمسحة الإلهية، كما نادى بُطْرُس في عيد العنصرة: “توبوا وليعتمد كلّ واحد منكم على اسم
يَسُوْع المَسِيْح، لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الرُّوْح القُدُس”.
الصَّلاَة: أيّها الإله القُدُّوس، نحمدك لأنّك أرسلت إلينا مَسِيْحك الموعود الّذي حلَّ فيه كلُّ ملء لاهوتك جسدياً. وهو يفوق بصفاته وسلطانه ومجده جميع الملوك والكهنة والأنبياء. نسجد لك لأنَّ المَسِيْح لم يغلب العالم بالأسلحة والمعارك، بل بالمَحَبَّة والتَّوَاضُع، مانحاً أتباعه مسحة الرُّوْح القُدُس. امسحنا نحن أيضاً، لكي نعيش في انسجام مع المَسِيْح. آمين.
السُّؤَال:
6- ما هي أهمّ المعاني في لقب “المَسِيْح”؟
اسْمُهُ يَسُوْع
لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ
مِنْ خَطَايَاهُمْ
(إِنْجِيْل متى1: 21)
1: 1 بَدْءُ إِنْجِيْل يَسُوْع الْمَسِيْح ابْنِ اللّهِ
د: ماذا تعني العبارة “ابن اللّه”؟
اعتبر اليهود الاعتراف بالبنوّة للّه تجديفاً. وحَكَم المجمع الأعلى عندهم آنَذَاكَ بالإعدام على كلّ مَن يجدِّف باستعمال هذه العبارة. فكانوا يخرجونه مِن الأمّة، لكيلا يصيب غضب اللّه الجميع، ويرجمونه بعيداً عن العاصمة. فمنذ القدم تؤمن أكثريّة الشعوب السامية أنّ اللّه واحد، ولا شريك له، ولا آلهة أخرى أمامه (سفر الخروج20: 2؛ تثنية 6: 4- 5).
مع العلم أنَّ أعضاء العَهْد القَدِيْم، لم يرفضوا النُّبُوَّات القائلة إنَّ الأمَّة نفسها، أو الملك في بعض الأحيان، أو المَسِيْح الآتي هم أبناء اللّه مجازياً بمعنى التبنّي الشرعي. ولكنّهم لم يعتبروا هذه العبارة بمعنى الولادة الرُّوْحِيّة الحقيقية من اللّه؛ فآمنوا متمسِّكين بأنّ العلي واحدٌ لا مثيل له. (خروج 4: 22؛ هوشع 11 : 1؛ مَزْمُوْر 89: 28؛ 2صموئيل 7: 14و 4؛ عزرا 7: 28).
نجد نقيض ذلك عند اليونانيِّين والرُّوْمَان الذين آمنوا بآلهة عديدة وأَرْوَاح مختلفة، منها آلهةٌ شهيرةٌ. فكان الآلهة يتزوّجون بعضهم بعضاً، وينجبون أولاداً، ويتصارعون ويتحابّون ويتباغضون. وكان حوض البحر الأبيض المتوسط، قبل ألفي سنة، ممتلئاً بهذه الآراء والعبارات. والهياكل الضخمة بمذابحها تشهد لتكريم الآلهة الميتة. فلم يميزوا آنَذَاكَ بين الأَرْوَاح النّجسة واللّه القُدُّوس، بل عبدوا كلّ روح بدون استثناء.
كان بُطْرُس ومَرْقُس جريئَين حتّى إنّهما اعترضا على الاعتقاد بتعدّد الآلهة في روما، معترفين بأنّه لا يوجد إلاّ إلهٌ واحد. وهذا الإله الواحد ليس له إلاّ ابن واحد، وهو المولود مِن الآب قبل كلّ الدهور، كما تولد الكلمة مِن فم الإنسان ولا تزال جزءاً منه. فولادة ابن اللّه الأزلي هي ولادة روحية، لا جسدية، قبل كل الدهور. فمَن يظنّ ويقول إنّ اللّه القُدُّوس جانس مريم العذراء يكفر ويرتكب إثماً كبيراً. فولادة يَسُوْع في بيت لحم ليست ميلاده الأصلي، بل تجسّده في هيئة الإنسان لأجلنا. أمَّا ولادته الحقيقية فقد تمّت روحيّاً مِن الآب قبل الخلق. لهذا تعترف المَسِيْحيَّة جمعاء بأنّه إله مِن إله. نور مِن نور. إله حق مِن إله حق. مولود غير مخلوق. ذو جوهر واحد مع الآب.
لاشيء مستحيل عند اللّه. فمَن يستطيع مَنْعَ اللّه عن أن يكون له ابن إن أراد ذلك؟ فالناس يحدّدون حرية اللّه، إذ يقرّون بوحدانيته فقط. اللّه أعظم مِن أفكار البشر.
أمَّا ظهور ابن اللّه بالجسد فتمّ كما قال الملاك جبرائيل لمريم العذراء: “الرُّوْح القُدُس يحلّ عليك وقوّة العلي تُظللك. فلذلك أيضاً القُدُّوس المولود منكِ يُدعى ابنَ اللّه” (لُوْقَا1: 35). ومريم الّتي أوجست خيفةً مِن هذا القول آمنت بكلمة ربّها. فصار الجنين فيها وحدة مكوَّنة مِن الرُّوْح القُدُس والدم البشري. وفيه غلب الروح الإلهي دائماً الطبيعة البشرية، وضبطها على الدوام. فثبت يَسُوْع بلا خطيئة قُدُّوساً.
إنَّ وجود ابن لله لا يعني إطلاقاً تعدّد الآلهة، لأنّنا نعترف مخلصين بالوحدة الكاملة بين اللّه الآب والابن والرُّوْح القُدُس. وأمّا السرّ بأنّ الثلاثة يساوون واحداً فلا يستطيع العقل البشري أن يدركه تلقائيا،ً إلاّ بعد ولادة المؤمن ثانيةً بالرّوح والحق. عِنْدَئِذٍ يعرف بلمحة العين أنّ اللّه مَحَبَّة، وأن الوحدة بين الأَقَانِيْم الثلاثة حتمية بديهية كاملة. فالأشخاص الثلاثة المميزون وغير الممتزجين هم بالحقيقة وحدة أبدية برباط الكمال “المَحَبَّة”. فكلّ مَن لا يحبّ لا يدرك اللّه.
أعلن المَسِيْح نفسُه للمؤمنين وحدتَه مع الآب بطرق مختلفة وتواضع فائق قائلاً: “الحقّ الحقّ أقول لكم لا يقدر الابن أن يعمل مِن نفسه شيئاً، إلاّ ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك. لأنَّ الآب يحبّ الابن، ويريه جميع ما هو يعمله. وسيريه أَعْمَالاً أعظم مِن هذه لتتعجبوا أنتم. لأنّه كما أنَّ الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي مَن يشاء. لأنَّ الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كلّ الدَّيْنُونَة للابن لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب. مَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الّذي أرسله”. (يُوْحَنَّا 5: 19- 23).
وبعد هذا الإِعْلاَن عن وحدة المَسِيْح مع الآب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الأَعْمَال، نقرأ اعتراف يَسُوْع عن وحدته مع اللّه بِالنِّسْبَةِ إِلَى السلطان والجوهر أيضاً إذ قال: “كلّ شيء قد دُفع إليَّّ مِن أبي. وليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومَن أراد الابن أن يُعلن له. تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم” (متى11: 27- 28). وفي حلقة تلاميذه صرَّح يَسُوْع بوحدته المطلقة مع الآب قائلاً: “أنا والآب واحد”. وقال لأحد التَّلاَمِيْذ: “أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ. الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَال. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ. وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَال نَفْسِهَا” (يُوْحَنَّا10: 30 و14: 10- 11).
يُمكنك، على أساس هذه الإثباتات الكتابية، أن تدرك أنَّ ليَسُوْع الحق أن يقول: “مَن رآني فقد رأى الآب” (يُوْحَنَّا14: 9).
أمَّا “قيافا”، رئيس مجلس اليهود الأعلى في زمن يَسُوْع، فقد انتصب في المَحْكَمَة الدينية أمام المقيَّد، وألقى سؤاله الماكر في وجهه البديع قائلاً: “أستحلفك باللّه الحي أن تقول لنا هل أنت المَسِيْح ابن اللّه”. (متى26: 63). وإذْ لم ينكر يَسُوْع هذه الحقيقة، بل أثبتها، ووافق على طبيعتها الإلهية، اغتاظوا وسلّموه للقتل فوراً. فالحكم على يَسُوْع بالإعدام تمّ لأجل تصريحه بأنّه ابن اللّه. فكيف يقول بعض الناس بعد 1900 سنة من هذه الحادثة التاريخية إِنَّ يَسُوْع لم يعترف بأنّه ابن اللّه؟ إنّ هؤلاء الشاكين لم يدركوا جوهر يَسُوْع المَسِيْح الذي هو حقّاً الابن الوحيد للّه القُدُّوس.
الصَّلاَة: نسجد لك أيّها الابن الحنون، ونحمدك أيّها الآب القُدُّوس، لأنّك أنت كما أعلنت نفسك في ابنك يَسُوْع. إنَّ عقلنا المحدود غير قادر على إدراك حقيقتك. فنطلب إنارة أذهاننا بروحك القُدُّوس، لكي نستنير، وندركك كما أنت: الآب والابن والرُّوْح القُدُس في وحدة كاملة برباط المَحَبَّة، الّتي تحيينا وتجعلنا أولاداً لك بالنّعمة آمين.
السُّؤَال:
7: ما هي المَبَادِئ الرَّئِيْسِيّة لعبارة “ابن اللّه”؟
sssssss
هـ: خُلاَصَة عنوان إِنْجِيْل مَرْقُس
فَتَح البَشِيْر مَرْقُس ستار السماء بافتتاحية إِنْجِيْله فتحاً مُبيناً، وقدَّم لنا بكلماته الخمس الأولى شعار رسالته وخلاصتها. فكلّ ما يليها في إِنْجِيْله ليس إلاّ توضيحاً لهذا الشعار، وبياناً لشخصية يَسُوْع المَسِيْح بواسطة وصف الحوادث، ليستنتج القارئ مِن الحقيقة التاريخية ألوهية المَسِيْح.
لماذا افتتح مَرْقُس إِنْجِيْله بهذه الكلمات المحرجة الجارحة لمشاعر اليهود والرُّومانيِّين؟
إنَّ البَشِيْر أراد أن يقول لليهود المهاجرين في روما ولعَبَدة الأصنام في الدول الرُّوْمَانية: إنَّ الحوادث التاريخية الّتي اختبرناها شخصياً ليست فلسفة ولا كذباً، بل حقيقة واقعية. لا أستطيع أن أكتب شيئاً غير ما حدث فعلاً. فيَسُوْع قد ملأ أنفسنا بسلامه وسروره، وصار محور تفكيرنا، وأساس إيماننا، وقوَّة شهادتنا.
فبافتتاحيته ردَّ على اليهود في روما قائلاً: “إن آباءكم لم يدركوا أنَّ يَسُوْع النَّاصِرِيّ هو المَسِيْح الموعود، بل قتلوه بدون معرفة. فتوبوا أنتم، وآمنوا به لتخلصوا.” ولأجل هذه الكلمات استحقَّ بُطْرُس ومَرْقُس، في نظر اليهود، الرّجم فوراً.
أمَّا للجَمَاهِيْر الوثنية فقال البَشِيْر بافتتاحيته: “كلّ أصنامكم وآلهتكم باطلة، وهي خداع لأنفسكم، وخيال كاذب. وحتّى تكريمكم للقيصر كإله لا يجوز. فليس ابنٌ للّه إلاّ يَسُوْع المَسِيْح ربّنا المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات الحي المالك إلى الأبد. هذا حقّ ويقين.
لم يشأ مَرْقُس أن يفسِّر لسَامِعِيْه الحقيقة الإلهية تدريجياً بالاحتيال المنطقي، بل عرف أنَّ الّذين مِن الحقّ يسمعون صوت الحقّ. فادرس حياة يَسُوْع بدقّة تتيقن أنّه الربّ بنفسه.
السُّؤَال:
8- لماذا افتتح البَشِيْر مَرْقُس إِنْجِيْله بهذه الكلمات؟
يُولَـدُ لنَـا وَلََـدٌ وَنُعطَى ابْناً
وتكونُ الرّيَاسَةُ عَلى كتِفِه
وَيُدعَى اسْمُهُ
عَجيْباً مُشِيراً إِلهـاً قَدِيْراً
أَبـاً أَبَدِيّاً رئيسَ السّلاَمِ
(إِشَعْيَاء 9: 6)
2- قيام يُوْحَنَّا المَعْمَدَان
في وادي الأردن
(مرقس 1: 2- 8)
1: 2 كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ، هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي الَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ، 3 صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً. 4 كَانَ يُوْحَنَّا يُعَمِّدُ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّة التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. 5 وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُوْرُشَلِيْم وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ. 6 وَكَانَ يُوْحَنَّا يَلْبَسُ وَبَرَ الإِبْلِ وَمِنْطَقَةً مِنْ جِلْدٍ عَلَى حَقْوَيْهِ وَيَأْكُلُ جَرَادًا وَعَسَلاً بَرِّيًّا. 7 وَكَانَ يَكْرِزُ قَائِلاً يَأْتِي بَعْدِي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَنْحَنِيَ وَأَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. 8 أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوْحِ القُدُسِ
يَشقُّ المهندسون في أيامنا طرقاً واسعة هائلة في الصَّحارى والمستنقعات، ويبنون جسوراً كبرى فوق الأودية والأنهار. ولكن لا يستطيعون إنشاء طريق بين اللّه والبشر. فهل تريد أن يبني اللّه بنفسه صراطاً مستقيماً مِن عنده إلى قلبك وعائلتك وأصدقائك؟ هل أنت مستعدٌّ أن تخبر الآخرين بعمل الربّ ومجيئه القريب ليستعدّوا لقبوله؟
كثيرٌ مِن الناس يبغون الكتابة والإذاعة ليصبحوا مشهورين، ومرشدين للآخرين، وزعماء في شعوبهم. ولكنْ قليلون منهم مدعوُّون مِن اللّه حقّاً. فإنَّ صوتهم فارغ ولا قيمة له. أمّا يُوْحَنَّا المَعْمَدَان فكان ساعي المَسِيْح، وقام في قوّة الرُّوْح القُدُس. ووضع ربّه في فمه كلمات النَّبِيّ إِشَعْيَاء، فاخترق بكلماته قلوب كثيرين، وأعلن لهم ذنوبهم؛ ورأى في الصحراء مثلاً لحالة الأنفس الميتة روحيّاً والمحرومة مِن أمطار نعمة اللّه.
طلب يُوْحَنَّا المَعْمَدَان مِن سَامِعِيْه التَّوبة الصادقة وتغيير الفكر، مع الاعتراف الواضح بالخطايا المرتكبة. وكانت المَعْمُودِيَّة في مياه نهر الأردن تابعة لإنكار النفس. فالاعتراف بالذّنوب جهراً هو كَسرٌ للكبرياء. والمَعْمُودِيَّة رمزٌ لتطهير الخاطئ وموت الإنسان العتيق.
هل تَعلم أنَّ جميع النّاس يتوقون إلى الغفران والتطهير الشامل بمن فيهم أنت؟ اعترف إذاً بخطاياك الآن أمام ربّك، وافتح قلبك له بصدق.
لقد أعلن يُوْحَنَّا غفران الذنوب باسم اللّه وبقوّة روحه ليمهّد الطريق للمَسِيْح الآتي. فتاب الألوف منسحقين أمام القُدُّوس. ولكنَّ المَعْمَدَان أدرك في صميم قلبه أن التَّوبة، والاعتراف، ومياه المَعْمُودِيَّة، والحديث عن الغفران لا تَكفي لإجراء التَّغيير الجذري في الإنسان، لأنَّ الرُّوْح القُدُس وحده يعزي القلوب ويصلح الإنسان. فأعلن اللّه لنبيِّه المصلِّي أنَّ المَسِيْح يأتي سريعاً ليمنح التائبين قلباً جديداً، ويعمّدهم بروحه القُدُّوس. فيُوْحَنَّا المتقشِّف الزاهد ارتعد مِن مجرَّد التَّفكير بأنّه سيلتقي ابنَ الله شخصيّاً، لأنّه عَلِم في نفسه أنَّه غير مستحق أن يحلَّ رباط حذاء الآتي. لأن لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إلاّ اللّه.
والهدف الإلهي هو أنَّ التائبين يمتلئون بروح المَحَبَّة. ولكنْ ليس إنسانٌ قادراً أن يحصل على هذا الرّوح إلاّ بالإيمان الملتصق بالمَسِيْح الحي، الّذي هو مع أبيه ينبوع هذا الرّوح المبارك. فأسْرِعْ إلى يَسُوْع، معترفاً بخطاياك المرتَكَبة، وعازماً على تَرْكها نهائياً؛ فيغفر لك كلّ خطاياك، ويملأك بروحه اللطيف الطاهر. أَمينٌ هو الّذي يدعوك، الّذي سيُكمّلك إن التجأتَ إليه.
الصَّلاَة: أيّها الآب السَّمَاوِيّ، نشكرك لأنّك أرسلت المَعْمَدَان لِيُعِدَّ طريق ابنك. قُدْنا إلى التوبة النَّصُوح بإرشاد روحك القُدُّوس، لنعرف خطايانا في نورك، ونندم عليها في أعماق أنفسنا، ونعترف بها بدون مراوغة، ونتركها بقوَّتك، ونبغضها فعلاً، وننال بالإيمان الغفران الشامل بدم ابنك الوحيد؛ فنطهر، ونمتلئ بروحك القُدُّوس، مع كلّ المشتاقين إلى محبّتك، في كلّ أنحاء العالم. آميـن.
السُّؤَال: 9- ما هما مضمون وهدف رسالة يُوْحَنَّا المَعْمَدَان؟
3- مَعْمُودِيَّة يَسُوْع المَسِيْح
(مرقس 1: 9- 11)
1: 9 وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوْع مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيْل وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوْحَنَّا فِي الأُرْدُنِّ. 10 وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى السَّمَاوَات قَدِ انْشَقَّتْ وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلاً عَلَيْهِ. 11 وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَات، أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ
ترك يَسُوْع بلدته، واقترب مِن جماعة التائبين حول يُوْحَنَّا المَعْمَدَان. وكانت بلدته “النَّاصِرَة” آنَذَاكَ قرية جبلية، بعيدة عن مراكز الدين والثقافة في أُوْرُشَلِيْم، فهي ليست واقعة على شاطئ البحر المتوسط، بل كانت جبالها وهضبتها الجميلة معروفة كمربض للصوص وقطّاع الطرق والثُّوَّار. وأمّا الشاب يَسُوْع ابن مريم فقد ثبت بدون خطيئة رغم محيطه الشرس. ولم يكن محتاجاً إلى مَعْمُودِيَّة لمغفرة خطاياه، لأنّه بريء وطاهر وقُدُّوس. فلم يعترف بذنْب ما، بل اعتمد عوضاً عن البشر، لأنّه قد قبل دعوة اللّه ليرفع خطيئة العالم.
ولمّا وافق على تعيينه لهذه الدعوة، وابتدأ عمله لمصالحة الكون مع اللّه كان في الثلاثين مِن عمره تقريباً. وعندما مارس المَعْمُودِيَّة عوضاً عنّا انشقَّت السَّمَاوَات، وظهرت أعجوبة الثَّالُوْث الأَقْدَس. إذ نزل الرُّوْح القُدُس جليّاً في هيئة حمامة، واستقرّ عليه رمزاً للسلام. فحلَّ سلام اللّه في قلب رئيس السلام، ومكث فيه ثابتاً، لأنّه أخضع طبيعته البشرية بأكملها لخدمة اللّه. وفي أثناء المَعْمُودِيَّة سُمع صوتٌ مِن السَّمَاوَات: “أنت ابني الحبيب الّذي به سُررت”.
وممّا لا ريب فيه أنَّ المَسِيْح كان، منذ الأزل، ممتلئاً بالرُّوْح القُدُس. ولكن في هذه الساعة أثبت اللّه له بطريقة فائقة أنّه قد انسجم تماماً بخُضُوْعه مع إرادة أبيه.
وحيثما يحضر الرُّوْح القُدُس يتكلّم اللّه، ويعلن نفسه أباً. ويُمجَّد المَسِيْح ابناً للّه. لا يوجد إنسانٌ قادر أن يؤلِّف كلمات في المَحَبَّة كتلك الّتي نطق بها الآب عن ابنه كشهادة أبدية لجوهره. ولا يستطيع روحٌ بشريٌّ أن يسبر أغوار هذه العبارات، لأنّ اللّه ألغى استتاره، وأعلن نفسه مَحَبَّة قريبة ومسرّة خالدة. وشهد أن المَسِيْح بالحقيقة ابنه. وحلَّ فيه كلّ ملء اللاهوت جسديّاً.
وهذا اللاهوت ظهر في لطفه وحنانه وشفقته ورثائه وصبره. فيَسُوْع هو الحبيب الوحيد الممتلئ بمَحَبَّة اللّه، لأنّه صالح العالم العاصي المتمرّد مع اللّه القُدُّوس، وأتاح لنا أن نصير أولاداً للّه، ونشترك في مسرّته. فهل اللّه مسرورٌ مِن سلوكك؟
الصَّلاَة: أيّها الآب السَّمَاوِيّ، نسجد لك سجود الحمد والشكر، لأنّك أعلنت لنا أبوّتك السَّرمدية في بنوّة المَسِيْح الحبيب. وأكَّدْتَ لنا، بقوَّة روحك القُدُّوس، محبَّتك الخالدة، إذ غفَرت لنا ذنوبنا، وجعَلتَ حياتنا حمداً لنعمتك. آميـن.
السُّؤَال: 10- كيف ظهر الثَّالُوْث الأَقْدَس؟
4- تجربة يَسُوْع المَسِيْح
(مرقس 1: 12- 13)
1: 12 وَلِلْوَقْتِ أَخْرَجَهُ الرُّوحُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. 13 وَكَانَ هُنَاكَ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَان، وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ، وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدُمُهُ
عرف الشَّيْطَان قليلاً عن اللّه، وأدرك شيئاً مِن خطّته، ولاحظ بفزع حلول الرُّوْح القُدُس على المَسِيْح، فعرف أنَّ هذه هي الساعة الحاسمة في تاريخ البشر، لأنَّ ابن اللّه ابتدأ بمصالحة العالم مع أبيه. فصمّم المجرِّب أن يُسْقِط حَمَل الله في شهوات عديدة، ويُضلّه إضلالاً مُبِيْناً، ليُبطل استحقاقه خدمةَ الذبيحة.
أمَّا الرُّوْح القُدُس فهو الّذي قاد المَسِيْح فوراً إلى المعركة في البرية بعد المَعْمُودِيَّة. فابن اللّه لا يخاف مِن الشَّيْطَان، لأنَّ أصغر قدّيس أقوى مِن أكبر شيطان، فاللّه ساكنٌ في أولاده.
وقف المَسِيْح ثابت الجنان وسط التَّجارب الشَّيْطَانية الّتي انقضَّت عليه كالصَّواعق المبيدة، فلم يُصْغِ إلى وسوسات المجرّب، بل اختار طريق الفقر والتَّوَاضُع والوداعة. ولم يشكّ في مَحَبَّة أبيه. ولم يتضعضع بِالنِّسْبَةِ إِلَى بنوّته الخاصة. بل كان مُزمعاً أن يكمل طريقه إلى الصَّلِيْب. ولم يَقْبَلْ قَطّ حلاًّ وَسَطاً، عالماً أنَّ العالم لا يُصلَح ولا يُفدَى إلاّ بذبيحة جسده.
فثبت المَسِيْح منتصراً في كلّ تجارب عبقرية الشَّيْطَان. ولم تقدر وحوش البرِّيَّة المفترسة كلُّها أن تمسَّه بأذىً، لأنّه ثبت في إرادة اللّه، واختار طريق الحَمَل الوديع، طريق احتمال الظلمة وغفران خطايا العالم. فبموته أوضح أنّ اللّه مَحَبَّة. ومَن يثبت في المَحَبَّة يثبت في اللّه واللّه فيه.
وفي نهاية هذه المصارعة الرُّوْحِيّة، خدَمته الملائكة الّتي اشتاقت لرؤية التطوّر في هذا الكفاح. فتهللت عندما جرّد المَسِيْح عدوَّ اللّه من قوَّته.
صام يَسُوْع أربعين يوماً وأربعين ليلةً في البرِّيَّة. ويدل العدد أربعين على السنوات الطويلة الّتي قضاها شعبه في البريّة، وعلى الأيام الّتي قضاها موسى أمام اللّه على جبل سيناء. فأربعين يوماً طالت المصارعة الأولى بين الصَّالِح والشِّرِّيْر في بداية خدمة المَسِيْح.
الصَّلاَة: نسجد لك أيّها المولود مِن روح المَحَبَّة، لأنّك غلبت الشَّيْطَان في بداية خدمتك. ولم تستجِب لتجاربه. نشكرك لأنّك رفَضْت المال والسّلطة والشهرة والقتل، واختَرْت طريق الجودة والقَدَاسَة والتَّوَاضُع. اغفر لنا استِكبارنا ونجاستنا. واملأنا بقوَّة لطفك، لكي نتبعك في طريق حَمَل الله.
السُّؤَال:
11- لماذا قاد الرُّوْح القُدُس يَسُوْع أوَّلاً إلى البِّريّة ليُجرّب مِن إبليس؟
اسْألـوُا تُعطـوا
اطْلُبُـوا تجـدوا
اقْرَعُوا يُفتح لكم
(لوقا 11: 9)
الجزء الثَّاني
بداية أَعْمَال يَسُوْع
في منطقة الجَلِيْل
)الأَصْحَاح 1: 14- 45)
1- كرازة يَسُوْع الأولى وشعار رسالته
(مرقس 1: 14- 15)
1: 14 وَبَعْدَمَا أُسْلِمَ يُوْحَنَّا جَاءَ يَسُوْع إِلَى الْجَلِيْل يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوْت اللهِ، 15 وَيَقُولُ قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوْت اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيْل.
أكمل يُوْحَنَّا المَعْمَدَان خدمته كساعي الربّ عندما ابتدأ يَسُوْع وظيفته كالمَسِيْح. فأسرع الشَّيْطَان مغتاظاً إلى النَّبِيّ في البرّية ليمتحنه الامتحان الأخير، بعدما هزمه يَسُوْع هزيمةً ساحقةً، فألقى بالمَعْمَدَان، بواسطة الملك هِيْرُودُس، في السّجن المظلم المملوء بالخوف والشكوك. ورسم أمام بصره الموت المقبل مرَّاتٍ عديدة.
ولم يتقدّم يَسُوْع ليحرّر سابقه وساعيه بالقوّة، بل أدرك علامات الساعة، وفهم مشيئة أبيه باكتمال الزمان واقتراب التغيير الجوهري للعالم. فمنذ ملايين السنين كانت المخلُوْقَات تنتظر مجيء الربّ، ليتحرّر العالم مِن قيود الذنوب والموت والأبالسة. فعندما رجع يَسُوْع مِن نهر الأردن إلى جبال الجَلِيْل، تقاصر الوقت، واندمجت أشعّة النّعمة كلُّها في شخصه، كما تتجمّع أشعة الشمس في عدسة بلورية لتخترق باختراقها كلّ مانع للنور الساطع.
المَسِيْح هو الرب نفسه، المالك الحكيم الّذي له الحقّ في السلطة، لأنّه بواسطته (الكلمة) قد خلق اللّه العالمين. فالكلّ ملكه. ولهذا جميعنا خاصة المَسِيْح، سواء عَلِمْنا هذه الحقيقة أو لم نَعْلَمْها.
ولَمَّا قَبِل يَسُوْع وظيفته كملك مالك، دخل العالمَ ليربحه للّه، فكانت إمكانيات سلطان اللّه كلُّها مستترة فيه. ولكنّه ما أشعل ثورة، ولم يُمِتْ أعداءه أفراداَ أو جماعات. وما استخدم سلطانه سلبياً، بل شبّه نفسه بحبّة القمح الّتي ينبغي أن تموت أوّلاً لكي يثمر منها حصادٌ للّه. حقّاً إنَّ يَسُوْع الملك قد بذل حياته لأجل أهل مَلَكُوْته ليؤهِّل الضَّالِّيْن العصاة لدخول رحاب اللّه.
وفي مجيئه، لم يطلب مِن سامعيه الانكسار بالدرجة الأولى شرطاً للدخول إلى مَمْلَكَة مَحَبَّته. بل قدَّم لهم نعمة مَلَكُوْته وقوَّة السماء مجّاناً. فلا يطلب اللّه منّا إكمال وصايا مستحيلة التطبيق، بل يأتي شخصيّاً إلينا، ويمنحنا حضوره ومَحَبَّته القُدُّوسة. فالخطوة الأولى للتّوبة هي تغيير الفكر مِن إنشاء العمل الخاص الناقص إلى قبول قوّة اللّه المنعمة علينا. فالكلمة اليُوْنَانِيّة لعبارة (التّوبة) لا تدلّ على انهمار الدُّموع والنوح الصَّارخ، بل تعني تغيير الذهن مع تبديل الشُّعور الباطني، والاتجاه الجديد للتفكير والكيان. نادى يَسُوْعُ الجَمَاهِيْرَ قائلاً: “ها أنا حاضرٌ بينكم. فيّ قد حَلّ مَلَكُوْت اللّه على الأرض. اقبلوني، واقبلوا محبّتي وقوَّتي وطهارتي فتتغيّروا إلى صورة حياتي”.
وهذا التغيير الجذري في الإنسان، بواسطة التوبة الرُّوْحِيّة حسب الإِنْجِيْل، لا يتمّ بواسطة سحر أو تعقّد في الإرادة أو التصميم، بل بواسطة الإيمان بالمَسِيْح والثقة فيه. فنسلّم أنفسنا كُلِّيّاً لربّنا وملكنا لتكمل قوّته في ضعفنا وتقدّسنا لصفاته السَّمَاوِيّة. ومَن يؤمن به فله الحَيَاة الأَبَدِيَّة اليوم.
قَبْل مجيء المَسِيْح، لم يكن مَلَكُوْت اللّه على الأرض. أمَّا الآن فيبني الربّ مَلَكُوْته على أساس برّه، بقوّة روحه، في جميع التائبين المؤمنين. ويعدّهم لمجيئه الثاني، عندما يستقبلونه بهتاف، مزيَّنين بمَحَبَّة وتواضع وسرور أكيد. وهو عِنْدَئِذٍ سينشئ مَلَكُوْت اللّه ظاهراً على الأرض، معلناً مجده في أتباعه الودعاء.
تعَمَّق في إِنْجِيْل المَسِيْح، فتتغيّر أفكارك، وتمتلئ بكلمة اللّه، فتولد إنساناً جديداً بالرّوح والحقّ. الملك الإلهي واقفٌ أمامك ويدعوك، فهل تأتي إليه وتتقدّس بقداسته؟
الصَّلاَة: أيّها الربّ المَسِيْح أنت ملكنا الرحيم. نحن خاصّتك. اغفر لنا إن اختلسنا أنفسنا منك لنعيش مستقلين عنك، كأنّنا خاصة أنفسنا. نشكرك لأنّك أتيت إلينا ونحن عصاة ولم تُبِدْنا، بل عشت متواضعاً ووديعاً بيننا، وستَرْتَ سلطانك، وأظهرت محبّتك في قداستك. نسجد لك معترفين بأنَّك ربّنا وملكنا. غيّر أذهاننا، وقدّسنا إلى التمام، لكي ننال بتبريرك لنا قوّة روحك القُدُّوس، ونتجدّد في الولادة الثانية، ونجتهد لنشر مَلَكُوْتك استعداداً لمجيئك الثاني. تعال أيّها الربّ يَسُوْع… تعال.
السُّؤَال:
12- ما هي معاني العبارة “مَلَكُوْت اللّه”؟
آية للحفظ:
“قد كمل الزمان واقترب مَلَكُوْت اللّه فتوبوا وآمنوا بالإِنْجِيْل” (مَرْقُس1: 15).
2- دعوة يَسُوْع لتلاميذه الأربعة الأوائل
(مرقس 1: 16- 20)
1: 16 وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي عِنْدَ بَحْرِ الْجَلِيْل أَبْصَرَ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ. 17 فَقَالَ لَهُمَا يَسُوْع هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادَيِ النَّاسِ. 18 فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاهُ. 19 ثُمَّ اجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ قَلِيلاً فَرَأَى يَعْقُوبَ بْنَ زَبَدِي وَيُوْحَنَّا أَخَاهُ وَهُمَا فِي السَّفِيْنَة يُصْلِحَانِ الشِّبَاكَ. 20 فَدَعَاهُمَا لِلْوَقْتِ، فَتَرَكَا أَبَاهُمَا زَبَدِي فِي السَّفِيْنَة مَعَ الأَجْرَى وَذَهَبَا وَرَاءَهُ
يُشْبِه العالَمُ بحراً ممتلئاً سمكاً، والمَسِيْح هو صيَّاد البشر الرحيم. فهو لا يصطاد في عصرنا أسماك البحر كلّها دفعةً واحدةً، بل يصطاد النُّخبة فقط الّتي أعدَّها الله وأعطاه إيَّاها. أمَّا الكنيسة فهي شركة الصيادين في بحر العالم، العاملين في خدمة الله. فهُم يُلقون شبكة كلمته في البحر ليصطادوا كثيرين لله.
اصطاد المَسِيْح أوَّلاً بُطْرُس وأخاه أندراوس. إذ رأى فيهما، ببصيرته الإلهيَّة، نار التوبة والشوق للطهارة في قلبيهما، والّتي أذكى لهيبَها يُوْحَنَّا المَعْمَدَان المنادي بالرجوع إلى الخالق.
لم يكن هذان الأخَوان مثقَّفَين، ولكنهما كانا صيَّادَين مجتهدَين وخبيرَين في أخطار البحر، غير متفلسفَين بل مستعدَّين للعمل اليدوي الشاق.
كانا قد عرفا المَسِيْح من قبل، وسمعا شهادة المَعْمَدَان عنه أنّه المَسِيْح حَمَل الله، فآمَنا به. وعندما أُلقي معلمهما السابق في السجن، تبعا الربّ يَسُوْع مباشرةً، مطيعَين أمر دعوته المجدِّدة.
ربّما كان بُطْرُس وأندراوس يعودان بعد رجوعهما مِن الأردن إلى شباكهما، بينما كان يَسُوْع يعمل في منطقة الجَلِيْل. ولكن حينما اتّخذ الربّ لنفسه مدينة كَفْرنَاحُوْم، وسكن على شاطئ البحر أصابتهما دعوته كسهم. فتبعاه فوراً وتركا سفنهما وشباكهما، أي ضمان حياتهما ومعيشتهما، لأنَّ الربّ أعظم مِن كلّ ضمان دنيوي.
عندما يأمرنا الملك الإلهي أن نأتي إليه، فما علينا إلاّ أن نطيعه ونتبعه، ولو كره الكافرون، واستهزأ بنا المستهزئون. لا يحقّ لنا أن نهتمّ بالمال والمعيشة، لأنَّ الربّ يؤمَّن لنا الخبز الكافي لكلّ يوم.
يريد المَسِيْح أن يجعلك صيّاداً للبشر، كي تربحهم، ليس بذكائك وحيلك أو مالك، بل بتواضعك ولطفك في قوّة الرُّوْح القُدُس. وشبكة عبيد المَسِيْح هي كلمة اللّه المرافقة بصلواتهم، والمطروحة حسب إرشاد الرُّوْح القُدُس. عِنْدَئِذٍ يقود المَسِيْح بإرشاده أسماكاً كثيرة إلى شبكة مَحَبَّته.
وفي اتّباع المَسِيْح نتعلّم أنّنا لسنا نحن الّذين نصطاد الآخرين، بل الربّ العامل فينا هو الّذي دعاك وطهّرك وأرشدك لخدمة ناجحة. فالإنسان بطبيعته غير مستحق، وغير قادر على خدمة اللّه. نحن كلنا عبيد بطّالون، ولكن دعوة الرب “هلمّ اتبعني، أجعلك صياد البشر” تؤهّلك للخدمة الرُّوْحِيّة، فلا يبقى لنا فخر، بل المجد كلّ المجد للربّ الّذي يصيّرنا عبيداً نافعين، وفي اتّباعنا إيَّاه والتصاقنا به يُعلِّمنا الحكمة والكلمة الصواب والسيرة المقدّسة، كما قال: “أنتم نور العالم. فليضئ نوركم هكذا قدّام الناس لكي يروا أَعْمَالكم الحسنة ويمجّدوا أباكم الّذي في السَّمَاوَات” (متى5: 14- 16).
التقى المَسِيْح في اليوم نفسه يُوْحَنَّا البَشِيْرَ وأخاه يعقوب، وبارك عائلتهما بواسطة دعوة الرجلين المقتدرين إلى خدمة اللّه. وقد سبَّب ترك مهنتهما ومورد رزقهما خسارة فادحة لعائلتهما. ولكنّهما أدركا، مع جميع الخدّام المخلصين، القاعدة: “لا نستطيع أن نخدم اللّه والمال”. فالّذين يخدمون الربّ لا يقصدون المال، بل يختبرون أنَّ اللّه نفسه يحلّ فيهم بروحه القُدُّوس. وهذا الرّوح لا يجمع المادة كضمان لنفسه، بل يغلبها ويوزّعها في سبيل المَحَبَّة.
لم يصلح يُوْحَنَّا ويعقوب فيما بعد الشباك، بل ربطا كنيسة المَسِيْح في وحدة مقدّسة بصبر فائق وتدقيق قويم. فالخدمة في الكنيسة محتاجة إلى تأنٍّ ورفق وإلى جميع صفات مَحَبَّة اللّه، لأنّ الكنيسة هي المَحَبَّة وإلاّ فليست كنيسة.
هل سمعت دعوة المَسِيْح، وهو يجتاز اليوم وسط أمتنا العربية، ويدعو المستعدين، ويدربهم على الخدمة الفعَّالة؟ هل تلبّي دعوته فوراً، وتتبع المَسِيْح بالتصميم النهائي؟ هل قُدْتَ، بإرشادِ روحِهِ، إنساناً واحداً للمخلِّص ليخلِّصه ويقدِّسه؟ ماذا تفعل؟ هل تنام مسترخياً، أم تعمل لتمجيد نفسك، أم تخدم ربّك الحي؟
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع، نشكرك لأنّك دعوتنا إلى خدمتك، فنعترف بأنّنا عبيد بطالون، ولا نستحق هذه الدعوة. اغفر لنا ذنوبنا، واملأنا بروحك القُدُّوس، وقدنا إلى طاعة الإيمان لنخدمك بقدرتك ونصبح أمناء في تأدية خدمة محبّتك. حرّرنا مِن الاتّكال على المال والرواتب، واخلق فينا الثقة الأمينة في عنايتك بنا، واقبَل صلاتنا، وخلِّص أصدقاءنا مِن ذنوبهم كما خلَّصتنا نحن. وأنت تعرف كلّ إنسان نصلّي لأجله إليك بمواظبة. إنّك السَّميع المُجِيب.
السُّؤَال:
13- ماذا تعني دعوة يَسُوْع: “هلمّ ورائي فأجعلكما تصيران صيادي الناس”؟
3- المَسِيْح يحرِّر ملبوساً وسط المجمع
(مرقس 1: 21- 28)
1: 21 ثُمَّ دَخَلُوا كَفْرنَاحُوْم وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ الْمَجْمَعَ فِي السَّبْت وَصَارَ يُعَلِّمُ. 22 فَبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَِنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ. 23 وَكَانَ فِي مَجْمَعِهِمْ رَجُلٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، فَصَرَخَ 24 قَائِلاً آهِ مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوْع النَّاصِرِيّ، أَتَيْتَ لِتُهْلِكَنَا، أَنَا أَعْرِفُكَ مَنْ أَنْتَ قُدُّوس اللهِ. 25 فَانْتَهَرَهُ يَسُوْع قَائِلاً اخْرَسْ وَاخْرُجْ مِنْهُ. 26 فَصَرَعَهُ الرُّوحُ النَّجِسُ وَصَاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَخَرَجَ مِنْهُ. 27 فَتَحَيَّرُوا كُلُّهُمْ حَتَّى سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ مَا هَذَا، مَا هُوَ هَذَا التَّعْلِيمُ الْجَدِيدُ، لأَِنَّهُ بِسُلْطَانٍ يَأْمُرُ حَتَّى الأَرْوَاح النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ. 28 فَخَرَجَ خَبَرُهُ لِلْوَقْتِ فِي كُلِّ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالْجَلِيْل
كان رجلٌ ملبوسٌ بروح نجس يحضر في وسط المجمع اليَهُوْدِيّ. هل توجد في كنائسكم اليوم أَرْوَاح أخرى غير الرُّوْح القُدُس؟ اطلب إلى المَسِيْح أن يطرد مِن وسطكم كلّ روح نجس متكبّر، كي يخلص الإنسان المسكين، ويتحرّر مِن الرّوح الشِّرِّيْر، فيثبت في اجتماعاتكم عضواً مباركاً.
وحيثما يَحضر المَسِيْح، المولود مِن مَحَبَّة الآب، تخرج منه قوى عظيمة. إنَّ الشَّيَاطِيْن تعرفه وتخافه، لأنّها كأعداء للّه لا ترى مَحَبَّته، ولا تفهم نعمته، بل ترتجف مِن قداسته المهلكة، وتَعلم حقّ العلم أنَّ المَسِيْح هو الديّان الأزلي الّذي دُفع إليه كُلّ سُلْطَانٍ فِيْ السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ. فتخاف الشَّيَاطِيْن والأبالسة والأَرْوَاح النجسة مِن هلاكها الأبدي، وتقشعرّ مِن الدَّيْنُونَة المقبلة عليها.
لا يُصدِّق كثيرٌ مِن الناس اليوم وجود الأَرْوَاح، فيبتسمون ويستهزئون لذكرها. ولكنَّ الإِنْجِيْل يشهد بوضوح بوجود الشَّيْطَان وجيشه الكبير التابع له. وأَرْوَاحه تؤثِّر على كثير مِن الناس، وتسكن في بعض الملبوسين. إنّما لا تتسرَّع في القول إنَّ إنساناً ما هو ملبوسٌ، ولا تُحاول أن تُخرج أَرْوَاحاً نجسة بقوَّتك الخاصة، فهذا العمل يخص المَسِيْح بواسطة الناضجين في روحه. وأما أنت فاشكر ربّك مِن صميم قلبك إذ إنَّه حفظك مِن سلطة جَهَنَّم، ونقلك إلى حريّة أولاد اللّه. إنَّ الإيمان بالمَسِيْح نعمةٌ وهبةٌ، وليس هو عملك الشَّخْصِيّ. كن مطمئناً في حماية مَلَكُوْت المَسِيْح. فالربّ يحفظك ويحميك مِن إبليس إن استسلمت له حقّاً.
الشَّيَاطِيْن لا تؤمن باللّه وبمَسِيْحه فقط، بل تؤمن وتقشعرّ. والغريب أنَّ أَرْوَاح جَهَنَّم لا تتحاجج بحقيقة المَسِيْح، بل تعترف به حاقدةً على مضض. بينما يُنكر أناسٌ كثيرون وأديانٌ مختلفة ألوهيَّة يَسُوْع. فالشَّيَاطِيْن تعترف مرغَمة بقَدَاسَة المَسِيْح، وتجثو أمامه. ولكنّ اعترافها ناقص ومبني على كذب واحتيال. لم تعرف الأَرْوَاح النجسة الحقّ الكامل، لأنّ المَسِيْح لم يأتِ ليهلك، ولا ليعلن نفسه في الوقت الحاضر كديّان أزلي، بل قد أتى إلينا مخلِّصاً رحيماً يترقّب منّا إيماناً وثقة لأجل مَحَبَّته لا خوفاً منه. ولهذا أمَر الأَرْوَاح الظالمة بالسكوت. ولم يُرِدْ يَسُوْع أن يبني مَلَكُوْته على أقوال جَهَنَّم، بل على الثقة بمَحَبَّته فقط. فلا تؤمن أيّها الأخ بقدرة روح نجس شرّير، مهما بلغت عبقريته وحنكته أو تقواه الزائفة، لأنًَّ كلّ ما يقوله كاذبٌ، مهما تظاهر بالتقوى والورع والشوق إلى كلمة اللّه، فهو لا يختلف بريائه وتقواه الزائفة عن ذلك الملبوس الّذي كان يجلس في مجمع كَفْرنَاحُوْم آنَذَاكَ.
إنَّ المَسِيْح هو المنتصر، وإخراجه للأَرْوَاح الظالمة معناه مجيء مَلَكُوْت اللّه إلى عالمنا. فلا يعود الشَّيْطَان فيما بعد رئيساً لدنيانا، لأنَّ المَسِيْح ينتشل أسراه منه. فعلى كلّ روح نجس أن يولّي ويذهب أمام روح المَسِيْح. بكلمةٍ واحدةٍ كان المَسِيْح يطرد سلطان الشر من الملبوسين، بدون ضربات أو صياح. فنقترح عليك أن تشهد بالإِنْجِيْل المقدّس، وتصلي بأمانة، وتضع حياتك كُلِّيّاً تحت رشِّ دم حَمَل الله، فيحرّر المَسِيْح كثيرين في أمَّتنا مِن لبس الشَّيْطَان والأَرْوَاح غير المقدَّسة بواسطة كلمته القويّة. الإِنْجِيْل وحده هو
الوسيلة لخلاص البشر. فالتجئ إلى المنتصر، فتخلص أنت وأهل بيتك.
الصَّلاَة: أيّها الربّ المَسِيْح، أنت ملكنا العظيم. نسجد لك ونشكرك بتهلل، لأنّك قد حرّرتنا مِن الأَرْوَاح النجسة، ولمستنا بروحك القُدُّوس. ثبِّتنا في محبّتك وحقّك لنمكث في حمايتك ونسلك طاهرين. حرِّر كلّ متأثر بروح إبليس في محيطنا، وأنر
المشتاقين إليك ليروا نورك ويتركوا الظلمة بقوّتك.
السُّؤَال:14 -كيف حرّر يَسُوْع الملبوس، وكيف يحرّر المتأثرين بالأَرْوَاح النجسة اليوم؟
4– الطَّبيب السَّمَاوِيّ المصَلِّي يَشفي جميع الأمراض
(مرقس 1: 29- 39)
1: 29 وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوْحَنَّا. 30 وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ عَنْهَا. 31 فَتَقَدَّمَ وَأَقَامَهَا مَاسِكًا بِيَدِهَا فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حَالاً وَصَارَتْ تَخْدُمُهُمْ. 32 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ. 33 وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. 34 فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً وَلَمْ يَدَعِ الشَّيَاطِيْن يَتَكَلَّمُونَ لأَِنَّهُمْ عَرَفُوهُ
35 وَفِي الصُّبْحِ بَاكِرًا جِدًّا قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ. 36 فَتَبِعَهُ سِمْعَانُ وَالَّذِينَ مَعَهُ. 37 وَلَمَّا وَجَدُوهُ قَالُوا لَهُ إِنَّ الْجَمِيعَ يَطْلُبُونَكَ. 38 فَقَالَ لَهُمْ لِنَذْهَبْ إِلَى الْقُرَى الْمُجَاوِرَةِ لأَِكْرِزَ هُنَاكَ أَيْضًا لأَِنِّي لِهَذَا خَرَجْتُ. 39 فَكَانَ يَكْرِزُ فِي مَجَامِعِهِمْ فِي كُلِّ الْجَلِيْل وَيُخْرِجُ الشَّيَاطِيْن
كان الرَّسُول بُطْرُس متزوّجاً، فالزَّوَاج الطاهر ليس خطيئة لخدّام المَسِيْح. إنّما على أتباع المَسِيْح تسقط تجارب كثيرة، وتشترك بيوتهم بهذه التجارب والهجمات. فإنّنا نحتاج يوميّاً
إلى حماية المَسِيْح وحضوره الدائم معنا.
مرضت حماة بُطْرُس بالحمى مرضاً شديداً، ولكنَّ المخلّص كان قريباً، فاختبروا قدرته واثقين بعنايته. وعندما دخل يَسُوْع بيت بُطْرُس، أمسك بيد حماته وطرد المرض بسلطانه، لأنَّ المَسِيْح هو النّطاسيُّ البارع، والمخلّص الحقّ. وسرعان ما ظهرت نتيجة شفائه، لأنَّ المريضة استردَّت عافيتها, وقامَت توّاً، وخدمت ضيوفها بتواضع. هكذا يتحرَّر جميع مَفدِيِّي المَسِيْح لخدمته. فالخدمة شعار المؤمنين، لأنَّ ابن اللّه نفسه لم يأت ليُخدَمُ، بل ليَخْدُم، واضعاً نفسه فديةً لكثيرين.
الضيقات في العالم كثيرةٌ ومشعبة. ولكن هل نشعر بالضعفاء، ونرثي للجياع، ونفكّر في اليائسين، ونخدم المرضى والمُقْعَدين؟ هل قلوبنا متحجّرة أم رحيمة؟ إنَّ المَسِيْح هو المَحَبَّة حتّى إنَّه حمل أمراضنا وأسبابها: الخطيئة. فقد شعر الناس بحنانه ورأفته وقدرته وتراكضوا إليه. ليس اسمٌ في تاريخ البشر أهم مِن اسم يَسُوْع، لأنّه هو الرَّبُّ المخلّص الطبيب الشافي لكل مَن يأتي إليه.
ومِن مَحَبَّة المَسِيْح جرَت قوى عظيمةٌ إلى المؤمنين به. ولكن، في شفاءاته، كان يكمن دائماً الصراع بين اللّه والشَّيْطَان. كانت الشَّيَاطِيْن تعرفه وتقشعرّ خوفاً منه، فكانت تطيعه وتخرج بأمره. ما أروع سلطان ابن اللّه في كلمته! لقد منع الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة مِن إِعْلاَن قداسته وقدرته، لأنّه لم يشأ قَطّ أن يربح البشر بواسطة شهادة جَهَنَّم.
لم يكن يَسُوْع خمولاً، ولم يكن مِن عادته أن يبقى طويلاً في فراشه على الرغم مِن الجهد الّذي كان يبذله طوال النهار. لذلك قام في ذلك اليوم باكراً، وذهب إلى البريّة ليختلي بأبيه. هل تُدرك يا أخي سرّ الصَّلاَة في حياة يَسُوْع؟ لقد كان ابن اللّه يصلّي ويكلِّم أباه عن كلّ الّذين خدمهم. ولأجل هذه الصلوات حلّت قوّة السماء المتجدّدة في جسده الضعيف، فثبت ينبوع النعمة الفاضلة للجميع. هل أنت خادمٌ للرَّب؟ وهل تتصدَّى في الجهاد الرُّوْحِيّ للأَرْوَاح الشِّرِّيْرة؟ إنّ جهادك سيكون باطلاً إنْ لم تُصلّ باستمرار وأمانة. انهض من فراشك ولا تَكُن كسولاً. صلِّ كما صلّى ابن اللّه، فالصَّلاَة في الروح خَيْرٌ مِن النوم. عِنْدَئِذٍ تحصل على دعوة اللّه وهداه وبركاته العديدة، وتدرك ماذا يريد الربّ أن يعمل بواسطتك اليوم. إنّه يرسلك إلى التَّبْشِيْر المتواضع والشهادة الفعالة في بلدتك ومحيطك، لأنّك وجدتَ في الإِنْجِيْل قوّة اللّه. فاشهد لجميع الّذين يريدون أن يسمعوا، وصوّر أمامهم بكلماتك سيرة المَسِيْح، وماذا فعل بك؛ فتخرج الشَّيَاطِيْن بواسطة شهادتك.
الصَّلاَة: أيها المَسِيْح، أنت ابن اللّه المالك والغالب والشافي والمخلّص. وسلطات الظلمة تفهم أنّ مَلَكُوْتك قد أتى. نصلِّي قائلين: “لتكن مشيئتك المخلِّصة اليوم كما في السَّماء كذلك في بيوتنا”. درّبنا على الصَّلاَة المستمرّة والشهادة القويّة. واحفظنا في حماية دمك على الدوام. وامنَحْ أصدقاءَنا الخلاص والشفاء ليَتَغَيَّروا إلى صورتك؟
السُّؤَال15- ما هي الصورة الّتي رسمها البَشِيْر مَرْقُس للمَسِيْح في إِنْجِيْله؟
تَعَالَوْا إِلَيَّ
يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ.
(متى 11: 28- 30)
5- يَسُوْع يشفي أبرص
(مرقس 1: 40- 45)
1: 40 فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلاً لَهُ إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي. 41 فَتَحَنَّنَ يَسُوْع وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ أُرِيدُ فَاطْهُرْ. 42 فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَطَهَرَ. 43 فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ 44 وَقَالَ لَهُ انْظُرْ لاَ تَقُلْ لأَِحَدٍ شَيْئًا بَلِ اذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ وَقَدِّمْ عَنْ تَطْهِيرِكَ مَا أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَهُمْ. 45 وَأَمَّا هُوَ فَخَرَجَ وَابْتَدَأَ يُنَادِي كَثِيرًا وَيُذِيعُ الْخَبَرَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَدِينَةً ظَاهِرًا بَلْ كَانَ خَارِجًا فِي مَوَاضِعَ خَالِيَةٍ وَكَانُوا يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ
كان المجتمع في زمن المَسِيْح يَعتبر مرض البرص قصاصاً مِن اللّه على خطيئة كبيرة مكتومة. فكانوا يطردون المصاب بهذا المرض بعيداً عنهم ليعيش محتقراً مشتوماً منبوذاً. فيشعر المعذَّب في جسده ونفسه أنّ غضب الله يلقي على كاهله بحملٍ ثقيلٍ لا يُطاق.
سمع أحد هؤلاء اليائسين عن لطف المَسِيْح وقدرته، فركض إليه مِن بعيد، وجثا أمامه مؤمناً بأنَّ يَسُوْع هو الربّ القادر أن يشفيه في الجسد مِن البرص، وفي النفس مِن غضب اللّه. وسلّم نفسه بلا قيد ولا شرط إلى عناية هذا المخلّص الرّحيم.
وقد أبصر يَسُوْع في قلبه الجوع إلى المَحَبَّة والخلاص والشفاء. لم يطرد المَسِيْح قَطّ خاطئاً آتياً إليه بتوبة وإيمان، لأنَّ المَسِيْح أتى إلى عالمنا لينقض أَعْمَال إبليس ويبني مَلَكُوْت اللّه. وشعر يَسُوْع مع المسكين بضيقه، حتّى إنَّه لمس جلده الفاسد، لكي يُدرك الأبرص السرّ الكبير: ابن اللّه يحبّني، ويشفيني ويخلّصني. هو القريب الوحيد لي.
ونطق المَسِيْح بعدئذٍ بكلمة فريدة معلناً إرادة اللّه مبدئياً: “أريد فاطهر”.
هل أدركت في هذه العبارة مشيئة اللّه الشاملة؟ إنَّ القُدُّوس “يريد” أنّ يخلّصك أنت وجميع الناس، ويبارككم ويشفيكم ويملأكم بحياته الأبدية. إنّ اللّه يريد أنّ جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبلون.
هل إرادتك على انسجام مع مسرّة اللّه؟ إنَّ المَسِيْح مستعدّ أن يخلّصك خلاصاً أبديّاً تاماً. فتعال إليه! واجْثُ أمامه، طالباً الشفاء والخلاص في كلمات صلواتك واضحاً.
المَسِيْح يُطهّرك. ابن اللّه يسامحك. الرّحيم يقدّس ذهنك. القُدُّوس يملأ شعورك الباطني بمَحَبَّته الطاهرة، فيستنير عقلك، وتلمع عيناك فرحاً لأنَّ المَسِيْح أصبح نور حياتك. إنّه شمس برّنا وتعزية اليائسين.
لم يَشَأ المَسِيْح أن يرسل المُعَافَى مِن برصه إلى ضجيج البشر، بل أرسله إلى صفاء النفس
أمام وجه اللّه لكي يتأمَّل، ويشكر، ويسبّح، ويدرك مِن وراء شفائه أنّ في المَسِيْح يَسُوْع حلّ كلّ ملء اللاهوت جسديّاً.
وأرسله يَسُوْع إلى الكهنة لكي يَظهر أمام رؤساء الدين معافى، ليدركوا هم أيضاً اقتراب مَلَكُوْت اللّه منهم. وكانت ذبيحة الأبرص شهادة لأحبار اليهود في الهيكل بأنَّ ابن اللّه قد حلّ بينهم عاملاً شافياً مخلّصاً.
ولكنَّ الرجل المعافى نسي لشدّة فرحه أوامر المَسِيْح، ولم ينشد الهدوء والتَّأمل والصَّلاَة، بل أذاع في الكورة كلِّها ما حدث لجسده. فتراكضت الجَمَاهِيْر إلى يَسُوْع، وازدحموا حوله ليشفيهم. أمَّا هو فلم يكن قصده شفاء الجسد فقط، بل قيادة القلوب إلى التغيير الذهني وإلى التجديد الأبدي، لأنّ كلّ إنسان مريض في فؤاده، والخطيئة تُفسد عموماً صورة اللّه فينا. فيَسُوْع قد أتى ليخلّصنا مِن بَرَص الخطيئة، ويُعيد صورة اللّه إلى وجوهنا وقلوبنا وحياتنا كلّها.
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع، نسجد لك لأنّك القادر على كلّ شيء. وقد شفيت الأبرص آنَذَاكَ بكلمة سلطانك. وتريد اليوم أن تشفينا مِن خطايانا واستكبارنا وأمراضنا أيضاً. اخلق فينا الإرادة والثقة المنسجمة مع إرادتك ومحبّتك، لتعظم قوّتك في أجسامنا، فنختبر شفاءً تامّاً وخلاصاً حقّاً مِن كلّ نجاستنا. آميـن.
السُّؤَال:
16- ما هي إرادة اللّه الشاملة؟
الجُزء الثَّالِث
اصطدامات يَسُوْع
مع فُقَهاء الدِّين
وفرقة النَّامُوسِيّين
(مرقس 2: 1- 3: 6)
1-شفاء المفلوج وغفران خطاياه
(مرقس 2: 1- 12)
2: 1 ثُمَّ دَخَلَ كَفْرنَاحُوْم أَيْضًا بَعْدَ أَيَّامٍ فَسُمِعَ أَنَّهُ فِي بَيْتٍ، 2 وَلِلْوَقْتِ اجْتَمَعَ كَثِيرُونَ حَتَّى لَمْ يَعُدْ يَسَعُ وَلاَ مَا حَوْلَ الْبَابِ، فَكَانَ يُخَاطِبُهُمْ بِالْكَلِمَةِ. 3 وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجًا يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. 4 وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوُجُ مُضْطَجِعًا عَلَيْهِ. 5 فَلَمَّا رَأَى يَسُوْع إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ. 6 وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ 7 لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هَذَا هَكَذَا بِتَجَادِيفَ. مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ. 8 فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوْع بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هَكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهَذَا فِي قُلُوبِكُمْ، 9 أَيُّمَا أَيْسَرُ أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ. 10 وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا، قَالَ لِلْمَفْلُوجِ 11 لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ. 12 فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللهَ قَائِلِينَ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُُّّ
حيثما تنبع قوّة اللّه ظاهرةً، يتجمهر الناس، لأنَّ البشر يعطشون إلى قوّة الخالق المنعشة المولّدة حياة وسط الموت. وقد بشّر المَسِيْح بالإِنْجِيْل في سلطان أبيه، فامتلأت البيوت، ووقف الناس في الأزقّة ليَسمعوه.
كان في كَفْرنَاحُوْم مفلوجٌ مُعذَّبٌ منذ سنين طويلة. ولم يكن قادراً أن يمشي على قدميه إلى المَسِيْح بعد أن أخبره أهله عن المخلّص وكلماته اللطيفة وقوّته العجيبة، فاشتاق هذا المعذَّب للمَسِيْح المخلِّص، وآمن بقدرته، وطلب مِن أصدقائه الأربعة أن يحملوه إليه. ما أجمل هذا الموكب! إذ يحمل الأصدقاء صديقهم المحتاج إلى المخلِّص. هل تحمل أنت أيضاً في صلاتك إنساناً متضايقاً متألماً إلى المعين الأعظم؟
وعندما لم يجد أصدقاء المفلوج سبيلاً للوصول إلى يَسُوْع بسبب الجمع المحتشد حوله،
فتحوا كوّة كبيرة في السقف المصنوع مِن قنّب وطين وقش، وأنزلوا المفلوج بالحبال إلى وسط الجماعة المزدحمة حول يَسُوْع الّذي فهم قصد الأصدقاء وإيمانهم المشترك، وأحبّ
جرأتهم، فقال للمريض بسلطانه الإلهي: “يا بنيّ مغفورةٌ لك خطاياك”.
وقعت هذه الكلمة وقوع الصاعقة على الكتبة، ودخلت قلب السقيم الّذي انتظر الشفاء مِن ضيقه الجسدي. لكنّه حصل إضافةً إلى ذلك على غفران خطاياه. ولربّما شعر وفهم أنَّ سبب الأمراض والضيقات كلّها، وحتّى الموت، ليس إلاّ فساد البشر وذنبهم. فحرّره المَسِيْح مِن قيوده البشريّة الموروثة, وسمّاه ابنه، لأنّ كلّ مَن يؤمن بالمَسِيْح يصبح ابناً للّه. فهل أدركتَ غفران المَسِيْح لخطاياك؟ تعال إليه، لأنّه لا ينتهرك ولا يرفضك، إن تقدّمْتَ إليه بإيمان، بل يخلّصك فوراً.
اغتاظ الكتبة المتعصِّبون مِن كلمات يَسُوْع، وارتعبوا مُفكِّرين في قلوبهم: “قد جدّف. ليس أحدٌ يستطيع أن يغفر الخطايا إلاّ اللّه وحده”.
ولكنّ المَسِيْح فاحص القلوب، وعارف الأفكار، بَكَّتَهُم وأراهم أنّه إلهٌ سرمدي، خالقٌ
وفادٍ ومُعزٍّ، ويحقّ له أن يغفر في كلّ حين. فأمر المفلوج أن يقوم ويحمل فراشه وينطلق. فلم يطلب مِن المسكين مسبقاً صلوات كثيرة وتوبة واعترافاً، بل نطق في عظمته قائلاً: “أنا أقول لك قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك”.
فمَن هو القائل “أنا” بضمير المتكلِّم؟ إنَّه الربّ بنفسه القائل “أنا الربّ إلهك. لا يكن لك آلهة أخرى أمامي”. وقد تكلّم الربّ الإله بضمير المتكلِّم مرَّاتٍ عديدةً أثناء وجوده معنا في الجسد: “أنا هو نور العالم”. “أنا هو خبز الحياة”. “أنا هو الطريق والحقّ والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي”. وفي ساعة القبض عليه عندما سألوه عن اسمه جاوبهم قائلاً: “إنّي أنا هو”. ليدرك الجميع أنّ اللّه كان حاضراً بجسده بينهم.
إِنَّ مَن يحب يَسُوْع يُدرك جوهره. لكن مَن يحبّ نفسه، ويتزمّت بدين الشريعة والاعتماد على الذات، يَظل أعمى في عين قلبه. وفوق ذلك يُبْغِض الآتي إلينا مِن السماء، ويَرفض مَحَبَّة القدير.
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع، نسجد لك لأنّك إلهٌ حَق مِن إله حق، وقد غفرتَ لنا آثامنا، وفككت قيود أنفسنا. نبتهج فرحاً لأنّك أنتَ المُخَلِّصُ مِن جميع الضيقات، نبتهل إليك لتخلّص أصدقاءنا. ونحملهم معاً إليك في صلواتنا. يا ربّ ارحمنا، وارحم كلّ طالبٍ للغفران اليوم. آميـن.
السُّؤَال: 17- كيف أظهر يَسُوْع سلطانه لغفران الخطايا؟
2- دعوة لاوي العَشَّار لاتِّباع يَسُوْع
(مرقس 2: 13- 17)
2: 13 ثُمّ خَرَجَ أَيْضًا إِلَى الْبَحْرِ، وَأَتَى إِلَيْهِ كُلُّ الْجَمْعِ فَعَلَّمَهُمْ. 14 وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى لاَوِيَ بْنَ حَلْفَى جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ، فَقَالَ لَهُ اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ. 15 وَفِيمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي بَيْتِهِ كَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْعَشَّارينَ وَالْخُطَاةِ يَتَّكِئُونَ مَعَ يَسُوْعَ وَتَلاَمِيذِهِ لأَِنَّهُمْ كَانُوا كَثِيرِينَ وَتَبِعُوهُ. 16 وَأَمَّا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيْسِيّونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ يَأْكُلُ مَعَ الْعَشَّارينَ وَالْخُطَاةِ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ مَا بَالُهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ الْعَشَّارينَ وَالْخُطَاةِ. 17 فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوْعُ قَالَ لَهُمْ، لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَِدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ
أحبّ المَسِيْح الخطاة التائبين المشتاقين إلى الحقّ أكثر مِن المتدّينين المتوهّمين ببرّهم الذاتي الأجوف، غير المدركين أنّهم فاشلون أمام اللّه القُدُّوس. إنَّ المؤمِن الحقيقيّ يعرف تماماً حالة قلبه النجس، لأنّ روح اللّه يُعلن لنا فسادنا جليّاً، وعدم قدرتنا كبشر على إصلاح أنفسنا بأنفسنا.
أيّها الأخ، أنت أمام اللّه مذنبٌ وشريرٌ مِن بطن أمِّك ومنذ حداثتك. فتعال إلى يَسُوْع، المَحَبَّة المتجسّدة، الممتلئ طهارةً وحقّاً، فتُدرك في ضوء وجهه السامي ظلمةَ قلبك،
وتكتشف أمام رحمته فَرْطَ أنانيتك.
أحبّ يَسُوْع التائبين، مهما كانت خطاياهم متراكمة، بصرف النظر عن الطبقة
لاجتماعيّة الّتي ينتمون إليها، فلم يخرجهم خارجاً. وأنتَ أيضاً لا يخرجك خارجاً، بل يقبلك ويعانقك كما عانق الأبُ ابنه الضال عند رجوعه إلى البيت.
كان العَشَّارون في ذلك الوقت موظّفين لدى السلطة الأجنبية الحاكمة لجمع الضرائب الفادحة مِن مواطنيهم. فأصبحوا أغنياء بسبب اختلاساتهم وسرقاتهم وقبولهم الرَّشوة. فكانوا لذلك مبغَضين ومحتقرين مِن جميع الشعب، أكثر مِن أيّ طبقة أخرى في المجتمع.
ولكن حتّى السارق أيضاً لا يخلو مِن ضميرٍ يبكته ويؤنبه، ومِن قلبٍ يتوق إلى اللّه. وقد قرأ يَسُوْع الأفكار في قلب “لاوي” الواقف عند مكتب الجباية، فمنحه فرصة حياته، داعياً إيّاه بكلمة واحدة: “اتبعني”. فابن اللّه الّذي لا تهمُّه أموال هذه الدنيا ولا كنوزها، أصاب فؤاد العَشَّار المحتقّر، ونقله بكلمة واحدة مِن عالم المادة إلى عالم الروح والمَحَبَّة والحق.
لم يتجاسر “لاوي” أن يتبع يَسُوْع تلقائياً، لأنّه كان مرفوضاً مِن الجميع. لكنّه كعَشَّار عرف الناس، ووجد في النَّاصِرِيّ شخصيّة تفوق جميع الشَّخْصِيّات الّتي التقاها سابقاً. فاشتاق إلى شركته، ولكنّه خجل بسبب سمعته السيئة. أمّا الرب المارّ أمامه فقرأ أفكاره، وواجهه أمام موكب تلاميذه بالكلمة: “اتبعني”. هذه الكلمة عنت فرصة التبرير للعَشَّار، فتمسَّك بقول الربّ فوراً، وترك كنوزه وحقوقه ومنصبه، وتجرّأ أن يتبع ربَّ العالمِين. علماً أنَّ لاوي أدرك بحكم الخبرة الّتي اكتسبها مِن مهنته أنّ يَسُوْع ليس عنده مال ولا ضمان، بل مَحَبَّة وقدوة سماويَّة.
وببهجته الغامرة تجرّأ أن يدعو يَسُوْع وتلاميذه إلى بيته. وجمع زملاءه الأغنياء والفنانين
والزناة، ليس ليتظاهر أمامهم بالضيف الكبير، بل ليعطي المرفوضين من الأتقياء الفرصة للتوبة والخلاص.
إنَّ مواجهة يَسُوْع للسارق وجلوسه مع أناس مِن أدنى درجات المجتمع أتاحت للناموسيين وفقهاء الدين في مدينة كَفْرنَاحُوْم الفرصة للنميمة والكلام مِن وراء ظهره، لأن تصرّفات يَسُوْع لم تطابق قالب قداستهم ونمط حياتهم. فحكموا على يَسُوْع في قلوبهم ونبّهوا تلاميذه، كأنّ يَسُوْع لم يكن يعرف المرفوضين مِن المجتمع الّذين جالسوه.
أمَّا يَسُوْع عارف القلوب، فقد طعن كبرياء الأتقياء المزيَّفين، وبيّن لهم أنّ جميع الناس مرضى في أنفسهم. فالبعض يعرفُ هذه الحقيقة، بينما البعض الآخر يرى أنّه مُصِيْبٌ وصالِحٌ وبارّ. ولكنَّ هؤلاء الأتقياء ليسوا أمام اللّه بأفضل مِن كل الّذين رُفضوا. لأنّ كلّ مَن يخطئ في وصيّة واحدة مُدانٌ وكأنّه أخطأ في الناموس (الشريعة) كلّه. فلا فرق “لأنّ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد اللّه”.
كيف تنظر إلى نفسك؟ هل أنت صالح أم شرّير؟ هل تعتبر نفسك أفضل مِن أقبح إنسان في حيّك؟ أو هل أدركتَ أنّ فيك تسكن الإمكانية لكلّ خطيئة لو لم تحفظك نعمة الرب من السقوط؟ إن ظننتَ أنّك صالحٌ ومقبول، فلا يستطيع يَسُوْع أن يساعدك. إنَّ وُعودَه تحقّ للتائبين والمنكسري القلوب. فالصغار والمساكين بالرّوح وحدهم هم المختارون إن تابوا وصحوا في حضوره.
تغيّر اسم لاوي بعدئذ، فلُقِّب بمتَّى. وفَوّض جميع الرُّسُل إليه، بعد موت المَسِيْح وصعوده، أن يجمع كلمات الربّ ويدوّنها، لأنّه كعَشَّار سابق، كان ماهراً في كتابة اللغات المختلفة. فلم يجمع بعدئذ مالاً وربحاً، بل جمع كلمة اللّه، وأغنانا بغنى ربّه الّذي
يدعوك أيضاً قائلاً لك: “اتبعني”.
الصَّلاَة: أيّها الربّ المخلّص، نشكرك لأنّك لم تحتقر لاوي العَشَّار، بل أصغيت إلى صوت قلبه، وأمَرته الأمر الإلهي: “اتبعني”. يا ربّ، أنا لستُ بأفضل مِن لاوي. وأنت تعرف أفكاري وأقوالي وأَعْمَالي السابقة، فاغفر لي تكبّري وأحلامي ونجاساتي وحبّي للمال، وحرّرني من الارتباطات المادِّيَّة. أطلب هذا ليس لأجلي فقط، بل لأجل جميع زملائي المشتاقين إلى كلمتك المقدّسة. شكراً لمحبتك وصبرك معنا. آميـن.
السُّؤَال:
18- ماذا يعني جلوس يَسُوْع مع العَشَّارين والخطاة؟
طُوْبَى للرُّحَماءِ
لأَنَّهُمْ يُرحَمونْ
(متى 5: 7)
3-البحث حول الصَّوم
(مرقس 2: 18- 22)
2: 18 وَكَانَ تَلاَمِيذُ يُوْحَنَّا وَالْفَرِّيْسِيّينَ يَصُومُونَ. فَجَاءُوا وَقَالُوا لَهُ لِمَاذَا يَصُومُ تَلاَمِيذُ يُوْحَنَّا وَالْفَرِّيْسِيّينَ وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ 19 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوْع هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَصُومُوا وَالْعَرِيسُ مَعَهُمْ. مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصُومُوا. 20 وَلَكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعَ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. 21 لَيْسَ أَحَدٌ يَخِيطُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ وَإِلاَّ فَالْمِلْءُ الْجَدِيدُ يَأْخُذُ مِنَ الْعَتِيقِ فِيَصِيرُ الْخَرْقُ أَرْدَأَ. 22 وَلَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ لِئَلاَّ تَشُقَّ الْخَمْرُ الْجَدِيدَةُ الزِّقَاقَ فَالْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَالزِّقَاقُ تَتْلَفُ، بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْرًا جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ
يعتبر الإنسان المتدّين الصوم وسيلة لربح نعمة اللّه باجتهاده، وللتّأثير في القُدُّوس كي يستجيب له. وحقّاً ليس مِن السهل أن يصوم الإنسان يوماً كاملاً إذ إِنَّ المعدة تتقلّص جوعاً، والشفتان تجفّان عطشاً.
أمَّا المَسِيْح، فلم يعلّم تلاميذه مرارة الصوم، بل الفرح والابتهاج في حضوره. قد جرّب أتباعه سابقاً عند يُوْحَنَّا المَعْمَدَان أن يغلبوا خطاياهم بالصّوم والتّوبة، فأخفقوا. ولكنّ المَسِيْح شفى نفوسهم المتعبة بفيض مَحَبَّته.
تمسّك الفَرِّيْسِيّون، الفرقة المتعصّبة للدين، بالحرف دون الرّوح، وعزموا بإرادة حديدية على أن ينشئوا برّهم الذاتي بأَعْمَالهم النَّامُوسِيّة. ولم يدركوا أن الإنسان الصائم شرّيرٌ في ذاته، وأنَّ الصَّوم لا يغيّر طبيعة الإنسان البتّة.
لقد أوجد يَسُوْع في المؤمنين به خليقةً جديدةً، وطهّرهم بدمه، وأحياهم في قوّة روحه. وهكذا غلب التقاليد والطقوس، والتَّحرُّر مِن الناموس (الشريعة) مع ضبط النفس في قوّة روحه. فلا حاجة لأتباعه ليلفتوا انتباه اللّه إليهم بواسطة الصوم والصَّلاَة. لأنَّ القُدُّوس جاء في ابنه طوعاً إلى البشر، كعريس يأخذ عروسه المستعدّة للقائه. فمنذ مجيء المَسِيْح إلى العالم، نعيش في فرح العُرْس، لأن اللّه يتّحد بالمؤمنين روحياً، كما أنّ الإيمان بالمَسِيْح يعني عهداً جديداً.
شعار الكنيسة هو الابتهاج والسرور وليس الصوم والبكاء. مَن يتبع المَسِيْح يتبرّر، واللّه يستجيب لنا لأجل شفاعة المَسِيْح، وليس لأجل أَعْمَالنا الناقصة. فمَن يحاول أن يربح النعيم بواسطة التبرّعات والصيام، يسقط حتماً إلى الجَحِيْم، لأنّه لا يزال يحيا على أساس الإيمان بقدرته الذَّاتية، ويحاول بحفظ الناموس (الشريعة) إرضاء اللّه باطلاً.
أمَّا المَسِيْح فحرّرنا من عبودية الشريعة إلى مسرة اللّه الّذي حلّ بروحه في قلوبنا بالنّعمة مجاناً وليس في سبيل المكافأة التجارية. نحن في حالة عرس لأن يَسُوْع يسمّينا بني العرس.
لقد أدرك المَسِيْح مستقبل كنيسته، عالماً أنّ أتباعه لن ينسجموا مع الناموس (الشريعة). فإِنْجِيْله يُشبه الخمر الجديدة المختمرة في قوّته. فالقوالب القَدِيْمة مِن الناموس (الشريعة) والعبادات الحزينة الكئيبة لا تنسجم مع فرح المتحرّرين. لذلك تحتاج القوّة الجَدِيْدة إلى طرق جديدة في الاجتماع والعبادة، ومنها تراتيل الحمد المشتركة، أو الخدمات الخيرية في أوقات الضيق والشدائد، والصلوات المشتركة في حلقات البيوت، ومَحَبَّة الأعداء في كلّ حين. إنّ روح المَسِيْح وفرح الرَّب يُنشِئان قوالب جديدة للرّوح الجَدِيْد.
الصَّلاَة: أيّها المَسِيْح، نشكرك لأنّك دعوتنا إلى عرسك، وطهّرتنا بدمك الثمين، وتقدّسنا بروحك القوي. املأنا بشكر مسرّتك، وعلّمنا الإيمان في قوّتك، كي لا نسلك مكتئبين كامدين، بل نعكس بهاء حضورك معنا في كلّ حين. آميـن.
السُّؤَال: 19- لماذا لم يَصُمْ تلاميذ يَسُوْع؟
4- الجدال حول تقديس السَّبْت
(مرقس 2: 23- 28)
2: 23 وَاجْتَازَ فِي السَّبْت بَيْنَ الزُّرُوعِ، فَابْتَدَأَ تَلاَمِيذُهُ يَقْطِفُونَ السَّنَابِلَ وَهُمْ
سَائِرُونَ. 24 فَقَالَ لَهُ الْفَرِّيْسِيّونَ، انْظُرْ، لِمَاذَا يَفْعَلُونَ فِي السَّبْت مَا لاَ يَحِلُّ. 25 فَقَالَ لَهُمْ أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ احْتَاجَ وَجَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ مَعَهُ، 26 كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ فِي أَيَّامِ أَبِيأَثَارَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَأَكَلَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ الَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلاَّ لِلْكَهَنَةِ وَأَعْطَى الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ أَيْضًا. 27 ثُمَّ قَالَ لَهُمُ السَّبْت إِنَّمَا جُعِلَ لأَِجْلِ الإِنْسَانِ لاَ الإِنْسَانُ لأَِجْلِ السَّبْت، 28 إِذًا ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْت أَيْضًا
كان كلّ إنسان في العَهْد القَدِيْم يستحقُّ الموت إن لم يحفظ وصية السَّبْت بدقَّة متناهية، لأنَّ هذا اليوم كان مقدّساً للربّ ومفروزاً للعبادة. وكان مفروضاً على الأمّة كلّها الامتناع عن مزاولة كلّ عمل، والخلود إلى الراحة. فالسَّبْت كان أحد رموز العَهْد القَدِيْم، وبه اشتركت الأمَّة في راحة اللّه.
وقد حفظ المَسِيْح بنفسه السَّبْت بمعناه الأصلي الرُّوْحِيّ وأكمله. فارتاح يوم السَّبْت في القبر، وقام يوم الأحد مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
ولكنَّ الفَرِّيْسِيّين جعلوا مِن السَّبْت قانوناً جامداً خالياً مِن المَحَبَّة، حتّى أصبح الناس سجناء هذا اليوم وعبيداً للنَّوافِل الّتي يُفْتَرض أن تكون هي خادمة لهم.
وهكذا منع المتزمّتون إضاءة النّور يوم السَّبْت، لأنه أشبه بإشعال النار، ذلك العمل المحرّم الممنوع في السَّبْت. فلا يأكلون يوم السَّبْت أكلاً مطبوخاً أو مسخّناً، ولا يعملون أيّ عمل ولو كان بسيطاً. وحسب المتعصّبون فرك السنابل أيضاً، ولو على سبيل التسلية، عملاً محرّماً وخطيئة في ذلك اليوم. أمَّا يَسُوْع فأراهم في عِلمه الشرعي وحكمته العميقة أنَّ الإنسان لم يُوجَد لحفظ النواميس والأحكام، بل إِنَّ الناموس (الشريعة) بأحكامه قد أُوْجِد لخدمة الإنسان ومساعدته. فداود دخل إلى قدس بيت اللّه، وأكل مع زملائه الخبزات المكرّسة للّه الّتي لا يجوز أكْلُها إلاَّ للكهنة فقط، كي لا يموت هو وزملاؤه جوعاً، لأنَّ الإنسان أهمُّ مِن الطقوس. ولم يُعاقب اللّه داود على هذا التجاوز، بل أثبت إيمانه ببركات عديدة.
وهكذا وضّح الربّ يَسُوْع أنَّ الإنسان لا يخلص بحفظ السَّبْت أو غيره مِن الأيَّام، بل
بالإيمان بلطف اللّه وحده. فمَن يظنّ أنّه يربح النعيم بحفظ الوصايا، يقع تحت اللعنة. فهو لم يدرك بَعد نفسه الملوّثة، ولا مَحَبَّة اللّه الشاملة.
وهكذا لم يأمر المَسِيْح أبناء العَهْد الجَدِيْد أن يقدّسوا أيّاماً أو أوقاتاً معيَّنة، بل أن يقدّسوا بالحريّ أنفسهم، لتصبح سيرتهم مع أيامهم كلّها مقدّسة. فالمَسِيْحيون الحقيقيون يعيشون جميع أيّام حياتهم في فرح حضور الربّ الّذي يقدّسهم. هكذا يعيشون كلّ ساعة بل كلّ لحظة. ففرح حضور الرَّبّ يجعل بقاءهم في الدنيا عيداً واحداً رغم المشقَّات العديدة.
لقد حرّرنا المَسِيْح نهائيّاً مِن الناموس (الشريعة) القَدِيْم. لكنّه وضع في داخلنا ناموساً جديداً، مَبَادِئ الرُّوْح القُدُس عربوناً لمملكته الأبدية الّتي لا توجَد فيها أيام وأوقات وأزمنة، بل راحة وفرصة وحمد أمام الربّ.
إِنَّ المَسِيْح بتسميته نفسَه ربّ السَّبْت، قد أعلن أنَّه هو المشترع الإلهي الّذي له الحقّ
والقدرة أن يفسّر الناموس (الشريعة) بطرق جديدة. وبالأحرى أن يضع أنظمة جديدة في سلطانه الأزلي. فلم يُبطل المَسِيْح السَّبْت، بل أكمله بمَحَبَّته، وجعل بحلول روحه في المؤمنين كل أيام الأسبوع سبوتاً، ووهب لنا راحة القلب بتبريرنا المجاني.
وهذا الروح أرشد آباء المَسِيْحيّة ألاّ يجتمعوا يوم السَّبْت فيما بعد، لأنّه نقلهم مِن عبودية الناموس (الشريعة) إلى حرِّية أولاد اللّه في العَهْد الجَدِيْد. فاختاروا يوم قيامة المَسِيْح كيوم معيّن للاجتماعات ولممارسة العَشَاء الرَّبَّانِيّ رمزاً للعصر الجَدِيْد، والغلبة على الموت، وحلول المَسِيْح فيهم. فليس السُّؤَال لنا: هل نقدّس يوم السَّبْت أم الأحد؟ بل: هل أنت قدّيس حرّ مخلوق مِن الرّوح جديداً، أم لا تزال عبداً للناموس (للشريعة) والخطايا؟
الصَّلاَة: أيّها الآب، نشكرك لأنّ ابنك حرّرنا مِن الرّوح النَّامُوسِيّ إلى الخليقة الجَدِيْدة ومحبّتك السرمدية، ووضع عربون مَلَكُوْته في قلوبنا، ووهب لنا راحة القلب بنعمتك. ساعدنا كيلا نرتدّ إلى الروح النَّامُوسِيّ الخالي مِن المَحَبَّة، بل نمارس كلّ يوم أَعْمَال لطفك، كما أنك أنت وابنك تعمل وتخلّص في كل حين. آمين.
السُّؤَال: 20- لماذا ارتكز الخلاف بين يَسُوْع واليهود على تقديس يوم السَّبْت؟
المَحَبَّة
هيَ تكمِيل ُالنَّاموسِ
(شريعة موسى)
(رومية 13: 10)
5- شفاء اليد اليابسة يوم السَّبْت
(مرقس 3: 1- 6)
3: 1 ثُمَّ دَخَلَ أَيْضًا إِلَى الْمَجْمَعِ، وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ. 2 فَصَارُوا يُرَاقِبُونَهُ هَلْ يَشْفِيهِ فِي السَّبْت، لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. 3 فَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الْيَدُ الْيَابِسَةُ قُمْ فِي الْوَسْطِ. 4 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْت فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ، تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ، فَسَكَتُوا. 5 فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ مُدَّ يَدَكَ، فَمَدَّهَا فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. 6 فَخَرَجَ الْفَرِّيْسِيّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ الْهِيْرُودُسيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ
كان الأتقياء في زمن يَسُوْع معقّدين في شبكة شريعتهم، حتَّى إنَّهم لم يلاحظوا ضيقات إخوانهم مِن الناس، ولم يطلبوا شفاءهم، بل حسبوا العمل اليدوي وكلّ أنواع الشفاءات خطيئة يوم السَّبْت.
ولم ينتبهوا إلى أنّ يَسُوْع شفى الجميع مجّاناً برحمته، وأنّ كلّ خدمة في المَحَبَّة هي عبادة حقّة، بل ظنّوا أنّ إتمام الطقوس النَّامُوسِيّة يُمهِّد الطريق للّه. فلم يُدركوا أنّ قلوبهم قد تقسّت رغم كلّ تقواهم. فامتلأوا حقداً على كلِّ مَن يُفكِّر تفكيراً مختلفاً عن تفكيرهم. وأصبحوا في تعصّبهم أمواتاً روحياً.
وهكذا حصل التناقض المدهش: الأتقياء – وليس الكفار – هم الّذين راقبوا بحقد ابن مَحَبَّة اللّه ليشتكوا عليه ويسلّموه إلى المَحْكَمَة الدينية، فاقدين الشعور بمَحَبَّة اللّه وروحه الّذي كان بعيداً عنهم، حتّى وهم في وسط العبادة. بينما العَشَّارون والخطاة هم الّذين لاحظوا حضور اللّه في المَسِيْح وتابوا وشفوا.
لكنَّ يَسُوْع أحبّ أعداءه المتعصّبين، كما أحبّ الرجل ذا اليد اليابسة. وهكذا أعلن مَحَبَّة اللّه علانيةً، وأوقف المعذَّب في وسطهم، وأصاب مراقبيه في صميمهم.
لم يحرّم يَسُوْع العقل البشري والمنطق العام. لكنّه لم يعتبره قوّة مستقلة قادرة، بدون وحي اللّه، أن تدرك أسرار اللّه في الدنيا والآخرة. فغلب يَسُوْع أعداءه بمنطق مَحَبَّته، وأسكتهم بالتفكير البسيط الموجود عند كلّ إنسان عادي.
إنَّ عمل الخير خيرٌ وعمل الشرّ شَرٌّ. فكلّ مَن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فهذا خطيئة له. ومَن يترك إنساناً في ضيقة، ويمرّ به دون مبالاة، يشبه قاتلاً.
فالإسعافات الأوَّليَّة للإنسان الجريح مُهِمَّةٌ كالتَّبْشِيْر، وهي أحياناً أهمُّ منه. لا تستطيع أن تبشرّ أحداً ومعدته تصرخ، أو دمه يسيل من جروحه. أعطه أوَّلاً خبزاً وماءً وضماداً. فالمَحَبَّة تحكم على الجميع وترشدك إلى اللازم.
لقد أغضب يَسُوْع الحبيبَ ما رآه مِن عمى روحيّ في أتقياء زمنه. فمَحَبَّة اللّه لا تمنع حصول غضبه القُدُّوس أيضاً الّذي هو هيجانٌ عميقٌ في قلبه إنْ لم ينسجم الناس بروحه. ولكن لم يُبِدْ يَسُوْع المرائين، بل حزن على حالة قلوبهم، إذ ظنّوا أنّهم أبرار، بينما كانوا أمواتاً في استكبارهم وتقواهم الباردة. ومَحَبَّة اللّه لا تنقضّ رأساً على جميع فجور الناس، لأنّ الله صبور. إنّما عدالة قداسته تتطلب القصاص الكامل لكلّ خطيئة. ما أطول صبر اللّه الّذي يؤخّر غضبه على ضعفنا، ويمنحنا وقتاً لتغيير الفكر، وتنفيذ مَحَبَّته! وهكذا شفى يَسُوْع المريض ويده اليابسة بكلمة قدرته بأمر إلهي رمزاً لسلطانه، وآية دينونة على الّذين يرفضونه.
لم يُرِد الفَرِّيْسِيّون أن يُغيِّروا فكرهم، ولم يفتحوا قالب شعورهم لمَحَبَّة المَسِيْح، بل حمقوا في أذهانهم، واجتمعوا فوراً بعد العبادة، وأشركوا في اجتماعهم أفراداً مِن شرطة الملك هِيْرُودُس، ليتآمروا معاً كيف يهلكون مؤسِّس العَهْد الجَدِيْد. فلم يقصدوا موته الجسدي فحسْب، بل قصدوا أيضاً محو تعليمه، وتسليمه كمضِلّ ليسقط إلى الجَحِيْم والهلاك الأبدي. فأصبحت شريعتُهم إلَهَهم، وعزموا على التضحية بابن اللّه لأجل شريعتهم. إنَّ روح الشَّيْطَان الّذي لم يَقدر أن يُسْقِط يَسُوْع في أيّ تجربة في البرية، قد شاء، في ضعفه، أن يبيده بواسطة الأتقياء المزيّفين الملبوسين.
ولكن طوبى لخدّام الربّ، لأن ليس أحدٌ يستطيع أن يُسقط شعرة واحدة من رؤوسهم، ما دام الربّ قد منحهم فرصة للخدمة.
لقد عرف يَسُوْع تآمرهم، ولم يهرب، بل استمر في خدمته في سبيل مَحَبَّته، محروساً في عناية أبيه الّذي أعلن اسمه للعالم.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّب القُدُّوس، نسجد لك لأنّك لم تخَفْ مِن أعدائك، بل دخلتَ إلى وسط مبغضيك، ولم تقتلهم في غيظك، بل منحتهم في صبرك آية محبّتك. علّمنا صبرك لنقدّم الرحمة للجميع، ليس بالكلام، بل بأَعْمَال تعبنا. فلا نتمسّك بطقوسٍ وأحكام الناموس (الشريعة)، بل نسرع إلى مساعدة المحتاجين. أعْطِنَا قلباً واسعاً وعقلاً حكيماً لكي نطيع إرشاد روحك القُدُّوس، ونُقَدِّم خلاصَك للجميع ما دام الوقت. آمين.
السُّؤَال:
21- لماذا غضب يَسُوْع وحزن على الأتقياء المتزمّتين؟
المُسَابَقَة الأولى لإِنْجِيْل المسيح حسب البشير مَرْقُس
أيها القارئ العزيز، إن تعمّقت معنا في الجزء الأول حتّى الثالث مِن إِنْجِيْل مَرْقُس وتفسيره، فستكون قد كسبت كنزاً أبدياً، وفي الوقت نفسه، تستطيع الإجابة عن الأسئلة التالية بسهولة:
- مَن هو مَرْقُس، ومَن هم الرُّسُل الّذين تعاون معهم؟
- مَن هو مصدر إِنْجِيْل مَرْقُس؟
- إلى مَن كتب مَرْقُس إِنْجِيْله، وفي أي زمن؟
- ما معنى كلمة “الإِنْجِيْل”؟
- ما هو معنى اسم “يَسُوْع”؟
- ما هي أهم المعاني في لقب “المَسِيْح”؟
- ما هي المَبَادِئ الرَّئِيْسِيّة لعبارة “ابن اللّه”؟
- لماذا افتتح البَشِيْر مَرْقُس إِنْجِيْله بهذه الكلمات؟
- ما هُما مضمون وهدف رسالة يُوْحَنَّا المَعْمَدَان؟
- كيف ظهر الثَّالُوْث الأَقْدَس؟
- لماذا قاد الرُّوْح القُدُس المَسِيْح أوّلاً إلى البرّية ليُجّرب مِن إبليس؟
12- ما هو معنى العبارة “مَلَكُوْت اللّه”؟
- ماذا تعني دعوة يَسُوْع: هلمّ ورائي فأجعلكما تصيران “صيادي الناس”؟
- كيف حرّر يَسُوْع الملبوس، وكيف يحرّر المتأثرين بالأَرْوَاح النجسة اليوم؟
- أيّة صورة عن المَسِيْح رسم البَشِيْر مَرْقُس أمامك في إِنْجِيْله؟
- ما هي إرادة اللّه الشاملة؟
- كيف بيّن يَسُوْع سلطانه لغفران الخطايا؟
- ماذا يعني جلوس يَسُوْع مع العَشَّارين والخطاة؟
- لماذا لم يَصُم تلاميذ يَسُوْع؟
- لماذا ارتكز الخلاف بين يَسُوْع واليهود على تقديس يوم السَّبْت؟
- لماذا غضب يَسُوْع وحزن على الأتقياء المتزمّتين؟
إن أجبت عن 18 فقط مِن هذه الأسئلة الإحدى والعشرين بصواب، سنرسل لك أحد كتبنا الروحية جائزة لاجتهادك. لا تنسَ أن تذكر اسمك وعنوانك الكامل على ورقة الأجوبة الّتي ترسلها إلينا.
أرسل أجوبتك بخط واضح وعنوان كامل إلى:
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
http://www.geocities.com/alhayat_alfudla
طُوبَى
لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ
وَيَحْفَظُونَهُ
(لُوْقَا 11: 28)
الجزء الرَّابع
آيات يَسُوْع الكبرى
في الجَلِيْل وجواره
(مرقس 3: 7- 8: 26)
1- تراكض الجَمَاهِيْر
(مرقس 3: 7-12)
3: 7 فَانْصَرَفَ يَسُوْع مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَلِيْل وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ 8 وَمِنْ أُوْرُشَلِيْم وَمِنْ أَدُومِيَّةَ وَمِنْ عِبْرِ الأُرْدُنِّ، وَالَّذِينَ حَوْلَ صُورَ وَصَيْدَاءَ جَمْعٌ كَثِيرٌ إِذْ سَمِعُوا كَمْ صَنَعَ أَتَوْا إِلَيْهِ. 9 فَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ أَنْ تُلاَزِمَهُ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ لِسَبَبِ الْجَمْعِ كَيْ لاَ يَزْحَمُوهُ. 10 لأَِنَّهُ كَانَ قَدْ شَفَى كَثِيرِينَ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِ لِيَلْمِسَهُ كُلُّ مَنْ فِيهِ دَاءٌ. 11 وَالأَرْوَاح النَّجِسَةُ حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ اللهِ. 12 وَأَوْصَاهُمْ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ
انصرف المَسِيْح عن الأتقياء السطحيين، وترك المرائين المتعصّبين. لكنّ جَمَاهِيْر الشعب البسطاء تبعوه أفواجا. وأتوا مِن منطقة الجَلِيْل الجبليّة، ومِن اليَهُوْدِيّة منبع النَّامُوسِيّة، ومِن العاصمة أُوْرُشَلِيْم نفسها محور الطقوس في الهيكل حيث مركز المجمع الأعلى الّذي ابتدأ يراقب بحرص الشاب النَّاصِرِيّ والجَمَاهِيْر المتراكضة إليه. وجاء أفراد مِن الجنوب البعيد في بلاد “الأَدُومِيِّيْن” المحتقرين الّذين نُسبت إليهم عائلة الملك هِيْرُودُس الغريب عن الأمَّة اليَهُوْدِيّة. وأتوا مِن لبنان بلاد التجّار الدوليين، ليختبروا قوّة اللّه المتجسّدة في يَسُوْع، ولم يتوانَ أهل منطقة الأردن في سماع كلماته اللطيفة وشفاء أمراضهم الأليمة. فأتوا إليه مِن كل اتّجاه، وأصبحت حركته على نطاق دوليّ. وحاول كثيرون أن يلمسوه لأنّه قد جرت مِن جسده قوّة اللّه. وتكاثرت الجَمَاهِيْر وتزاحمت حوله. فركب زورقاً وابتعد قليلاً عن الشاطئ الّذي غصّ بالجَمَاهِيْر، وابتدأ يبشرهم مِن السَّفِيْنَة الّتي كانت دائماً مُعدّة ليركبها، لأنّه لم تُوجَد دار أو ساحة تسع العدد الكبير الّذي اجتمع حوله.
ارتجفت جَهَنَّم وتزعزعت، لأنّ الشَّيْطَان قد أُجبر على أن يرى كيف ينزع المَسِيْح المعذَّبين والأسرى مِن بين يديه. وكذلك ملائكة الشَّيْطَان عرفوا المَسِيْح في جوهره مسبقاً وسجدوا أمامه مرتعبين معترفين: “أنت ابن اللّه”.
لم يوضّحوا سبب وغاية معرفتهم، بل سلطان المَسِيْح رماهم إلى الغبار، وقداسته دانت نجاساتهم. ومنع المَسِيْح الأصوات الجَهَنَّمية مِن الكلام، لأنه أراد إنشاء إيمان البشر على مَحَبَّة لطفه، وليس على ارتعاب مِن قداسته. فجَهَنَّم عرفت مَن لم يشأ الأتقياء أن يؤمنوا به. استوضح الشِّرِّيْر حقيقة يَسُوْع أكثر فأكثر، وجنّد المتعصّبين بالدين ضدّه، ليبيدوا ابن اللّه باسم التقوى والدين.
الصَّلاَة: أيّها الربّ، أنت المَحَبَّة، ولقد شفيت مَن تقدّم إليك بشوق وثقة. وهكذا نلتجئ إلى جودك، ونلتمس النّعمة مِن محبّتك لأجل عائلاتنا وأمّتنا ، لأنَّنا بدونك نتعذّب مِن البغضة والأَرْوَاح النجسة. احفظنا خاصةً مِن التعصّب ،فنحبّ أعداءنا، ولا نرفض أحداً،بل نخدم الجميع كما عانَيْتَ أنت الأَمَرَّيْن بصبرك الفائق. آمين.
السُّؤَال:
1_ مِن أيِّ مناطق تراكضت الجَمَاهِيْر إلى يَسُوْع؟
2- دعوة الرُّسُل الاثني عشر
(مرقس 3: 13- 19)
3: 13 ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ. 14 وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، 15 وَيَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى شِفَاءِ الأَمْرَاضِ وَإِخْرَاجِ الشَّيَاطِيْن. 16 وَجَعَلَ لِسِمْعَانَ اسْمَ بُطْرُس، 17 وَيَعْقُوبَ بْنَ زَبَدِي وَيُوْحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ وَجَعَلَ لَهُمَا اسْمَ بُوَانَرْجِسَ أَيِ ابْنَيِ الرَّعْدِ، 18 وَأَنْدَرَاوُسَ وَفِيلِبُّسَ وَبَرْثُولَمَاوُسَ وَمَتَّى وَتُومَا وَيَعْقُوبَ بْنَ حَلْفَى وَتَدَّاوُسَ وَسِمْعَانَ الْقَانَوِيَّ، 19 وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ الَّذِي أَسْلَمَهُ. ثُمَّ أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ.
دعا يَسُوْع الجميع إلى التوبة، وفتح الطريق إلى اللّه أمام كل إنسان، كما أنه غفر خطايا البشر على الصَّلِيْب نهائيّاً.
ولكنْ، يا للعجب، قليلون فقط يسمعون ويفهمون قصد اللّه لهم! والنخبة القليلة تتقدّم إلى المخلّص لتنال منه خلاصه المبين. حسب الظاهر تبع كثيرون يَسُوْع. ويسمّون أنفسهم “مَسِيْحيِّين”. ولكنّ قليلين مولودون ثانيةً، ويمارسون حياة التَّوَاضُع وفرح المَسِيْح في سيرتهم.
عرف يَسُوْع القلوب والخطايا الموروثة في الإنسان، ومستقبل كلّ فرد. فاختار مِن جَمَاهِيْر أتباعه أفراداً، ودعاهم إليه، لكي يدرّبهم ويرسلهم، ليحملوا إِنْجِيْله إلى العالم. فالتَّبْشِيْر ونشر بشرى الخلاص مِن امتيازات كلِّ مَسِيْحي. ولكن أيها القارئ العزيز، لا تدبّر لنفسك خدمة اللّه كوظيفة، بل انتظر دعوة ربك. لن تستطيع أن تغلب حيل الشَّيْطَان بقوّتك الذاتية. إنَّ مَن يعينه الربّ ليضحّي بحياته ويحتمل آلاماً مِن أجل اسمه هو وحده الّذي يُدعى للخدمة طوال الوقت في مَلَكُوْته، حسب خطّته الأزلية.
إنَّ رُسل المَسِيْح يشبهون السعاة الّذين يقدّمون بشرى الخلاص لجميع الناس. فلا يتفلسفون عن المَسِيْح، ولا يدافعون عن إيمانهم بمجادلات. بل يَعرضون خلاص اللّه في المَسِيْح مجّاناً للجميع. مَن يسمع يسمع، ومَن يقبل يقبل، ومَن يقسّي قلبه ويضع ذاته فوق ابن اللّه يُهلك نفسَه بنفسه.
لم يفوّض يَسُوْع لتلاميذه المختارين أداء كلماته فقط، بل وهب لهم قوّة ليغلبوا النواميس الفارغة، ويُعَرّوا الفلسفات الميّتة، ويُخْرجوا الأَرْوَاح النجسة، كي يظهر جلياً أنَّ مَلَكُوْت اللّه آتٍ الآن. فرئيسُ هذا العالم يُطرَد، ليس بالعلم والمال والذكاء، بل بكرازة الإِنْجِيْل البسيطة، وإِعْلاَن المَصْلُوب الحيّ الّذي هو قوّة اللّه المخلّصة للّذين يؤمنون به.
اختار يَسُوْع اثني عشر رسولاً ليكونوا حوله دائماً رمزاً لمشيئته أن يرعى الشعب كلّه بأسباطه الاثني عشر. والعدد 12 يتركب مِن 3× 4. فيدلّ 3 على الثَّالُوْث الأَقْدَس، و4 على نواحي الجهات الأربع. وبالتالي يعني 12 الامتزاج التَّامَّ بين اللّه والبشر.
مَن يتعمّق في أسماء الرُّسُل الاثني عشر يتعجّب مِن جمعهم. كان 4 أو 6 منهم، على الأرجح، صيّادي سمك مِمَّن اعتادوا العمل اليدوي الشَّاقَّ، و3 منهم مِن بيت صيدا عند مصب الأردن في بحيرة طبرية. وعرف التَّلاَمِيْذ السِّتة الأُوَلُ بعضهم بعضاً لأنهم تابوا
وتتلمذوا على يد يُوْحَنَّا المَعْمَدَان.
فالربّ لم يَدْعُ رسله مِن جميع أسباط ومراكز التقوى، بل النصف الأوّل مِن محيط قرية الصيادين الصغيرة. واختصّ الثلاثة الأُول منهم بالدائرة الداخلية، فرافقوا يَسُوْع في كلّ حين. ربَّما كان سمعان، الّذي سماه يَسُوْع بُطْرُس الصخرة، حسب العمر مِن الكبار في الحلقة، والأرجح أنّه كان الأقوى جسدياً، والمتكلّم السريع كالبركان، والأكثر جرأة مِن الآخرين. لكنّه لم يُظهر حكمةً وذكاءً في بعض الأحيان، بل كان في المقابل مستقيماً وعاطفياً مستعدّاً للتوبة والإيمان. فتمسّكه الفوري وقبوله للإِعْلاَن الإلهي ببساطة أوجدا فيه الشهادة الشعاريّة عن المَسِيْح، الّتي أصبحت أساس الكنيسة. وبعد صعود يَسُوْع إلى السماء كان هو المقدام بين الرُّسُل، والأوَّل مِن الّذين في المستوى نفسه.
اشترك يعقوب، أخو يُوْحَنَّا، معه في اسم “ابني الرعد” لأجل غيرتهما الملتهبة لشرف المَسِيْح، لأنّهما طلبا منه السلطان ليُنزلا ناراً مِن السماء على السَّامِرِيّين الّذين منعوا الربّ وحاشيته من المرور والضيافة.
أمَّا يَسُوْع فجبل مِن الفتى يُوْحَنَّا رجل مَحَبَّة اللّه الّذي أدرك جوهر يَسُوْع في عمقه. فبينما دوّن البشراء الآخرون عجائب يَسُوْع وكلامه وأَعْمَاله، أدرك يُوْحَنَّا يَسُوْع بالذّات موضحاً جلاله.
وبعد صعود ابن اللّه، أصبح يُوْحَنَّا أحد الأعمدة الثلاثة الأصلية في القدس، وانتقل بعد موت بُطْرُس وبُوْلُس، وبعد هدم أُوْرُشَلِيْم، إلى أفسس، حيث رعى الكنيسة المركزية هناك، فمنحه الربّ يَسُوْع، في المنفى، الرؤيا عن نهاية العالم ومجيئه الثاني.
لا نعرف كثيراً عن يعقوب بن زَبَدِي، إلا أنّه كان من شهود العيان الثلاثة لتجلّي الربّ، واكتئابه في بستان جَثْسَيْمَانِي، كما أنّه شهد إقامة ابنة يايرس على يَد يَسُوْع. فأصبح هو الأوّل مِن حلقة الاثني عشر، الّذي قُتل شهيداً سنة 44 ب.م. على يد هِيْرُودُس أغريباس إرضاءً لليهود.
إذاً نخبة التَّلاَمِيْذ هم بُطْرُس ويعقوب ويُوْحَنَّا. والحلقة الثانية حولهم مؤلّفة مِن أندراوس وفيلبس ونثنائيل.
أندراوس هو أخو بُطْرُس. وقد قاد بُطْرُس إلى يَسُوْع، فاعترف أوَّلاً أنَّ يَسُوْع هو المَسِيْح (يُوْحَنَّا 1: 41).
وأصل فيلبس مِن بيت صيدا مدينة بُطْرُس وأندراوس، وهو رجل مستقيم، مبشر، مخطط اقتصادي لا يقصد إلاّ الهدف (يُوْحَنَّا1: 43و45، 6: 5، 12: 20، 14: 8، أَعْمَال الرُّسُل 1: 13).
كان نثنائيل طالباً للحق نقّاداً (واسمه بعض المرات برثولماوس)، وقد رآه يَسُوْع عندما كان جالساً تحت التينة، وشهد له أنّه عضو مثالي لأمّته. وهو سمّى يَسُوْع قبل الجميع ابن اللّه وملك إسرائيل (يُوْحَنَّا 1: 46-49 و21: 2).
حول هؤلاء التَّلاَمِيْذ الستة كانت حلقة خارجية متضمنة التَّلاَمِيْذ الباقين: متى وتوما ويعقوب الثاني وتداوس وسمعان الآخر ويَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ.
ليست لدينا معلوماتٌ كثيرة عن البَشِيْر متّى، لأنَّه محا كلّ ذِكْرٍ لاسمه مِن الأناجيل، ما عدا دعوته كعَشَّار مرفوض مِن المجتمع. وهو في الرتبة السابعة مِن جدول الرُّسُل. فهو نظير يُوْحَنَّا لم يشأ إظهار نفسه بجانب شخصية يَسُوْع الفَذَّة. مع العلم أنّه مع بُوْلُس ويُوْحَنَّا ولُوْقَا مِن أكبر الكتّاب المَسِيْحيين في كلّ زمان. وقد قدّم لنا في إِنْجِيْله خبراً أساسياً شاملاً مبدئياً عن يَسُوْع. فاختفاؤه يخبرنا بشخصيّته الكبيرة الهامة البارزة (متى 9: 9- 11، مَرْقُس 2: 14، لُوْقَا 5: 28).
يرمز توما الشّكَّاك المتشائم للإنسان الحديث الّذي يستقصي الحقيقة، فلا يؤمن بدون برهان في يده. أصبح توما قدوة لكثير مِن العلماء الأوروبيين وطالبي اللّه الّذين يطلبون الحق مِن تلقاء أنفسهم، ولا يجدونه غالباً (يُوْحَنَّا 11: 16، 14: 5، 20: 24- 29).
وبعد متّى وتوما تأتي في جدول أسماء الرُّسُل أسماء تكاد تكون غير معروفة لدينا. إلاّ أنَّ سمعان الغيور اختص قبلاً بحركة سياسية دينية، بقصد بناء مَلَكُوْت اللّه بالعنف والغضب. وأمَّا يَسُوْع فدعاه وعلّمه وغيّره، فتبعه هذا في سبيل الوداعة متواضعاً.
وقد دعا يَسُوْع أيضاً يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ، وهو اليَهُوْدِيّ الوحيد بين التَّلاَمِيْذ الاثني عشر، بينما كان الآخرون من الجَلِيْل. ولكن يَهُوذَا كان سرَّاقاً، محباً للمال، راغباً في السلطة بأيّ ثمن. فتقسّى في قرب المَسِيْح أكثر فأكثر، حتّى حلّ الشَّيْطَان فيه، وتراءى قدّيساً وقلبه حاقد. فخان اللّه في الجسد. وليس هو فقط بل أكثرية التَّلاَمِيْذ انتظروا مِن يَسُوْع مَسِيْحاً سياسياً. ولكنّهم تغيّروا في تصوراتهم، وقبلوا أن يجبل يَسُوْع أخلاقهم، ما عدا يَهُوذَا العاصي. فعندما كشف يَسُوْع نيّاته خانه انتقاماً وبغضة. ولكن يا للعجب، في دوّامة خوفه، وعند إدراكه نهاية يَسُوْع، قدّم شهادته العظيمة كالرُّسُل عن براءة يَسُوْع قبل انتحاره. مع العلم أنّ يَسُوْع حاول إرشاده عند العَشَاء الرَّبَّانِيّ الأخير بلطف وشدّة. ولم يلعنه عندما قبّله بل خاطبه بالقول: “يا صاحب”.
إِنَّ مَن يدرس أخلاق الرُّسُل الاثني عشر، يشعر أن يَسُوْع دعا إليه أناساً مختلفين كلّ الاختلاف بعضهم عن بعض. ولم يكن بدّ مِن وجود مشاكل كثيرة في شركتهم، ولا سيّما أنّ الاستكبار كان معروفاً بينهم. إنّما روح يَسُوْع غيّر تفكير الجميع، إلاّ واحداً. وجعلهم حملاناً في مَحَبَّة الرُّوْح القُدُس، الّذين تبعوا طريقة حَمَل الله إلى المنتهى.
الصَّلاَة: أيها الرب يَسُوْع، أنت ملكنا. وقد دعوتَ رسلك، بثاقب نظرتك وحكمة بصيرتك، لينشروا مَلَكُوْت لطفك باسمك. اغفر لنا ذنوبنا وكبرياءنا، فلا نُمانع أن تدعونا إلى اتّباعك. حرّرنا مِن الطموح إلى الشرف والسلطة والشهرة، وخاصّة مِن مَحَبَّة المال، كي لا نخونك، بل نحبّك، ونبذل حياتنا لك ذبيحة حيّة مرضية أمامك. آمين.
السُّؤَال:
2- مَن هم التَّلاَمِيْذ الاثنا عشر، وما هي ميزة كلٍّ منهم؟
3- يَسُوْع يدافع عن اتهامه ببعلزبول
(مرقس 3: 0 2- 30)
3: 20 فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. 21 وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ لأَِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ مُخْتَلٌّ. 22 وَأَمَّا الْكَتَبَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنْ أُوْرُشَلِيْم فَقَالُوا إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ، وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ الشَّيَاطِيْن يُخْرِجُ الشَّيَاطِيْن. 23 فَدَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ بِأَمْثَالٍ كَيْفَ يَقْدِرُ شَيْطَانٌ أَنْ يُخْرِجَ شَيْطَانًا، 24 وَإِنِ انْقَسَمَتْ مَمْلَكَة عَلَى ذَاتِهَا لاَ تَقْدِرُ تِلْكَ الْمَمْلَكَة أَنْ تَثْبُتَ، 25 وَإِنِ انْقَسَمَ بَيْتٌ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَقْدِرُ ذَلِكَ الْبَيْتُ أَنْ يَثْبُتَ، 26 وَإِنْ قَامَ الشَّيْطَان عَلَى ذَاتِهِ وَانْقَسَمَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ بَلْ يَكُونُ لَهُ انْقِضَاءٌ. 27 لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَوِيٍّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ إِنْ لَمْ يَرْبُطِ الْقَوِيَّ أَوَّلاً وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ. 28 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ جَمِيعَ الْخَطَايَا تُغْفَرُ لِبَنِي الْبَشَرِ وَالتَّجَادِيفَ الَّتِي يُجَدِّفُونَهَا، 29 وَلَكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوْح القُدُس فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً. 30 لأَِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ مَعَهُ رُوحًا نَجِسًا
عبَّأ روح جَهَنَّم جيوشه الجرَّارة ضدّ المَسِيْح. فأتى المتضلّعون من التَّوْرَاة والشريعة مِن أُوْرُشَلِيْم البَهِيَّة إلى جبال الشمال المحتقَرة، لينظروا إلى حركة يَسُوْع النجّار وينصبوا له فخّاً، ويمسكوه بالخروج على الناموس (الشريعة)، ويثبّتوا حسب الشريعة المتشعّبة أنّه مضلّ الأمَّة ورأس الفتنة.
وفي الوقت نفسه، أصبحت عشيرته والمقرّبون إليه مع تلاميذه في خطر كبير مِن أن يُرفَضوا جميعاً مِن الأمة ويُبادوا في العار.
لهذا السبب ابتدأت عشيرته بحمايته والدّفاع عنه مدّعين أنَّه مختلٌّ ويهذي. وكانت هذه الحجّة أسهل الطرق لرفع المسؤوليّة عن كاهلهم مِن جهّة، وحمايته مِن جهة أخرى. وحاولوا أيضاً مراراً أن يثنوه عن الاستمرار في خدمته المخلصة، ولكنّهم لم يقدروا أن يصلوا إليه بسبب الجَمَاهِيْر الّتي كانت تزحمه طالبةً الشفاء والاستماع إلى أقواله الحكيمة. وقال خبراء الشريعة بحسد: “إنّ يَسُوْع ليس بمختلّ كما يزعم أقرباؤه، لكنّه ملبوسٌ بروح بعلزبول”. ولم يتورَّعوا عن المجاهرة بذلك أمام الجَمَاهِيْر المزدحمة حوله، فزعموا أنّ رئيس الأَرْوَاح نفسه، الّذي تحت يديه أبالسة بعدد ذباب الأرض، قد حلّ في يَسُوْع. فسمَّوا مَحَبَّة اللّه المتجسِّدة بالشَّيْطَان. لقد أعمت بغضة جَهَنَّم أبصار المحافظين على التَّوْرَاة، حتّى إنَّهم لم يروا مِن الشَّريعة إلاّ الحرف. أمَّا لطف اللّه في يَسُوْع فلم يشعروا به قَط.
وقد دافع المَسِيْح عن نفسه أمام الشعب بالحقّ، وأوضح لهم جهالة الاتهام وشراسته بشرحه لهم مَبَادِئ جَهَنَّم وسلطته المستترة. فجَهَنَّم هي روح شامل ودولة قويّة، وهي على الَّرغم مِن انشقاقاتها وأضدادها متّحدة ومتعاونة لأجل غايتها المهلكة. فروح الشَّيْطَان الكاذب يسيطر على أتباعه، ويربطهم لرفض اللّه ومَسِيْحه.
لكنَّ يَسُوْع تقدّم وحده، بدون ملائكته أو جيشه، إلى وسط دولة الظلمة، وجرّد المجرّب، الّذي لم يقدر أن يسقطه في خطيئة واحدة، وانتزع الأسرى منه بكلمة قدرته. فالمَسِيْح هو قاهر الشَّيْطَان في كلّ حين. وهو يحرِّرك بكلمة إِنْجِيْله من أنانيتك ونجاساتك، إن أصغيت إلى أقواله المحرّرة وقبلتها مطيعاً، لتصبح عضواً عاملاً في مَلَكُوْت اللّه.
ويل لِلَّذين يُدركون مَحَبَّة اللّه في المَسِيْح مؤقتاً، ومِن ثَمَّ يرفضونه، فيتقسّون في قلوبهم، ويجدّفون أخيراً عليه. مَن يهمل اللّه وابنه بجهالة، ويستهزئ به، ويجدّف عليه بدون معرفته الحقّة، يُمكن أن يغفر له. أمَّا مَن يعصي واعياً رحمة اللّه المعلنة له باختبارات روحيّة وتأثيرات قويّة، فهذا يصبح نجساً في ذاته، وشيطاناً أصلياً، ولن يجد غفراناً بعد. فلا تتلاعب أبداً بمعرفة المَسِيْح، ولا تهمل اختبارات الرُّوْح القُدُس، بل تُب توبةً حقيقيَّةً، متغيّراً في أخلاقك، كي لا تصبح خائناً مثل يَهُوذَا. آمِن بيَسُوْع منسحقاً، ومُتْ لأمانيك الجسدية، واستسلم لمَحَبَّة المخلّص ما دام الوقت، وما دامت الفرصة مفتوحة أمامك.
الصَّلاَة: أيّها الآب القُدُّوس، نسجد لك لأنّك خلّصتنا مِن الدَّيْنُونَة بواسطة موت ابنك الحبيب. ثبّتنا في مَحَبَّته، وحرّرنا مِن ميولنا الشِّرِّيْرة كي لا نصبح غنيمة للأَرْوَاح الشِّرِّيْرة، بل نمتلئ بروحك القُدُّوس، ونعظّمك، ونخدمك بعدم عصيان، متحرّرين مِن النَّجاسة. يا رب ارحم أمّتنا كي لا يرفضك أحدٌ باستمرار، ويسقط سقوطاً عظيماً. آمين.
السُّؤَال: 3- ما معنى وغاية تهمة الوفد مِن أُوْرُشَلِيْم؟
4- أقرباء يَسُوْع الحقيقيُّون
(مرقس 3: 31- 35)
3: 31 فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ. 32 وَكَانَ الْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ فَقَالُوا لَهُ هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ. 33 فَأَجَابَهُمْ قَائِلاً مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي، 34 ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، 35 لأَِنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي
يقسّم مَلَكُوْت اللّه العائلات والأصدقاء والمجتمعات، لأنّ الرُّوْح القُدُس ينقل المؤمنين بالمَسِيْح إلى عائلة اللّه الجَدِيْدة، ويعطيهم أصدقاء جدداً في المَحَبَّة والطَّهَارَة، وخدمة متعاونة حسب مشيئة الآب السَّمَاوِيّ.
سمعَتْ أُمُّ يَسُوْع أنّ علماء الدِّين أتوا مِن العاصمة إلى الجَلِيْل ليهلكوا ابنها الحبيب. فهرعت إليه مع إخوته ليلحُّوا عليه أن يترك دعوته ويرجع إلى عائلته الّتي فقدت معيلها يوسف منذ سنوات. ولمّا لم يقدروا أن يتقدّموا إلى المَسِيْح لازدحام الجَمَاهِيْر حوله أرسلوا بعض الأصدقاء إليه طالبين منه أن ينسحب مِن الجمع فوراً وأن يتفاهم وإيَّاهم ودّياً.
لكنّ المَسِيْح، الابن المطيع حسب الوصيّة الرابعة، قد أطاع أباه السَّمَاوِيّ أكثر مِن إطاعته لوالدته على الأرض. فأبرز جلّياً ارتباطه بعائلة اللّه قبل انتسابه إلى أنسبائه في الجسد. هذا هو ناموس (شريعة) وعمل الرُّوْح القُدُس أن يثبِّتنا في مَحَبَّة اللّه قبل كلّ شيء، لأنَّ العائلات الدنيوية تزول؛ أمَّا مَن يعيش في شركة روح الربّ فيثبت إلى الأبد. فمَن هذا الّذي يحظى بالانضمام إلى عائلة الآب السَّمَاوِيّ؟ ليس أحد إلاّ العامل مشيئة اللّه. فما هي مشيئة اللّه؟ الإيمان بابنه يَسُوْع المَسِيْح الّذي يخلّصك، ويغيّرك إلى مَحَبَّته، ويمنحك قوّة إلهية لتنفيذ مشيئة العلي. عِنْدَئِذٍ تترك فداء نفسك بنفسك، وتتّكل على قدرة روح اللّه، وتسلك وديعاً، وتصبح مِن صانعي السلام.
ما أعظم هذا الشرف، وما أبهى هذا الإكرام! إنّ يَسُوْع يسمّيك أخاه أو أخته إن انتسبت إلى مَلَكُوْته حقّاً. فابن اللّه يدعوك للقرابة.
عِنْدَئِذٍ تسمو شيئاً فشيئاً فوق علاقاتك بأقربائك في الجسد، وتتقوَّى في إرشاد الرُّوْح القُدُس وحكمته. ادخل إلى عائلة اللّه بالشكر والحمد.
الصَّلاَة: أيّها الإله القُدُّوس، لا نستحق أن ندعى لك أبناء. ولكنّ ابنك الوحيد دعانا
إلى عائلتك لنتّحد إخوةً وأخوات له. قدّسنا في كياننا، وطهّرنا في شعورنا الباطني، لنصبح قدّيسين بلا لوم قدّامك، كما أنّ المَسِيْح هو قُدُّوس، لننفّذ محبّتك، ونتمّم مشيئتك كلّ يوم، وننال القوّة كي نسلك بالاستقامة والعفّة. ساعدنا خاصّة في علاقاتنا البشرية بعائلاتنا لنخدمها بحكمة وسلام. وإن لزم الأمر افصلنا عنهم إنْ رفضوا اسمك القُدُّوس. بل نفضّل أنّهم جميعاً يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. استجب صلواتنا مِن أجلهم فرداً فرداً. آمين.
السُّؤَال: 4- مَن هُما أخو يَسُوْع المَسِيْح وأخته؟
5- يَسُوْع يَعِظ مِن السَّفِيْنَة
الجَمَاهِيْر الجالسة على الشاطئ
(مرقس 4: 1- 34)
أ: مثل الزارع والحقل بأنواعه الأربعة
(مرقس 4: 1- 9)
4: 1 وَابْتَدَأَ أَيْضًا يُعَلِّمُ عِنْدَ الْبَحْرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِيْنَة وَجَلَسَ عَلَى الْبَحْرِ وَالْجَمْعُ كُلُّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَحْرِ عَلَى الأَرْضِ 2 فَكَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَالٍ وَقَالَ لَهُمْ فِي تَعْلِيمِهِ 3 اسْمَعُوا، هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ. 4 وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَاءَتْ طُيُورُ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُ. 5 وَسَقَطَ آَخَرُ عَلَى مَكَانٍ مُحْجِرٍ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. 6 وَلَكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. 7 وَسَقَطَ آخَرُ فِي الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ فَلَمْ يُعْطِ ثَمَرًا. 8 وَسَقَطَ آخَرُ فِي الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، فَأَعْطَى ثَمَرًا يَصْعَدُ وَيَنْمُو، فَأَتَى وَاحِدٌ بِثَلاَثِينَ وَآخَرُ بِسِتِّينَ وَآخَرُ بِمِئَةٍ. 9 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ
يُكلِّمنا اللّه بواسطة ابنه، ويكشف لنا أسرار السماء والأرض. لم يفسّر المَسِيْح مَبَادِئ مَلَكُوْته بوضوح، بعدما أتى الوفد اليَهُوْدِيّ مِن القدس ليراقبه، بل بقصص وأمثال خفيَّة حتى يُعمل المرء فكره، ويستنتج المعنى المقصود. وفي هذا التفكير ينمو استعداده للحق. وهكذا حمى المَسِيْح نفسه وأتباعه أيضاً مِن رجال الدين والشرطة كي لا يقبضوا عليه بتهمة الإضلال والتهجّم على الدين. فكرز المَسِيْح بالحق، ولكن بحكمة وذكاء، حسب قوله: “كونوا حكماء كالحيّات وبسطاء كالحمام”.
وفي مثل الزارع يُظهر لنا يَسُوْع نفسه، ويُشركنا في اختباراته بصدد قبول كلمة اللّه لدى المستمعين. وهذا هو المبدأ في التَّبْشِيْر أن ليس جميع الناس يسمعون ويتجاوبون بالطريقة نفسها. فتظهر أربعة آثار مختلفة لكلمة اللّه في قلوب السَّامعين.
هل رأيت أحداً، في حياتك، يزرع على طريق معبَّدة؟ لا شكَّ أنَّ هذا العمل عقيمٌ ولا جدوى منه. لكنَّ اللّه يقدّم حتّى لمتحجّر القلب فرصة الخلاص. إنّما كلّ الّذين يفتحون نوافذ قلوبهم لرياح اللهو والمجون، أو التعصّب الديني، أو الإعلام السِّياسي يتقسّون، فلا يسمعون وإنْ أصغَوا. لأنَّ أفكارهم مشغولة وقلوبهم محشوَّة بالمَبَادِئ والقوانين الجوفاء. فمع الوقت لا يقدرون أن يفكّروا إلاّ وفق قوالب مذاهبهم المميتة. إنَّ لكلمة “طريق” في لغتنا العربية مرادفات كثيرة في الحقل الديني، وهي تدلّك على معانٍ كثيرة.
الإنسان السَّطحي متحمّسٌ أرعن، يستجيب بسرعة لدعوة المَسِيْح. ولكنَّه يرتدُّ أيضاً بالسُّرعة نفسها الّتي آمن بها، لأنَّ إيمانه العاطفي لا يكفيه في أيام الشدّة، بل يحتاج إلى تعمّق، وقوة للصبر والرحمة، بواسطة انكسار القلب في الصَّميم.
ومَن يعاني الفقر والهمَّ يعبّ كلمة اللّه عبّاً كتعزية أخيرة لمشاكله الدنيوية. ولكنَّه إنْ لم ينكر نفسه، ويرفض حبّ المال، ويسلّم أمره كلِّياً للّه، يكره اللّه ويجدّف عليه مع ازدياد ضيقه، وبَعْدَ مشاكله كلِّها. وإنْ لم يثبت في مَحَبَّة الآب، ويحمل حياته الإلهية في نفسه، ينسَ كلمة اللّه لأنّه مشغولٌ كلياً بذاته. أمَّا التائب الّذي ينسحق في قلبه، ولا يسارع إلى اللّه فخوراً بل خجلاً مِن ذنوبه، ولا يشتاق إلى عون بشري، أو أُبهّة في المجتمع، بل يطلب غفراناً حقاً وغلبةً على أخلاقه الفاسدة، فيمتلئ بالرُّوْح القُدُس ويأتي بثمار هذا الروح كلّها النابعة مِن الاستماع إلى كلمة اللّه. ففي التائب يجد الربّ التربة الخصبة لكلمته الفعّالة.
الصَّلاَة: أيّها الربّ، نعترف بخجل بأنّنا غير قادرين على أن نسمع كلمتك كما يجب، ولا أن نفهمها تماماً. اغفر لنا قساوة قلوبنا، وسطحيّتنا، وانشغالنا بهمومنا. اهدنا إلى التوبة النصوح بروحك القُدُّوس، لتثمر كلمتك كلّ ثمرٍ صالحٍ فينا. وساعِدنا خاصةً على أن نطيع أوامرك فوراً، كي لا ننقص روحيّاً، بل ننمو في نعمتك. آمين.
السُّؤَال:
5- ما هي الفئات الأربع مِن الناس الّذين يسمعون كلمة اللّه ويتصرَّفون بطرق مختلفة؟
ب: قاعدة النُّمو والاضمِحلال الرُّوْحِيّ
(مرقس 4: 10- 12)
4: 10 وَلَمَّا كَانَ وَحْدَهُ سَأَلَهُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مَعَ الاِثْنَيْ عَشَرَ عَنِ الْمَثَلِ. 11 فَقَالَ لَهُمْ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا سِرَّ مَلَكُوْت اللهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَارِجٍ فَبِالأَمْثَالِ يَكُونُ لَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ، 12 لِكَيْ يُبْصِرُوا مُبْصِرِينَ وَلاَ يَنْظُرُوا وَيَسْمَعُوا سَامِعِينَ وَلاَ يَفْهَمُوا لِئَلاَّ يَرْجِعُوا فَتُغْفَرَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ.
لقد سمع تلاميذ المَسِيْح كلمته، ولكنّهم لم يفهموها تماماً. وهذه هي حالتنا أيضاًَ، لأنَّنا لسنا آلهة بطبيعتنا، فلا نقدر أن نعرف أو نستقصي كلمة اللّه بعقولنا البشرية، لأنَّ عقلنا محدودٌ، وزانٍ روحياً بالأفكار والتيارات العالمية البرَّاقة الّتي أغلظت أذهاننا وأصمَّتْها عن سماع صوت الرُّوْح القُدُس ورسالته.
ولكنَّ التَّلاَمِيْذ كانوا حكماء. فاعترفوا بجهالتهم ونقصانهم في المعرفة، وتقدّموا إلى يَسُوْع مصدر الحكمة، وسألوه عن معنى وقوّة وقصد كلمته.
تعال إلى المَسِيْح في صلواتك السِّريَّة، واسأله عن معنى كلماته الكثيرة. لا تقرأ الإِنْجِيْل باستكبار، وكأنّك قادر أن تدرس بنفسك شخص اللّه، بل صَلِّ متواضعاً لينوِّرك، ويوضح لك مشيئته. واحفظ كلمته في قلبك لتأتي بثمر كثير.
قال يَسُوْع لتلاميذه السائلين: “يحقّ لكم أن تسمعوا أسرار مَلَكُوْت اللّه، لأنكم تعيشون قرب ابن اللّه. فمَحَبَّته وطهارته وقوّته مع سلطانه تفسّر لكم كلمة اللّه بكلّ عمق ووضوح”. فمَن يقترب مِن المَسِيْح ويمكث معه يستنير ويستحق أن يرى مجد اللّه ويتغيّر إلى صورة الابن الحبيب.
ولكن مَن لا يثق بيَسُوْع، ولا يحبّه يرفض اللّه نفسه، ويتقسَّى تلقائياً. وهذا الإنسان الّذي كان سابقاً خارج رحاب المَسِيْح واقترب منه، ولم يسلّم نفسه له حقّاً، بل بقي بعيداً عنه، يضمحل تدريجياً، ويفقد إمكانية التوبة، ولا يقدر أخيراً أن يدخل مَلَكُوْت ربّه. فأناس مِن هذا النوع يسمعون كلمة الإِنْجِيْل بلغتّهم الخاصّة، فترنّ في آذانهم كشِفْرَةٍ غريبة لا يفهمونها، وروح الإِنْجِيْل لا يَدخل أذهانهم.
ومع أنّ المَسِيْح يتكلّم أمامهم بصور وأمثلة، ويُعلن الحق لأعينهم، إلاّ أنّهم لا يريدون أن يهتدوا. بل يحبُّون أنفسهم ويُبغضون اللّه ولا يستغفرون حقاً.
ثمَّة قاعدةٌ مخيفةٌ للحياة الرُّوْحِيّة. فكلّ مَن يقبل الحياة الإلهية، ويلتصق بالمَسِيْح، ينمو، وينال جزاء إنكار نفسه زيادة في البركة، وخدمات، ومعارف في مَلَكُوْت اللّه. ولكن كلّ مَن يغلق قلبه على كلمة اللّه الفعّالة، ويهملها، يفقد البقية الباقية مِن حيوية ضميره، فيخنقه، ويموت روحيّاً. فامتحن نفسك، هل تنمو روحيّاً أم تنقص؟
الصَّلاَة: أيّها الربّ الحنون إله كلّ حكمة، نعترف أمامك بغباوتنا، وسطحيتنا في المعرفة، وتقصيرنا في التوبة. افتح قلوبنا وأذهاننا وأَمِلْ آذان قلوبنا لسماع كلمتك، وساعدنا على أن نُدرك طرق محبّتك، وامنحنا القوّة لإطاعة الإيمان في كلّ حين. نشكرك لغفرانك الأبوي، ولكلمات تنبيهك لنا. لا تتركنا، بل خلِّصنا أخيراً. آمين.
السُّؤَال: 6- ما هي القاعدة للنمو الرُّوْحِيّ أو النقصان فيه؟
ج: تفسير يَسُوْع لمثل الزارع
والحقل بأنواعه الأربعة
(مرقس 4: 13- 20)
4: 13 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أَمَا تَعْلَمُونَ هَذَا الْمَثَلَ. فَكَيْفَ تَعْرِفُونَ جَمِيعَ الأَمْثَالِ. 14 اَلزَّارِعُ يَزْرَعُ الْكَلِمَةَ. 15 وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ عَلَى الطَّرِيقِ، حَيْثُ تُزْرَعُ الْكَلِمَةُ وَحِينَمَا يَسْمَعُونَ يَأْتِي الشَّيْطَان لِلْوَقْتِ وَيَنْزِعُ الْكَلِمَةَ الْمَزْرُوعَةَ فِي قُلُوبِهِمْ. 16 وَهَؤُلاَءِ كَذَلِكَ هُمُ الَّذِينَ زُرِعُوا عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، الَّذِينَ حِينَمَا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ يَقْبَلُونَهَا لِلْوَقْتِ بِفَرَحٍ، 17 وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ فِي ذَوَاتِهِمْ بَلْ هُمْ إِلَى حِينٍ، فَبَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَلِلْوَقْتِ يَعْثُرُونَ. 18 وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ زُرِعُوا بَيْنَ الشَّوْكِ، هَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ 19 وَهُمُومُ هَذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى وَشَهَواتُ سَائِرِ الأَشْيَاءِ تَدْخُلُ وَتَخْنُقُ الْكَلِمَةَ فَتَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ. 20 وَهَؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ زُرِعُوا عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ، الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ وَيَقْبَلُونَهَا وَيُثْمِرُونَ وَاحِدٌ ثَلاَثِينَ وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ مِئَةً
مُفعَمةٌ بالقوّة هي كلمة المَسِيْح الّتي تتضمَّن جميع إمكانيات مَلَكُوْت اللّه. وكحبَّة القمح الّتي تتضمَّن النبتة كلّها بساقها وجذورها وأوراقها وسنبلتها، مع قوّة نموّها وتدبير نضجها، هكذا تتضمَّن كلمة اللّه القوّة واللطف والإيمان والفرح والسّلام والتَّوَاضُع والطَّهَارَة والخُضُوْع ليَسُوْع.
افتح قلبك كلّياً وعلى الدَّوام لكلمة ربّك، فتمتلئ بثمار بّره. لكن اعلم أنَّ الشَّيْطَان
يعمل المستحيل ليعيق نموّك وتعمّقك في هذه الكلمة الحيَّة، فيأتي إليك بعد أن تقرأ الكِتَاب المُقَدَّس، أو بعد خروجك مِن الاجتماعات، ويستدرجك إلى شهوات جمّة، ومغريات مثيرة، ويُسمعك الأخبار الهامّة، فيُخدِّرك بضجيج العاصمة والمدن الكبيرة. لذلك أهمّ وقت عند سماعك كلمة اللّه هو الدقائق العشر بعد خروجك مِن الاجتماع. فماذا أنت فاعلٌ يا ترى في هذه اللحظة؟ هل تصلّي لتثبت الكلمة في نفسك؟ هل تحرّكها في أحشاء قلبك، أم تنساها أمام الكلمات التافهة المرائية؟
أسَطحيٌّ أنت أم متعمّق في كلمة إلهك؟ كثير مِن المؤمنين يحبّون المَسِيْح بحماس، لكنهم لا يدخلون إلى عمق الحَيَاة الأَبَدِيَّة. لأنّهم لا يفكرون فعلاً بما يقرأون، ولا يعلمون بما يسمعون، ولا يستمرّون في قراءة كلمة اللّه مِن أنفسهم. فمَن لا يتعب ليستخرج كنوز الإِنْجِيْل يبقى ضعيفاً، ولا يجد القوة في زمن الاضْطِهَاد والمرض، ويسقط مُهشَّماً. لذلك اقرأ الكِتَاب المُقَدَّس كي لا تنبت فيك معارضة.
ويل للمؤمن المحب للمال. فهو لا يقدر أن يخدم ربّه ويده ممسكة بالنقود طمعاً. فلا تطمع في معاش كبير، أو منصب خطير، ولا تسعَ وراء الرفاهية الزائلة الّتي تحمل لك القيود الرُّوْحِيّة والأغلال المميتة، بل اثبت في المَسِيْح، فتغلب همومك بثقتك في مَحَبَّته، وتتحرّر مِن شهواتك، وتمتنع عن اللهو، وتخدم القُدُّوس وحده. اختر ربّك شعاراً لحياتك، ولا تُصانع العالم في الوقت نفسه.
إِنَّ الإنسان الواعي في الرُّوْح القُدُس يخشى اللّه، ويعرف آثامه، ويندم عليها، ويعترف بها دون مراوغة. فيريه اللّه عمق فساد قلبه، ويفتح آخر أدراج ظلامه، ويخلق بنوره الإلهي فيه قلباً جديداً، ويجدّد روحه في داخله، حتّى يصير إنساناً مقبولاً عند اللّه، خليقة جديدة، مملوءاً جودةً وصلاحاً، حاملاً صورة المَسِيْح في جسده. وهذا كلّه يتوقّف على الاستماع الحق للإِنْجِيْل. فهل تقرأه بمواظبة ولذَّة، وتحفظه بالشكر، وتبشّر به جهراً؟
مَن يَنَل الخلاص يحصل على الرغبة في تخليص الآخرين. ومَن يحاول متواضعاً إرشاد أصدقائه إلى المخلّص يَنْمُ في المعرفة والقُوَّة. حَرِّك كلمة اللّه في ذاتك، وابذرها بين الآخرين، لأنّه لا بركة إلاّ مِن الكِتَاب المُقَدَّس.
يحرث الربّ، في بعض الأحيان، القلب المتحجِّر بكوارث ومشاكل أليمة، لكي يتغيّر الصخر إلى أرض خصبة. اشكر ربّك على جميع مشاكلك، لأنّه يعدّك لكلمته. خذ، واقرأ، وسلّم إِنْجِيْل الخلاص لكثيرين فتأتي بثمر كثير.
الصَّلاَة: يا ربّ الحصاد، نسجد لك لأنّك، في محبّتك العظمى، منحتَ جميع الناس فرصةَ الدُّخول إلى مَلَكُوْتك، ومنحتَ غليظي القلوب والسطحيين ومحبّي المال والمتواضعين كلمتك سواسيةً، وجعلتهم مسؤولين، منتظراً منهم الثّمار الجيدة. اغفر لي قساوة قلبي وإهمالي حبّي للمال، واحرث فؤادي، لكي أصبح أرضاً خصبة جيدة، وآتي بثمر كثير. آمين.
السُّؤَال:
7- كيف نحفظ كلمة اللّه؟
sssssss
د: مَبَادِئ التَّلمذة
(مرقس 4: 21- 25)
4: 21 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ هَلْ يُؤْتَى بِسِرَاجٍ لِيُوَضَعَ تَحْتَ الْمِكْيَالِ أَوْ تَحْتَ السَّرِيرِ، أَلَيْسَ لِيُوضَعَ عَلَى الْمَنَارَةِ. 22 لأَِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ خَفِيٌّ لاَ يُظْهَرُ وَلاَ صَارَ مَكْتُومًا إِلاَّ لِيُعْلَنَ. 23 إِنْ كَانَ لأَِحَدٍ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَع. 24 وَقَالَ لَهُمُ انْظُرُوا مَا تَسْمَعُونَ، بِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ وَيُزَادُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ. 25 لأَِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ
إذا سمعت كلمة المَسِيْح، وفهمتها، وآمنت بها، فنفِّذها في سبيل النعمة، وانقلها إلى الآخرين. لأنّه إن كان إيمانك حيّاً، فلا يمكنك أن تخفيه. إنَّ مَحَبَّة اللّه وَضعت في قلبك نوراً سماويّاً. وكما أنَّ المَسِيْح هو نور العالم، فهكذا يجعلك نوراً لمحيطك غالباً الظلمات. هل تخشى الناس أو الآلام أو الموت أو الأبالسة؟ إنَّ اللهَ معك، وابنه ماكثٌ فيك. فلا تخشَ شيئاً، بل آمِن واشهد بالمخلِّص الخالق فيك الفرح والحكمة والتَّوَاضُع.
وكما أنَّ الإيمان لا يخفى في الإنسان ولا يستتر على الدوام، هكذا تظهر الخطيئة في كل مَن لم يؤمن بالمَسِيْح. مِن الإنسان الخاطئ تخرج كلمات رديئة، حتّى ولو أطبق لسانه زمناً. ولكن في لحظة غير متوقعة يظهر الروح الشِّرِّيْر مِن قلبه النجس، في كلمة غير طاهرة مبغضة. فكلامك يحكم عليك.
إنَّ الممتلئ بالرُّوْح القُدُس يفيض مَحَبَّة وطهارةً وحقّاً. فلا تستطيع أن تساير أولاد العالم
دوماً كأنّك غير مولود ثانيةً. فإمّا أن تفقد عربون اللّه فيك، أو تشهد بخلاص المَسِيْح بلا مواربة وسط أصدقائك.
وإيمانك ليس عقيدةً محفوظة غيباً عن ظهر قلب، بل خدمة شاقة في شركة المَسِيْح. الكسول والجبان يموتان روحياً. ولكن مَن يسمع كلمة معلِّمه يومياً، ويطبقها على حياته اليوميَّة، ينمو في حياة الرُّوْح القُدُس، فيمتنع عن كل معاشرة رديئة، ويبتعد عن النكت السخيفة، ويغمض عينيه عن الصور الخليعة. ارتكز على المَسِيْح فيغنيك مِن فضله طوال حياتك.
هل فهمت سرّ إحدى القواعد الرَّئِيْسِيّة في علم النفس “إنّ ما يدخل فيك يخرج منك”؟
فإن استمعت لكلمة اللّه فستتكلّم بها، وإن استمعت لأحاديث السياسة فستتحدَّث بها. وإن استمعت إلى قصص نجسة فستتنجَّس بها لا محالة. فاملأ قلبك بالإِنْجِيْل لتصير أنت كلمة اللّه المتنقِّلة المقروءة مِن جميع الناس.
سمّى يَسُوْع البشر جيلاً ملتوياً فاسقاً لأنّ الأكثرية يعيشون بدون اللّه، أو يستغلّونه زينة لحياتهم فقط. وعرف يَسُوْع الرّوح النجس العامل في جميع الناس. كلّ واحد بطبيعته أناني. لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إلاّ اللّه. ولكن انتبه، فلا تحتقر إنساناً ما لأجل معرفتك لشرّه، بل أدرِك مَحَبَّة اللّه المعلنة في المَسِيْح الّذي بذل نفسه لأجل هذا الجيل الملتوي الزاني، وهم قاتلوه عمداً. فاللّه يحبّ الأشرار أيضاً ولا يدينهم، ولا يهلكهم فوراً، بل يخلّص كل مَن يقبل الخلاص. فكم بالحري نحن الّذين، حسب طبيعتنا، لسنا أفضل مِن باقي الناس. فلا ندِنْ أحداً أو نرفضه، بل نحبّه ونشهد عن الخلاص أمامه ونصلّي لأجله.
إنَّ مَن ينقل شهادة المَسِيْح إلى الآخرين يزداد روحياً في خدمة اللّه، وينال دوافع جديدة، وقوى روحية، وبركات سماوية، وسروراً أبدياً، ومَحَبَّة إلهية. فيصبح الغنى في الرّوح أغنى ويزداد غنى. أمَّا البخيل في الشهادة والكسلان في الخدمة العملية فيفقد حالته. فتكلّم ولا تصمت، لأنّ اللّه معك وهو ترسك ومكافأتك.
الصَّلاَة: أيّها الآب، نشكرك لأنّك دعوتنا إلى الحَيَاة الأَبَدِيَّة. اغفر لنا ضعفنا وخوفنا وتفاهتنا وسطحيتنا، وقدنا إلى التعمّق في إِنْجِيْلك لنمتلئ فرحاً ونتشجّع ونخبر أصدقاءنا بفضائلك. واحفظنا مِن الأَرْوَاح الرديئة لنثبت في خدمة محبّتك على الدوام. آمين.
السُّؤَال:
8- لماذا لا يمكن إخفاء الإيمان على الدوام؟
هـ: المثَل عن الزَّرع النامي بهدوء
(مرقس 4: 26- 29)
4: 26 وَقَالَ، هَكَذَا مَلَكُوْت اللهِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُلْقِي الْبِذَارَ عَلَى الأَرْضِ 27 وَيَنَامُ وَيَقُومُ لَيْلاً وَنَهَارًا وَالْبِذَارُ يَطْلُعُ وَيَنْمُو وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ. 28 لأَِنَّ الأَرْضَ مِنْ ذَاتِهَا تَأْتِي بِثَمَرٍ، أَوَّلاً نَبَاتًا ثُمَّ سُنْبُلاً ثُمَّ قَمْحًا مَلآنَ فِي السُّنْبُلِ. 29 وَأَمَّا مَتَى أَدْرَكَ الثَّمَرُ فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُ الْمِنْجَلَ لأَِنَّ الْحَصَادَ قَدْ حَضَرَ
مَلَكُوْت اللّه قوَّةٌ معلَنةٌ في الإِنْجِيْل. وكلمة ربّنا أقوى من الديناميت والقنابل، لأنّها تعمل بهدوء، كحبَّة القمح الّتي تنمو في باطن الأرض غالبةً الحجارة وكل الصعوبات. فادرس قوة اللّه الساكنة في الإِنْجِيْل لتتقوّى وتعيش إلى الأبد.
وكما تُزرَع حبّات القمح في الحقل بيد الزارع، هكذا تحتاج كلمة اللّه إلى مَن يزرعها ويتعهَّدها، مثلما ألقى الرُّسُل، بعد المَسِيْح، بذار كلمة ربّهم في قلوب الناس. فهل تصبح أنت أيضاً حلقة في سلسلة شهود المَسِيْح الّذين يضاعفون كلمة الحياة بنقلها للآخرين؟
كان المَسِيْح نفسه حبّة القمح السَّمَاوِيّة الأولى. فمات لنعيش نحن. وبعد موته عملت قوّته في ضعف الرُّسُل، حتّى آمن الآلاف بواسطة كرازتهم. وبعد جيل مِن الزمن انتشرت بذور كلمة اللّه في حوض البحر المتوسط. واليوم أصبحت كرتنا الأرضية كلُّها حقلاً للّه. هل أنت أيضاً حبة قمح في يد المَسِيْح، ليلقيك كما يشاء، قوّةً وغذاءً روحيّاً للآخَرين؟ هل تعيش لنفسك أم لأخيك الإنسان؟ حيثما تؤثّر كلمتك الشاهدة مع سلوكك الطاهر في أصدقائك، وحتّى في أعدائك، هناك يكون المَسِيْح قد زرعك في قلوب مستعدّة. وهو يثبّت كلمتك في أذهانهم. وشهادتك عن المَسِيْح تعمل تلقائياً، لأنّ فيها دافع قوّة اللّه. فلست أنت الّذي تخلّص الآخرين، بل قوّة اللّه وحدها في الإِنْجِيْل. قُم وبَشِّر بالإِنْجِيْل، فتطمئن وتتَّكل على ربّك، لأنّ قوّته – وليس أنت – هي الّتي تبني مَلَكُوْته.
عِنْدَئِذٍ ينمو في صديقك الإيمان مع المَحَبَّة والرَّجَاء، كما تعلّمنا من مثل حبّة القمح الّتي تنمو طبيعياً بجذورها وساقها وسنبلتها الثمينة. فكلّ قلب مفعم بالإِنْجِيْل ينمو تدريجيّاً حسب قوانين مَلَكُوْت اللّه. فلا تطلب السنابل أوَّلاً مِن المؤمنين الجدد، ولا السيقان الطويلة البارزة، بل تأنّ، واطمئنّ، وثِقْ بقدرة الإِنْجِيْل الّتي تغلب كلّ خبث وشرّ في المستمعين إن آمنوا بربّهم الحي.
الصَّلاَة: آمين أيّها الآب السَّمَاوِيّ، لأنّك منحتنا حياتك الأزليّة، وملأتنا بقوّتك القديرة، لننشر كلمة ابنك في أرجاء العالم الجامد. اغفر لنا آثامنا، وطهّرنا لنسلك سلوكاً مقدّساً، فلا نكون مانعاً لإِنْجِيْلك، بل نخدم كثيرين مِن الّذين ينمون لتمجيد اسمك القُدُّوس. آمين.
السُّؤَال:
9- ما هو سر النُّمو في مَلَكُوْت اللّه؟
و: مثَل حبَّة الخردل
(مرقس 4: 30- 34)
4: 30 وَقَالَ بِمَاذَا نُشَبِّهُ مَلَكُوْت اللهِ أَوْ بِأَيِّ مَثَلٍ نُمَثِّلُهُ، 31 مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مَتَى زُرِعَتْ فِي الأَرْضِ فَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ الَتِّي عَلَى الأَرْضِ، 32 وَلَكِنْ مَتَى زُرِعَتْ تَطْلُعُ وَتَصِيرُ أَكْبَرَ جَمِيعِ الْبُقُولِ وَتَصْنَعُ أَغْصَانًا كَبِيرَةً حَتَّى تَسْتَطِيعُ طُيُورُ السَّمَاءِ أَنْ تَتَآوَى تَحْتَ ظِلِّهَا. 33 وَبِأَمْثَالٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ هَذِهِ كَانَ يُكَلِّمُهُمْ حَسْبَمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا. 34 وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ، وَأَمَّا عَلَى انْفِرَادٍ فَكَانَ يُفَسِّرُ لِتَلاَمِيذِهِ كُلَّ شَيْءٍ
إنَّ مَلَكُوْت اللّه الرُّوْحِيّ أعظم قوّة في الدنيا و الآخرة، لأنّ مشيئة القُدُّوس تجري فيه، وتيَّار روحه ينبثق منه مباشرة، خالقاً، مدبّراً، منعشاً حياة جديدة في أوساط الموت، مثلما حدث في بداية الخليقة. ولا تقدر أيّ قوّة شرّيرة أن تقلب مَلَكُوْت اللّه لأنَّ هذه المَمْلَكَة، المؤلفة مِن حياة روحيّة أبديّة، غير مبنيَّة على طائرات ودبّابات، أو بيوت فانية، أو بغض مهلك. إنَّ الجوَّ السَّائد في هذا المَلَكُوْت هو الابتهاج، وإنكار الذَّات، والاستقامة في القوّة الإلهية. وليس في دنيانا أجمل مِن حضور اللّه في قلوب الناس.
كان يَسُوْع في طبيعته البشريَّة ممتلئاً بروح اللّه. فهو بداية مَلَكُوْت اللّه على الأرض. ولم يعتبر رجال السياسة والقادة المشهورين والفلاسفة الأذكياء مهمّين، لأنّهم يموتون جميعاً، ولم يعرفوا المولود مِن الرّوح. فعندما صار الملك الإلهي في أيديهم أماتوا جسده بالإهانة. ولكنَّ مَلَكُوْته الرُّوْحِيّ انتشر بقوّة هائلة، لأنّ روح المَسِيْح لن يموت، وهو سرُّ وجوهر مَلَكُوْته.
وشبّه مملكته بحبّة الخردل الّتي تُزرع وهي بعد صغيرةٌ لا تكاد تُرى. ثم تنمو دون ضجّة أو ضوضاء، وتستمرّ بالنمو القوي سابقةً كل النباتات الأخرى، حتَّى تصبح شجرةً متمكّنة ضخمة حاملةً أوراقاً وثماراً، متيحةً لطيور السماء أن تتفيّأ بظلّ أوراقها.
تمتدّ فروع أغصان مَلَكُوْت اللّه اليوم إلى جميع الشعوب، مانحة الناس كلَّهم انفراجاً وعوناً وخلاصاً. فليست الأغصان والأوراق، أي المؤمنين، هم وحدهم الّذين يتمتّعون ببركات هذه المَمْلَكَة، بل ثمَّة مخلُوْقَاتٌ أخرى أيضاً مِن خارج هذه الدوحة الواسعة يستخرجون منها العون والثمار الطيّبة. كما أنَّ الحضارات والفلسفات والأحزاب المختلفة استفادت مِن المَسِيْح وتأثّرت بدوافعه دون أن تنقاد إليه حقّاً. فهي لا تشبه الأغصان المتأصّلة في الدوحة، بل العصافير الّتي تنقل أوراقها بمناقيرها مؤقَّتاً فقط. فهل أنت كالطير الّذي يتفيّأ في ظلّ دوحة اللّه ثم يطير بعيداً، أم صرت غصناً في هذه الدوحة الرُّوْحِيّة، حاملاً ثمارها اللذيذة؟
الصَّلاَة: أيّها الآب، نشكرك لأنَّك غرَسْت دوحة محبّتك في صحراء حياتنا الشِّرِّيْرة القاحلة، وغفرتَ لنا آثامنا، وجعلتنا أغصاناً وارفة في هذه الدوحة العظيمة. ثبّتنا في ابنك، لكي نأتي اليوم بثمار روحه، فلا نكون كعصافير تطلب العون للحظة، ثم تطير بعيداً. آمين.
السُّؤَال:
10- لماذا يعظم مَلَكُوْت اللّه على جميع المذاهب؟
6- سُلطان يَسُوْع على العَاصِفَة والأَرْوَاح والموت
(مرقس 4: 35- 43)
أ: إسكات العَاصِفَة على بحيرة طبريا
(مرقس 4: 35- 5: 41)
4: 35 وَقَالَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ، لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبِرِ. 36 فَصَرَفُوا الْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِيْنَة، وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضًا سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. 37 فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِيْنَة حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. 38 وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا، فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ يَا مُعَلِّمُ أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ. 39 فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ وَقَالَ لِلْبَحْرِ اسْكُتْ، اِبْكَمْ. فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هَدُوءٌ عَظِيمٌ. 40 وَقَالَ لَهُمْ مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هَكَذَا، كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ. 41 فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَنْ هُوَ هَذَا، فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ
الشَّيْطَان يبغض المَسِيْح، وهو عازمٌ على أن يبيد خاصَّته ويسقطها إلى هوّة الرعب واليأس والكفر. فالصِّراع بين مَلَكُوْت اللّه وعصابة الشَّيْطَان بلا رحمة. صحيحٌ أنَّنا نحبّ الناس جميعاً وفي كلّ حين، ولكن لا يمكن قيام أيّ تعاون بين الرُّوْح القُدُس وروح الشَّيْطَان، لأنَّ روح المَسِيْح روحٌ طاهرٌ، وقد أعلن بأنّه قد جاء لينقض أَعْمَال إبليس. لقد حاول الشَّيْطَان أن يبيد المَسِيْح وتلاميذه بعَاصِفَة هوجاء عندما أبحروا في مركب وسط بحيرة طبريّا، وكان المَسِيْح عِنْدَئِذٍ متعباً بعد عمل يومٍ شاقّ، فاستسلم للنوم دون خوف مِن الأهوال والأخطار المحدقة، عالماً أنَّ العواصف الهوجاء والزوابع لا تقدر أن
تهلكه، لأنّه محروس بين يدي أبيه الّذي يحميه كلّ حين.
ولكنّ التَّلاَمِيْذ ما كانوا قد حصلوا آنَئِذٍ على قوّة الرُّوْح القُدُس. وما كان لديهم إلاّ خبرتهم كصيادين. وكان تكاثف الظلمات المهيّجة لعواصف الطبيعة أعظم مِن اختباراتهم وفوق احتمالهم. وكادت السَّفِيْنَة تغرق بجميع ركَّابها. ولمّا بلغ الخطر أشدّه أيقظوا يَسُوْع مِن نومه العميق ولاموه بفزع، لأنّه لم يُبالِ بهم وتركهم وحدهم.
أمَّا المَسِيْح فعرف سبب العَاصِفَة. فقام وأمر الروح الشِّرِّيْر في الهواء أن يصمت صمتاً. إنّ كلمة واحدة مِن فم المَسِيْح تخرس ضجيج جيش مِن الأبالسة. فالمَسِيْح هو ربّ الهواء والأرض والبحر والأَرْوَاح والموت والحياة. وحيث يقف هو لا بدّ أن يعمّ سكون مجد اللّه ويسيطر على جميع الأشياء المنظورة وغير المنظورة.
تشبه الكنيسة السَّفِيْنَة الّتي يبحر بها المَسِيْح معنا وسط هيجان بحر هذا العالم بعواصفه المهلكة. أَمُطْمَئِنٌّ أنت مع جَمَاهِيْر المؤمنين؟ أم تشخص إلى مخاوف هذا العالم وتجاربه وسلطاته وهجماته وكوارثه، أكثر مما تثق وتؤمن بحضور المَسِيْح معك؟
قال ابن اللّه لتلاميذه موبّخاً قلوبهم: “ما بالكم خائفين هكذا، كيف لا إيمان لكم؟”. قد أعطى رسله سابقاً السلطان للكرازة بالإِنْجِيْل، وإخراج الأَرْوَاح النجسة، وشفاء المرضى؛ لكنّهم فشلوا فشلاً ذريعاً وقت التجربة، وصرخوا مِن الخوف. فعلينا أن نتعلّم أننا جميعاً بطّالون، وبدون المَسِيْح فاشلون، إلاّ إذا ارتبطنا بالمخلِّص بإيمانٍ حيٍّ، فحينئذٍ يُثبِّت روحه فينا بسكونٍ عظيم، خالقاً فينا رجاءً يقيناً في كيان يَسُوْع المَسِيْح. إنَّه هو ضَمان الكنيسة، ويحميها كحدقة عينه.
الصَّلاَة: أيّها الربّ، دُفع إليك كُلّ سُلْطَانٍ فِيْ السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ. اغفر لنا ضعف إيماننا، واهتماماتنا الدُّنيويَّة، وأكاذيبنا، وثبّتنا في طمأنينتك وراحتك، لكي تصمت بكلمتك الّتي في أفواهنا أَرْوَاح الأبالسة في العالم، وتَبلُغ كنيستُك غايتها المنشودة في ظلِّ حمايتك. لا توجد قوَّة، لا في العالم ولا في جَهَنَّم، قادرة على أن تهلكنا، لأنَّك أنتَ معنا إلى انقضاء الدهر. آمين.
السُّؤَال:
11- لماذا ارتاح يَسُوْع ونام وسط العَاصِفَة؟ وماذا نتعلّم مِن إسكاته العَاصِفَة الهوجاء؟
ب: شفاء يَسُوْع للمجنون في بلاد الْجَدَرِيِّينَ
(مرقس 5: 1- 20)
5: 1 وَجَاءُوا إِلَى عَبْرِ الْبَحْرِ إِلَى كُورَةِ الْجَدَرِيِّينَ. 2 وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِيْنَة لِلْوَقْتِ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ 3 كَانَ مَسْكِنُهُ فِي الْقُبُورِ وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبُطَهُ وَلاَ بِسَلاَسِلَ، 4 لأَِنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيرًا بِقُيُودٍ وَسَلاَسِلَ فَقَطَّعَ السَّلاَسِلَ وَكَسَّرَ الْقُيُودَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ. 5 وَكَانَ دَائِمًا لَيْلاً وَنَهَارًا فِي الْجِبَالِ وَفِي الْقُبُورِ يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ. 6 فَلَمَّا رَأَى يَسُوْعَ مِنْ بَعِيدٍ رَكَضَ وَسَجَدَ لَهُ 7 وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ مَا لِي وَلَكَ يَا يَسُوْع ابْنَ اللهِ الْعَلِيِّ، أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ أَنْ لاَ تُعَذِّبَنِي. 8 لأَِنَّهُ قَالَ لَهُ اخْرُجْ مِنَ الإِنْسَانِ يَا أَيُّهَا الرُّوحُ النَّجِسُ. 9 وَسَأَلَهُ مَا اسْمُكَ، فَأَجَابَ قَائِلاً اسْمِي لَجِئُونُ لأَِنَّنَا كَثِيرُونَ. 10 وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُرْسِلَهُمْ إِلَى خَارِجِ الْكُورَةِ. 11 وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الْجِبَالِ قَطِيعٌ كَبِيرٌ مِنَ الْخَنَازِيرِ يَرْعَى. 12 فَطَلَبَ إِلَيْهِ كُلُّ الشَّيَاطِيْن قَائِلِينَ أَرْسِلْنَا إِلَى الْخَنَازِيرِ لِنَدْخُلَ فِيهَا. 13 فَأَذِنَ لَهُمْ يَسُوْع لِلْوَقْتِ. فَخَرَجَتِ الأَرْوَاح النَّجِسَةُ وَدَخَلَتْ فِي الْخَنَازِيرِ، فَانْدَفَعَ الْقَطِيعُ مِنْ عَلَى الْجُرُفِ إِلَى الْبَحْرِ، وَكَانَ نَحْوَ أَلْفَيْنِ، فَاخْتَنَقَ فِي الْبَحْرِ. 14 وَأَمَّا رُعَاةُ الْخَنَازِيرِ فَهَرَبُوا وَأَخْبَرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَفِي الضِّيَاعِ. فَخَرَجُوا لِيَرَوْا مَا جَرَى. 15 وَجَاءُوا إِلَى يَسُوْع فَنَظَرُوا الْمَجْنَونَ الَّذِي كَانَ فِيهِ اللَّجِئُونُ جَالِسًا وَلاَبِسًا وَعَاقِلاً، فَخَافُوا. 16 فَحَدَّثَهُمُ الَّذِينَ رَأَوْا كَيْفَ جَرَى لِلْمَجْنُونِ وَعَنِ الْخَنَازِيرِ. 17 فَابْتَدَأُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ تُخُومِهِمْ. 18 وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِيْنَة طَلَبَ إِلَيْهِ الَّذِي كَانَ مَجْنُونًا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ. 19 فَلَمْ يَدَعْهُ يَسُوْع بَلْ قَالَ لَهُ اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ وَإِلَى أَهْلِكَ وَأَخْبِرْهُمْ كَمْ صَنَعَ الرَّبُّ بِكَ وَرَحِمَكَ. 20 فَمَضَى وَابْتَدَأَ يُنَادِي فِي الْعَشْرِ الْمُدُنِ كَمْ صَنَعَ بِهِ يَسُوْعُ، فَتَعَجَّبَ الْجَمِيعُ
النُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ. انطلق يَسُوْع مِن حدود وطنه إلى كورة الوثنيين شرقاً. وكان الناس هناك يعيشون بدون ناموس (شريعة) اللّه، فيأكلون لحوم الخنازير، ويتّصلون بالأَرْوَاح النّجسة الّتي استحوذت على البعض منهم، فعاشوا في المقابر أمواتاً أكثر منهم أحياء. ويلٌ لأرضنا إذا ابتعد البشر عن روح اللّه، واتّصلوا بالفلاسفة والعلماء أو بأَرْوَاح الموتى. حينئذ يصبحون أشراراً متمرِّسين بالهلاك وبلا إنسانية، بل أمواتاً روحيّاً.
قَدِمَ يَسُوْع إلى هذه المنطقة الملوَّثة بنجاسة جَهَنَّم. فتراكضت الأَرْوَاح سريعاً، واجتمعت حوله، كما يجتمع البَرْغَشُ حول مصباحٍ مضيء في اللّيل؛ لأنّ سلطان المَسِيْح معروفٌ في العالم السفلي. وفي حين يطمئنّ المؤمنون ويتهللون في حضوره، تضطرب الأَرْوَاح النجسة وتخاف. ويَسُوْع الّذي لم يخشَ بأس العَاصِفَة لم يخشَ أيضاً الأبالسة ولا الملبوسين الّذين كان الناس يهربون هلعاً مِن رؤيتهم وهم يضجّون بسلاسلهم الحديديَّة، مجرّحين أنفسهم، ومهاجمين المارَّة بالحجارة الكبيرة، مخلِّفين وراءهم كثيرين مِن الجرحى.
كلَّم يَسُوْع الجميع بلطف وجلال عظيم، متيقِّناً أنَّ ما مِن روحٍ يقدر أن يؤذيه.
وعند قدمَي يَسُوْع سقط المجنون، عارفاً أنَّ هذا الإنسان يَسُوْع يسكنه اللّه نفسه. وعلِم يَسُوْع خبث جَهَنَّم وبيَّن لتلاميذه أنّ ألوفاً مِن الأبالسة النجسة كانت ساكنةً في هذا المُعذَّب المسكين، لأنّ الأَرْوَاح تطلب جسداً مسكناً لها ليكون أداةً لتنفيذ مآربها الشِّرِّيْرة. فهي لم تنفع ذلك الملبوس بشيء، بل أهلكته، ومزَّقَت نفسه، وجعلته لصاً جَهَنَّميّاً.
لقد أخرج يَسُوْع، بكلمة سلطانه، جيشاً نجساً مِن هذا المعذّب، واعتبر شفاء إنسانٍ أهمَّ مِن ألفي خنزير، الّتي اندفعت إلى البحر لتغرق.
وهكذا نجد أنَّ الأَرْوَاح النجسة لا تقدر أن تهدأ حتى في الحيوان. فباندفاع الخنازير هلك القطيع كلُّه.
بعد ذلك ترى صورة الفردوس. فالمحرَّر مِن سلطة الأَرْوَاح النّجسة جلس أمام قدمي يَسُوْع بملابس حسنة وبتعقّل وشكر وحمد. هذا هو هدف خلاص يَسُوْع أنّ كلّ من يأتي إليه يتعقّل، ويلبس لباساً حسناً، ويطمئن في اللّه، ويعمل باجتهاد، ويصبح خليقة جديدة. فمَحَبَّة المَسِيْح ترفع الإنسان، وتبنيه، وتجعله رسول النظام، وساعي الحق، وصورة المَحَبَّة الإلهية في عالم الخوف والكذب والدعارة.
شعر الناس في ذلك المحيط بسلطة السّماء على أَرْوَاح الجَحِيْم. فخافوا خوفاً عظيماً. ولم يسجدوا للمَسِيْح، بل طلبوا بارتعاب منه أن يمضي، مفضِّلين ملكهم وخنازيرهم على المَسِيْح الحيِّ.
وشاء هذا المعافى المُحَرَّر أن يرافق يَسُوْع ويتبعه ويتظلّل في حمايته، لكنَّ يَسُوْع أمره أن يكون شاهداً له في كورته. فرافقه يَسُوْع بروحه المعزِّي، حتَّى أصبح خلاصُه رجاءَ المنطقة المظلمة بالموت. وأطاع هذا الرجل المَسِيْح، وشهد لسلطانه الإلهي في كلّ المدن والقرى شرقي الأردن.
هل أصبحت أنت أيضاً عاقلاً جالساً عند قدمي يَسُوْع وشاهداً باسمه وقدرته جهراً؟
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع، نسجد لسلطانك الإلهي لأنّك الإله المُحِبُّ القادر على كلّ شيء. لا تهلكنا، بل حرِّرْنا مِن كلّ نجاسة وبغضة وهلاك. اجعلنا أناساً محبّين للنظام والترتيب، ممتلئين بالمَحَبَّة والحق. وساعدنا على أن نبثَّ الخبر عن قدرتك الإلهية بين جميع إخوتنا وأخواتنا في هذا الزَّمان. آميـن.
السُّؤَال:
12- كيف عاش المجنون بعدما حرّره المَسِيْح مِن الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة؟
ج: إقامة يَسُوْع ابنة رئيس المجمع
بعد شفائه امرأةً مريضةً
(مرقس 5: 21- 43)
(1)- طلب رئيس المجمع مِن يَسُوْع أن يُسرع إلى بيته
(مرقس 5: 21- 24)
5: 21 وَلَمَّا اجْتَازَ يَسُوْع فِي السَّفِيْنَة أَيْضًا إِلَى الْعَبْرِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ عِنْدَ الْبَحْرِ. 22 وَإِذَا وَاحِدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمَجْمَعِ اسْمُهُ يَايِرُسُ جَاءَ، وَلَمَّا رَآهُ خَرَّ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، 23 وَطَلَبَ إِلَيْهِ كَثِيرًا قَائِلاً ابْنَتِي الصَّغِيرَةُ عَلَى آخِرِ نَسَمَةٍ، لَيْتَكَ تَأْتِي وَتَضَعُ يَدَكَ عَلَيْهَا لِتُشْفَى فَتَحْيَا. 24 فَمَضَى مَعَهُ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَكَانُوا يَزْحَمُونَهُ
يخلقالمَسِيْح فينا بقدرته رجاءً وسط الأمراض، وفي هيجان العناصر، وفي تجارب الأَرْوَاح النّجسة، لأنَّ يَسُوْع يدّحر كلّ قوّة مخرِّبة. إنّه الربّ المتسلّط على الموت أيضاً، لأن ليس أحدٌ يغلب هذا الشبح المخيف إلاّ اللّه الّذي هو الحياة. وبما أنّ يَسُوْع ثابتٌ في وحدته مع أبيه السَّمَاوِيّ، فهو المحيي الحق. وقد برهن على مجده بإقامة الموتى، ووطَّد فينا رجاء حيّاً بالقيامة.
أعلن رجالُ المباحث المُفوَّضون مِن أُوْرُشَلِيْم، من قِبَل رؤساء الكهنة، أمر القبض على يَسُوْع علانيةً، وسمّوه نبيّاً كَذَّاباً ومضلّ الأمة. ورغم ذلك أتاه رئيس المجمع مِن كَفْرنَاحُوْم، لأنّ الكآبة عمَّت بيته بسبب تفاقُم مرض ابنته، وإشرافها على الموت، مِمَّا دفعه لِلُّجوء إلى المخلّص. لقد آمن هذا الرئيس بقدرة المَسِيْح وجلاله، وسجد أمامه وسط الجَمَاهِيْر. ولم يمنعه يَسُوْع عن ذلك. وكلاهما يعرف معنى السجود. خرّ هذا اليَهُوْدِيّ المؤمن أمام النَّاصِرِيّ جهراً، إذ عرفه مَسِيْحاً ابناً للّه، والتمس منه عوناً لابنته المشرفة على الموت. وقد سمح المَسِيْح له بهذا السجود، عالماً أنّ السُّجود لا يحقّ إلاَّ لله وحده.
فأعلن بذلك جليّاً أنّه هو الربّ الحق الّذي يستحقّ السجود مِن جميع البشر.
وقد رافق يَسُوْع هذا المؤمن، لأنه أعلن ثقته جهراً، معترفاً بأنّ مِن المَسِيْح تجري قوى الحياة إلى كلّ مَن يلمسه.
وانتبهت الجَمَاهِيْر، واشتمّت رائحة معجزة كبرى. فتساءلوا هل يشفي يَسُوْع ابنة الرئيس؟ وهل يدخل مَلَكُوْت اللّه إلى مركز التَّوْرَاة بواسطة إيمان رؤسائنا؟ هل تقوم نهضة روحية في المجمع في كَفْرنَاحُوْم وفي كلّ المحيط، رغم الوفد الحاضر مِن أُوْرُشَلِيْم؟ وازدحمت الجَمَاهِيْر لتشاهِد أَعْمَال يَسُوْع وسط التّهمة والاضْطِهَاد.
وأنت أيّها الأخ، هل تأتي اليوم إلى يَسُوْع مسرعاً لتتعرَّف إلى شخصه، وتسمع كلمته، وتلتمس منه روحه القُدُّوس، لتختبر عجائبه؟
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع، أنت الإله الحق، الغافر والشافي والمخلّص والمحيي. أسجد لك، وأسلّم حياتي بين يديك. اغفر لي ذنوبي كي أعيش الإيمان الحي، وثبّتني في مَحَبَّة حياتك، كي لا أتزعزع في رجاء عهدك، بل أعترف بفضائلك أمام الناس أجمعين. آميـن.
السُّؤَال:
13- لماذا سمح يَسُوْع لرئيس المجمع أن يسجد له؟
(2)- شفاء المرأة المريضة
(مرقس 5: 25- 34)
5: 25 وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، 26 وَقَدْ تَأَلَّمَتْ كَثِيرًا مِنْ أَطِبَّاءَ كَثِيرِينَ وَأَنْفَقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا وَلَمْ تَنْتَفِعْ شَيْئًا بَلْ صَارَتْ إِلَى حَالٍ أَرْدَأَ، 27 لَمَّا سَمِعَتْ بِيَسُوْع جَاءَتْ فِي الْجَمْعِ مِنْ وَرَاءٍ وَمَسَّتْ ثَوْبَهُ. 28 لأَِنَّهَا قَالَتْ إِنْ مَسَسْتُ وَلَوْ ثِيَابَهُ شُفِيتُ. 29 فَلِلْوَقْتِ جَفَّ يَنْبُوعُ دَمِهَا وَعَلِمَتْ فِي جِسْمِهَا أَنَّهَا قَدْ بَرِئَتْ مِنَ الدَّاءِ. 30 فَلِلْوَقْتِ الْتَفَتَ يَسُوْع بَيْنَ الْجَمْعِ شَاعِرًا فِي نَفْسِهِ بِالْقُوَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ وَقَالَ مَنْ لَمَسَ ثِيَابِي. 31 فَقَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ أَنْتَ تَنْظُرُ الْجَمْعَ يَزْحَمُكَ وَتَقُولُ مَنْ لَمَسَنِي. 32 وَكَانَ يَنْظُرُ حَوْلَهُ لِيَرَى الَّتِي فَعَلَتْ هَذَا. 33 وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَجَاءَتْ وَهِيَ خَائِفَةٌ وَمُرْتَعِدَةٌ عَالِمَةً بِمَا حَصَلَ لَهَا فَخَرَّتْ وَقَالَتْ لَهُ الْحَقَّ كُلَّهُ. 34 فَقَالَ لَهَا يَا ابْنَةُ إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اذْهَبِي بِسَلاَمٍ وَكُونِي صَحِيحَةً مِنْ دَائِكِ
هل تعلم أنَّ كل فرد حولنا يحمل في نفسه ضيقاً خفيّاً يفوق إدراكنا؟ إنَّ الناس جميعاً يشبهون حَمَّالةً يرزحون تحت أثقالٍ روحيّة بحجم خزائن ضخمة، أو ثلاّجات على ظهورهم المنحنية، لأنَّ الذنوب والهموم والأمراض والخطايا تحني ظهور البشر وتُنْقِضُها.
كان في عهد يَسُوْع امرأة متعبة مسكينة محتقَرة مِن الناس بسبب مرضها المعتبر آنَذَاكَ نجاسة. وكانت قد تردَّدَت إلى أطباء كثيرين في زمنها طوال اثنتي عشرة سنة، وصرفت كلّ أموالها في الأدوية المختلفة، ومارست شتّى العلاجات، وعانت الآلام المريرة. ورغم ذلك تزايد ضيقها وتصاعد ألمها.
وعندما سَمِعَتْ بِيَسُوْع رجاء العالم ومخلّص المعذَّبين شعرت أنّه من غير اللاَّئق أن تحدِّثه جهراً عن ضيقها. ولكنّها آمنت بسلطانه، واشتاقت أن تلمسه، مؤمنةً أنَّ لمسها لهدب ثوبه يشفيها مِن مرضها.
وحقاً إنّ لمس يَسُوْع بالإيمان يشبه لمس شحنة كهربائية، إذ منه يجري تيَّار إلهي إلى المؤمن، لأنَّ الإيمان هو الاتصال الحقيقي بالمخلّص. فإيماننا ليس فكراً خياليّاً بل قوّة مغيِّرة مُولِّدَة أفكاراً جديدة.
وقد خلّص الإيمان هذه المرأة، لأنّه وصلها بالمخلّص وربطها به روحيّاً. حينذاك شعر المَسِيْح بقوّة شفاء جرت منه إلى إنسان غير معروف بحسب الظاهر ولكنّه مؤمن به. وقد أدرك بروحه ذلك الشخص، وفتّش عن الّتي لمسته وشُفيت، وساعدها على الاعتراف بما جرى لها مِن شفاءٍ عظيم بعد معاناةٍ مريرة. لأنَّ كلَّ خفيٍّ يُعلَن. وكلّ خطيئة تَظهر في نور الرب.
وبعد اعتراف المرأة، منحها يَسُوْع بسلطانه الخلاص التام، وبثَّ فيها سلاماً أبدياً. لأنَّ المَسِيْح لا يريد أن يساعدنا في التجارب والأمراض والامتحانات فحسب، بل قصده خلاص كلّ إنسان ومصالحته مع اللّه لكي يمتلئ الجميع بسلامه.
فهل لمستَ المَسِيْح بإيمانك، ملتمساً منه لنفسك ولأصدقائك ولأفراد أسرتك بركة وشفاء وخلاصاً وتطهيراً وسلاماً؟ إيمانك قد خلّصك.
الصَّلاَة: نسجد لك أيّها الربّ يَسُوْع، لأنّك أنت القادر على ما لا يقدر عليه الإنسان. وصالحتنا مع اللّه ليحلّ سلامه في قلوبنا وأذهاننا. طهّرنا من عيوبنا، وقدّسنا بتيّار روحك، لأننا نلمسك بالإيمان اليقين، ولا نتركك حتَّى تباركنا مع جميع أصدقائنا الرَّازحين تحت أثقال كثيرة. آمين.
السُّؤَال:
14- لماذا تعافت المرأة عندما لمسَت يَسُوْع؟
(3)– إقامة البنت مِن الموت
(مرقس 5: 35- 43)
5: 35 وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جَاءُوا مِنْ دَارِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ قَائِلِينَ ابْنَتُكَ مَاتَتْ، لِمَاذَا تُتْعِبُ الْمُعَلِّمَ بَعْدُ. 36 فَسَمِعَ يَسُوْع لِوَقْتِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي قِيلَتْ فَقَالَ لِرَئِيسِ الْمَجْمَعِ لاَ تَخَفْ، آمِنْ فَقَطْ. 37 وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَتْبَعُهُ إِلاَّ بُطْرُس وَيَعْقُوبَ وَيُوْحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ. 38 فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ وَرَأَى ضَجِيجًا، يَبْكُونَ وَيُوَلْوِلُونَ كَثِيرًا.
39 فَدَخَلَ وَقَالَ لَهُمْ لِمَاذَا تَضِجُّونَ وَتَبْكُونَ، لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ لَكِنَّهَا نَائِمَةٌ. 40 فَضَحِكُوا عَلَيْهِ. َأَمَّا هُوَ فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ وَأَخَذَ أَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا وَالَّذِينَ مَعَهُ وَدَخَلَ حَيْثُ كَانَتِ الصَّبِيَّةُ مُضْطَجِعَةً، 41 وَأَمْسَكَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا طَلِيثَا قُومِي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا صَبِيَّةُ لَكِ أَقُولُ قُومِي. 42 وَلِلْوَقْتِ قَامَتِ الصَّبِيَّةُ وَمَشَتْ، لأَِنَّهَا كَانَتِ ابْنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَبُهِتُوا بَهَتاً عَظِيمًا. 43 فَأَوْصَاهُمْ كَثِيرًا أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ بِذَلِكَ، وَقَالَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ
شجَّع المَسِيْح إيمانَ رئيس المجمع الّذي عيل صبره بسبب إشراف ابنته على الموت، فجعل يستعجل المَسِيْح للإسراع إلى بيته ليشفيها. لكنَّ يَسُوْع وقف وسط الطريق وشفى امرأةً فقيرةً، وترك الوجيه ينتظر متقلِّباً على أحَرّ مِن الجمر، ليتعلّم التَّوَاضُع والوداعة وهو الرئيس. وهذا التصرّف مِن يَسُوْع أثبت لذلك الفقيه بالتَّوْرَاة أنَّ يَسُوْع هو المَسِيْح الحق الّذي لا يُطفئ فتيلة مدخنة، وليس عنده محاباةٌ، ولا فرق عنده بين كبير وصغير.
وفي لحظة شفاء المرأة العليلة، ماتت الصَّبِيَّةُ ابنة الرئيس. وأتى موظفو الرئيس مسرعين مستائين وقائلين بصوت كئيب: “دع هذا المعلّم الّذي لا يأتي في الوقت المناسب، قد ماتت ابنتك!”
أمَّا يَسُوْع فرأى جذوة الأمل في قلب الأب الشيخ، فألهبها ناراً، وأمره أن يتغلّب على يأسه ويؤمن بمَسِيْح اللّه الحاضر بجانبه. وهكذا ربّاه في مدرسة إيمانه، وقّوى جرأته ورجاءه في كلمته، لأنّ كلمة اللّه هي الأساس المتين لإيماننا. وجاء رئيس المجمع مع يَسُوْع متَّكلاً عليه، ووافق على طلبه بأن يطرد الباكيات والمولولات، لأنَّ انتصارات المَسِيْح تتم في الهدوء والاستماع لكلمته، فكلمته في السكون لها وقعٌ أجلى وأمضى وأنفذ مِن ألف ولولةٍ وصرخةٍ وبوق.
ضحك الحاضرون الباكون حزناً ساخرين مِن المَسِيْح حين قال إِنَّ الفتاة ليست ميتة، بل هي نائمة. لأنّها لو كانت نائمة لاستيقظت مِن نومها بسبب ضجيجهم.
لقد عرف يَسُوْع المَسِيْح أسرار الموت وسخر منه، وتقدّم وانتزع فريسته مِن بين شدقيه، وسمّاه نوماً فقط، لأنّ الإنسان لا يتبخّر في الموت إلى عدم، بل يبقى محفوظاً للدَّينونة الأخيرة. وعندها يقوم إمّا للسماء أو لجَهَنَّم. فإلى أين ستقوم أيُّها الأخ العزيز؟ هل تستعدّ للآخرة؟
بعدما خرج المستهزئون الباكون والحزانى الضّاجون مِن الغرفة، أخذ يَسُوْع بيد الميتة، وهو الحياة في ذاته. فجرى تيّار حياته في أعضائها الباردة، وملأت قوّةُ كلمته الخارقة الفتاةَ الميتة حياةً، حتّى أنّها قامت رأساً ونظرت إلى الناس مِن حولها باستغراب.
وحرّر يَسُوْع الجمع المرتعب مِن دهشته، وأمر أن تُعطى الشابة طعاماً، فيَسُوْع لم ينكر احتياجات الطبيعة في أجسادنا، لأنّه عاش كإنسانٍ حقًّ بيننا.
أيّها الإنسان، إنَّ يَسُوْع واقفٌ أمامك. إنْ كنتَ ميتاً في الذنوب والخطايا، فهو مُمسكٌ بيدك، ويقول لك: قُم! ويسمّيك باسمك. ألا فاعْلَمْ أنَّ إلهك واقفٌ أمامك واهباً لك الحَيَاة الأَبَدِيَّة. فأصغِ إلى صوته، وآمِن بكلامه، تَحْيا في تيّار مَحَبَّته. قُم وأكرِمْ مخلّصك باتِّباعه على الدَّوام.
الصَّلاَة: يا رئيس الحياة، يا نور السماء، لقد خلقتَنا، وطهّرتَنا، وغفرت آثامنا، وأحيَيْتَنا مِن الموت الرُّوْحِيّ. نسجد لك، ونتهلّل وسط الأحزان، لأنّك أوجدت لنا رجاءً أبديا،ً وفرحاً لن يضمحل؛ لأنّ إيماننا بك ليس حلماً، بل يجلب إلى قلوبنا قوّتك الفعلية. بارك أصدقاءنا، وأَقِمْهُم مِن الموت في الخطايا والذنوب كما أقمتَنا بالنِّعمة. آمين.
السُّؤَال:
15- ماذا نفهم عن شخصيّة يَسُوْع، مِن خلال إقامته الصَّبيَّة الميتة؟
غير المستطاع عند الناس
مستطاع عند اللّه
(لُوْقَا: 18- 27)
7- رَفْض يَسُوْع في النَّاصِرَة
(مرقس 6: 1- 6)
6: 1 وَخَرَجَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى وَطَنِهِ وَتَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ. 2 وَلَمَّا كَانَ السَّبْت ابْتَدَأَ يُعَلِّمُ فِي الْمَجْمَعِ، وَكَثِيرُونَ إِذْ سَمِعُوا بُهِتُوا قَائِلِينَ مِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ. وَمَا هَذِهِ الْحِكْمَةُ الَّتِي أَعْطِيَتْ لَهُ حَتَّى تَجْرِيَ عَلَى يَدَيْهِ قُوَّاتٌ مِثْلُ هَذِهِ، 3 أَلَيْسَ هَذَا هُوَ النَّجَّارُ ابْنُ مَرْيَمَ وَأَخُو يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ، أَوَلَيْسَتْ أَخَواتُهُ هَهُنَا عِنْدَنَا، فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. 4 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوْعُ لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَبَيْنَ أَقْرِبَائِهِ وَفِي بَيْتِهِ. 5 وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ. 6 وَتَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ، وَصَارَ يَطُوفُ الْقُرَى الْمُحِيطَةَ يُعَلِّمُ
عرف أهالي قرية النَّاصِرَة يَسُوْع منذ عشرات السنين، لأنّه ترعرع بينهم. وسمّوه ابن مريم، تعييراً له كعادتهم في تسمية مَن كان والده غير معروف. ولكنَّ هذا العار كان شرفاً لِلمَسِيْح، لأنّ أباه هو اللّه الّذي ولده بالرُّوْح القُدُس مِن مريم العذراء.
أمّا إخوته الأربعة، المذكورة أسماؤهم في إِنْجِيْل مَرْقُس بوضوح، فلم يولدوا مثله مِن اللّه، ولم يختّصوا باتّباع يَسُوْع، وكانوا كلّهم أصغر منه، وهم أولاد يوسف أبي المَسِيْح بالتبني. وأكبر إخوته الباقين هو يعقوب الّذي صار، بعد انتقال المَسِيْح إلى السماء، عمدةً في الكنيسة مع بُطْرُس ويُوْحَنَّا، لأنّ يَسُوْع ظهر لأخيه بعد قيامته وملأه بروحه. وبعدئذ كتب يعقوب رسالته إلى الكنائس. (اقرأ أَعْمَال الرُّسُل15: 13و 21: 18، وكُورِنْثُوس الأولى15: 7 ورسالة يعقوب كلّها).
ويخبرنا البَشِيْر مَرْقُس أيضاً أنَّ يَسُوْع كان نجّاراً، قبل خدمته الرُّوْحِيّة، يَصنع سقوفاً ونوافذ خشبيَّة للبيوت. ولم يَقُد اللهُ يَسُوْع إلى وظيفته كمَسِيْح إلاّ بعد أن أصبح أخوه يعقوب كبيراً ناضجاً وقادراً على إعالة العائلة؛ لأنّ يوسف أباهم قد توفي مِن زمان. وربّما كان يَسُوْع نفسه، كبكر العائلة، ما زال حتَّى ذلك الحين يُعيلها بواسطة تعبه الجسدي.
أمَّا ما أدهش أهل النَّاصِرَة وأرعب إخوته، فهو الحكمة في كلماته الذّكية، والسُّلطان العظيم في عجائبه. فَهُم لم يلاحظوا شيئاً مِن هذه المواهب قبلاً في صغره. أمَّا الآن فقد انبعثت ألوهيته وأشعّ جوهر أبيه في مَحَبَّته.
لم يُدرك أصدقاء يَسُوْع السَّابقون وأقرباؤه بالدم مصدر مواهبه لأنّهم لم يؤمنوا بألوهيته. فابن اللّه لم يقدر أن يعمل عجائب بينهم. ولعلَّك تتساءل: ألا يستطيع اللّه أن يفعل ما يشاء؟ طبعاً إنَّ اللّه قادرٌ أن يخلق مِن العدم شيئاً، وأن يُهلك في الدَّيْنُونَة مَن يستحقُّ القصاص. ولكن حيث لا يؤمن الناس بالمَسِيْح ابنه لا يقدر الرُّوْح القُدُس أن يمجّده بواسطة قواه البناءة وحكمته الفائقة. لا يوجد في مَلَكُوْت اللّه إجبارٌ على الإيمان والمَحَبَّة والرَّجَاء. فمَن لا ينفتح طوعاً لعمل روح اللّه لا يختبر بركته.
أمَّا أنت فإيمانك قد خلّصك. وأصبحت مسؤولاً عن محيطك، وتجري بركة الربّ بواسطة إيمانك إلى الآخرين. فلا تتعجّب إذا سخر بك أهلك وأبناء بلدتك ورفضوك واضطهدوك، لأنّ هذا عينه قد حدث للمَسِيْح، وأنت لستَ أفضل منه. لكنْ تعلّم مِن تصرفاته، ولا تتمسّك ببلدك الّذي يرفضك، بل اذهب إلى منطقة أخرى تَستَحِقُّك، واشهد لأهلها بالمَسِيْح حكمة اللّه وقوَّته.
الصَّلاَة: أيّها الربّ يَسُوْع، اغفر لنا إنْ أحزَنّاك بعدم إيماننا وقلّة ثقتنا بك وبعمل خلاصك في أيِّ زمانٍ أو مكانٍ. علِّمْنا الإيمان القوي بألوهيتك وإنسانيتك لكي تملأنا بحكمة كلامك، وتجري فينا قوّة روحك، فنصبح بركة لمحيطنا. بارك أصدقاءنا وأهلنا في هذا اليوم، ليسبّحوك مثلنا بفرحٍ. آمين.
السُّؤَال:
16- لماذا لم يقدر يَسُوْع أن يصنع عجائب في بلده؟
8- إرسال الرُّسُل الاثني عشر إلى أُمَّتهم
(مرقس 6: 7- 13)
6: 7 وَدَعَا الاِثْنَيْ عَشَرَ وَابْتَدَأَ يُرْسِلُهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْوَاح النَّجِسَةِ، 8 وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَحْمِلُوا شَيْئًا لِلطَّرِيقِ غَيْرَ عَصًا فَقَطْ، لاَ مِزْوَدًا وَلاَ خُبْزًا وَلاَ نُحًاسًا فِي الْمِنْطَقَةِ، 9 بَلْ يَكُونُوا مَشْدُودِينَ بِنِعَالٍ وَلاَ يَلْبَسُوا ثَوْبَيْنِ. 10 وَقَالَ لَهُمْ حَيْثُمَا دَخَلْتُمْ بَيْتًا فَأَقِيمُوا فِيهِ حَتَّى تَخْرُجُوا مِنْ هُنَاكَ. 11 وَكُلُّ مَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَعُ لَكُمْ فَاخْرُجُوا مِنْ هُنَاكَ وَانْفُضُوا التُّرَابَ الَّذِي تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ شَهَادَةً عَلَيْهِمْ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ سَتَكُونُ لأَِرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ. 12 فَخَرَجُوا وَصَارُوا يَكْرِزُونَ أَنْ يَتُوبُوا، 13 وَأَخْرَجُوا شَيَاطِينَ كَثِيرَةً وَدَهَنُوا بِزَيْتٍ مَرْضَى كَثِيرِينَ فَشَفَوْهُمْ
أرسل يَسُوْع رسله حسب عدد قبائل أمّته، ليعلن أنّ كلّ قبيلة مدعوّة إلى مَلَكُوْت اللّه، وأنّ كلّ فرد محتاجٌ إلى التوبة والتحرير مِن أَرْوَاح جَهَنَّم. وقد أرسل مختاريه إلى الجهاد المقدّس بدون سلاح.لم يرسلهم فرادى، بل دائماً اثنين اثنين، لكي يقوّي الواحد الآخر ويكمّله. فإن تكلّم أحدهما صلىّ الآخر، وإنْ يئس الأول شجّعه الثاني. فمَلَكُوْت اللّه ليس مبنيّاً على عبقرية الأفراد، بل على شركة المَحَبَّة بين الجميع، إذ يعتبر كلُّ واحد الآخَر أفضل منه. وحيثما يَدخل التَّوَاضُع شركةَ المبشِّرين، يملأ يَسُوْع رسلَه بسلطانه. فكلُّ مَن يُرسله المَسِيْح يكون سفيراً للمَسِيْح، ومُمثِّلاً لمَلَكُوْته المتحقّق اليوم بحلول الرُّوْح القُدُس في قلوب المؤمنين. وحيثما يَكرز سعاة المَسِيْح بموته وحياته، تَخرج الأَرْوَاح النجسة، وتضمحل سلطة الظلمة، ويثق الناس بفاديهم، ويتجدّدون إلى صبر ومسرّة.
ورسل المَسِيْح هم، إلى حدٍّ مَا، فقراء، فلا يشتهي لصٌّ ثروتهم ويهاجمهم، ولا يتعبون بأثقال دنيوية، بل يتكلون على أبيهم السَّمَاوِيّ ليلاً نهاراً، ويختبرون أنّه يعتني بهم دائماً. اطلبوا أوَّلاً مَلَكُوْت اللّه وبرّه فتُزاد الضروريات الأخرى لكم. لا تقدر أن تخدم اللّه والمال، فإمّا أن تبغض الواحد وتحبّ الآخر، أو تلتصق بالأوّل وترفض الثاني. يَطمح الناس، بطبيعتهم، إلى المال والملك والاسترخاء. أمَّا المَسِيْح فيدعوك إلى مملكته الرُّوْحِيّة وخدمته الفعاّلة المبنيّة على قناعة واتّكال دائم على أبيك السَّمَاوِيّ.
والرُّوْح القُدُس يقود خدّام الربّ إلى بيوت المستعدّين للإيمان، وليس إلى جَمَاهِيْر المهمِلين. فصلّ إلى ربّك بإلحاح كي يرشدك إلى مَن هو مستعدٌّ لسماع كلمته. ليس مِن واجبك أن تغيّر الدنيا كلّها، بل إنَّ ربّك يدعوك لتجد أفراداً مشتاقين إليه. هؤلاء سوف يسمعونك، وبهم تأتي كرازتك بثمار، ويخلق الرُّوْح القُدُس بينهم توبة وإيماناً ومَحَبَّة. وإن جُلْتَ في هدى اللّه، وبإطاعة الإيمان، يُخرج روح السلام أَرْوَاح البغضة النجسة مِن سامِعِيْك، ويشفي قلوباً مريضة، ويخلّص كثيرين بواسطة خدمتك المتواضعة.
الصَّلاَة: أيّها الربّ، نشكرك لأنك دعوتنا، ونحن عبيد بطالون، لنشر مَلَكُوْت محبّتك في سلطانك المتواضع. ساعِدْنا على أن نسلك في القَدَاسَة، وجهزّنا بكلمة قدرتك، لكي يشبع الجياع إلى برّك، ويتحرّر المقيّدون مِن النجاسة والاستكبار ومن أَرْوَاحهم الشِّرِّيْرة، ويتجدّدوا في ولادة روحيّة أبديّة. آمين.
السُّؤَال:
17- ما هي أوامر المَسِيْح لرسله قبل انطلاقهم للتبشير؟
إِنَّ الْحَصَـادَ كَثِيـرٌ
وَلكِنَّ الْفَعَلَـةَ قَلِيلُـونَ
فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الحَصَادِ
أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ
لُوْقَا10: 2
9- خوف الملك هِيْرُودُس مِن المَعْمَدَان القتيل
(مرقس 6: 14- 29)
6: 14 فَسَمِعَ هِيْرُودُس الْمَلِكُ، لأَِنَّ اسْمَهُ صَارَ مَشْهُورًا، وَقَالَ إِنَّ يُوْحَنَّا الْمَعْمَدَان قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ وَلِذَلِكَ تُعْمَلُ بِهِ الْقُوَّاتُ. 15 قَالَ آخَرُونَ إِنَّهُ إِيلِيَّا، وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّه نَبِيٌّ أَوْ كَأَحَدِ الأَنْبِيَاءِ. 16 وَلَكِنْ لَمَّا سَمِعَ هِيْرُودُس قَالَ هَذَا هُوَ يُوْحَنَّا الَّذِي قَطَعْتُ أَنَا رَأْسَهُ. إِنَّهُ قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ 17 لأَِنَّ هِيْرُودُس نَفْسَهُ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ وَأَمْسَكَ يُوْحَنَّا وَأَوْثَقَهُ فِي السِّجْنِ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا امْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ إِذْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا. 18 لأَِنَّ يُوْحَنَّا كَانَ يَقُولُ لِهِيْرُودُس لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَكُونَ لَكَ امْرَأةُ أَخِيكَ. 19 فَحَنِقَتْ هِيرُودِيَّا عَلَيْهِ وَأَرَادَتْ أَنْ تَقْتُلَهُ وَلَمْ تَقْدِرْ، 20 لأَِنَّ هِيْرُودُس كَانَ يَهَابُ يُوْحَنَّا عَالِمًا أَنَّهُ رَجُلٌ بَارٌّ وَقِدِّيسٌ وَكَانَ يَحْفَظُهُ، وَإِذْ سَمِعَهُ فَعَلَ كَثِيرًا وَسَمِعَهُ بِسُرُورٍ. 21 وَإِذْ كَانَ يَوْمٌ مُوَافِقٌ لَمَّا صَنَعَ هِيْرُودُس فِي مَوْلِدِهِ عَشَاء لِعُظَمَائِهِ وَقُوَّادِ الأُلُوفِ وَوُجُوهِ الْجَلِيْل 22 دَخَلَتِ ابْنَةُ هِيرُودِيَّا وَرَقَصَتْ، فَسَرَّتْ هِيْرُودُس وَالْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. فَقَالَ الْمَلِكُ لِلصَّبِيَّةِ مَهْمَا أَرَدْتِ اطْلُبِي مِنِّي فَأُعْطِيَكِ. 23 وَأَقْسَمَ لَهَا أَنْ مَهْمَا طَلَبْتِ مِنِّي لَأُعْطِيَنَّكِ حَتَّى نِصْفَ مَمْلَكَتِي. 24 فَخَرَجَتْ وَقَالَتْ لأُِمِّهَا مَاذَا أَطْلُبُ، فَقَالَتْ رَأْسَ يُوْحَنَّا الْمَعْمَدَان. 25 فَدَخَلَتْ لِلْوَقْتِ بِسُرْعَةٍ إِلَى الْمَلِكِ وَطَلَبَتْ قَائِلَةً أُرِيدُ أَنْ تُعْطِيَنِي حَالاً رَأْسَ يُوْحَنَّا الْمَعْمَدَان عَلَى طَبَقٍ. 26 فَحَزِنَ الْمَلِكُ جِدًّا، وَلأَِجْلِ الأَقْسَامِ وَالْمُتَّكِئِينَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَرُدَّهَا. 27 فَلِلْوَقْتِ أَرْسَلَ الْمَلِكُ سَيَّافًا وَأَمَرَ أَنْ يُؤْتَى بِرَأْسِهِ. 28 فَمَضَى وَقَطَعَ رَأْسَهُ فِي السِّجْنِ، وَأَتَى بِرَأْسِهِ عَلَى طَبَقٍ وَأَعْطَاهُ لِلصَّبِيَّةِ وَالصَّبِيَّةُ أَعْطَتْهُ لأُِمِّهَا. 29 وَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ جَاءُوا وَرَفَعُوا جُثَّتَهُ وَوَضَعُوهَا فِي قَبْرٍ
كان يُوْحَنَّا المَعْمَدَان أهمَّ إنسان في زمنه، وأعظم الأنبياء جميعاً، لأنّه أدرك وأنبأ بواسطة الرُّوْح القُدُس أنّ المَسِيْح ليس ملكاً مُهلكاً لعالمنا بأسلحة مميتة، ولا يُنزِل نار السَّماء على الكافرين، بل هو حَمَل الله الوديع الّذي يرفع خطيئة البشر.
وكان يُوْحَنَّا مناضلاً في سبيل الله في روح وقوّة النَّبِيّ إيليا. تقدّم إلى الملك هِيْرُودُس ووبّخه على الشرّ الّذي في قلبه. فاغتاظ الملك مِن توبيخه، وألقى برجل الحق في غياهب السجن. ولكنّ الملك شعر بأنّ هذا النَّبِيّ مستقيمٌ، فاستشاره سرّاً في أموره السياسية، وعمل بمشورته، لأنَ رجال حاشيته كانوا يتملَّقونه ولا يُخْلِصُونه النصح، وعلى الرَّغم مِن أنَّ الملك أطاع النَّبِيّ واستفاد مِن مشورته في قضايا كثيرة، إلاَّ أنَّه لم يُطعه في طهارة جسده وقَدَاسَة زواجه.
أمَّا هيروديا عشيقة الملك وخليلته، وفي الوقت نفسه امرأة أخيه، فقد كرهت يُوْحَنَّا المَعْمَدَان في أعماق نفسها، بسبب تبكيته للملك. وكانت تفكّر ليلاً نهاراً بطريقةٍ تُبيد بها هذا الشاهد للّه، وتنتقم منه شرَّ انتقام.
وعندما رقصت ابنتها في وليمة الملك السكير رقصاً مثيراً، اغتنمت أمّها الفرصة للانتقام. وهمست في أذن ابنتها بفكرة شرّيرة بأن تطلب رأس المَعْمَدَان مكافأة لها لقاء إرضاء غرائز الملك الشهواني برقصتها الخليعة، حيث عرض عليها أن يعطيها أيّ شيء تطلبه، ولو نصف مملكته.
وهكذا قُتل نبيُّ اللّه ظلماً، وثمناً لسكر الملك الزاني، ورغبة الانتقام الدموي في نفس المرأة المومس، وثورة الجنون الراقصة في ابنتها. وهكذا ظهر لأوّل وهلة كأنّ سلاطين العالم أقوى مِن مَلَكُوْت اللّه. ولكنّ ضمائر هؤلاء المغتصبين كانت تبكِّتهم على الدَّوام كالمنخس.
أمَّا هِيْرُودُس، الملك الخليع المتَّصِل بأَرْوَاح الموتى، فما أن سمع بأَعْمَال يَسُوْع، وكرازة تلاميذه الفعّالة، حتَّى اضطرب وخاف، ظنّاً منه أنَّ روح المَعْمَدَان الذبيح قد قامت وحلّت في يَسُوْع الّذي يتقدّم الآن لإبادته واغتصاب الملك منه.
ليست السلطة والغنى والشَّهوة هي الّتي تقوّي الإنسان وتجعله مسروراً مطمئناً، بل الحق والطَّهَارَة والضمير الصَّالِح هي الّتي تمنحك الراحة في النوم، والفرح في قلبك. فلا تطمع بمغريات هذه الدُّنيا الفانية، ولا تسترسل في أحلامك الجنسيّة النَّجسة، ولا تستسلم لشهواتك وأهوائك الجامحة، بل اختر تواضع القَدَاسَة، وقوّة اللّه العاملة في التَّوَاضُع، لأنّ مَن يؤمن بالمَسِيْح يتغيّر إلى صورته، ويعيش في سلام اللّه إلى الأبد.
الصَّلاَة: أيّها الربّ، نشكرك لأجل شهادة يُوْحَنَّا المَعْمَدَان الجريء. اغفر لنا جبننا، لأنَّنا في كثيرٍ مِن الأحيان لا نُسمّي خطايا الناس بأسمائها، كما أنَّنا نُكثر مِن التَّبْشِيْر بالغُفران قبل التّوبة والرجوع إليك. علّمنا أن نخدمك باستقامة، وقدّس أخلاقنا إلى التّمام، لكي نسلك في صورة تواضعك، ونمارس محبّتك الخالدة. آمين.
السُّؤَال:
18- ما هي أسباب موت يُوْحَنَّا المَعْمَدَان؟
10- رجوع الرُّسُل مِن تبشيرهم،
وإشباع الخمسة آلاف في البرّية
(مرقس 6: 30- 44)
6: 30 وَاجْتَمَعَ الرُّسُل إِلَى يَسُوْع وَأَخْبَرُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ كُلِّ مَا فَعَلُوا وَكُلِّ مَا عَلَّمُوا. 31 فَقَالَ لَهُمْ تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلاً، لأَِنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ. 32 فَمَضَوْا فِي السَّفِيْنَة إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدِينَ. 33 فَرَآهُمُ الْجُمُوعُ مُنْطَلِقِينَ وَعَرَفَهُ كَثِيرُونَ فَتَرَاكَضُوا إِلَى هُنَاكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُدُنِ مُشَاةً وَسَبَقُوهُمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. 34 فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوْع رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا فَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا. 35 وَبَعْدَ سَاعَاتٍ كَثِيرَةٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ الْمَوْضِعُ خَلاَءٌ وَالْوَقْتُ مَضَى، 36 اِصْرِفْهُمْ لِكَيْ يَمْضُوا إِلى الضِّيَاعِ وَالْقُرَى حَوَالَيْنَا وَيَبْتَاعُوا لَهُمْ خُبْزًا، لأَِنْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ. 37 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ أَعْطُوهُمْ أَنْتُمْ لِيَأْكُلُوا. فَقَالُوا لَهُ أَنَمْضِي وَنَبْتَاعُ خُبْزًا بِمِئَتَيْ دِينَارٍ وَنُعْطِيَهُمْ لِيَأْكُلُوا. 38 فَقَالَ لَهُمْ كَمْ رَغِيفًا عِنْدَكُمُ، اذْهَبُوا وَانْظُرُوا. وَلَمَّا عَلِمُوا قَالُوا خَمْسَةٌ وَسَمَكَتَانِ. 39 فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْجَمِيعَ يَتَّكِئُونَ رِفَاقًا رِفَاقًا عَلَى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ. 40 فَاتَّكَأُوا صُفُوفًا صُفُوفًا مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ. 41 فَأَخَذَ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ وَالسَّمَكَتَيْنِ وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَبَارَكَ ثُمَّ كَسَّرَ الأَرْغِفَةَ وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا إِلَيْهِمْ، وَقَسَّمَ السَّمَكَتَيْنِ لِلْجَمِيعِ. 42 فَأَكَلَ الْجَمِيعُ وَشَبِعُوا، 43 ثُمَّ رَفَعُوا مِنَ الْكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَمْلُوَّةً وَمِنَ السَّمَكِ. 44 وَكَانَ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الأَرْغِفَةِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلاَفِ رَجُلٍ
رجع رسل المَسِيْح إليه من رحلتهم التَّبْشِيْريّة وأخبروه بكلّ كلمة، وبالقوّة الّتي قدّموها باسمه إلى أمّتهم. فأخذهم يَسُوْع أوَّلاً جانباً إلى البرّية لكي يدركوا، في هدوء، ما عمله اللّه بواسطتهم. ولكيلا ينسوا الشكر لفرح اختباراتهم في حلول مَلَكُوْت اللّه بواسطتهم. هل تشكر يَسُوْع لسلطان قوّته الّتي ينقلها بواسطة خدمتك إلى أصدقائك؟ إنَّ يَسُوْع يقودك مرَّة تلو المرّة إلى هدوء الشكر، لتسبّح اللّه في تعمّقك في أَعْمَاله، كي لا تكون سطحياً متكبّراً، بل متواضعاً شاكراً.
ولكنّ الجَمَاهِيْر لم تترك ليَسُوْع وقتاً للرَّاحة والهدوء، بل تبعته وسبقته وازدحمت حوله. وللعجب لم يطردها المَسِيْح بالرغم من تعبه، بل أحبَّها وعرف جوعها إلى البِرّ وشوقها إلى المَحَبَّة والرحمة، وبشَّرها بناموس (بشريعة) روحه وفسّر لها نعمة اللّه المخلّصة.
تصوّر كيف بشّر القُدُّوس الناسَ ساعات طويلة، وهم جالسون حوله على عشب البريّة، يستمعون إليه بشغف، شاهدين كيف نزل الفردوس وحلَّ في قلوبهم العطشى، غير شاعرين بمرور الوقت. وإذ طال بهم المقام في ذلك المكان النَّائي، بدأ الجوع يزحف إلى أجسادهم الّتي أدركها التعب في ذلك النهار المرهق.
وفكَّر التَّلاَمِيْذ بالغذاء اللازم للجسد، مدركين الجوع في الجَمَاهِيْر، هذا الجوع الّذي يسبّب اليوم في دنيانا ثورات مدمِّرة وخراباً متزايداً.
وعندما طلب يَسُوْع مِن أتباعه تحضير طعام للجموع، حسب التَّلاَمِيْذ بسرعة ودقَّة أنّهم لأجل إطعام هؤلاء الناس يحتاجون إلى مبالغ ضخمة مِن المال، مع عربات شحن كثيرة لنقل المواد والأغذية. فخطّطوا بتقديرهم البشريِّ كأنّهم تجارٌ مَهَرَة ومدبّرون للأَعْمَال الخيرية وعلماء في النفس. أمّا يَسُوْع ابن اللّه، فليس بحاجةٍ إلى حسابات البشر ووسائلهم. وقد شاء أن يرحم الجمع الجائع حوله ويُشبعه روحيّاً وجسديّاً. فدعا الناس كلَّهم إلى وليمة مقدّسة، لأنَّ فيه كانت القدرة على أن يخلق مِن القليل كثيراً، كما أنّه يمحو الخطايا الكثيرة بدمه الثمين.
فأخذ يَسُوْع الأرغفة الخمسة والسمكتين مِن أيدي تلاميذه، ووضعها أمام اللّه أبيه، وشكره علانيةً لأجل القليل الموجود. وبعدئذ كسر الخبز، وأعطاه للتلاميذ ليوزّعوه على الجَمَاهِيْر. فاتّسعت أحداقهم عجباً، وهم يشاهدون بأمّهات عيونهم ابن اللّه جالساً بين البشر، معطياً مِن ملئه نعمة فوق نعمة.
كانت فضلات الطعام، والفتات، وكِسَر الخبز الّتي جُمِعَت بعد الوليمة أكثر مِن الطعام في بدايته. هذا ما صنعته بركة اللّه بواسطة شُكر المَسِيْح الّذي مثلما كسر الخبز للجَمَاهِيْر، كسر جسده أيضاً لكي يُصالحنا مع اللّه فنتغذَّى به روحيّاً في العَشَاء الرَّبَّانِيّ ونتقوّى في المَحَبَّة والخدمة.
هل أدركت سرّ بركة اللّه المقدّمة لكل إنسان. إنّه الشكر للقليل الموجود. وهذا الشكر في الإيمان هو مفتاح الباب المُفْضِي إلى كنوز اللّه. آمِن بِعَون المَسِيْح القريب منك، واشكره على القليل الّذي بين يديك، وثِق بإرادته وقدرته، لأنّه يشاء أن يُنعم عليك وأصدقاءك بالغذاء الجسدي والرّوحي في كلّ حين. ولا تنسَ الشُّكر أبداً.
الصَّلاَة: أيّها الربّ، اغفر لنا عدم إيماننا وقلّة شكرنا. علّمنا أن نحبّ الجَمَاهِيْر كما رحمتهم، وأن نشكرك لغفرانك، ولبركاتك كلِّها المعروفة وغير المعروفة. نطلب الحكمة في تقَدِيْم هذه الامتيازات إلى أصدقائنا لكي يتغيّروا، فلا يفكّروا بالخبز أولاً، بل يخدموا الغرباء وكلّ الّذين يشتاقون إلى مَلَكُوْتك. آمين.
السُّؤَال:
19- ما هو سرّ إشباع الخمسة آلاف؟
11- ظُهور يَسُوْع لتلاميذه عَلَى وَجه الْبَحْرِ
(مرقس 6: 45- 56)
6: 45 وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِيْنَة وَيَسْبِقُوا إِلَى الْعَبْرِ إِلَى بَيْتِ صَيْدَا حَتَّى يَكُونَ قَدْ صَرَفَ الْجَمْعَ. 46 وَبَعْدَمَا وَدَّعَهُمْ مَضَى إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. 47 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ كَانَتِ السَّفِيْنَة فِي وَسَطِ الْبَحْرِ وَهُوَ عَلَى الْبَرِّ وَحْدَهُ. 48 وَرَآهُمْ مُعَذَّبِينَ فِي الْجَذْفِ، لأَِنَّ الرِّيحَ كَانَتْ ضِدَّهُمْ. وَنَحْوَ الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ أَتَاهُمْ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَجَاوَزَهُمْ. 49 فَلَمَّا رَأَوْهُ مَاشِيًا عَلَى الْبَحْرِ ظَنُّوهُ خَيَالاً فَصَرَخُوا. 50 لأَِنَّ الْجَمِيعَ رَأَوْهُ وَاضْطَرَبُوا. فَلِلْوَقْتِ كَلَّمَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ ثِقُوا. أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا. 51 فَصَعِدَ إِلَيْهِمْ إِلَى السَّفِيْنَة فَسَكَنَتِ الرِّيحُ، فَبُهِتُوا وَتَعَجَّبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ جِدًّا إِلَى الْغَايَةِ. 52 لأَِنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا بِالأَرْغِفَةِ إِذْ كَانَتْ قُلُوبُهُمْ غَلِيظَةً. 53 فَلَمَّا عَبَرُوا جَاءُوا إِلَى أَرْضِ جَنِّيسَارَتَ وَأَرْسَوْا
54 وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِيْنَة لِلْوَقْتِ عَرَفُوهُ، 55 فَطَافُوا جَمِيعَ تِلْكَ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ وَابْتَدَأُوا يَحْمِلُونَ الْمَرْضَى عَلَى أَسِرَّةٍ إِلَى حَيْثُ سَمِعُوا أَنَّهُ هُنَاكَ. 56 وَحَيْثُمَا دَخَلَ إِلَى قُرًى أَوْ مُدُنٍ أَوْ ضِيَاعٍ وَضَعُوا الْمَرْضَى فِي الأَسْوَاقِ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا وَلَوْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. وَكُلُّ مَنْ لَمَسَهُ شُفِيَ
أحبَّ التَّلاَمِيْذ والجَمَاهِيْر الخبزَ الوفير اللذيذ الّذي قدّمه لهم الربّ يَسُوْع، وحاولوا تتويجه ملكاً لأمّتهم. ولكنَّ يَسُوْع فصل تلاميذه فوراً عن الجموع، وانتشلهم مِن تجربة السلطة، وأصعدهم إلى السَّفِيْنَة، لكي يُبْعِدهم عن نشوة تحمّس الجَمَاهِيْر، فيتأمَّلوا بهدوء ويدركوا أمام اللّه على انفراد حقيقة ما حدث، ومَن الّذي قام بالمعجزة. كي لا يصرفهم
اهتمامهم بالمعونة عن النَّظَر إلى المعين نفسه.
وبعدما أبحر التَّلاَمِيْذ، ذهب يَسُوْع وحده إلى موضع خلاء لكي يصليّ. كلَّم ابن العلي أباه عن الأَعْمَال الّتي أراه إيّاها سابقاً فنفَّذها باسمه. لم يعمل الابن شيئاً بدون أبيه، بل صلّى دائماً، وعمل في انسجام تامّ مع إرادته.
هل تُصلِّي وحدك في هدوء أمام وجه اللّه؟ اعلم أنّك ستظَلُّ ضعيفاً في نفسك وإلى الأبد، إن لم تصبح الصَّلاَة في الرُّوْح القُدُس هدفك الأوَّل باستمرار.
رأى يَسُوْع، مِن خلال صلواته ومَحَبَّته الفائقة، تلاميذَه في الضِّيق وسط هيجان البحر والعواصف، موشكين على الغرق. وسمع صرخات استغاثاتهم المصلّية. فلم يبق في عزلته عِنْدَئِذٍ، بل أسرع لإنقاذهم، مُظهراً لهم أنّه ربُّ العناصر كلّها: ماشياً على الماء، وعابراً وسط صخور القبر، وصاعداً في طبقات السماء العليا. كان له جسدٌ روحي لأنّه المولود مِن روح اللّه.
لم يتقدّم يَسُوْع مباشرة إلى تلاميذه، بل امتحن إيمانهم أوَّلاً. قد صرخوا إلى اللّه طالبين تدخلّه. ولكن حين جاءهم المعين، على نَحْوٍ غير مُتوقَّعٍ، ارتعبوا وصاحوا خائفين: إنَّ شبحاً مُقبلٌ علينا لإهلاكنا وإغراقنا.
أتؤمن باستجابة صلواتك؟ إنّ يَسُوْع يستمع إليك دائماً، ويقترب منك بكلّ تأكيد. فلا
تخشَ الأهوال مِن حولك، ولا الناس ولا العواصف ولا الظلمات، لأنّ ربّك قريبٌ منك. والمَسِيْح يأمرك بالاطمئنان لأجل حضوره، ويمنعك مِن كلّ خوف وشبه خوف لأجل جلاله.
لم ينتهر يَسُوْع تلاميذه على فزعهم مِن مجيئه الغريب، بل منعهم مِن الخوف، وأكّد لهم حضوره. قد عرف خلفيّتهم، كصيّادي سمك، بخرافاتهم واعتقاداتهم بوجود أشباح وغيلان وخيالات؛ فأراد أن يُلغي هذه الأوهام مِن حياتهم، فقال لهم: “إنّي أنا هو”. أنا حاضرٌ ومعروفٌ لديكم. أنا اللّه في الجسد. إنّي أنا هو. أدركوا مَن أنا، فتطمئنوا وتفرحوا.
هل قلبك متحجِّرٌ أم ممتلئٌ بالرُّوْح القُدُس؟ هل تؤمن بمخلّصك الحبيب رغم الظُّلمات والضيقات، أم تسعى بإيمانك لأجل الخبز والرفاهية؟ إنّ يَسُوْع هو هبة اللّه لك، وكلُّ ما عداه ثانويٌّ. مِن مَحَبَّته تجري أنهر النعمة إلى كُلِّ الّذين ينفتحون للطفه. فهو وحده مصدر قدرة اللّه، وليس تلاميذه ولا القدّيسون ولا الأساقفة ولا أيّ إنسان آخر. المَسِيْح وحده يشفيك في نفسك وجسدك إن طلبته.
لمّا عبر يَسُوْع البحيرة مع تلاميذه في السَّفِيْنَة عرفه بعض الناس، فركضوا إلى القرى في محيطهم، وأتوا بكلِّ مريض وكسيح، وشفاهم يَسُوْع جميعاً. فلا يوجد مرضٌ يستعصي شفاؤه على النِّطاسي البارع، قاهر الموت ومعطي الحياة. وحتَّى لمس هدب ثوبه كان يَهَبُ الشِّفاء لِكلِّ مَن آمن به. وهو اليوم يقول لك أيضاً: “إيمانك قد خلّصك”. فبدون الإيمان لا خلاص ولا سلام.
الصَّلاَة: نسجد لك يا ابن اللّه العظيم، لأنّ البحر والعواصف والعناصر كلّها تطيعك، فتخضع لمحبّتك. ونؤمن بحضورك اليوم. فامكث معنا، وأطفِئ خوفنا، واخلق فينا الإيمان والاطمئنان والمَحَبَّة المستعدّة للركض إلى القرى والمدن لإحضار كلِّ مَن يريد الشِّفاء على يدك المباركة أيُّها المعين الأمين القُدُّوس. آمين.
السُّؤَال:
20- ماذا يقصد المَسِيْح بعبارته لتلاميذه: “أنا هو”؟
12- الخلاف حول غَسْلِ اليدَين، وأحكام الطقوس الأخرى
(مرقس 7: 1- 13)
7: 1 وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ الْفَرِّيْسِيّونَ وَقَومٌ مِنَ الْكَتَبَةِ قَادِمِينَ مِنْ أُوْرُشَلِيْم* 2 وَلَمَّا رَأَوْا بَعْضاً مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ دَنِسَةٍ أَيْ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ لاَمُوا* 3 لأَنَّ الْفَرِّيْسِيّينَ وَكُلَّ الْيَهُودِ إنْ لَمْ يَغْسِلُوا أَيْدِيهُمْ بِاعْتِنَاءٍ لاَ يَأْكُلُونَ. مُتَمَسِّكِينَ بِتَقْلِيدِ الشُّيُوخِ. وِمِنَ السُّوقِ إنْ لَمْ يَغْتَسِلُوا لاَ يَأكُلُونَ. وَأَشْيَاءُ أُخْرَى كَثِيرَةٌ تَسَلَّمُوهَا لِلتَّمَسُّكِ بِهَا مِنْ غَسْلِ كُؤُوسٍ وَأَبارِيقَ وَآنِيَةِ نُحَاسٍ وَأَسِرَّةٍ* 5 ثُمَّ سَأَلَهُ الْفَرِّيْسِيّونَ وَالْكَتَبَةِ لِمَاذَا لاَ يَسْلُكُ تَلاَمِيذُكَ حَسَبَ تَقْلِيدِ الشُّيُوخِ بَلْ يَأْكُلُونَ خُبْزاً بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ* 6 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ حَسَناً تَنَبَّأَ إِشَعْيَاءُ عَنْكُمْ أَنْتُمُ الْمُرَائِينَ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ. هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً* 7 وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَنِي وَهًمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ* 8 لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمْ وَصِيَّةَ اللّهِ وَتَتَمَسَّكُونَ بِتَقْلِيدِ النَّاسِ. غَسْلَ الأَبَارِيقِ وَالْكُؤُوسِ وَأُمُوراً أُخَرَ كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ* 9 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ حَسَناً رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللّهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ* 10 لأَنَّ مُوسَى قَالَ أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ. وَمَنْ يَشْتُمُ أَباً أَوْ أُمّاً فَلْيَمُتْ مَوْتاً* 11 وَأَمّّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ إنْ قَالَ إنْسَانٌ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ قُرْبَانٌ أَيْ هَدِيَّةٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي* 12 فَلاَ تَدَعُونَهُ فِي مَا بَعْدُ يَفْعَلُ شَيْئاً لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ* 13 مُبْطِلِينَ كَلاَمَ اللّهِ بِتَقْلِيدِكُمُ الَّذِي سَلَّمْتُمُوهُ. وَأُمُوراً كَثِيرَةً مِثْلَ هذِهِ تَفْعَلُونَ.
تعوّد الناس أن يغسلوا أيديهم قبل تناول الطعام، لأنَّ الغبار المحيط بنا يتضمَّن جراثيم تُسبِّبُ أمراضاً مختلفة. ولكن مَن يزعم أنّ الغسل الخارجي ضروريٌّ لتبرير النفس وإرضاء اللّه روحياً هو في الواقع غبيٌّ وسَطحيٌّ، لأنّ القُدُّوس يريد طهارة القلب، وليس طقوساً فارغة. فالعامل المؤمن بغفران خطاياه بدم المَسِيْح هو إنسانٌ مقدّسٌ في صورة خالقه حتَّى وإن اتَّسخَت يداه بسبب عمله المرهق. أمَّا مَن كان قلبه نجساً أو مليئاً بالأفكار الشِّرِّيْرة، فلا بدّ أن يُحشَرَ في جَهَنَّم، حتَّى وإن توضّأ واغتسل على الدَّوام ولبس أفخر الثياب وأثمنها.
لقد جاء المَسِيْح بانقلاب جذري على الأديان كلِّها، وحرّرنا مِن الطقوس والفرائض والشَّرائع، وكشف لنا جوهر السجود وغايته: القلب الجَدِيْد. فالادِّعاءُ بحفظ الوصايا بأجمعها مراءاةٌ وخداعٌ للنفس، ما دام الإنسان مولوداً ثانيةً مِن اللّه. والصَّلوات كلُّها سطحيّةٌ وكاذبةٌ ما دام الإنسان لا يعترف بذنبه قائلاً: “اللَّهُمَّ ارحمني أنا الخاطئ”. وكلُّ خدمةٍ نقدّمها للّه مِن مخازن أنانيتنا لا تنال مكافأةً. لا يستطيع الإنسان أن يرضي اللّه بأحكام بشرية وأَعْمَال فريضة وطقوس متعدّدة، ولا بالصَّلاَة والصوم والحجّ والزكاة، لأنّ كلّ ما يخرج مِن قلب الإنسان ومِن عقله نجسٌ وغير مقبول عند القُدُّوس. أمّا ما يأتي مِن اللّه فهو وحده مقبول.
إنَّ بِرَّنا الموهوب لنا مِن المَسِيْح هو رحمةٌ مِن اللّه، وليس عملَنا نحن. وتقديسنا هو عمل الرُّوْح القُدُس، وليس نتيجة حفظنا للوصايا بمجهودنا الشَّخْصِيّ. فكلّ دين مبني على الفرائض هو مجرّد خيال ورياء وخداع للنفس، لأنّ اللّه يريد توبتنا وانكسار قلوبنا، ليملأ فؤادنا المتحرّق بمَحَبَّته. عِنْدَئِذٍ نتغيّر مبدئياً، ونخدم والدينا باحترام وشكر، ونضحّي لأجلهم بآمالنا، ونصرف وقتاً لأجلهم. وعِنْدَئِذٍ نشكر اللّه، وتفيض قلوبنا بالتّسبيح، لأنَّ اللّه قد أتى إلينا في ابنه وحرّرنا مِن عبودية الطقوس.
هل تَعلم أنَّ الرّياء مِن أقبح الخطايا المتغلغلة في قلوب بعض الناس الّذين يَظهرون أتقياء، ويتكلّمون بعبارات تقيّة، ويصلّون أمام الآخرين، أمَّا قلبهم فلا يتكلّم كما تنطق أفواههم، وأفكارهم بعيدة كلَّ البُعْد عن اللّه؟ إنَّ الملايين مِن الصلوات باطلة، لأنّها غير صادرة عن قلب متواضع، وغير مطهّرة بدم المَسِيْح وروحه. فكلّ تدّين هو باطلٌ عند اللّه، إن لم يستسلم المصلّي بكلِّيَّته للقُدُّوس.
ويزداد خطر التقوى في سبيل الأنانية حالما ينشئ المتعصّبون قوانين خاصة ليخطّطوا الطريق لتقديس خاص، ويدينون الّذين يعيشون كما هم. فاحترس مِن الريّاء، لأنَّه أخطر من السم، فهو يُمِيْتُ المَحَبَّة والإيمان مع الصَّلاَة الصَّالِحة، وينفخ الأنا كبالونٍ قُبَيْلَ انفجاره.
الصَّلاَة: أيّها الآب، نشكرك لأنّك رحمتنا نحن الخطاة، وغفرت ذنوبنا تماماً بموت ابنك الوحيد. املأنا بقوّة محبّتك، لكي نكرّس لك حياتنا حمداً وشكراً، ونخدم في الوقت نفسه والدينا بدافع المَحَبَّة. احفظنا مِن الرّياء الظاهر في صورة التقوى، لنخلع الكبرياء والتعصّب، ونعيش منكسرين أمامك يا اللّه. آمين.
السُّؤَال: 21- هل لغسل اليدين والوضوء أيّ قوّة مطهّرة أمام اللّه؟ لماذا؟
12- يَسُوْع يُعْلِن للمُرائين حقيقة قلوبهم
(مرقس 7: 14- 23)
7: 14 ثُمَّ دَعَا كُلَّ الْجَمْعِ وَقَالَ لَهُمُ اسْمَعُوا مِنِّي كُلُّكُمْ وَافْهَمُوا. 15 لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِ الإِنْسَانِ إِذَا دَخَلَ فِيهِ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، لَكِنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. 16 إِنْ كَانَ لأَِحَدٍ أُذُنانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ. 17 وَلَمَّا دَخَلَ مِنْ عِنْدِ الْجَمْعِ إِلَى الْبَيْتِ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ عَنِ الْمَثَلِ. 18 فَقَالَ لَهُمْ أَفَأَنْتُمْ أَيْضًا هَكَذَا غَيْرُ فَاهِمِينَ، أَمَا تَفْهَمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الإِنْسَانَ مِنْ خَارِجٍ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُنَجِّسَهُ، 19 لأَِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ إِلَى قَلْبِهِ بَلْ إِلَى الْجَوْفِ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْخَلاَءِ وَذَلِكَ يُطَهِّرُ كُلَّ الأَطْعِمَةِ. 20 ثُمَّ قَالَ إِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإِنْسَانِ ذَلِكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. 21 لأَِنَّهُ مِنَ الدَّاخِلِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيْرةُ زِنًى فِسْقٌ قَتْلٌ 22 سِرْقَةٌ طَمَعٌ خُبْثٌ مَكْرٌ عَهَارَةٌ عَيْنٌ شَرِّيرَةٌ تَجْدِيفٌ كِبْرِيَاءُ جَهْلٌ، 23 جَمِيعُ هَذِهِ الشُّرُورِ تَخْرُجُ مِنَ الدَّاخِلِ وَتُنَجِّسُ الإِنْسَانَ
إنَّ أكبر تجربة للمؤمنين الأتقياء هي أنّهم يحاولون تقديس أنفسهم بأنفسهم. ولهذا يمتنعون عن بعض الملابس والمأكولات، أو يحفظون آيات كثيرة لإرضاء اللّه.
فالكنائس والجماعات الّتي تمنع اتِّباع الأزياء السَّائدة والأنماط الجَدِيْدة أو استعمال الراديو والتلفزيون لم تدرك بعد الحقيقة المرّة، أنَّ المظاهر الخارجية ليست هي أسباب خطايانا بل نتائجها. إنَّهم يُشبهون الّذين يقطعون الحشائش مِن فوق الأرض ولا يقتلعونها مِن جذورها، فيتعبون عبثاً، لأنّه لا بدّ مِن اقتلاع جذور الشّر مِن أذهاننا، وعِنْدَئِذٍ تنتهي الثمار الرديّة تلقائياً.
هل تؤمن أنّه ليس إنسانٌ صالحاً مِن تلقاء نفسه؟ يعلّمنا المَسِيْح أنَّ الإنسانية مُفْلِسة في حدِّ ذاتها، لأنّ قلب الإنسان هو ينبوع السم والسوء والشرّ. فكُن صادقاً أيّها القارئ، واعترف بما تفكّر نهاراً وتتخيّل ليلاً؛ وتقبَّلْ كلمات المَسِيْح كمبضع الجراح الّذي يتغلغل إلى باطن الجسم بحثاً عن أسباب المرض والفساد ليستأصلها مِن جذورها.
لقد أعلن ابن اللّه أنّ خطيئتك الأولى المتسرّبة مِن داخلك هي شهواتك ونجاساتك، بما فيها الزِّنى والانحرافات الجنسيَّة. فلا تكذب، بل صارح اللّه بأفكارك الشهوانية وأقوالك غير النَّظيفة وأَعْمَالك النَّجسة، لكي يغفر لك ويشفيك فعلاً.
يُسمّيك المَسِيْح قاتلاً، ليس لأنّك قتلتَ إنسانا،ً أو أطلقتَ الناَّر على أحد بمسدَّس أو “كلاشنكوف”، بل لأنّك تبغض أُناساً، وترفضهم في قلبك، وتتمنّى أن يزولوا بسرعة لكيلا تراهم فيما بعد. يُعلِّمُكَ يَسُوْع أن تحبّ أعداءك وتغفر لخصمك تماماً. ويُنبِّهُك أيضاً بأنَّ مِن قلب الإنسان تخرج فكرة السرقة. وهكذا وبدون أن تلاحظ، أصبحتَ سارقاً. فانظر إلى نفسك! هل في يدك شيءٌ لا يَخصُّك؟ هل سلبتَ أحداً وقته، أو أفكاره، أو أشياءه الصَّغيرة أو الكبيرة؟ أرجِع كلَّ ما ليس لك إلى صاحبه، واعترف أمامه باشتهائك ما له. يسعى الناس جميعاً إلى امتلاك المال والممتلكات لضمان نفوسهم بدون اللّه. وكثيراً ما لا نلاحظ أنّنا نسلب العليَّ – الّذي له الأرض كلّها – حقَّه. هل استخلصت مِن اللّه جسدك وقُوَّتك وعقلك، أو وضعت نفسك خاصَّةً له تحت تصرفه؟
امتحن نفسك: هل أدركت حالتك في روح يَسُوْع؟ لا تتكبّر، بل اعترف بحقيقتك.
إنَّ قلبك مفعمٌ بالخبث والاحتيال والمكر والبُغض للناس، أمَّا نفسك فتُدلِّلُها، ذاتُك أصبحَتْ صنماً لنفسك… تَسجد لاسم نفسك… تجعل حياتك مقياساً للآخَرين… وتجدّف على اللّه بصلواتك، لأنّك لا تحبّه مِن كل قلبك، بل تسعى لإرضاء نفسك بأمانيك الخبيثة. وتدور ليلاً نهاراً حول الأنا المستكبر البغيض.
كم مِن مرّة في النهار تستعمل اسم اللّه باطلاً، بدون أن يكون محور حياتك وأفكارك. ألا فاعْلَمْ أنّك متكبّرٌ فخورٌ منتفخٌ. وهذه هي تماماً الخطيئة الأصليَّة للشَّيْطَان الّذي انفصل عن اللّه وأحبّ نفسه بتعجرف.
أيّها الأخ العزيز، هل تعترف معنا أنّك غبيٌّ أو متغابٍ؟ إنَّك لن تعرف اللّه ولا نفسك، إنْ لم يُنِر الرُّوْح القُدُس ذهنك، ويَقُدْكَ إلى توبة الإيمان والتجديد في مَحَبَّة الربّ.
الصَّلاَة: أيّها الإلهُ القُدُّوس، اغفر لنا قلبنا الشِّرِّيْر، وطهّرنا مِن شهواتنا النَّجسة. نَقِّنَا مِن البغضة ومِن كل أشكال السرقة. وامنحنا القوّة كي نتغلَّب على كبريائنا وخبثنا وجهالتنا. ها أنا أعترف أمامك بكل إثمي، وألتمس منك أن تُقَدِّسني بدم المَسِيْح، وتُجدِّدني بروحك القُدُّوس، لكيلا أسقط إلى أسفل. وأصلِّي إليك قائلاً: قلباً نقيّاً أُخْلُق فيّ يا اللّه وروحاً مستقيماً جَدِّدْ في داخلي. آمين.
السُّؤَال:
22- ما هي الخطايا الأصلية النابعة مِن قلب كلّ إنسان؟
مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ
تَخْرُجُ الأَفْكَارُ الشِّرِّيْرةُ.
( إعلانات المسيح حسب مَرْقُس 7: 15و 21)
14- يَسُوْع والمرأة الفينيقية
(مرقس 7: 24- 30)
7: 24 ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ. 25 لأَِنَّ امْرَأَةً كَانَ بِابْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ سَمِعَتْ بِهِ فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. 26 وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أُمَمِيَّةً وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً، فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَان مِنِ ابْنَتِهَا. 27 وَأَمَّا يَسُوْع فَقَالَ لَهَا دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ، لأَِنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ. 28 فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ لَهُ نَعَمْ يَا سَيِّدُ، وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ. 29 فَقَالَ لَهَا، لأَِجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ اذْهَبِي، قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَان مِنِ ابْنَتِكِ. 30 فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَوَجَدَتِ الشَّيْطَان قَدْ خَرَجَ وَالاِبْنَةَ مَطْرُوحَةً عَلَى الْفِرَاشِ
يتصرّفالإنسان، بدون اللّه، كالحيوان في بعض الأحيان. فهو ممتلئ بالشهوات والبغضاء. بينما خلقَنا الله أوَّلاً على نقيض ذلك، فجعلَنا على صورة مجده وبَهائه، وجعل مَحَبَّته مقياساً لحياتنا. ولكنْ حيثما يترك الإنسان اللّه، ويفتح قلبه لأَرْوَاح مستكبرة نجسة، هناك يُشبع شهواته الجسدية بأفكار دنسة، وتتملَّكه الرَّغبات الشِّرِّيْرة، وتدفعه إلى ما لا يريد؛ فيُشبه كَلْباً كَلِباً يعضّ النَّاس و يشكِّل خطراً على حياتهم.
لا يُصدّق الإنسان المُهذَّب ما في نفسه، حتَّى يشاهد بأُمِّ عينه أناساً مهذَّبين آخَرين يتصرَّفون في شهواتهم بهمجيَّةٍ ووحشيَّة تفوق همجية ووحشية الحيوانات المفترسة.
أتى يَسُوْع إلى لبنان العزيز هرَباً مِن اليهود الّذين حاولوا أن يقتلوه، لأنّه أوضح لهم أنّهم
– بدون قلب جديد – يسقطون إلى الدنس والدَّيْنُونَة. وقد أرسل اللّه ابنه أوّلاً إلى اليهود الخطاة الهالكين حسب وعده لآبائهم. ولكن لمّا رفض أتباع التَّوْرَاة بأكثريتهم دعوة المَسِيْح وصلبوه، وتقسّوا ضدّ الرُّوْح القُدُس، عِنْدَئِذٍ فتح اللّه باب الخلاص للوثنيين ودعا الأمم إلى حظيرته.
آمنت امرأةٌ لبنانيةٌ مسكينة بسلطان يَسُوْع ومَحَبَّته المقتدرة، واعترفت بجلاله، وسجدت له. كان قلبها نجساً كما عند باقي الناس. ولكنّها انكسرت لكبريائها أمام المَسِيْح بإرشاد الرُّوْح القُدُس, وتواضعت جداً، أكثر مما تفكّر الإنسانية، وقَبِلَتْ مَثَل يَسُوْع بأكبر اتضاع، ولم ترفض كلمته المؤلمة. فرأى يَسُوْع أنّ المختارين من الأمم مستعدّون قبل اليهود لقبول مَلَكُوْت اللّه، بينما يخسر كثيرٌ مِن اليهود بركة الله وخلاصه لأنّهم يرفضون يَسُوْع. فتجاوباً مع إيمان المرأة، أمر بخروج الرّوح الشِّرِّيْر مِن ابنتها المعذّبة.
هل تَعْلَم أهمية تلك اللحظات في تاريخ الخلاص العالمي؟ إنَّ المرأة اللبنانية هي إحدى المتقدمات مِن أبناء الأمم في معرفة اللّه الحق، وهي بدورها قد مهَّدَت لحلول قوّة اللّه فينا نحن أيضاً. فهل تتواضع مثلها؟
اليوم تنتشر معرفة المَسِيْح في كل أنحاء العالم. وكل مَن يعترف بخطيئته المخبأة، ويكشف أخلاقه الدّنسة أمام اللّه، يمتلئ بالحَيَاة الأَبَدِيَّة، وينضم إلى عائلة اللّه. فجميع المؤمنين بالمَسِيْح، يهوداً أو أمماً، يعيشون اليوم في العَهْد الجَدِيْدِ، حيث يَقبل المَسِيْح كلَّ ضالٍّ نجس، ويطهّره بدمه، ويملأه بالمَحَبَّة الإلهية وقوّة السلام. فهل أنتَ تنمو روحيّاً، أم تنقص في الإيمان؟
الصَّلاَة: أيّها الآب، نعترف أمامك بأنّنا نشبه في قلوبنا وحوشاً منقادة إلى الغضب وكراهية الآخرين. اغفر لنا الشرّ الساكن فينا، واملأنا بمَحَبَّة ابنك وطهارته وصبره، كي نغفر لجميع الناس على الدَّوام، ونعتبر أنفسنا الأصغر في شركة الإخوة. اشْفِ أصدقاءنا وأقرباءنا مِن كبريائهم، لكي تزول الأفكار النَّجسة مِن قلوبهم، ويحلّ فيهم روحك القُدُّوس. آمين.
السُّؤَال:
23- ما هو معنى معجزة يَسُوْع جواباً لإيمان المرأة الفينيقية؟
15- رجوع يَسُوْع إلى الجَلِيْل، وذهابه إلى الأردن،
وشِفاؤُهُ الأخرسَ الأصّم
(مرقس 7: 31- 37)
7: 31 ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيْل فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ. 32 وَجَاءُوا إِلَيْهِ بِأَصَمَّ أَعْقَدَ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. 33 فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ عَلَى نَاحِيَةٍ وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَتَفَلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ، 34 وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ وَأَنَّ وَقَالَ لَهُ إِفَّثَا، أَيِ انْفَتِحْ. 35 وَلِلْوَقْتِ انْفَتَحَتْ أُذُنَاهُ وَانْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ وَتَكَلَّمَ مُسْتَقِيماً. 36 فَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَِحَدٍ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا أَوْصَاهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ أَكْثَرَ كَثِيرًا، 37 وَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا. جَعَلَ الصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ
مُعظَمُ الناس لا يُصغون إلى كلمة اللّه، وقليلون يعترفون باسم يَسُوْع. فالبشر كالصُّم والبُكْم، لأنّهم لا يسمعون دعوة الربّ بآذان مفتوحة، ولا يفهمون رسالة الإِنْجِيْل بقلوب منكسرة، ولا تنطق ألسنتهم بتمجيد الربّ، بل تصدر منهم كلمات ملوّثة وتسابيح فارغة مرائية. أمَّا اسم الآب والابن والرُّوْح القُدُس فلا يخرج مِن أفواههم، لأنّ يَسُوْع لم يفك قيود قلوبهم بعد. فهل أنت أصمّ بنظر الإيمان الحق؟ التجئ إلى يَسُوْع، لأنّ له القدرة والسلطان على تحريرك مِن سوء شرّك. وهو مستعدّ لاستقبالك. إنَّ المَسِيْح يريد بكلّ إخلاص أن يفتح ذهنك ويخلّصك ويُحوِّلك مِن التقسّي إلى الإيمان الحق والمَحَبَّة الراجية، كي تُصبح شاهداً مفوّضاً لسلطانه العظيم.
ذهب المَسِيْح إلى شرقي الأردن هرباً مِن اليهود، بعدما عاد مِن مناطق صور وصيدا. فأمّته هي أيضاً صمٌّ بُكمٌ، لأنّهم يعتقدون أنَّ كلمة اللّه في حوزتهم وهم يسمعونها ويصلّون بلجاجة، بينما هم في الحقيقة صمٌّ وبُكْمٌ وعميٌ وعرجٌ، لأنّ الرُّوْح القُدُس لم يحلّ فيهم بعد.
والتقى يَسُوْع هناك شخصاً أردنيّاً مريضاً جاء به أناسٌ مؤمنون إليه ليشفيه. فعالجه المَسِيْح بمَحَبَّة ولطف فائق واضعاً إصبعه في أذني هذا المريض الأصم، لكي يشعر بيد اللّه تلمس رأسه. وتفل بِرِيْقِهِ الإلهي في لسان الأخرس ولمس فمه، لتجري قوّة اللّه فيه. ورفع المَسِيْح عينيه نحو السماء، لكي يفهم المريض أنَّ الخلاص والغفران يأتيان مِن اللّه وحده. وبعدما خلق المَسِيْح في الأصم الأبكم إيماناً بشخصه، بواسطة إشاراته الواضحة وشعور مَحَبَّته، نطق بالكلمة الخالقة “انفتح”. وللوقت انفتحت أذنا المريض، وانحلّ رباط لسانه، وتكلّم باستقامة، فكانت كلمة اللّه أوَّل ما سمع في حياته.
إنَّ ابن اللّه يلمس اليوم آذان كثيرين، ويضع إصبعه على ألسنتهم قائلاً “انفتح”. وقصده أن يجعل ملايين مِن البشر سامعين وشهوداً متهلّلين باسم الآب. فهل تأتي إلى عيادة المَسِيْح وتجلب أصدقاءك؟ إنّه شفيعٌ ومعين. ولا يخرج أحداً خارجاً، لأنّه إلهٌ محبٌّ شفيع.
الصَّلاَة: أيّها الربّ القدير، نسجد لمحبَّتك، ونعظِّمك لشفاء الأصمّ الأبكم في الأردن. خلّصنا مِن خرسنا الرّوحي، فنتحرَّر مِن قيود قلوبنا، ونراك في جلالك أمامنا، ونسمع كلمتك الخالقة، ونسبّح باسمك جهراً أمام اللّه والنّاس. وافتح آذان الملايين في أيّامنا، وحلّ عُقدَ ألسنتهم ليُسبِّحوك إلى الأبد. آمين.
السُّؤَال:
24- كيف شفى يَسُوْع الأصمّ الأبكم الأردني؟
إِنْ ثَبَتُّمْ فـِيَّ
وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيْكُمْ
تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدونَ
فَيَكُونَ لَكُمْ
(يوْحَنَّا 15: 7 )
16- إشباع الأربعة آلاف
(مرقس 8: 1- 9)
8: 1 فِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ كَانَ الْجَمْعُ كَثِيرًا جِدًّا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ دَعَا يَسُوْع تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمْ 2 إِنِّي أُشْفِقُ عَلى الْجَمْعِ لأَِنَّ الآنَ لَهُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ يَمْكُثُونَ مَعِي وَلَيْسَ لَهُمْ مَا يَأْكُلُونَ، 3 وَإِنْ صَرَفْتُهُمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ صَائِمِينَ يُخَوِّرُونَ فِي الطَّرِيقِ، لأَِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ جَاءُوا مِنْ بَعِيدٍ. 4 فَأَجَابَهُ تَلاَمِيذُهُ، مِنْ أَيْنَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُشْبِعَ هَؤُلاَءِ خُبْزًا هُنَا فِي الْبَرِّيَّةِ. 5 فَسَأَلَهُمْ كَمْ عِنْدَكُمْ مِنَ الْخُبْزِ، فَقَالُوا سَبْعَةٌ. 6 فَأَمَرَ الْجَمْعَ أَنْ يَتَّكِئُوا عَلَى الأَرْضِ، وَأَخَذَ السَّبْعَ خُبْزَاتٍ وَشَكَرَ وَكَسَرَ وَأَعْطَى تَلاَمِيذَهُ لِيُقَدِّمُوا فَقَدَّمُوا إِلَى الْجَمْعِ. 7 وَكَانَ مَعَهُمْ قَلِيلٌ مِنْ صِغَارِ السَّمَكِ، فَبَارَكَ وَقَالَ أَنْ يُقَدِّمُوا هَذِهِ أَيْضًا. 8 فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا، ثُمَّ رَفَعُوا فَضَلاَتِ الْكِسَرِ سَبْعَةَ سِلاَلٍ. 9 وَكَانَ الآكِلُونَ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلاَفٍ، ثُمَّ صَرَفَهُمْ.
اشتاقت الجَمَاهِيْر لكلمة اللّه، وأتت إلى يَسُوْع لتستمع إليه ساعات طوالاً. فكل قلب يشتاق إلى المَحَبَّة الطاهرة وحماية اللّه. طوبى للفرد الطالب ربّه، الماكث أمام القُدُّوس في الصَّلاَة، والمتعمّق في كلمته. فهذا تمتلئ نفسه بقوّة سماوية وفرح باقٍ. هل تأكدّت أنّ يَسُوْع هو ينبوع الحكمة الإلهية والمعرفة الحقّة؟ تعال إلى المخلّص، واصرف ساعاتٍ في سماع إِنْجِيْله. فتصح وتنتعش وتتجدّد وتطير فرحاً.
يَسُوْع المَسِيْح هو كلمة اللّه المتجسّد، وهو قادر على إشباع جوع أنفسنا تماماً. ولكنّه إنسان حقٌّ أيضاً، مختبر الجوع والعطش الكامنَين في أجسادنا.
تمنّى تلاميذه أن يُشبعوا المستمعين الجياع، بعدما ظلّوا ثلاثة أيّامٍ بلياليها سامعين صائمين.
لم يطلبوا هذه المرّة مِن ربّهم أن يصرف الجموع، كما فعلوا في السابق، لأنّهم اختبروا معجزته العظيمة في إشباع الخمسة آلاف شخص من قبل، فانتظروا أن يَصنع معجزة جديدة في هذه الحالة المتأزّمة، وأن يهب الرحمة للجَمَاهِيْر المستمعة إليه. ويَسُوْع لا يريد خلاص أنفسنا فحسب، بل يعتني بأجسادنا واحتياجاتنا الدنيوية أيضاً. وكان مستعدّاً أن يطعم الجَمَاهِيْر بأعجوبة كالسابق. فأخذ الأرغفة والسمكات القليلة الموجودة، وحوّلها إلى غذاء كافٍ لأربعة آلاف نفس. لم يُنْزِل المَسِيْح مائدةً مِن السماء حافلة بالأطعمة الشّهية مِن الفاكهة واللّبن والعسل ولحوم الطير، بل قَبل القليل الوضيع ورضي به، وأتى به إلى حضرة أبيه، وشكر أمامه شكراً قلبياً، وأعطى لجَمَاهِيْر مِن هذا الزاد؛ فازداد الطعام، وتكاثر جِدّاً بفعل قدرته، وأصبح بحراً مِن البَرَكة لكثيرين.
هل تشكر ربّك لِمَا عندك مِن القليل، وتكتفي به، ولا تتذمّر بحنقٍ مشتهياً الرفاهية ورغد العيش؟ اكسر خبزك أمام ربّك شاكراً، واحمد مخلّصك دائماً، وأَعْطِ المحتاجين مِن القليل الّذي عندك، فتتعجّب وترى كيف تجري بركات العلي بواسطتك إلى كثيرين. ولن تنسى الشكر بفرح.
الصَّلاَة: أيُّها القُدُّوس، اغفر لنا قلّة إيماننا. أنت القادر على أن تُشبع أرضنا خيرات، رغم تكاثر السكّان والبطالة. عَلِّم الكلّ أن ينظروا إليك ويسمعوا كلامك كي يتبرّروا ويتقدّسوا، فتنفتح نوافذ السّماء وتُمطر علينا مِن نعمتك. نشكرك لأنّك خلّصتنا، وتعتني بنا في كلّ لحظة مِن حياتنا. آمين.
السُّؤَال: 25- لماذا وكيف أشبع يَسُوْع الأربعة آلاف مستمع؟
أُمِّي وَإِخْوَتِي هُمُ الَّذِينَ
يَسْمَعُونَ كَلِمَةَ اللّهِ وَيَعْمَلُونَ بِهَا
(كلام يسوع حسب البشير لوقا ا8: 21 )
17_ رَفْض المَسِيْح طلبَ آيةٍ خاصَّة
(مرقس 8: 10- 13)
8: 10 وَلِلْوَقْتِ دَخَلَ السَّفِيْنَة مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَاءَ إِلَى نَوَاحِي دَلْمَانُوثَةَ 11 فَخَرَجَ الْفَرِّيْسِيّونَ وَابْتَدَأُوا يُحَاوِرُونَهُ طَالِبِينَ مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ لِكَيْ يُجَرِّبُوهُ. 12 فَتَنَهَّدَ بِرُوحِهِ وَقَالَ لِمَاذَا يَطْلُبُ هَذَا الْجِيلُ آيَةً، اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لَنْ يُعْطَى هَذَا الْجِيلُ آيَةً 13 ثُمَّ تَرَكَهُمْ وَدَخَلَ أَيْضًا السَّفِيْنَة وَمَضَى إِلَى الْعَبْرِ.
ما كان الفَرِّيْسِيّون فلاسفة، بل رجالاً واقعيين طالبين ممارسة التعاليم الدينية عملياً في الحياة، لكيلا يبقى الإيمان مجرّد فكر. فحفظوا الناموس (الشريعة) بصرامة وتدقيق، ليستمدّوا مِن أنفسهم القدرة على إتمام الوصايا.
وهنا نجد أحد الفروق بين الشَّرق والغرب، بين السَّاميين واليونانيين. فالعِبْرَانِيّون يطلبون أوَّلاً اختبار قوّة فائقة كبرهان على عهدهم مع اللّه، وللوصول إلى نتائج ملموسة لمعتقداتهم. بينما يُفكِّر الفلاسفة في أوروبا أكثر بأسباب ودوافع وأهداف عقيدتهم، فيحاولون معرفة اللّه وفكر الإيمان بالدرجة الأولى. فالسَّاميُّون يريدون تنفيذ القَدَاسَة.
وهكذا صار الناموس والشريعة محور الأديان الشرقية.
طلب الفَرِّيْسِيّون من يَسُوْع علامة لبيان سلطانه وبرهاناً لمصدره الإلهي، وتمنّوا أن يجري إحدى الآيات المشهورة علانيةً، كما أنزل النَّبِيّ إيليا على أعدائه ناراً آكلةً مِن السماء. فهُم لم يكتفوا بشفاء المرضى وإخراج الشَّيَاطِيْن، بل أصرّوا على إتيان المَسِيْح بمعجزة غايتها تحقيق فائدة سياسية، وتنفيذ حكم التَّوْرَاة بالقوّة على الجميع، وليس تحقيق المَحَبَّة والمعرفة واللطف. ولكنَّ يَسُوْع لا يستجيب للذين يطلبون منه سلطةً أو مالاً أو خُضُوْعاً لغايات بشرية.
إنَّ المَسِيْح هو نفسه آية اللّه العظمى. لهذا لم يشأ القدير تلبية رغبة النَّامُوسِيّين بصُنْع معجزة برهاناً على سلطان ابنه، بل أتى شخصياً معلناً ذاته أباً في ابن مَحَبَّته اللطيف، الّذي أظهر مجد اللّه المستتر في كلمات حقّه وشفاءات المرضى. فكل مَن يؤمن بالمَسِيْح يُدرك أنّه هو الآية الإلهية العظمى في كلّ زمان، لأنّه وُلد مِن الرُّوْح القُدُس، ورَفع خطايا العالم، وصالحنا مع اللّه، وهو الحياة في ذاته. وقيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات هي أجلى برهان على أُلوهيَّته وسلطانه الغالب كلّ مقاوِم للّه. المَسِيْح هو نفسه الحياة، وقد أحيانا بروحه القُدُّوس. فإنْ آمنت بابن اللّه تشترك في فوزه وتعيش إلى الأبد، مختبراً لطفه وقواه السَّمَاوِيّة العاملة في كنيسته اليوم. وهكذا يجيب المَسِيْح عن أسئلة الشرق والغرب، مانحاً إيَّانا، بواسطة معرفة ألوهيّته، قوّة مَحَبَّته لتنفيذ ناموس (شريعة) الروح فينا.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نعظِّمك لأنّك أعطَيتَنا علامةً مِن السماء تفوق عقولنا
في تجسّد ابنك وموته المرير وقيامته المجيدة. نسجد لك، ونؤمن بمَسِيْحك، ونلتمس
منك أن تملأنا بروحك القُدُّوس، لتعظم قوّتك في ضعفنا وجهالتنا. آمين.
السُّؤَال: 26- لماذا لم يصنع يَسُوْع للفَرِّيْسِيّين آية خاصَّةً؟
18- الحديث عن خمير الفَرِّيْسِيّين وخمير هِيْرُودُس
(مرقس 8: 14- 21)
8: 14 وَنَسُوا أَنْ يَأْخُذُوا خُبْزًا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي السَّفِيْنَة إِلاَّ رَغِيفٌ وَاحِدٌ. 15 وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً انْظُرُوا وَتَحَرَّزُوا مِنْ خَمِيرِ الْفَرِّيْسِيّينَ وَخَمِيرِ هِيْرُودُس. 16 فَفَكَّرُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَيْسَ عِنْدَنَا خُبْزٌ. 17 فَعَلِمَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ أَنْ لَيْسَ عِنْدَكُمْ خُبْزٌ، أَلاَ تَشْعُرُونَ بَعْدُ وَلاَ تَفْهَمُونَ، أَحَتَّى الآنَ قُلُوبُكُمْ غَلِيظَةٌ، 18 أَلَكُمْ أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَذْكُرُونَ، 19 حِينَ كَسَّرتُ الأَرْغِفَةَ الْخَمْسَةَ لِلْخَمْسَةِ الآلاَفِ كَمْ قُفَّةً مَمْلُوَّةً كِسَرًاً رَفَعْتُمْ، قَالُوا لَهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، 20 وَحِينَ السَّبْعَةِ لِلأَرْبَعَةِ الآلاَفِ كَمْ سَلَّ كِسَرٍ مَمْلُوّاً رَفَعْتُمْ، قَالُوا سَبْعَةً. 21 فَقَالَ لَهُمْ كَيْفَ لاَ تَفْهَمُونَ
لا تقدر أن تحصل على البرّ المقبول عند اللّه بواسطة حفظ الناموس (الشريعة) بقوّة بشرية، إنّما هبة نعمة المَسِيْح هي وحدها تؤهّلك للمثول أمام القُدُّوس. هذا هو السرّ العظيم في إِنْجِيْلنا وجوهر امتيازه. عندما نطق يَسُوْع بالعبارة “خمير الفَرِّيْسِيّين” دلّ على الروح النَّامُوسِيّ المضاد للإِنْجِيْل، لأنّ المتمسِّكين بالعَهْد القَدِيْم يطلبون ممارسة مجموعة مِن قوانين وصلوات مع حفظ السُّبوت، ويلزمون النّاس بالصّوم والحج وتبرّعات عديدة ليستطيعوا إرضاء اللّه. إنّ هذه الفكرة هي أكذب حيل الشَّيْطَان، لأنّ كلّ مَن يفكّر هكذا يظنّ ويتخيّل بأنّ الإنسان صالح في ذاته وقادرٌ على خدمة اللّه مِن تلقاء نفسه بدون غفران. أمّا المَسِيْح فعلّمنا أنّ الإنسان ليس صالحاً في ذاته ولا بريئاً منذ طفولته، بل إنَّنا جميعنا فاسدون نجسون إن قارنّا أنفسَنا بقَدَاسَة اللّه.
إنَّ الاعتراف بذنوبنا وفسادنا المطلق يحفظنا مِن الرّوح الفَرِّيْسِيّ المتكبّر، ومِن خداع النَّامُوسِيّين المُرائين، ومِن التَّخيُّل بأنّ الامتناع عن بعض المآكل أو بعض الملابس يُربحنا السَّماء، ويمهّد لنا الطريق المؤدّية إلى اللّه. فمَن يتّكل على التقوى البشريّة المبنية على اجتهاد الإنسان هو باطلٌ وغير مقبول عند اللّه، وساقطٌ إلى الجَحِيْم لا محالة.
احترز مِن خمير الفَرِّيْسِيّين، لأنّ القليل من الروح النَّامُوسِيّ يُفسد إيمانك كلّّّّّّّه. تأمَّل رسائلَ بُوْلُس الرَّسُول بدقة، لتدرك شدّة الكفاح لإحراز الحريّة مِن الناموس (الشريعة) والثبات في نعمة المَسِيْح المجانية.
وأمَّا العبارة عن خمير الملك هِيْرُودُس، فتدلّنا على حياة اللّهو في الجنس واللامبالاة مع الخوف مِن المستقبل. فمَن ينساق مع التيارات العصرية، يترك العَهْد مع اللّه. فنحن المؤمنين لسنا تحت الناموس، بل أحراراً في المَسِيْح، الّذي قد ارتبطنا به طوعاً، وشريعته في قلوبنا، الّذي يمنحنا القوّة لسلوك طاهر وسيرة متواضعة. قد تحرّرنا مِن التعصّب، وتخلّصنا مِن عبودية الخطيئة في شهوات الجسد، وتثبتنا في حريّة المَسِيْح الفريدة.
لكنّ التَّلاَمِيْذ آنَذَاكَ لم يدركوا معنى هذه الكلمات مِن فم المَسِيْح. وظنوا أنَّه يقصد نقصان الخبز في سفينتهم، بينما كان هو يَقصد برّه الرُّوْحِيّ عوضاً عن تزمّت الفَرِّيْسِيّين وأبّهة هِيْرُودُس الماجنة. فبينما أراد المَسِيْح إنقاذ تلاميذه مِن غرقهم في الخطايا وقيود الموت وتجارب الشَّيْطَان، وإرشادهم إلى أبيه السَّمَاوِيّ، كانوا هم يفكرون بالغذاء الدنيوي، وضمان حياتهم الزمنية. فما انتهرهم المَسِيْح لعدم فهمهم الرُّوْحِيّ، ولا لأجل اهتمامهم بالخبز، بل لأنّ أفكارهم الماديّة كانت تخنق إيمانهم. قد أظهر المَسِيْح لهم مرّتين متواليتين كيف يقدر هو أن يخلق من بعض الأرغفة والسمك القليل طعاماً كثيراً للجَمَاهِيْر. فلماذا القلق والهمُّ بشأن الخبز طالما هو حاضرٌ معهم؟
هل تعلم أنَّ المَسِيْح حاضرٌ عندك ويساعدك على المواظبة والاجتهاد في عملك ليؤمّن لك الخبز اليومي؟ فمَن يُصلِّ ويشتغل بأمانة، يطمئن بحضور المَسِيْح، لأنّه يحرّرنا مِن الهموم الدنيوية، لأجل إيماننا بقدرته السرمدية.
الصَّلاَة: أيُّها الربّ الصَّبور، اغفر لنا جهلنا واهتماماتنا الدنيوية المفرطة بالخبز اليومي والحاجات الجسديَّة. حَرِّرْنا مِن تقديس الذات والتَّمثٌّل بالنَّامُوسِيّين، واحفظنا أيضاً مِن الروح العصري الغارق في اللهو والدعارة. وثبّتنا مع المؤمنين في حريّة نعمتك، والثّقة الثابتة في خلاصك. آمين.
السُّؤَال: 27- أيّ جواب انتظر يَسُوْع مِن تلاميذه بعد الحديث عن خمير الفَرِّيْسِيّين؟
لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي
يَارَبُّ يَارَبُّ
يَدْخُلُ مَلَكُوْت السَّمَاوَات
بَلْ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَة أَبِي الَّذِي
فِي السَّمَاوَات
(كلمات يسوع حسب البشير متى 7: 21)
19- شفاء الأعمى في بَيْتِ صَيْدَا
(مرقس 8: 22- 26)
8: 22 وَجَاءَ إِلَى بَيْتِ صَيْدَا، فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَعْمَى وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسَهُ. 23 فَأَخَذَ بِيَدِ الأَعْمَى وَأَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجِ الْقَرْيَةِ وَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ هَلْ أَبْصَرَ شَيْئًا. 24 فَتَطَلَّعَ وَقَالَ أُبْصِرُ النَّاسَ كَأَشَجَارٍ يَمْشُونَ. 25 ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ أَيْضًا عَلَى عَيْنَيْهِ وَجَعَلَهُ يَتَطَلَّعُ فَعَادَ صَحِيحًا وَأَبْصَرَ كُلَّ إِنْسَانٍ جَلِيًّا. 26 فَأَرْسَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ قَائِلاً لاَ تَدْخُلِ الْقَرْيَةَ وَلاَ تَقُلْ لأَِحَدٍ فِي الْقَرْيَةِ
المَسِيْحيُّ الحق يتطوّر مِن معرفة جزئية إلى إدراك خطّة خلاص اللّه الواسعة. فمَن يؤمن بالمَسِيْح ينمو في معرفة مَحَبَّته واختبار قوّته، ولا يكون كاملاً رغم الكمال الموهوب له، بل ينتقل مِن إيمان إلى إيمان أكثر. وهذا التطوّر الرُّوْحِيّ نراه جليّاً في شفاء المَسِيْح للأعمى في بيت صيدا.
قدَّم بعضُ المؤمنين أعمى إلى يَسُوْع، وطلبوا إليه أن يلمسه بقدرته ليشفى. وهذا هو بدقَّة موضوع التَّبْشِيْر. وامتيازك كمؤمن مخلّص أن تُحْضِرَ العمي، بِالنِّسْبَةِ إِلَى الإيمان، إلى يَسُوْع في صلواتك، لكي ينيرهم بروحه. فخدمة ابتهالاتك هي بداية شفائهم. لم ينفّذ المَسِيْح إرادة الطالبين توّاً، بل أخذ المريض جانباً، واقتاده مِن وسط الجمهور إلى العزلة والسكون. فقبل أن يحصل على البصر، كان الأعمى يتبع يَسُوْع إلى الهدوء والسَّكينة. وهكذا يختلي المَسِيْح بكلَّ طالب للحقِّ بعيداً عن ضجيج الحياة، ليعالجه شخصياً في راحة التأمّل حسب مرضه وضيقه الخاص.
وتفل ابن اللّه في عيني الضرير، علامة تطهيره مِن آثامه، وإشعاره بالغسل الإلهي. فكل أعمى في الروح يحتاج أوّلاً إلى تطهير قلبه مِن خطاياه بدم المَسِيْح، لأنّ الخطايا هي الّتي تحجب معرفتنا باللّه.
ولمس يَسُوْع الأعمى بيده الإلهية، فجرت قوّته في المريض المترقّب الشفاء كما يسري التيّار الكهربائي في يدك وجسمك إنْ لمستَ سلكاً كهربائيّاً. وهكذا إنْ آمنت بغفران خطاياك مّن المَصْلُوب، تحلّ فيك أيضاً قوّة الرُّوْح القُدُس، العنصر السَّمَاوِيّ الجَدِيْد؛ لأنّ المَسِيْح لا يكلّمك فقط، بل يشركك بقوَّته الخاصة أيضاً.
وبعد ذلك كلّم يَسُوْع الأعمى وشجّعه على النَّظر، فنظر الأعمى ولكنّه لأوَّل وهلةٍ لم ير الأشياء بوضوحٍ، تماماً مثلما لا يرى بعض المؤمنين بالمَسِيْح لأوّل وهلةٍ وسع خلاصهم وأسرار الثَّالُوْث الأَقْدَس بوضوح، خاصَّةً عندما يكون روح العمى الرُّوْحِيّ ضاغطاً على عشيرتهم منذ أجيال كثيرة. ولكنَّ سماع كلمة المَسِيْح بمواظبة، والاتّصال بقوّته اللطيفة، يُنميان المعرفة الحقّة والإيمان القويم.
لم يفقد المَسِيْح صبره عندما لم يرَ الأعمى شيئاً بوضوح في الحال، بل وضع يديه مرّة ثانية على عيني الرجل بعدما اعترف أنّه يرى جزئياً. وهكذا أيّها القارئ، نشجِّعك على أن تعترف بإيمانك النامي الراجي، فتختبر أنَّ ابن اللّه يلمسك، ويمنحك بصيرة أوسع لخلاصه وقوّته ومَحَبَّته.
وأخيراً استطاع المُعافَى أن يرى ويُميِّز يَسُوْع الماثل أمام عينيه بكلّ جلاء ووضوح. فكان وجه يَسُوْع اللطيف أوّل ما وقع نظر الرجل عليه، وأوَّل ما ارتسم في فؤاده، وبعدئذ رأى بدهشة تفاصيل العالم كلّها مِن حوله. أمَّا قلبه فامتلأ فرحا،ً لأنّ عينيه قد أبصرتا الرَّب.
وأوصاه المَسِيْح ألاّ يتعجّل بذكر هذه الحادثة أمام الآخرين، بل أن يترك الجمهور ويعتزل عنه، شاكراً الربّ ليدرك بشكره مَن هو المَسِيْح وما هي أهمية وعَظَمة فعله. ومَن هو الإنسان في ذاته، وكم هو غير مستحقٍّ الحصول على عون الربّ.
هل شكرت مرّة ربّك لعينيك المفتوحتين؟ هل تعلم أنَّ في العالم العربي أكثر مِن ثلاثمائة ألف كفيف. هل تجد في نفسك الشفقة والاستعداد لخدمتهم؟ متى تبتدئ بشكر ربّك لأجل الخلاص الممنوح لك، وتزور أعمى في محيطك وتصلّي معه وتساعده عمليّاً؟
الصَّلاَة: أيّها الرَّب، نشكرك لصبرك علينا. اغفر لنا عمانا الرُّوْحِيّ، وطهّر قلوبنا مِن كلّ ذنب ودنس بدمك الثمين، وأنِرنا بروحك القُدُّوس، لكي نراك جليّاً في لطفك ولا ننساك. ساعدنا على معرفة قلوبنا الغبيّة، فلا نتكبّر، بل نمتلئ بسلامك ونجلب كثيرين مِن العميان روحيّاً إليك، ليروك كما نراك نحن محور حياتنا. وساعدنا أيضاً على أن نخدم المكفوفين في محيطنا بخدمات عملية وصلوات ملّحة. آمين.
السُّؤَال: 28- ماذا نتعلّم مِن شفاء يَسُوْع للأعمى في بيت صيدا؟
PPPPPP
المُسَابَقَة الثانية
لإِنْجِيْل المسيح حسب البشير مَرْقُس
أيُّها القارئ العزيز، إن تأمّلت في الجزء الرابع مِن إِنْجِيْل البَشِيْر مَرْقُس وتفسيره، فسيُمكنك الإجابة بسهولة عن الأسئلة التالية:
1- مِن أيِّ مناطق تراكضت الجَمَاهِيْر إلى يَسُوْع؟
2- مَن هم التَّلاَمِيْذ الاثنا عشر، وما هي ميزة كلٍّ منهم؟
3- ما معنى وغاية تهمة الوفد مِن أُوْرُشَلِيْم؟
4- مَن هما أخو يَسُوْع وأخته ؟
5- ما هي الفئات الأربع من الناس الّذين يسمعون كلمة اللّه ويتصرفون بطرق مختلفة؟
6- ما هي القاعدة للنمو الرُّوْحِيّ والنقصان فيه؟
7- كيف نحتفظ بكلمة اللّه؟
8- لماذا لا يمكن إخفاء الإيمان على الدوام؟
9- ما هو سرّ النموّ في مَلَكُوْت اللّه؟
10- لماذا يعظم مَلَكُوْت اللّه على جميع المذاهب؟
11- لماذا ارتاح يَسُوْع ونام وسط العَاصِفَة، وماذا نتعلّم مِن إسكات العَاصِفَة الهوجاء؟
12- كيف عاش المجنون بعد تحريره بيَسُوْع؟
13- لماذا سمح يَسُوْع لرئيس المجمع أن يسجد له؟
14- لماذا شفيت المرأة عندما لمست يَسُوْع؟
15- ماذا نفهم عن شخصية يَسُوْع مِن إقامته للبنت الميتة؟
16- لماذا لم يقدر يَسُوْع أن يقوم بعجائب في بلده؟
17- ما هي أوامر المَسِيْح لرسله قبل انطلاقهم للتبشير؟
18- ما هي أسباب موت يُوْحَنَّا المَعْمَدَان؟
19- ما هو سرّ إشباع الخمسة آلاف؟
20- ماذا يقصد المَسِيْح بعبارته لتلاميذه: “أنا هو”؟
21- هل لغسل اليدين والوضوء أيّ قوّة مطهّرة أمام اللّه؟ لماذا؟
22- ما هي الخطايا الأصلية النابعة مِن قلب كلّ إنسان؟
23- ما هو معنى معجزة يَسُوْع جواباً لإيمان المرأة الفينيقية؟
24- كيف شفى يَسُوْع الأصمَّ الأبكم الأردني؟
25- لماذا وكيف أشبع يَسُوْع الأربعة آلاف مستمع؟
26- لماذا لم يصنع يَسُوْع للفَرِّيْسِيّين آية خاصة؟
27- أيّ جواب انتظر يَسُوْع مِن تلاميذه بعد الحديث عن خمير الفَرِّيْسِيّين؟
28- ماذا نتعلّم مِن شفاء يَسُوْع للأعمى في بيت صيدا؟
إنْ أجبتَ عن 24 سؤالاً مِن الأسئلة الثمانية والعشرين المذكورة أعلاه، سنرسل لك أحد كتبنا جائزةً لاشتراكك معنا. لا تنسَ ذكر اسمك وعنوانك الكامل على أوراق المُسَابَقَة الّتي ترسلها إلينا.
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
الجزء الخامِس
المَسِيْح يُعلن لتلاميذه
موتَه وحياتَه
(مرقس 8: 27- 10: 45)
1- اعتراف بُطْرُس بأنَّ يَسُوْع هو المَسِيْح ابن الله
وسقوطه في تجربة الشَّيْطَان
(مرقس 8: 27- 33)
8: 27 ثُمَّ خَرَجَ يَسُوْع وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى قُرَى قَيْصَرِيَّةِ فِيلُبُّسَ، وَفِي الطَّرِيقِ سَأَلَ تَلاَمِيذَهُ قَائِلاً لَهُمْ مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا، 28 فَأَجَابُوا، يُوْحَنَّا المَعْمَدَان، وَآخَرُونَ إِيلِيَّا، وَآخَرُونَ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ. 29 فَقَالَ لَهُمْ وَأَنْتُمْ مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا، فَأَجَابَ بُطْرُس وَقَالَ لَهُ أَنْتَ الْمَسِيْح. 30 فَانْتَهَرَهُمْ كَيْ لاَ يَقُولُوا لأَِحَدٍ عَنْهُ
31 وَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ، وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ يَقُومُ. 32 وَقَالَ الْقَوْلَ عَلاَنِيَةً، فَأَخَذَهُ بُطْرُس إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ. 33 فَالْتَفَتَ وَأَبْصَرَ تَلاَمِيذَهُ فَانْتَهَرَ بُطْرُس قَائِلاً اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ، لأَِنَّكَ لا تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ
أرشد المَسِيْح تلاميذه إلى النُّضج في الإِيْمَان، حتَّى أدركوا مَن هو. وقاد إِيْمَانهم النَّامي تدريجيّاً إلى الاعتراف به جهراً، ليُحدِّدوا موقفهم بعزمٍ ويتبعوه بثبات.
وقد سمَّت الجَمَاهِيْر المَسِيْح نبيّاً، بمعنى خليفة موسى، أو موسى الثَّاني؛ والبعض حسبوه روح يُوْحَنَّا المَعْمَدَان المتجسِّد الحالّ فيه، الشَّبيه بإيليَّا الغيور الموعود أن يجيء قبل المَسِيْح. لكنَّ المَسِيْح اخترق قلوب رسله، وحملهم على الاعتراف المباشَر بحقيقة جوهره.
فما هو إِيْمَانك بيَسُوْع؟ أتَقول بسطحيَّة إِنَّهُ المَسِيْح؟ وهل عرفتَ المعاني المختلفة في هذا الاسم العميق؟ فاللّقب “المَسِيْح” يعني إنساناً ممسوحاً بالرُّوْح القُدُس، كما مسح اللهُ سابقاً رؤساءَ الكهنة، والملوك الأمناء، والأنبياء البارزين. ولكنَّ يَسُوْع المَسِيْح هو مَسِيْح المُسَحاء الكامل، لأنَّ فيه حلَّ كلُّ ملء اللاَّهُوت جسديّاً. فصفات القُدُّوس، وقواه، ومواهبه كلُّها مُتَضَمَّنَةٌ في هذا الاسم الفريد.
ولكنَّ اليهود ظنّوا أنَّ المَسِيْح المُنتَظَر هو ملكٌ سياسيٌّ، يأتي مِن قِبَل الله، في آخر الأيام، ليحرِّرهم بعجائبه مِن نِيْر الاستعمار الروماني، ويجعلهم أمّةً قائدة للعالم كله. فإِيْمَانهم بملك سياسي كان خداعاً مِن الشَّيْطَان الّذي فسَّر مواعيد العَهْد القَدِيْم بالمكر والالتواء.
أمَّا المَسِيْح فقد عَلِم وعلَّمَنا أنَّ الدولة الّتي تستمدّ مقوّماتها مِن القوَّة العسكريَّة والضَّرائب والقوانين لا يُمكنها أن تُغيِّر قلوب الناس. فأراد إنشاء مَمْلَكَة روحيّة، حيث يسكن الله مع الناس في عهد أبدي. ولكنَّ البشر كلّهم ابتعدوا عن الخالق، وخطايانا كرمل البحر، وجبلتنا فاسدةٌ. لهذا رفع المَسِيْح ذنوبنا، وصالحنا مع القاضي الأزلي، لنعيش في سلام السَّمَاوَات. وتكلم بُطْرُس، نيابةً عن التَّلاَمِيْذ الآخرين، واعترف بأنَّ يَسُوْع هو مَسِيْح الله الحقّ. ولم يحصل على هذه المعرفة بتحليل عقلي، أو بتصميم إرادي، بل بوحي من الله الآب، الّذي أعلن له برحمته حقيقة المَسِيْح يَسُوْع. فالوحي لا يتمّ بلحم ودم، بل بروح الله مِن خارج دنيانا.
وربَّما لم يفهم بُطْرُس عمق معنى الاعتراف بلقب المَسِيْح آنَذَاكَ، بل ظنَّ أنه مخلِّصٌ روحيٌّ وملكٌ سياسيٌّ في الوقت نفسه. فابتدأ يَسُوْع يفسِّر لتلاميذه ضرورة موته بأيدي شيوخ ورؤساء الكهنة مرفوضاً من الأمَّة.
عِنْدَئِذٍ ثار بُطْرُس غضباً، وأراد إنقاذ ابن الله من الأشرار، وحاول منعه مِن الذّهاب إلى الصَّلِيْب. وبهذا الفكر البشري انجذب لوسوسات روح الشَّيْطَان الّذي جرَّب يَسُوْع سابقاً في البرّية ليمنعه مِن الذّهاب إلى الصَّلِيْب، ففشل، ورجع الآن، وحلَّ في بُطْرُس الّذي كان – قُبَيْلَ هذا القول – الوسيط لوحي الله عوضاً عن التَّلاَمِيْذ كلِّهم.
نتعلَّم من بُطْرُس أنَّ الشَّهادة للمَسِيْح يمكن أن تنقلب سريعاً إلى لعنةٍ شيطانيّةٍ، إن لم نثبت في غاية مجيء المَسِيْح، أي مصالحته للنّاس مع الله على الصَّلِيْب؛ لأنه تجسَّد ليفتح لنا الباب المؤدِّي إلى الآب، واشترانا بموته أولاداً لله.
الصَّلاَة: أيُّها الآب، اغفر لنا إنْ آمَنَّا بابنك بطريقةٍ سطحيَّةٍ، وتمنَّينا بواسطة الإِيْمَان به نجاحاً في الامتحانات، والوظائف، والأموال، والشَّرَف. افتح عيوننا لنرى أنَّ مجد المَسِيْح متحقِّقٌ في الانسحاق على الصَّلِيْب، لَمَّا حمل خطايا العالم، وبرَّرنا مجَّاناً، وصالحَنا معك، لكي ننكسر، ونتوب، ونثبُت في تواضعه، ونُحقِّق محبَّته في حياتنا. آمين.
السُّؤَال: 10 – ما هي أهمُّ المعاني في شهادة بُطْرُس الرَّسُول؟
أَنْتَ الْمَسِيْح ابْنُ اللهِ الْحَي
(شهادة الرسول بطرس حسب البشير متى 16: 16)
2- مَبَادِئ اتِّباع يَسُوْع
(مرقس 8: 34- 38)
8: 34 وَدَعَا الْجَمْعَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. 35 فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ الإِنْجِيْل فَهُوَ يُخَلِّصُهَا. 36 لأَِنَّهُ مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ، 37 أَوْ مَاذَا يَعْطِي الإِنْسَانُ فِدَاءً عَنْ نَفْسِهِ. 38 لأَِنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هَذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيْسِيْن
هذه الآيات غنيَّةٌ وعميقةٌ حتَّى إنَّ المجلَّدات الضَّخمَة لا تكفي لتفسيرها. فاحفظها غيباً، واذكرها دائماً، واطلب إلى المَسِيْح أن يُحقِّقها في حياتك بفرح الرُّوْح القُدُس.
لقد آمَن بُطْرُس بالمَسِيْح، وصمَّم على اتِّباعه، دون أن يلاحظ أنَّ ذهنه الجسدي وشعوره الإنساني لا ينسجمان مع مَلَكُوْت الله، لأنَّه لا يوجد إنسانٌ صالحٌ أمام القُدُّوس. ومَن لا يشتكي على نفسه معترفاً بذنوبه، ومُميتاً كبرياءه، لا يكون صالحاً وقادراً على اتِّباع يَسُوْع.
فأوَّل درجة في هذا الاتِّباع تتطلَّب إنكار الذَّات، فلا نتجاوب مع أنفسنا فيما بعد، بل نقول لرغباتنا الأنانيَّة: “لا”، فنعتبر أنفسنا لا شيء، ونحتقر ذواتنا، ولا نسايرها، ولا نكرمها، ولا نمجِّدها.
لماذا يطلب المَسِيْح منَّا موقفاً سلبيّاً تجاه الأنا؟ لأنَّ الأنانية سمَّمَت كلّ نواحي حياتنا، حتَّى أضْحَتْ أفكارُنا ملوَّثَةً، وأَعْمَالنا الصَّالِحة غير كاملةٍ ولا كافية. هل ابتدأتَ بإنكار نفسك؟ أم أنَّك تحبّ ذاتك، وتُبالغ في هندمة وجهك أمام المرآة؟ هل دُسْتَ شهواتك؟ أم مازلتَ تكافح لأجل شرف عائلتك؟ لقد أنكر يَسُوْع نفسه وعائلته، وأصبح خادم الجميع. هل تحلم بالشُّهرة، وهل تحبّ الظّهور والأمجاد الدّنيويَّة؟ إن كانت هذه صفاتك، فلن تلتقي بيَسُوْع لأنه وديعٌ وقنوعٌ. إذاً أنكِر نفسك، لأنَّ إلهنا ربٌّ مُتَوَاضِع.
يقود يَسُوْع تلاميذه إلى درجة ثانية في اتِّباعه، فيقول: “احمل صليبك”. ولا يقصد بهذا القول صليبه هو، ولا مشاكلنا نحن، أو آلامنا، أو اضطهاداتنا لأجل اسمه، بل يدلُّنا على المعنى العام للصَّليب آنَذَاكَ المعيَّن للقضاء على المجرمين والعبيد الفارّين عند الرُّومان. فبذكر كلمة “صليبك” يعني يَسُوْع: أنَّك مذنبٌ أمام الله، وعبدُ خطاياك، وعاصٍ، والموتُ على الصَّلِيْب نصيبُك.
قليلون مِن أتباع يَسُوْع يُدركون سرَّ الحكم على الذَّات، لأنَّ معرفة أنفسنا تتطلَّب أوَّلاً معرفة الله. فمقياسُ نَفسي ليس فكري، أو شعوري، بل هو الله نفسه، وناموسه، وعظمته. أمامه نحن جميعاً لا شيء، وبالأحرى فاسدون، هالكون. طوبى لك إنْ أدركتَ الله القُدُّوس المحب. عِنْدَئِذٍ تعرف مَن أنت بدون تفسير، وتنكسر انكساراً نهائيّاً.
هل أنكرتَ نفسكَ، وحكمتَ على ذاتكَ؟ إذاً اتبع يَسُوْع تلميذاً سامعاً نائلاً منه إرشاداً وقوَّةً وتعزيةً. اختبَرَ بُوْلُس الرَّسُول هذا الموقف، ووصفه بكلمته الشَّهيرة: “مع المَسِيْح صُلِبْتُ، فأحيا لا أنا، بل المَسِيْح يحيا فيَّ”.
ومرَّةً أُخرى نقول إن أردتَ الشّهرة والقوَّة البشريَّة والنَّجاح الدُّنيَوي، فإِنَّ حياتك الرُّوحيَّة تضعف، وتصبح أحد الأَمْوَات في الخطايا. لكنْ حيثما تُضحِّي بحياتك شُكراً لمصالحتك مع الله، وتَنشُر إِنْجِيْل المَسِيْح قولاً وسُلوكاً، تعِشْ إِلَى الأَبَد مطمئنّاً مسروراً، ليس لأنَّك تأتي بأَعْمَال صالحة مِن تلقاء نفسك، بل لأنَّ الرُّوْح القُدُس الحالّ فيك يُنشئ رجاءً ومَحَبَّة وصلوات. هو المُجدِّد لنفسك، ويخلق فيك ذهناً مقدَّساً، فالحياة الجَدِيْدة في المَسِيْح هي الحياة الحقَّة المستحقَّة أن نُسمِّيها حياةً، وكلُّ ما عداها هو بليَّةٌ وبؤسٌ. ثمَّة أناسٌ يملكون سيَّاراتٍ فخمةً، وهم أصحاب ملايين، ولكنَّهم مع ذلك قلقون ومضطربون، وبعضُهم ينامون والمسدَّسات تحت وسائدهم. وملكات الجمال يعشنَ بضمائر جريحة مخدوشة. فهؤلاء وأولئك غير مسرورين بتاتاً، وسيَبقون مضطربين تعساء إِنْ لم يُطهِّرهم دم المَسِيْح ويُجدِّدهم بقوَّة روحه القُدُّوس.
كلُّ إنسانٍ بدون يَسُوْع هو عبدٌ للخطيئة، فاقِدٌ طهارة قلبه، وخاسِرٌ نفسه خسراناً أبديّاً؛ فالإنسان لا يقدر أن يجدِّد نفسه بنفسه. وأنتَ بدون يَسُوْع ضالٌّ مسكينٌ محكومٌ عليك بالهلاك، لأنَّك بطبيعتك نجسٌ شرِّيرٌ. المَسِيْح هو وحده مُخلِّص العالَم، وكُل ُّ مَن يُهمل أو يرفض كلمة خلاصه يهلك إِلَى الأَبَد. أمَّا كلُّ الّذين يَقبلون إِنْجِيْله، ويعترفون بقوَّته في عصرنا المتمرِّد، فيَرون رجاءً في مُسْتَقْبَل العالم، لأنَّ المَسِيْح آتٍ قريباً في مجد أبيه، وأتباعه الأحياء هم حاشيته البهيَّة. عِنْدَئِذٍ يُقيم مَمْلَكَة محبَّته على الأرض مع الّذين ماتوا لأنفسهم، وها هم أحياء في قوَّة روحه. فهل أنتَ عبدٌ لشهواتك؟ أم أنتَ ثابتٌ في المَسِيْح؟
الصَّلاَة: نشكرك أيُّها الرَّبّ يَسُوْع لأنَّك تركتَ مجدكَ السَّمَاوِيّ، وأخليتَ نفسكَ، وأصبحتَ إنساناً ضعيفاً، مُطيعاً لإرشاد أبيك، وفدَيتَنا للحياة الرُّوحيَّة الحقَّة؛ ولأنَّكَ تواضعتَ، وأنكرتَ ذاتَك، رجعتَ إلى أبيك ومجده، وتحيا مالكاً معه في وحدة الرُّوْح القُدُس إِلَى الأَبَد. علِّمْنا فكرك كي نُنْكِر أنفسنا، فنَترك شهواتنا مَصْلُوبةً على صليبك، ونخدمك في دوافع محبَّتك، مُحِبِّيْن لجميع الناس، وعبيداً لمسرَّتك. آمين.
السُّؤَال:
2- ما هي المَبَادِئ الضّروريَّة لاتِّباع يَسُوْع؟
3- تجلِّي يَسُوْع على جبلٍ عالٍ
(مرقس 9: 1- 7)
9: 1 وَقَالَ لَهُمُ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوْت اللهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ 2 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوْع بُطْرُس وَيَعْقُوبَ وَيُوْحَنَّا وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ وَحْدَهُمْ، وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ 3 وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدًّا كَالثَّلْجِ لاَ يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذَلِكَ. 4 وَظَهَرَ لَهُمْ إِيلِيَّا مَعَ مُوسَى، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ مَعَ يَسُوْع. 5 فَجَعَلَ بُطْرُس يَقُولُ لِيَسُوْع يَا سَيِّدِي جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا، فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ، لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً. 6 لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ إِذْ كَانُوا مُرْتَعِبِينَ. 7 وَكَانَتْ سَحَابَةٌ تُظَلِّلُهُمْ، فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ، لَهُ اسْمَعُوا.
إِنَّ غاية مجيء المَسِيْح هي إِقامة مَلَكُوْت الله بقوَّته وسروره ومجده. وهذا المَلَكُوْت لا يَعني إِقامة دولة مستبدَّة مُخيفَة، وإنَّما هو مَلَكُوْت يعيش رعاياه في سلام المَحَبَّة وفرَح السَّمَاء. فهذا المَلَكُوْت روحيٌّ مُفْعَمٌ بالنُّور والحَقِّ والأَعْمَال الصَّالِحة.
وقد حقَّق يَسُوْع هذه الخطَّة الإلهيَّة في يوم الخمسين، حين حلَّ الرُّوْح القُدُس على تلاميذه المنتظرين، فتحوَّلوا مِن جُبناء إلى شُجعان، ومِن شاكِّيْن إلى مؤمنين. وصاروا نور العالَم، وحملوا اسم يَسُوْع المَسِيْح إلى جميع الناس.
ولكن قبل هذا الحلول العظيم، وبعد أن أعلن يَسُوْع موته الوشيك، ودعا تلاميذه إلى إنكار النَّفْس، أخذ ثلاثةً منهم ليُريهم بهاء مجد مَلَكُوْت الله علانيةً. ويرى بعض المفسِّرين أنَّ هذه الحادثة وقعت على جبل “حرمون” القريب مِن “قيصريَّة فيلبّس” (8: 27)، فتجلَّى يَسُوْع أمامهم على قمَّة هذا الجبل العالي المنفرد.
هُناك أظهر يَسُوْع المَسِيْح أنَّه مَلِك المُلُوْك، ورَبّ الأَرْبَاب، القُدُّوس في ذاته، الّذي لم يَعرف خطيئة، الّذي يفوق نورُه وبهاؤه نور الشَّمس، وليس فيه ظلمةٌ البتَّة. هُناك صارت ملابسه ناصعة البياض كالثَّلج، دلالةً على الطَّهَارَة المُطْلَقة الّتي يختبرها كلّ مَن آمَن به، والّتي بدونها لا يستحقّ أحدٌ أن يَمْثُلَ أمامه أبداً.
إِنَّ مَلَكُوْت المَسِيْح لا يشمل الجيل الحاضر مِن المؤمنين القِدِّيْسِيْن في دنيانا فقط، بل يشمل أيضاً الأَمْوَات في الرَّب الّذين لم يموتوا، بل يحيون ويخدمون الله في براءةٍ وقَدَاسَة أبديَّةٍ.
وفي هذا الظُّهور على جبل التَّجَلِّي ظهر موسى لِلتَّلاَمِيْذِ، مُمَثِّلاً الشَّرِيْعَة، ومعه إيليَّا مُمَثِّلاً النُّبُوَّة.. شاهدَين ليَسُوْع أنَّهُ المَسِيْح الحقُّ، رغم اختياره طريق العار وإنكار الذَّات حتَّى الصَّلِيْب.
وأثبت هذان الشَّاهدان أيضاً، بظهورهما لِلتَّلاَمِيْذِ الفزِعِين، أنَّ يَسُوْع كان منسجماً مع الشَّرِيْعَة والأنبياء، وأنَّ ذهابه إلى صليب اللَّعنَة هو السَّبيل الوحيد لخلاص العالم.
وفي حضور النُّور السَّمَاوِيّ، أعرب بُطْرُس عن الاشتياق الكائن في قلب كلّ إنسان، أن يسكن على مقربة مِن الله، عِلماً أنَّ يَسُوْع كان قد لقَّبه، قُبَيْل هذه الحادثة، بالشَّيْطَان. أراد مقدامُ الرُّسُل أن يتشبَّث بهؤلاء الأشخاص المُنيرين ليستنير هو أيضاً. ولقد وهب المَسِيْح له وللمُصلِّين، في يوم الخمسين، أن يصبحوا جميعاً هَيْكَلاً للرُّوح القدس مُفعماً بالحياة والقوَّة والمَحَبَّة.
لا يقدر الإنسان الطَّبيعي أن يُعاين مجد الله، بل يدهش، ويحتار، ويرتعب في أعماق قلبه،
ويسقط كَمَيْتٍ، وخاصَّةً في مثل هذه الحالة المُذهِلَة والمُبْهِرة، حيث أعلن الله ذاته في السَّحابة النَّيِّرَة اللَّطيفة؛ ليس كما ظهر على جبل سيناء متجلِّياً وسط البروق والرُّعُود، بل مُعلِناً مجده بإذاعة إِنْجِيْل الرَّحمة المُقَدَّس. فقد شهد الله القُدُّوس شخصيّاً لمُمَثِّلي البشر أنَّ يَسُوْع هو ابنه الوحيد، وأنَّه أعظم مِن موسى ومِن سائر الأنبياء، لأنَّه دُفِعَ إليهِ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاء وعَلَى الأَرْضِ. وليس مِن المعقول أن يموت يَسُوْع الحيُّ المُحْيِي؛ ولكن بما أنه قد تواضع طوعاً، واختار طريق النِّيابة عنَّا في دينونة الله، فقد خالف مشورة التَّلاَمِيْذ، وتقدَّم بثباتٍ نحو الصَّلِيْب.
وكما أعرب الله عن سروره ورضاه عندما تواضع يَسُوْع بقبوله المَعْمُودِيَّة لأجل خطايانا، أعلن الله أيضاً رضاه التَّام عندما اتخذ يَسُوْع قراره الحازم بالذهاب إلى الصَّلِيْب، بكَلِمَات أفصح من كلّ بيان: “هذا هو ابني الحبيب. له اسمعوا”. كان لا بدَّ مِن أن يموت عوضاً عنَّا، كحَمَل الله، لفداء العالم. حقّاً! لا مجد لنا إلاَّ بالصَّلِيْب الّذي مات عليه ابن الله الحبيب، الّذي تجسَّدَت فيه مَحَبَّة الله. فلا خلاص للبشر إلاَّ بالمَصْلُوب. كلّ مَن يسمع هذا القول ويؤمِن به يحيا ويدخل صفوف أولاد الله، ويمتلئ بالمَحَبَّة نفسها الّتي في الله.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع المَسِيْح المجيد، أنتَ مَلِكي. اغفِر لي نجاستي وخطاياي، وألبِسْني طهارتك، ليحلّ فيّ مجدك، فأتجدَّد بواسطة روحك القُدُّوس وأتحوَّل مِن أنانيٍّ إلى مُحِبٍّ. تعال بقوَّتِك إلى ألوف القلوب في مُحِيْطنا، لكي يتغيَّروا ويَدخلوا مَلَكُوْت روحك اليوم. آمين.
السُّؤَال:
3- ما هو معنى تجلِّي يَسُوْع أمام تلاميذه؟
آيةٌ لِلْحِفْظ: “هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا” (مَرْقُس 9: 7).
4- النُّزول مِن الجبَل
(مرقس 9: 8-13)
9: 8 فَنَظَرُوا حَوْلَهُمْ بَغْتَةً وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً غَيْرَ يَسُوْع وَحْدَهُ مَعَهُمْ. 9 وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ الْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُحَدِّثُوا أَحَدًا بِمَا أَبْصَرُوا إِلاَّ مَتَى قَامَ ابْنُ الإِنْسَانِ مِنَ الأَمْوَات. 10 فَحَفِظُوا الْكَلِمَةَ لأَِنْفُسِهِمْ يَتَسَاءَلُونَ مَا هُوَ الْقِيَامُ مِنَ الأَمْوَات. 11 فَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ لِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً. 12 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَيْفَ هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْذَلَ. 13 لَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ إِيلِيَّا أَيْضًا قَدْ أَتَى وَعَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ
كلُّنا عائشون على الأرض، ولسنا في السَّمَاء بعد. الموت يتربَّص بنا، والضِّيق والبُغْضَة يُحاصراننا. لقد أدرك التَّلاَمِيْذ هذه الحقيقة بحزنٍ وألَمٍ بعدما رأوا مجد الله في المَسِيْح على الجبل، وكاد اليأس يُسيطر عليهم لولا وجود المَسِيْح معهم، فهو التَّعزية الكبرى لكلّ مؤمِن. ليس المؤمِن وحيداً أو منعزلاً، طالما أنَّ المَسِيْح معه وفيه بواسطة عربون الرُّوْح القُدُس. فالمَسِيْحي المولود ثانيةً لا يُترَك ولا يُهمَل أبداً، وخاصَّةً في الأيَّام الشِّرِّيْرة، بل تُظلِّلُه حماية القدير الّذي يحلُّ فيه، فيحيا مع الله ويَثبُت في محبّته.
بشَّر المَسِيْح تلاميذه بقيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وشهد لهم قبل موته بنصرته على كلّ قوى الشر في العالم، وأظهر لهم حياته المستترة. لكنَّ التَّلاَمِيْذ لم يفهموا معنى هذه المعجزة، بل ظنّوا أنّ يَسُوْع، كابن الله، يبدأ مباشرةً بإقامة الأَمْوَات، حسب وعده، علامةً لألوهيَّته. وهكذا افتكر اليهود أيضاً، وما زالوا يؤمنون أنَّ المَسِيْح، في مجيئه المجيد، سيُقِيم الأَمْوَات، ويُنشئُ مَمْلَكَة بِرِّه، وعاصمتها أُوْرُشَلِيْم. وعرف الأتقياء أيضاً آنَذَاكَ أنَّ نبيّاً، بروح إيليّا، سيَظهَر ويُمهِّد الطَّريق للمَسِيْح، فيُنزِل ناراً مِن السَّمَاء ليبيد الظّالِمين.
وبعدما رأى التَّلاَمِيْذ الثّلاثة النَّبِيّ إيليا في رؤيا تحيَّروا وفكَّروا بمجيء مَلَكُوْت الله الوشيك، لأنَّهم لم يُدركوا آنَذَاكَ ضرورة الصَّلِيْب. ولهذا السَّبب أكَّد يَسُوْع لهم مرَّةً أخرى أنه لا بدَّ مِن آلامه وصَلْبه، لأنَّ مَلَكُوْت الله لا يبدأ بالمجد أوَّلاً، بل لا بُدّ ليَسُوْع أن يضع نفسه ويموت نيابةً عن جميع الخطاة والمجرمين. إنّ هذا السِّر لا يدركه العقل البشري إلاَّ بواسطة عمل الرُّوْح القُدُس. فثورة مَلَكُوْت الله لا تُستَهَلُّ بمنطق السلاح والسياسة، بل بالتَّبرير وتقديس المؤمنين كي تحلّ قوَّة الرُّوْح القُدُس فيهم. فهل فهمتَ هذا المبدأ، واختبرته في حياتك؟
كان مجيء يُوْحَنَّا المَعْمَدَان توضيحاً لهذا المبدأ الرُّوحي، لأنَّه مهَّد، بقوَّة دعوته للتَّوبة، طريقَ ربِّه. ولكنَّ المَعْمَدَان أدرك بالرُّوْح القُدُس أنّ المَسِيْح لا يُعمِّد بنار، ولا يبيد الظَّالِمين، بل يحمل خطيئة العالم صامتاً كحَمَل الله. وأخيراً كان على يُوْحَنَّا المَعْمَدَان أن يُدرك أنّ ملكه المَسِيْح لا يُسرع إليه ليُحرِّره من السِّجن، بل يتركه ليُقتَل. وهكذا قطعوا رأس المَعْمَدَان، لأنَّ مَلَكُوْت الله ليس مبنيّاً على كسب ونجاح دنيويّ، بل هو حياةٌ روحيَّةٌ مبنيَّةٌ على الإِيْمَان والثِّقَة، حتَّى في لحظة الموت. لأنّ مَن يثبت في المَسِيْح لن يموت إِلَى الأَبَد.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع الحيّ، أنت لا تترُكُنا، بل تُرافقنا في كلّ ضيق، وحتَّى في الموت. أنتَ حياتُنا. نشكرك لأنَّك سبقتَنا في طريق الآلام، وجَذَبْتَنا لإنكار أنفسنا. ثبِّتْنَا في أساليب روحك القُدُّوس لكي نحتمل المتاعب بالشُّكر، ولا نستحي باسمك رغم الآلام. آمين.
السُّؤَال: 4- لماذا لم يفهم التَّلاَمِيْذ ضرورة ذهاب المَسِيْح إلى الصَّلِيْب؟
فَخَافُوا وَتَعَجَّبُوا
قَائِلِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ
مَنْ هُوَ هَذَا?
)مرقس 4: 41)
5- شفاء الولد المريض
(مرقس 9: 14- 29)
9: 14 وَلَمَّا جَاءَ إِلَى التَّلاَمِيْذِ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا حَوْلَهُمْ وَكَتَبَةً يُحَاوِرُونَهُمْ. 15 وَلِلْوَقْتِ كُلُّ الْجَمْعِ لَمَّا رَأَوْهُ تَحَيَّرُوا وَرَكَضُوا وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ. 16 فَسَأَلَ الْكَتَبَةَ بِمَاذَا تُحَاوِرُونَهُمْ. 17 فَأَجَابَ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ وَقَالَ يَا مُعَلِّمُ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكَ ابْنِي بِهِ رُوحٌ أَخْرَسُ، 18 وَحَيْثُمَا أَدْرَكَهُ يُمَزِّقْهُ فَيُزْبِدُ وَيَصِرُّ بِأَسْنَانِهِ وَيَيْبَسُ. فَقُلْتُ لِتَلاَمِيذِكَ أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا. 19 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ، إِلَى مَتَى أَحْتَمِلُكُمْ، قَدِّمُوهُ إِلَيَّ. 20 فَقَدَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ لِلْوَقْتِ صَرَعَهُ الرُّوحُ فَوَقَعَ عَلَى الأَرْضِ يَتَمَرَّغُ وَيُزْبِدُ. 21 فَسَأَلَ أَبَاهُ كَمْ مِنَ الزَّمَانِ مُنْذُ أَصَابَهُ هَذَا، فَقَالَ مُنْذُ صِبَاهُ، 22 وَكَثِيرًا مَا أَلْقَاهُ فِي النَّارِ وَفِي الْمَاءِ لِيُهْلِكَهُ، لَكِنْ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ شَيْئًا فَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا وَأَعِنَّا. 23 فَقَالَ لَهُ يَسُوْع إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُؤْمِنَ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ. 24 فَلِلْوَقْتِ صَرَخَ أَبُو الْوَلَدِ بِدُمُوعٍ وَقَالَ أُومِنُ يَا سَيِّدُ فَأَعِنْ عَدَمَ إِيْمَاني. 25 فَلَمَّا رَأَى يَسُوْع أَنَّ الْجَمْعَ يَتَرَاكَضُونَ انْتَهَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ قَائِلاً لَهُ أَيُّهَا الرُّوحُ الأَخْرَسُ الأَصَمُّ أَنَا آمُرُكَ، اخْرُجْ مِنْهُ وَلاَ تَدْخُلْهُ أَيْضًا. 26 فَصَرَخَ وَصَرَعَهُ شَدِيدًا وَخَرَجَ، فَصَارَ كَمَيْتٍ حَتَّى قَالَ كَثِيرُونَ إِنَّهُ مَاتَ. 27 فَأَمْسَكَهُ يَسُوْعُ بِيَدِهِ وَأَقَامَهُ فَقَامَ. 28 وَلَمَّا دَخَلَ بَيْتًا سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ عَلَى انْفِرَادٍ لِمَاذَا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ أَنْ نُخْرِجَهُ. 29 فَقَالَ لَهُمْ هَذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ
لمَّا كان يَسُوْع على جبل التَّجَلِّي، أتى رجلٌ بابنه المريض إلى التَّلاَمِيْذ الباقين طالباً شفاءه. لكنّهم لم يقدروا أن يُلبّوا طلبه، لأنَّ روحاً نجساً كان يسيطر على الولد المريض. وهذا الروح لم يُطع أوامر التَّلاَمِيْذ، ولم يتخلَّ عن ضحيَّته المسكينة. ومِن هذا نرى أنَّ التَّحرير مِن عبودية الشَّيْطَان لا يتمُّ على يد إنسان أو قدِّيس، بل بيَسُوْع وحده. فلا تَبْنِ إِيْمَانك ورجاءك على بشر.. لا على قسوس، ولا على خوارنة، ولا على أساقفة، بل على يَسُوْع وحده مباشرةً، فهو الرَّبّ القريب منك، والقادر على كلّ شيء. وهو يَبغي عونك وخلاصك، ويُصغي إلى صلواتك.
انتهر يَسُوْع تلاميذه والمؤمنين الّذين حولهم بسبب ضعفهم الرُّوحي الّذي لم يعتبره قلَّة إِيْمَان، بل عدم إِيْمَان. إنَّنا جميعاً متمسِّكون بالتَّقاليد، وساقطون في تجربة الاسْتِكْبَار، ولهذا السَّبب لا تَخْرُج مِنَّا قوّة الله لإنقاذ الآخَرين. فاعلم يا أخي أنَّ عقلك وعواطفك وأمانيك لا تُخلِّص إنساناً. فتُبْ عن ضعف إِيْمَانك، واعلم أنَّ سبب ضعفك الروحي هو التفكير الدنيوي، والتّعلُّق بالأرضيَّات رغم تقواك الظَّاهريَّة.
أوضح يَسُوْع لوالد المريض أنه يستطيع أن يساعده إِن آمَن به. فالمؤمن بيَسُوْع يختبر المستحيل، لأنَّ يَسُوْع القدير يعمل بضعفه. لا تنسَ أنَّ المَسِيْح هو ابن الله القادر على كلّ شيء، والمُفْعَم مَحَبَّة. فإِيْمَانك به يربطك بقدرته الإلهيَّة ومحبَّته؛ ومّن يَثْبُت في المَحَبَّة يثبت في الله والله فيه. عندما سمع والد المريض الشَّرط الوحيد لشفاء ابنه، صرخ بدموع التَّوبة: “يا ربّ، زِد إِيْمَاني كي لا أظهر كافراً”. ويَسُوْع لا يرفض الاعتراف مِن قلب منكسر، بل يقوِّي إِيْمَاننا إنْ طلَبنا منه ذلك، ويُثَبِّت ثقتنا به، لأنَّ الإِيْمَان الحقَّ هو ثمر الرُّوْح القُدُس، وكلّ مَن يقرأ الإِنْجِيْل مصلِّياً طالِباً معرفةً ومَحَبَّة وقوَّةً، ينال ما يَطلب، ويُدرك يَسُوْع في حقيقته، ويلتصق به مُتَوَاضِعاً، وتخرج مه مياه حيَّة. وبَعْدَ ما شفى المَسِيْح والد المصاب مِن عدم إِيْمَانه، وقاده إلى إِيْمَان حيٍّ به، أمر الرُّوح الشِّرِّيْر أن يخرج مِن الملبوس، ولا يرجع إليه بعد.
ومن هذا نُدرك أمرَين: الأوَّل أنَّ يَسُوْع قادرٌ ومستعدٌّ أن يُخرج كلّ روحٍ نجسٍ مع رواسب الخطايا مِمَّن يسلم نفسه إليه، والثَّاني أنَّ الروح الشِّرِّيْر يمكن أن يعود مرَّةً أخرى إلى المحرَّر مِن شرِّه. فإن لم يحلّ روح الرَّبّ في هذا الإنسان ويمتلكه، سيحاول الشَّيْطَان على الدَّوام أن يجذبه مِن سلطة المَسِيْح. لكنَّ الشَّيْطَان لا يستطيع أن يخطفنا مِن يد المَسِيْح، لأنَّ قدرة المَسِيْح أعظم مِن كلّ التجارب في الّذين يحبّون يَسُوْع، ويقرأون كلمته بشغف.
أخذ يَسُوْع الصَّبي المحرَّر من الروح الشِّرِّيْر، وأحياه، وسلَّمه إلى أبيه المؤمِن. فإِيْمَان الأب خلَّص الابن. هل تريد أن تؤمِن بقوَّة يَسُوْع القادرة أن تحرِّر أصدقاءك وأقرباءك مِن سطوة إبليس؟ هل محبَّتك قويَّةٌ حتَّى أنَّك تؤمِن ليس مِن أجل نفسك فقط، بل مِن أجل تحرير أصدقائك أيضاً؟
الصَّلاَة: أيُّها الآب، نشكرك مِن صميم قلوبنا لأنَّك أرسلتَ ابنك الوحيد إلى عالمنا الشِّرِّيْر ليُعلِّمنا الإِيْمَان الحَقّ. ونعترف بأنَّ إِيْمَاننا ضعيفٌ. وهو بالحقيقة عدم إِيْمَان، وعدم ثقة بك. اغفر لنا هذه الخطيئة، واخلق فينا ثقةً مُطْلقَةً بمحبَّتك القادرة على كلِّ شيء، وقَوِّ محبَّتنا للآخَرين لنُضحِّي بإِيْمَان في سبيل خلاصهم، واقبَل صُراخنا: “خلِّصهم.. حرِّرهم.. غيِّرهُم.. كما منحتَنا الخلاص والفداء.” آمين.
السُّؤَال:
5- ماذا كان المانع مِن شفاء المريض؟
آيةٌ لِلْحِفْظ:
“كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لِلْمُؤْمِنِ”
(مَرْقُس 9: 23).
6- إعلان يَسُوْع الثَّاني عن آلامه
(مرقس 9: 30- 37)
9: 30 وَخَرَجُوا مِنْ هُنَاكَ وَاجْتَازُوا الْجَلِيْل وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ. 31 لأَِنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ تَلاَمِيذَهُ وَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ فَيَقْتُلُونَهُ، وَبَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ يَقُومُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. 32 وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا الْقَوْلَ وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ
33 وَجَاءَ إِلَى كَفْرنَاحُوْم، وَإِذْ كَانَ فِي الْبَيْتِ سَأَلَهُمْ بِمَاذَا كُنْتمْ تَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فِي الطَّرِيقِ. 34 فَسَكَتُوا، لأَِنَّهُمْ تَحَاجُّوا فِي الطَّرِيقِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ فِي مَنْ هُوَ أَعْظَمُ. 35 فَجَلَسَ وَنَادَى الاِثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ إِذَا أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ أَوَّلاً فَيَكُونُ آخِرَ الْكُلِّ وَخَادِمًا لِلْكُلِّ. 36 فَأَخَذَ وَلَدًا وَأَقَامَهُ فِي وَسْطِهِمْ ثُمَّ احْتَضَنَهُ وَقَالَ لَهُمْ، 37 مَنْ قَبِلَ وَاحِدًا مِنْ أَوْلاَدٍ مِثْلَ هَذَا بِاسْمِي يَقْبَلُنِي وَمَنْ قَبِلَنِي فَلَيْسَ يَقْبَلُنِي أَنَا بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي
صرّح يَسُوْع لتلاميذه للمرَّة الثَّانية بأنَّه سيُسلَّم إلى أيدي الخطاة. ولكنَّهم لم يُدركوا معنى هذه النُّبُوَّة وغايتها بأنَّ القاضي الأزلي يسلِّم نفسَه طوعاً لأيدي البشر، بملء إرادته كفَّارةً عنَّا. الواقع أنَّ هذه المعجزة أعظم مِن أن يُدركها عقلٌ متكبِّرٌ تلقائيّاً، وخاصَّةً إمكانيَّة القِيَامَة مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، فبقيَت في أذهان أتباعه لغزاً، لأنَّهم آنَذَاكَ لم يكونوا قد اختبروا الحياة الجَدِيْدة بالرُّوْح القُدُس. إنَّ أكثريَّة الناس، حتَّى في يومنا هذا، صمٌّ وعميٌ عن إدراك مَحَبَّة الله المعلَنَة في الصَّلِيْب، وهم لا يعرفون حقيقة حلول الرُّوْح القُدُس في قلوب المشتاقين للحق، المؤمنين بابن الله الوحيد.
العالم بحاجةٍ إلى مُصلِّين يبتهلون إلى يَسُوْع طالبين أن تَطرُد كلمتُه الصَّممَ الرُّوحي مِن أذهان الناس، فينتعشوا، ويتقوّوا، ويَسمعوا كلمة الله.
حتَّى أتباع يَسُوْع يُجرَّبون بعدم سماع وفهم كلمته. وسبب صممهم وعماهم الروحيَّين هو الاسْتِكْبَار الّذي يتغلغل في قلوبهم، فيُسكتهم ويُعميهم، لأنَّهم مُعجَبون بأنفسهم، ولا يُقيمون وزناً للآخَرين.
يليق بهؤلاء أن يتَّخذوا مِن يَسُوْع القدوة والمثل. فهو جعل نفسه عبداً لله، مُتَوَاضِعاً، رافعاً خطيئة العالم؛ فأصبح الأصغر والأكثر احتقاراً، حتَّى أنَّ الله نفسه حجب وجهه عنه عندما مات على الصَّلِيْب لأجلنا مرفوضاً مُحتقَراً.
كان التَّلاَمِيْذ يتخاصمون على الكراسي والمراكز والمناصب العليا والسّلطة والنُّفوذ، فاحتقروا زملاءهم، وسقط الجميع في خطيئة الاسْتِكْبَار، إذ حسب كلّ واحدٍ منهم نفسَه أفضل مِن سواه. وهذه هي الخطيئة الأصليَّة النَّابعة مِن الشَّيْطَان، والمستحوذة على عقول البشر.
أيُّها الأخ العزيز، انتبه واحذر مِن الكبرياء الكامنة في قلبك! تحاشَ الغرور والثقة بمقدرتك وقدراتك الشّخصية، وتواضّع سريعاً، واطلب الضَّالِّيْن الدَّنِسين ليطهروا باسم المَسِيْح. اخدُم البُسَطَاء، ولا تطلُب أن تكون سيِّداً، بل اتبع المَسِيْح المُتَوَاضِع، فتصبح عظيماً أمام الله.
أخذ يَسُوْع ولداً، وأوقفه وسط حلقة التَّلاَمِيْذ، رمزاً لحالتهم وإِيْمَانهم. لم يكن الصَّبي صالحاً في ذاته، ولا بريئاً في طفولته، لأنَّ جميع النَّاس أشرار منذ صغرهم. ولكنَّ الفتى اتّكل على أبيه، وأحبَّ أُمَّه منذ صغره. فينبغي أن نتعلَّم روح البُنُوَّة، ولا نحسب أنفسنا أسياداً مستقلِّين.
يُرشدنا المَسِيْح إلى المَحَبَّة حتَّى لا نعيش لأنفسنا وعائلاتنا فحسب، بل ننظر إلى الأولاد المشرَّدين واليتامى لنتبنَّاهُم ونفتح لهم بيوتاً. فمَن يخدم الصِّغار والمساكين يتبع يَسُوْع الّذي تبنَّانا وجعلَنا أولاداً لله. تواضَعْ كيَسُوْع، واخدم الضُّعفاء والصِّغار والمساكين، ولا تنظُر إلى الأغنياء والوجهاء والمتعاظمين، لأنَّهم قلَّما يَسمعون.
الصَّلاَة: نشكرك أيُّها المَسِيْح لأنَّك تُحبُّ الصِّغار وتعتني بهم عنايةً أبويَّةً؛ ونعترف أمامك بأنَّنا صِغارٌ.. اغفر لنا اسْتِكْبَارنا، وعلِّمنا تواضعك، لنحبّ المساكين، ونَقبلهم، ونشترك معهم في ضيقهم، ونفتح قلوبنا وبيوتنا لهم، ونخدمهم باستمرار، كأنَّنا نخدمك في كلّ لحظة مِن حياتنا. آمين.
السُّؤَال:
6- كيف أرشد يَسُوْع تلاميذه إلى التَّوَاضُع؟
كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ
وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ
(كلمات المسيح حسب البشير متى 23: 12)
7- الدَّعوة إلى رحابة الصَّدر
(مرقس 9: 38- 41)
9: 38 فَأَجَابَهُ يُوْحَنَّا قَائِلاً يَا مُعَلِّمُ رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ شَيَاطِينَ بِاسْمِكَ وَهُوَ لَيْسَ يَتْبَعُنَا، فَمَنَعْنَاهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُنَا. 39 فَقَالَ يَسُوْع لاَ تَمْنَعُوهُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَصْنَعُ قُوَّةً بِاسْمِي وَيَسْتَطِيعُ سَرِيعًا أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ شَرًّا. 40 لأَِنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا. 41 لأَِنَّ مَنْ سَقَاكُمْ كَأْسَ مَاءٍ بِاسْمِي لأَِنَّكُمْ لِلْمَسِيْح فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ.
قبل أن يؤمن يُوْحَنَّا التِّلْمِيْذ بمَحَبَّة المَسِيْح، كان ضيِّق القلب، غيوراً، متفاخراً، حسوداً؛ وقد تضايق حين استطاع أحد المؤمنين بيَسُوْع أن يطرد باسمه أَرْوَاحاً نجسة مِن الملبوسين. وغضب يُوْحَنَّا لأنَّ هذا المؤمن لم يكن مِن أتباع يَسُوْع المُقرَّبين، ولكنَّه أدرك أنه لا توجد قوة لا في السَّمَاء ولا على الأرض أعظم مِن اسم المَسِيْح الّذي فيه تعمل قوّة الله مجتمعةً.
ترشدنا هذه الحقيقة إلى عدم بناء حياتنا وأنفسنا على ذكائنا، وقدراتنا، ومهاراتنا، ومواهبنا، واختباراتنا، ولا على شرفنا ومكانتنا، سواء في الكنيسة أو المجتمع، بل على الرَّب يَسُوْع وحده، لأنَّه هو المنتصر، الظَّافِر، القويّ؛ وإِيْمَاننا به يُشركنا في نصرته. فهل أدركتَ قوَّة اسم يَسُوْع؟ هل اختبرتَ عمقَ خلاصه في مصالحته العالم مع الله؟ هل سجدتَ لله الآب بفرح؟ هل اندمجت بجماعة القِدِّيْسِيْن بإِيْمَانك، وتعيش في قوَّة روحه؟ إِنَّ مَن يختبر صلاح أبينا السَّمَاوِيّ، لا يُريد أن يتركه، بل يخدمه بفرح. ومَن يسكن فيه روح الله بُحبُّ النَّاس جميعاً، ويُسامحهم دون إبطاءٍ، ويخدم أعضاء الكنيسة باستمرار.
لقد نطق المَسِيْح بعبارة هامَّة، إذ قال: “مَن ليس علينا فهو معنا”، رغم أنّه قال في إِنْجِيْل متَّى 12: 30: “من ليس معي فهو عليَّ، ومَن لا يجمع معي فهو يُفرِّق”.
الفرق بين العبارتين هو أنّه في عبارته الأخيرة كان يدافع عن نفسه أمام شراسة أعدائه الّذين اتَّهموه بأنه يخرج الأَرْوَاح النجسة برئيس الشَّيَاطِيْن. أمَّا عبارته الأولى فنطق بها تأييداً للمؤمِن الّذي أخرج شياطين باسمه، مع أنَّه لم يكن مِن أتباعه المقرَّبين أو مِن مرافقيه. وإنَّنا – بهذه الآية – نشهد لجميع الكنائس والجمعيَّات والأفراد، الّذين يُحبُّون مخلِّصنا يَسُوْع المَصْلُوب الحيّ الآتي، على اختلاف عقائدهم وطقوسهم وتقاليدهم، أنّهم شركاؤنا في الخدمة، إخوةً وأخواتٍ لنا في الرُّوح، تحت لواء اسم المَسِيْح الحيّ الّذي يجمعنا معاً بمحبَّته الفائقة والغامرة والصَّابرة رغم كلّ اختلافٍ.
جعل المَسِيْح تخوم مَلَكُوْته أوسع بكثير مِن تعصُّبنا. ولذلك رفض دينونتنا للآخرين، ووعد كلَّ مَن يقدِّم كوباً مِن الماء البارد لأتباع يَسُوْع، ويكرمهم لأجل علاقتهم بابن الله، بأن ينال بركة أبديَّة مِن هذا العطاء، حتى وإن لم يتجدَّد في نفسه بعد. يعرف المَسِيْح بداية الإِيْمَان غير الظاهر في القلوب، ولا يرفض أقلَّ مَيلٍ له؛ ولهذا السبب أكرم كلّ إِيْمَان مُخْلِصٍ في جميع الناس، وابتهج لكلِّ عملٍ في سبيل الرَّب. فلا تنظر إلى أعضاء كنيستك فقط، بل اقبَل أيضاً المؤمنين بالمَسِيْح المَصْلُوب مِن الكنائس الأخرى، وأحبّهم، وصلِّ لأجلهم، لأنَّنا واحدٌ في المَسِيْح الحيِّ.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نشكرك لأنَّك لا تحتقرنا لأجل إِيْمَاننا النَّاقص، ولا تديننا لمحبَّتنا الضَّعيفة، بل تجذبنا بجمال المَحَبَّة إليك، وتمنحنا معرفة ابنك الحبيب، لننال منه قوَّةً روحيَّةً بالإِيْمَان والحَقّ، وننشر مَلَكُوْته مع كلّ المندفعين بروحه. بارك الكنائس والجمعيَّات في الشَّرق الأوسط، وفي العالم أجمع، لكي يتّحدوا في اسمك. آمين.
السُّؤَال:
7- كيف يرشدنا يَسُوْع إلى التَّعاون مع الّذين ليسوا مِن أتباعنا؟
8- التَّحذير مِن إغراء الصِّغار على الخطيئة
(مرقس 9: 42- 50)
9: 42 وَمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحًى وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ. 43 وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا، خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّم إِلَى النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ، 44 حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. 45 وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ رِجْلُكَ فَاقْطَعْهَا، خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَعْرَجَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ رِجْلاَنِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّم فِي النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ. 46 حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. 47 وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ عَيْنُكَ فَاقْلَعْهَا، خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَلَكُوْت اللهِ أَعْوَرَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ عَيْنَانِ وَتُطْرَحَ فِي جَهَنَّم النَّارِ، 48 حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. 49 لأَِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُمَلَّحُ بِنَارٍ وَكُلُّ ذَبِيحَةٍ تُمَلَّحُ بِمِلْحٍ. 50 اَلْمِلْحُ جَيِّدٌ، وَلَكِنْ إِذَا صَارَ الْمِلْحُ بِلاَ مُلُوحَةٍ فَبِمَاذَا تُصْلِحُونَهُ، لِيَكُنْ لَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِلْحٌ وَسَالِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا
يحمي المَسِيْح الصِّغار، ويحبّ المبتدئين بالإِيْمَان، ويقف بكلّ سلطانه ضدَّ المتكبِّرين في حاشيته، الّذين ظنّوا أنفسهم، بسبب قربهم مِن المَسِيْح، أفضل وأصلح مِن المنضمِّين حديثاً للإِيْمَان.
ويلٌ للقسوس والكهنة والشّيوخ والمبشِّرين الّذين يصبحون عثرةً للمبتدئين في الحياة الرُّوحية، بواسطة تفاخرهم، وغرورهم، وتبجُّحهم، واهتمامهم الزّائد بأنفسهم وبعائلاتهم؛ فلسَوف يَطلب المَسِيْح نفوس الضَّالِّيْن مِن أيدي خُدَّامه. ويلٌ لنا إنْ تكلَّمنا باعتدادٍ عن النِّعمة والقَدَاسَة، ولم نعِشْ حسب النِّعمة والقَدَاسَة، غير مدركين أنَّ حجر رحى دينونة الله مُعّدٌّ ليُطوِّق أعناقنا ويُغرقنا في أعماق لجج غضب القُدُّوس.
يطلب المَسِيْح منك أن تسلّم له حياتك وأفكارك كلِّيّاً. وإذا كنتَ متكبِّراً وأنانيّاً، فهو يدعوك للانتساب إلى مدرسة روحه القُدُّوس لتُميتَ اسْتِكْبَارك، ليس بتقطيع جسدك، لأنَّ قصده تقديس جسدك وذهنك وليس إهلاكهما. وهو يُريك، في مَثَل الأعضاء النجسة والعين الشِّرِّيْرة أنَّ الرُّوْح القُدُس لا يقبل حلاًّ وسطاً، ولا يُداعب خطاياك المحبوبة، أو سطحيَّتك الضَّحلة، أو حساسيَّتك المرهفة، أو عنادك الأرعن، فهذه الصِّفات البشريَّة لا بدّ لها أن تموت وتُسحَق في شركة المَسِيْح. فلا تحصل على راحة نفسك إلاَّ إذا صُلِبْتَ مع المَسِيْح، وقمتَ مؤمناً بقيامته.
يشهد ابن الله بوجود جَهَنَّم، ويُخبرنا في قراءتنا ستَّ مرَّاتٍ بأنَّ النَّار لا تُطفأ. فويلٌ للذين ينكرون وجود السَّمَاء وجَهَنَّم، لأنّهم سيحترقون في نار ندامتهم الباطلة، لبُعدهم المؤلم عن الله، موَلولِين ومرتجفين بصراخٍ عظيمٍ، وضمائرهم ستنهشهم، فيلتهبون كجُرحٍ دامٍ، لأنَّهم سيُدركون عِنْدَئِذٍ كيف أتى المَسِيْح إليهم، مُتَوَاضِعاً مخلِّصاً دون أن يَقبلوه،
بل احتقروا كلامه، ولم يؤمنوا به.. ورفضوا خلاصه.
أيُّها الأخ العزيز، إنَّ قصد الله هو أن يُلهبك بنار روحه القُدُّوس، لكيلا تحترق في جَهَنَّم. ولهذا يدعوك الرّبّ لتصبح نوراً للعالم، وملحاً للأرض. ليس لأنّك نافعٌ في ذاتك، بل لأنَّ المَسِيْح ملحك ونورك. إنّك في ذاتك، رغم تقواك البشريَّة، لستَ إلاَّ شعلة في جَهَنَّم. ولكنَّ المَسِيْح يجعلك عموداً مستقيماً في هَيْكَله، إن سلَّمت جسدك وأعضاءك ومواهبك له إِلَى الأَبَد. عِنْدَئِذٍ يُعلِّمُك أن تصبح مُتَوَاضِعاً مثله، ويمنحك طهارته، ويعطيك الصَّبر، ويملأك سلاماً مِن سلامه، فتتغيَّر في بصيرتك، وتفضِّل الصِّغارَ على الكبار، وتَطلب الضَّالِّيْن، وتبتعد عن المعتدِّين بأنفسهم.
الصَّلاَة: أيُّها الآب، اغفر لي كبريائي، وشهواتي، وعنادي، وكلّ خطاياي المعروفة وغير المعروفة. طهِّرْني تماماً، وخلِّصْني بذبيحة ابنك مِن نار جَهَنَّم الفاتحة فاها لتبتلعني، لكي أعيش في فرح روحك، وأضبط بقوَّتك جسدي وأفكاري، فأحيا حياة العفَّة واللُّطف والاستقامة، ولا أكون عثرة للآخَرين، بل أرشدهم إليك. قدِّسْني إلى التَّمام ليُصبح سلوكي شهادةً لقدرتك. آمين.
السُّؤَال:
8- ما هو سبب العثرة للمبتدئين في الإِيْمَان؟
///////
9- كلام يَسُوْع في الزَّواج والطًلاق
(مرقس 10: 1- 12)
10: 1 وَقَامَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى تُخُومِ الْيَهُودِيَّةِ مِنْ عِبْرِ الأُرْدُنِّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ أَيْضًا وَكَعَادَتِهِ كَانَ أَيْضًا يُعَلِّمُهُمْ 2 فَتَقَدَّمَ الْفَرِّيْسِيّوْن وَسَأَلُوهُ، هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، لِيُجَرِّبُوهُ. 3 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ بِمَاذَا أَوْصَاكُمْ مُوسَى، 4 فَقَالُوا مُوسَى أَذِنَ أَنْ يُكْتَبَ كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقَ. 5 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ، مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ كَتَبَ لَكُمْ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ. 6 وَلَكِنْ مِنْ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ. 7 مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، 8 وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. 9 فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ. 10 ثُمَّ فِي الْبَيْتِ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ. 11 فَقَالَ لَهُمْ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا، 12 وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي
الزَّوَاج هو عطيَّة السَّمَاء، وليس تجربة الشَّيْطَان. ورغم أنَّنا جميعاً غير طاهرين بسبب خطايانا، ولا نقدر أن نعيش قِدِّيْسِيْن بلا لومٍ مِن تلقاء أنفسنا، فإنَّ نظام الزَّوَاج بزوجة واحدة يصدر مِن الخالق الحنون مباشرةً. فالزَّوَاج في إرشاد الرّب يُشبه جنَّة الفردوس، أو واحةً في وسط الصَّحراء، وذلك لأنَّ اللهَ هو الشَّريكُ الثَّالث في عهد الزَّوَاج. فلا تعتبِر الزَّوَاج دنساً حقيراً، بل مقدَّساً في حضرة المَسِيْح وفي قوَّة روحه.
لكنَّ حوادث الطلاق وفصم عقد الزَّوَاج قد كَثُرَتْ، للأسف، في عصرنا أكثر مِن أيِّ عصرٍ سابق. وسبب ذلك هو أنَّ مَن يجمع الزَّوجَين ليس الله، بل لقاءٌ عابر، تمَّ على أساسه عقد القران بلا مبالاة. ولذلك يتم الطَّلاق بلا ندم، فلا يرغب الزوجان بعد في استمرار علاقتهما الزوجية لأسباب تافهة.
ولَئِنْ لم تملك مخافة الله القلوب والبيوت والتَّقاليد، فأَرْوَاح جَهَنَّم تتراقص في الشَّوارع، وداخل المنازل، فتقسو القلوب، ويصبح الطلاق شرعيّاً وسهلاً. لا نعرف عمق الألم والحزن والمرارة الّتي تتلظَّى في قلوب الّذين تزوَّجوا دون إرشاد الله، ومِن ثمَّ طلَّقوا بعضهم بعضاً متعدِّين بذلك على مشيئته.
أنهارٌ مِن الدُّموع تنهمر بسبب الأذهان الملحدة القاسية، وعمليَّات الطلاق الشِّرِّيْرة الّتي كثيراً ما لا تتحقَّق شرعيّاً، وإنَّما تتمُّ عمليّاً بابتعاد القلوب بعضها عن بعض. فقد يعيش الزوجان معاً، ولكن في بُغْضَة تبعث بالذّعر والاشمئزاز في نفوس أولادهما. ويلٌ للوالدين الّذين يسبِّبون الشَّقاء والألم لأولادهم.
إنَّ المبدأ العام عند الله هو المَحَبَّة والطَّهَارَة، وقد أوجد سنَّة الزَّوَاج لكي يظهر في اتِّحاد الزَّوجَين أنَّ مفهوم المَحَبَّة يسمو فوق إشباع الغرائز الجنسيَّة. فالمَحَبَّة بين الزَّوجَين هي خدمةٌ متبادَلةٌ، واحتمالٌ مُتَوَاضِع، وإكرامٌ متقابلٌ.
إنَّ سرَّ المَحَبَّة الطاهرة بين الزَّوجَين سرٌّ عظيمٌ. يتفرَّد كلٌّ منهما أوَّلاً بعقليَّته وطريقة تفكيره، ولا يلبث الاثنان أن يتقاربا وينصهرا في بوتقة المَحَبَّة فيصبح كلاهما واحداً. تستطيع الزَّوجة المُصلِّية أن ترفعك إلى السَّمَاء، وأن تكون سبب بركة لأولادك؛ أمَّا المرأة المُلحدة والمهتمَّة بالمال والجاه والمظاهر الخارجيَّة فتحتقرك، وتسيطر عليك، وتُفسِد نفسك وحياتك، وتجرُّك إلى الهلاك، إذا لم يُحرِّر المَسِيْح روحها، ويحلّ فيها روح المَحَبَّة والقناعة والتَّأنِّي والصَّلاَة واللُّطف والسَّلام. فَقَبْلَ الزَّوَاج، اطلب مِن الرَّبّ زوجةً مؤمنةً، بِصَرْفِ النَّظَر عَن جمالها، وغناها، وذكائها؛ لأنَّ هذه المزايا الدّنيويَّة سُرعان ما تزول. أمَّا المَحَبَّة الإلهيَّة فلا تسقط أبداً.
وأنتِ أيَّتها الفتاة، لا تَقبلي الاقتران إلاَّ برجلٍ مؤمنٍ، ليكون زواجك في المَسِيْح، فتضمني السَّعادة العائليَّة. (لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين”.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوس، نشكرك لأجل عطيَّة الزَّوَاج المثالي. علِّمنا أن نحيا في القَدَاسَة وضبط النفس، لكي نخدم بعضنا بعضاً كما خدم المَسِيْح كنيسته ليُخلِّصَنا مِن جميع شهواتنا، فلا نتزوَّج حسب أهوائنا. امنح كلَّ مؤمنٍ شريكاً ثابتاً في روحك، ليرفع أحدهما الآخَر نحو السَّمَاء، فيصبح زواجهما جنَّة فردوسيَّة على الأرض الأليمة. آمين.
السُّؤَال: 9- ما هي مَبَادِئ الزَّوَاج المَسِيْحي؟
مِنْ بَدْءِ الخَلِيْقَة
ِ ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ
مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ
وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا
إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ
فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ
(مَرْقُس 10: 6- 9)
10- بارك يَسُوْع الأولاد
(مرقس 10: 13- 16)
10: 13 وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَوْلاَدًا لِكَيْ يَلْمُسَهُمْ، وَأَمَّا التَّلاَمِيْذ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُمْ. 14 فَلَمَّا رَأَى يَسُوْع ذَلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَِنَّ لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوْت اللهِ. 15 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوْت اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ. 16 فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ
يبني المَسِيْح مَلَكُوْت الله، فلا يجمعه أوَّلاً مِن الفلاسفة واللَّاهُوْتيِّين والكتبة، بل إنَّ مملكته مفتوحة للبُسَطَاء والجُهلاء والصِّغار أيضاً. ولا تقتصر هذه المَمْلَكَة على الرجال البالغين والأُمَّهَات المجتهدات، بل إنَّها مُعَدَّةٌ لجميع النَّاس، على حَدٍّ سواء، إن استجابوا لمَحَبَّة الله، وانفتحوا لها. كما أنَّها لا تقتصر على الرَّأس والعقل والمنطق، بل تشمل أيضاً القلوب والعواطف مع الإرادة.
حاولت بعض الأُمَّهَات أن يتقدَّمن بأولادهنَّ ليباركهم يَسُوْع بلمسة منه، فيؤثِّر في مُسْتَقْبَلهم، ويضمن فَلاحهم ونجاحهم. وربَّما شعرن أنَّ أولادهنّ ليسوا ملائكة، وإنَّما يسكن فيهم الكثير مِن المعاصي والأمراض والخطايا الموروثة، فأردن أن يحلّ فيهم روح المخلِّص الطَّاهر.
ولكنَّ التَّلاَمِيْذ ظنّوا أنَّ المَسِيْح يخصُّ البالغين فقط الّذين يفهمون دعوته الإلهيَّة، وتعاليمه السَّامية، وأفكاره العميقة؛ فمنعوا الأُمَّهَات مِن التَّقدّم إلى المَسِيْح، كيلا يُعكِّر صراخُ الأولاد صفو التَّأمُّل.
وإزاء هذا الموقف، استاء يَسُوْع، وأعرب عن استيائه مبيِّناً أنَّ مَلَكُوْت الله يُقْبَل بالقَلب قَبْل العَقل. فالولد بطبيعته يحبّ والديه دون أن يعلم السبب مِن نفسه، فيتَّكل عليهما اتكالاً دائماً لأنَّه يشعر بعنايتهما واهتمامهما بما هو لخيره، فلا يحمل في نفسه هموماً ثقيلةً، لأنه يضع نفسه بكلّ ثقة بين يدي والديه. وهذا هو معنى الإِيْمَان: أن نثق بالله أبينا السَّمَاوِيّ، ونتجاوب معه في كلّ حين، مطمئنِّين في قلوبنا، وشاكرين له بسرور.
أيّها المسؤولون عن الأولاد، علِّموا الصِّغار مَحَبَّة المَسِيْح وقدرته، بقصص بسيطة، ولا تخاطبوهم بمحاضراتٍ صَعْبةٍ تفوق عقولهم، ولا تنطبع في ذاكرتهم. ارسموا لطف ابن الله أمام أعيُنهم كما تقرأون في الإِنْجِيْل، ورتِّلوا أمامهم تراتيل الشُّكر، والعبوا معهم لتثقيفهم، كما احتضنهم يَسُوْع وباركهم، لأنَّ الفرح هو الشَّاهد الواضح لروح يَسُوْع، والمَحَبَّة الإلهيَّة ما زالت المفتاح إلى القلوب؛ فالصِّغار سرعان ما يدركون الفرح والمَحَبَّة، حتَّى وإنْ كان تفكيرهم ما زال قاصراً.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نسجد لك لأنَّ ابنك الحبيب عاش في دنيانا كطفل، مطمئنّاً في عنايتك، وواثقاً على الدوام بمحبتك. اغفر لنا اضطراب قلوبنا، وافتح أذهاننا لفرح محبَّتك، لنُثبِّت أولادك ونؤمن بخلاصك، فنتغيَّر ونخدم الصِّغار بطرقٍ حكيمةٍ، ونُصبح قُدوةً صالحةً لهم. آمين.
السُّؤَال: 10- ما هو موقف يَسُوْع مِن الأولاد الصِّغار؟
“دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ لأَِنَّ لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ مَلَكُوْت اللهِ.
اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوْت اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ.” (مَرْقُس 10: 14)
11- يَسُوْع والشَّاب الغنيّ
(مرقس 10: 17- 27)
10: 17 وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِح مَاذَا أَعْمَلُ لأَِرِثَ الحَيَاة الأَبَدِيَّة. 18 فَقَالَ لَهُ يَسُوْع لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا، لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. 19 أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا، لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَسْلُبْ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ. 20 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي 21 فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوْع وَأَحَبَّهُ وَقَالَ لَهُ يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاء وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيْب. 22 فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِينًا لأَِنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ
23 فَنَظَرَ يَسُوْع حَوْلَهُ وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوْت اللهِ. 24 فَتَحَيَّرَ التَّلاَمِيْذ مِنْ كَلاَمِهِ. فَأَجَابَ يَسُوْع أَيْضًا وَقَالَ لَهُمْ يَا بَنِيَّ مَا أَعْسَرَ دُخُولَ الْمُتَّكِلِينَ عَلَى الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوْت اللهِ. 25 مُرُورُ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوْت اللهِ. 26 فَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ. 27 فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوْع وَقَالَ، عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلَكِنْ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ، لأَِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ
يريد كلّ إنسان أن يضمن حياته في رفاهية وحرّية، محاولاً جَمْع المال والملك والذَّهب. فيدرس الطَّالب كي يضمن لنفسه وظيفةً أو عملاً يدرّ عليه مالاً وافراً، وتبني الشُّعوب سياساتها على الاقتصاد والتّقدُّم المادِّي، وتؤمِّم بعض الدُّوَل أملاك الأفراد لتجعل الشعب مالكاً للكلّ.
ولكنْ مَن يفكِّر بخالقه، فيخدمه ويسلِّم له كلّ حياته وأمواله؟ ثمة كثيرون يحاولون خدمة الله والمال معاً، ليضمنوا الرغد والبحبوحة في الحياة الدنيا، والنّعيم في الآخرة؛ وهم خاسرون.
جاء شابٌّ مُخْلِصٌ إلى يَسُوْع طالباً الخلاص للحياة الأبديَّة. وكم هو جميلٌ أن يهتمَّ شباب اليوم بالرُّوْحَانِيَّات، تاركين الغرور المادي. وكان ذلك الشاب مستعداً للتّضحية والأَعْمَال الحسنة، ودعا يَسُوْع بالمعلِّم الصَّالِح.
لكنّ المَسِيْح رفض هذا اللقب السَّطحي، وعدَّل المثل الإنسانية في ذهن الشاب قائلاً له: “لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إلاَّ واحد وهو الله”. هل تعلم يا أخي أنَّ هذه الكَلِمَات تدين جميع الناس، وتوبّخهم على شرورهم، ونحن منهم؟
تَطلب هذه الكَلِمَات، في مضمونها، مِن الشاب أن يُدرك ويؤمن أنّ الواقف أمامه ليس معلِّماً صالحاً فحسب، بل هو الله الصَّالِح نفسه. لأنَّ يَسُوْع المَسِيْح هو الرَّاعِي الصَّالِح وابن الله المحب الّذي يطلب منَّا الإِيْمَان بسلطانه المُطْلَق.
لقد أحبّ يَسُوْع هذا الشاب الّذي حاول بقدرته البشريَّة أن يحفظ وصايا الله بالتَّدقيق ساعياً للتفوق على زملائه في الفضائل والسلوك الطاهر، وهذا بالتمام ما يريده يَسُوْع: أن نتحرَّر مِن قيود الخطيئة، ونبتعد عن صنم المال، ونتَّكل على الله وحده. عِنْدَئِذٍ نكتشف، في نور المَسِيْح، خطايانا المتعدِّدة، وفساد البشر الكامن فينا، ونلتجئ إلى الإمكانية الوحيدة للخلاص: الصَّلِيْب. وهكذا نحصل، بالإِيْمَان، على الحَيَاة الأَبَدِيَّة اليوم.
ولكنَّ الشاب كان غنيّاً، وفضَّل المال على اتِّباع يَسُوْع. فرفض بهذا الاختبار الرُّوحيات، واعتمد على المادِّيات رغم تقواه الظّاهريّة.
أيُّها القارئ العزيز، امتحن نفسك بإخلاصٍ. هل تحبُّ المال وتتَّكل على الغِنى والملك والصِّحَّة، فتسقط إلى الهلاك، لأنَّك تبني نفسك على الفاني؟ وهل تُدرك أنَّك بذاتك غنيٌّ جدّاً؟ قُل لي بأيّ ثمنٍ تبيع عينك اليمنى؟ بأيّ مبلغٍ مِن المال تُقيِّم مواهبك وأوقاتك؟ هل شكرتَ اللهَ على كلّ خيراته الّتي وهبها لك؟ إنْ كُنتَ مُخْلِصاً لخالقك، فضَعْ مواهبك كلَّها تحت تصرُّفه سريعاً! لا تُبالِ إنْ كنتَ فقيراً بين الناس، بل اجتهد أن تكون غنيّاً في المَسِيْح الّذي أخلى نفسه مِن غنى مجده، وعاش بيننا مكتفياً بالقليل، متَّكلاً على عناية أبيه السَّمَاوِيّ في كلّ حين. إنَّ مَن يسلِّم نفسه، بإرشاد الرُّوْح القُدُس، لله ولخدمته، يهدي الله إليه ذاته، فيجعل مِن الخاطئ قدِّيساً، ومِن عابد الأوثان ابناً له.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّب يَسُوْع، قد سمَّيتَنا بنيك، وجعلتَنا أولاداً لله أبينا؛ فاخلع مِن قلوبنا مَحَبَّة المال، وانزع مِن عقولنا الاتِّكال على المادِّيات الفانية، وجدِّدْ أتباعك كي لا يتعلَّقوا بالأمور الدّنيويَّة، بل يكتفوا بقدرتك وعنايتك وحضورك. امنحنا، في تجارب الأيام الأخيرة، موهبة تمييز الأَرْوَاح، وطاعة الإِيْمَان، كي لا نضلّ، بل نتبعك وحدك. آمين.
السُّؤَال:
11- لماذا نرى في مَحَبَّة المال والغِنى تجربة تماثل عبادة الأوثان؟
12- مكافأة أتباع يَسُوْع
(مرقس 10: 28- 31)
10: 28 وَابْتَدَأَ بُطْرُس يَقُولُ لَهُ هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. 29 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً لأَِجْلِي وَلأَِجْلِ الإِنْجِيْل 30 إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَات وَأَوْلاَداً وَحُقُولاً مَعَ اَضْطِهَادَاتٍ وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الحَيَاة الأَبَدِيَّة. 31 وَلَكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ وَالآخِرُونَ أَوَّلِينَ
يطمح كثيرٌ مِن الناس للشرف والسلطة والأملاك، ظانِّين أنَّ ثروات دنيانا تعطيهم جزاء اجتهادهم. فيا له مِن مسكين ذلك الّذي يسلِّم نفسه لغرور الغنى، لأنَّ المرض المزمن، والدَّيْنُونَة الأخيرة ستعلِّمانه أنَّ الدنيا تزول، وأنَّ الباقي هو الله مع الّذين يمتلئون مِن روحه، ويثبتون في محبَّته.
علَّم المَسِيْح المثقَلين بالهموم، واللاَّهثين خلف المال وجمع الثروة، القاعدة السَّمَاوِيّة: “اطلبوا أوَّلاً مَلَكُوْت الله وبِرَّه، وهذه كلُّها تُزاد لكم”. احفظ هذا الشعار الحكيم، واعمل به، فتتحوَّل مِن الأنانية إلى الإِيْمَان، وتدخل رحاب الله، وتتعاون وعائلته الروحيّة الّتي نسميها مَلَكُوْته، أو جسد المَسِيْح الرُّوحي.
هل تعلم أنّه لا يبقى في الدُّنيا والآخرة سوى الله الثَّالُوْث الأَقْدَس وأولاده المولودين بالرُّوح، وأنَّ كلّ ما عداهم يزول؟ لا يبقى رباط الدم، ولا عهد الزَّوَاج، بل ينتهيان في الحَيَاة الأَبَدِيَّة. فعائلة الله أهمّ مِن كلّ صلة قرابة أو صداقة. قد يبغضك أبوك وأمك لأجل إِيْمَانك بالفادي يَسُوْع، وقد يضطهدك إخوتك، ويلعنك حتّى أولادك. إنَّ هذا مؤلمٌ جدّاً. ولكنَّك قد ربحتَ الله. فمَن هو الأهمّ: الفاني، أم الأبديّ؟ هل تحبّ الرّبّ أكثر من عائلتك؟
قد يحرمك أبوك الإرث، وقد يسعى إخوتك لقتلك. لكن اطمئن! فالمَسِيْح هو الحيّ المُحيي، وقد اختبر هو بنفسه قسوة الأهل وأفراد العائلة الّذين سمّوه هاذياً، وحاولوا إجباره بالقوَّة على ترك خدمة التَّبْشِيْر، فتركهم هو وسمَّى كلّ الّذين يعملون مشيئة الله: أمَّه وإخوته.
بَيْدَ أنًَّ المؤمن بالمَسِيْح يجد لنفسه إخوةً وأخواتٍ جدداً، وزوجةً مؤمنة، في إرشاد الرّوح، ومِلْكاً جَدِيْداً بواسطة اجتهاده في مهنة كريمة. لكنَّ الأهمَّ مِن ذلك كلِّه هو أنّه قد ربح الله، وأصبح القُدُّوس أباه. فالإِيْمَان بالمَسِيْح يُعادِل بل ويفوق خسائر هذا العالم أضعافاً مضاعفةً، لأنَّ الربح الروحي أعظم بكثير مِن الخسارة المادِّيَّة.
لكنْ.. لِيَنْظُرْ كلُّ مَن يُسْرِع إلى المَسِيْح متحمِّساً، ويؤمن به سطحيّاً، ألاَّ يرتدَّ بالسُّرعة نفسها. فالمَسِيْح لا يوظِّفُنا لقاء راتب، أو مرتبة، أو مِلك، بل يغفر لنا ذنوبنا، ويُشركنا في خلاصه، وينصرنا على التَّجارب الخبيثة. فلا ييأس أو يتذمَّر مَن يُؤْمن طمعاً بربح مادّي، أو مساعدة مِن الآخرين، لأنَّ الحياة مع أولاد الله تعني تضحية، وخدمة، وعطاء، وليس أخذاً، وأُبَّهةً، وسلطةً، وخيلاء. فاحذر، وامتحن نفسك، مُدركاً سبب اتِّباعك للمَسِيْح. هل تقصد الربح المادي؟ أم أنَّ حياتك أصبحت ذبيحة حيَّة لمَحَبَّة الله؟
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، قد تركتَ أباك لتربحنا نحن الخطاة. فنشكرك للطف محبَّتك، لأنَّك بذلتَ نفسك لتخلِّصنا، ومُتَّ لأجلنا نحن الحقراء لنكون أولاداً لله، ونخدمه في قوَّة محبَّتك. أعطنا الصَّبر لنحتمل بعضنا بعضاً ونعيش معاً في روحك القُدُّوس، فلا ننظر إلى الوراء، بل نمتد نحوك أنت الآتي. آمين.
السُّؤَال: 12- ما هو ربح المؤمنين بالحقيقة؟
آيةٌ لِلْحِفْظ: “لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً لأَِجْلِي وَلأَِجْلِ الإِنْجِيْل 30 إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَات وَأَوْلاَداً وَحُقُولاً مَعَ اَضْطِهَادَاتٍ وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الحَيَاة الأَبَدِيَّة. 31 وَلَكِنْ كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونُونَ آخِرِينَ وَالآخِرُونَ أَوَّلِينَ” (مَرْقُس 10: 28- 31).
13- الإعلان الثَّالث عن موت المَسِيْح وقيامته
(مرقس 10: 32- 34)
10: 32 وَكَانُوا فِي الطَّرِيقِ صَاعِدِينَ إِلَى أُوْرُشَلِيْم وَيَتَقَدَّمُهُمْ يَسُوْع، وَكَانُوا يَتَحَيَّرُونَ وَفِيمَا هُمْ يَتْبَعُونَ كَانُوا يَخَافُونَ. فَأَخَذَ الاِثْنَيْ عَشَرَ أَيْضًا وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ عَمَّا سَيَحْدُثُ لَهُ، 33 هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُوْرُشَلِيْم وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ فَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى الأُمَمِ 34 فَيَهْزَأُونَ بِهِ وَيَجْلِدُونَهُ وَيَتْفُلُونَ عَلَيْهِ وَيَقْتُلُونَهُ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ.
عرف يَسُوْع هدفه الّذي لأجله جاء إلى العالم، وهو الموت النِّيابيّ عن تلاميذه، وعن البشر جميعاً. ورأى أنَّ وصاياه ووعوده لم تُغيِّرهم، بل بقوا مستكبرين، قاسين، وبدون رحمة؛ ولذلك شاء أن يصالحهم مع الله، بواسطة موته كحَمَل الله المذبوح، لكي يحلَّ روح الرَّب في أجساد المتبرِّرين، ويُجدِّدهم، ويُغيِّرهم، ويُقدِّسهم إلى التَّمام.
ولهذه الغاية عزم يَسُوْع على الذّهاب إلى أُوْرُشَلِيْم، مكان موته. فلم يهرب، ولم يَدخل الخوف قلبه. أمَّا أتباعه فخافوا خوفاً عظيماً، لعلمهم مسبَقاً أنَّ مجمع اليهود، وفقهاء التوراة، كانوا يتجسَّسون على يَسُوْع، ويراقبونه باستمرار، ليلفِّقوا تهمةً ضدَّه، حتّى إنّهم حرموا كلّ مَن يساعد تلاميذه حقوق الأمَّة وامتيازاتها.
لكنَّ يَسُوْع تقدَّم طوعاً إلى وكر الذِّئاب المفترسة، عالماً أنَّ ما مِن طريقٍ لفداء العالم إلاَّ بالصَّلِيْب؛ فهيّأ تلاميذه الاثني عشر بدقَّةٍ للحوادث الوشيكة، لأنَّ له بصيرةً نبويَّةً، ومعرفةً بدقائق الأمور الّتي ستحصل مِن الحكم عليه، وتعذيبه، وموته، إلى قيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
فهل أدركتَ عظمة يَسُوْع في نبوَّته عن حياته وموته؟ لقد أبصر بوضوح أيَّ نهايةٍ كانت تنتظره، ومع ذلك تقدَّم بثبات نحو أعدائه، وأعلم تلاميذه بالحوادث المُقبلة ليُقرِّروا مصيرهم. كان مُطيعاً حتَّى الموت. وُلِدَ ليموت لأجلنا. ومَحَبَّة الله تظهر بكلّ كمالها وسط اكتمال عصيان البشر على الرَّبّ. لقد حمل نجاساتهم وأمراضهم، ولكنّهم ضربوه وبصقوا في وجه محبَّته، وجلدوا جسده الرقيق، وعلَّقوه على صليب العار، ليذيقوه عذاب الموت البطيء بتحميله ثقل جسده وهو الّذي حمل أثقال خطاياهم النجسة، واستهزأوا به آملين أن يكفر بالله ويعصيه. أمَّا هو فحمل ضيقاتنا وآلامنا بصبر فائق، وصلَّى لأجلنا على الصَّلِيْب، وغفر ذنوب الّذين سمَّروه على الخَشَبَة، ولم ييأس مِن ابتعاد الله عنه، فشرب كأس الغضب حتَّى الثّمالة، واستودع روحه بين يدَي أبيه، رغم أنَّ الله حجب وجهه عنه. فآمَن يَسُوْع، وسطَ لهيب غضب الله، بأبديَّته وقيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، منتصراً في النِّهاية انتصاراً عظيماً.
لقد آمن يَسُوْع برؤيا أظهرها له أبوه بالرُّوْح القُدُس، وتقدَّم مباشرةً إلى أُوْرُشَلِيْم. فهل أنت متَّكلٌ على كلمة الله، وتسلك حسب إرشادها؟ قد تكون حياتك مليئةً بالضِّيقات، والتَّجارب، والظّلمات، وحتَّى المخاوف. لكنْ اعلم أنَّ المَسِيْح احتمل البُعْدَ عن الله، عوضاً عنَّا, لكي نختبر نحن البعيدين عن الله قرب الأزليّ على الدَّوام. ثِقْ بأبيك السَّمَاوِيّ، فتغلب ضيقاتك بالإِيْمَان، وتتقدَّم نحو مشاكلك مطمئنّاً، وتحبّ أعداءك، وتُبارك خصومك. لا تَخْشَ الانكسار أمام الرَّبّ، فالعليم القدير معك.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الرَّب يَسُوْع لأنَّك لم تهرب مِن آلامك ومَوتك المعروف لديك مسبقاً. لقد تقدَّمت إلى صليبك لأجلنا، واحتملتَ الآلام والضَّرب والبصق والجَلد لأجل تبريرنا. نشكرك لأجل محبَّتك، ونُكرِّس حياتنا لك. اقبَلْنا نحن غير المستحقِّين، وطهِّرنا، واملأنا بروحك القُدُّوس لكي لا نعيش بعد لأنفسنا، بل لك وحدك، فتعمل قوَّتك في ضعفنا. وساعد المربوطين في خطاياهم كي يتركوا اسْتِكْبَارهم نهائيّاً، ويلبسوا محبَّتك القويمة. آمين.
السُّؤَال: 13- لماذا تقدَّم يَسُوْع تلاميذه مباشرةً إلى أُوْرُشَلِيْم؟
14- طلبة ابْنَي زَبَدِي المستكبرة
(مرقس 10: 35- 40)
10: 35 وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ وَيُوْحَنَّا ابْنَا زَبَدِي قَائِلَيْنِ يَا مُعَلِّمُ نُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ لَنَا كُلَّ مَا طَلَبْنَا. 36 فَقَالَ لَهُمَا مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَفْعَلَ لَكُمَا، 37 فَقَالاَ لَهُ أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِكَ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فِي مَجْدِكَ. 38 فَقَالَ لَهُمَا يَسُوْع لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَانِ، أَتَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الْكَأْسَ الَّتِي أَشْرَبُهاَ أَنَا وَأَنْ تَصْطَبِغَا بِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا، 39 فَقَالاَ لَهُ نَسْتَطِيعُ. فَقَالَ لَهُمَا يَسُوْع أَمَّا الْكَأْسُ الَّتِي أَشْرَبُهَا أَنَا فَتَشْرَبَانِهَا وَبِالصِّبْغَةِ الَّتِي أَصْطَبِغُ بِهَا أَنَا تَصْطَبِغَانِ، 40 وَأَمَّا الْجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ إِلاَّ لِلَّذِينَ أُعِدَّ لهُمْ
تقدَّم حَمَل الله الوديع إلى مذبح حياته، بينما كان تلاميذه يفكرون بالسياسة، والرِّياسة، والشَّرف، والسّلطة، والسَّيطرة على الآخرين، فطلبوا مجد هذه الدُّنيا، ولم يُدركوا ضرورة الصَّلِيْب، ظانِّين أن يخدموا الله بدون توبة وتجَدِيْد، وكانوا فخورين في قلوبهم. أمَّا يُوْحَنَّا ويعقوب فتبعا يَسُوْع، وتركا مهنة صيد السَّمك، ظانَّين نفسيهما أفضل مِن الآخرين بسبب صلة القرابة الّتي تربطهما بيَسُوْع، وانتسابهما إلى الأسرة الكهنوتيَّة، فتمنَّيا في حالة تسلّمهما زمام السّلطة أن يحصلا على وعد مسبق مِن يَسُوْع بأن يعطيهما نصيب الأسد مِن سلطانه ومجده.
لم يرفض يَسُوْع طلبتهما مباشرةً، بل لامَهُما لأنَّهما طلبا أمراً لم يَفهماه، فدانَ مقاصدهما، وكشف جهلهما بواسطة سؤاله الفاحص: “هل أنتما قادران على أن تشربا كأس غضب الله، وتحتملا مَعْمُودِيَّة آلام الصَّلِيْب؟” ويبدو مِن جوابهما أنَّهما لم يُدركا ضعفهما وفسادهما، ولا عرفا الله القُدُّوس في غضبه، ولا الحاجة إلى حَمَل الله وضرورة موت يَسُوْع. لقد رسبا في امتحان اتِّباعهما ليَسُوْع رسوباً ذريعاً، لأنَّ الرُّوْح القُدُس لم يكن قد سكن فيهما بعد، ولم يَعْلَما بعْد كبر ذنوبهما، ولا تبريرهما بالصَّلِيْب، فكانا أعميَيْن روحيّاً، ومُستكبرَين بشريّاً.
والعجيب أنَّ يَسُوْع لم يرفض استعدادهما لتحمُّل الآلام معه، وهما غير مُتَجَدِّدين، بل أعلن لهما أنَّ اتِّباعه يعني التّألُّم في سبيل خدمة الآخرين، كما تألّم هو البارّ مِن أجل الأثمة. فمَعْمُودِيَّة الرُّوْح القُدُس لا تأتي بفرح ومواهب ويقين برَّاق فحسب، بل تتبعها تجارب الشَّيْطَان وبُغْضَة الملبوس به.
هل أنت مستعدٌّ لدفع ثمن اتِّباعك ليَسُوْع؟ هل تريد التّمتُّع بالنِّعمة فقط، أم تستعدّ لبذل ذاتك وسط الاستهزاء والكراهية؟
إنَّ أجرة شركتنا مع الله وابنه ليست كما تخيَّلها يُوْحَنَّا ويعقوب. مستحيلٌ أن يجلس إنسانٌ عن يسار المَسِيْح، لأنَّ هذا مكان الآب الّذي أجلس ابنه عن يمينه. فطلبة ابْنَي زَبَدِي تُظهر كبرياء الشَّيْطَان الوسواس الّذي يوسوس في آذان التَّلاَمِيْذ، محاولاً تحريضهم ضدَّ روح سيِّدهم.
أين مكاننا في السَّمَاء؟ هل نحن مِن المقرَّبين أم مِن المُبعَدين؟ إنَّ كلَّ الّذين يؤمنون بالمَسِيْح يرتبطون بروحه إِلَى الأَبَد.. فنحن جسده الروحي، ولسنا منفصلين عنه. فالكيان في السَّمَاء هو المَحَبَّة والرّوح والوحدة، وليس إكرام الذَّات والانفصال بسبب التباهي والافتخار. لقد صلَّى يَسُوْع طالباً مِن أبيه: “ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحدٌ”.
الصَّلاَة: يا ربّ، أنت تصبر علينا نحن المتكبِّرين الجُهلاء، ولا ترفضنا، بل شربتَ كأس الغضب لنعيش نحن في قوَّة روحك القُدُّوس. وقد احتملتَ مَعْمُودِيَّة العذاب على الصَّلِيْب لكي نعتمد نحن بروحك القُدُّوس. اغفر لنا غباوتنا وافتخارنا بأنفسنا، وطمعنا بالسلطة، وغيِّرْنا إلى صورتك لنتصاغر، ونتواضع، ونصبح ودعاء، مستعدِّين لخدمة الآخَرين، واحتمال استهزائهم ورفضهم ولطمهم، حتَّى يخلصوا. آمين.
السُّؤَال:
14- كيف كشف سؤال ابْنَي زَبَدِي وجوابهما حالتهما الرُّوحيَّة؟
15- يَسُوْع يبذل نَفْسَهُ
(مرقس 10: 41- 45)
10: 41 وَلَمَّا سَمِعَ الْعَشَرَةُ ابْتَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ أَجْلِ يَعْقُوبَ وَيُوْحَنَّا. 42 فَدَعَاهُمْ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ يُحْسَبُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَأَنَّ عُظَمَاءَهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. 43 فَلاَ يَكُونُ هَكَذَا فِيكُمْ، بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا، 44 وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا. 45 لأَِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدُمَ وَلِيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ
البشر مرضى. وباء الاسْتِكْبَار مستحكمٌ فيهم، وخطيئة الشَّيْطَان دافعةٌ لأفكارهم. لم يرسب الأخوان يُوْحَنَّا ويعقوب وحدهما في امتحان التَّلمذة، بل بقيَّة التَّلاَمِيْذ كلّهم ، لأنهمَّ كلّهم اغتاظوا وغضبوا مِن ابْنَي زَبَدِي. فالجميع مستكبرون. لقد سمعوا تعاليم يَسُوْع، وقَبِلوها، لكنَّهم لم يفهموها، إذ لم تتجسَّد كَلِمَاته بعد فيهم.
كانوا كلهم، قبل الصَّلِيْب وحلول الرُّوْح القُدُس، أناساً عاديّين ممتلئين بالاعوجاج والأنانية. لكنَّ يَسُوْع رحمهم، وعلّمهم المرَّة تلو المرَّة مَبَادِئ الرُّوْح القُدُس، في تواضع ابن الله، وخُضُوْع المولود مِن الروح لأبيه وتعظيمه إيَّاه، وإنكار الذات. فيَسُوْع نفسه عاش على هذا المنوال، ومجَّد أباه دائماً، ووثق به ثقةً مُطلقةً، وأطاعه طوعاً، وعظَّمه تعظيماً. أمَّا الآب فأعطاه كلّ سلطانٍ في السَّمَاء وعلى الأرض، وأجلسه عن يمينه، وجعله رسم جوهره. وهكذا يعمل الرُّوْح القُدُس الّذي لا يمجِّد نفسه، بل المَصْلُوب الحيّ الآتي، على الرغم مِن أنَّ ابن الله ترك له تحقيق الخلاص وإنشاء الكنيسة. إنَّه لَسِرٌّ كبيرٌ! فإلهُنا إلهٌ مُتَوَاضِع، وديعٌ، مُحِبٌّ، لطيفٌ.
يختلف هذا الرّوح اختلافاً كلِّيّاً عن روح العالم، لأنَّ رؤساء الدُّوَل يحكمون بقوَّة السِّلاح والعنف، ويسيطرون على شعوبهم. وهم يعصون السّلطة لأنَّ الكلّ مصاب بالاسْتِكْبَار، ويلهث وراء المال والشّرف والأمجاد الدنيوية، محتقراً البُسَطَاء والمساكين.
منع يَسُوْع أتباعه وكنيسته مِن التعاون مع روح هذا العالم، وأرشدهم إلى فكرة الخدمة، فعلَّمهم أنَّ الخادم والأجير الأمين أشرف وأعظم مِن الأسياد الكسالى المسترخين، وأنَّ الأساقفة والخوارنة والقسوس ليسوا بأفضل مِن أمٍّ مصلِّية، أو طفلٍ مؤمن. فالرُّوْح القُدُس يجعلنا جميعاً مِن جنسٍ واحدٍ، ومَحَبَّة يَسُوْع تحني رؤوسنا الكبيرة، وتجعل منَّا خُدَّاماً للآخرين. فالمولودون مِن الرّوح ليس هدفهم جني الأرباح، ولا البروز في الاجتماعات والمجتمعات، إنّما الرُّوْح القُدُس يدفعهم إلى خدمة العمي، والسّكيرين، والضَّالِّيْن، والمحتقَرين، ومساعدتهم على التحرر مِن قيود خطاياهم.
هل أنت خادمٌ أم سيِّدٌ؟ هل انكسرت أمام عظمة الله، ورأيتَ نقصانك في قدوة المَسِيْح، أم ما زلتَ متكبِّراً في ذاتك؟ لقد ترك يَسُوْع لنا قدوةً، ومَن يتبعه يمثِّلُه. لم يأتِ ليُخْدَم، بل لِيَخْدِم؛ فإلهُنا خادمٌ. احفظ هذه الجملة، لأنَّها تُريك ما يريد يَسُوْع أن يفعل بك.
دفع يَسُوْع حياته ودمه فديةً، لكي نتحرَّر مِن عبودية الغرور… وكلّ الّذين يسمعون صوته الحنون، ويؤمنون بقوَّة كفَّارته، يتحرَّرون مِن قيود الأنا، وينالون بركات الرُّوْح القُدُس، ويتغيَّرون جذريّاً، ويصبحون قدوةً في المَحَبَّة، والصَّبر، والابتهال لأجل الآخرين. ففداء المَسِيْح يجعلنا فدائيّين في المَحَبَّة، باذلين حياتنا لتخليص الآخرين. فهل قدَّمتَ تضحيةً بفرحٍ وشكر؟
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الآب لأنَّك أرسلت ابنك الحبيب إلى عالمنا الشِّرِّيْر. وهو عظَّمك دائماً، وعاش خادماً بيننا، وحرِّرنا مِن الكبرياء. نشكرك لأنَّك طهَّرتَنا بموته على الصَّلِيْب مِن سموم خطيئة الشَّيْطَان، وغفرت لنا كل آثامنا. ونسجد لك لأنَّ روحك القُدُّوس حرّرنا مِن عظمتنا الموهومة، وغيَّرنا إلى خُدَّام يتواضعون طوعاً، ويخدمون الجميع ليُخلِّصوهم مِن ارتباطاتهم النَّجسة. آمين.
السُّؤَال:
15- ماذا تعني لنا قدوة يَسُوْع كخادم للخطاة؟
الجزء السَّادس
دُخول يَسُوْع
إلى أُوْرُشَلِيْم
وأَعْمَالُه الأخيرة
(مرقس 10: 46- 12: 44)
1- شفاء الأَعْمَى في أَرِيحَا
(مرقس 10: 46- 52)
10: 46 وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا، وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ كَانَ بَارْتِيْمَاوُس الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. 47 فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ يَسُوْع النَّاصِرِيّ ابْتَدَأَ يَصْرُخُ وَيَقُولُ يَا يَسُوْع ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي. 48 فَانْتَهَرَهُ كَثِيرُونَ لِيَسْكُتَ، فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا يَا ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي. 49 فَوَقَفَ يَسُوْع وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى. فَنَادَوُا الأَعْمَى قَائِلِينَ لَهُ ثِقْ. قُمْ. هُوَذَا يُنَادِيكَ. 50 فَطَرَحَ رِدَاءَهُ وَقَامَ وَجَاءَ إِلَى يَسُوْع. 51 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ، فَقَالَ لَهُ الأَعْمَى يَا سَيِّدِي أَنْ أُبْصِرَ. 52 فَقَالَ لَهُ يَسُوْع اذْهَبْ، إِيْمَانكَ قَدْ شَفَاكَ. فَلِلْوَقْتِ أَبْصَرَ وَتَبِعَ يَسُوْع فِي الطَّرِيقِ
كان تلاميذ المَسِيْح عمياناً عن مَبَادِئ مَلَكُوْت الله، ولم يروا جلال يَسُوْع في تواضعه. ولكنَّ المسكين “بَارْتِيْمَاوُس” الأعمى في مدينة أريحا حصل، بإِيْمَانه بيَسُوْع، على قلبٍ مفتوح البصيرة. فقد منحه المَسِيْح البصيرة الّتي جعلته يؤمن أنَّ يَسُوْع هو ابن داود، وأنَّه الملك الموعود الّذي وَعد الله به قبل ثلاثة آلاف سنة مِن ذلك الوقت، وشهد أنَّ ابنه سوف لا يكون لملكه نهاية، وأنَّ كرسيَّه سيقوم مع كرسي الرّبّ حسب الوحي: “قال الرب لربّي اجلِسْ عن يميني حتَّى أضع أعداءك موطئاً لقدميك”.
لقد رأى الأعمى المؤمن أكثر مما رآه المبصرون، رغم أنّهم كانوا ملازمين إيَّاه. ولم يرضخ هذا المسكين لأمر التَّلاَمِيْذ عندما منعوه من الصراخ إلى يَسُوْع بعبارة “ابن داود” الّتي تحمل في طيَّاتها عنواناً سياسيّاً. فكان كلَّما زجروه ليسكت حتّى يمكنهم سماع كلام يَسُوْع ازداد صراخاً، عالماً أنّ هذه الفرصة أثمن فرصة في حياته، بل هي فرصة العمر.
وتوقَّف يَسُوْع وهو في طريقه إلى أُوْرُشَلِيْم، لأنَّه ميَّز صوت قلب مشتاق إليه. فهو بهذه الرهافة نفسها يسمع أيضاً أنَّات فؤادك، إنْ كنتَ مشتاقاً إلي العيش معه حقّاً. أمّا إذا لم تسمع دعوته، بسبب ضجيج العالم، وكثرة الأفكار المتراقصة في رأسك، فنقترح عليك أن تصلِّي إليه بإِيْمَان، لأنَّه يترقَّب صلاتك، ويُصغي إلى صوت قلبك، ويَفهمك، ويدعوك شخصيّاً. فتعالَ إليه، واسمع كلمته، لأنَّه يُخلِّصك إلى التَّمام.
عندما سمع الأعمى دعوة يَسُوْع هبَّ مِن مكانه، وطرح رداءه حتّى لا يعوقه، وأسرع إلى يَسُوْع، وسمع صوت ابن الله القائل: “ماذا تُريد أن أفعل بك؟”
فيا أيُّها الأخ العزيز، إن سألك ابن الله: “ماذا تريد أن أفعل بك؟” فبماذا تُجيبه؟ فكِّر
ملِيّاً قبل الإجابة الّتي تحدِّد طريق مُسْتَقْبَلك، وصلِّ في قلبك ماذا يريدك الرب أن تطلب منه. وعِنْدَئِذٍ أجبه بإِيْمَان وتواضع.
طلب الأعمى أن يُبصر، فماذا تطلب أنت مِن المَسِيْح؟ هل تطلب النجاح في امتحانٍ، أو الشفاء مِن مرضٍ، أو مالاً لضمان مُسْتَقْبَل حياتك، أو غفراناً لجميع خطاياك، أو حياةً أبديَّةً بحلول الرُّوْح القُدُس في نفسك؟
إنَّ المَسِيْح يسمعك، ويستجيب صلواتك إن طَلَبْتَه مِن صميم قلبك، وارتبَطْتَ به بملء إرادتك. فتح الرجل الأعمى في أريحا قلبه للمَسِيْح، وقَبِلَ محبَّته لذاته، وآمن بالمخلِّص المُعين، وجنى ثمر إِيْمَانه. فليس صراخه واندفاعه إلى يَسُوْع هما اللّذان خلَّصاه، بل بواسطة إِيْمَانه أكرمه يَسُوْع. لقد وثق أنَّه الملك الإلهي، وأنَّه رغم سموّ مجده وجلاله يهَب مِن وقته للمسكين البسيط الّذي يبسط يده إليه للطَّلب.
كان إِيْمَان بَارْتِيْمَاوُس مُخْلِصاً، لأنَّه لم يبادر إلى الركض، بعد شفائه، إلى أقربائه، بل تبع يَسُوْع توّاً. لقد رأت عيناه الملك الإلهي في لطفه، فتمسَّك به فوراً، وأصبح أهلاً في مَلَكُوْته، رغم الاضطهادات، والاتِّهامات، والشَّتائم. وأنت.. هل أصبحتَ مُبصراً، مُدركاً شخصيَّة المَسِيْح، أم ما زلت أعمى في أمانيك الدّنيويَّة؟
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نعظِّمك لأنَّك تهتمُّ بالبُسَطَاء والمرضى والمساكين. أطلب أن ترسل ألوفاً مِن الفعلة إلى حصادك ، لأنَّ الحصاد كثيرٌ، والقلوب مشتاقةٌ إلى الحقِّ؛ ولكنَّ الفعلة قليلون، وأحياناً غير مخلصين. اجعلني عبداً مُتَوَاضِعاً مجتهداً في مَلَكُوْتك، مستمتعاً بلطفك، لأراك أمامي دائماً، وأُنفِّذ مشيئتك بفرح. آمين.
السُّؤَال: 16- ماذا نتعلَّم مِن شفاء بَارْتِيْمَاوُس الأعمى في أريحا؟
اِشْفِنِي يَا رَبُّ فَأُشْفَى
خَلِّصْنِي فَأُخَلَّصَ
لأَنَّكَ أَنْتَ تَسْبِيحَتِي
(إرميا 17: 14)
2- دخول يَسُوْع إلى أُوْرُشَلِيْم
(مرقس 11: 1- 10)
11: 1 وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُوْرُشَلِيْم إِلَى بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ 2 وَقَالَ لَهُمَا اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا فَلِلْوَقْتِ وَأَنْتُمَا دَاخِلاَنِ إِلَيْهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَحُلاَّهُ وَأْتِيَا بِهِ. 3 وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ لِمَاذَا تَفْعَلاَنِ هَذَا فَقُولاَ الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ، فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُ إِلَى هُنَا. 4 فَمَضَيَا وَوَجَدَا الْجَحْشَ مَرْبُوطًا عِنْدَ الْبَابِ خَارِجًا عَلَى الطَّرِيقِ فَحَلاَّهُ. 5 فَقَالَ لَهُمَا قَوْمٌ مِنَ الْقِيَامِ هُنَاكَ مَاذَا تَفْعَلاَنِ تَحُلاَّنِ الْجَحْشَ. 6 فَقَالاَ لَهُمْ كَمَا أَوْصَى يَسُوْع، فَتَرَكُوهُمَا. 7 فَأَتَيَا بِالْجَحْشِ إِلى يَسُوْع وَأَلْقَيَا عَلَيْهِ ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِ. 8 وَكَثِيرُونَ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَاناً مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. 9 وَالَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ أُوصَنَّا، مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ، 10 مُبَارَكَةٌ مَمْلَكَة أَبِينَا دَاوُدَ الآتِيَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ، أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي
أدرك بَارْتِيْمَاوُس، بعد أن فتح المَسِيْح عينيه، معنى دخول المَسِيْح إلى أُوْرُشَلِيْم، لأنَّه اعترف رغم الجواسيس مِن رؤساء اليهود، أنَّ يَسُوْع النَّاصِرِيّ هو ابن داود، المَسِيْح الموعود، الملك الحَقّ.
ويا للعجب! لم يرفض يَسُوْع هذا القلب، بل شفى الشَّاهد بسلطانه، برهاناً على أنَّه المَسِيْح المُنتظَر. وهكذا حرَّك أمواج الرَّجَاء في قلوب التَّلاَمِيْذ والشَّعب. فأراد الجميع أن يشتركوا في انتصار الله، فتسلَّقوا مع يَسُوْع الجبال الصَّحراوية الحارَّة، إلى قمَّة سلسلة الجبال، حيث أُوْرُشَلِيْم كتاج فوقها.
وقبل أن يعبر يَسُوْع آخر طرف لجبل الزَّيتون، أتمَّ نبوَّة زكريَّا، ليوضح أنَّه لم يأتِ ملكاً متبختراً على فرسٍ، ولا متهادياً على جملٍ، أومحاطاً بجيوشٍ جرَّارة، وطائراتٍ نفّاثة، ودبَّاباتٍ هدَّارة ليقتحم العاصمة ويدخلها دخول الفاتحين؛ بل دخل أُوْرُشَلِيْم على حمار استعاره مِن أحد أصدقائه، لأنَّ مَلِك المُلُوْك ورَبّ الأَرْبَاب، في تواضعه، كان فقيراً محتاجاً.لم يكن ابن الله يملك حماراً، حتّى ولا سرجاً. لذلك استعمل ملابس أتباعه الّذين وضعوها على الحمار ليجلس عليها. وهكذا دخل المَسِيْح المُنتظَر بكلّ تواضعه ووداعته إلى مدينة السَّلام. ولم يمنعه الجنود الرُّومان من عبور الطريق، لأنَّ موكبه المُتَوَاضِع لم يشكِّل خطراً على السّلطة، لا سيَّما وأنَّ أفراد الموكب كانوا يتلون الصَّلَوَات بصوت مرتفع ممجِّدين الله، كما كانت العادة في الأعياد الكبيرة.
ردَّد أتباعُه الدُّعاءَ المخصَّص لاستقبال رئيس الكهنة عند دخوله الهَيْكَل لمصالحة الشعب مع الله. أمَّا الجَمَاهِيْر فكانت تردِّدُ الهتاف المُخصَّص للملك عند تتويجه. ووسط هذا الجوِّ العابق بالهتافات والاحتفاء والتّكريم دخل مَلِك المُلُوْك ورئيس الكهنة الحقيقي العاصمة أُوْرُشَلِيْم.
إنّ المَسِيْح هو رئيس الكهنة الصحيح الّذي صالحنا مع الله نهائيّاً، وهو مَلِك المُلُوْك الّذي يُقيم اليوم مَمْلَكَة سلامه في قلوبنا. فهل أعددت طريق الرَّب ليدخل إلى قلبك، وبيتك، وقريتك، ومدينتك؟ إنَّه لَسِرٌّ عظيمٌ أنَّ الملك الإلهي يَسُوْع، في كلّ مكان يُقبل فيه، يستهلّ مَلَكُوْت سلامه الأبدي، المعلَن سابقاً بالرُّوْح القُدُس للملك والنَّبِيّ داود.
هل فرحت فرحاً عظيماً لمجيء المَسِيْح الوديع كملك وكحَمَل الله في آنٍ واحد؟ وهل اختبرتَ حضور مَلَكُوْت الله في قلوب أتباع مَلِك المُلُوْك الفقير وسط عالمنا الشِّرِّيْر؟ وكيف تُعِدُّ طريقه عمليّاً في مُحِيْطك؟
الصَّلاَة: أيُّها الرّبّ يَسُوْع، أنت ابن داود، الملك الإلهي. ليس فيك غشٌّ أو علَّةٌ. أنت المَحَبَّة المتجسِّدة؛ وفيك نجد القَدَاسَة، والعدالة، واللُّطف، والصَّبر، والنِّعمة. اقبلنا في رعويَّة مملكتك، وطهِّرْنا لنكون أهلاً لاتِّباعك، وافتح أعين أذهاننا لنراك دائماً محور الكون، رغم تواضعك، وأيقظ الملايين ليستقبلوك بهتاف وزغاريد، ويعملوا بفرح حسب دستور محبَّتك. آمين.
السُّؤَال: 17- لماذا لم يمنع الجنود الرُّومان يَسُوْع مِن دخول أُوْرُشَلِيْم؟
[[[[[[[
هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ
هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ
وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ
(زكريا 9: 9)
3- لَعْنُ التِّينة، وتطهيرُ الهَيْكَل
(مرقس 11: 11- 19)
11: 11 فَدَخَلَ يَسُوْع أُوْرُشَلِيْم وَالْهَيْكَل وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاِثْنَيْ عَشَرَ. 12 وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ. 13 فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. 14 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهَا لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَد. وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُونَ
15 وَجَاءُوا إِلَى أُوْرُشَلِيْم، وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوْع الْهَيْكَل ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَل وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ، 16 وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَجْتَازُ الْهَيْكَل بِمَتَاعٍ. 17 وَكَانَ يُعَلِّمُ قَائِلاً لَهُمْ أَلَيْسَ مَكْتُوبًا بَيْتِي بَيْتَ صَلاَةٍ يُدْعَى لِجَمِيعِ الأُمَمِ، وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ. 18 وَسَمِعَ الْكَتَبَةُ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ فَطَلَبُوا كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ لأَِنَّهُمْ خَافُوهُ إِذْ بُهِتَ الْجَمْعُ كُلُّهُ مِنْ تَعْلِيمِهِ. 19 وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ خَرَجَ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ
عندما دخل يَسُوْع العاصمة، لم يتوجَّه أوَّلاً إلى رؤساء الشَّعب، ولا إلى قادة الجيش المستعمِر، بل قصد مباشرةً مركزَ القدس، هَيْكَل الله الفريد، حيث شاهد جَمَاهِيْر المصلين الّذين كان جلّ اهتمامهم منصبّاً على شراء حيوانات الذبائح، وأدرك ببصيرته خلوَّ قلوبهم من التّوبة. سمع ضجيج التّجار الّذين لم يرعوا حرمة وقَدَاسَة بيت الله، وتفرَّس في عيون النّاس فقرأ فيها رجسهم، واسْتِكْبَارهم، وخبثهم؛ فغادر مدينة السَّلام الّتي أضحت مدينة البُغْضَة والقتل، وقلبه ممتلئٌ حزناً.
كما الأرزة الجميلة ترمز للبنان، كذلك شجرة التين، أو الزيتون ترمز لشعب العَهْد القَدِيْم. فعندما مرّ يَسُوْع بشجرة تين وجدها ممتلئة أوراقاً، ولكنّه لم يجد فيها ثمراً. صحيحٌ أنَّ الوقت كان آنَذَاكَ في شهر نيسان، ولم يكن أوان إثمار التينة. لكنّه كان وقت باكورة التين، ولم يكن في تلك التينة شيءٌ من الباكورة. فعاقب المَسِيْح تلك الشجرة، منتزعاً منها البركة، فلا تثمر بعد.
وهكذا نعلم أنَّ العَهْد القَدِيْم لا قوَّة له، لأنَّ الشَّرِيْعَة الموسويَّة لا تقدر أن تأتي بثمار مرضية عند الله. ونجد، فعلاً، في العَهْد القَدِيْم، كما في شجرة التين، أوراقاً كثيرة، وأسفاراً حافلة بالأحكام والفَرَائِض والصَّلَوَات والطُّقُوْس، ولكنها خاليةٌ مِن التّوبة الحقّة، والغفران الأبدي، وقوَّة المَحَبَّة. لم تكن أُوْرُشَلِيْم المدينة المُقَدَّسة حقّاً، لأنَّها لم تستقبل يَسُوْع كما يجب. فابتدأ فيها الخراب والدَّيْنُونَة تدريجيّاً.
ولمَّا عاد يَسُوْع، في اليوم التالي، إلى المدينة، وضع علامةً لبداية مَلَكُوْته. فلم يبشِّر ولم يَشْفِ، بل تقدَّم مرَّةً أُخرى إلى الهَيْكَل، وطرد التُّجَّار والصَّيارفة وكلَّ مَن كان ينتهك حرمة الهَيْكَل، ليبيِّن أنَّ إصلاح الأمَّة يبتدئ بإصلاح الدِّيْن، وليس بتنظيم الاقتصاد،
والإكثار من الأنظمة، وحثّ الجَمَاهِيْر على الحجّ، والثّورة، وتقَدِيْم الذبائح.
يريد المَسِيْح أن يطهِّر قلبك، ويغيِّر ذهنك، ويقدِّس جسدك. وهو لا يرضى أن يسكن فيك روحٌ شرِّيرٌ، أو بُغْضَة كامنةٌ، أو مَحَبَّة للمال، بل يريد أن يحلّ هو بنفسه فيك، ليصبح جسدك هَيْكَلاً لله ممتلئاً بروحه.
وكذلك أيضاً بالنسبة للكنيسة، لا يسمح المَسِيْح باجتماع أَرْوَاح غريبة، بل يريد انكسار الجميع أمام قداسته، وطاعة الشُّيوخ والشَّباب لدوافع إِنْجِيْله، مع صلوات مخلصة.. فيحلّ فيكم أفراداً وجماعاتٍ، لتصبحوا معاً الهَيْكَل الظاهر لله. إنَّ سلوككم الطاهر ومحبتكم المتبادلة هي البرهان على وجود الله فيكم.
الصَّلاَة: أيُّها الرّبّ يَسُوْع، نسجد لك لأنَّك أنت رئيس الكهنة الصحيح، والملك صاحب الجلال والسُّلطان، والمشترع المملوء حكمةً وحقّاً. ونعترف أمامك بأنَّ قلوبنا غير طاهرة، وأنّها ناقصة أمام مجدك، وأنّنا نفكر كثيراً، ونقرأ، ونكتب، ولكنّ أَعْمَالنا الصَّالِحة ضئيلة، وأنت تطلب منَّا جميع ثمار روحك القُدُّوس. اغفر لنا ذنوبنا كلها، وامسحنا بقوَّتك لنصبح مَسِيْحيِّين عاملين مرضاتك، فننشر محبّتك في أمَّتنا، ليرجع الكثيرون إليك، وتحلّ في منسحقي القلوب، ونكون معاً هَيْكَلاً مقدَّساً لحضورك معنا. آمين.
السُّؤَال:
18- لماذا طهَّر يَسُوْع الهَيْكَل؟
أَمَا تَعْلَمُونَ
أَنَّكُمْ هَيْكَل اللهِ
وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ
(1 كُورِنْثُوس 3: 16)
4- تأمُّلات في التِّينة الجافَّة
(مرقس 11: 20- 26)
11: 20 وَفِي الصَّبَاحِ إِذْ كَانُوا مُجْتَازِينَ رَأَوُا التِّينَةَ قَدْ يَبِسَتْ مِنَ الأُصُولِ. 21 فَتَذَكَّرَ بُطْرُس وَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدِي انْظُرْ. اَلتِّينَةُ الَّتِي لَعَنْتَهَا قَدْ يَبِسَتْ. 22 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ لِيَكُنْ لَكُمْ إِيْمَان بِاللهِ. 23 لأَِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ قَالَ لِهَذَا الْجَبَلِ انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ وَلاَ يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ يَكُونُ فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ. 24 لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ فَيَكُونَ لَكُمْ. 25 وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات زَلاَّتِكُمْ. 26 وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أَنْتُمْ لاَ يَغْفِرْ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات أَيْضًا زَلاَّتِكُمْ.
لعن يَسُوْع التِّينة، رمزاً للدَّينونة النَّازلة على شعب العَهْد القَدِيْم، فيبست الشَّجرة فوراً.
لقد أراد المَسِيْح خلاص تلاميذه، رغم أنَّهم جميعاً مِن الأمَّة الرافضة نفسها. فطلب منهم الإِيْمَان بالله وسط الدَّيْنُونَة المنصبَّة على شعبهم.
والإِيْمَان يعني أن نتعلّم المَحَبَّة مِن ابن الله، ونثق به. والصَّلاَة النابعة مِن هذه الثقة هي عملٌ مشتركٌ بين المؤمن والله، في قوة الرُّوْح القُدُس. وكلّ مِن يرتبط بروح الإِيْمَان في الله الآب لا يصلّي حسب أمنياته الخاصة، بل يشتاق إلى إتمام مشيئة الآب السَّمَاوِيّ، وينزل بصلواته البركة على بلدته وأمَّته. والله يستجيب صلوات المؤمنين، لأنّهم يريدون مغفرة خطايا جميع الناس، وحلَّهم مِن قيود الطمع والنّجاسة، حتّى يتغيّروا في شكلهم، ويقدِّموا أنفسهم ذبيحة حيَّة مرضيَّة عند الله.
لم ينقل المَسِيْح بنفسه جبلاً ما إلى البحر بواسطة إِيْمَانه، لكنّه أغرق سلاسل مِن جبال الخطايا في مُحِيْط محبَّته. ولم يفجِّر أحد الرُّسُل بركاناً ناريّاً، ليبرهن لسَامِعِيْه على جريان قوَّة الله فيه، بل نشر الرُّسُل السلام بين الأمم، وملأوا حوض البحر المتوسط بفرح الرُّوْح القُدُس. وهكذا حققوا مَحَبَّة الله وسط اليأس والدموع آنَذَاكَ.
لا يقدر إنسانٌ أن يصلّي ويؤمن كما يجب مِن تلقاء نفسه، إن لم يتَّحِد بمقاصد مَحَبَّة الله، لأنَّ القُدُّوس هو المحب الغافر المطهِّر المخلِّص، وهو لا يهلكنا لأنّه صبورٌ. وكلّ مَن يعيش مع الله، في عهده الجَدِيْد، يرى أنَّ محبته وغفرانه يتسربان إلى قلوبنا ويجدّداننا، ويمنحاننا فكراً جَدِيْداً وذهناً طاهراً. وفي هذا الرّوح نتنازل عن حقوقنا، ونسامح خصومنا، ونحبّ أعداءنا، لأنّ غفران الله أصبح مبدأنا وشعار حياتنا.
لم يجد المَسِيْح في شعبه استعداداً لقبول هذا الرّوح المحبّ المسامِح، فانفصلوا تلقائياً عن مَحَبَّة الله، ولم يريدوا التوبة، ولا الخُضُوْع للمخلِّص الآتي، ولم يستقبلوا الملك الصَّالِح بجَمَاهِيْر ورؤساء، ولم يعدُّوا له الطريق إلى قلوبهم، بل تجسَّسوا عليه، ليكتشفوا خطأ في سلوكه أو أقواله فيدينوه ويبيدوه.
إنَّ كلّ مَن ينفصل عمداً عن مَحَبَّة الله وغفرانه الدائم يتقسَّى في قلبه، ويبغض يَسُوْع، ويرفض المَصْلُوب، ولا يقبل سلامه. فويلٌ للمسكين الّذي لم يختبر نعمة الله، ولم يعرف جوهر المَسِيْح، فيظلّ الله القُدُّوس له قاضياً غاضباً، ومُهلكاً مخيفاً، ومنتقماً جبَّاراً، لأنَّ الإنسان المتقسِّي في عناده قد داس النّعمة في اسْتِكْبَاره. أمَّا نحن، فنعرف أبانا الحنون، ونحبه، لأنّه غفر آثامنا بالمَصْلُوب، وضمَّنا إلى شعبه الجَدِيْد.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، نشكرك ونحمدك لأنّك أظهرت نفسك، بواسطة موت المَسِيْح، وغفرت آثامنا، وجعلتنا أولاداً لك شرعيين وروحيين. فلا نرتجف مِن عظمتك، بل لنا دخولٌ إليك. فنأتي بحمد وتهلل، ونسبّحك بإرشاد الرُّوْح القُدُس. نلتمس منك أن تغيّر قلوبنا كلّياً كي نغفر لجميع النّاس ذنوبهم. نطلب إليك بخاصَّةٍ أن ترحم جميع المستعدّين للإِيْمَان في مُحِيْطنا، كي يدركوك، ويتغيَّروا إلى صورتك. آمين.
السُّؤَال: 19- كيف يظهر الإِيْمَان الحقّ؟
kkkkkkk
5- سؤال المجمع اليهودي ليَسُوْع عن سلطانه وحقِّه
(مرقس 11: 27- 33)
11: 27 وَجَاءُوا أَيْضًا إِلَى أُوْرُشَلِيْم، وَفِيمَا هُوَ يَمْشِي فِي الْهَيْكَل أَقْبَلَ إِلَيْهِ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ، 28 وَقَالُوا لَهُ بِأَيِّ سُلْطَانٍ تَفْعَلُ هَذَا وَمَنْ أَعْطَاكَ هَذَا السُّلْطَانَ حَتَّى تَفْعَلَ هَذَا. 29 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ وَأَنَا أَيْضاً أَسْأَلُكُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، أَجِيبُونِي فَأَقُولَ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هَذَا. 30 مَعْمُودِيَّة يُوْحَنَّا مِنَ السَّمَاء كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ. أَجِيبُونِي. 31 فَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ قَائِلِينَ إِنْ قُلْنَا مِنَ السَّمَاء يَقُولُ فَلِمَاذَا لَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ، 32 وَإِنْ قُلْنَا مِنَ النَّاسِ، فَخَافُوا الشَّعْبَ، لأَِنَّ يُوْحَنَّا كَانَ عِنْدَ الْجَمِيعِ أَنَّه بِالْحَقِيقَةِ نَبِيٌّ. 33 فَأَجَابُوا وَقَالُوا لِيَسُوْع لا نَعْلَمُ، فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ وَلاَ أَنَا أَقُولُ لَكُمْ بِأَيِّ سُلْطَانٍ أَفْعَلُ هَذَا
دهش رعاة الشعب واغتاظوا، لأنَّ أحد النازلين مِن هضبة الجَلِيْل، القرية الريفيّة، قد تدخَّل في أنظمة الهَيْكَل الشَّريف، وتصرَّف كمَن له سلطانٌ وشعورٌ بأهمِّيته. ولكنهم لم يثقوا بأنَّ مصدره مِن عند الله، فحاولوا إجباره على إعلان ذاته جهاراً، وإظهار روحه أمامهم بوضوح، إذ كانوا عمياناً في حقدهم، ولم يُدركوا المولود مِن روح الله، رغم حضوره في وسطهم. لقد أحسّوا بقدرته، ولكنّهم لم يعرفوا حقيقته.
فلا تتعجّب أيُّها الأخ، إن كان زعيمٌ متعصبٌ، أو متديّنٌ بسيطٌ لم يعرف المَسِيْح، لأنَّ زعماء العَهْد القَدِيْم أيضاً لم يستنتجوا مصدر سلطان المَسِيْح بعقولهم، إذ كانت قلوبهم غليظةً قاسيةً.
لم يُجبهم الرّبّ يَسُوْع عن سؤالهم، بل سألهم هو، في جلاله، سؤالاً بكَّت قلوبهم، ونخسهم، وألزمهم أن يجيبوه عن مصدر يُوْحَنَّا المَعْمَدَان، ومعنى معموديته. وكان زعماء اليهود أنفسهم قد رفضوا قبلاً المَعْمَدَان المنادي في البرِّية، فاستهزأوا بملابسه الحقيرة، وسخروا مِن المنادي بالتّوبة، ولم يفهموا أنه كان الوحيد الّذي يعدّ طريق الرّبّ الملك الآتي.
إنَّ التّوبة النصوح مقبولةٌ عند الرّبّ، والتغيير في الذهن ضروريٌّ لنيل الحَيَاة الأَبَدِيَّة… فهل تبقى مقيَّداً بالتقاليد البشريّة، والمَبَادِئ الدنيويّة، أم إنَّك حصلت على قلب جَدِيْد، بواسطة دموع الندامة على الخطايا، وعلى الإِيْمَان اليقين بالمخلِّص الأمين؟
إنَّ مجد يَسُوْع المَسِيْح لا يظهر لك إلاَّ إذا اقتربتَ مِن الصَّلِيْب، وقَبلْتَ نعمة الغفران، فتتطهَّر بدمه الكريم. وعِنْدَئِذٍ تصرخ: “شكراً.. شكراً.. يا رئيس الكهنة! أنت ربّي وإلهي. لقد صالحتني مع الله بدمك الثمين، واشتريتني مع كلّ المؤمنين خاصَّةً لأبيك السَّمَاوِيّ”. في هذه اللحظة تدرك مصدر سلطان المَسِيْح الّذي لا يظهر إلاَّ للمؤمن المخلّص.
الصَّلاَة: نشكرك أيُّها الرّبّ يَسُوْع لأنّك أنت ابن الله الّذي نقلتنا إلى حقوق بنوَّتك، نحن المجرمين العبيد في الخطايا. أنت رحمتنا، وتصبر علينا. قدِّسْنا لنعرفك أكثر فأكثر في محبتك، ونشهد لجميع الناس مَن أنت. إنّك إلهٌ حقٌّ مِن إله حقّ. نورٌ من نور. مولودٌ غير مخلوق. ذو جوهر واحد مع الآب. آمين.
السُّؤَال: 20- لماذا لم يعلن يَسُوْع لوفد رؤساء اليهود مصدر سلطانه؟
6– مثل الكَرَّامين غير الأمناء
(مرقس 12: 1- 12)
12: 1 وَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ بِأَمْثَالٍ إِنْسَانٌ غَرَسَ كَرْمًا وَأَحَاطَهُ بِسِيَاجٍ وَحَفَرَ حَوْضَ مَعْصَرَةٍ وَبَنَى بُرْجًا وَسَلَّمَهُ إِلَى كَرَّامِينَ وَسَافَرَ. 2 ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الكَرَّامين فِي الْوَقْتِ عَبْدًا لِيَأْخُذَ مِنَ الكَرَّامين مِنْ ثَمَرِ الْكَرْمِ. 3 فَأَخَذُوهُ وَجَلَدُوهُ وَأَرْسَلُوهُ فَارِغًا. 4 ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا عَبْدًا آخَرَ، فَرَجَمُوهُ وَشَجُّوهُ وَأَرْسَلُوهُ مُهَانًا. 5 ثُمَّ أَرْسَلَ أَيْضًا آخَرَ، فَقَتَلُوهُ. ثُمَّ آخَرِينَ كَثِيرِينَ فَجَلَدُوا مِنْهُمْ بَعْضًا وَقَتَلُوا بَعْضًا. 6 فَإِذْ كَانَ لَهُ أَيْضًا ابْنٌ وَاحِدٌ حَبِيبٌ إِلَيْهِ أَرْسَلَهُ أَيْضًا إِلَيْهِمْ أَخِيرًا قَائِلاً إِنَّهُمْ يَهَابُونَ ابْنِي. 7 وَلَكِنَّ أُولَئِكَ الكَرَّامين قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ هَذَا هُوَ الْوَارِثُ، هَلُمُّوا نَقْتُلْهُ فِيَكُونَ لَنَا الْمِيرَاثُ. 8 فَأَخَذُوهُ وَقَتَلُوهُ وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْكَرْمِ. 9 فَمَاذَا يَفْعَلُ صَاحِبُ الْكَرْمِ، يَأْتِي وَيُهْلِكُ الكَرَّامين وَيُعْطِي الْكَرْمَ إِلَى آخَرِينَ. 10 أَمَا قَرَأْتُمْ هَذَا الْمَكْتُوبَ، الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. 11 مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا. 12 فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَكِنَّهُمْ خَافُوا مِنَ الْجَمْعِ، لأَِنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ قَالَ الْمَثَلَ عَلَيْهِمْ، فَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا
غرس الله شعب العَهْد القَدِيْم ككرمة واسعة خصبة، وأحاطهم بسياج شريعته، ووضع نظام الذّبائح كمعصرة فيهم، وأقام الأنبياء أبراجاً وسط الأمَّة، وفوَّض الزُّعماء المدنيِّين والرُّوحيّين بالسلطة والمسؤوليَّة.
وأرسل الله عبيده الأنبياء المخلصين ليجمعوا لربِّهم الثِّمار الطَّيبة، التّوبة والحقّ والمَحَبَّة.
ولكنَّهم لم يجدوا إلاَّ البرَّ الذّاتي، والفضائح، والتّعجرف، والظّلم في الأمَّة المتمرِّدة العنيدة الّتي تضطهد مرسلي الله، وتطردهم، وتستهزئ بهم، وتقتل بعضهم.
ما أعظم صبر الله! فهو لم يهلك هذه الأمَّة، رغم قساوتها، بل واصل إرسال عبيده الأنقياء واحداً تلو الآخَر. إنّنا لا نجد بين البشر رجلاً يعامل عبيده بمثل هذا البال الطويل والاحتمال الإلهي. فالله صبورٌ ورحيمٌ. وقصده أن يربح طاعة البشر بالمَحَبَّة، دون اللجوء إلى الشِّدَّة.
كان لله، منذ الأزل، ابنٌ فريدٌ، أحبَّه لأنّه صورة ذاته، ورَسْمُ جوهره، إذ إنّه مولودٌ مِن الرُّوْح القُدُس، روح المَحَبَّة. وهو خلق المخلُوْقَات كلّها. الحاضر والمُسْتَقْبَل ملك يديه. ملائكة السَّمَاء تسجد أمام مجده وقداسته، والأبالسة ترتعد خوفاً مِن اسمه. أمَّا أهل العَهْد القَدِيْم فلم يهابوه، بل ازدروه واحتقروه ورفضوه وحقدوا عليه وقتلوه. وليس أهل عصرنا بأفضل منهم، فهم أيضاً قد أهملوه، ورموا اسمه جانباً. هل توجد في العالم عبارةٌ أقسى مِن أن يقال: “إنَّ البشر استعدُّوا لقتل ربّهم، وإبادة ابن الله خالقهم”؟! إنّ معنى هذه الحقيقة هو أنَّ اللهَ، في محبَّته اللاَّنِهَائِيّة لنا يصل معنا، نحن قساة القلوب، إلى آخر درجة مِن صبره، ويفضِّل أن يُضحِّي بأعزّ من عنده ليفدينا، راجياً أن نرجع إليه تائبين متغيِّرين في سبيل لطفه.
ولكنَّ الناس كرهوا خالقهم، وعصوه، وتشاوروا ليُهلِكوا ابنه ويقتلوه نهائيّاً. فهُم لم يُدركوا استحقاق الله فيهم، ولم يصلوا إلى غاية اختيارهم. فموت المَسِيْح يعني الفشل الذَّريع لأهل العَهْد القَدِيْم والأمم معهم، وفي الوقت نفسه إظهار أعلى درجة مِن مَحَبَّة الله الأمينة.
فما هو موقفك تجاه صبر الله ومحبّته؟ هل تقدِّم لمخلِّصك ثمار حياتك شكراً وحمداً لخلاصه، أم لا تزال عائشاً لنفسك، مهتمّاً بشهرتك، ومخطئاً بلامبالاة؟ لقد غرسك اللهُ في كَرمه عوضاً عن أمَّة العَهْد القَدِيْم. ولكنّه مثلما دان اليهود سيدينك أنت أيضاً إنْ لم تأتِ بثمرٍ كثيرٍ، وتَثبُت في محبَّته، وتعِش في طهارة حقِّه. فالقُدُّوس ينتظر منك حصاداً صالحاً، وقبل كلّ شيء أن تستقبل ابنه بوقار وفرح، ليبثَّ هو فيك فضائله.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوس، اغفر لي أنانيتي. لقد استحوذ عليّ الخجل والندم بسبب سطحيتي وإهمالي لحقيقتك العظمى. فإذا كنتُ قد عصَيْتُ لطفك، وتمرَّدْتُ على إرشادك، فلا ترفضني، بل قدِّسني، وغيِّر شعوري الباطني، لأعيش لك ولابنك دائماً في سبيل التَّضحية، شاكراً صبرك الفائق. هَب لي الحكمة والمواظبة كي أُقدِّم لك كلَّ ثمار روحك الصَّالِح، وأتهيَّأ لاستقبال حبيبك بفرح. آمين.
السُّؤَال:
21- كيف أوضح يَسُوْع مَحَبَّة الله بمثل الكَرَّامين الأشرار؟
اَلأَمِينُ فِي الْقَلِيلِ
أَمِينٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ
وَالظَّالِمُ فِي الْقَلِيلِ
ظَالِمٌ أَيْضًا فِي الْكَثِيرِ
(لُوْقَا 16: 10)
7- مسألة الدَّولة والضَّرائب
(مرقس 12: 13- 17)
12: 13 ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ قَوْمًا مِنَ الْفَرِّيْسِيّيْن وَالْهِيْرُودُسيِّينَ لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. 14 فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا لَهُ يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَلاَ تُبَالِي بَأَحَدٍ لأِنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وَجُوهِ النَّاسِ بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ. أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ. نُعْطِي أَمْ لاَ نُعْطِي. 15 فَعَلِمَ رِيَاءَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي. اِيتُونِي بِدِينَارٍ لأِنْظُرَهُ. 16 فَأَتَوْا بِهِ. فَقَالَ لَهُمْ لِمَنْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ، فَقَالُوا لَهُ لِقَيْصَرَ. 17 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ. فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ
اقترب أعداء المَسِيْح منه، متظاهرين بأنَّهم مِن تلاميذه، ليسألوه عن قضايا هامَّة. ولكنّهم فعلوا ذلك ليوقعوه في فخٍّ، ويُقيموا دعوى عليه، فيقبضوا عليه تّواً. وقد اتَّحد لهذه المهمَّة الخسيسة الطَّرفان المتناحران: الفَرِّيْسِيّوْن المتعصّبون دينياً، الرافضون دفع الضرائب للقوة المستعمرة، مِن جهة، وجنود الملك هِيْرُودُس عميل الرومان، مِن جهة أخرى.
والتاريخ شاهدٌ على المرَّات العديدة الّتي اتّحدت فيها أطراف الخصومة والعداء على مرّ الزمان في سبيل إبادة المؤمنين بالمَسِيْح وإطاحتهم. هؤلاء يتبعون معلّمهم إبليس خير الماكرين، الكذَّاب وأبا الكذَّاب الّذي يعلِّمهم الرياء والكذب، فيسألون أسئلة بلطف مُصطنَع، وتواضعٍ ظاهري، وهم يقصدون مِن سؤالهم إهلاك مَن سألوه. إنَّ الرياء أنجس الخطايا قاطبةً. فهل امتحنتَ نفسك؟ هل أنت صادقٌ ومستقيمٌ في كل أقوالك وأفعالك؟ أم أنّك تتظاهر بالمودّة لبعض الناس بينما قلبك مشحون بالبغض تجاههم؟
كان على أعداء المَسِيْح أن يعترفوا بأنّ المَسِيْح حرٌّ وصادقٌ، ولم يخشّ إنساناً قطّ، بل علّم في ارتباطه بالله سلوك طريق المَحَبَّة وسط أدغال الأنانية.
سألوا يَسُوْع في مسألة ماليَّة، فبالمال تنتهي المَحَبَّة في كثيرين، لأنَّ المال يتمتّع بنفوذٍ كبيرٍ في الدُّنيا، بينما لا قيمة له في الآخرة. فالمال وما له مِن نفوذ كبير في الدنيا جعل الكثيرين عبيداً له، وأضحى هو أصل كلّ الشرور وفي مقدمتها الشَّهْوَة والطمع والحسد، وأصبح محور النظريات والمذاهب الاقتصادية مِن اشتراكية ورأسمالية.. الخ. وصار إلهاً معبوداً يتهافت النّاس عليه ويقتتلون مِن أجله.
كان الفَرِّيْسِيّوْن يرون في الجزية المفروضة عليهم من القيصر خطيئة، فكانوا يدفعونها على مضض، لأنّهم كانوا يتَّكلون على ذبائحهم وأَعْمَالهم الحسنة. بينما كان جنود هِيْرُودُس يساندون جباية الضريبة مبدئيّاً، لأنّها كانت مصدر معيشتهم. فسأل الفَرِّيْسِيّوْن وجنود هِيْرُودُس معاً ابنَ الله الوديع: “هل يجوز أن ندفع الضريبة؟” ظانِّين أنَّهم سيوقعونه في الفخ بأيّ جوابٍ يتلفَّظ به.
عِنْدَئِذٍ أخذ يَسُوْع قطعة نقود، وأراهم صورة القيصر على أحد وجهيها، دلالةً على أنَّ هذه القطعة من النقود لم تأتِ من اليهود، بل صدرت مِن روما. وقال لهم: “أعطوا ما لقيصر لقيصر”. فلم يخالف بقوله هذا القانون الروماني، وفي الوقت نفسه لم يبث روح الثورة والعصيان في نفوس أتباعه. إنَّ الرُّسُل أيضاً دعوا للخُضُوْع للحكم القائم. فالمَسِيْحيون ليسوا خارجين على القانون، بل إنهم يُصلُّون لأجل الرؤساء المسؤولين أمام الله، عالمين أنّ السلطات معيَّنةٌ مِن الله بحسب استحقاقهم إياها.
وإلى جانب طاعة الرؤساء، وضع المَسِيْح طاعة الله العظيم، وإنّما بقدر ما هو أكبر وأعظم من الرؤساء والقياصرة، ينبغي أن نطيعه أكثر مِن سائر البشر. ويبقى أن نذكّر أخيراً أنّ القياصرة والرؤساء وملوك العالم وأموالهم وكلّ ذهب الدنيا وبلدان العالم تخصّ مَلِك المُلُوْك ورَبّ الأَرْبَاب الخالق العظيم، وهذه كلّها كنقطة ماء في يده.
المَسِيْح أحكم مِن كلّ حكماء الأرض، وهو في قوله الحكيم صادقٌ ومستقيمٌ. إنَّ محبَّته للذين شاءوا أن يصطادوه بكلامه ويهلكوه هي جزء مِن حكمته الّتي شاءت أن ترشدهم إلى التوبة والخُضُوْع لله تعالى.
أمَّا نحن، فيأمرنا المَسِيْح أن نخضع للسلطة الزمنية، وندفع لها ما يترتّب علينا مِن ضرائب. ولكنّه، فوق ذلك، يدعونا إلى الخُضُوْع لله، ووضع أموالنا ونفوسنا تحت تصرُّفه. فلا تتمسَّك بالدُّنيَوِيَّات، بل اتّكل على ربّك، مسلِّماً له أمور حياتك. فمَن يخدم ربه بأمانة يختبر أن القُدُّوس لا يتركه أبداً.
إنَّ تسليمنا إلى الله الحي هو الحدُّ الّذي ينتهي عنده حقّ الملك. وحيثما يكون الدين والدولة منفصلين بعضهما عن بعض، يقدر المَسِيْحي أن يخدم دولته بكلّ إخلاص وتفانٍ. لكن عليه أن يخدم الله أكثر من الناس، لأنَّ الله هو محور الكون وحافظه.
الصَّلاَة: أيُّها الإله القُدُّوس، أنت ضابط الكلّ، والقدير الرحيم. اغفر لنا محبّتنا للمال، واهتمامنا الزائد بالأمور الدنيوية، وحرِّرْنا تحريراً تامّاً من الرياء والطمع والحسد، كي نتّكل عليك وحدك، ونسلّم أمورنا كلّها لك. اهدِ الدُّوَل الكبرى وحُثَّها على ألاّ تكافح في سبيل الثروة ورأس المال والأبهة، بل أن تخدم الفقراء، وتسمح بحرّية الدين، لكي تتغير أفكار البشر فتتحوَّل مِن الأهداف المادية إلى الحياة الروحيّة، ومِن الطمع الأناني إلى خدمة المَحَبَّة. آمين.
السُّؤَال:
22- ما هي الحكمة في جواب المَسِيْح لمجرِّبيه؟
أَعْطُوا
مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ
وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ
(مَرْقُس 12: 17)
8- أسرارٌ مِن قِيَامَةِ الأَمْوَاتِ
(مرقس 12: 18- 27)
12: 18 وَجَاءَ إِلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الصَّدُّوقِيِّيْن الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَة وَسَأَلُوهُ قَائِلِينَ 19 يَا مُعَلِّمُ كَتَبَ لَنَا مُوسَى إِنْ مَاتَ لأَِحَدٍ أَخٌ وَتَرَكَ امْرَأَةً وَلَمْ يُخَلِّفْ أَوْلاَدًا أَنْ يَأْخُذَ أَخُوهُ امْرَأَتَهُ وَيُقِيمَ نَسْلاً لأَِخِيهِ. 20 فَكَانَ سَبْعَةُ إِخْوَةٍ. أَخَذَ الأَوَّلُ امْرَأَةً وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ نَسْلاً. 21 فَأَخَذَهَا الثَّانِي وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ هُوَ أَيْضًا نسْلاً، وَهَكَذَا الثَّالِثُ. 22 فَأَخَذَهَا السَّبْعَةُ وَلَمْ يَتْرُكُوا نَسْلاً. وَآخِرَ الْكُلِّ مَاتَتِ الْمَرأَةُ أَيْضًا. 23 فَفِي الْقِيَامَة مَتَى قَامُوا لِمَنْ مِنْهُمْ تَكُونُ زَوْجَةً، لأَِنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةً لِلسَّبْعَةِ. 24 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ أَلَيْسَ لِهَذَا تَضِلُّونَ إِذْ لاَ تَعْرِفُونَ الْكُتُبَ وَلا قُوَّةَ اللهِ، 25 لأَِنَّهُمْ مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَاتِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يُزَوَّجُونَ بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ. 26 وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الأَمْوَاتِ إِنَّهُمْ يَقُومُونَ أَفَمَا قَرَأْتُمْ فِي كِتَابِ مُوسَى فِي أَمْرِ الْعُلَّيْقَة كَيْفَ كَلَّمَهُ اللهُ قَائِلاً أَنَا إِلَهُ إبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ. 27 لَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ، فَأَنْتُمْ إِذًا تَضِلُّونَ كَثِيرًا
كان الصَدُّوْقِيُّوْن وأتباعهم علماء دين ودنيا، لا يحافظون على كلمة الله، ولا يؤمنون بالرّؤى، والأَرْوَاح، وقِيَامَة الأَمْوَات، الحياة في الدَّهر الآتي. كانوا منطقيِّين، لا يعتقدون إلاَّ بما يدركونه فقط، فأثبتوا كفرهم بالطرق الفلسفية، مدعومةً بمثل غير واقعيّ، وهو مثل المرأة الّتي تزوجت سبعة رجال على التوالي. فزوجةَ مَن تكون في السَّمَاء؟
تصدَّى المَسِيْح لأساس مرضهم في القلب، وفضح أوهامهم وكفرهم بكلمة الله الحكيمة، لأنّهم رغم ذكائهم، كانوا عمياناً عن حقيقة حياة الله الأبدية، ولم يختبروا شيئاً مِن قوَّة السَّمَاء. فالعلم لا يكشف لنا أسرار معرفة الله وقدرته، بل الإِيْمَان وحده يتلقَّى الوحي الصَّحيح.
أعطى يَسُوْع المنطقيين الكفَّار درساً في قِيَامَة الأَمْوَات، فقال: “ليس في السَّمَاء للناس لحمٌ ودمٌ، ولا يكون رجالٌ ونساءٌ، فهناك تنتهي شهوة الجسد. أمَّا المؤمنون بالمَسِيْح فيكونون مثل ملائكة الله في بهائهم ومجدهم وبراءتهم، لأنَّ روح الله الساكن فيهم هو الله نفسه، المستتر اليوم في تواضعهم، والمُعلَن غداً في المجد. إنّما كلّ مَن يصغي لأكاذيب الشَّيْطَان المضللة ويتبعه مبغضاً الآخرين ومستكبراً، فيكون مثل ملائكة الشَّيْطَان، مفعماً بالظلام والخوف والاضطراب، لأنَّ روح أبيه الكذّاب يسكن فيه (متى 25: 41).
وأثبت يَسُوْع لمجرِّبيه حقيقة ظهور الله لموسى في البرِّية، حيث أعلن القُدُّوس نفسَه كإله آباء الإِيْمَان. ما أعظم النعمة والأمانة اللّتين نجدهما في أسماء الله. إنّه يربط نفسه بالناس الضعفاء الخطاة الزمنيين، ويبرِّرهم، ويقطع معهم عهداً إِلَى الأَبَد. فلأجل إِيْمَانهم أحياهم، فقاموا إلى حياة الله. كم كانت فرحة إبراهيم عظيمة لمَّا رأى يوم المَسِيْح يَسُوْع ابن الله المولود في العالم مِن عذراء. وينتظر مِن الله الآن أيضاً أن يولد له مِن إسماعيل أبناء كثيرون بالرُّوْح القُدُس، ليشتركوا في حياة الله الأبدية الّتي تملأ كلّ مَن يؤمن بيَسُوْع (يُوْحَنَّا 3: 16 و 20: 31).
الصَّلاَة: أيّها الآب نشكرك لأنك تبنّيتنا وولدتنا ثانيةً في يَسُوْع المَسِيْح، وغرستَ في قلوبنا بروحك القُدُّوس الحَيَاة الأَبَدِيَّة. احفظنا في محبتك، وثبِّتنا في الإِيْمَان الحيّ، واجعل قلوبنا مطمئنَّةً ومتشوِّقةً للرَّجاء الأمين، واغلب فينا الشَّهْوَة والمكر والحسد، مع جميع الأحياء في المَسِيْح في الدنيا، لنشترك مع آباء الإِيْمَان في الآخرة، متَّحدين معهم في الحمد والتسبيح عند مجيئك القريب. آمين.
السُّؤَال: 23- كيف يعيش المؤمنون المرحومون في الآخرة؟
آيةٌ لِلْحِفْظ:
“مَتَى قَامُوا مِنَ الأَمْوَات لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ،
بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةٍ فِي السَّمَاء
“ (مَرْقُس 12: 25).
9- الوصيَّة الكبرى
(مرقس 12: 28- 34)
12: 28 فَجَاءَ وَاحِدٌ مِنَ الْكَتَبَةِ وَسَمِعَهُمْ يَتَحَاوَرُونَ فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ أَجَابَهُمْ حَسَنًا سَأَلَهُ أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ، 29 فَأَجَابَهُ يَسُوْع إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ، الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ، 30 وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى. 31 وَثَانِيَةٌ مِثْلُهَا هِيَ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. لَيْسَ وَصِيَّةٌ أُخْرَى أَعْظَمَ مِنْ هَاتَيْنِ. 32 فَقَالَ لَهُ الْكَاتِبُ جَيِّدًا يَا مُعَلِّمُ، بِالْحَقِّ قُلْتَ لأَِنَّهُ اللهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِواهُ، 33 وَمَحَبَّتُهُ مِنْ كُلِّ الْقَلْبِ وَمِنْ كُلِّ الْفَهْمِ وَمِنْ كُلِّ النَّفْسِ وَمِنْ كُلِّ الْقُدْرَةِ وَمَحَبَّة الْقَرِيبِ كَالنَّفْسِ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ. 34 فَلَمَّا رَآهُ يَسُوْع إِنَّهُ أَجَابَ بَعَقْلٍ قَالَ لَهُ لَسْتَ بَعِيدًا عَنْ مَلَكُوْت اللهِ. وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَسْأَلَهُ
أتعتقد بوجود الله؟ أحببه إذاً لأنّه خلقك، وأغدق عليك خيراً، وباركك بلا انقطاع. وهو خلَّصك، وأحياك، وقوَّاك، وسينقلك إلى مجده. فمن لا يحبّ الله هو مجرمٌ في حقّ الّذي أحبَّه.
أتعلم أنّ الله حاضرٌ معك، وهو ضابط الكلّ؟ إذاً أكرِم وجوده فيك، واسجد له، لأنّه خلق الكون مِن العدم، ويعرف جميع النّاس بأسمائهم، الأشرار والصَّالِحين، وأنت أيضاً.
والله القُدُّوس العظيم يحبك أنت الإنسان الشقي، لأنّه يحبّ الأشرار أيضاً، ولم يشأ أن يهلكهم لأجل خطاياهم، بل بذل مَسِيْحه تطهيراً للبشر، كيلا يهلك كلّ مَن يؤمن به، بل تحلّ فيه قوَّة الحَيَاة الأَبَدِيَّة.
هل شعرتَ بمقدار مَحَبَّة الله الفائقة؟ لقد بذل الآب القُدُّوس ابنه الوحيد، عوضاً عنّا نحن قساة القلوب العنيدين، لكي نرجع إليه، ونفتح قلوبنا لمحبته، فنتغيَّر مِن مبغِضين إلى محبِّين، ولا نكره البشر بعد، بل نحبّ الجميع مِن صميم قلوبنا.
ربّما تقول إن الله واحدٌ، فكيف تقولون إنَّ المَسِيْح هو ابن الله؟ فنجيبك بكل بيان: إنَّ المَحَبَّة تعني الوحدة والتّعدّد معاً. فالله هو واحدٌ كآب وابن وروح قدس، كما قال يَسُوْع: “الّذي رآني فقد رأى الآب. أنا والآب واحدٌ” (يُوْحَنَّا 14: 9؛ 10: 30).
وهكذا شهد المَسِيْح أمام ممثل الكتبة قائلاً: “الرّبّ إلهنا ربٌّ واحدٌ”. ولكنَّ الكاتب لم يكتفِ بهذا القول، بل استمرَّ مكمِّلاً وأجاب: وليس آخر سواه. لأنّه لم يعرف الله في حقيقته بعد، إنّما رأى فيه صنماً متصلِّباً. ولم يسمح له، بعقله المحدود، أن يكون له ابنٌ مِن روحه، واحدٌ معه مِن الأزل وإِلَى الأَبَد.
ولكن رغم اعتقاده الضَّيِّق، كان يشعر بحكمة المَسِيْح ولطفه… وانفتح له. فأثبت يَسُوْع له أنّه ليس بعيداً عن مَلَكُوْت الله.
هل تحبّ الله فعلاً؟ احفظ إذاً وصاياه، وكرِّس قلبك وأفكارك وقواك لربِّك. لا تطِعْ نفسك، ولا تستسلم إلى تطوُّرات العلوم الحديثة، ولا تعبد الكتب المضلِّلة، ولا تتحمَّس للأفلام التلفزيونية. الله وحده مستحقٌّ محبَّتك، فاخدمه مِن كلّ قلبك، باذلاً وقتك ومالك في سبيل خدمته.
هل تشعر بضعفك في محبتك لله؟ نحن ضعفاء أيضاً، ولكنّنا نشهد بقول بُوْلُس الرَّسُول: “إن مَحَبَّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالرُّوْح القُدُس المُعْطَى لنا” (رومية 5: 5). تساعدنا هذه القوَّة السَّمَاوِيّة على أن نحبّ الله والناس معاً، فلسنا نحن المحبّين، بل الله الحالّ فينا هو المُحبّ. والرُّوْح القُدُس لا يُريحك، إلاَّ إذا غفرت ذنوب جميع أعدائك، وتواضعت لتصالحهم. وعليك أن ترى مَحَبَّة الله الّتي غفرت لك عيوبك في الصَّلِيْب، وهذا يجعلك مستعدّاً للاعتراف لكلّ مَن أسأت إليه، وطلب غفرانه.
هل لاحظتَ، في المناقشة الّتي دارت بين المَسِيْح ومعلِّم الشَّرِيْعَة، أنَّ معلِّم الشَّرِيْعَة ارتكز على وَحْدَانِيَّة الله، بينما تكلّم يَسُوْع عن المَحَبَّة لله؟ لم ينكر يَسُوْع وَحْدَانِيَّة الله قط، بل أبرز مَحَبَّة القُدُّوس الّتي هي سرّ وحدته في الثَّالُوْث، لأنّ اللهَ مَحَبَّة، ومَن يَثبُت في المَحَبَّة يَثبُت في الله والله فيه.
الصَّلاَة: أيُّها الآب القُدُّوس، أنت المَحَبَّة. فاجعل نار محبّتك في فؤادنا ليعظم شكرنا في أمانتك. نسجد لك لأنّك أعلنت نفسك في ابنك. ثَبِّتْ روحك فينا كي نحبّك وجميعَ الناس، ونخدمهم في لطفك، ونشهد أمامهم بالسرّ العظيم، بأنك إلهٌ واحدٌ في ثالوثٍ أقدس، لتحلّ محبّتك فيهم أيضاً، فيعرفوك في محبّتك القُدُّوسة. آمين.
السُّؤَال:
24- كيف يتعلّق الإِيْمَان بوَحْدَانِيَّة الله بمحبَّتنا له ولجميع النّاس؟
تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ
مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ
(تثنية 6: 4)
10- هل يوجَد رَبَّان؟
(مرقس 12: 35- 37)
12: 35 ثُمَّ أَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَل كَيْفَ يَقُولُ الْكَتَبَةُ إِنَّ الْمَسِيْح ابْنُ دَاوُدَ. 36 لأَِنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوْح القُدُس قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ. 37 فَدَاوُدُ نَفْسُهُ يَدْعُوهُ رَبًّا، فَمِنْ أَيْنَ هُوَ ابْنُهُ. وَكَانَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ يَسْمَعُهُ بِسُرُورٍ
إنَّ يَسُوْع، مِن حيثُ كونه إنساناً حقّاً، مولودٌ مِن نسل الملك داود. وقد عرف أهل العَهْد القَدِيْم أنّ المَسِيْح الموعود سيأتي مِن نسل هذا الملك. ولم يكن داود بلا لومٍ، بل أخطأ خطايا فاحشة، لكنّه تاب أيضاً توبةً نصوحاً، فأصبح قدوة كل التائبين، إذ انسحق أمام الله، وآمن بغفرانه الشَّامل. فمنحه الرّبّ روح التسبيح، فمجَّد الله أكثر مِن كلّ الأنبياء في العَهْد القَدِيْم. ولا نزال، حتّى يومنا هذا، نرى في مَزَامِيْره وتسابيحه القوَّة الملهمة مِن الرُّوْح القُدُس، فننطق بكَلِمَاته، ونترنّم بها، ونصلّيها بفرح.
ووهب الله لداود أيضاً روح النُّبُوَّة، لأنّه قد انفتح لصوته الإلهي. فأعلن الرّبّ له أنَّ الابن الآتي مِن نسله لن يكون إنساناً فحسب، بل الرّبّ نفسه. وهذه النُّبُوَّة القَدِيْمة تفوق إدراك العقل البشري، لكن مَن ينتبه لروح الله يستنير ويُدرك هذا السرّ العظيم.
نعلم اليوم أنَّ المَسِيْح مولودٌ مِن الله قبل كلّ الدهور، وقد تجسَّد مِن مريم العذراء، أي من نسل داود. وألوهيَّته كانت الشرط والأساس لموته الكفَّاري، والدّافع لقيامته المجيدة مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، والقوَّة في صعوده إلى السَّمَاء.
وبعد صعوده إلى أبيه، تمَّ وعد الله في نبوءة داود القائلة: “قال الرّبّ لربّي اجلس عن يميني حتّى أضع أعداءك موطئاً لقدميك” (مَزْمُوْر 110: 1).
فالمَسِيْحية تعلم حقَّ العلم أنَّ يَسُوْع المَسِيْح حيٌّ، وجالسٌ عن يمين الله. وقد اعترف يَسُوْع قُبَيْل موته بوضوحٍ لا لبس فيه: “من الآن تُبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوَّة”.
قد تتساءل: إذاً يوجد رَبَّان!!
الجواب: كلاّ. لأنَّ الرّبَّ واحدٌ. ولكنه يظهر في شخصَين أو أقنومَين. فكلّ الّذين يقولون إنّه يوجد ربٌّ واحدٌ أحدٌ فريدٌ فقط، أو الّذين يتطرَّفون فيقولون إنّه يوجد إلهان، أو ثلاثة آلهة، يخدعون أنفسهم. الله واحدٌ في ثلاثة أشخاص، في وحدة كاملة. وقد اعترف يَسُوْع بهذا الحقّ. وكلّ مَن هو مِن الحقّ يَسمع صوته.
نجد اليوم في العالم فريقَين من الناس: الأوَّل يهتف ليَسُوْع كابن الله المخلِّص والفادي والرّب، لأنه أساس إِيْمَانهم، وهدف رجائهم. والثاني يرفض ألوهية يَسُوْع رفضاً قاطعاً، وينظر إليه كإنسان ونبي، صنع آيات عظيمة وتمتّع بمواهب فذّة. هؤلاء لم يعرفوا امتيازات المصالحة مع الله ولا تمتّعوا بها، لأنّهم لم يقبلوا إرسال ابنه كما هو ثابتٌ في الحقيقة التاريخية.
هل أنت صديق المَسِيْح، وأخوه في التَّبني، أم عدوّه الرافض لألوهيته؟ إنَّ الرُّوْح القُدُس يفرِّق بين الفريقَين، وملائكة الله ستضع كلَّ عاصٍ موطئاً لقدمَي حَمَل الله الوديع. فما هو مصيرك؟ هل ستملك معه إِلَى الأَبَد؟ هل أدركتَ الواقع؟ المَسِيْح يجلس عن يمين أبيه، ويملك معه في وحدة الرُّوْح القُدُس إِلَى الأَبَد. فليس مهمّاً ما يقوله الناس، والأحزاب، والمذاهب، لأنَّ ربَّنا حيٌّ، ومجيئه المجيد هو هدف تاريخ العالم. هل أنت مستعدٌّ لاستقباله؟
الصَّلاَة: أيُّها الرب يَسُوْع المَسِيْح، أهتف لك لأنّك ربّي وإلهي، وأومن بأنّك حيٌّ، وتملك مع الآب إِلَى الأَبَد، كما أنّك فديتني مع كل المؤمنين باسمك، واشتريتني مِن الذنوب القبيحة، وأحييتني مِن الموت، وحرَّرتني مِن سلطة الشَّيْطَان، ليس بفضّة وذهب، بل بدمك الثمين، وآلامك البريئة، لكي أعيش في مملكتك الأبدية خاصّة لك، وخاضعاً لمحبّتك، وأخدمك في برِّك وطهارتك وسعادتك، كما أنّك قمتَ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وتحيا، وتملك إِلَى الأَبَد. آمين.
السُّؤَال: 25- هل يوجد رَبَّان؟
آيةٌ لِلْحِفْظ:
“قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي, اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ” (مَزْمُوْر 110: 1).
11- التَّحذير مِن الكتبة، ومَدح الأرملة
(مرقس 12: 38- 44)
12: 38 وَقَالَ لَهُمْ فِي تَعْلِيمِهِ تَحَرَّزُوا مِنَ الْكَتَبَةِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ الْمَشْيَ بِالطَّيَالِسَةِ وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ، 39 وَالْمَجَالِسَ الأُولَى فِي الْمَجَامِعِ وَالْمُتَّكَآتِ الأُولَى فِي الْوَلاَئِمِ، 40 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ وَلِعِلَّةٍ يُطِيلُونَ الصَّلَوَات. هَؤُلاَءِ يَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ
41 وَجَلَسَ يَسُوْع تُجَاهَ الْخِزَانَةِ وَنَظَرَ كَيْفَ يُلْقِي الْجَمْعُ نُحَاسًا فِي الْخِزَانَةِ. وَكَانَ أَغْنِيَاءُ كَثِيرُونَ يُلْقُونَ كَثِيرًا. 42 فَجَاءَتْ أَرْمَلَةٌ فَقِيرَةٌ وَأَلْقَتْ فَلْسَيْنِ قِيمَتُهُمَا رُبْعٌ. 43 فَدَعَا تَلاَمِيذَهُ وَقَالَ لَهُمُ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ هَذِهِ الأَرْمَلَةَ الْفَقِيرَةَ قَدْ أَلْقَتْ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ أَلْقَوْا فِي الْخِزَانَةِ. 44 لأَِنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا، وَأَمَّا هَذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا كُلَّ مَعِيشَتِهَا
كثيرون مِن العلماء والكتَّاب يحبُّون أنفسهم، فيتباهون ويتظاهرون بالتَّوَاضُع، ويحبّون أن يدعوهم الناس لإلقاء المحاضرات. فيأتون بملابس جميلة، وعمائم ثمينة، وينتظرون أن يتراكض الجميع ليحيُّوهم ويقدّموا لهم أحسن الأمكنة، وأكثر المقاعد راحةً في الصفوف الأماميَّة. وإذا تكلّموا نطقوا بتأنٍّ وابتسامٍ، ينغضون رؤوسهم بالموافقة والإيجاب للأقوال السَّطْحِيَّة الّتي يتفوَّه بها الجالسون بقربهم. وفي الخفاء يعملون على قبض ثمن شهرتهم بالانقضاض على أموال البُسَطَاء واليتامى والأرامل. يحذِّرنا يَسُوْع مِن مختلف أنواع الرياء، والتّباهي، والكلام المعسول الّذي يُخفي سمّاً زعافاً، وتصنُّع الُوْقَار. كما يعلِّمنا بُوْلُس الرَّسُول أن نشتغل بأيدينا، ولا نعيش مِن فضلة الآخرين أو عطائهم. ليتك يا أخي تتصرَّف كإنسان عادي، تائباً أمام الله، وشاكراً نعمته، فتبقى قريباً مِن نفوس الآخرين.
راقب يَسُوْع الناس وهم يخفضون أيديهم لوضع تبرّعاتهم في صندوق بيت الله، فانتقد العطايا الكبيرة مِن الأغنياء، لأنّها صادرة مِن فيض ما عندهم، وكأنّهم يرغبون بأموالهم في شراء نعمة الله.
وجاءت امرأة فقيرةٌ معوزة، ولعلَّها كانت تعول أولادها، ومع ذلك فقد وضعت قليلاً من النقود في الصندوق. وكان هذا المبلغ الضئيل كلّ دخلها اليومي. وربّما اشتغلت لأجله في البيوت ونظَّفَت المنازل. ولكنّها شعرت في قلبها بدافع لإكرام الرّبّ بتقدمتها، فأعطته كلّ ما جَنَتْهُ مِن مال في ذلك اليوم. وسمَّى يَسُوْع هذه التَّقْدِمَة “الأعظم مِن الكل”. فكيف تضحِّي لله؟ هل تحبّ الله عمليّاً وفعليّاً؟ إنَّك بتضحيتك بمالك تبيِّن عملياً عمق علاقتك بالله بطريقة ملموسة.
أشاد يَسُوْع بعطية الأرملة المؤمنة، على بساطتها، لأنّها حرَّكَت قلبه.. الّذي يقدِّس العطاء المقرون بمظاهر الإِيْمَان والخشوع.
مِن أسرار مَلَكُوْت الله أنَّ المياتم، والمستشفيات، وخدمات الكنائس، واجتهادات الإرساليات، تقوم على التَّقْدِمَات المُتَوَاضِعة المستمرة مِن الفقراء المؤمنين. وهذه التَّقْدِمَات تُسِرُّ الله، وتُسبِّب بركات غزيرة، لأنَّ بركة التَّقْدِمَة أهمّ مِن قيمة المبلغ نفسه. فنقترح عليك أن تُضحِّي بمالك باستمرار وبانتظام قدر الإمكان، لا لمجرَّد التبرع انطلاقاً من عاطفة مخلصة، بل بمواظبة، لأنَّ التفكير في العطاء لا يكفي. اطلب مِن الرّبّ أن يريك الإنسان المحتاج، أو الخدمة الروحيّة الّتي تستحقّ أن تشترك فيها. وصلِّ لأجل غاية تبرعاتك، لأنّها جزء مِن عبادتك لله.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، اغفر لنا بُخلنا وطمعنا ولامبالاتنا بضيق الآخرين. غيِّر قلوبنا الجامدة، واجعل فيها روح التضحية، لنسلِّم لك أنفسنا مع أموالنا شكراً لخلاصك، وأرِنا الإنسان المحتاج لمساعدتنا الحكيمة، وأشركنا في الحملات التَّبْشِيْرية والخيرية المنسجمة مع مجيء مَلَكُوْتك، وأيقظ في كنائسنا روح العطاء عوضاً عن فكرة الأخذ، لكي يتقدٍَّس اسمك الأبوي أنت الّذي تقدِّم لنا نعمةً فوق نعمةٍ على الدَّوام. آمين.
السُّؤَال:
26- كيف فكَّر يَسُوْع بعطايا الناس؟
آيةٌ لِلْحِفْظ:
“لأَِنَّ الْجَمِيعَ مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا، وَأَمَّا هَذِهِ فَمِنْ إِعْوَازِهَا أَلْقَتْ كُلَّ مَا عِنْدَهَا كُلَّ مَعِيشَتِهَا” (مَرْقُس 12: 44).
أَكْرِمِ الرَّبَّ مِنْ مَالِكَ
وَمِنْ كُلِّ بَاكُورَاتِ غَلَّتِكَ
فَتَمْتَلِئَ خَزَائِنُكَ شَبَعاً
وَتَفِيضَ مَعَاصِرُكَ مِسْطَاراً
(أمثال 3: 9- 10)
”””’
الجزء السَّابع
خطاب يَسُوْع
على جبل الزَّيتون
حول مُسْتَقْبَل أُوْرُشَلِيْم
ونهاية العالم
(مرقس 13: 1- 37)
1- إعلان يَسُوْع عن خراب الهَيْكَل
(مرقس 13: 1- 4)
13: 1 وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنَ الْهَيْكَل قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ يَا مُعَلِّمُ انْظُرْ مَا هَذِهِ الْحِجَارَةُ وَهَذِهِ الأَبْنِيَةُ. 2 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُ أَتَنْظُرُ هَذِهِ الأَبْنِيَةَ الْعَظِيمَةَ. لاَ يُتْرَكُ حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ. 3 وَفِيمَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ تُجَاهَ الْهَيْكَل سَأَلَهُ بُطْرُس وَيَعْقُوبُ وَيُوْحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ عَلَى انْفِرَادٍ 4 قُلْ لَنَا مَتَى يَكُونُ هَذَا وَمَا هِيَ الْعَلاَمَةُ عِنْدَمَا يَتِمُّ جَمِيعُ هَذَا.
ذهب يَسُوْع ورسله إلى الهَيْكَل القدسي، بيت الله، رمز حضوره وسط شعبه، وضمان حرِّيته، واستمراريَّة الأمَّة. فقد كان الهَيْكَل محور الحضارة، ومكان المصالحة مع الله، وهدف الحج، وخلاصة البركات كلّها.
كانت الأبنية الفخمة المبنيَّة على الساحة الواسعة هي البناء الثالث للهَيْكَل. فقد بُني الهَيْكَل مرَّتين مِن قبل، ولكنَّ المبنيين السابقين دُمِّرا عبر التاريخ. فقام الملك هِيْرُودُس المتهوِّد، عميل السلطة الرومانية، بإنشاء الهَيْكَل لكسب رضى الأمَّة، ولكنّه لم يحصد محبّتها.
ووسط إنشاء هذا الهَيْكَل الجَدِيْد، جرت الطُّقُوْس والذبائح والترانيم، فأصبحت ساحة الهَيْكَل معرضاً تجارياً، إلى أن نظَّف يَسُوْع بعض أقسامه رمزاً لدينونة الله على الشعب، قائلاً: “بيتي بيت الصَّلاَة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”.
فبعدما أنهى يَسُوْع خدمته التعليمية كلّها، ورأى أنَّ شعب العَهْد القَدِيْم لم يرجع بجملته منسحقاً إلى الله، وأنَّ زعماء الشعب تشاوروا لقتل يَسُوْع، ترك الرّبّ مكان الهَيْكَل نهائياً. وبهذا الانسحاب تحقّقت نبوءة حزقيال، أنَّ مجد الرّبّ يترك بيته وينتقل إلى جبل الزيتون. وبهذه الحادثة انتهت حماية الأمة بحضور الله، بل أسلمهم إلى دينونة إلهية بانقضاض الأعداء عليهم.
لم يلاحظ تلاميذ يَسُوْع، عند ترك الرّبّ الهَيْكَل، بداية المرحلة الجَدِيْدة لحياة يَسُوْع، وفي تاريخ العَهْد القَدِيْم، إنّما كانوا مأخوذين ومتأثّرين بالأبنية الفخمة والزينات المذهبة، وشعروا بوقار واحترام أمام عظمة الله في هذا البيت المحترم.
وعندما سأل أحد التَّلاَمِيْذ يَسُوْع عن موقفه تجاه هذا المحور الساطع لأمَّتهم، حصل على جواب حاسم في خطاب عميق ألقاه المَسِيْح، اعتبره مَرْقُس مهماً جداً حتّى إنّه ذكره كمحاضرة يَسُوْع الوحيدة في إِنْجِيْله، بينما جمع البشيرون الآخرون أقوالاً عديدة ليَسُوْع المَسِيْح. فمَرْقُس شعر أنّ هذه الكَلِمَات هي أهم كَلِمَات الرّبّ الّتي يجب على كلّ مَسِيْحي أن يحفظها ويفهمها ويعيش بموجبها.
مَن يتعمّق في جواب يَسُوْع الموجز الأول، يظنّ أنّه يجد فيه كَلِمَات كثيرة لم يقلها، بل رافق جوابه بابتسامة مرَّة، وكأنما كاد يبكي بكاءً على أمّته المتمرّدة، وعلى تلاميذه المساكين، كأنّه يقول: “يا أخي الجاهل، ألا تزال تنظر إلى الحجارة الميتة، والأبنية القابلة للهدم، ولم تفهم إنّي أنا هَيْكَل الله، وأنّ ملء اللَّاهُوْت قد حلَّ في هَيْكَل جسدي؟ ليست الحجارة والأبنية مهمة. إنّي أنا هو محور الحضارة الجَدِيْدة”.
وبعد هذا قال بوضوح: “لن يبقى حجرٌ على حجر في هذا الهَيْكَل. كلُّه سيُهدم”. ووقعت هذه الجملة وقوع الصاعقة على التَّلاَمِيْذ، فسيطر عليهم فجأةً صمتٌ رهيب، وأدركوا تدريجياً أنَّ هدم هذا الهَيْكَل معناه النهاية. فالدَّيْنُونَة باتت وشيكةً. سقوط القدس، ونهاية العالم.. وابتدأوا يرتجفون في قلوبهم، وأخذ اطمئنانهم الزائف المبني على أفكار العَهْد القَدِيْم يزول تدريجياً.
وبعدما مشى يَسُوْع مع تلاميذه عبر وادي قدرون، صاعداً إلى جبل الزيتون، جلس هناك مقابل المدينة. ما أجمل المنظر! ساحة الهَيْكَل أمامه، والكلّ صامتٌ. فتجاسر أربعةٌ مِن رسله، وهم الحلقة الداخلية، أن يتقدّموا إليه. وتجرّأ أحدهم وسأله عن تفاصيل هذا السرّ العظيم للمُسْتَقْبَل: متى ستحلّ دينونة الله على أمَّتنا، الآن، أم فيما بعد؟ هل هي وشيكةٌ أم بعيدةٌ؟ هل ستحلّ في زمننا أم بعده؟ وما هي علامات هذا التغير الديني والسياسي والحربي المُزمَع؟ ولعلّهم تساءلوا أيضاً: ماذا نفعل لكي نهرب مِن دينونة الله؟ كيف نخلص مِن غضب العليّ؟
ليت كَلِمَات يَسُوْع تخلق فينا نحن أيضاً رعباً عميقاً، فنحوِّل أنظارنا عن المال والجاه والبطر والاتكال على العلم، ونلتفت إلى الله القُدُّوس بقلوب منكسرة، وأذهان مُتَوَاضِعة.
إنَّ القنابل النووية الموضوعة في مخازن الدول الكبرى كافية لحرق كرتنا الأرضية وتسميمها عدَّة مرَّات. فالنهاية أقرب مما نعلم. هل أنت مستعدٌّ للهرب مِن غضب الله؟ أم تتلفَّت كامرأة لوط إلى أماكن الشَّهْوَة الغارقة في نار الغضب، لتصبح مثلها صنماً ورمزاً لكل متردِّدٍ ومتخاذل وجبان، متذبذباً بين التوبة والحنين إلى نجاساتك الماضية؟
الصَّلاَة: أبانا السَّمَاوِيّ القُدُّوس، لقد أعلَنْتَ لنا نهاية العالم الوشيكة، وغضب الله المُعْلَن على فجور الناس وإثمهم. اغفر لنا اطمئناننا الجسدي وإهمالنا الإِيْمَان العامل بالمَحَبَّة والرَّجَاء الأكيد. امنحنا بصيرتك الإلهية للمُسْتَقْبَل، وأعطِ البشر فرصةً أخيرةً للرجوع إليك قبل فوات الأوان. آمين.
السُّؤَال:
27- ماذا يعني خطاب يَسُوْع حول خراب الهَيْكَل؟
☼☼☼☼☼☼☼☼☼
2- التَّحذير مِن المُضِلِّيْن
(مرقس 13: 5- 8)
13: 5 فَأَجَابَهُمْ يَسُوْع وَابْتَدَأَ يَقُولُ انْظُرُوا لاَ يُضِلُّكُمْ أََحَدٌ. 6 فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ إِنِّي أَنَا هُوَ، وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. 7 فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَبِأَخْبَارِ حُرُوبٍ فَلاَ تَرْتَاعُوا، لأَِنَّهَا لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. 8 لأَِنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَة عَلَى مَمْلَكَة وَتَكُونُ زَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَاضْطِرَابَاتٌ. هَذِهِ مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ.
لم يُجب يَسُوْع عن سؤال تلاميذه المضطربين مباشرةً، لأنّهم تجاوبوا مع إعلانه بطريقة بشرية، خوفاً على أنفسهم. أمَّا هو فأراد أن يحثّهم على اليقظة الروحيّة، كي لا يسقطوا هم أيضاً في دينونة الله.
فالأخطار الأساسيّة للمؤمنين ليست الحروب، ولا الآلام، ولا الأمراض، ولا الموت، بل موقفهم الذهني تجاه المذاهب المضلَّة في دنيانا. الدَّيْنُونَة هي نتيجة الارتداد عن الإله الحقيقي. ولذلك حذّر يَسُوْع تلاميذه مِن المضلِّين أوَّلاً، لأن الابتعاد عن الله يسبقه الصراع الروحي المزعزع، فقال: “انظروا، لا يضلكم أحدٌ”. لم يطلب يَسُوْع مِن تلاميذه مراقبة التطورات السياسية والحربية، بل خلق فيهم الوعي الداخلي، ليحذروا مِن التعاليم المضلة، المخرّبة للإِيْمَان الصحيح. فمن الأفكار الملحدة، أو الّتي تلوي الحقيقة وتحرفها، تأتي حياة بعيدة عن الله، مع تجاوزات للشريعة، وأخيراً الدَّيْنُونَة.
وكثيراً ما يستخدم عدوّ الخير، لإضلال الأتقياء، عباقرةً ومتكلّمين ذوي مواهب في
الخطابة والبلاغة، فيستخدم هؤلاء كَلِمَات يَسُوْع بمكر ودهاء، ويلبسون أسماءه كقناع، ليقدّموا أفكارهم الإلحادية في لباس التقوى والطَّهَارَة.
زعماء، ورعاة، ومرشدون، ومهديون.. لا عدّ لهم ولا حصر ظهروا على مرّ الزمان، ووعدوا النّاس بفراديس وجناتٍ إن فعلوا هذا وتركوا ذاك. وهم اليوم يستخدمون الأساليب الحديثة من علم النفس والتكنولوجيا المتطورة لتحقيق أهدافهم وتعليمنا أنَّ الإنسان صالحٌ في ذاته إلى الحد الّذي يمكّنه مِن تحقيق غاياته من تلقاء نفسه. إنهم يفترون ويكذبون عن قصد أو عن غير قصد، لأنّهم لا يعرفون قلب الإنسان. فنحن جميعنا أشرارٌ منذ حداثتنا، ولا نستطيع أن نعمل خيراً مِن تلقاء أنفسنا. جميع الناس ضالون وهالكون في غضب الله، ويحتاجون إلى المُصالح المَصْلُوب. لا بِرَّ أمام الله بدون الصَّلِيْب، ولا حلول للروح القدس في القلب بدون إِيْمَان بالمَصْلُوب، وكلّ مَن لا يلتصق بالرّبّ المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات يهلك، لأنّه يرفض الطريق الوحيد المؤدي إلى الله.
سيقوم في الأيام الأخيرة، بضيقاتها المتصاعدة، رجالٌ ونساءٌ يتمسَّكون بأكاذيب الأنبياء الكذبة والفلاسفة، وسيمزجون الأديان بعضها ببعض، ويُجْرُون شفاءات غريبة، ويعملون على إحلال السلام بين الشعوب، حتّى يجتذبوا الملايين إليهم.
انتبه! فالضّلالة العظمى تأتي بلباس التقوى. ليس أحدٌ مِن مصلحي الدنيا هؤلاء هو المَسِيْح. فالمَسِيْح قد وصف مجيئه الثاني بأوضح بيان. وهؤلاء كلّهم ليسوا سوى أنبياء كذبة ودجاجلة يثبّتون الناس في تقسِّيهم وعصيانهم على الله، كي ينفصلوا في النهاية عن عهدهم مع القُدُّوس.
الحرب هي نتيجة طبيعيّةٌ لحالة البشر المنغمسين في إلحادهم، وإهمالهم، وشرّهم، بعيداً عن إلههم الصَّالِح. وقد نهانا المَسِيْح عن الخوف من الحرب، لأنها أمر طبيعي. وكذلك تنشب الخلافات بين الأفراد والعائلات نتيجة الحسد والحقد والضغينة، فالإنسان ليس صالحاً في ذاته، بل هو طالحٌ وشريرٌ. قال يَسُوْع: “ينبغي أن تكون حروبٌ”. وهذه الكلمة الحاسمة تحكم معظم وأقوى المحاولات السياسية لإحلال السلام، لأنّ الضرورة لا تقضي أولاً بتغيير الظروف الخارجية، بل بتغيير القلوب تغييراً جذرياً قبل كلّ شيء آخر. فبدون انقلاب ذهني أمام الله لا سلام حقيقي. وبدون تبشير موت.
يقول المَسِيْح: “لا تخافوا مِن أخبار الحروب والخراب المُقبل، لأنّ الجنود السَّمَاوِيّة الّتي معكم تفوق في عددها وقوَّتها كلّ مَن يقاومكم أو يعمل ضدكم. الله نفسه هو ملجأُنا. كثيرٌ مِن القِدِّيْسِيْن اختبروا هذا الوعد حقيقةً. فلا تسقط شعرةٌ مِن رؤوسنا بدون معرفته. وحين يموت المَسِيْحي فإنّه يحيا، لأنَّ ظلّ الموت قد اضمحل بقِيَامَة يَسُوْع الّذي غلب الموت. وديننا هو دين الحياة، فإن قتَلَتْنا رصاصةٌ أو قنبلةٌ فإنّنا نموت مطمئنين لأننا محروسون ومحفوظون إِلَى الأَبَد.
إنّما الضيق والضّلال أعمق مما ندرك. فروح العصيان يمسك بالبشر. أمَّا الاضطراب الروحي، والُوْقَاحة، والتمرد، وعدم الاكتفاء، والبغض، والرغبة في إهلاك الآخرين، والسيطرة، واحتقار الجميع، فهذه لم تستحوذ على الأفراد وحدهم، بل على شعوب بأكملها، ودول عظمى، حتّى باتت الدول الكبرى تنجذب، رغم تطوّرها ومدنيتها، إلى الالتفاف على العالم لخنقه وإهلاكه. وفوق ذلك كلّه تتوالى الزلازل والهزّات الأرضيّة تحت أقدامنا وكأنّ الأرض لم تعُد تحتملنا أو تطيق وجودنا عليها، والحقول لا تأتي بالثّمار الكافية لهذا العدد الهائل مِن البشر، فالمجاعات تهدّد المزيد مِن دول العالم، والمعاناة تزداد، فبعد الأزمة البترولية، تأتي أزمة القمح، وتليهما أمَ الأزمات وأشدُّها مرارةً، ألا وهي أزمة المياه.
إنَّ رئيس هذا العالم يقود أتباعه لتخريب ما أبدعه الخالق ورأى أنه حسنٌ، وهو يحرّض جيوشه ويحشد قواته ضدّ إلهنا الرحيم.
أمَّا المَسِيْح فيقول: “لا تتعجّب! فالضلال، والحروب، والعصيان، هي أمرٌ طبيعيٌّ في عالمٍ شرِّير”. وهذه كلّها تعني نهاية العالم، بل هي علامات يوم الدَّيْنُونَة العظيم. فمجيء المَسِيْح هو الآتي بالنهاية و… البداية.
الصَّلاَة: أيُّها الرّبّ القدير، قلوبنا مرتعدة مِن الحروب، والآلام، والجوع، والموت، والكوارث المُقبلة علينا. اغفر لنا خوفنا، وقوِّ ثقتنا بك كي نتَّكل على قدرتك مطمئنين. أنت تريد إيقاظنا كي نرفض واعين كلّ تعليم مضِلّ حتى لا تأكلنا نار غضبك. فامنحنا روح التمييز والطّاعة المباشرة، لكي نعرف إرادتك ونتمِّمها بفرح، مع جميع المؤمنين في دنيانا. آمين.
السُّؤَال: 28- لماذا قال يَسُوْع: “لا بُدَّ أن تكون حروبٌ”؟
لَيْسَ سَلاَمٌ
قَالَ إِلَهِي
لِلأَشْرَارِ
(إِشَعْيَاء 57: 21)
3- أمر يَسُوْع بتبشير العالم رغم الاضطهاد
(مرقس 13: 9- 13)
13: 9 فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ، لأَِنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ وَتُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ. 10 وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيْل فِي جَمِيعِ الأُمَمِ. 11 فَمَتَى سَاقُوكُمْ لِيُسَلِّمُوكُمْ فَلاَ تَعْتَنُوا مِنْ قَبْلُ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ وَلاَ تَهْتَمُّوا، بَلْ مَهْمَا أُعْطِيتُمْ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَبِذَلِكَ تَكَلَّمُوا، لأَِنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلِ الرُّوْح القُدُس. 12 وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ. 13 وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي، وَلَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهَذَا يَخْلُصُ.
حوَّل يَسُوْع أنظار التَّلاَمِيْذ مِن خراب الهَيْكَل إلى ما هو أبعد منه، ليستعدُّوا لحلول الرُّوْح القُدُس في أنفسهم، فيصبحوا هم هَيْكَل الله وسط العالم المضطرب، ويعرفوا الآب والابن والرُّوْح القُدُس في وحدة كاملة، ويشهدوا بهذه الثّورة الروحيّة في سبيل المَحَبَّة، وبالتالي يرفضهم أولاد إبراهيم ككفَّار مجدِّفين.
لكنّهم لا يستطيعون أن ينكروا الحالة الجَدِيْدة الحالَّة في قلوبهم، إنْ هُم تيقَّنوا تيقُّناً أبديّاً، بواسطة إعلان الرُّوْح القُدُس فيهم، أنَّ الله هو ثلاثةٌ في واحد، وأنَّهم هم أولاده الأبرار. وحتَّى وإن ضُربوا أو تعرَّضوا لغَسل الدّماغ، فإنَّ شهادة المُعزِّي فيهم لا تنتهي، لأنّهم أصبحوا خليقةً جَدِيْدةً عثرةً للعالم الميت في خطاياه. نرى جليّاً في أيامنا هذه أنَّ سيطرة الطُّغاة، وإنْ دامت عشرات السنين، لا تقدر على إبادة الجوع إلى الله في قلوب البشر. وحيثما وُجد مُتَجَدِّدون تستمرُّ الحياة الرّوحية في نشاطات صامتة، بواسطة الصَّلاَة، ومَحَبَّة الأعداء.
لا يقدر أحدٌ أن يقلع، أو يُنهي حياة الله الموروثة في دنيانا. ونجد، كرمز لهذا الاختبار، إحدى الأعشاب على جبال لبنان، الّتي تمتدّ جذورها الغليظة إلى أعماق الأرض، فلا يستطيع أحدٌ أن يضع حدّاً لحياة هذه النبتة حتى ولو تمكّن مِن قطع جذعها أو اقتلاع بعض جذورها، فحياتها تستمرّ مجدّداً في باطن الأرض، وتنبت مرةً تلو المرّة. واسم هذه النبتة الغريبة كما يدعوها السكان بلغتهم الشعبية “الإِنْجِيْل”، لأنّهم اختبروا، عبر القرون، أنّ ما مِن قوَّةٍ، لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، تقدر أن تُنهي سلطان الإِنْجِيْل المُقَدَّس.
المَسِيْح هو الغالِب، وكلمته باقيةٌ، رغم الرفض والاضطهاد مِن فرد لآخَر ومِن بلدٍ لآخَر. ولا تأتي نهاية العالم قبل وصول الإِنْجِيْل إلى جميع بلدان العالم، وإتمام التَّبْشِيْر في جميع لغات العالم. وهذا السِّر هو مِن مقتضيات بِرِّ الله العادل. فإلى متى ستظلّ غافلاً قاصراً اهتمامك على نفسك وعائلتك؟ قم وأسرع إلى جارك، لأنَّ الإِنْجِيْل ضرورةٌ. فالجميع يحتاجون إلى الخبر السَّار بأنَّ ابن الله الّذي صُلب قد غلب الخطايا، وهزم الموت، وانتصر على حقد جَهَنَّم، وأظهرَ في اليوم الثالث حياة الله الأبديَّة.
تكلَّم، ولا تخجل، حتّى لا تنفصل عن موكب انتصار المَسِيْح. إنَّ مجد إلهنا الثَّالُوْث الواحد الأَقْدَس يُذاع ليلاً ونهاراً في محطات الإذاعة الروحية بلغّات مختلفة. ومَحَبَّة الله الآب في المَسِيْح يَسُوْع تَظهر علانيةً في الكتب والمجلات.. وفي الأَعْمَال الصَّالِحة، لكلّ مَن يريد أن يرى.
فالإِنْجِيْل يتقدَّم في طريقه، ويستطيع كلّ مَن ينشد الخلاص أن يحصل عليه. إنَّ تبشير العالم كلّه علامةٌ مِن علامات نهاية العالم.
عَلِمَ يَسُوْع أنَّ شهادة تلاميذه ستُنشئ ردَّ فعلٍ عند المتعصِّبين، وهو لم يتدخَّل لمنع عذاب بُوْلُس في سجنه، بل أكَّد له حضوره وحكمته وسلطانه الروحي.
وأمر يَسُوْع أتباعه ألاّ يهتموا بالدّفاع عن أنفسهم. ووعدهم بأنَّ الرُّوْح القُدُس سيُلهمهم الحكمة، حتَّى يستطيعوا، بحكمة الحيَّات وبساطة الحمام، أن ينطقوا بالحقّ في محبته. فشهود المَسِيْح الأمناء ممسوحون، ومُلهَمون، مثلهم مثل الأنبياء؛ فلا يتكلّمون بأفكارهم هم، بل يستخدمهم الرُّوْح القُدُس كمكبّرات صوت تذيع الحقّ جهاراً في أيّام الضيق.
وينتظر الرّبّ منهم الطاعة، ليتكلّموا بما يريد الروح أن يُعلن. وهذا الاستعداد يتطلّب سمعاً داخلياً لكلام الرّبّ في الإِنْجِيْل. فطوبى للإنسان الّذي حفظ الكثير من آيات الله غيباً، ومرّن قلبه على سماع صوت الرُّوْح القُدُس، لأنّه سيسمع تعزية ربِّه، حتى في أشد أوقات الضيق، وفي لحظة الموت.
هكذا يمكننا أن نسلك كسفراء المَسِيْح بين الصغار والكبار، بدون خجل أو استحياء؛ لأنَّ جهالة الله أعظم مِن حكمة هذه الدنيا (1 كُورِنْثُوس 1: 2).
ما أكثر ما يرفض الأقرباءُ المؤمنَ حديثاً بالمَسِيْح، ويبغضونه، ويسلّمونه إلى أيدي الحكّام الظَّلَمَة، غسلاً للعار الموهوم للعائلة أو العشيرة. وفي بعض الأحيان يظنّ الإخوة أو الآباء – في عماهم الرّوحي – أنّهم يخدمون الله، إذ يُعذِّبون مُتَجَدِّداً مِن أصل غير مَسِيْحي، أو يُميتونه.
لا يَعِدُنا اسم يَسُوْع بالسلام والسرور في القلب فقط، بل يجلب أيضاً على المؤمنين بُغْضَة وصليباً، وأحياناً موتاً؛ لأنَّ روح هذا العالم يكافح ضدَّ روح الله دون شفقة.
لكنّك لست وحدك في هذا الكفاح. فملايين المَسِيْحيين المخلصين يجتازون تجارب شبيهة بتجاربك. فتقوِّ في الرّبّ لتكافح في اليوم الشِّرِّيْر. لا تهرب من الصّراع الرّوحي، ولا تسعَ وراء الاسترخاء والخمول. فلا بدّ مِن التَّبْشِيْر. الرّبّ يأمرنا بالانطلاق، فلا تختبئ في الدفاع عن الإِيْمَان، بل قم وتقدّم إلى الهجوم اللطيف في إرشاد الروح.
المَحَبَّة الّتي وهبك الله لك أعظم مِن كلّ بُغْضَة. فلا تنكر مسحة الرُّوْح القُدُس الّتي منحك إياها يَسُوْع، لأنّها أقوى مِن أَرْوَاح الدنيا كلّها. هذه المَحَبَّة هي الغلبة الّتي تغلب العالم.. إِيْمَاننا. ومَن يثبت إلى المنتهى فهذا يخلص.
يقوِّي يَسُوْع جميع المتألّمين في سبيل اسمه، ويؤكِّد لهم وعده الأمين: “وها أنا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى 28: 20).
الصَّلاَة: يا ربّ، كثيراً ما نكون أنانيين في الحياة الروحيّة. لقد اشتريتنا بدمك الثمين، وأحييتنا بروحك القُدُّوس. لكنّنا نحن قلَّما نتكلّم مع الكفّار أو غير المؤمنين باسمك، فلا نعلن خلاصك بوضوح وحكمة. افتح قلوبنا، لتحلّ شفقتك فينا، فنندفع إلى أخينا الإنسان، ونجد كَلِمَات محبّتك الحكيمة الّتي تقدّم لهم الحَيَاة الأَبَدِيَّة بطريقة مقبولة. اغفر ذنوبنا وذنوب غيرنا، وافتح أعين الجميع ليروك ويتقدّموا إليك، واخلق فيهم الإرادة والقوة لقبولك. واحفظنا في أخطار شهادتنا، لأننا لا نتكلم بأسمائنا، بل نتمم وصاياك. ألهمنا الكَلِمَات المناسبة لجميع الناس الّذين نلتقيهم، وساعدنا أن ننطق بما تقوله أنت لنا، فنطيع إرشادك. خلِّص أيضاً والدينا وإخوتنا وأقرباءنا بخلاصك الأبدي الحنون. آمين.
السُّؤَال: 29- ما هي علاقة تبشير دنيانا بنهاية العالم؟
لِيَأتِ مَلَكُوْتكُ
(صلاة المسيح حسب متّى 6: 10)
4- علامات نهاية الكون
(مرقس 13: 14- 18)
13: 14 فَمَتَى نَظَرْتُمْ رِجْسَة الخَرَاب الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيّ قَائِمَةً حَيْثُ لاَ يَنْبَغِي، لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ. فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، 15 وَالَّذِي عَلَى السَّطْحِ فَلاَ يَنْزِلْ إِلَى الْبَيْتِ وَلاَ يَدْخُلْ لِيَأْخُذَ مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا، 16 وَالَّذِي فِي الْحَقْلِ فَلاَ يَرْجِعْ إِلَى الْوَرَاءِ لِيَأْخُذَ ثَوْبَهُ. 17 وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. 18 وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ.
بعدما حذَّر يَسُوْع تلاميذه مِن التّجارب بواسطة المضِلِّين، وأمرهم بتبشير العالم رغم الاضطهادات، أعطاهم دليلاً واضحاً، وبيَّن لهم سقوط أُوْرُشَلِيْم سنة 70 ميلاديَّة.
فَرِجْسَة الخَرَاب هي العلامة الّتي سمّاها يَسُوْع لكنيسته، وقد ذُكرت ثلاث مرات في نبوة دانيال، ولها تفاسير متنوِّعةٌ، ومنها:
أ: في سنة 168 ق.م. بنى الملك السُّوري “أنتيوخوس أبيفانوس” مذبحاً للإله الروماني “زيوس” وسط هَيْكَل أُوْرُشَلِيْم، ومنع الذبائح والتَّقْدِمَات اليوميّة ليهوه، إرضاءً للرومان. وهنا ظهر لأوّل مرّة الرجس الّذي سرعان ما لحقه الخراب العام (دانيال 9: 27 و 11: 31 و 12: 11).
ب: في سنة 40 م. أعطى القيصر “كاليغولا” أمراً بإقامة تمثال لنفسه للسجود أمامه في الهَيْكَل المُقَدَّس. ولكنّه مات قبل إقامة التمثال. ولا بدّ أنّ أعضاء الكنيسة آنَذَاكَ قد وقفوا مذهولين أمام هذه التطورات.
ج: عندما بدأت الجيوش الرومانية سنة 70 م. تحاصر أسوار أُوْرُشَلِيْم، ناضل الغُيُر في المدينة، وفي الهَيْكَل، في سبيل الحصول على سلطة القيادة للدفاع المشترك. وفي هذه الصراعات الدموية اختلط دم الكهنة القتلى بدم الذبائح في ساحة الهَيْكَل.
عِنْدَئِذٍ فهمت الكنيسة المَسِيْحية مِن الأصل اليهودي ما قصده يَسُوْع بقوله: “فحينئذٍ ليهرب الّذين في اليهودية إلى الجبال”. فهربوا إلى عبر الأردن، إلى المدينة “بلاّ”. ولم يشأ الرّبّ أن يُدخل كنيسته إلى الدَّيْنُونَة المنصبة على إسرائيل، فخلَّص أتباعه مِن الحصار الخانق.
كان حصار الرومان رهيباً. ففي ذلك الوقت كان مئات الألوف مِن الحجّاج قد وصلوا أُوْرُشَلِيْم في عيد الفصح، ولم يبقَ طعامٌ كافٍ في المدينة بسبب الحصار الطويل، فحدثت مجاعة فظيعة؛ حتّى إنَّ إحدى الأُمَّهَات أصيبت بالجنون وشَوَت طفلها. وسلَّم كثيرون أنفسهم لأيدي الرومان الّذين صلبوهم. فأحاطت غابةٌ مِن الصلبان مدينة القدس الّتي صلبت قبل ذلك بأربعين سنةً ابن الله البار على خَشَبَة العار.
أمَّا داخل المدينة، فقد التهب الغُيُر حماسةً، وشجَّعوا الجياع واليائسين قائلين لهم: “لا تخافوا، فالله يخلِّصنا، لأنَّ هَيْكَله ضمانٌ لحضوره معنا؛ فلا بدّ مِن أن ينصرنا، ولو بمعجزة”. فحرَّضوا الضعفاء على الدفاع عن أنفسهم مِن جَدِيْد.
وبعدما فتح “تيطس” القائد الروماني المدينة المحاصَرة، باع كثيرين مِن الرجال والنِّسَاء الباقين شيباً وشباباً في أسواق العالم. أمّا هَيْكَل الله فاحترق كمشعل غضب الله فوق المدينة المدمَّرة كلِّياً.
تدل “رِجْسَة الخَرَاب” أيضاً على نهاية أرضنا. لا يعلم أحدٌ مسبقاً معناها بدقَّةٍ. لكنّ الإِنْجِيْل يساعدنا بدلائل متنوّعة. فمثلاً إن حاول بعض رجال الدّين تغيير النص الأصلي لكلام الوحي، أو إن حاولوا تفسيره حسب أهوائهم في مسعى رسمي لتوحيد أديان العالم، فهذه هي رِجْسَة الخَرَاب.
أو إذا بُني هَيْكَل جَدِيْد لجميع الشعوب على ساحة الهَيْكَل القَدِيْم في القدس، رغم أنّ كنيسة يَسُوْع هي هَيْكَل روح الله في العالم اليوم وحدها.
أو إذا قُدِّمت في القدس ذبائح حيوانية بصلاة التّوبة وترانيم الحمد، رغم أنّ يَسُوْع المَصْلُوب كان ذبيحة الله الكاملة والأخيرة.
أو إن جاء مَسِيْح آخر، وجلس في هذا الهَيْكَل الجَدِيْد، وطلب العبادة لشخصه كإله، لأنه استطاع أن يُحلّ سلاماً عاّماً في العالم المتألِّم، فسيسجد له زعماء الكنائس والشعوب كافّةً، لأنّه سيظهر لهم كالمخلّص الوحيد, والشخصية الوحيدة الموثوق بها (2 تسالونيكي 2: 3- 12؛ رؤيا يُوْحَنَّا 13: 1- 9).
عِنْدَئِذٍ ينبغي أن نتيقّظ، ونميّز روحيّاً، و نطلب الإرشاد بصوت الله الواضح، ونطيع هذا الصوت إلى حيث يريد الرّبّ، حتَّى وإن عَنَى هذا هروب الكثيرين، وترك ممتلكاتهم، وأنظمتهم، ومجتمعهم. فلا تنسَ: أوَّلاً تأتي الرِّجسة، وبعدئذٍ الخراب.
وقد طلب يَسُوْع مِن المَسِيْحيين الّذين مِن أصل يهودي أن يُصلّوا كي لا يكون هربهم وقت الشتاء، حتّى لا يعوقهم البرد سواء كانوا كباراً أو صغاراً، حبالى أو رضّعاً، أو تُميتهم المشقَّات. فنرى أنَّ شفقة يَسُوْع على الضعفاء والصغار لا تنتهي، حتّى في الدَّيْنُونَة. هو الحارس لأتباعه، ويحرس كنيسته كحدقة عينه. يخطط حربها مسبقاً، ووسط الويلات يحتضن أولاده.
الصَّلاَة: أيّها الإله القُدُّوس، دينونتك عادلةٌ، ونحن جميعاً مستحقُّون العذاب والموت. نشكرك لأنّك أرسلت لنا المخلّص الوحيد يَسُوْع النَّاصِرِيّ، لأنَّ دمه يُطهِّرنا من كل خطيئة. أيقظنا كي لا ننام في اضطراب الدَّيْنُونَة الأخيرة، بل نعرف العلامات والدلائل المعطاة لنا. دعنا نسمع صوتك، وامنحنا القوة على تنفيذ مشيئتك بالطاعة التّامة والفوريَّة. آمين.
السُّؤَال: 30- ما هو معنى “رِجْسَة الخَرَاب”؟
5- الضّيق العظيم مُقبلٌ علينا
(مرقس 13: 19- 20)
13: 19 لأَِنَّهُ يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ ضِيقٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْخَلِيقَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ. 20 وَلَوْ لَمْ يُقَصِّرِ الرَّبُّ تِلْكَ الأَيَّامَ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلَكِنْ لأَِجْلِ الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ قَصَّرَ الأَيَّامَ.
هل سيتكّرر الضيق العظيم الّذي حدث في خراب أُوْرُشَلِيْم سنة 70، حتّى يصبح سقوط شعب العَهْد القَدِيْم ليس إلاَّ رمزاً لضيق أعظم آتٍ على جميع البشر؟ الجواب المرجَّح هو: نعم.
لأنه بقَدر ما تَفوق نِعَمُ العَهْد الجَدِيْد نِعَمَ العَهْد القَدِيْم، ستكون الدَّيْنُونَة الآتية على شعوب العالم أشدَّ رُعباً من تلك الّتي وقعت على شعب العَهْد القَدِيْم.
اقرأ رؤيا يُوْحَنَّا في روح الصَّلاَة، وقارنها بآيات أخرى من النُّبُوَّات المكتوبة عن المُسْتَقْبَل، فتدرك الخطوط العامة للدَّينونة القادمة، عندما يطفح كيل الخطيئة في العالم.
لكن في نهاية العالم لا تكون الرجاسات حوادث جزئية فردية، بل فجوراً مندلعاً في جميع آبار الشر، نابعاً عن عبقرية المجرم الّذي يستخدم أحدث الأجهزة الكهربائية والأشعة النووية لتخريب الأفراد والشعوب.
متى سيحلّ الضيق الكبير في نهاية الأيام؟ تدلنا الُوْقَائع التالية على ذلك، وقد يكون حدوثها متوالياً، أو مترافقاً، أو متشابكاً، أو تدريجياً:
- البشر جميعهم مستحقون الدَّيْنُونَة دون تمييزٍ أو استثناء، لأنَّ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله. وغضب الله معلَنٌ على كل فجور الناس، وخاصَّةً لأنّهم لم يَقبلوا المَسِيْح المتجسد المَصْلُوب الحي مخلّصاً لهم.
- يواجه المؤمنون بالله الواحد مقاومةً وضغطاً بغية حملهم على إنكار وجود الله، ولا سيّما في الدول الدكتاتورية، والمجتمعات الّتي تحكمها أحزاب إلحادية. وقد ظهر مثل هذا الاضطهاد في روسيا والصين وشمل المَسِيْحيين والمسلمين على حدٍّ سواء.
- لا بدَّ لجميع المَسِيْحيين الّذين ثبتوا في الله، رغم التجارب المتزايدة، والباقين على الأرض، مِن التعرّض للضيقات، وخاصةً المؤمنين من أصل غير مَسِيْحي. فالضيقات تصقل إِيْمَانهم كما تُصفِّي النار الذَّهَب.
- ينفصل اليهود المتمسّكون بعقيدتهم عن بقيّة الشعوب، فيعاندون البشر، ويرفضون المَسِيْح الحقّ على الدوام. فتصبح القدس كأس التضعضع لجميع الشعوب.
لم يتحدث الرب عن الدَّيْنُونَة فحسب، بل وضع ركائز معزّية لتقوية الرَّجَاء قائلاً: إنَّ لله القدرة على تقصير الوقت، كي لا يتحمّل مختاروه ما يفوق طاقتهم على احتماله. والرّبّ لن ينسى أعضاء جسده الرّوحي، فهو يتألّم لآلامهم، كما قال سابقاً لشاول: “لماذا تضطهدني أنا؟”، وكان يقصد بِ “أنا” المؤمنين الّذي كان شاول يعذّبهم.
فمَن هم المختارون؟
نقرأ في الرسالة إلى أهل أفسس (1: 4 و 2: 1) أنّ المختارين ليسوا – بحكم طبيعتهم – أفضل مِن باقي النّاس، ولكنّ الله اختارهم “في المَسِيْح”. فدم ابن الله طهَّرهم مِن كلّ خطيئة، ومحبَّته اللاَّنِهَائِيّة قادت هؤلاء الفاشلين إلى الثبات في حياة الله. فلا يبقى للإنسان فخرٌ إلاَّ بالصَّلِيْب. فيَسُوْع وحده خلَّص الخطاة، وهم لم يُعارضوا جاذبيَّة محبّته، بل قَبلوا بكلّ قلوبهم وبمحض اختيارهم المكتوبَ منذ تأسيس العالم.
ويُرينا بُطْرُس في رسالته الأولى (مرقس 2: 9- 10) أعماقاً أخرى، وأهدافاً ساميةً لاختيارنا في العَهْد الجَدِيْد.
الصَّلاَة: أيُّها الإله العظيم القُدُّوس، دينونتك عادلةٌ ولا ظلم فيها. ليس إنسانٌ، ولا شعبٌ بارٌّ أمامك. وحقوق البشر تتفتَّت في دينونتك. لاحقّ ولا رجاء لنا غير دم يَسُوْع المَسِيْح وبِرِّه. ساعدنا على ألاّ نفقد هذا الجوهر في الاضطهاد، واحفظنا مِن أن ننكرك تحت التعذيب، وساعدنا على أن نأتي بالكثيرين إلى خلاصك، فيتحقّق اختيارهم بتجَدِيْدهم. آمين.
السُّؤَال:
31- مَن الّذي يدخل إلى الضيق العظيم؟
///////
6- المَسِيْح الكذَّابُ
مُخلِّصٌ دجَّالٌ
(مرقس 13: 21-23)
13: 21 حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ هُوَذَا الْمَسِيْح هُنَا أَوْ هُوَذَا هُنَاكَ فَلاَ تُصَدِّقُوا. 22 لأَِنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ لِكَيْ يُضِلُّوا لَوْ أمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا. 23 فَانْظُرُوا أَنْتُمْ، هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ
سيقوم أدعياء السلام في أوقات الثورات والحروب واليأس، حاملين في اليد اليمنى غصن زيتون، وفي اليد اليسرى بندقيةً قاتلة. وسيُعلن البعض فردوس العمال والفلاحين، أو دار السلام.
وتكون تحت تصرّفهم طاقةٌ هائلةٌ من السلاح والثروة والنفط والقوّة النووية. فيتّصلون بأَرْوَاح الموتى، ويجترحون العجائب والمعجزات حتّى تتبعهم الجَمَاهِيْر إلى عصرٍ موهومٍ موعودٍ بالرفاهية والسلام الأبدي.
الكلُّ يكذب، والكل سيزول. فالقنابل الهيدروجينية القادرة على تدمير ثلاثة أرباع الكرة الأرضية جاهزة وموضوعة تحت تصرّف السلطات في الشرق والغرب. وقريباً سيقل منسوب مياه الشرب في أرضنا البائسة، وسيصبح أندر وأغلى مِن البترول، لأنَّ تلوَّث مياه الأنهر في تزايد مستمر نتيجة للفائض السكاني العالمي وتكاثر النسل.
أما كراهية الشعوب الفقيرة للأمم الغنية فتزداد، لأنّهم يعلمون ولا يفهمون أن بركة
الإِنْجِيْل قد حرّرت المؤمنين بالمَسِيْح مِن الخمول والكسل إلى الاجتهاد، ومن الأنانية إلى الخدمة، ومن اللامبالاة إلى الأمانة في تحمل المسؤولية. فالعالم كلّه يغرق في البُغْضَة والهلاك.
وقُبَيْل نهاية العالم، سيظهر المَسِيْح الكذاب ونبيُّه الخطيب المفوَّه مِن ذرّية إبراهيم على الأغلب، فيسحران البشر بتبجّحهما وسلطانهما العجيب، ويسيطران عليهم. وسوف يقدّمان للناس السلام بدلاً من الحروب الطاحنة، ثم الخبز والسعادة، وأخيراً يقومون بتوحيد أديان العالم كلها طالبين التسليم المُطْلَق للإنسان المتفوِّق.
لقد عرض الشَّيْطَان، سابقاً، على يَسُوْع ممالك الدنيا كلّها وكنوزها قائلاً له: “أعطيك هذه كلّها إن خررتَ وسجدتَ لي”.
انتبه خاصَّةً في الأيام الأخيرة، لأن بعض الزعماء مضِلُّون، والمسحاء كَذَبَة. سيأتي ابن الشَّيْطَان نفسه يرافقه النَّبِيّ المُلْهَم من الشَّيْطَان ليُظهِر الثَّالُوْث الأنجس، للقبض على البشر السطحيين الملحدين وإقامتهم في العصيان ضد الله ومَسِيْحه، ليحاربوا الأزلي.
لقد أصبحت إمكانية حكمه على جميع شعوب الأرض ممكنةً في هذه الأيام، من جهة التكنولوجيا المتقدِّمة. لأنَّ أوامره وتوجيهاته تصل بسرعة البرق، وفي جميع اللغات، عبر التلفزيون، حتّى آخر منزل على وجه الكرة الأرضية، وحتّى أبعد خيمة في الصحراء. فكلّ مَن يُعارِض روحه يُضطهَد ويُبَاد (2 تيموثاوس 2: 1- 12؛ رؤيا 13: 1- 15).
لكنَّ أيام الإنسان المتفوّق محدودةٌ. فغاية التاريخ البشري ليست مجيئه هو بل مجيء المَسِيْح في المجد. إنَّ حكمة الله تسمح للشر بأن يتكامل أوّلاً وينضج حتّى يأتي المَسِيْح الصَّالِح ويُظهر ملء محبّته، جاعلاً نفسه مقياس الدَّيْنُونَة الأخيرة (دانيال 7: 9- 14). وهذا النضال الرّوحي يشترك فيه كلّ إنسان. فنصبح إمّا أشراراً كاملين، أو صالحين كاملين. لا يقبل الرب ذئباً في ثوب حمل، بل يريد أن يغيّرنا إلى حملان الله القِدِّيْسِيْن، تابعين لابنه القائل: “طوبى للودعاء لأنّهم يرثون الأرض”. ويخالف هذا الفكر دعوة الثائرين والعصاة الّذين يريدون الحصول على حقوقهم بروح الدَّجال، والّذين يسقطون كلّهم لا محالة.
أمَّا حَمَل الله الوديع وأتباعه فثابتون باقون.
الصَّلاَة: يا ربَّنا الأزلي، حدِّد أبصارنا كي نميِّز روح المَسِيْح الكذّاب المتفوّق على الكلّ والمنكر لتجسُّدك. ساعدنا على ألاّ نختار الغنى والخمول والضمان الجسدي، بل أن نَقبل تواضعك واكتفاءك وروح الخدمة والوداعة بفرح. احفظنا مِن مكر المُضلِّين، لكي نغلب أبا الكذب بروحك الحقّ، ونكشفه باسمك. آمين.
السُّؤَال: 32- ما هي صفات المَسِيْح الكذاب؟ وما هي علامات ظهوره؟
7- المجيء الثاني للمَسِيْح هو هدفُ التَّاريخ
(مرقس 13: 24- 27)
13: 24 وَأَمَّا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ الضِّيقِ فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، 25 وَنُجُومُ السَّمَاء تَتَسَاقَطُ وَالْقُوَّاتُ الَّتِي فِي السَّمَاوَات تَتَزَعْزَعُ. 26 وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ 27 فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاء
يَسُوْعُ حيٌّ، وهو جالسٌ عن يمين الآب، منتظراً أن يكمل أتباعه التَّبْشِيْر بقوة روحه في
كل أنحاء العالم، غالبين بشهادة إِيْمَانهم وضيقات حياتهم تجارب الأيام الأخيرة.
المَسِيْح يشتاق إلى كنيسته أكثر بكثير مما يفكّر العريس بعروسه. فكل أفكاره وخططه وآماله تدور حولها. ومحبته إلهيّة وأزليّة لا تسقط أبداً.
على الأرض سيغتاظ المَسِيْح الكذاب، ظاناً أنه قد محا كنيسة المَسِيْح. وها هي ذي حيّةٌ. وإن مات المؤمنون فهم أحياء، لأنّنا إن عشنا أو متنا فنحن للرّبّ. وأبواب الجَحِيْم لن تقوى على كنيسة المَسِيْح.
يَظهر مِن النُّبُوَّات أنّ المَسِيْح الكذاب، في اسْتِكْبَاره، يحارب الله وابنه. وربّما يحاول، بقنبلة هائلة، أن يُزعزع نجوم السَّمَاء، وبسفينة فضائيَّة يبيد جيوش الأَرْوَاح. فلا يخرّب الأرض فقط، بل يملأ الفضاء أيضاً بقطع النجوم المتفجرّة والغبار الّذي يغطّي وجه الشمس كخيال مخيف.
عِنْدَئِذٍ يهجم البرد والصقيع والظلام والعواصف والجوع واليأس على كرتنا الأرضية المخرَّبة، فتترنح الأرض كالسكران. وحتّى النجوم تظهر وكأنها تسبح ومِن ثمّ تسقط.
لقد أعطى الله البشر غير المستعدين للخُضُوْع له أن يدمِّروا أنفسهم بأنفسهم. فالإنسان يخلق عذابه ودينونته مِن تلقاء نفسه.
وعند اشتداد الضيقة الأخيرة، وبلوغ الشر ذروته، يقترب المَسِيْح مِن الأرض، وتراه كلّ عين. وكما ارتفع قبلاً مِن الأرض صاعداً إلى أبيه، غالباً جاذبية الأرض وثقلها، هكذا سيرجع علانيةً وتراه كلّ عين في مشارق الأرض وفي مغاربها، مشرقاً أكثر مِن الشمس بنوره وبهائه ومجده، فيضيء حتّى القسم المظلم مِن الأرض الّذي يخيّم عليه الليل، فيصبح الليل نهاراً.
إنَّ مجيئه يزعزع الكون. الخالق آتٍ ليدين العالم.. فقد دقَّت ساعة الدَّيْنُونَة الرهيبة، وعلى كلّ إنسان أن يقدّم حساباً. الشَّيَاطِيْن ترتجف مِن هذه الساعة الّتي تُسمَّى “القارعة”. ويفزع الأحياء الباقون حتّى إنّهم يتمنّون أن تسقط الجبال عليهم، أو أن يدخلوا جوف الأرض ليهربوا من وجه الله الآتي.
يأتي يَسُوْع بسلطان عظيم ومجد بهي. وقد دُفِعَ إليهِ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاء وعَلَى الأَرْضِ. وجمهور الجند السَّمَاوِيّ يرافقونه، لأنَّ بمجيئه تدخل الأبدية اضطراباً زمنياً على أرضنا. وأشعة مجد ابن الله ستدين كلّ مَن لم يطهّر بدم المَسِيْح. أمّا أسماء أشعة مجده فهي: الحقّ، والقَدَاسَة، والمَحَبَّة، والعفّة، والوداعة، والإِيْمَان، والتَّوَاضُع، والرحمة، والصبر.
إنّ يَسُوْع بنفسه هو مقياس دينونتنا. ومحبّته هي دستور السَّمَاء. فليس أحد بارّاً أمامه، إلاَّ المُتبرِّرِيْن بدمه، والأحياء بروحه.
لا يأتي المَسِيْح، بالدّرجة الأولى، كديَّان، بل كابن الإنسان، ورئيس الكهنة المُجرَّب مثلنا، الممتلئ شفقةً على ضعفاتنا. إنّه ابن الإنسان وعلامات الصَّلِيْب في يديه ورجليه.
ويخلق منظره في الكنيسة تعزيةً وسلاماً وابتهاجاً وشكراً.
إنَّه يعرف كلَّ مؤمن باسمه، لأنّه أوحى بروحه: “لا تخف. لأنّي فديتك. دعوتك باسمك. أنت لي”. فيرسل ملائكته، ربوات مِن الملائكة، ليجمعوا المدعوين بأسمائهم. فالفرز العظيم سيَظهر في مجيء المَسِيْح. المُتَجَدِّدون أحياء، ولم يقدر الموت أن يُميتهم، وقوّة حقّ أشعّة مجد الله لم تُبِدْهُم، وثمار الرُّوْح القُدُس تظهر فيهم، فيأتون إلى الرّبّ الّذي يجذبهم إليه.
اقرأ إِنْجِيْل متى (25: 31- 42) فتعرف تفاصيل ما سيحدث عند مجيء المَسِيْح، وامتحن نفسك في ضوء هذه الآيات. أين أنت أيُّها الإنسان؟ كيف حالتك؟ هل أنت هالكٌ في عصيانك، أم مدعوٌّ إلى عَشَاء حَمَل الله العظيم؟
ما أعظم الفرح! لأنَّ الملائكة تجمع أولاد الله ليس مِن أطراف الأرض فحسب، بل من جميع أنحاء السَّمَاوَات أيضاً. ومن بينهم الأَمْوَات في الرّبّ، لأنّهم يحيَون ليَسُوْع. عِنْدَئِذٍ سنرى بُوْلُس، وبُطْرُس، ويُوْحَنَّا، والبشير مَرْقُس. عِنْدَئِذٍ سنتعجب ونتساءل مَن الّذي أتى إلى الرب، ومَن الّذي لم يأتِ. ليس الكبار والأغنياء والأذكياء والمشاهير هم المختارون،لا بل إنّ تطويبات الرّبّ ستظهر كلمةً كلمةً. طوبى للمساكين بالرّوح، لأنّ لهم مَلَكُوْت السَّمَاوَات.
الصَّلاَة: تعال إلينا أيُّها الرّبّ يَسُوْع. نريد أن نراك، لأنك مُتَّ لأجلنا، وقُمتَ لتبريرنا. علِّمنا الشكر والمَحَبَّة والحمد كي نستحقّ لقاءك، وساعدنا في الأيام الأخيرة على ألاّ نفقد الرَّجَاء بمجيئك، إذ تتضعضع الأرض، ويندر الوقود والماء، وتفقد الشمس حرارتها. أنت نور حياتنا. قدِّسْنا إلى التّمام كي نصبح خدّاماً للجميع، كما بذلتَ نفسكَ في سبيل خدمة الخطاة. نشكر لك حضورك معنا في قوّة الرُّوْح القُدُس. تعال أيُّها الرّبّ يَسُوْع ظاهراً للعيان، وكمِّل كنيستك، وأرشدنا إلى شهادة قويَّة ليقوم الأَمْوَات في الخطايا لينالوا حياتك الأبدية، ويستعدّوا للقائك. آمين.
السُّؤَال: 33- ما هي العلامات الأخيرة لمجيء المَسِيْح؟
8- لا يبيد اللهُ البشرَ رغمَ دينوناتِه
(مرقس 13: 28- 30)
13: 28 فَمِنْ شَجَرَةِ التِّينِ تَعَلَّمُوا الْمَثَلَ. مَتَى صَارَ غُصْنُهَا رَخْصًا وَأَخْرَجَتْ أَوْرَاقًا تَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّيْفَ قَرِيبٌ. 29 هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا مَتَى رَأَيْتُمْ هَذِهِ الأَشْيَاءَ صَائِرَةً فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ. 30 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ.
هل تترقَّب مجيء يَسُوْع المَسِيْح ثانيةً؟ عِنْدَئِذٍ تكون قد لفَتَّ نظرك مِن الدُّنيَوِيَّات إلى الرّبّ الّذي هو روح.
لم يُعْطِ يَسُوْع تلاميذه جدول مواعيد محددة لتدرُّج الأحداث الزمنية الأخيرة ومجيئه، بل حثُّهم على اليقظة الروحيّة. فلنمتحن العلامات في تطورات التاريخ، لندرك بواسطتها إلى أين وصلنا، وكيف اقتربت النهاية؟
مِن علامات الأيام الأخيرة شجرة التين، الّتي هي رمزٌ لشعب العَهْد القَدِيْم. وقد تكلَّم يَسُوْع عنها عدَّة مرَّات، لأنَّ اسمه يَسُوْع “الّذي يخلِّص شعبه مِن خطاياهم”. ولكنهم لم يسمحوا للرّبّ أن يخلّصهم كأمَّة، بل صلبوا مخلّصهم، مع أنّه رئيس الكهنة الصحيح. فصلّى لأجلهم، وهو موضوعٌ على المذبح الإلهي قائلاً: “يا أبتاه اغفر لهم لأنّهم لا يعلمون ماذا يفعلون”.
نظرت عين يَسُوْع الروحيّة إلى دلائل تُظهر خلاص اليهود القساة القلوب. ونقرأ في العَهْد الجَدِيْد أنّه بعد تبشير العالم، ودخول ملء الأمم إلى مَمْلَكَة قوة المَسِيْح، سيفتح الرّبّ مرّة أخرى الفرصة لتوبة شعب العَهْد القَدِيْم في اللحظة الأخيرة. عِنْدَئِذٍ تنبت شجرة التين الميتة، الواقفة كالشبح عبر تاريخ العالم حاملةً أوراق حياة النعمة الدَّالَّة على ثمار آتية، والّتي تدلُّ أيضاً على الصيف الحار القريب الّذي يحمل أتون الويلات الأخيرة.
وقال يَسُوْع مؤكِّداً: “إن رأيتم هذا، فأدركوا أنّ مجيئي قريبٌ. ها أنا واقفٌ على باب الكون وأقرع.” يقتضي هذا الإدراك منّا رغبةً في معرفة التطورات الروحية، واستعداداً للغفران يشمل جميع الشعوب، كي يجدنا الرّبّ الآتي متَّحِدين في المَحَبَّة والطَّهَارَة والحق.
وقال يَسُوْع إنّ هذا الجيل لا يزول حتّى يتمّ كلّ ما قال. وهناك تفاسير مختلفة لعبارة “هذا الجيل”:
- قد تعني أنّ بعض المُحِيْطين به يعيشون حتّى خراب أُوْرُشَلِيْم الّذي وقع سنة 70 م. علماً أنّ المَسِيْح قال هذا الكلام سنة 33 م.
- قد تعني عبارة “هذا الجيل” جميع البشر. فنتعزّى تعزية كبيرة، لأنّ البشرية لا تقدر أن تبيد نفسها بنفسها، رغم كلّ القنابل النووية، والحروب العالمية، واضطهادات المؤمنين. فيبقى البعض ليروا يوم الرّبّ الأكيد المزمع أن يأتي.
- قد تعني هذه العبارة شعب العَهْد القَدِيْم. فيعني هذا أنّ الرّبّ أعطى النّعمة وسط الدَّيْنُوْنَات على المتمرّدين، وهو يمنحهم مكاناً للتوبة وبقاءً في الموت.
قد تدلُّ المعاني الثلاثة مجتمعةً في هذه العبارة على نعمة تحقّق المواعيد لبقاء المختارين، رغم ازدياد الدَّيْنُوْنَات المُبيدة. فكلّ مَن يتمسَّك بهذه النّعمة المعطاة لنا يسجد لربّه شاكراً.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الإله القُدُّوس لأنّ محبّتك تظهر أعظم من غضبك، ونعمتك تفوق قداستك. أنت متَّجهٌ إلينا نحن الخطاة، وتصبر علينا لأجل ذبيحة ابنك الوحيد الذاتية. امنح أبناء إبراهيم في الأيام الأخيرة نعمة التّوبة المغيِّرة، والتَّجَدِيْد الرّوحي، كي لا يستكبروا متّكلين على أسلحة فتَّاكة، وأكوام مالية، وسلطة دنيوية، بل يصبحوا ودعاء ومُتَوَاضِعي القلب، كما أنت وديعٌ ومُتَوَاضِع القلب. غيِّرْني إلى صورتك. آمين.
السُّؤَال:
34- ماذا تعني العبارة: “ولا يمضي هذا الجيل حتّى يكون هذا كلُّه”؟
السَّمَاء وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ
وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ
(مَرْقُس 13: 31)
sssssss
9- النُّبُوَّة بزوال الكون نهائيّاً
(مرقس 13: 31- 33)
13: 31 السَّمَاء وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ. 32 وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاء وَلاَ الاِبْنُ إِلاَّ الآبُ. 33 اُنْظُرُوا، اِسْهَرُوا وَصَلُّوا لأَِنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ.
المَسِيْح يأتي, وطوبى لمن ينتظره ويعدّ نفسه لهذا اللقاء العظيم. إنَّ وصول ابن الله يعني نعمةً ودينونةً في آنٍ واحدٍ. وكلاهما أعظم مما تدركه عقولنا. فالنِّعمة تَنقلُنا إلى شركة مع الله. والدَّيْنُونَة تبيد السَّمَاوَات والأرض لأجل عصيانها.
يفسِّر المَسِيْح ما قاله إِشَعْيَاء النَّبِيّ الّذي جاء قبله بسبعمائة سنة: “ليس الأرض فحسب، بل السَّمَاوَات أيضاً تزول” (إِشَعْيَاء 34: 4؛51: 6؛2 بُطْرُس3: 10؛رؤيا 6: 12- 17).
يصيب الذهول كلّ مَن يقرأ هذه الإثباتات ويدركها. فالأرض تمحى مِن تحت أقدامنا، والهواء الّذي نستنشقه يحترق. ولكن يا للرُّعب! إنّ أرضنا الصغيرة لا تزول وحدها، بل تزول أيضاً الشموس والكواكب. لأنّ خطيئة البشر جزءٌ ضئيلٌ مِن سقوطٍ أوسع عن الله الوحيد. ليس الشَّيْطَان خرافةً، بل هو رئيس هذا العالم الّذي يجذب أبناء المعصية إلى فكره. فقصاصه وقصاصهم النّار الملتهبة الّتي قال يَسُوْع عنها: “اذهبوا عنّي يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدَّة لإبليس وملائكته (متى 25: 41).
هل تَعلم أنّ نهاية العالم معروفةٌ ومذكورةٌ في أديانٍ مختلفة، لأنّ الأَرْوَاح النجسة تعرف هذا الحدث المزمع أن يأتي؟ إنَّ التركيز في إِيْمَاننا يدور حول مَحَبَّة الله الخالدة، وليس على يوم الدِّين، فمَحَبَّة الله هي رجاؤنا، وكلمته اللطيفة هي البزرة والسبب والقوة لتجَدِيْد المؤمنين باسمه. فعلى كَلِمَات يَسُوْع تتوقّف قوّتنا ومُسْتَقْبَلنا. فالرب يحرس كلمته كيلا يزوّرها ويغيِّرها أحدٌ. فكيف يقول البعض إنّ التوراة والإِنْجِيْل مزوَّران؟ ألا يعلمون أنّ ربّنا هو الحقّ والكلمة المتجسّد والحيّ الّذي دُفِعَ إليهِ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاء وعَلَى الأَرْضِ، وقد استودع كلمته بين أيدي المؤمنين الّذين ليس لهم كنزٌ أعظم من الإِنْجِيْل المُقَدَّس؟!
إن اضطررتَ يوماً إلى الهرب، فليس مِن الصعوبة الكبرى أن تفقد كل شيء دنيوي. لكن احمل الكِتَاب المُقَدَّس معك. احتفظ به ليلاً نهاراً. ومن الخير لك أن تحفظ آيات ذهبية بارزة غيباً، حتّى إذا سُرق منك الكتاب، يكون ساكناً فيك ما حفظته منه غيباً.
قال يَسُوْع عن نفسه: “طعامي أن أعمل مشيئة الّذي أرسلني وأتمم عمله”. فاحفظ كلمة ربّك غيباً. تعمَّق فيها. افهمها واعمل بها. عِنْدَئِذٍ لا تتعجّب مِن نهاية العالم، ولا تزول بزواله، لأنّك تكون قد تغيَّرتَ بقوة كلمة المَسِيْح، وصرتَ شريك طبيعته الإلهية، فتكون معه، كما الملائكة ترى وجهه في كل حين. إلاّ أنّك سوف تظهر مولوداً مِن كلمة نعمته.
عندما ألقى يَسُوْع خطابه الحاسم عن نهاية العالم على تلاميذه الأربعة المقرّبين إليه، على جبل الزيتون، وأُوْرُشَلِيْم أمامهم على مرمى البصر، ومحكوم عليها بالدّمار، كان يَسُوْع في حالة ابن الإنسان وابن الله في شخص واحد، وقد خلع مجده غير المحدود، وأصبح إنساناً محدوداً. وقد احتمل محدوديَّته، واعترف قائلاً: “لا يقدر الابن أن يعمل مِن نفسه شيئاً، إلاّ ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك، فهذا يعمله الابن كذلك. لأنّ الآب يحبّ الابن، ويريه جميع ما هو يعمله. لأنّه كما أنّ الآب يُقيم الأَمْوَات ويُحيي، كذلك الابن أيضاً يُحْيِي مَن يشاء. لأن الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى الدَّيْنُونَة كلها للابن، لكي يكرم الجميع الابن، كما يكرمون الآب” (يُوْحَنَّا 5: 19- 23). نرى في هذه الاعترافات تواضع يَسُوْع الكامل، وسلطانه المطلق أيضاً. فمن يفهم موقفه المُتَوَاضِع، يفهم أيضاً مِن كلمته أنّ الآب لم يُرِهِ بعد تاريخ نهاية العالم. ولا يوجد ملاكٌ، ولا روحٌ، ولا شيطانٌ، ولا مولودٌ ثانيةً، يَعلم متى عيّن أبونا السَّمَاوِيّ نهاية الكون، وبداية قِيَامَة الأَمْوَات، ودينونته العادلة. فمن الغباوة أن نحاول حساب تاريخ مجيء المَسِيْح. إنما الوقت أقرب مما نظنّ.
الصَّلاَة: أيُّها الآب القُدُّوس، ربّنا ومخلّصنا، كيف حزنت أيّها المحب، واغتظتَ أيُّها القُدُّوس حتّى وضعت لصبرك نهايةً، وعزمت على إرسال ابنك ليدين العالمين. وكلمتك تُنبئ بزوال الأرض والسَّمَاء. جهِّز أنفسنا لهذا اليوم الّذي تحترق فيه العناصر بضجيجٍ. ساعدنا على أن نلبس اليوم الرّبّ يَسُوْع، ونعيش فيه، كي لا يبتلعنا الموت الأبدي، بل نطمئنّ في انتصار المَسِيْح، ونثبت في حياتك المعطاة لنا من قوّة كلمتك. نشكرك أيّها الآب السَّمَاوِيّ لأنّ المَسِيْح فينا رجاء المجد. آمين.
السُّؤَال: 35- ماذا فهمت مِن النُّبُوَّة عن نهاية العالمين؟
وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ
آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ
(كلمات المسيح حسب البشير مَرْقُس 13: 26)
10- العبد الحكيم يسهر ويعي
(مرقس 13: 34- 37)
13: 34 كَأَنَّمَا إِنْسَانٌ مُسَافِرٌ تَرَكَ بَيْتَهُ وَأَعْطَى عَبِيدَهُ السُّلْطَانَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَمَلَهُ وَأَوْصَى الْبَوَّابَ أَنْ يَسْهَرَ. 35 اِسْهَرُوا إِذًا، لأَِنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأَتِي رَبُّ الْبَيْتِ أَمَسَاءً أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ أَمْ صَبَاحًا، 36 لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا. 37 وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ اسْهَرُوا
شبّه يَسُوْع نفسه برجل يسافر. فلم ينته بعد صلبه في القبر، ولم يدخل بقيامته وصعوده إلى العدَم، بل إنّه حيٌّ، جالسٌ عن يمين أبيه، حاملاً الكون بكلمة قدرته. ولأجل شفاعته لم تقضِ الدَّيْنُوْنَات علينا بعد.
ولم يترك يَسُوْع بيته وهَيْكَله الروحي في حالة فوضى. فقد دعا عبيداً وإماءً وعيَّنهم لوظائف، وأعطاهم مواهب، وفوّض إليهم واجبات. ويجبّ المؤمنين أن يضعوا أنفسهم تحت سلطان الله، ويجاهدوا في سبيل خدمة ربّهم، لأنّهم إن لم يفعلوا هذا يغيّرون نفوسهم. ولم يضع الرّبّ أحداً منهم أمام واجب مستحيل التطبيق، بل منح كل مَن يريد أن يطيع القوّةَ اللازمة للخدمة. فلا نعيش في العَهْد القَدِيْم، حيث انكسر الأتقياء في شريعة موسى، لأنّهم لم يجدوا في أنفسهم القوّة للغلبة على شهواتهم. كلاّ، بل نعيش في العَهْد الجَدِيْد، حيث منحنا يَسُوْع السلطان للمَحَبَّة.
فليس تقديس أنفسنا هو الهدف الوحيد للحصول على الحَيَاة الأَبَدِيَّة، بل إنّ المَسِيْح حرّرنا للخدمة، وأرسلنا للشهادة. فلنصرف أيَّامنا في أَعْمَال المَحَبَّة الواضحة. فليست التأملات والصَّلَوَات والأقوال والتفكير العميق هي خلاصة عبادتنا العقلية، بل كذلك العمل الشاق والخدمات الخيرية المتنوّعة في سبيل الرّبّ الّذي أعطانا قدوةً بذبيحة نفسه لأجل غير المستحقين. فليس مِن المستحسن أن نستخدم آخرين ليخدموا الرّبّ، بل نقدّم نحن أجسادنا ذبيحة حيّة مقدّسة مرضية عند الله (رومية 12: 1).
هل تعرف ما هو العمل الّذي كلّفك الرّبّ أن تتمّمه؟ صلِّ مخْلصاً، واسأله شخصياً ماذا يريد هو أن تفعل أنت. وأنْ لم تعرف خدمات عملية للرّبّ، فاكتُبْ لنا لنريك طرقاً عمليةً يمكنك فيها أن تخدم الرّبّ في مُحِيْطك.
عيّن الرّبّ أحد عبيده بواباً لينظر دائماً إلى الأفق مترقباً الرّبّ الآتي. هذه الوظيفة تدلُّنا على موهبة النُّبُوَّة والصَّلاَة المشتاقة لمجيء الرّبّ والّتي لم تنته في الكنيسة تماماً. فيَسُوْع يمنح كلّ فرد مِن أعضاء جسده مواهب خاصّة ليفهم علامات الوقت في انسجام مع كلمته، ويخبر أهل الكنيسة بنتائج إدراك محبّته.
وإضافةً إلى هذه الموهبة، يأمر الرّبّ جميع عبيده باليقظة الرّوحيّة، لكي يقوموا بخدماتهم بشعور المسؤوليّة، ويعلموا: سوف يحاسبنا الرّبّ حساباً دقيقاً عن وقتنا ومالنا وكَلِمَاتنا وأفكارنا وأفعالنا وصلواتنا. سيوضح الرّبّ جليّاً إن كنت كسلاناً أو مجتهداً، إن خدمته بحكمة أو بغباء. إن فكّرت بنفسي وعائلتي، أو اهتممت بالضعفاء والمساكين. فالرّبّ يريد أن أحبّ كما أحبّ هو في قوّة وإرشاد كلمته.
هل أنت واعٍ في الرّوح أم نعسان في الشهوات؟ إنّ عقارب ساعة الكون تدنو من منتصف الليل. والجَمَاهِيْر جالسون أمام شاشة التلفزيون، وينسون الله.
فهل قلبك ممتلئ بكلمة الله الحيّة، ليضيء نورك في الليلة الدامسة، وتكون حواسّك متطّلعة نحو الرّبّ الآتي، لتكون في كلّ لحظة مستعّداً أن تفتح للرّبّ باب بيتك، وتقدّم له حساباً. هل نظَّمتَ درج مكتبك أو خزانتك؟ هل حياتك وأشغالك مرتَّبة، أم تحكم الفوضى حياتك وأفكارك؟ هل تُخفي خطيئة معروفةً، أو ترعى في قلبك مشكلة غير صالحة.. محاربة لروح الله.
أسرِع، بعَون الرُّوْح القُدُس، وهيّئ حياتك كلّيّاً قبل فوات الأوان. أعِدُّوا طريق الرّبّ. اطلب الصّفح مِن أخيك الّذي أسأت إليه, وأرجِع كلّ ما سرقتك أضعافاً، كما قال الرّبّ: “قومي استنيري، لأنّه قد جاء نورك، ومجد الرّبّ أشرق عليك”.
وإِنْ كنتَ راعياً لجماعة من المؤمنين، أو مسؤولاً روحياً عن أصدقاء أو زملاء، فالتمس مِن ربك أن يعدَّ هو حياتك وعائلتك لمجيئه، وأن يطهّر بدم يَسُوْع رعويتك كلّها كي يستعدّوا للقائه. تكلّم إليهم بكلّ تواضع عن مطالب الحقّ، وأعلن لهم جميع وعود مَحَبَّة الله. لأنك إن لم تحذّرهم تحذيراً واضحاً فسيطلب الرب أنفسهم منك. أمّا إذا أعلنت لهم كل الأسرار والأفكار الّتي أوحى بها الله إليك فسيحملون هم ذنوبهم. صلِّ لأجل كلّ فرد في جماعتك بمواظبة لكي ينكسر لكبريائه، وينسحق في مَحَبَّة الله، ويصبح عبداً صالحاً مجتهداً ليَسُوْع، مستعدّاً للقائه بهتافٍ وتهلّل.
الصَّلاَة: آمين أيّها الرّبّ يَسُوْع.. تعال. لسنا مستحقين لقاءك لأنّنا لم نتمّم كلّ ما أمرتنا به بعد. طهِّرنا بدمك الزكي الثمين لكي نستحقّ أن نتقدّم إليك غير خائفين حين تظهر بمجدك العظيم. اعضدنا وقوِّنا بروحك الحكيم، لكي نوقظ الّذين يهملون مجيئك، فيستعدّوا معنا ويتغيّروا، وتصبح حياتنا كلها قربان شكر لفدائك. تعال أيّها
الرب يَسُوْع، وأعدّ طريقك لجميع الشعوب وخاصّةً لأبناء إبراهيم. آمين.
السُّؤَال: 36- كيف نسهر بحكمةٍ منتظرين مجيء الرّبّ؟
المُسَابَقَة الثالثة
لإِنْجِيْل المسيح حسب البشير مَرْقُس
أيّها القارئ العزيز، لا بدّ أنّك قد كسبتَ كنزاً روحيّاً أبديّاً، بعدما درستَ الدروس العديدة مِن الأجزاء الرابع والخامس والسادس للإِنْجِيْل حسب البشير مَرْقُس.
فنشجّعك على أن تتعمّق بنفسك في معاني الإِنْجِيْل، وتدوِّن معلوماتك بانتظام بواسطة الإجابة عن الأسئلة التالية:
- ما هي أهمّ المعاني في شهادة بُطْرُس الرَّسُول؟
2- ما هي المَبَادِئ الضرورية لإتباع الرّبّ يَسُوْع؟
3- ما هو معنى تجلّي الرّبّ يَسُوْع أمام تلاميذه؟
- لماذا لم يفهم التَّلاَمِيْذ ضرورة ذهاب المَسِيْح إلى الصَّلِيْب؟
- ماذا كان المانع مِن شفاء المريض؟
- كيف أرشد الرّبّ يَسُوْع تلاميذه إلى التَّوَاضُع؟
- كيف يرشدنا الرّبّ يَسُوْع إلى التعاون مع الّذين ليسوا من جماعتنا؟
- ما هو سبب العثرة للمبتدئين في الإِيْمَان؟
- ما هي مَبَادِئ الزَّوَاج المَسِيْحي؟
- ما هو موقف الرّبّ يَسُوْع مِن الأولاد الصغار؟
- لماذا يعتبَر المال والغنى تجربة مماثلة لعبادة الأوثان؟
- ما هو ربح المؤمنين بالحقيقة؟
- لماذا تقدَّم الرّبّ يَسُوْع تلاميذه مباشرةً إلى أُوْرُشَلِيْم؟
- كيف كشف سؤال ابْنَي زَبَدِي وجوابهما عن حالتهما الروحية؟
- ماذا تعني لنا قدوة الرّبّ يَسُوْع كخادم الخطاة؟
- ماذا نتعلّم مِن شفاء الأعمى في أريحا؟
- لماذا لم يمنع الجنود الرومان الرّبّ يَسُوْع من دخول أُوْرُشَلِيْم؟
- لماذا طهَّر الرّبّ يَسُوْع الهَيْكَل؟
- كيف يظهر الإيمان الحقّ؟
- لماذا لم يعلن الرّبّ يَسُوْع لوفد رؤساء اليهود مصدر سلطانه؟
- كيف أوضح الرّبّ يَسُوْع مَحَبَّة الله بهذا بمثل الكَرَّامين غير الأمناء؟
- ما هي الحكمة في جواب السيد المَسِيْح لمجرّبيه؟
- كيف يعيش المؤمنون المرحومون في الآخرة؟
- كيف يتعلق الإِيْمَان بوَحْدَانِيَّة الله بمحبتنا له ولجميع النّاس؟
- هل يوجد رَبَّان؟
- كيف فكّر الرّبّ يَسُوْع بعطايا الناس؟
- ماذا يعني خطاب الرّبّ يَسُوْع عن خراب الهَيْكَل؟
- لماذا قال الرّبّ يَسُوْع إنّه لا بدّ أن تكون حروبٌ؟
- ما هي علاقة تبشير الدنيا بنهاية العالم؟
- ما هو معنى “رِجْسَة الخَرَاب”؟
- مَن الّذي يدخل إلى الضّيق العظيم؟
- ما هي صفات المَسِيْح الكذّاب وعلامات ظهوره؟
- ما هي علامات مجيء السيّد المَسِيْح الأخيرة؟
- ماذا تعني العبارة “هذا الجيل لا يزول حتّى يتمّ الكل”؟
- ماذا فهمتَ مِن النُّبُوَّة عن نهاية العالمين؟
- كيف نسهر بحكمة منتظرين مجيء الرّبّ؟
إن أجبت عن ثلاثة أرباع الأسئلة بصواب، سنرسل لك أحد كتبنا الروحيّة لتتعمّق مِن ناحية أخرى في ملء كلمة الله. لا تنسَ أن تذكر اسمك وعنوانك الكامل على ورقة الأجوبة الّتي ترسلها إلينا. أرسل أجوبتك بخطّ واضح وعنوان كامل إلى:
الحياة الفضلى – ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ عَظِيمًا
يَكُونُ لَكُمْ خَادِمًا
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيرَ فِيكُمْ أَوَّلاً
يَكُونُ لِلْجَمِيعِ عَبْدًا
(مَرْقُس 10: 43)
الجُزء الثَّامِن
آلامُ المَسِيْح
ومَوتُه
(مرقس 14: 1- 15: 47)
ليْسَ لأَِحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا
أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَِجْلِ أَحِبَّائِهِ
(يُوْحَنَّا 15: 13)
1 – تآمُر زعماء الشَّعب على يَسُوْع
(مرقس 14: 1- 2)
14: 1 وَكَانَ الْفِصْحُ وَأَيَّامُ الْفَطِيرِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ يَطْلُبُونَ كَيْفَ يُمْسِكُونَهُ بِمَكْرٍ وَيَقْتُلُونَهُ. 2 وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ فِي الْعِيدِ لِئَلاَّ يَكُونَ شَغْبٌ فِي الشَّعْبِ.
كان عيد الفصح أعظم الأعياد عند شعب العهد القَدِيْم الّذين كانوا يحتفلون به أسبوعاً كاملاً مع أيَّام الفطير (أي الخبز غير المخمَّر)، متذكِّرين غضب الله الّذي عبر عنهم لأجل حمل الفصح المذبوح مِن كلّ عائلة في الأمَّة. فكانت كلُّ أسرة تجتمع حول ذبيحة الفصح، وعلى كلّ فردٍ مِن العائلة أن يأكل منها، حتّى يأتوا عليها كلُّهم. وإذا كانت الذَّبيحة كثيرةً عليهم، فيدعون إليها جيرانهم أو أصدقاءهم.
وكانوا يرشُّون عتبة أبواب بيوتهم العليا والقائمتين بدم الحمل لكي يعبر عنهم ملاك الغضب. وهكذا نجا الشعب كله بواسطة دم حَمَل الله عائشاً بنعمته. وأمَّا كلُّ الّذين كانوا بدون حماية دم الحمل، فانقضَّ عليهم غضب الله الّذي قتل أبكارهم في تلك اللَّيلة. وأُجبر المخلَّصون بدم الحمل على الهرب، وطُردوا مِن أرض مصر. ولم يجد الهاربون الوقت الكافي لانتظار اختمار العجين، فأخذوه معهم في مناطقهم وصررهم، وخبزوه على حجارةٍ في الشَّمس خلال سيرهم في البرِّيَّة.
لم يكن أولاد يعقوب أفضل مِن أهل مصر. فوضعوا أنفسهم تحت حماية حَمَل الله. والسِّرُّ في هذا المبدأ عظيمٌ. ليس إنسانٌ واحدٌ صالحاً وبارّاً أمام الله. الجميع يستحقُّون الغضب والموت والهلاك. ولكنْ مَن يضع نفسه تحت دم حَمَل الله في العهد الجديد طوعاً إلى الأبد لن يدخل إلى دينونةٍٍٍ. فلا يوجد خلاصٌ إلاَّ بواسطة حَمَل الله الفريد. لا تَنْفَع الإنسانَ استقامته، ولا تسابيح الحمد، ولا تبرُّعاته الماليَّة، ولا أَعْمَاله الإنسانيَّة. فهذه كلُّها لا تبرِّرنا أمام الله. وجُهودُنا كلُّها لا تكفي لتمجيد القُدُّوس. إنَّ حَمَل الله المختار هو وحده الحماية والتَّبرير والتَّطهير والتَّقديس لكلِّ مَن يؤمن به.
المَسِيْح هو حَمَل الله المذبوح لأجلنا.
بعدما أكمل يَسُوْع خدمته كواعظ ومعلِّم ونبيٍّ، بصفته “كلمة الله المتجسِّد”، وعلَّم
البشر دستور مَلَكُوْته، وأرشدهم إلى سرِّ الكَون: المَحَبَّة، ومثَّلها أمامهم جليّاً، وبعدما أكمل تعليمه كلَّه، تقدَّم طوعاً إلى ساعة أَجَلِه، عِلماً أنَّه ما مِن سبيلٍ لفداء البشر غير موته. فمِن الصَّلِيْب ننال البِرَّ والقوَّة والخلاص.
لم يهرب يَسُوْع مِن أُوْرُشَلِيْم، على الرَّغم مِن عِلْمه اليقين بأنَّ زعماء الشَّعب قصدوا قتله، لكنَّه عيَّن ساعة موته بإرادته، لأنَّه أخذ سلطان هذا التَّعيين مِن أبيه. فلم يَمُتْ صدفةً، أو مُجبَراً، بل في السَّاعة المُعيَّنة، في اللَّحظة الّتي قُدِّمَت فيها ذبيحة حملان الفصح في ساحة الهيكل، ليظهر جليّاً أنَّ المَسِيْح هو حَمَل الله المُختار الّذي يرفع خطيئة العالم.
كان زعماء الشَّعب قد تآمروا منذ أشهر على قتل يَسُوْع، لأنَّ النَّاصِرِيّ غفر الذُّنوب كالله، وشفى المرضى بكلمته في يوم السَّبْت، وجذب الجَمَاهِيْر خارج سلطة المجمع. فخافوا أن يقع انقسامٌ في الأُمَّة، أو ثورةٌ يقودها “الغُيُر”، أو تدخُّلٌ من القوى الرُّومانيَّة المُستعمِرة.
وأبغض الشُّيوخُ النَّجَّار القادم مِن قرية النَّاصِرَة، لأنَّه كان أذكى وأكثر روحانيَّةً مِن جميع وفودهم، ولم يسقط في فخاخهم، فظنّوا أنَّهم يخدمون الله إنْ أبادوه، وبذلك لا يتزعزع سلطانهم، فتتثبَّت أنظمةُ الهيكل، ولا تفقد الشَّريعة هيبتها وشموليَّتها.
أمَّا الفقهاء في علوم التَّوراة فقصدوا موت يَسُوْع عَرَضاً، والقبض عليه بحيلةٍ، ليكتشفوا منه أسراره بأسئلةٍ متزاحمةٍ، ويُوْقِعُوا به باعترافٍ مُخالفٍ لشريعتهم، ويجدوا سبباً شرعيّاً ليبرزوا الزَّعيم الشَّاب كمُضِلٍّ للأمَّة، ويقتلوه رسميّاً، كي يَعْبُر غضب الله عن الأمَّة.
لم يجدوا في الماضي فرصةً مُناسبةً للقبض على يَسُوْع وسط أتباعه، أو أثناء معجزات الشِّفاء الّتي صنعها، أو خلال عظاته ومناقشاته، كي لا يسبِّبوا شغباً في الشَّعب، أو كي لا يَظهر في ذاكرة الأمَّة كقائد عظيم، أو نبيّ مُختار. وهكذا أرشدهم الشِّرِّيْر ألاَّ يقتلوا يَسُوْع في العيد. فأرسلوا جواسيس في المنطقة كلِّها ليقبضوا عليه قبل العيد أو بعده. لكنَّ يَسُوْع كان قد عيَّن موته في العيد.
الصَّلاَة: يا حَمَل الله القُدُّوس، نشكرك لأنّك رفعتَ خطيئة العالم كلَّها. ارحمنا. أنت الشَّاهِد الأمين. لم تهرب مِن القدس، رغم أنَّك علمتَ بمؤامرة أعدائك. أنت الوسيط الأمين. قدِّسْنا إلى التَّمام ليَعبُر عنَّا غضب الله، لأنَّنا لسنا أفضل مِن الآخَرين. دمك بِرُّنا وتطهيرنا وقداستنا. آمين.
السُّؤَال:
1- ما هو معنى “حمل الفصح”؟
اِرْحَمْنِي يَا اَللَّهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ
حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ
اغْسِلْنِي كَثِيراً مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي
لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً
(صلاة التوبة لنبئ داوود حسب المَزْمُوْر 51: 1- 3)
2- مسحة يَسُوْع فِي بَيْتِ عَنْيَا
(مرقس 14: 3- 9)
14: 3 وَفِيمَا هُوَ فِي بَيْتِ عَنْيَا فِي بَيْتِ سِمْعَان الأَبْرَصِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ جَاءَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا قَارُورَةُ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ، فَكَسَرَتِ الْقَارُورَةَ وَسَكَبَتْهُ عَلَى رَأْسِهِ. 4 وَكَانَ قَوْمٌ مُغْتَاظِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا لِمَاذَا كَانَ تَلَفُ الطِّيْبِ هَذَا، 5 لأَِنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَاعَ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَى لِلْفُقَرَاءِ. وَكَانُوا يُؤَنِّبُونَهَا. 6 أَمَّا يَسُوْعُ فَقَالَ اتْرُكُوهَا، لِمَاذَا تُزْعِجُونَهَا. قَدْ عَمِلَتْ بِي عَمَلاً حَسَنًا. 7 لأَِنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ وَمَتَى أَرَدْتُمْ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِمْ خَيْرًا، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ. 8 عَمِلَتْ مَا عِنْدَهَا. قَدْ سَبَقَتْ وَدَهَنَتْ بِالطِّيبِ جَسَدِي لِلتَّكْفِينِ. 9 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهَذَا الإِنْجِيْلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هَذِهِ تَذْكَارًا لَهَا
دخل يَسُوْع بيت سِمْعَان الأبرص في بيت عنيا، والأغلب أنَّه كان قد شفاه سابقاً. وكان هذا الشِّفاء يعني تطهيره مِن خطاياه ومِن نتيجتها. وإنَّنا نرى في هذا الرَّجل الّذي شُفي خلاصة عمل المَسِيْح المخلِّص جليّاً. لم يترك الرَّبّ هذا المُطهَّر المُعافَى وحيداً، بل زاره وقوَّاه وأكرمه بحضوره مع جملة تلاميذه، كي لا يكون منفرداً بعد صعوده إلى السَّماء. وحضر ضيوف آخرون، رغم المراقبة والاضطهاد. فالجميع اشتركوا في وليمة مباركة.
وحضر أيضاً لِعَازَر، الّذي أقامه يَسُوْع مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، مع أختَيْه (يُوْحَنَّا 12: 1-
8). فكان الحضور، في حدِّ ذاته، بياناً لسلطان الله في المَسِيْح يَسُوْع الّذي غلب جميع الأمراض والخطايا، وحتَّى الموت. إنَّما قصد يَسُوْع العلاج الأخير ونزع جذور الشَّر بمحو خطيئة العالم.
وقد أدركت مريم أخت لِعَازَر، ببصيرتها الإيمانيَّة، وبقلبها العطوف الشَّاعر، بدقَّة مَن هو يَسُوْع؛ وأدركت معنى هذه الوليمة الأخيرة، وشعرت باقتراب السَّاعة الأخيرة؛ وفهمت أنَّه لم يبقَ إلاَّ وقتٌ قليلٌ لتُظهر شكرها ليَسُوْع الشَّافي.
فهرعت إلى بيتها، وأتت بكنزها: قارورة الطِّيب الّتي ربَّما وفَّرَتْها لعرسها. فكسرت القارورة، وسكبتها كلَّها على رأس ورِجْلَي يَسُوْع المتَّكئ في الوليمة. فلم تَجِدْ طريقةً أخرى تعبِّر فيها عن شكرها واحترامها لِمَنْ غلب الموت والمرض غافراً الذُّنوب.
وقَبِلَ يَسُوْع هذه المسحة. وأدرك منها الرَّمز والدَّلالة من أبيه الّذي سمح بمسحته كرئيس الكهنة لموته وذبيحة ذاته.
كان يَسُوْع، منذ الأزل، الممسوح بملء الرُّوْح القُدُس، لأنَّ فيه حلَّ كلُّ ملء اللاهوت جسديّاً، ولم يكن بحاجة إلى مسحة جديدة، إنَّما قوَّتْ مَحَبَّة أبيه إيمانه حتَّى نظر مطمئنّاً إلى موته، فأنبأ، بكلِّ صراحةٍ، بموته الوشيك ودفنه الحقيقي، كي لا يُستنتَج من قبوله لهذه المسحة رجاءٌ خاطئٌ، كأنَّه متقدِّمٌ لقبول العرش في الأُمَّة، أو لعرسه الشَّخصي. استعدَّ يَسُوْع لموته، وأعدَّ تلاميذه لوحدتهم ومسؤوليَّتهم.
لكنَّ أتباعَه، للأسف، لم يفهموا معنى ما فعلته المرأة الرَّقيقة المشاعر. فرائحة الطِّيب الثَّمين نفذت إلى أنوفهم، وعبق أريجها الزَّكيُّ في أرجاء المكان، وابتدأت عقولهم بالحساب. ربَّما لم يكن صندوق الجمعيَّة في ذلك الوقت مملوءاً بسبب الاضطهاد، أو ربَّما كان يَسُوْع قد وزَّع التّبرُّعات كلَّها كاملةً على الفقراء. وعلى أيَّة حالٍ تهامس البعض فيما بينهم، وكان أكثرهم كلاماً يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ الّذي استاء ممَّا اعتبره إتلافاً لا طائل تحته، فقال: ” لو أنَّ مريم أعطتنا قارورة الطِّيب الثَّمينة هذه لبِعناها وقبضنا قيمتها مبلغاً طائلاً، وساعدنا كثيراً مِن الفقراء.”
وقرأ يَسُوْع أفكارهم، وأصاب المتمرِّدين في الصَّميم، وحكم على جميع مصلحي العالم بأحلامهم الزَّائفة ووعودهم الكاذبة، فقال: الفقراء معكم في كلِّ حين… حتَّى في فردوس العمَّال والفلاَّحين. ما دامت الأرض بعيدةً عن الله، يتكاثر المساكين والمرضى والجياع غرباً وشرقاً عند الرَّأسماليِّين. وعواصمهم بلا رحمة، كما عند الاشتراكيِّين ونظامهم الدَّقيق.
فلا ينتهي الضِّيق والظُّلم في عالمنا إلاَّ بمجيء يَسُوْع. هو وحده سيُنْهي المأساة.
وقد أظهر الرَّبّ لنا الطَّريقة المُثْلَى لمساعدة الفقراء والمساكين. فهو لم يُنشئ مؤسَّسة خيريَّة، ولم يَدْعُ إلى أنظمة مساعدات، بل قال: إنْ أردتم تقدرون أن تساعدوا الفقراء في مُحِيْطكم. لا تُعطوهم صدَقةً لتتخلَّصوا منهم وترجعوا مِن ثمَّ إلى قصوركم، بل انحنوا إليهم، وانزلوا إلى مستواهم، واهتمّوا بهم شخصيّاً. لربَّما يكونون بحاجة إلى أدوية، أو إلى كلمة معزِّيَة، أو وظيفة، أو تدريب مهني، أو منحة دراسيَّة. فاطلبوا مِن الرَّبّ الحكمة لمحبَّتكم كي تخدموا المساكين ولا تهتمّوا بأنفسكم فقط. إنَّ الفقراء هم هدف مَحَبَّة الله.
لم يطلب يَسُوْع منَّا مالاً، في الدَّرجة الأولى، بل قلوباً ليملأها برحمته ومحبَّته، وليُجنِّد
إرادتنا بعزمٍ وثباتٍ في خدمة المساكين.
إنَّ كلَّ مَن يريد أن يخدم ويُساعد، مصلِّياً للرَّب أن يُرشده إلى خدماته الحكيمة، لا بُدَّ من أن يختبر إرشاد الرَّبّ الّذي يمنحه القوَّة، ليس ليغلب الفقر في العالم، بل ليُساعد المساكين في مُحِيْطه.
هل سمعتَ دعوة يَسُوْع هذه؟ ماذا ستفعل؟ هل ستُواصِل جَمْع المال لتضمن نفسك وعائلتك؟ لقد ضحَّى المَسِيْح بذاته، فماذا تُقدِّم له أنت مقابل ذبيحته الّتي لا تُقدَّر بثمن؟ ضحَّت مريم آنَذَاكَ بكنز حياتها ليَسُوْع، فعملت ما استطاعت عمله، وقدَّمت كلَّ ما عندها لتمجيد ربِّها.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، أنت ابن الله. نسجد لك لأنَّك المَحَبَّة، وبذلتَ حياتكَ ذبيحةً كاملةً لأجلنا ونحن أشرارٌ. علِّمْنا أن نتغيَّر في أذهاننا وأفكارنا فلا نُساعد أنفسنا بأنفسنا، أو نتَّكل على عون الآخرين، بل نستعدّ لخدمة الفقراء والمساكين في مُحِيْطنا. افتح أعيننا لكلّ متضايقٍ محتاجٍ إلى خدمتنا، وأَرِنَا الطَّريقة الفُضلَى لمساعدته، وهَبْ لنا الإرادة والقوَّة لخدمةٍ أمينةٍ. يا ربّ، امنحنا فكرك. آمين.
السُّؤَال:
2 – ماذا نتعلَّم مِن مسحة يَسُوْع بواسطة مريم، ومِن النِّقاش الّذي جرى بعد هذه المسحة؟
☼☼☼☼☼☼☼
3- خيانة يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ
(مرقس 14: 10- 11)
14: 10 ثُمَّ إِنَّ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ وَاحِدًا مِنْ الاِثْنَيْ عَشَرَ مَضَى إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ لِيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ. 11 وَلَمَّا سَمِعُوا فَرِحُوا وَوَعَدُوهُ أَنْ يُعْطُوهُ فِضَّةً. وَكَانَ يَطْلُبُ كَيْفَ يُسَلِّمُهُ فِي فُرْصَةٍ مُوَافِقَةٍ
أصاب يَسُوْعُ يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ بجوابه المُدافِع عن مريم الّتي مسحته بالطِّيْب. وكان يَهُوذَا مستاءً ومجروحاً لأنَّ يَسُوْع جرَّده أمام الجميع، وخاصَّةً لأنَّ معلِّمه وقف إلى جانب المرأة ولامه. وأدرك أنَّ يَسُوْع قد قرأ أفكاره وعلم أنَّ ما دفعه إلى الكلام لم يكن غيرته على الفقراء، بل جشعه وطمعه في بيع الطِّيب كي يحتفظ بثمنه لنفسه.
وفوق ذلك تكلَّم يَسُوْع عن موته القريب. ولم يتلفَّظ بكلمة عن تقدُّم مَلَكُوْت الله السِّياسي، والتطوُّر الاشتراكي الخيري.
بعد ذلك الإعلان، انكسرت في اليهودي الوحيد في حلقة التَّلاَمِيْذ آماله وأحلامه. فقد كان يرجو في سلطان يَسُوْع منفعةً مادِّيَّةً. أمَّا يَسُوْع فاختاره وأرسله مع تلاميذه الآخرين ليُبشِّر ويشفي ويطرد الشَّيَاطِيْن. لكنَّ يَهُوذَا اختبر في هذه الخدمات أن لا قوَّة تقدر أن تقف في وجه اسم يَسُوْع.
كان يَهُوذَا في البداية متحمِّساً لشخصيًّة يَسُوْع وسلطانه. ولكنَّ الرَّبّ كان يُكثر مِن الحديث عن الوداعة والتَّوَاضُع والقناعة، فلم يدرِّب أتباعه على قَهْر الرُّومان والتَّغلُّب عليهم، ولا على الإدارة في الوظائف الوزاريَّة، بل وضَّح لهم أنَّ مملكته الرُّوحيّة لا تتضمَّن جيوشاً ولا كنوزاً ولا حتَّى حياةً مريحةً أو رفاهيةً.
وإلى جانب هذا كلّه، أعلن المجلس الأعلى لليهود، في البلاد كلِّها، رسميّاً أنَّ يَسُوْع هو نبيٌّ كذّابٌ، ومُضلٌّ للأُمَّة، ومرفوض، ودمه مهدَر، وأنَّ كُلَّ مَن يتبعه يُحرَم مِن الأمَّة ومِن العهد مع الله، أمّا تلاميذه فلن تحلّ بركة الله عليهم، بل يلاحقهم غضبه.
دفعَت هذه الأفكارُ يَهُوذَا إلى اتّخاذ قرار النَّجاة بنفسه مِن غضب رؤساء اليهود، والهرب مِن السَّفِيْنَة للانتقام مِن يَسُوْع وتلاميذه. وعرف، كجميع اليهود، أين موقع بيت رئيس الكهنة، الّذي كان قد أعلن عن مكافأة ماليَّة لمَن يعطي معلومات صحيحة عن شخص يَسُوْع المطلوب. فتقدَّم إليه في غضبه، ودخل محور السّلطة اليهوديَّة مُظهراً استعداده على تسليم يَسُوْع فوراً.
دهش رؤساء الكهنة حين رأوا تلميذاً مِن الحلقة الداخلية ورسولاً مدعوّاً مِن يَسُوْع يَعرض خدماته عليهم بمثل هذه البساطة. واعتبروا انفصاله عن حركة يَسُوْع علامةً مشجِّعةً لهم، إذ رأوا أنَّ تهديدهم قد أتى بثمر حتَّى في أتباع يَسُوْع الأُمناء، ممَّا يُبشِّر بقُرب زوال هذا المذهب الجديد. ففرحوا وأفهموا الخائن أنَّهم لن يسلِّموه مكافأة فوريَّة على إخباره، ووعدوه بمبلغ مالي حالما يسلّم يَسُوْع إليهم شخصيّاً. وفي هذه الحالة بدأوا يستعدُّون للحكم على يَسُوْع قُبيل العيد، لأنَّهم أدركوا أنَّ هذه الفرصة النَّادرة لا تتكرَّر.
ومنذ ذلك الوقت بدأ يَهُوذَا يُفكِّر جدّيّاً كيف يسلم معلِّمه بعيداً عن الضَّجة. لم يداعب هذا التلميذ مخيلته بإمكانية الخيانة كمجرَّد فكرة في قلبه، بل خطَّط لها بكامل وعيه وإدراكه، قاصداً أن يقطع رأس الحركة المَسِيْحيَّة الّتي لم تساعده على الوصول إلى أيّ مركزٍ مرموق أو كرسيٍّ وزاري، لأنَّه كان يطمح ببصره إلى حقيبة المال والاقتصاد.
وربَّما كان يَهُوذَا ينوي أن يجبر يَسُوْع، في مقابلة مع المجمع الأعلى، على أن يعلن غصباً عنه سلطانه واستحقاقه بأعجوبة قاطعة، ليظهر مَلَكُوْت الله فجأة بواسطة حيلة يَهُوذَا.
إنَّما الأغلب هو أنَّه خان يَسُوْع مدفوعاً من حقده، للانتقام منه في غيظه، وليس بطريقة التخطيط الحكيم. لقد حلَّ الشَّيْطَان في الرَّسُول المدعوّ، وجعله من أتباع الشِّرِّيْر (لُوْقَا 22: 3؛ يُوْحَنَّا 13: 2و 27).
ما أعظم السُّقوط والارتداد! تلميذ يَسُوْع.. المختار المفوَّض للخدمة.. الّذي تلقَّن دروس ابن الله شخصيّاً.. يُبغض ربَّه أخيراً.. حتَّى يُقرِّر أن يخونه دون وازع أو ضمير..!
لشدَّ ما يُحزننا ويؤلمنا هذا التَّغيُّر والتَّقسِّي في قلب إنسانٍ قد سمع كثيراً مِن كلام يَسُوْع، وشاهد أَعْمَاله في دنيانا، ولمس محبَّته ولُطفه، واختبر قوَّته السَّمَاوِيّة. لقد أغلق يَهُوذَا قلبه على بنيان يَسُوْع الروحي، فتبعه إلى جانب التَّديُّن والخدمات، متمسِّكاً بأهدافه الخاصَّة. ولم يترك خطاياه المتأصِّلة فيه. فأصبح رمزاً للمَسِيْحيّ المنقسم على ذاته، المُقاوِم لجذب الرُّوْح القُدُس.
أيُّها القارئ العزيز، امتحن نفسك.. هل أنت مرتبط بأفكار وأَعْمَال ضدّ الله، رغم إيمانك بيَسُوْع؟ هل سلَّمت أموالك وحياتك لربِّك.. وكذلك حساسيتك المرهفة وطموحك إلى السّلطة؟ هل تتلاعب بآمال سماويَّة في طرق دنيويَّة؟ لا تُغرِّر بنفسك، فالله لا يسمح لأحد أن يستهزئ به. أنَّه يريدك كاملاً ومُقدَّساً إلى الأبد.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ القُدُّوس، لستُ أفضل مِن يَهُوذَا. إنِّي أخجل مِن حُبِّي للمال. وأنت تعرف حساسيَّتي تجاه الكلمات الجارحة، كما تعرف رغبتي في أن أكون محور اهتمام الجميع. فاغفر لي ذنوبي، وخلِّصْني مِن نَفسي، كي أُنكر ذاتي بقوَّتك، وأضع جسدي ذبيحة شُكرٍ على مذبح نعمتك. خلِّصْني يا رَبّ. خلِّصْني وامسَحْني كي لا أتمكَّن مِن أن أخطف نفسي مِن يدك، ولا أن أصبح خائناً لكنيستك. آمين.
السُّؤَال:
3- لماذا قصد يَهُوذَا خيانة يَسُوْع وتلاميذه؟
4- تجهيزُ الفصح
(مرقس 14: 12- 16)
14: 12 وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ. 13 فَأَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا اذْهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَيُلاَقِيَكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ، 14 وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ إِنَّ الْمُعَلِّمَ يَقُولُ أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي. 15 فَهُوَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً، هُنَاكَ أَعِدَّا لَنَا. 16 فَخَرَجَ تِلْمِيذَاهُ وَأَتَيَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا، فَأَعَدَّا الْفِصْحَ
نَوى يَسُوْع منذ زمانٍ أن يقضي أمسيته الأخيرة على الأرض مع تلاميذه ، ويقطع معهم العهد الجديد، ختاماً لخدمته. وهو لم يسمح لأعدائه ولا للشَّيطان بتشويش هذه المناسبة المقدَّسة. فلم يَقُل ليَهُوذَا جهراً في أيّ بيت هو مُزمعٌ أن يحتفل بالفصح مع تلاميذه، بل تحدَّث بأسلوب خفيّ إلى الّذين فوّض لهم تحضير العَشَاء، كي لا يتمكَّن يَهُوذَا من خيانته.
وفي الوقت نفسه أظهر يَسُوْع أيَّ نوعٍ مِن النَّاس هو ذاك الّذي كان مستعدّاً أن يدخل بيته ويحتفل بالعَشَاء معه.
وهكذا أرسل يَسُوْع تلميذين إلى المدينة المقدَّسة، ليُعِدَّا له العَشَاء الأخير على الأرض، فرسم لهما الطريق بين مئات الألوف مِن خليط البشر، وأرشدهما إلى إنسانٍ معيَّنٍ مستعدٍّ أن يَقبل ضيف الله. فما هي العلامة المميّزة في هذا الرَّجُل؟
إنَّه يحمل جرَّة ماء! وهذا الأمر كان مألوفاً عند النِّسَاء، فمن غير المألوف مشاهدة رجل يحمل جرَّة ماء. ولكنَّ هذا الرَّجل لم يكن يخشى أن يَظهَر خادماً، ولعلَّ امرأته كانت مريضةً، فتواضع وأخذ على عاتقه الاضطلاع بمسؤوليات المنزل.
فالعلامة البارزة هي: الاستعداد للخدمة، كي يُمكن أن يدخل ابن الله بيت إنسان.
أمر المَسِيْح تلميذيه أن يتبعا هذا الرجل، وكأنه يقول لهما: “الخدمة مرسومةٌ لكما في المستقبل”. لأنَّ المَسِيْح يُفضِّل أن يأتي إلى الخُدَّام، وليس إلى المستكبرين. وقد قال عن نفسه: “ابْن الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ، بَلْ لِيَخْدُمَ، وَلِيَبْذُلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ”.
وأرشد المَسِيْح تلميذَيه ليتكلَّما إلى هذا الرَّجل على انفرادٍ، ليس كمُستَعطِيَين، بل كسفيري الرَّب، وأن يُبلغاه كلمات يَسُوْع كي يفكِّر بهذه الرِّسالة المهمَّة، لأنَّ مجيء المَسِيْح إلى بيتٍ ما يعني شرفاً وبركةً من جهة، وخطراً واضطهاداً من جهةٍ أُخرى. فلا يليق أن يجبراه على قبول نزول المَسِيْح في بيته، بل بالأحرى يعطياه وقتاً كافياً لاتِّخاذ قراره؛ علماً أنَّ المَسِيْح لا يأتي منفرداً إلى بيت إنسانٍ، بل مع تلاميذه، فيملأ البيت سروراً وسلاماً.
علم يَسُوْع مسبقاً أنَّ هذا الرَّجل كان مستعدّاً لقبول ابن الله بأيِّ ثمن. فحيثُما يُطيع المبشِّرون في أيَّامنا هذه إرشاد الرُّوْح القُدُس يجدون أبواباً مفتوحةً، وقلوباً مستعدَّةً. وربَّما نختبر الرَّفض والبُغْضَة أحياناً في خدماتنا، لأنَّنا نبشِّر أناساً لا يريدون الخلاص، فلا يقبلونه، لأنّهم غير مستعدِّين لهذه الدّعوة الرُّوحيَّة.
فاطلُب إلى المَسِيْح أن يرشدك إلى أناس مشتاقين إلى خلاص الله، لأنَّ الرُّوْح القُدُس قد أعدَّهم.
أطاع التِّلميذان كلمة المَسِيْح، ووجدا الرَّجل، وجهَّزا في بيته العَشَاء للمَسِيْح وتلاميذه. إنَّ هذا هو هدف خدمتنا ونتيجة طاعتنا: أن نُعِدَّ الآخَرين لمجيء المَسِيْح إليهم، واتِّحاده بهم في إرشاد الرُّوْح القُدُس.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّب يَسُوْع، نشكرك لأنَّك قصدت أن تُوحِّدنا معك ومع جميع المستعدِّين لقبولك. اغفر لنا إهمالنا لدعوتك المُهمَّة، وساعدنا على أن نُطيع إرشاد الرُّوْح القُدُس تماماً، حتَّى نجد الأفراد المشتاقين إلى مجيئك، فنبشِّرهم بخلاصك، وإقبالك إليهم. ساعدنا على ألاَّ نتصرَّف في التَّبْشِيْر بحسب أمانينا، بل أن نطيع كلامك كي نجد فعلاً الأفراد المستعدِّين لسماع إِنْجِيْلك. آمين.
السُّؤَال: 4- ما هي العلامة الّتي تعرَّف بواسطتها التِّلميذان بالرَّجل الّذي أراد يَسُوْع أن يحضر العَشَاء في بيته؟
5- قَطْع العهد الجديد في العَشَاء الرَّبَّانِيّ
(مرقس 14: 17- 25)
وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ جَاءَ مَعَ الاِثْنَيْ عَشَرَ. 18 وَفِيمَا هُمْ مُتَّكِئُونَ يَأْكُلُونَ قَالَ يَسُوْع الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. اَلآكِلُ مَعِي. 19 فَابْتَدَأُوا يَحْزَنُونَ وَيَقُولُونَ لَهُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا هَلْ أَنَا، وَآخَرُ هَلْ أَنَا. 20 فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ، هُوَ وَاحِدٌ مِنْ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ. 21 إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، كَانَ خَيْرًا لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ
22 وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوْع خُبْزًا وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَاهُمْ وَقَالَ خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي. 23 ثُمَّ أَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ فَشَرِبُوا مِنْهَا كُلُّهُمْ، 24 وَقَالَ لَهُمْ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ. 25 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي لاَ أَشْرَبُ بَعْدُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ إِلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ حِينَمَا أَشْرَبُهُ جَدِيدًا فِي مَلَكُوْت اللهِ.
أعدَّ المَسِيْح تلاميذه إعداداً كاملاً لتناول العَشَاء الرَّبَّانِيّ، وأعلن لهم حقيقة نفوسهم، وقادهم إلى التَّوبة العميقة بانكسار قلوبهم، لأنَّ في حالة التَّوبة المستمرَّة فقط نستحقُّ أن نتناول العَشَاء الرَّبَّانِيّ المبارَك.
وأعلن المَسِيْح خيانة أحد التَّلاَمِيْذ الذي لازمهم منذ البداية، وعمل معهم، وصلَّى في
شركتهم. وقد عاش الخائن مِن نعمة المَسِيْح، واستغلَّ سلطان الرَّب لمصلحته. وعندما لم تتمّ مقاصده، احتقر يَسُوْع وأبغضه، حتَّى صمَّم على إبادته نهائيّاً.
وقد كان لهذا الإعلان وَقْعُ الصَّاعقة على التَّلاَمِيْذ، فصُدِموا واضطربوا وحزنوا جميعاً.
والأمر العجيب هو أنّهم لم يتَّهموا بعضهم بعضاً، بل رأى كلٌّ منهم الخيانة كامنةً في نفسه.
هل أدركتَ هذا الاعتراف الرَّهيب من فم كلّ رسول؟ ما كان لأحدٍ منهم ملء الثِّقة واليقين بنفسه أو بتقواه، بل شعر كلٌّ منهم أنَّ في كلّ إنسانٍ ينبوعاً للشَّر ما لم يُخلِّصه المَسِيْح من الشِّرِّيْر.
طوبى لك إن خجلتَ مِن خطيَّئتك، وارتعدتَ مِن إمكانيَّة ارتدادك عن المَسِيْح وخلاصه.
أراد يَسُوْع أن يخلِّص يَهُوذَا في اللَّحظة الأخيرة بواسطة هذا الإعلان المستتر. فقد أحبَّ خائنه، وحاول إنشاء توبة في قلبه بكلمات عاطفيَّة قويَّة. ولا نرى في كلمات يَسُوْع تضارباً إذ قال: إنَّه مكتوبٌ منذ الأزل أنّ ابن الله يموت، وأن يكون يَهُوذَا في الوقت نفسه مسؤولاً عن خيانته.
لقد حذَّره يَسُوْع بوضوح من قصاصه العظيم، وأفهمه أنّه كان أفضل له لو لم يولَد. هكذا حاول يَسُوْع أن يهزَّ الشُّعور الباطنيَّ ليَهُوذَا قبل فوات الأوان.
ولكنَّ الخائن قد صمَّم على خيانته، فلم يُصغِ لكلمات يَسُوْع اللَّطيفة، ولم يقدر أن يفهمها، لأنَّه تقسَّى تدريجيّاً أكثر فأكثر، حتَّى حقد على مَحَبَّة الله المتجسِّدَة.
أخي العزيز، أختي العزيزة، تعاليا إلى يَسُوْع، مُنْسحقَيْن في قلبَيكما بدموع النَّدامة، واعترفا بكلِّ خطاياكما. هكذا فقط تستحقَّان أن تتناولا العَشَاء الرَّبَّانِيّ الّذي أعدَّه المَسِيْح، ليس للأبرار الكاملين، بل للتَّائبين المنكسرين. فاليوم إن سمعتما صوته، فلا تُقسِّيا قلبيكما.
وفي أثناء العَشَاء المبارَك، شكر المَسِيْح على الخبز المكسور، وأبرزه رمزاً لجسده المَصْلُوب، وأمر تلاميذه أن يقبلوه عمليّاً في قلوبهم، مثلما يدخل الخبز إلى جوفهم.
فالمَسِيْح يشاء أن يسكن فيك حقّاً. ليس لأنَّك صالحٌ، بل لأنَّه يُحبُّك، ويريد أن يكون معك، بل فيك، في كلّ حين.
ما أعظم مَحَبَّة الله الّتي لا ترفضنا، نحن الخطاة المساكين! بل يحل فينا بواسطة كلمته، وفي العَشَاء الرَّبَّانِيّ، وبواسطة حلول الرُّوْح القُدُس في قلب المؤمن.
ويسكن الآب والابن والرُّوْح القُدُس في كلِّ مَن ينفتح للمَسِيْح.
وجعل يَسُوْع الخمر رمزاً لدمه. وقال لتلاميذه إنَّ هذا الدَّم المبارَك سيُطهِّرهم تطهيراً كاملاً، فيسري بدفئه المقدَّس كما تسري الخمر في أرفع عروق شاربيه. إنَّ دم المَسِيْح ليس دم إنسانٍ عاديٍّ، بل هو دمُ ابن الله الحاضر في هيئة إنسان. وقد سفك دمه مرَّةً واحدةً لتطهيرٍ مستمرٍّ أبديٍّ لجميع الّذين يدخلون بواسطته في عهدٍ جديدٍ مع الله.
فلا ارتباط ولا اتِّحاد بالله، ولا تقرُّب إليه، بدون غسل الذُّنوب. فدم يَسُوْع المَسِيْح يطهِّرك من كلِّ إثم.
وهذا العهد الجديد ليس مقتصراً على قبيلة أو أمَّة أو شعب معيَّن، بل هو مفتوحٌ لجميع النَّاس والقبائل والأمم. وكلُّ مَن يشرب هذا الدَّم الطَّاهر، ويتطهَّر في ضميره مِن الذُّنوب الماضية، ويتقدَّس أمام الله تقدُّس النِّعمة، يستحقُّ الدُّخول والثَّبات في العهد الجديد.
هل أدركتَ أنَّ اللهَ القُدُّوس الأبديَّ يرتبط بالإنسان المخلوق العاصي، وأنَّه يتَّحد بك وبكلِّ تائبٍ، لأنَّ المَسِيْح برَّرَنا بموته؟
هل دخلتَ بوعيٍ وعزمٍ في العهد مع الله؟ هل حلَّ المَسِيْح في قلبك فِعلاً؟ وهل غسلك دمه مِن كلِّ نجاسةٍ وإثمٍ؟
إنَّ الله يدعوك اليوم إلى وليمته السَّمَاوِيّة، ويُقدِّم لك نعمته كلَّها في ابنه. فماذا تفعل؟ وكيف تشكره؟
الصَّلاَة: يا حَمَل الله القُدُّوس، قد ذُبِحْتَ عوضاً عنَّا، وأعطيتَنا الامتياز أن نأكل مِن جسدك الطَّاهِر، ونشرب مِن دمك الثَّمين، بواسطة الخبز والخمر في العَشَاء الرَّبَّانِيّ. تعال إلينا، واسكُن فينا حقّاً، وقوِّنا للحياة الأبديَّة، وطهِّرْنا مِن كلِّ مَيْلٍ للخطيئة، كي نثبت متَّحدين بك وبأبيك في العهد الجديد إلى الأبد، وننتظر مجيئك القريب لنشكرك على خلاصك بفرح وابتهاج. آمين.
السُّؤَال:
5- ما هي المعاني المتضمَّنة في العَشَاء الرَّبَّانِيّ؟
هَذَا هُوَ دَمِي
الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ
الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ
لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا
( إعلانات يسوع حسب البشير متى 26: 28)
6- الذَّهاب إلى بستان جَثْسَيْمَانِي
(مرقس 14: 26- 38)
14: 26ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ 27 وَقَالَ لَهُمْ يَسُوْع إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِيْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، لأَِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِي فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ. 28 وَلَكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيْل. 29 فَقَالَ لَهُ بُطْرُس وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ. 30 فَقَالَ لَهُ يَسُوْع الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. 31 فَقَالَ بِأَكْثَرِ تَشْدِيدٍ وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ، وَهَكَذَا قَالَ أَيْضًا الْجَمِيعُ
32 وَجَاءُوا إِلَى ضَيْعَةٍ اسْمُهَا جَثْسَيْمَانِي فَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ اجْلِسُوا هَهُنَا حَتَّى أُصَلِّيَ. 33 ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُس وَيَعْقُوبَ وَيُوْحَنَّا وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ. 34 فَقَالَ لَهُمْ نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا هُنَا وَاسْهَرُوا. 35 ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلاً وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَكَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ أَمْكَنَ. 36 وَقَالَ يَا أَبَا الآبُ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ، وَلَكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ. 37 ثُمَّ جَاءَ وَوَجَدَهُمْ نِيَامًا فَقَالَ لِبُطْرُس يَا سِمْعَان أَنْتَ نَائِمٌ، أَمَا قَدَرْتَ أَنْ تَسْهَرَ سَاعَةً وَاحِدَةً. 38 اِسْهَرُوا وَصلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ. أَمَّا الرُّوحُ فَنَشِيطٌ وَأَمَّا الْجَسَدُ فَضَعِيفٌ.
في الحياة أصنافٌ مختلفةٌ مِن البشر، فثمَّة مَن يتبخترون في مشيتهم كالطَّواويس، ظانِّين أنفسهم أبطالاً ميامين؛ وثمَّة مَن يجثم الخوف والعُقَد على كواهلهم، فيخجلون مِن رفع أنظارهم إلى الآخرين، بينما ظهورهم منحنيةٌ ونفوسهم منقبضة.
فالأوَّلون يوبِّخ الرَّب استكبارهم وتباهيهم، أمَّا الآخرون فيعزِّيهم ويُشجِّعهم على التَّغلُّب على خوفهم.
إنَّ الله يُحبُّ الخطاة، مهما أخطأوا، ويُرشدهم إلى التَّوبة والإيمان بالمَسِيْح الوديع.
كان بُطْرُس ذا نفوذ بين التَّلاَمِيْذ، ولكنَّه كان سريع الانفعال. وقد عوَّدته مهنة الصَّيد في عرض البحر الصُّمود بجرأة أمام الأخطار وتحدِّيها. ولكنَّه كان في الوقت نفسه مغالياً في ثقته بنفسه، حتَّى إنَّه لم يدرك حيلة السلطة للإيقاع بالمَسِيْح، ولا سلطان الظُّلمة المُنْقَضَّ على معلِّمه آنَذَاكَ، فهو لم يعرف حدود طاقته، ولم ينكسر كبرياؤه.
وعندما كلّم المَسِيْح التَّلاَمِيْذ عن العثرة الكبرى المقبلة عليهم جميعاً، احتجَّ بُطْرُس.
إنَّ الله نفسه قد سمح بتلك العثرة، وهي مِن خطَّة محبَّته، لأنَّه قرَّر قبل الزَّمان أن يضرب الرَّاعِي فتتبدَّد رعيَّته.
لم يفهم بُطْرُس معنى تلك النُّبُوَّة. وكان مستعدّاً للنِّضال حتَّى ضدَّ قصد الله، وحيلة الشَّيْطَان، في سبيل حماية المَسِيْح وحفظه من الموت. فتيقَّن أنَّه الأمين وبطل الجهاد. ويظهر مِن ذلك أنَّ بُطْرُس لم يعرف نفسه حقّاً، ولا مشيئة الله، ولا سلطة الشَّيْطَان، فكان لا بدّ مِن فشله.
أمَّا المَسِيْح فعرف أنَّ صليبه هو الوسيلة الوحيدة لإطفاء غضب الله الموشك أن ينزل على رعيّته العاصية، فتألَّم الرَّاعِي لأجل الخراف، وفضَّل أن يموت هو عوضاً عنها.
كان يَسُوْع متأكِّداً قبل موته أنَّه سيقوم ويَجمع خرافه المشتَّتة، ليُرشدهم ويُكثرهم كثيراً. ومنذ ذلك الحين كان الشِّعار المعزِّي للمؤمنين هو قول يَسُوْع: “أسبقكم”.
فهو يسبقنا في كلّ مشاكل حياتنا. فلسنا وحيدين، ولسنا مهزومين. بل هو الرَّاعِي الصَّالِح… يقف بجانبنا ويُقوِّينا، وينتظرنا أينما نصل وحيثما نكون.
ولكنَّ بُطْرُس أراد أن يقود حياته بنفسه. فلم يستمع إلى تحذير المَسِيْح الواضح، بل آمن بذاته.
وهو طبعاً لم يقصد إنكار المَسِيْح، بل كان صادقاً في عزمه على الدِّفاع عن يَسُوْع، كما شهد التَّلاَمِيْذ له؛ حتَّى إنَّه كان مستعدّاً أن يموت لأجل المَسِيْح، أو معه. ولكنَّ هذه الكلمات كلَّها كانت عاطفيَّةً، والعواطف لا تكفي في اتِّباع المَسِيْح، لأنَّ الطَّريق المؤدِّية إلى جَهَنَّم مرصوفةٌ بحسن النِّيَّة.
وقد علم يَسُوْع، ببصيرته مسبقاً، بسقوط بُطْرُس وإنكاره إيَّاه. فحذَّر مقدام الرُّسُل، وأعطاه علامة أمانة الله، إذ فسَّر له صياح الدِّيك عوناً للتَّوبة.
ولذلك نشاهد على بعض أبراج الكنائس رمزاً نحاسيّاً لديك يصيح، كي يفكِّر كلُّ داخلٍ بذنوبه، وعدم قدرته على مقاومة الشَّيْطَان دون اللجوء إلى المخلًِّص القدير تائباً نادماً مستسلماً لمحبَّته.
لقد فسَّر لنا بُوْلُس معنى اتِّباع يَسُوْع بقوله: “تَمِّمُوا خَلاَصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَة،ٍ لأَِنَّ اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ”.
هذا هو سرُّ الفائزين بطاعة الإيمان، أنَّهم لا يتَّكلون على أنفسهم، ولا يثقون بأمانتهم العاطفيَّة، بل لا يعتمدون على أنفسهم، ولا يؤمنون بقدرتهم الخاصَّة. ويتقدَّمون منسحقين إلى المَسِيْح طالبين منه أن يُجري مشيئته في ضعفهم، ويسكب قوَّته في نقصهم، لتتحقَّق مقاصده اللَّطيفة بروحه القُدُّوس.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّب الحنون، اغفر لي ثقتي الزَّائدة بنفسي، وامحُ كلَّ تخيُّلاتي عن أمانتي، واحفظني مِن التَّسرُّع في الكلام. ساعدني على أن أُنكر ذاتي بقوَّتك، وامنحني الانسجام بإرادتك، وقُدْني لتنفيذ إرشادات محبَّتك، فلا أضلّ، بل أتبعك حيثما تسبقني أنت مع الذين يتبعونك بالشُّكر. آمين
السُّؤَال:
6- ماذا كان خطأ بُطْرُس عندما حذَّره يَسُوْع؟
صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِِي تَجْرِبَةٍ
(لُوْقَا 22: 40)
7- صراع يَسُوْع في الصَّلاَة
(مرقس 14: 39- 42)
14: 39 وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى قَائِلاً ذَلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ. 40 ثُمَّ رَجَعَ وَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً فَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَاذَا يُجِيبُونَهُ. 41 ثُمَّ جَاءَ ثَالِثَةً وَقَالَ لَهُمْ نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا. يَكْفِي، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. هُوَذَا ابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. 42 قُومُوا لِنَذْهَبَ. هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ
خيَّم الظَّلام الدَّامس على العالم وعلى يَسُوْع البارّ، وتكاثف غضب الله على حامل خطايانا، وانقضَّت جيوش الشَّر على نفوس أتباعه. وذهب يَسُوْع إلى بستان جَثْسَيْمَانِي خارج المدينة، حيث معصرة الزَّيت الّتي ترمز إلى شخص يَسُوْع الدَّاخل إلى معصرة دينونة الله، لِيُعْصَر هو عوضاً عنَّا، وينسحق ليخرج منه زيت الرُّوْح القُدُس حتَّى آخر نقطة، مثلما يسحق حجر المعصرة الزَّيتون ليُخرج منه زيتاً.
ارتجف يَسُوْع، واكتأب، وحزن حتَّى الموت؛ ولا يستطيع أن يفسِّر خوفه ورعبه إلاَّ مَن أحبَّه واختبر حنانه، فهذا يمكنه أن يفسِّر هذه المرحلة مِن حياة يَسُوْع بتؤدةٍ وحذر.
فابن الله لم يكن خائفاً مِن الموت، ولا مِن الشَّيْطَان، وهو الّذي كان قد صارع هذه السلطات الشِّرِّيْرة، وغلبها في جسده، منتصراً عليها مرَّاتٍ عديدة.
إنَّما بعد تواضعه ورفعه خطيئة العالم في محبَّته، حجب أبوه العادل القُدُّوس وجهه عنه، وجعله “كبش الخطيئة” نائباً عن جميع الأُمم، وحمَّله قصاصنا نحن.
ارتجف يَسُوْع وارتعد لأجل انفصاله عن أبيه أثناء دينونة العالم المنصبَّة على شخصه. فجسد المَسِيْح ونفسه كإنسان كانا معارضَين لشرب كأس غضب الله المرير المُعَدّ للنَّاس عقاباً على خطاياهم.
فصلَّى الابن صلاة النَّجدة، ليُخلِّصه أبوه مِن السَّاعة الرَّهيبة، إن كانت ثمَّة إمكانيَّةٌ أُخرى لخلاص العالم. وبارتجافٍ وسجودٍ ناضل لفداء الكون، طالباً طريقاً آخَر إن أمكن، دون استجابةٍ مِن أبيه. ورغم هذه الأمنية انكسر، وأنكر ذاته كلِّيّاً، ملتمساً تنفيذ إرادة أبيه قبل كلِّ شيءٍ. واستعدَّ لشُرب كأس غضب الله. وهذا الصِّراعُ الرَّهيبُ يُعلِّمنا أنَّه لا توجد طريقةٌ أُخرى لفداء العالم إلاَّ بالصَّلِيْب.
أتى يَسُوْع إلى تلاميذه ليساندوه ويُشجِّعوه بصلواتهم، لكنَّهم ناموا، أمَّا بُطْرُس الّذي كان قبيل دقائق مصرّاً على مساعدة المَسِيْح مهما كلَّفه الأمر، فقد استغرق في النَّوم، بتأثير سلطان الظُّلمات. فلا يستطيع إنسانٌ أن يغلب الأبالسة بقوَّته الذَّاتيَّة، لأنَّ روح الله وحده هو القادر على حماية المؤمنين وتحقيق الغلبة والانتصار لهم.
إنَّ كُلَّ مَن يتَّكل على نفسه، يختبر أنَّ الظُّلمة تُنوِّمه في اللحظة الحاسمة، فالصِّراع مشلولٌ قبل بدايته. وقد نبَّهَنا يَسُوْع، باختباراته الخاصَّة، إلى ضرورة السَّهر بقوَّة الرُّوْح القُدُس، والتَّعمُّق في الكِتَاب المُقَدَّس، والصَّلاَة باستمرار؛ لأنَّ دراسة الكِتَاب المُقَدَّس تقوِّي أذهاننا على تمييز الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة وطرقها العديدة، وبالصَّلوات نتغلَّب على تجارب إبليس المُحتال.
أمَّا مَن لا يقرأ الإِنْجِيْل بانتباهٍ، ولا يُصلِّي بمواظبة، فيسقط في التَّجربة حتماً، على
الرَّغم مِن استعداد إرادة الإنسان لخدمة الله. فالجسد ضعيفٌ، ونحن جميعاً محتاجون إلى قوَّة الله، كي يقوِّي روحُه روحَنا ويقودنا إلى الانتصار. فلا تهمل الحقيقة أنَّ الأمور الإيمانيَّة والتَّقدُّم إلى الله إنَّما هما في الواقع مصارعة أَرْوَاح، وروح الله وحده هو القادر على أن يُلهمك ويقوِّي روحك حتَّى تغلب شهوات جسدك وغباوة روحك.
نام التَّلاَمِيْذ جميعاً في ذلك الصِّراع الرُّوحي، على الرَّغم من وصيَّة المَسِيْح لهم وأمره إيَّاهم بالسَّهر. وهذا الاختبار يوضح لنا أنَّه لا يستطيع أحدٌ أن يُصالح العالم مع الله، أو أن ينتصر على الشَّيْطَان إلاَّ يَسُوْع وحده الّذي سهر وصلَّى باستمرارٍ رغم أنَّ جميع أتباعه ناموا. فما أعظم التَّعزية بسهر يَسُوْع! لأنَّه ليس نائماً الآن في السَّماء، بل هو السَّاهر ليلاً نهاراً، ويشفع فينا، رغم أنَّنا نائمون وضعفاء. فأمانته غالبةٌ عدمَ إيماننا، وقوَّته تكمل في ضعفنا.
يا للخسارة الكبرى! كان البشر نياماً في بدء السَّاعة الحاسمة الّتي أنبأ بها يَسُوْع مِن قبل مراراً. السَّماء والأرض انتظرتا هذه السَّاعة. ولكن يَظهر أنَّ تعليم يَسُوْع كلَّه لم ينفع التَّلاَمِيْذ، لأنَّ الرُّوْح القُدُس لم يكن قد حلَّ فيهم بعد.
“يكفي”، قالها يَسُوْع عند رسوب تلاميذه في الامتحان الإلهيِّ. قال يَسُوْع أخيراً لتلاميذه: “هوذا”، كي يفتحوا عيونهم لمشاهدة الأحداث الغريبة الّتي تجري أمامهم. فكلَّما قرأت في الكِتَاب المُقَدَّس كلمة “ها”، افتح عينيك وانتبه. فماذا كان الأمر المُهمّ في تلك اللحظة؟ إنَّ يَسُوْع المَسِيْح القدير قد خضع لمشيئة أبيه، وسمح بأن يُقيِّده الخطاة بعنف. فالخالق قد سلَّم نفسه لأيدي مخلُوْقَاته الخطاة.
لكنَّه أيقظ تلاميذه النِّيام، قُبيل تسليمه نفسه، كي يتمكَّنوا مِن الهرب، قائلاً لهم: “هوذا الخائن يجازي أمانتي بخيانته. أنا أفديه، وهو يُبغضني. أُصلِّي لأجله، فيرفضني، مُهلكاً نفسه بنفسه”.
وأنتَ يا أخي، هل تنام؟ أم تنتبه لكلام يَسُوْع ساهراً مصلِّياً؟
الصَّلاَة: نشكرك أيّها الرّبّ يَسُوْع لأجل آلامك الّتي احتملتها عوضاً عنَّا. اغفر لنا تخيُّلاتنا البشريَّة، ونومنا الرُّوحي، وأيقظنا بكلامك لنميِّز التَّجارب المُنْقَضَّة علينا. قَوِّنا بروحك القُدُّوس لننفِّذ وصاياك، ونُتمِّم إرادتك، ونُعظِّمك، لأنَّك تسهر وتشفع فينا. قد شربتَ كأس غضب الله لأجلنا. آمين.
السُّؤَال:
7- لماذا اكتأب يَسُوْع؟
هُوَذَا
حَمَل الله
الَّذِي يَرْفَعُ خطيئة الْعَالَمِ
(يُوْحَنَّا 1: 29)
8- القبض على يَسُوْع، وهَرَب التَّلاَمِيْذ
(مرقس 14: 43- 52)
14: 43 وَلِلْوَقْتِ فِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ أَقْبَلَ يَهُوذَا وَاحِدٌ مِنْ الاِثْنَيْ عَشَرَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعُصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ. 44 وَكَانَ مُسَلِّمُهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلاً الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ، أَمْسِكُوهُ وَامْضُوا بِهِ بِحِرْصٍ. 45 فَجَاءَ لِلْوَقْتِ وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَائِلاً يَا سَيِّدِي يَا سَيِّدِي. وَقَبَّلَهُ. 46 فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ وَأَمْسَكُوهُ. 47 فَاسْتَلَّ وَاحِدٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ السَّيْفَ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ 48 فَأَجَابَ يَسُوْع وَقَالَ لَهُمْ كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعُصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي. 49 كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ مَعَكُمْ فِي الْهَيْكَلِ أُعَلِّمُ وَلَمْ تُمْسِكُونِي، وَلَكِنْ لِكَيْ تُكْمَلَ الْكُتُبُ. 50 فَتَرَكَهُ الْجَمِيعُ وَهَرَبُوا. 51 وَتَبِعَهُ شَابٌّ لاَبِسًا إِزَارًا عَلَى عُرْيِهِ فَأَمْسَكَهُ الشُّبَّانُ. 52 فَتَرَكَ الإِزَارَ وَهَرَبَ مِنْهُمْ عُرْيَانًا
كان يَسُوْع مستعدّاً أن يُسلِّم نفسه لأعدائه، وقد سبق أن تكلَّم مع أبيه عن هذه السَّاعة، ونال القوَّة على تحمُّل الآلام والعذاب بدون تذمُّر وبغضاء. وحرَّرتْه صلاته من الضِّيق المُقْبِل، وأعطته القدرة على التَّغلُّب على التَّجربة بمحبَّته ووداعته.
لمَّا تقدَّم يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ إليه، وكانت علامة الخيانة أن يقبِّله، تألَّم يَسُوْع في قلبه، لأنَّ الخائن جعل علامة المَحَبَّة رمزاً للخداع. فروح الشَّيْطَان قادرٌ على أن يُخرج من قلب المُرتدِّ أقبح الرَّجاسات. لكنَّ يَسُوْع لم يلعن الخائن المُرتدَّ، بل أنَّبه بكلماتٍ لطيفةٍ، وحاول للمرَّة الأخيرة أن يقوده إلى التَّوبة.
ومع ذلك، كان حَمَل الله الوديع مستعدّاً للموت في سبيل فداء البشر الجُهَّال.
لم يفهم التَّلاَمِيْذ تصرُّفه، لأنَّهم انتظروا إعلان تدخُّل ربوات الملائكة، وقد آمنوا بنصر المَسِيْح، وإعلان قوَّة الله.
أمَّا هناك، فقد ظهر يَسُوْع ضعيفاً أسيراً. ولم يصنع معجزةً ليخلِّص نفسه ويبرِّر أتباعه الّذين كانوا معه تحت الاضطهاد بتهمة التَّجسُّس زمناً طويلاً. فلم يجدوا معنى في القبض عليه، ولا سبيلاً لأنفسهم للهرب في ليلة اليأس والتَّشاؤم.
أمَّا الشَّاب المجهول الّذي تبع يَسُوْع من بعيد، كما هو مذكورٌ في هذه الحادثة، فربَّما كان مَرْقُس، كاتب هذا الإِنْجِيْل، والمرجَّح أنَّه ابن الرَّجل الّذي صنع للمَسِيْح العَشَاء الرَّبَّانِيّ في بيته. ولعلَّ هذا الشَّاب سمع كلَّ ما قاله يَسُوْع في هذه الوليمة الإلهيَّة، وتأثَّر بقطع العهد الجديد، وتبع موكب يَسُوْع مِن بعيد.
إنَّما في لحظة القبض عليه هرب أيضاً، وفضَّل الرَّكض في الليل بدون ملابس على أن يتألَّم في شركة يَسُوْع. أراد مَرْقُس، بذكر هذه الحادثة، أن يعترف بحقيقة نفسه أنَّه غير مستحقًّ أن يكتب إِنْجِيْل المَسِيْح، إذ هرب كجميع التَّلاَمِيْذ. أمَّا المَسِيْح فبقي أميناً.
أيُّها الأخ، هل أنت ثابتٌ في المَسِيْح، أم تحبُّ الشُّهرة والغنى؟ احرص على أن تختار التَّوَاضُع والقناعة والوداعة، كما عاش المَسِيْح حياة القِلَّة، وإلاَّ فإنَّك تتعرَّض لخطر خيانة ربِّك والارتداد عنه. فتُبْ في إرشاد الرُّوْح القُدُس، وأنكِر ذاتك، واغلب شهواتك ما دام وقتٌ.
عندما سلَّم يَسُوْع نفسه لأيدي البشر، أيقظ بُطْرُس، فهبَّ هذا من نومه، وفي ثورة غضبه ضرب رأس أحد العبيد، فأصاب أذنه وقطعها. لقد أراد بُطْرُس أن يفي بوعده، لأنَّه لم يكن قد فهم طريق الله بعد. وكان نائماً في اللحظة الحاسمة قُبَيل المعركة، ولم يدخل في التَّجربة.
بضربته حرم العبد المسكين مِن إمكانيَّة سماع الإِنْجِيْل. ولكنَّ يَسُوْع بمحبَّته شفى عدوَّه، وتمَّم دستور مَلَكُوْته بمَحَبَّة الأعداء. فشاء يَسُوْع أن يَسمع هذا العبدُ أيضاً إِنْجِيْله بأذنيه الصَّالِحتين، ويتغيَّر إلى لطفه.
تكلَّم يَسُوْع المُقيَّد وسط الضَّجيج مع العساكر، وأظهر نفسه، وأثبت للقابضين عليه أنَّه ليست فيه علَّةٌ أو خطيئةٌ واحدةٌ، وأنَّه لم يحقّ للجنود أن يُقيِّدوه كلصٍّ، لأنَّه بريء؛ ولكن لأجل إتمام النُّبُوَّات قَبِل يَسُوْع أن يُسلم نفسه لأعدائه في إرشاد الرُّوْح القُدُس، وكانت ملايين الملائكة مع جميع القوى السَّمَاوِيّة تحت تصرُّفه؛ فغفر آثامنا على الصَّلِيْب، وأهَّلنا بروحه لنشهد بانتصار خلاصه.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، وداعتك تفوق عقولنا، وتواضعك يحطِّم كبرياءنا، ولطفك يُذيب قسوة قلوبنا. اغفر لنا غرورنا وشهوتنا وطمعنا بالمال وخيانتنا وابتعادنا عنك. سامحنا إنْ لم نفهم طُرُق روحك القُدُّوس، ولم نتمِّم مقاصد محبَّتك. ثبِّتْنا في لطفك، واملأنا بمحبَّتك لنتبعك مطيعين حَمْداً وشُكراً لعظمة نعمتك. آمين.
السُّؤَال:
8- ممَّ تأثَّرتَ في قصَّة القبض على يَسُوْع؟
9- يَسُوْعُ أمامَ المَحْكَمَة الدِّينيَّة
(مرقس 14: 53- 65)
14: 53 فَمَضَوْا بِيَسُوْعَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمِيْعُ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ. 54 وَكَانَ بُطْرُس قَدْ تَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ إِلَى دَاخِلِ دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ وَكَانَ جَالِسًا بَيْنَ الْخُدَّامِ يَسْتَدْفِئُ عِنْدَ النَّارِ. 55 وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةً عَلَى يَسُوْع لِيَقْتُلُوهُ فَلَمْ يَجِدُوا، 56 لأَِنَّ كَثِيرِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا وَلَمْ تَتَّفِقْ شَهَادَاتُهُمْ. 57 ثُمَّ قَامَ قَوْمٌ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا قَائِلِينَ 58 نَحْنُ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ إِنِّي أَنْقُضُ هَذَا الْهَيْكَلَ الْمَصْنُوعَ بِالأَيَادِي وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِي آخَرَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِأَيَادٍ. 59 وَلاَ بِهَذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ تَتَّفِقُ. 60 فَقَامَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ فِي الْوَسْطِ وَسَأَلَ يَسُوْعَ قَائِلاً أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ، مَاذَا يَشْهَدُ بِهِ هَؤُلاَءِ عَلَيْكَ. 61 أَمَّا هُوَ فَكَانَ سَاكِتًا وَلَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَقَالَ لَهُ أَأَنْتَ الْمَسِيْح ابْنُ الْمُبَارَكِ، 62 فَقَالَ يَسُوْعُ أَنَا هُوَ، وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ. 63 فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ ثِيَابَهُ وَقَالَ مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ، 64 قَدْ سَمِعْتُمُ التَّجَادِيفَ. مَا رَأْيُكُمْ. فَالْجَمِيعُ حَكَمُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ. 65 فَابْتَدَأَ قَوْمٌ يَبْصُقُونَ عَلَيْهِ وَيُغَطُّونَ وَجْهَهُ وَيَلْكُمُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ تَنَبَّأْ. وَكَانَ الْخُدَّامُ يَلْطِمُونَهُ
اجتمع نوّاب اليهود على يَسُوْع ليحاكموه ويقضوا عليه زوراً وبغضاً وحسداً. وكان معظمهم قد عزموا على أن يبيدوا الشَّاب النَّاصِرِيّ لأنَّه أقلق الأمَّة حسب زعمهم. فخافوا مِن تدخُّل السُّلطة الرُّومانية والحرب الجديدة.
ولكنَّهم، إخفاءً لحقدهم، حاولوا التَّصرُّف بمظاهر الحقِّ الشَّرعي، وفتَّشوا عن شهود زور ماكرين، ليبرهنوا معاً أنَّ يَسُوْع مُذنبٌ حسب الشَّريعة، ومجدِّفٌ ومُضِلٌّ. ولكنَّ الشُّهود الأشرار المُسْتأجَرين لم يقدروا أن يأتوا بأدلَّة متطابقة متوافقة، فسقطت الدَّعوى لعدم اتِّفاق أقوال الشُّهود من جهة التَّفاصيل.
كذلك كانت شهادة الشُّهود الأخيرة باطلة من أساسها، بخصوص كلمة المَسِيْح عن الهيكل، لأنَّه لم يقل قطّ أنا أنقض الهيكل (يُوْحَنَّا 12: 19)، بل قال اهدموا أنتم الهيكل، وأنا أُقيمه في اليوم الثالث. علماً أنَّه قصد هيكل جسده وقيامته.
فتخاصم اليهود حول كلماته وتفاسيرها، ولم يُدركوا جوهر الموضوع: أنَّ يَسُوْع المَسِيْح الواقف في وسطهم هو هيكل الله الحيّ الّذي فيه قد حلَّ ملء اللاهوت جسديّاً.
وصمت يَسُوْع أمام أكاذيب البشر صمتاً تامّاً، متَّكلاً على أبيه، أنَّه لا يُسلَّمه إلى الصَّلِيْب بسبب الأكاذيب التَّافهة، بل تعبيراً عن محبَّته للخطاة.
واضطرب أعضاء المجلس مِن صمت المَسِيْح، لأنَّ سكوته دان مكرهم، فنطق صمتُه بأوضح بيان. لم يخَف يَسُوْع، ولم يُبالِ بأعدائه المُحِيْطين به، بل سلَّم نفسه كلِّياً لهدى أبيه الأمين.
وأخيراً، بعد فشل الاستجواب، قام رئيس الكهنة قيافا واستحلف يَسُوْع رسميّاً أمام مجلس الأمَّة أن يعترف أمام الله هل هو المَسِيْح ابن الله الحيّ؟ فربط في سؤاله اللَّقبَين معاً ليُلفِّق تهمةً بحقِّ يَسُوْع تضمن موته، لأنَّ اليهود كانوا ينتظرون مَسِيْحاً يتباهون بقوَّته الإلهيَّة ينصرهم في السياسة والحرب، لا مَسِيْحاً مقيَّداً محتقَراً كحملٍ ضعيفٍ في وسط المَحْكَمَة.
واعتبر الكهنة والنُّوَّاب ادِّعاء أيٍّ كان أنَّه ابن الله تجديفاً مُريعاً، لأنَّ الله واحدٌ، لا شريك له، ساكنٌ في المجد والنُّور السَّمَاوِيّ.
وانتصب أمام مجلس أمَّته، وأجابهم بجملة واحدة حاسمة – وهُم المتضلِّعون من التَّوراة – موضحاً لهم مَن هو، وماذا يَفعل، وكيف سيكون مستقبله. وهذا الجواب الشَّامل الحكيم هو مِن أعظم كلمات الكِتَاب المُقَدَّس، فادرسه، واحفظه في قلبك.
لم ينكر المَسِيْح جوهره الحقيقي ليُنجِّي نفسه بالكذب، بل قال: “أنا هو”. وهذه العبارة هي ركيزة العهد القَدِيْم، وأساس العهد الجديد. وبهذه العبارة أوصى الرَّبّ في الوصايا العشر قائلاً: “أنا هو”. وأعلن نفسه أيضاً لموسى في العُلَّيْقَة الملتهبة في البرِّيَّة. وهكذا ذكر المَسِيْح نفسه مراراً في إِنْجِيْل يُوْحَنَّا: “إنَّي أنا هو”. فالمَسِيْح لم يُسمِّ نفسه “ابن الله” فقط، بل أوضح بقوله أنَّ الله بنفسه حالٌّ فيه، على الرَّغم مِن وقوفه مقيَّداً وسط الشُّيوخ الّذين أخذتهم الدَّهشة.
عرف يَسُوْع أنَّ اعترافه هذا يعني موته حتماً. لكنَّه أبصر أكثر من هذا، ورأى السَّماء مفتوحةً. وأعلن قيامته مسبقاً، وصعوده ووصوله إلى أبيه، وجلوسه عن يمينه في مكان العظَمَة، لأنَّه وحده خلَّص البشر. والجلوس عن يمين الله كان محفوظاً للمَسِيْح حسب الوعد: “قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي, اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ”
(المَزْمُوْر 110).
بهذه العبارة قال يَسُوْع للشُّيوخ السَّبعين الّذين أمامه إنَّهم ليسوا هم الّذين يدينونه، بل على النَّقيض، إنَّ الله سيضعهم موطئاً لقدمي يَسُوْع. وبوَحْيٍ آخَر مِن (سفر دانيال 7: 13) شهد الشَّاب النَّاصِرِيّ أمام قضاته المُثقَّفين أنَّه هو في الحقيقة القاضي الأزليّ، إذ سمَّى نفسه ابن الإنسان الآتي في سُحُب السَّماء ليدين الأحياء والأموات.
كان كلّ إسرائيلي آنَذَاكَ يعرف معنى هاتين الآيتَين اللَّتين وحَّدهما يَسُوْع في جملة واحدة، للاعتراف بمَسِيْحيَّته أمام مجلس الأمَّة. وقد برهن بهذه الكلمات الموجَزة العميقة أنَّه ابن الله الحيّ والمَسِيْح الحَقّ والقاضي الأزلي والرَّب بنفسه. فكان على الحضور أن يسجدوا له حالاً، ويستقبلوه بهتاف وخُضُوْع مع التَّسابيح.
وهكذا لم يبقَ لزعماء إسرائيل إلاَّ أن يختاروا إمَّا الخُضُوْع ليَسُوْع فوراً، أو الحكم عليه بالموت. فاتَّهموه بالتَّجديف، وحكموا عليه بالموت، وضربوه علانيةً، علامةً على أنَّهم غير مشتركين بهذا التَّجديف، لكي لا يحلَّ غضب الله عليهم.
وقف أمامهم حَمَل الله الوديع صامتاً، واحتمل البُغْضَة والحقد والشَّرَّ دون أن ينطق بكلمة واحدة. فالبشر في عصيانهم قد ضربوا ابن الله وبصقوا في وجهه. فما موقفك أنت؟ هل تسجد له وتحبُّه، أم ترفضه وتشترك في صلبه؟
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع الحيّ، أنت ربِّي وإلهي وقاضيَّ وفَادِي. أستودع روحي ونفسي وجسَدي بين يديك مع إخوتي وأخواتي. اغفر لنا جُبْنَنا وذَنْبنا، وقدِّسْنا إلى التَّمام، لنشهد بألوهيَّتك دون خوفٍ أو وَجَل، وعَلِّمْنا أن ننتظر مشيئتك، لأنَّك جالسٌ عن يمين الله، وستأتي قريباً في مجدٍ عظيمٍ. آمين.
السُّؤَال: 9- ما هو معنى جواب يَسُوْع أمام مجلس اليهود؟
مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ
ابْنَ الإِنْسَانِ
جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ
وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ
(متى 26: 64)
10- إنكار بُطْرُس ليَسُوْع
(مرقس 14: 66- 72)
14: 66 وَبَيْنَمَا كَانَ بُطْرُس فِي الدَّارِ أَسْفَلُ جَاءَتْ إِحْدَى جَوَارِي رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، 67 فَلَمَّا رَأَتْ بُطْرُس يَسْتَدْفِئُ نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوْع النَّاصِرِيّ. 68 فَأَنْكَرَ قَائِلاً لَسْتُ أَدْرِي وَلاَ أَفْهَمُ مَا تَقُولِينَ. وَخَرَجَ خَارِجًا إِلَى الدِّهْلِيزِ، فَصَاحَ الدِّيكُ. 69 فَرَأَتْهُ الْجَارِيَةُ أَيْضًا وَابْتَدَأَتْ تَقُولُ لِلْحَاضِرِينَ إِنَّ هَذَا مِنْهُمْ. 70 فَأَنْكَرَ أَيْضًا. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضًا قَالَ الْحَاضِرُونَ لِبُطْرُس حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ لأَِنَّكَ جَلِيْليٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ. 71 فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ. 72 وَصَاحَ الدِّيكُ ثَانِيَةً، فَتَذَكَّرَ بُطْرُس الْقَوْلَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ يَسُوْع إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا تَفَكَّرَ بِهِ بَكَى
لم يُرِدْ بُطْرُس أن يترك يَسُوْع أبداً. وكان متأكِّداً أنَّه سيَراه منتصرا في آخر لحظةٍ مُعلناً مجده الخاصَّ، كابن الله الغالب، أمام المجمع اليهوديِّ بأعجوبةٍ خارقة.
وعزم مقدام الرُّسُل على أن يفي بوعده، الّذي قطعه أمام المَسِيْح، أن يُرافقه مهما كلَّفه الأمر، غير عالمٍ أنَّه ما مِن إنسانٍ يستطيع أن يفي نذراً لله بالتَّمام، لأنَّ النُّذور مبنيَّةٌ على الإيمان بالذَّات الضَّعيفة الّتي تفشل في التَّنفيذ والتَّطبيق.
يستطيع العالم أن يكشف أتباع يَسُوْع بسهولةً وسُرعة، لأنَّ وجوههم تعكس لُطف المَسِيْح، وأخلاقهم تفيض بأقوال نقيَّة عفيفة، فلا يخفى جوهرهم. والعالم يَشعر بروحهم مِن بعيد.
وهكذا اكتشفت الخادمة البسيطة بُطْرُس المُختبئ الّذي لم يُشارك ربَّه في القيود والعار، بل تبعه مِن بعيدٍ في الليل الحالك، فكان بطلاً جباناً. وهكذا كان الاستعداد للإنكار موجوداً في نفسه منذ البداية. ولأنَّه لم يشأ أن يكتشفه أحدٌ، أخفى اتِّباعه للمَسِيْح بكذبة بيضاء. وهكذا أنكر بُطْرُس معلِّمه بالتَّمام، ونسي اعترافه الموحى به مِن الرُّوْح القُدُس سابقاً، أنَّ يَسُوْع النَّاصِرِيّ هو المَسِيْح ابن الله الحيّ. فضحكت جَهَنَّم مِن إهمال بُطْرُس وحُجَّته الواهية. وكان صياح الدِّيك صدىً لسخرية الشَّيَاطِيْن من ابتعاد مقدام الرُّسُل عن سيِّده. فأصبح بُطْرُس باتِّباعه المُهتَزِّ فريسةً سائغةً بين يدَي أبي الكذَّابين. فهل أنت تؤمن بالمَسِيْح مُخْلِصاً، أم أنَّ إيمانك متردِّدٌ ومتأرجحٌ لعدم ولادتك من الرُّوْح القُدُس؟
لم تكتفِ جَهَنَّم بما أحرزته مِن تقدُّم بواسطة الأكاذيب الصَّغيرة والحجج المتسرّعة، بل أتمَّت انتصارها بقيادة بُطْرُس إلى الرَّفض الظَّاهر، فأنكر معلِّمه أمام المرأة الأُخرى، وأثبت جازماً بكلِّ إصرارٍ وتأكيدٍ أنَّه لم يعرفه قطّ.
هل كان بُطْرُس مرتعباً مذعوراً، فشاء أن ينأى بنفسه عن الجَلْد والتَّعذيب؟ أم أنَّه احتقر المرأة البسيطة والعبيد الجُهَّال، على أمل أن يُعلن نفسه أمام المجمع فقط، كي يَظهر بمظهَر البطل في اتِّباع المَسِيْح؟
لا نعلم السَّبب بالتَّأكيد. ولكنْ في المناقشة الحادَّة بينه وبين الخادمة، أرهف المصطلون حول النَّار السَّمع لمَّا سمعوا لهجة بُطْرُس وحديثه، فتفرَّسوا فيه، ووجدوا أنَّ طريقة نُطقه تدلُّ حقّاً على أنَّه جَلِيْليٌّ مِن بلد يَسُوْع. ولكنَّ بُطْرُس لم يستغلّ هذه الفرصة الفريدة ليَشهد ليَسُوْع مخلِّصه، ويحدِّثهم عن عجائبه وشِفَاءَاته، كما عاهد يَسُوْع قَبْلاً، بل جعل يلعن نفسه جهراً، ويحلف أنَّه لم يعرف يَسُوْع قطّ.
هذا هو قصد الشَّيْطَان: أن يقود أتباع يَسُوْع إلى إنكار ربِّهم، ويُسقطهم في إهلاك ذواتهم، كي يتغلَّب على إيمانهم، ويُبعدهم عن يَسُوْع.
قد عرف يَسُوْع وأبصر هذا الحادث مسبقاً، وأبطل غلبة جَهَنَّم في محبَّته، لأنَّ بُطْرُس لم يُبغضه مِن صميم قلبه، كما فعل يَهُوذَا الخائن، بل أنكره متسرِّعاً، وخوفاً من حدِّ السَّيف. فسقط بسبب فخره الباطل في فخِّ الشَّيْطَان. أمَّا المَسِيْح فكان قد عيَّن مسبقاً صياح الدِّيك تحذيراً لبُطْرُس، أثناء إنكاره الثَّّالث، فاخترق صياح الدِّيك قلبه الهائج، وأدرك إفلاس شرفه، وفهم أنَّه ليس بطلاً بارزاً، بل كذَّاباً أفَّاكاً. فارتعد وخاف من القاضي الأزلي، وانكمش مشمئزّاً مِن نفسه الجبانة، ومِن خذلانه لمعلِّمه وربِّه، وبكى بكاءً مُرّاً.
وبينما كان يَسُوْع يُضرَب ويُهَان، انتفض مقدام التَّلاَمِيْذ من بكائه، منكسراً لكبريائه، ومنسحقاً بإدراك ذنبه. وابتدأ يَسُوْع، بواسطة هذه النَّدامة، يُجدِّد تلميذه، لأنَّ الإنسان الطَّبيعيَّ لا يستطيع أن يدخل مَلَكُوْت الله إلاَّ بعد التَّوبة النَّصوح، ونكران الذَّات، ومن ثمَّ التَّجدُّد بالرُّوْح القُدُس.
هل يُذكِّرك صياح الدِّيك بأنَّك من أتباع المَسِيْح؟ احترز مِن اتِّباع المَسِيْح مِن بعيد، كي لا تسقط في تجربة إنكاره فترتكب بذلك خطيئةً شنيعةً. ليت صياح الدِّيك يوقظك مِن نومك العميق في الخطيئة، ويَدفعك للاعتراف الصَّريح أمام المُخلِّص، والبكاء على نفسك المُلوَّثة، فتخلص، وتحيا إلى الأبد.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، لستُ أفضل مِن بُطْرُس، وقد أنكرتك ألف مرَّةٍ في مُحِيْط العمل والعائلة والأصدقاء، في خطايا قبيحة. أنت تعرفني. اغفر لي ذنبي، وطهِّرني تطهيراً، وحَرِّرْني مِن ثقتي بذاتي، كي أتَّكل عليك وحدك، مُختبراً قُوَّتك في اتِّباعك. آمين.
السُّؤَال:
10- كيف حدث انكسار بُطْرُس تدريجيّاً
11- يَسُوْعُ أمام المَحْكَمَة المدَنيَّة
(مرقس 15: 1- 15)
15: 1 وَلِلْوَقْتِ فِي الصَّبَاحِ تَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْكَتَبَةُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ فَأَوْثَقُوا يَسُوْع وَمَضَوْا بِهِ وَأَسْلَمُوهُ إِلَى بِيْلاَطُس
2 فَسَأَلَهُ بِيْلاَطُس أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ، فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُ أَنْتَ تَقُولُ. 3 وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا. 4 فَسَأَلَهُ بِيْلاَطُس أَيْضًا قَائِلاً أَمَا تُجِيبُ بِشَيْءٍ. اُنْظُرْ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ. 5 فَلَمْ يُجِب ْ يَسُوْع أَيْضاً بِشَيْءٍ حَتَّى تَعَجَّبَ بِيْلاَطُس. 6 وَكَانَ يُطْلِقُ لَهُمْ فِي كُلِّ عِيدٍ أَسِيرًا وَاحِداً مَنْ طَلَبُوهُ. 7 وَكَانَ الْمُسَمَّى بَارَابَاسَ مُوثَقًا مَعَ رُفَقَائِهِ فِي الْفِتْنَةِ الَّذِينَ فِي الْفِتْنَةِ فَعَلُوا قَتْلاً. 8 فَصَرَخَ الْجَمْعُ وَابْتَدَأُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا كَانَ دَائِمًا يَفْعَلُ لَهُمْ. 9 فَأَجَابَهُمْ بِيْلاَطُس قَائِلاً أَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ، 10 لأَِنَّهُ عَرَفَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. 11 فَهَيَّجَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ الْجَمْعَ لِكَيْ يُطْلِقَ لَهُمْ بِالْحَرِيِّ بَارَابَاسَ. 12 فَأَجَابَ بِيْلاَطُس أَيْضًا وَقَالَ لَهُمْ فَمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ أَفْعَلَ بِالَّذِي تَدْعُونَهُ مَلِكَ الْيَهُودِ، 13 فَصَرَخُوا أَيْضًا اصْلِبْهُ. 14 فَقَالَ لَهُمْ بِيْلاَطُس وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ، فَازْدَادُوا جِدّاً صُرَاخًا اصْلِبْهُ. 15 فَبِيْلاَطُس إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ لِلْجَمْعِ مَا يُرْضِيهِمْ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ وَأَسْلَمَ يَسُوْعَ بَعْدَمَا جَلَدَهُ لِيُصْلَبَ
بعد ليلة مضنية في السِّجن، اقتيد يَسُوْع إلى الوالي الرُّوماني المتعجّرف القاتل، لأنَّه لم يكن لليهود آنَذَاكَ صلاحية الحكم بإعدام إنسان. فقرَّر شيوخ الشَّعب السَّبعون، وبينهم رؤساء الكهنة والقضاة المهرة والوجهاء والعلماء، أن يُميتوا يَسُوْع بأيدي الأجانب الكُفَّار، كي يُذاع، بواسطة هذا العار في الأُمَّة كلِّها، أنَّ يَسُوْع ظهر ضعيفاً مرفوضاً مِن الله ومطروداً مِن رؤساء الكهنة.
لم يَقُل اليهود الماكرون لبِيْلاَطُس إنَّهم يطلبون موت يَسُوْع لأجل شهادته أنَّه ابن الله الحي والمَسِيْح الموعود، بل ادَّعوا أمام المَحْكَمَة أنَّه جعل نفسه ملكاً وحاكماً ليُحرِّر الأُمَّة مِن كابوس الاستعمار.
فسأله بِيْلاَطُس مباشرةً وبإيجازٍ: “هل أنتَ ملكٌ؟”
لم يُنكر يَسُوْع هذا اللَّقب، بل أثبت وأوضح وظيفته الملكيَّة الرُّوحيَّة على الأرض. كان سهلاً عليه أن يُنقذ نفسه لو اقتصر على الهدف الدِّيني، ولكنَّه لم يُنكر حقَّ الله في الشَّعب كلِّه؛ لأنَّ العليَّ لم يُرِد قلوبهم فقط، بل حياتهم وأموالهم وأوقاتهم وأنظمتهم أيضاً. فالإيمان بالمَسِيْح يتضمَّن الفكرة أنَّ ابن الله هو المالك، وأنَّ هدف المَمْلَكَة الإلهيَّة هو تجديد العوالم بقوَّة ربِّنا يَسُوْع المَسِيْح.
لم يَفهم بِيْلاَطُس معنى اعتراف يَسُوْع هذا، غير أنَّه لم يَرَ فيه ثائراً دمويّاً بالسَّيف والعنف، بل إنساناً بسيطاً تقيّاً مستقيماً؛ فابتسم وأراد أن يُطلقه ويُبرِّئه انتقاماً مِن زعماء الأُمَّة اليهوديَّة. ولكنَّ الأوضاع السِّياسية آنَذَاكَ كانت مضطربة ومبلبلة في أرجاء الإمبراطوريَّة الرُّومانية كلِّها. فضغط اليهود عليه بحيلهم حتَّى فضَّل أخيراً إنهاء المسألة سريعاً وبدون ضجيج.وبقي يَسُوْع صامتاً أمام شكاوى اليهود وأكاذيبهم، لأنَّه قد واجه ممثِّل السُّلطة الحاكمة بالحقِّ كلِّه مرَّةً واحدةً، موضحاً له سِرَّ نفسه ومملكته. وعلم يَسُوْع أنَّ نهايته باتت
وشيكةً، فلم يخَف مِن موته، ولم يستَعطف البشر، بل دان أكاذيبهم بصمته الملوكي.
ويلٌ للإنسان أو الشَّعب الّذي لا يَسمع كلمة الله، لأنَّها الوسيلة الوحيدة للنِّعمة. طوبى للأُمَّة الّتي يُكلِّمها الله بلطفه أو قسوته، لأنَّه بعدما يُكلِّمها يُنعِم عليها ويهتمُّ بالمستمعين ويُريد خلاصهم.
أخيراً عرض بِيْلاَطُس على الشَّعب، كحلٍّ وسط، أن يختاروا أيَّ الاثنين يُطلقه لهم: القاتل الثائر أو حَمَل الله الوديع، باحثاً عن منفذٍ شرعيٍّ لنجاة يَسُوْع، متلاعباً بالحقّ. ولكنَّ الجَمَاهِيْر، كما هو حالها دائماً، لا تتوسَّم البطولة والقيادة في الإنسان المتواضع الّذي يدعوها إلى التَّوبة وإنكار الذَّات، بل في العنيد العنيف المتسلِّط الّذي يأتي لها بالمال والحرِّية والجاه والمناصب. ولعب زعماء اليهود الدِّينيون الدَّور الرَّئِيْسِيّ في تحريض الأفراد والجماعات على فَادِيهم ومُخلِّصهم، واشتروا بعضهم بالمال كي يُكبِّلوا يَسُوْع بحُكمٍ شعبيٍّ مُبرَم بموته.
وحاول بِيْلاَطُس عبثاً تهدئة الأمواج البشريَّة الهائجة قاصداً إرضاء القيصر الّذي لم يكن يتورَّع عن إعدام أيِّ والٍ مِن ولاته يثبت تقاعسه عن تدبير شؤون ولايته، ولا سيَّما ما يتعلَّق باستتباب الأمن فيها. فخاف بِيْلاَطُس على نفسه، وفضَّل أن يظلَّ في كنف القيصر على أن يحكم بالحقِّ، فكسر الحقَّ، وأنزل بيَسُوْع البريء حكم الإعدام، خوفاً مِن القيصر، وإرضاءً لليهود المشاغبين كي لا يُعكِّروا صفو ولايته.
تصوَّر يا أخي أنَّ البشر حكموا على ربِّهم… الأتقياء طلبوا صلبه، والجَمَاهِيْر صرخت مطالبةً بإبادته.. هذا هو روح العصيان مِن أبي العُصَاة الّذي قصد إقصاء الله ليملك هو بعنف وبُغْضَة وظُلم على كلّ نَفْسٍ حَيَّةٍ.
فمَن كنتَ لتختار لو أنَّك كنتَ حاضراً في المَحْكَمَة آنَذَاكَ… أَباراباس القاتل الثَّائر الّذي وعد شعبه بالحرِّية والاستقلال والرَّفاهية، أم يَسُوْع اللَّطيف، حَمَل الله الوديع، الّذي احتمل الضَّعف والاحتقار كي يغفر خطيئة العالم؟
امتحن اختيارك بتفكير ورويَّة، وقرِّر مصيرك، واشهد لابن الله اليوم لأنَّه مُخلِّص العالم الّذي يبني مَلَكُوْته في قلوب أتباعه.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، أنت الملك الحقيقيُّ. أعترف أمامك بأنِّي أُحبُّ المال والجاه والقوَّة أكثر مِن الوداعة والتَّوَاضُع والقناعة. اغفر لي تفضيلي الرَّفاهية والاسترخاء على الحقِّ والتَّضحية. سامِحْني إنْ لم أُساعد الأبرياء المُقيَّدِين في السُّجون، أو أُدافع عنهم بأمانة. علِّمني أن أسلك في الحقِّ، وأن أتعلَّم منك الجرأة في سبيل الاستقامة والصِّدق. آمين.
السُّؤَال:
11- ما معنى اعتراف يَسُوْع بأنَّه ملك؟
12- تعذيب يَسُوْع بالجَلْد
(مرقس 15: 16- 20)
15: 16 فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ. 17 وَأَلْبَسُوهُ أُرْجُوَانًا وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ. 18 وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ. 19 وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصَبَةٍ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ. 20 وَبَعْدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ نَزَعُوا عَنْهُ الأُرْجُوَانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ.
عندما جلَد الجند الرومانيون يَسُوْع ضربوه بسياطٍ رُبِطَت بحبالها الجلديَّة صنانير وقطع عظميَّة لكي تكشط الجلد، وتُمزِّق اللَّحم، وتنقض الظَّهر.
إنَّ السِّلسلة الفقريَّة هي مِن أشدِّ أعضاء الجسم حساسيةً، لأنَّ منها تمرُّ الأعصاب الرَّئِيْسِيّة. فمَن يُخرِّب هذا الصَّلَبَ يُعطِب الجسم كلَّه. فالجَلْدُ كان تحضيراً للصَّلْب، لكي يصبح الجسد قبل رفعه ضعيفاً، ويفقد دماً كثيراً. فكان المجلود يبدو نصف ميتٍ بعد اجتيازه مرحلة الجَلْد.
وبعد التَّعذيب كان يحق ُّ للعسكر أن يسخروا بالمجلود. فسخروا بيَسُوْع، وفعلوا به ما شاءوا، لأنَّ ساعة صلبه لم تكن قد حانت بعد. فأخذوه إلى ثكنة “أنطونيا” ذات الأبراج الأربعة المنيعة، في شمال ساحة الهيكل، والّتي كانت تطلُّ على الهيكل وتحيط به لتسهيل دخول الجند الرومانيين كلّما اقتضت الحاجة ذلك.
وكانت الفرقة الموضوعة في القدس آنَذَاكَ تتراوح ما بين 500 و 1000 جندي وضابط.
ودعا العسكر المكلَّفون تعذيب يَسُوْع زملاءهم ضاحكين وقائلين: “اليوم وجدنا غريباً يزعم أنَّه ملك اليهود، أراد أن يُحرِّض الجَمَاهِيْر على الثَّورة. هيَّا نَسجد له. وقد قال أيضاً إنَّه ابن الله، فلْنَسجُد له”.
لم يؤمن أيُّ واحدٍ مِن المستهزئين بدعوة يَسُوْع وجلاله، بل رأوا رداءه الملوَّن بالدَّم، وظهره الممزَّق، وانفراده الصَّامت. وركض البعض وأتوا برداء قاضي الولاية مِن خزانة ملابس السُّخْرة، وضفروا تاجاً من شوك، وأقحموه بعنف في رأسه ضاحكين. فانغرز الشوك في جبينه، وسالت قطرات الدَّم على وجهه الطَّاهر. ما أقسى وأفظع الآلام الّتي احتملها يَسُوْع!
أمَّا يَسُوْع فلبث صامتاً صمتاً ملوكيّاً، مكابداً الآلام بشجاعةٍ وإباء، دون أن ينبس ببنت شفة، أو يتذمَّر أو يستعطف أو يولول. ولم يكتفِ أبناء الظلام بتعذيبه جسديّاً، بل عذَّبوا روحه أيضاً بتجديفهم على رَبّ الأَرْبَاب قائلين: “لِيَعِشْ ملك اليهود الفاشل. إلى الأمام سر أيُّها البطل السَّائر بدون جيش. يا راكب الحمار بدون خطَّة سياسيَّة. أيُّها الشَّافي بالعجائب دون أن تقدر على شفاء نفسك”.
والبعض ركع أمامه وسجد له. لم يعلموا ماذا يفعلون، لأنَّ الشَّيْطَان قد أعمى قلوبهم، فجدَّفوا وسط سجودهم. وكي يكملوا عارهم ضربوه بقضيب على رأسه وظهره. وكانوا قبل ذلك قد وضعوا صولجاناً في يده باستهزاء.
لم يحمل يَسُوْع في يده اليمنى صولجاناً مِن ذهب وعاج، ولا مجسَّماً ذهبيّاً للكرة الأرضية في يسراه، بل أصبح صورة الاستهزاء. فضربه الوثنيُّون وبصقوا في وجهه.
هل بصق أحدٌ يوماً في وجهك، أو في عينيك؟ ما هي ردّة فعلك على عملٍ كهذا؟ انظر إلى ردَّة فعل يَسُوْع! لقد أحبَّ أعداءه، وبارك لاعنيه، وحمل بغضاء البشر جميعاً، وتحمَّل إهاناتهم وكلَّ شرٍّ ونقيصةٍ فيهم بدون تذمُّر؛ فغلب العالم كلَّه في نفسه.
وبعدما أفرغوا كلَّ ما في جعبتهم مِن سخرية واستهزاء وحقد وضغينة كامنة في قلوبهم الشِّرِّيْرة، نزعوا عنه رداء الملك، وألبسوه رداءه المخضَّب بدمه، غير عالمين أنَّ هذا الرِّداء المصنوع من قطعةٍ واحدةٍ هو شبه رداء رئيس الكهنة، فيَسُوْع رئيس الكهنة الحقيقي كان في طريقه ليُصالح البشر مع الله، باذلاً نفسه بذبيحة ذاته في سبيل المَحَبَّة؛ وغير مُدركين أنَّ مَلِك المُلُوْك قد فدى لنفسه شعباً يلبس صفاته: الوداعة والمَحَبَّة، التَّوَاضُع والجلال، الغُفران والقَدَاسَة.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، نسجد لك لأنَّ صمتك نطق بأبلغ وأفصح مِن كلِّ احتجاج ودفاع. أنت لم ترفض في محبَّتك المستهزئين والسَّاخرين. نشكرك لأجل صبرك على الآلام، ومحبَّتك تحت التَّعذيب. هَب لنا الصَّبر ورباطة الجأش كي لا نثور في ساعة الاستهزاء، ولا نُبغض مضطهدينا، بل نغلب أنفسنا، ونُحبّ أعداءنا، ونُخلِّصهم باسمك. نسجد لك، ونُعِدُّ الطَّريق لمجيئك أيُّها الملك الموعود، حَمَل الله الوديع. ونستودع نفوسنا بين يديك. أنت ملكنا في المَحَبَّة المقدَّسَة. آمين.
السُّؤَال: 12- كيف عصّب الجنود الرُّومانيُّون يَسُوْع؟ وكيف ردَّ على استهزائهم؟
لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اللَّهِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا, مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ, وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ, وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا.(إِشَعْيَاء 53: 4- 6)
13- حمل الصَّلِيْب إلى المُنتَهَى
(مرقس 15: 21- 23)
15: 21 فَسَخَّرُوا رَجُلاً مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. 22 وَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَوْضِعِ جُلْجُثَة الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ جُمْجُمَةٍ. 23 وَأَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرٍّ لِيَشْرَبَ فَلَمْ يَقْبَلْ.
هل حمَلْتَ يوماً ساق شجرةٍ طولها ثلاثة أمتار؟ كان صليب المَسِيْح ثقيلاً ضاغطاً، وكان جسمه قد فقد قوَّته، فانهار تحت حمله وسقط.
يا لها من تعزيةٍ عظيمةٍ لنا! فقد كان على يَسُوْع أن يصبح شبيهاً لنا في كلِّ شيء. إنَّما بقي وحده بلا خطيئة. فهو يُدرك مشاعرنا وأحاسيسنا كلَّها، ولذلك يمكنه أن يرأف بنا في ضعفاتنا.
هل تحمل هموماً وخطايا وأعباء ثقيلةً في حياتك؟ هل تضغط عليك مشاكل، أو بُغْضَة، أو جوع؟ أيّاً كان صليبك، فالمَسِيْح قد حمله عوضاً عنك، ليس كبطلٍ جبَّار، بل كحمل وديع مُنكسِر استنزف قواه الجسديَّة كلَّها. إنَّ يَسُوْع يفهمك إنْ لم تستطِعْ أن تُكمل طريقك.
لم يَرْمِ يَسُوْع صليبه، بل ظلَّ متماسكاً متمسِّكاً به حتَّى عندما سقط تحته. وإذ حاول الجنود إجباره بالقوّة والضرب على النهوض لم يستطع رغم إرادته؛ فسخَّروا يهوديّاً مارّاً، أصله مِن شمال أفريقيا، كان قد أتى إلى فصح حَمَل الله في القدس، فحمل صليب يَسُوْع عوضاً عنه.
المَسِيْحُ مستعدٌّ اليوم أن يُعينك. أنت لستَ وحيداً، فهو قريبٌ منك، ويعرفك باسمك. إنَّه يقول لك ولكلِّ واحدٍ: “تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَِنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَِنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ”.
نتعلَّم مِن هذه الآية أنَّ يَسُوْع، كما مشى مع أبيه تحت نيرٍ واحدٍ، وحرث معه حقل العالم، هكذا يريد أن يدخل معك إلى شركة كاملة شاملة في الحياة، ويشترك معك في حَمل أثقالك، ويُشركك معه في بركاته وقُوَّته ودعوته.
فهل أنتَ متيقِّنٌ مِن ذاتك، ومتكبِّرٌ في أعماقك، وتُريد أن تحمل صليبك وحدك؟ لا تكُن غبِيّاً. فالمَسِيْح قريبٌ منك، وهو يَقبلُك تلميذاً إنْ أنت سلَّمتَ له نفسك مع مشاكلك. لا تتباطأ. صَلِّ وسَلِّمْ له حياتك، لأنَّ يَسُوْع يُحبُّك. إنَّه مُعينٌ أمينٌ ومُخلِّصٌ قديرٌ.
لا نعرف بدقَّةٍ مَن هو سِمْعَان القيرواني. رُبَّما رفع صليب يَسُوْع مُكرَهاً غاضباً مشمئزّاً، مُعتبِراً أنَّه قد تنجَّس بعمله هذا وفقاً للطقوس اليهوديَّة، وأنَّ حجَّه إلى أُوْرُشَلِيْم، الّذي كلَّفه كثيراً، قد أصبح باطلاً.
رُبَّما نظر في عينَي يَسُوْع المرميّ أرضاً، فقرأ فيهما الشُّكر لأنَّ إنساناً واحداً قد ساعده عمليّاً – وإنْ غصباً عن إرادته – في درب آلامه.
وظهر شُكر يَسُوْع فيما بعد في ابني سِمْعَان القيرواني اللذين وُلِدا ولادةً ثانيةً، وأصبحا بعدئذٍ عضوين بارزَين في كنيسة رومة. لقد حمل أبوهما صليب يَسُوْع، أمَّا يَسُوْع فحمل خطايا الأب وابنَيه، فأثمرت عائلة القيرواني ثماراً أبديَّةً وبركةً خالدة.
وصل موكب الصَّلِيْب خارج سور المدينة إلى مرتفع حيث كانت السُّوق العموديَّة للصُّلبان مغروزة بعمق في الأرض مِن قبل، معَدَّة لصلب المجرمين، لأنَّ العديد مِن العبيد والمجرمين كانوا قد صُلبوا هناك قبل يَسُوْع.
وسمَّى الشَّعب المكان “جُلْجُثَة” بمعنى “جمجمة”، حيث قُطِعَت الرُّؤوس وشُنِق اللُّصوص. ويقول بعض المفسِّرين إنَّ الهضبة المذكورة تَبدو كجمجمة بشريَّة. فصليب يَسُوْع شقَّ رمز الجمجمة البشريَّة، لأنَّ الحكماء لم يُدركوا بعقولهم وجماجمهم حكمة الإله المتجسِّد، بل صلبوا ربَّ المَجد وأفضلَ البشر.
كانت العادة أن يُسقى المحكوم عليه بالصَّلب، قُبَيْل صلبه، شراباً مخدِّراً كي يتمكَّن مِن احتمال الآلام والأوجاع القاسية الّتي تعصف بجسده ونفسه قبل موته، فلا يشعر بالعذاب كلِّه فوراً. أمَّا يَسُوْع فلم يشأ أن يشرب المخدِّر، بل أراد أن يحتمل آلام الصَّلِيْب بكامل وعيه، عالماً أنَّ في هذه السَّاعة الأخيرة من حياته يأتي الشَّيْطَان شخصيّاً ليُجرِّبه بالبُغْضَة والكفر واليأس، كي يُخطئ ولو خطيئة واحدةً، فتبطل أتعاب حَمَل الله كلُّها في الماضي والمستقبَل.
لقد شاء يَسُوْع أن يغلب الشِّرِّيْر بيقظة وهو في كامل وعيه، فرفض كلَّ شكلٍ مِن أشكال التَّخدير. استعدَّ للآلام حتَّى الموت… واستقبل بكلّ شجاعةٍ الصِّراعَ الأخير في حياته.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ القُدُّوسُ، قد أصبحْتَ ضعيفاً وانكسَرْتَ تحت صليبك، وأنت أعلمُ منِّي بضعفي ونفاد صبري ورغبتي في التَّخلُّص مِن الحمل الّذي يُثقِل كاهلي. فاغْفِر لي تذمُّرِي وارحَمْني أنا الخاطئ. ساعدني على احتمال أثقالي، ولْتَعْمَل قُوَّتك ومحبَّتك ورجاؤك وإيمانك في ضعفي، فأغلِب باسمك التَّجارب الّتي تتقاذفني… أيُّها المنتصِر، وتَنصرني. آمين.
السُّؤَال:
13- ماذا نتعلَّم مِن حَمْل يَسُوْع صليبَه؟
الرَّبُّ بِرُّنَا
(إِشَعْيَاء 23: 6)
14- عمليَّةُ الصَّلْب
(مرقس 15: 24- 25)
15: 24 وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا مَاذَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ. 25 وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ.
لم يَصِفْ أحدٌ مِن الرُّسُل بالتَّفصيل كيفيَّة صَلب يَسُوْع. فنقرأ عن أثر المسامير الصَّدِئة الّتي سُمِّر بها على خَشَبَة العار. والأغلب أنَّ الخُدَّام الّذين أُوكل إليهم صلبه قد رموه على الأرض، وعرَّوه مِن ثيابه، وسمَّروا يديه بساق الخشب بدون رحمةٍ أو شفقة.
قِف يا قلب، وأّدرِك يا ذهن أنَّ العالم يُعذِّب خالقه… يَغرس المسامير في اليدَين الشَّافيتَين
المبارِكتَيْن… الدَّمُ المسفوك المتساقط على التُّراب هو دم القُدُّوس… والمَحَبَّة الّتي لم تُهمِل أحداً تُنْحَر على يد الحقد والبغضاء.
نَسجد لك يا حَمَل الله الوديع، ونُعظِّمك يا رافع خطايا العالم. قد رفعت ذنبي أيضاً وقدَّسْتَني إلى الأبد.
وحسب العادة، رفع المُكلَّفون بالإعدام الخَشَبَة المستعرضة الّتي عُلِّق عليها جسم المَصْلُوب، وجعلوها على الخَشَبَة العموديَّة المنصوبة والمثبَّتة في الأرض، وربطوا الخَشَبَة الأفقيَّة بمكان التقائهما.
وأخيراً أمسكوا بقدميه الطَّاهرتَين اللَّتين مَشَتا طويلاً في مدن الأمَّة وقراها لتزرعا الكلمة والبشارة حيثما حلَّتا، فوضعوا قدماً فوق أخرى وسمَّروهما معاً بمسمار طويل غليظ.
ما أعظم العذاب والدَّم الطَّاهر المتساقط على الأرض الملعونة بسبب عصيان البشر الّذين لم يحتملوا الإنسان المثالي الكامل، الإله الحقيقي المتجسِّد، بل صلبوه رافعين إيَّاه عن الأرض، كأنَّهم قصدوا أن لا تكون بينه وبين الكرة الأرضيَّة أيّ علاقة مباشرة!
الصَّلب وسيلةٌ شيطانيَّةٌ للإعدام، لأنَّه لا يُمِيتُ المَصْلُوب فوراً، بل يُميتُه على دفعاتٍ، عدَّة ميتات، فيحسُّ المَصْلُوب أنَّه يُعدَم مرَّاتٍ عديدة، لفظاعة وهول الآلام الجسديَّة والنَّفسيَّة الّتي يُقاسيها وهو مُسمَّرٌ على خَشَبَة العار.
أوَّلاً يُسْحَب الجسد الممزَّق بجروحه بكلِّ ثقله، فتزداد الجروح وتكبر. وبعدئذٍ تبدأ أعصاب المَصْلُوب وعروقه بالتَّجمُّد، حتَّى يُغمَى عليه بين الفينة والأخرى. وتُهاجمه صُوَرٌ مُخيفةٌ، فيرجف القلب ويخفق بقوَّة، ويَنبض بسرعة جنونيَّة، ومن ثمَّ ينبض ببطء شديد حتَّى يظنّ المَصْلُوب أنَّه سيتوقَّف عن الخفقان… ويتزايد الشُّعور باليأس الشَّديد مع التَّصلُّب والانهيار الكُلِّي. يا لبشاعة فكر الإنسان الّذي ابتكر هذه الميتة الشَّيْطَانيَّة الرَّهيبة لمعاقبة أخيه الإنسان.
نسجد لك يا حَمَل الله القُدُّوس، لأنَّك رفعتَ بجسدك الطَّاهر خطايا العالم كلّها، وكفَّرتَ أيضاً عن ذنوب القارئ الّذي يقرأ هذه الكلمات. فامنحه الإيمان بالخلاص التَّامِّ ومصالحته مع الله بواسطة آلامك وموتك.
حَدَث صلبُ يَسُوْع حوالي الساعة التَّاسعة صباحاً، عندما كانت أشعَّة الشَّمس لطيفةً لم تشتدّ بعد؛ لأنَّ نهار اليهود يبدأ في السَّادسة صباحاً، فالسَّاعة الثالثة عندهم توافق السَّاعة التاسعة عندنا.
ونَعلم من هذا التَّوقيت أنَّ المباحثات عند الوالي الروماني، وحكمه على يَسُوْع بالموت، وجلد المحكوم عليه، وسوقه إلى الجُلْجُثَة، وصلبه، لم تَدُم كلّها طويلاً؛ لأنَّ الوالي واليهود عمدوا إلى الإسراع في ذلك على نحو ذكيّ، بقلوب قاسية مملوءة حقداً وتعصُّباً وضغينة.
وجلس العبيد المكلَّفون بالصَّلب تحت صليب يَسُوْع، كما اعتادوا الجلوس تحت صليب أيّ مجرم، ليقترعوا على ثياب المَصْلُوب. لقد حمل يَسُوْع رداءه الكهنوتي إلى المنتهى، فلم يشاءوا أن يقسموا رداءه الثَّمين هذا فيما بينهم، كي لا يفقد قيمته، فاقترعوا عليه ليكون مِن نصيب مَن تقع عليه القُرعة.
اليوم يُسرع الناس إلى أَعْمَالهم في زحمة الشوارع، كلٌّ يسعَى لتأمين لقمة العيش والرَّفاهية لنفسه ولعائلته… يَعدُّون النُّقود بأيديهم، ويُفكِّرون بالأرباح، ويُخطِّطون لأنفسهم، ويسعون لتحقيق أحلامهم، دون مبالاةٍ بوجود يَسُوْع، وحقيقة صلبه. فلا يتأمَّلون المعاني السَّامية لذبيحة ذاته، ولا يُحرِّك العطف قلوبهم تجاه مَن عُلِّق على الصَّلِيْب بلا خطيئة، باذلاً نفسه القُدُّوسة لأجل الجميع.
أخي القارئ، هل سيرة حياتك موجَّهة نحو الصَّلِيْب؟ هل الصَّلِيْب هدف حياتك وغاية تفكيرك؟ هل أنت متمسِّكٌ بنعمة الفَادِي الحنون؟ لقد تعمَّق الرَّسُول بُوْلُس في مَحَبَّة المَصْلُوب بكل ّ قلبه وكيانه، حتَّى كتب: “مع المَسِيْح صُلِبْتُ، فأحيا لا أنا، بل المَسِيْح يَحْيَا فيَّ” (غَلاَطِيَّة 2: 20).
كما أخبرنا لُوْقَا بأوَّل عبارة نطق بها يَسُوْع في اللَّحظات الأولى من صلبه، وهي: “يا أبتاه، اغفر لهم لأنَّهم لا يَعلمون ماذا يَفعلون” (لُوْقَا 23: 34).
لقد شمل يَسُوْع، بصلاته الكهنوتيَّة هذه، العبيد ورؤساء الكهنة والوالي الروماني والنَّاس جميعاً. فرئيسُ الكهنة الإلهيّ لم يلعن قاتليه، ولم يرفض جَمَاهِيْر الخطاة، بل خلَّصهم وباركهم وصلَّى لأجلهم. وبالحقيقة استجاب الله القُدُّوس صلاته. لذلك أدعوك أيّها القارئ العزيز إلى تأمُّل صلاة يَسُوْع الشِّفَاعِيَّة وهو معلَّق على الصَّلِيْب، لتنال منها البركة، فتخلص، وتثبت في الخلاص، وتشكره بتسليم حياتك شُكراً له.
الصَّلاَة: يا رجل الأوجاع، محبَّتك تتجاوز حدود عقولنا ومداركنا، وقوَّتك قد فاقت في ضعفك. لم تَلْعَن مُسمِّريك، بل صلَّيت لأجلهم، وخلَّصْتَنا جميعاً. نؤمن بأنَّك شفعتَ فينا عندما صرختَ: “يا أبتاه اغفر لهم لأنَّهم لا يَعلمون ماذا يَفعلون”. ساعدنا على أن نُحبَّك، ونرى صليبك دائماً في طريقنا محوراً لحياتنا، وأساساً لإيماننا، وقوَّةً لأَعْمَالنا. ها أنا أُسلم نفسي لك، يا حَمَل الله القُدُّوس، لأنَّك رفعتَ خطيئة العالم كلّها. آمين.
السُّؤَال:
14- كيف صُلب يَسُوْع عملياً؟
إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيْح
مُصَالِِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ
(2 كورنثس 5: 19)
15- الملك المُعلَّق بين لِصَّيْن
(مرقس 15: 26- 28)
15: 26 وَكَانَ عُنْوَانُ عِلَّتِهِ مَكْتُوبًا مَلِكُ الْيَهُودِ. 27 وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. 28 فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ.
صفات الملك الصَّالِح هي الحكمة والقوَّة والعَدل والجَلال والجودة والصَّبر والسُّلطان. وقد كانت هذه كلّها وأكثر منها في يَسُوْع، لأنَّه مَلِك المُلُوْك ورَبّ الأَرْبَاب، النَّاطقُ دائماً بالصِّدق.
فيَسُوْع لم يُنْكر دعوته عندما استفهمه بِيْلاَطُس عن ملوكيَّته، ولكنَّه لم يتباحث فيها ولم يفسِّرها، لأنَّه هو هي. قد عيَّنه الآب ملكاً في عالمنا. فلم يحكم على العُصَاة المتذمِّرين بعنفٍ، بل أحبَّهم، وصبر عليهم، وفضَّل أن يموت على يد العُصَاة الأشرار على أن يبيدهم بسبب عصيانهم. فمات ملك المَحَبَّة طوعاً بدلاً مِن أن يُميت قَتَلَتَه.
قد أنبأ الملاك جبرائيل بمعنى اسم يَسُوْع قُبَيل ولادته، وهو أنَّه “سيُخلِّص شعبَه من خطاياهم”. فأصبح هذا المخلِّصُ الملكَ الحقَّ المُصالحَ شعبَه مع الله. وكان له سلطان التَّكفير عن العُصَاة، ولذلك فهو الملك الكهنوتي القادر أن يحلَّ أصعب معضلة، إذ حرَّر أتباعه من غضب الله. فوحَّد في نفسه وظيفتي الملك ورئيس الكهنوت. فكان الملك الكهنوتي والكاهن الملوكي الّذي اجتمعت فيه السّلطة والمَحَبَّة، الحقّ والغفران، الجلالة والكفَّارة.
وظهر حكم يَسُوْع الإلهي في محبته القُدُّوسة. فقد تألَّم مِن قساوة إخوته، ولكنَّه رفع خطاياهم، مستأثراً بغضب الله كلّه.
وهكذا أصبح الكاهن الملوكي حَمَل الله الّذي احتمل أشدَّ وأفظع وأقسى الآلام في ضعف جسده المعذَّب.
أمَّا اليافطة الّتي عُلِّقَت فوق رأسه المُتوَّج بالشَّوك فكان مكتوباً عليها: “ملك اليهود”، استهزاءً بالمَصْلُوب، وإبرازاً لبطلان الملك الضَّعيف. لكنَّ ضعف يَسُوْع كان قوَّته. فصالح بذبيحة جسده البشر جميعاً مع الله. أخي العزيز، هل تجِد في طول الدُّنيا وعرضها ملكاً يَقْبَل أن يموت في سبيل أن يَحْيَا شعبه؟
إنَّنا نجد، في الواقع، العكس تماماً. فملوك هذا العالم ورؤساؤه يُضحُّون بأعداد كبيرة مِن شعوبهم في سبيل بقائهم على العرش، أو في سدَّة الحكم، ويُنفقون من أموال شعوبهم في سبيل رفاهيتهم الشَّخصيَّة. أمَّا يَسُوْع فقد تألَّم كي لا نتألَّم نحن، ومات لكي نعيش ونحيا به.
كان يَسُوْع يهوديّاً من السّبط الملوكي “يَهُوذَا” الّذي أتى منه نسل الملك “داود”. وكان الله قد وعد داود بأنَّ مِن سلالته سيأتي الملك الإلهي الّذي لا نهاية لمملكته، وأنَّ الله هو أبوه. فأزليَّته منه.
كان جميع التَّلاَمِيْذ، باستثناء يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ، رجالاً جَلِيْليين، أي مزيجاً مِن أسباط الإسرائيليين الباقين. ففي يَسُوْع ويَهُوذَا يمكننا أن نرى ماذا يمكن أن يخرج من الأمَّة اليهوديَّة. فيَهُوذَا انجرف في حبِّ المال والسّلطة والشَّرَف حتَّى خان ملكه ومخلِّصه وشنق نفسه أخيراً في يأسه. أمَّا يَسُوْع فظلَّ فقيراً متواضعاً ناكراً ذاته، وانفتح لروح أبيه السَّمَاوِيّ وإرشاده انفتاحاً تامّاً، فأصبح مُخلِّص العالم بذبيحة ذاته.
لم يكن يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيّ وحده هو الّذي رفض يَسُوْع، بل أكثريَّة اليهود أيضاً رفضوه، لأنَّه طلب منهم أن يتوبوا على الرَّغم من مظاهر تقواهم المزيَّفة، ودعاهم إلى تغيير أذهانهم على الرَّغم مِن تفقُّههم بالتوراة وتضلُّعهم من الشريعة، وبشَّرهم بالرجوع إلى الله على الرَّغم مِن تفكيرهم بأنَّهم متّحدون بالخالق.
فشَعب العهد القَدِيْم رفض، في استكباره، الملكَ السَّمَاوِيّ، وسلَّمه إلى أيدي الوثنييِّن، إلى موت العار. وبهذا التَّسليم طردوا يَسُوْع ملكهم مِن أمَّتهم، ليُعَلَّق بين لِصَّيْن رمزاً لصيرورته محور العالم النَّجس كلّه… القُدُّوس بين الفُجَّار… الوديع بين المُعاندين.
ولكنَّ قَصْد تلويث سمعته الملوكية بالمهانة والضَّعف قد أصبح أوضح بيانٍ لبرنامجه. فقد شاء الملك الإلهي أن يجعل مِن المجرمين اللصوص قدِّيسين أبراراً، ومِن النَّجسين أطهاراً، ومِن المرفوضين عند الله جنساً مختاراً وكهنوتاً ملوكيّاً.
النَّاس جميعهم خطاةٌ. لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً. نحن جميعاً مستحقّون الموت على الصَّلِيْب… أنت وأنا وكلّ واحد دون استثناء. لكنَّ يَسُوْع أخذ مكاننا، لكي نتغيَّر إلى روحه. فكلّ مَن يَقبل تعليمه وشخصه، مِن مُختلف الأمم والأديان والأفراد والجماعات، من ملحدين ومتديِّنين، يَعْلَم ويُدرك أنَّه مُجرمٌ في ذاته، ومُعلَّقٌ على الصَّلِيْب. إلاَّ أنَّه، في الوقت نفسه، مُقدَّسٌ مُطهَّرٌ مُبَرَّرٌ بحضور يَسُوْع الملك المرفوض الّذي يبسط اليوم أيضاً يديه للعالم كلِّه، مُنتظراً رجوع شعبه المتمرِّد، وإيمانك أنت أيضاً.
الصَّلاَة: اللَّهُمَّ القُدُّوس، أبانا الّذي في السَّمَاوَات، نسجد لك لأنَّك أرسلت يَسُوْع المَسِيْح ملكاً حقّاً، الّذي لم يملك بسلطان عنيف، بل حقَّق محبَّته ورحمته بين الناس. قَد أَدركَ فسادنا، ولم يُبِدْنا، بل غفر ذنوبنا عندما مات عوضاً عنَّا. أعِن جميع الهالكين على أن يُدركوا ملكهم ونائبهم في غضب دينونتك، ويَقبلوه شاكرين. ليأتِ مَلَكُوْتك اليوم، ولتكن مشيئتك بواسطة قُوَّة مصالحة كاهننا الأعظم وذبيحته الذَّاتيَّة. آمين.
السُّؤَال:
15- ما هو معنى اللَّقب: “ملك اليهود”؟
الله
لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَِجْلِنَا أَجْمَعِينَ
كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ
(رومية 8: 22)
16- الاستهزاء بالمَصْلُوب
(مرقس 15: 29- 32)
15: 29 وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ آهِ يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، 30 خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيْب. 31 وَكَذَلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَهُمْ مُسْتَهْزِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ الْكَتَبَةِ قَالُوا خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسَهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا. 32 لِيَنْزِلِ الآنَ الْمَسِيْح مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الصَّلِيْب لِنَرَى وَنُؤْمِنَ. وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كَانَا يُعَيِّرَانِهِ
جرت العادة عند اليهود أن يزور رئيس الكهنة المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام قُبَيْل إعدامهم، ليَستمع إلى اعترافاتهم وندامتهم قَبل دخولهم إلى جوف الموت، ويَمنحهم المسامحة العامَّة على أساس القرابين الدَّائمة المُقدَّمة في الهيكل لخلاصهم مِن غضب الله الآتي.
لم يعترف يَسُوْع ولم يذرف دموع التَّوبة لأنَّه لم يُخطئ قَطّ، بل صلَّى لأجل أعدائه طالباً الغفران لهم لأنَّهم لم يكونوا يَعلمون ماذا يفعلون. واعتبر المتديِّنون اليهود ومعلِّموهم آنَذَاكَ هذه الصَّلاَة الشِّفَاعِيَّة أكبر تجديفٍ وتَرَفُّعٍ بالذَّات فوق كلّ احتمال، وتقسِّياً إلى أبعد الحدود. فامتلأوا غضباً واحتقاراً، واستهزأوا بالمَصْلُوب استهزاءً مُرّاً.
ارتفعَت حِدَّة الآلام في جسد يَسُوْع، ووخزت عبارات الشَّتائم والسُّخرية قلبه الرَّقيق؛ ووجد الشَّيْطَان الفرصة سانحةً ليجرِّبه بتخليص نفسه، وهزَّ المارَّة رؤوسهم مِن تحت المَصْلُوب العاري ، مردِّدين بشماتةٍ خلاصة الشَّكوى أمام المَحْكَمَة العليا المتضمِّنة قوله إنَّه سينقض الهيكل شخصيّاً ويبنيه في ثلاثة أيَّام.
لم يتذكَّروا حقيقة ما قاله بالضَّبط، ولم يفهموا أنَّه عنى بجسده هيكل الله، بل فكَّروا بالهيكل الفارغ المبني مِن حجارة ميتة، الّذي بدا لهم ضماناً لحضور الله وسط أُمَّتهم.
واستخدم إبليس المُستهزئين العُمي، فحرَّضهم ووسوس لهم أن يخاطبوا المخلِّص المَصْلُوب بقولهم له: “انزل عن الصَّلِيْب. خَلِّص نفسك. خَرِّب المُصالحة الّتي بدأتَها. إنَّها الآلام النَّائبة عن جميع الناس. هُبَّ لنفسك. استخدم سُلطانَك. نَجِّ ذاتك، وأَبِدْ أعداءك…” ولو فعل كما قالوا له لكان الشَّيْطَان انتصر، ولَخَسِرَ الله خلقه نهائيّاً.
وانسجم زعماء الشَّعب ونُوَّاب الأُمَّة مع صرخات قساة القلوب، وطعنوا في خدمة يَسُوْع الخلاصيَّة. قد بذل نفسه فديةً لكثيرين، ومشَى نهاراً وليلاً في القرى والمدن شافياً ومُبشِّراً. أمَّا فقهاء اليهود وكتبتهم فسمّوا شِفَاءَاته إجراءات شياطين. لذلك أرادوا، بواسطة استهزائهم، أن يقتلعوا ويُبيدوا في أتباعهم إيمانهم بقوَّته الإلهيَّة، فنعتوا المَصْلُوب بألقابه المَسِيْحيَّة كلّها، وسمّوه المَسِيْح الممسوح بدون قُوَّة، وملك إسرائيل الّذي لا جيش له ولا شعب. لقد كانوا ينتظرون ملكاً إلهيّاً سياسيّاً يُحرِّرهم مِن نير الاستعمار الرُّوماني.
أمَّا يَسُوْع النَّاصِرِيّ، فبدا لهم ضعيفاً. وعُلِّق ككافرٍ بأيدي الأثمة والمستعمرين. ولذلك اعتقدوا أنَّ الله لم يكن معه ليؤيِّده بقوَّته، وإنَّما على العكس قد صَبَّ جام غضبه عليه ليُهلكه.
وجعلوا يلحُّون عليه، في روح الشَّيْطَان، أن يبرهن على سلطانه، فينزل عن الصَّلِيْب كي تنفتح عيونهم على مَسِيْحيَّته وألوهيَّته، ويُدركوه في سلطانه، ويؤمنوا به بعد إجراء هذه الأعجوبة المستحيلة. لقد سمّوا أنفسهم كهنةً وفقهاء في التَّوراة، وما كانوا في الواقع سوى عمي وصُمّ وبُكم أمام خدمة المصالحة العظيمة الّتي تمَّت في وسطهم وأمام عيونهم؛ كما كانوا قبل كلّ شيءٍ أدواتٍ للشَّر في يدي إبليس.
غلب يَسُوْع هذه التَّجارب الرَّهيبة الّتي هاجمته وهو في ذروة آلامه. فلم يَنزل عن الصَّلِيْب، بل أكمل الخلاص. فكيف، بعد هذا كلِّه، يتشدَّق بعض المتديِّنين زاعمين أنَّ يَسُوْع قد رُفع إلى السَّماء وأنَّ آخَر صُلِب عوضاً عنه؟ لقد فكَّر زعماء اليهود مثل هذا التَّفكير مِن قَبْل، بعد أن حطَّمتهم مَحَبَّة يَسُوْع وأمانته. فكان المَسِيْح لهم أشبه بمَصْلُوب، بل كان فعلاً مَصْلُوباً، وبقي مُعلَّقاً على الصَّلِيْب، وأتمَّ مصالحة العالم بالله.
واشترك المَصْلُوبان عن يمين يَسُوْع وعن يساره أيضاً في لعن يَسُوْع، لأنَّه لم يَقبل أن يُنجِّي نفسه ومِن ثمّ يُنزلهما أيضاً، فيضمّهما إلى جيشه، ويقود الجميع إلى النَّصر المبين. إلاَّ أنَّ أحدهما رأى أنَّ يَسُوْع لم يشتم الّذين استهزأوا به، بل بارك لاعنيه، وأحبَّ مُبغضيه، وصلَّى لأجل أعدائه. وعِنْدَئِذٍ فهم جليّاً أنَّ المَسِيْح لم يكن كاذباً، بل هو مختلفٌ عن الآخرين. هو بالحقيقة ملكٌ وربٌّ وابن الله المنتصِر. فأعلن إيمانه به، ودخل إلى رحابه.
انفصل المتديِّنون المتعصِّبون عن ملكهم، وهرعوا إلى عيد الفصح الموافق يوم السَّبْت، ليحتفلوا بعيدهم الكبير تحت حماية دم حملان الفصح. أمَّا حَمَل الله الصَّحيح فلم يُبصروه… واختفت حقيقته عن عيونهم حتَّى يومنا هذا. فتركوا – في عماهم – رئيس كهنتوتهم ومُصالِحَهُم مع الله.
الصَّلاَة: أيُّها الآب السَّمَاوِيّ، اغفر لجميع الّذين لا يُدركون أنَّ المَسِيْح قد قدَّم ذاته ذبيحةً، أو يُنكرون هذه الحقيقة، أو يُهملونها، لأنَّهم لا يَعلمون ماذا يَفعلون. افتح أعينهم على أعجوبة الصُّلح الإلهي، ليُدركوا عظمة مَحَبَّة المَسِيْح الّذي اختار الألم والموت ليُخلِّص الآخَرين. لم يَنزل عن الصَّلِيْب، بل ثبت أميناً لدعوته. اجعلنا أمناء نحن أيضاً في اتِّباعنا إيّاك، لنحبّ أعداءنا ونخدمهم على الدَّوام. آمين.
السُّؤَال: 16- لماذا طلب زعماء الشَّعب مِن يَسُوْع أن ينزل عن الصَّلِيْب؟
17- انفصال الآب عَن الابن
(مرقس 15: 33- 36)
15: 33 وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. 34 وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوْع بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً إِلُوِي إِلُوِي لَمَا شَبَقْتَنِي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي. 35 فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ لَمَّا سَمِعُوا هُوَذَا يُنَادِي إِيلِيَّا. 36 فَرَكَضَ وَاحِدٌ وَمَلأَ إِسْفِنْجَةً خَلاًّ وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ قَائِلاً اتْرُكُوا، لَنَرَ هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ
السَّاعة السَّادسة الّتي ذُكرت في اليوم الحزين هي السَّاعة الثَّانية عشرة ظُهراً، حين تبثُّ الشَّمس عادةً حرارتها من السَّماء الزَّرقاء. ولكنْ في ذلك اليوم وفي تلك السَّاعة هبَّت عَاصِفَة رمليَّةٌ على جبال القدس، فامتصَّت آخر أثرٍ للرُّطوبة من الجسد. دامت تلك الرِّيح السَّاخنة الجافَّة مدَّة ثلاث ساعاتٍ، ثمّ اختفت الشَّمس، وعمَّ الظَّلامُ الكونَ كلَّه.
يقول بعض المفسَّرين إنَّ الظُّلمة كانت نتيجة تزاحم الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة على المَصْلُوب، وانقضاض جَهَنَّم بجميع قوَّاتها على حَمَل الله في الغيبوبة، لتقوده في شعوره الباطني إلى خطيئة ما.
لكنَّ يَسُوْع كان ممتلئاً بكلمة الله، بل هو كلمة الله المتجسِّد. ولذلك فاه، حتَّى في غيبوبته، بكلمات مقدَّسَة، إذ ناب الرُّوْح القُدُس عنه بأنَّاتٍ لا يُنْطَق بها.
وفي السَّاعة التَّاسعة، أي الثَّالثة بعد الظُّهر، صرخ يَسُوْع بصوتٍ عظيمٍ. فكانت كلماته على الصَّلِيْب هي الّتي تفسِّر لنا بجلاء ووضوح سر الصَّلِيْب في العمق. فقد شهد الرُّوْح القُدُس بواسطة صرخة المَصْلُوب أنَّ اللهَ القُدُّوس ترك ابنه، وحجب وجهه عن المَصْلُوب، فظهر أمامه إلهاً ديَّاناً لهول الخطايا الّتي حملها عن العالم كلِّه. قد أتت ساعةُ الظُّلمة، بيد أنَّها لم تجد في القُدُّوس حقّاً ولا قوَّةً. فالابن شرب كأس غضب الله حتَّى الثّمالة.
لم يجرؤ الرُّسُل على كتابة العبارة المُخيفة “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” باللُّغتين العِبْرَانِيّة
واليونانيَّة، لأنَّ معناها مُخيفٌ فظيعٌ، فدوَّنُوها حرفيّاً باللُّغة الآرامية، وكتبوا بعدئذٍ معناها باليونانية.
كان يَسُوْع يقول: “أنا والآب واحدٌ. هو فيَّ وأنا فيه”. وها هو الآن يشهد أنًَّ وحدة المَحَبَّة قد انقطعت، والاتِّحاد الأزليّ انفصل. فصرخ: “لماذا تركتَني؟ لا يُمكن أن يكون هذا… أنت المَحَبَّة ولا تتركني وحيداً”.
إنَّ هذه الصَّرخة الّتي نقلها البشيران متّى ومَرْقُس مِن فم المَصْلُوب هي في الواقع عثرةٌ ولُغزٌ مُحيِّرٌ لجميع المتديِّنين والملحدين الّذين لا يُدركون مَعنى صليب يَسُوْع، فيظنُّ بعضهم أنَّ يَسُوْع النَّجَّار صرخ يائساً متشائماً مُداناً مِن غضب الله.
أمَّا نحن، فنرى في هذه العبارة برهاناً على الإيمان بالله وبمحبَّته الثَّابتة لنا نحن الضَّالِّيْن. فقد ضحَّى يَسُوْع بِصِلَتِهِ ووَحْدَتِهِ بالآب كي يُخلِّصَنا نحن البعيدين عن القُدُّوس.
لا يستحقٌّ أيّ إنسانٍ أن يموت عنَّا كحَمَل الله، إلاَّ الله وحده متجسِّداً كإنسان. كان يَسُوْع بريئاً ومستحقّاً وقادراً أن يرفع خطيئة العالم، ويَحمل الدَّيْنُونَة كلَّها. ولكنْ بما أنَّ الله واحدٌ وليس اثنَين، فيبدو أن الله ظهر كالثَّالُوْث الأَقْدَس لأجل فدائنا مُعلناً نفسه الآب والابن والرُّوْح القُدُس، لكي يستطيع الابن الّذي بروح أزليٍّ أن يُقدِّم نفسه لله بلا عيب، ويُطهِّر ضمائرنا مِن أَعْمَال مَيتةٍ لنخدم الله الحَيَّ (عِبْرَانِيّين 9: 14).
إنَّ مَن يُدرك هذا السِّر بمسحة الرُّوْح القُدُس، يَسجد للآب والابن، ويُكرِّس حياته الفاشلة والمُطهَّرة بدم الحمل لخدمة الله. أمامنا اختياران فقط: إمَّا أن نستهزئ بالمَصْلُوب، أو نخدمه شكراً لمحبَّته الأزليَّة.
أمَّا الجند الرومانيون والحراس فلم يفهموا كلمات المَصْلُوب باللُّغة الآراميَّة، وظنّوا أنَّ المحتضر ينادي النَّبِيّ إيليا، فخافوا من ظهور شخص إلهي في الظلمة لمساعدة المَصْلُوب على النزول عن الصَّلِيْب. وصدّوا الرُّحماء من بينهم الّذين شفعوا فيه، وأرادوا أن يُقدِّموا للعطشان في قَلب العَاصِفَة الرَّمليَّة إسفنجة مبلَّلة بالماء والخَلّ. فحالَ إيمانُهُم بظهور أَرْوَاح المَوتى دون تقَدِيْم خدمة إنسانيَّة.
الصَّلاَة: نسجد لك أيُّها الآب لأنَّ قلبك انفطر عندما تركتَ ابنك الوحيد الّذي به سُررت. أنت المَحَبَّة الأزليَّة. نشكرك لأنَّك غفرت آثامنا بواسطة ابنك ، فصبَبْتَ جام غضبك على ابنك عوضاً عنَّا. قَد تركتَه كي لا تتركنا. وانفصَلْتَ عنه كي نَثبُتَ نحن فيك إلى الأبد. نسجُد لك أيُّها الآب والابن والرُّوْح القُدُس، ونُكرِّسُ حياتَنا لك ولخدمتك إلى الأبد بواسطة يَسُوْع المَسِيْح ربِّنا. آمين.
السُّؤَال:
17_ ما هو معنى قول المَصْلُوب: “إلهي إلهي، لماذا ترَكتَني؟”
صَرَخَ يَسُوْع بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً:
إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي
(إعلان المسيح حسب البشير مرقس 15: 34)
18- مَوت يَسُوْع، والعلامات العَجيبة
(مرقس 15: 37- 39)
15: 37 فَصَرَخَ يَسُوْع بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. 38 وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. 39 وَلَمَّا رَأَى قَائِد المِئَة الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هَكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ قَالَ حَقًّا كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ.
لم يُبْصر يَسُوْع أباه فيما هو يؤدِّي دَين العدل الإلهي، لأنَّه تركه كديَّانٍ مُهلك. لكنَّ الابن ناضل نضال الإيمان واثقاً بأبوَّة الله إلى المُنتَهى، وأعلن من أجله انتصاره صارخاً: “قد أُكمل”. وصرخةُ النَّصر هذه دوَّت في السَّمَاوَات وعلى الأرض وفي جَهَنَّم، وأتت كصدىً بتسابيح الحمد مِن جميع الملائكة والقدِّيسين، إلى جانب صرير الأسنان في جَهَنَّم.
لم يستطع الشِّرِّيْر أن يُبطل مصالحة البشر مع الله، ولم ينجح في إفساد حَمَل الله، لأنَّ يَسُوْع غلبه بمحبَّته وصبره وإيمانه ورجائه الثَّابت. قد تمَّ الخلاص، وكلُّ مَن يؤمن يتبرَّر.
حين رأى يَسُوْع شبح الموت مُقبلاً عليه، لم يخَفْ، على الرَّغم من أنَّ الله قد تركه، بل تمسَّك برجائه في أمانة الله الأزليَّة، واستودع نفسه وروحه بين يدَي أبيه، واثقاً أنَّ محبَّته الأزليَّة لن تتغيَّر، حتَّى وإنْ ظهر ديَّاناً. فتسليم الذَّات في يدي الآب كان الختم على انتصار يَسُوْع. فالرَّجَاء لم يَخْزَ، والرُّوْح القُدُس لم يَمُتْ فيه، رغم أنَّ كيانه البشري قد مات.
لقد مات يَسُوْع المَسِيْح فعلاً. فكيف يقول البعض: “ما قتلوه، وما صلبوه…” إنَّ الحقيقة
التَّاريخيَّة تدين الكاذبين، وتُثبت الحقيقة.
إنَّ موت يَسُوْع المَسِيْح هو محور التَّاريخ كلِّه. فمنذ تلك اللَّحظة تغيَّر العالم بأسره. فحَمَل الله القُدُّوس قد برَّر الخطاة أجمعين، وحجاب قدس الأقداس في الهيكل قد انشقَّ مِن فوق إلى أسفل، علامةً على أنَّ الله القُدُّوس لم ينفصل عن خليقته الخاطئة. كان يحقُّ لرئيس الكهنة، مِن قَبْل، أن يتقدَّم مرَّةً واحدةً في السَّنة، بخوفٍ ورعدةٍ، إلى تابوت العهد المُعْتَبَر عرش الله، ليُقدِّم ذبيحةً تكفيراً عن خطايا الشَّعب كلِّه؛ أمَّا الآن، فقد انفتح الطَّريق لكلّ مَن يَقْبَل ذبيحة يَسُوْع مؤمناً. فحواجز العهد القَدِيْم المانعة قد أُزيلَت، فأصبحت الشَّريعة بدون شوكةٍ، والطَّريق إلى الله انفتحَت. فتعالَ إلى أبيك. البابُ مفتوحٌ على مصراعيه، والله ينتظرك شخصيّاً.
في اللَّحظة الّتي أسلم فيها الرَّب يَسُوْع الرُّوح، سُمح لبعض الأموات أن يقوموا، لأنَّهم أدركوا انتصار المَسِيْح في قبورهم، وتقدَّموا إلى الإعلان الإلهي. فموت ابن الله الكَفَّارِيّ يُقدِّم البِرَّ والحَيَاة الأَبَدِيَّة لكلِّ مؤمنٍ به.
أمَّا قَائِد المِئَة الرُّوماني الّذي أشرف على الفرقة الّتي أعدمت يَسُوْع، فقد أعلن أنَّه شاهد في حياته موت كثيرين مِن المجرمين والعبيد والأعداء والأنبياء الكذبة على خَشَبَة الصَّلِيْب، ولكنَّه لم يشاهد قطّ ميتةْ كميتة يَسُوْع في المَحَبَّة القُدُّوسة والجلال المتواضع. فعندما نكس البارُّ رأسه، قال هذا القائد: “لم يكن هذا كالباقين. بل كانت القوَّة الإلهيَّة حاضرةً فيه. لم يكن ابن ملك أو قيصر فحسْب، بل هو ابن الله شخصيّاً”. لقد أدرك هذا الوثني ما لم يُدركه فقهاء العهد القَدِيْم وفطاحله.
فماذا تقول أنت في قلبك؟
الصَّلاَة: يا ابن الله القُدُّوس، نسجد لك لأنَّك بذلت نفسك الطَّاهرة لأجلنا، نحن الخطاة النَّجسين، ومتَّ عوضاً عنَّا بآلام وتجارب كثيرة. نُحبُّك مِن كلِّ قُلوبنا، ونَطلُب إليك أن تُغيِّر أنانيَّتنا، وتُذِيْبَ قساوة قلوبنا، كي نستحقَّ أن نُقدِّم حياتنا ذبيحة شُكرٍ لله، ونخدم النَّاس جميعاً كما خَدَمْتَنا أنت. نشكرك لموتك الّذي فتح لنا الطَّريق إلى الآب. يسجد لك جميع المؤمنين بك إلى أبد الدُّهور. آمين.
السُّؤَال:
18- ما مَعنى الحوادث الّتي وقعَت عند موت يَسُوْع؟
لأَِنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ
حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ
لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
بَلْ تَكُونُ لَهُ الحَيَاة الأَبَدِيَّة
(يُوْحَنَّا 3: 16)
9- النِّسَاء تحت الصَّلِيْب
(مرقس 15: 40- 41)
15: 40 وَكَانَتْ أَيْضًا نِسَاءٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ بَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّة وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي وَسَالُومَةُ، 41 اللَّوَاتِي أَيْضًا تَبِعْنَهُ وَخَدَمْنَهُ حِينَ كَانَ فِي الْجَلِيْل، وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ اللَّوَاتِي صَعِدْنَ مَعَهُ إِلَى أُوْرُشَلِيْم كانت سيِّداتٌ مِن مُختلف الطَّبَقاَت يُرافقن موكب يَسُوْع منذ البداية (لُوْقَا 8: 2 و 3). وقد ضَبَطَت شخصيَّتُه ، في قوَّة روحه، تلاميذه مِن رجالٍ ونساءٍ في القَدَاسَة والاحترام.
الأغلب أنَّ التَّلاَمِيْذ عاشوا، بعض المرَّات، مِن تبرُّعات نساء أغنياء أدركْنَ أنَّ قوَّةً عظيمةً تَخرج مِن يَسُوْع. أمَّا يَسُوْع، مِن جهته، فلم يطلب قَطّ أيَّ مالٍ، أو يجمع كنوزاً، مقابِل معجزات شفائه، بل عاش قانعاً فقيراً. فهؤلاء النِّسَاء تَبِعْنَ موكب التَّلاَمِيْذ في الجَلِيْل، في زمن الاضطهاد، وخَدَمْنَهُم، واعتنَيْنَ بنخبة هؤلاء الشَّباب.
لا نعرف عنهنَّ شيئاً، ما عدا أسماءهنَّ. ونَفهم من نصّ الإِنْجِيْل كما كتبه لُوْقَا (8: 2 و 3) أنَّ بعضهنَّ كُنَّ مِن قبل ملبوساتٍ بأَرْوَاح نجسة، وقد حرَّرهنَّ المَسِيْح بكلمة قُدرته مِن قيود جَهَنَّم.
وإذ لم يكنَّ قد حصلنَ على الرُّوْح القُدُس بعد، فقد عشنَ في رُعبٍ وخوفٍ مِن أن تحلَّ الأَرْوَاح النَّجسة فيهنَّ مِن جديدٍ لتهلكهنَّ، وخاصَّةً مريم المَجْدَلِيَّة الّتي خلَّصها يَسُوْع من سبعة أَرْوَاح. فالتجأَت تلك السَّيِّدَات إلى المُخلِّص القويِّ طالباتٍ حمايته، وهو لم يمنعهنَّ مِن اتِّباعه.
المُرجَّح أنَّ سالومة، الّتي ذُكِرَت من بين النِّسَاء اللواتي تبِعن يَسُوْع مِن الجَلِيْل، هي نفسُها أمُّ يعقوب ويُوْحَنَّا، ابنَي زَبَدِي، الّتي كانت قد طلبت سابقاً إلى يَسُوْع أن يُجْلِس ابنَيها عن يمينه وعن يساره، حينما يُعْلن نفسه ملكاً. ولعلَّها حين شاهدت اللِّصَّين عن يمين يَسُوْع وعن يساره، وقرَأَت عبارة “ملك اليهود” المكتوبة فوق صليب يَسُوْع، قد تذكَّرَت ما سَأَلَت يَسُوْع مِن أجل وَلَدَيْها، فارتجفَت مِن اتِّضاعه، وعَلِمَت أنَّه لو أجاب طلبَها حقيقةً لَكانَ ابناها مُعَلَّقَيْن بَدَل اللِّصَّيْن.
وكثيراتٌ أُخْرَياتٌ تَبِعْنَ يَسُوْع بأمانةٍ، راجياتٍ أن يُعْلن مجدَه، ويَنْصُر أصحاب الحقِّ في نضالهم ضدَّ الظُّلم. أمَّا الآن فرأيْنَه مُمزَّق الجسَد، وقد مزَّق قلوبهنَّ دويُّ المسامير وهي تخترق يدَيه وقدَمَيه، وسَمعنَ كلماته من فوق الصَّلِيْب؛ ولم يَهْرُبْن.
لو لم يَكُنَّ شُجاعات لَمَا ثَبَتْنَ تحت الصَّلِيْب في حالة الخطر. إنَّنا لا نعرف كثيراً مِن التَّفاصيل عن موت يَسُوْع، أمَّا هُنَّ فأصبحْنَ شاهدات عيان، ومُبشِّرات مُستحِقَّات شكرنا.
رُبَّما سمح قَائِد المِئَة هناك ببقائهنَّ، لأنَّه لم يخَفْ مِن أن يُنزِلْن يَسُوْع عن الصَّلِيْب، حين بقين مرتجفات باكيات على هضبة الجُلْجُثَة، بينما غادر رؤساء الكهنة والشيوخ ذلك المكان خائفين.
إنَّ مَحَبَّة أولئك النّسوة للمُحِبّ الطَّاهر، وشُكرهنَّ لِمَنْ خلَّصَهنَّ مِن الشَّيْطَان، لم يَسمحا لهنَّ أن يَترُكْن ذلك المشهد الرَّهيب، حتَّى في ساعة الموت. فصَلَّين وبَكَينَ وأصْغَين برجاء لكلِّ كلمةٍ نطقها. وعلى الرَّغم مِن الريح الساخنة الّتي لفحت وجوههنَّ ونشَّفَت شفاههنَّ، والظُّلمة المُخيفة الّتي عمَّت الكون كُلَّه، لبِثْنَ في مكانهنَّ قرب الصَّلِيْب حتَّى النِّهايَة.
وانطفأَ آخر بصيصٍ مِن الأمل حين صرخ يَسُوْع صرخة النَّصر، ونكس رأسه، ومات. لقد انتظرنّ في آخر لحظةٍ إعلان المَسِيْح الغالب المنتصر. وإذ شاهَدْنَ الآن موت ابن الله، شُلَّت عقولهنَّ، وانكسرت قلوبهنَّ، وجَرَت الدُّموع على مآقِيْهِنَّ، فكَتَمْنَ عويلهنَّ خوفاً من العسكر. قَد مات أفضل إنسان، والمَحَبَّة صُلِبَتْ. ظهرَت قوَّة الله ضعيفةً، ووقفت السَّيِّدَات وَجِلاتٍ خائفاتٍ أمام لُغزٍ لا حلّ له ولا جواب.
لم يُدركن آنَئِذٍ معنى صليب المَسِيْح، لأنَّ الرُّوْح القُدُس لم يكن قد انسكب بَعْدُ في نُفوسهنَّ.
الصَّلاَة: أيُّها الآب، نشكرك لأن ليس الرِّجال وحدهم يصنعون التَّاريخ، بل للنِّساء أيضاً، في لحظاتٍ حاسمةٍ، خدماتٌ أساسيَّةٌ في مَلَكُوْتك. فجلال ابنك الحبيب جذبهنَّ إلى خدمته، وأنت أرشدتهنَّ ليُشاهدْن بعيونهنَّ ويَسمَعْن بآذانهنَّ حقيقة موت يَسُوْع، كي نعرف نحن أيضاً بدَورنا كلماته الأخيرة، ونشهد بحقيقة موته لمُنكريه. أعِن اليوم كثيراً مِن السَّيِّدَات والبنات على أن يُدركْن مَحَبَّة يَسُوْع وجلاله الإلهي، ويَتبَعنَه، ويخلصنَ بإيمانهنَّ. آمين.
السُّؤَال:
19- ماذا يعني وجود سيِّدات كثيرات عند الصَّلِيْب؟
20- دَفْنُ يَسُوْع
(مرقس 15: 42- 47)
15: 42 وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ إِذْ كَانَ الاِسْتِعْدَادُ، أَيْ مَا قَبْلَ السَّبْت، 43 جَاءَ يُوسُفُ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ مُشِيرٌ شَرِيفٌ وَكَانَ هُوَ أَيْضًا مُنْتَظِرًا مَلَكُوْت اللهِ فَتَجَاسَرَ وَدَخَلَ إِلَى بِيْلاَطُس وَطَلَبَ جَسَدَ يَسُوْع. 44 فَتَعَجَّبَ بِيْلاَطُس أَنَّهُ مَاتَ كَذَا سَرِيعًا فَدَعَا قَائِد المِئَة وَسَأَلَهُ هَلْ لَهُ زَمَانٌ قَدْ مَاتَ. 45 وَلَمَّا عَرَفَ مِنْ قَائِد المِئَة وَهَبَ الْجَسَدَ لِيُوسُفَ. 46 فَاشْتَرَى كَتَّانًا فَأَنْزَلَهُ وَكَفَّنَهُ بِالْكَتَّانِ وَوَضَعَهُ فِي قَبْرٍ كَانَ مَنْحُوتًا فِي صَخْرَةٍ وَدَحْرَجَ حَجَرًا عَلَى بَابِ الْقَبْرِ. 47 وَكَانَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّة وَمَرْيَمُ أُمُّ يُوسِي تَنْظُرَانِ أَيْنَ وُضِعَ
كيف علم يوسف الرَّامي بهذه السُّرعة أنَّ يَسُوْع قد مات؟ رُبَّما هرعت إليه إحدى السَّيِّدَات اللَّواتي شهدن موت يَسُوْع وأخبرته.
ولماذا هرعت لتخبر بذلك عضواً في مجلس الأمَّة، ولم تهرع إلى بُطْرُس ويُوْحَنَّا؟ ذلك لأنَّ يوسف الوجيه كان تلميذاً ليَسُوْع خفيةً، منتظراً بالتَّقوى إعلان المَسِيْح، فوثقت السَّيِّدَات به، وتجاسرن على الاستعانة به (يُوْحَنَّا 19: 38).
كيف أمكن يوسف أن يُكرم الرَّبّ، وهو قد اشترك في تصويت المجلس على إعدامه؟ من الممكن أن يكون قد امتنع عن التَّصويت شكليّاً، أو أنَّه لم يحضر جلسة التَّصويت، أو ربَّما طُبِّقَت على يَسُوْع الأحكام اليهوديَّة القَدِيْمة الّتي كانت تعتبر حتَّى المجرم المُضِلّ غير محروم مُطلقاً من نعمة الله، فلم يكن حكم السَّبعين يكتسب صفة الشَّرعيَّة ما لم يُصوِّت اثنان منهم ضدَّ الحُكم، ولعلَّ يوسف ونِيْقُودِيْمُوس، في هذه الحالة، قد صوَّتا ضدّ حكم السَّبعين، طالِبَيْن براءة يَسُوْع بصَوتَيهما اللاَّزِمَيْن لتنفيذ الحُكم فيه شَرعاً (يُوْحَنَّا 19: 39).
كان يوسف يتمتَّع بشخصيَّة مرموقة ونفوذ في الأمَّة وعند الأجانب، حتَّى تجرّأ أن يتقدَّم إلى بِيْلاَطُس الوالي الرُّوماني، وأن يدخل إلى ثكنة “أنطونيا” في تلك اللَّحظات الحرجة. كان معروفاً مِن قبل بِيْلاَطُس لأنَّه أحبَّ أعداءه المُستعمرين، وهو في الوقت نفسه لم يخَف من بقيَّة أعضاء المجلس اليهودي، كما لم يكترث باستحقاقه الطّقسي لعيد الفصح، لأنَّ مَن يلمس جثَّةً كان يُعتبر نجساً لمدَّة أسبوع.
تعجَّب بِيْلاَطُس مِن موت يَسُوْع السَّريع. لأنَّ بعض المَصْلُوبين كانوا يظلّون مُعلَّقِين على الصَّلِيْب مدَّة 24 أو 48 ساعة، والأقوياء منهم مدَّة 72 ساعة. أمَّا يَسُوْع فكان شابّاً حسَّاساً، رفيعاً في المجد والكرامة، فسُرعان ما تمزَّق جسده، وتعبت نفسه في خلاص العالم، فانقضَّت عليه جَهَنَّم، ومزَّقه غضب الله.
تأمَّل وصف إِشَعْيَاء لموت يَسُوْع فتتعلَّم منه الكثير: “وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا, مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ, وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا” (إِشَعْيَاء 53: 5).
“أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً. .. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ”.
لم يشأ بِيْلاَطُس أن يُطيل هذه القضيَّة، بل أن يتخلَّص منها سريعاً، عالماً أنَّه قد حكم بالإعدام باطلاً على إنسانٍ بريء، بُغية إخماد نار الفتنة في مهدها. فبكَّته ضميره. وسَرَّه أن يأتي إليه نائبٌ جَلِيْل مِن المجلس اليهودي الّذي سلَّم إليه يَسُوْع صباحاً وأجبره على صلبه. فسلَّم جسد يَسُوْع إلى أيدي المُشْتكين عليه. ولكنَّه أراد أن يتيقَّن مِن موت يَسُوْع بطريقة شرعيَّة، خشية أن يأتي أحد أتباع يَسُوْع في اللَّحظة الأخيرة فيُنزله عن الصَّلِيْب ويُخفيه في مكانٍ ما ويُعالجه حتَّى يشفى.
فاستَدعى قَائِد المِئَة الّذي أكَّد له رسميّاً موت يَسُوْع. فليست السَّيِّدَات وحدهنَّ اللَّواتي شهدن بحقيقة موت يَسُوْع على الصَّلِيْب، بل قَائِد المِئَة نفسه شهد أيضاً بهذه الحقيقة التَّاريخيَّة.
ونرى فيما فعله يوسف الرَّامي تدخُّل العناية الإلهيَّة وتدبيرها المُسبَق للأمور. فيوسف الّذي مِن الرَّامة لم يكن ساكناً في القدس، بل إنَّه اشترى، حسب عادة الأتقياء اليهود، مكاناً قريباً مِن أُوْرُشَلِيْم ونحته في الصَّخر ليكون قبراً خاصّاً له، كي يُدفن قريباً من الهيكل عندما يموت. لكنَّه في محبَّته ليَسُوْع اتَّحد وإيّاه معنويّاً، حتَّى دفنه في قبره الخاص، دليلاً على إكرامه الأسمى وشكره العميق.
وهكذا لم يُلْقَ جسد يَسُوْع في التُّراب، ولم يُلْقَ لكلاب البرِّيَّة كما كانت تُلقى أجساد المَصْلُوبين، بل دُفِن في قبرٍ فخم، علامةً على أنَّ الله قد قَبِل خدمة المصالحة الّتي أتمَّها بموته الكَفَّارِيّ واحتماله الغضب الإلهي، وأكرم ابنه المذبوح إكراماً عالياً. ولا بُدَّ أنَّ يوسف لم يكن وحده عند إنزال جسد يَسُوْع عن الصَّلِيْب، بل أسرع إليه نِيْقُودِيْمُوس الفقيه اليهودي، ورجال أتقياء آخرون. أمَّا السَّيِّدَات فقد حُرِمْنَ خدمة المَحَبَّة الأخيرة. وتمَّ الدَّفن بسرعةٍ كبيرة، لأنَّ السَّبْت يبدأ بعد الثانية عشرة، أي السَّادسة مساءً حسب توقيتنا، وبالتَّالي يُمنَع القيام بأيّ عملٍ كان في الأُمَّة تحت طائلة عقوبة الموت.
وقد وافق ذلك السَّبْت أيضاً عيد الفصح رمزاً لعبور غضب الله عن الّذين يأكلون الحمل المذبوح. أمَّا حَمَل الله الحقيقي فقد دُفن بسرعة وصمت، فارتاح في قبره يوم السَّبْت. وختموا قبره بأختام الوالي، كي لا يتمكَّن أيٌّ مِن أتباعه مِن سرقة جسده. ورجع الحزانى كلُّهم إلى بيوتهم، وبكوا في العيد الكبير.
الصَّلاَة: اللَّهُمَّ القُدُّوس، نَسجُد لك لأنَّك رتَّبْتَ دَفن ابنك الحبيب بِكُلِّ تفاصيلِه. فأرشَدْتَ يوسف ونِيْقُودِيْمُوس إلى الاعتراف بمحبَّتهما ليَسُوْع، حتَّى إنَّهما لم يُباليا بالاتَّهام والخطَر والإهانة. ساعِدْنا على ألاَّ نخاف مِن المستهزئين بنا والمتعصِّبين، بل أن نشيد بمحبَّتنا ليَسُوْع في كلِّ مكانٍ وزمانٍ، لكي يَعرف الجميع أنَّه هو حَمَل الله الّذي رفع خطيئة العالم. آمين.
السُّؤَال:
20- ما هو الأمر العجيب في دَفن يَسُوْع؟
كَانَ يَنْبَغِي
أَنَّ الْمَسِيْحَ يَتَأَلَّمُ
وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ
فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ
(لُوْقَا 24: 46)
الجزء التَّاسِع
قيامةُ المَسِيْح
مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات
(مرقس 16: 1- 20)
أنا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ
مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا
وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي
فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ
(يُوْحَنَّا 11: 25)
1- حَيْرة النِّسَاء في الحجر الموضوع على الْقَبْرِ
(مرقس 16: 1- 4)
15: 1 وَبَعْدَمَا مَضَى السَّبْت اشْتَرَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّة وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَسَالُومَةُ حَنُوطًا لِيَأْتِينَ وَيدْهَنَّهُ. 2 وَبَاكِرًا جِدًّا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ إِذْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. 3 وَكُنَّ يَقُلْنَ فِيمَا بَيْنَهُنَّ مَنْ يُدَحْرِجُ لَنَا الْحَجَرَ عَنْ بَابِ الْقَبْرِ. 4 فَتَطَلَّعْنَ وَرَأَيْنَ أَنَّ الْحَجَرَ قَدْ دُحْرِجَ، لأَِنَّهُ كَانَ عَظِيمًا جِدًّا.
السَّبْت يوم راحة وسرور عامٍّ لليهود، ومَن يَعمل في هذا اليوم الّذي يرمز للعهد مع الله يستوجب الموت، لأنَّ العمل يُعتبَر تجديفاً. وقد قَبِل يَسُوْع نظام العهد القَدِيْم هذا، واستراح في اليوم السَّابع مِن خدمته الفدائيَّة للعالم، كما أنَّ الله استراح مِن خلقه العظيم في اليوم السَّابع.
أمَّا تلاميذ المَسِيْح فبقوا يائسين خوفاً مِن أن تحكم عليهم الأمَّة بالرَّفض والإعدام لأنَّهم تبِعوا يَسُوْع المحسوب مُضِلاًّ ومُجدِّفاً مِن قبل رؤساء الشَّعب. فلم يخرجوا إلى الشَّارع، أو السُّوق خوفاً مِن اليهود، وأغلقوا أبوابهم كأنَّهم في حرب.
وكذلك لم تستطع النِّسَاء أن يفعلنَ بجسد يَسُوْع حسب التَّقليد، بسبب السَّبْت، فبكَّرْن في أوَّل يومٍ من الأسبوع إلى السُّوق، واشترَيْن أدهاناً وأطياباً ثمينةً، مُضحِّياتٍ بما وفَّرْنه من مالٍ ليُكرموا به القُدُّوس. وكانت أفكارهم كلُّها تحوم حول الموت المُنقضِّ على المُعلِّم والنَّبِيّ الإلهي.
أمَّا السَّيِّدَات اللواتي أسرعن في فجر اليوم الأوَّل فكُنَّ أنفسهنَّ اللواتي مكَثْنَ قرب الصَّلِيْب يوم الجمعة. ومِن بينهنَّ مريم المَجْدَلِيَّة الّتي حرَّرها يَسُوْع مِن سبعة أبالسة، وأمّ يُوْحَنَّا ويعقوب الرَّسُولين.. وأُخرَيَات.
وهؤلاء خرجن مِن باب المدينة المحروسة، ووصلن إلى القبر قبل شروق الشَّمس، رمزاً لكلّ مَن يَطلب المَسِيْح، كما يقول: “الّذين يُبكِّرون إليَّ يجدونني”.
كُنَّ، على الرَّغم من محبَّتهنَّ ليَسُوْع الحيّ، يُفكِّرن في الحجر الكبير المُدوَّر على باب القبر، المختوم من الحرَّاس الرومانيين، لأنَّهنَّ غير قادرات على تحريكه، حتَّى ولو حاولنَ ذلك بقوتِّهنَّ معاً. وهذا حالُنا جميعاً عندما نهتمُّ كثيراً في كيفيَّة إزاحة عبء ثقيل في حياتنا لا يمكننا تحريكه، ولا نجد حلاًّ لمشكلته.
ولكن عندما وصلت السَّيِّدَات إلى قبر يَسُوْع، رأين الحجر الكبير مُدحرجاً، وكأنَّ الله الرَّحيم قد استمع إلى أنَّاتهنَّ، فأرسل ملاكاً فتح لهنَّ الطَّريق إلى يَسُوْع. هكذا يُخجل اللهُ ضعف إيمان الأتقياء في كثيرٍ مِن الأحيان، فيستجيب لصلواتهم حتَّى قبل أن يروا الحدث العظيم.
لكنَّ السَّيِّدَات، في ذلك اليوم، لم يشعُرن بالحدث العظيم، ولم ينتظرن الأعجوبة الكبرى، ولم ينزلن ماشيات على مستوى الموت في يأس وهمّ. لم يكنَّ قد أدركن حياة الله بعد، بل كنَّ يطلبن يَسُوْع، فأردن خدمته، وانطلقن في الطَّريق المستقيم، ووصلن إلى الهدف الموعود.
وإنَّنا نجد في كلِّ عصرٍ ودينٍ طُلاَّباً لله أُمناء، يتعذَّبون فكراً وعملاً ليجدوا الله العظيم المجهول، ولا يُدركون أنَّه حاضرٌ وعاملٌ بدون طقوسهم الميتة. فهمومهم واجتهاداتهم الدُّنيويَّة والبشريَّة محدودةٌ، أمَّا نعمة الله فقد تحقَّقت غالبةً مُنتصِرةً إلى الأبد.
الصَّلاَة: اللَّهُمَّ القُدُّوس، نشكرك لأنَّك استجبت لهموم النِّسَاء، وباركتَ بحثهنَّ عن المَسِيْح. اغفر لنا همومنا البشريَّة، حتَّى وإنْ غرقنا في الاهتمام الدِّيني. قد استجبتَ قبل أن نُدرك انتصارك، ورحمتنا ما دُمنا في ظلال الموت. أنِر بصيرتنا الرُّوحية، وقُدْنا دائماً في موكب نصرتك، ودَحْرِج حجر الموت الثَّقيل عن قلوب أصدقائنا والبعيدين عنَّا. آمين.
السُّؤَال:
21- ماذا يعني الحجر المُدحرَج عن باب القبر؟
إِنَّ الرَّبَّ
قَامَ بِالْحَقِيقَةِ
(لُوْقَا 24: 34)
2- كرازة الملاك مِن القبر الفارغ
(مرقس 16: 5- 8)
16: 5 وَلَمَّا دَخَلْنَ الْقَبْرَ رَأَيْنَ شَابًّا جَالِسًا عَنِ الْيَمِينِ لاَبِسًا حُلَّةً بَيْضَاءَ فَانْدَهَشْنَ. 6 فَقَالَ لَهُنَّ لاَ تَنْدَهِشْنَ، أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يَسُوْع النَّاصِرِيّ الْمَصْلُوب، قَدْ قَامَ لَيْسَ هُوَ هَهُنَا. هُوَذَا الْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعُوهُ فِيهِ. 7 لَكِنِ اذْهَبْنَ وَقُلْنَ لِتَلاَمِيذِهِ وَلِبُطْرُس إِنَّهُ يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيْل ، هُنَاكَ تَرَوْنَهُ كَمَا قَالَ لَكُمْ. 8 فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ لأَِنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ وَلَمْ يَقُلْنَ لأَِحَدٍ شَيْئًا لأَِنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ
اقتربت النّسوة مِن القبر المُظلم المفتوح، ودخلنه من بابه خائفاتٍ منتظراتٍ أن يرَيْن المَيت الرَّاقد الّذي ابتدأ ينتن في جوف القبر الحارِّ.
ولكن لمَّا دخلن منتقلاتٍ مِن الشَّمس المبهرة إلى داخل القبر المُظلم، لم يجدن جسد يَسُوْع المُكفَّن أمامهنَّ، بل شاهدْنَ شابّاً حيّاً بلباس ناصع البياض جالساً في زاوية القبر، ينظر إليهنَّ، وينبعث منه نورٌ ساطعٌ وقوَّةٌ عجيبة، فظننَّ أنَّهنَّ رأَيْنَ شبحاً، فعقد الخوف ألسنتهنَّ وجمدن في مكانهنَّ.
كان ذلك الرَّسُول هو ملاك الله الّذي لم يكتفِ بالظُّهور لهنَّ فقط، بل كلَّمهنَّ أيضاً بكلماتٍ مفهومةٍ، وبثَّ البشارة السَّمَاوِيّة في آذان السَّيِّدَات المرتعدات خوفاً.
وكما زال خوف الرُّعاة المتبدِّين في مروج بيت لحم، ليلةَ الميلاد، بعدما طمأنهم الملاك وأمرهم ألاَّ يخافوا، هكذا زال الخوف تدريجيّاً مِن قلوب النِّسَاء، ليحلَّ محلَّه فرح القيامة.
وظَهَر مِن كلام الملاك المُهدّئ أنَّه قرأ أفكار السَّيِّدَات مسبقاً، وعرف نيَّاتهنَّ بالضَّبط، فأثبت لهنَّ أنَّ يَسُوْع النَّاصِرِيّ الّذي مات على الصَّلِيْب قد قام، مُعلناً اسمه وصفته الجديدة: المَصْلُوب.
فالمَصْلُوب قد انتصر، لأنَّه أطفأ في الصَّلِيْب غضب الله كلَّه، مكفِّراً عن خطايا الناس أجمعين، وغالباً تجارب الشَّيْطَان. ولذلك فالمَسِيْح هو الفائز الغالِب الإلهي المُنتصر على الموت.
إنَّ غلبة يَسُوْع ليست موضوعاً فكريّاً مختصّاً بالإيمان فقط، بل قد ظهرت واكتملت في
الغلبة على الموت. فالموت الشَّامل لم يقدر أن يمسك الحيَّ، وإبليس الشِّرِّيْر لم يجد قوَّةً ولا حولاً في القُدُّوس، لأنَّه قد قام تلقائياً.
وهكذا اجتاز بهدوء من بين الصُّخور، ودخل بعدئذٍ بدون صوتٍ إلى الغرفة المغلقة حيث جلس التَّلاَمِيْذ. قد غلب يَسُوْع الزَّمان والمكان، المادَّة والجاذبيَّة، وانتقل مِن حوزة الموت، تاركاً الفناء، داخلاً الأبديَّة والبقاء.
لم يرتكب يَسُوْع خطيئة أو سوءاً قطّ في حياته كلِّها، ولذلك لم يستطع الموت أن يُمسكه. الأنبياء جميعهم ماتوا لأنِّهم خطاة، أمَّا يَسُوْع فقد قام لأنَّه قُدُّوس. وإنْ كان قد مات على الصَّلِيْب موتاً حقّاً، فذلك ليس لأجل خطاياه هو، بل لأجل خطايانا نحن. فهو بالحقيقة مات موتَنا وليس موتَه. قَد مات لنحيا. فكان الملاك في القبر الفارغ الشَّاهد الأوَّل لقيامة يَسُوْع مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات.
وهذا الملاك أوضح لِلسَّيِّدَات الحقيقة الملموسة المكشوفة أنَّ يَسُوْع ليس في القبر بعد. فهو لم يختفِ كروحٍ، ولم يَظهر كأنَّه آتٍ مِن الفضاء. كلاَّ، بل قد مضى وقبره فارغٌ. ثمَّ قاد الملاك السَّيِّدَات المتعجِّبات إلى المكان حيث كان يَسُوْع مُضجَعاً، فرأين هناك الأقمشة والأربطة الّتي كانت تلفُّ جسد يَسُوْع موضوعةً بعنايةٍ. أمَّا المنديل الّذي كان ملتفّاً على رأسه، فكان ملفوفاً في موضعٍ وحده علامةً على أنَّ قيامة يَسُوْع لم تحدث بسرعةٍ وفوضى، بل بهدوء ونظام.
وأعلمهنَّ الملاك أيضاً بوصيَّة الرَّب يَسُوْع، وهي أنَّه لم يصعد فوراً إلى أبيه السَّمَاوِيّ، بل إنَّه ما زال على الأرض، وإنَّه يسبقهم إلى الجَلِيْل موضع خدماته المبارَكة. وهكذا طلب من أتباعه أن يتبعوا ربَّهم الحيَّ مِن البداية إلى النِّهايَة، ليس قبل قيامته فقط، بل وبصورة خاصَّة بعد قيامته. فهو الرَّاعِي الصَّالِح الّذي لا يتخلَّى عن أتباعه، بل يتقدَّم أمامهم.
وهكذا انتقلت بُشرى القيامة، أوَّل ما انتقلت، بِفَضْل السَّيِّدَات. فقد أرسلهنَّ الملاك إلى التَّلاَمِيْذ وبُطْرُس لكي يذوب افتخار الرِّجال المُتباهين بعقولهم ومداركهم. وكأنَّ ملاك الله قد فوَّض لهنَّ نشر حقيقة القيامة المجيدة.
وقد فاقت هذه الكلمات والرُّؤية والأفكار الجديدة إدراك السَّيِّدَات. إلاَّ أنَّهنَّ لاحظنَ أنَّه لم يكن ثمَّة ميتٌ في القبر، بل شابٌّ يتكلَّم. فالمَصْلُوب قد قام إذاً، والقبر فارغٌ. قَد مضَى المُعلِّم، وسيسبقنا كما وعد.
حدث هذا كلُّه كدويّ انفجارٍ في عقول السَّيِّدَات، فتراجَعْنَ إلى الوراء، ثمَّ استدَرْنَ وأسرعنَ خارجاتٍ مِن القبر، ولم يَقُلْن شيئاً لأحدٍ مِن شدَّة خوفهنَّ.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ القُدُّوس، أنت حيٌّ. لم تبقَ في القبر كباقي مؤسِّسي الأديان، ولم يتفتَّت جسدك. أنت قُمتَ ظافراً، لأنَّك ثبتَّ بدون خطيئة. قَد متَّ لأجلنا، وقُمتَ لتبريرنا. نسجد لك أيُّها المَصْلُوب الحي. أعطِ الكثيرين من البشر في هذه الأيَّام أن يُدركوا حقيقة حياتك، فيتوبوا ويؤمنوا بعظمتك. ساعدنا على أن نتبعك كلَّ ثانيةٍ مِن حياتنا، وإلى الأبد. آمين.
السُّؤَال:
22- ما هي المَبَادِئ الرَّئِيْسِيّة الّتي أوضحها الملاكُ للنِّساء؟
3- المَسِيْح يَظهَر لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ
(مرقس 16: 9- 11)
16: 9 وَبَعْدَمَا قَامَ بَاكِرًا فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ ظَهَرَ أَوَّلاً لِمَرْيَمَ الْمَجْدَلِيَّةِ الّتي كَانَ قَدْ أَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعَةَ شَيَاطِينَ. 10 فَذَهَبَتْ هَذِهِ وَأَخْبَرَتِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ وَهُمْ يَنُوحُونَ وَيَبْكُونَ. 11 فَلَمَّا سَمِعَ أُولَئِكَ أَنَّهُ حَيٌّ وَقَدْ نَظَرَتْهُ لَمْ يُصَدِّقُوا
يَسُوْع حيٌّ، وقد قام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وغلب الموت بنصره المبين. وإن سألنا المجدِّفون المُلحدون ساخرين: “وهل رجع أحدٌ يوماً مِن الآخرة إلى عالمنا هذا؟” نجيبه بملء الثِّقَة: “نعم. يَسُوْع المَسِيْح قد قام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وأقام غيره أيضاً، وبرهن كيان حياة الله ووجوده”. فجسده رمزٌ للخليقة الجديدة. هو المنتصِر الحيُّ الأبديُّ غالب كلّ مرض وفسادٍ وضعف؛ الكائن الموجود الباقي إلى الأبد، الّذي ليس لحياته نهاية.
وظهر يَسُوْع ثانيةً، حسب أخبار بُطْرُس على لسان تلميذه مَرْقُس، لتلميذةٍ كان قد شفاها قبلاً، وهي مريم المَجْدَلِيَّة الّتي كانت ملبوسة بأَرْوَاح. لم يقدر أحدٌ أن يشفيها غير يَسُوْع المخلِّص الّذي رحمها وحلَّها بكلمة قدرته القويَّة. فيَسُوْع ليس قاهر الموت فحسب، بل هو المنتصر على جميع أَرْوَاح جَهَنَّم أيضاً. يَسُوْع هو المخلِّص القدير الصَّالِح.
لم يكن الرُّوْح القُدُس آنَذَاكَ قد حلَّ في قلوب التَّلاَمِيْذ بعد، ولا في السَّيِّدَات المؤمنات اللواتي تَبِعْنَه. ولعلَّ يَسُوْع قد ظهر للمَجْدَلِيَّة ليثبِّت إيمانها، فلا تتعرَّض للارتداد، أو
للارتباط بأَرْوَاح شريرة من جديد.
إنَّ قيامة يَسُوْع مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات توضح لنا قداسته المُطلَقة وانطلاقه حُرّاً مِن قيود الجسد والخطيئة. وهو يُثبِّت أتباعه ويُحيطهم بجوٍّ مِن القَدَاسَة حصناً لهم من الخطيئة.
لم ترتعب المَجْدَلِيَّة عندما شاهدت المَصْلُوب حيّاً أمامَها، ولعلَّها اختبرت مِن خلال لقاءاتها الآثمة مع الأَرْوَاح سابقاً أنَّ ثمَّة أَرْوَاحاً وسلاطين يجهلها كثيرون. ورُبَّما حسبت يَسُوْع، للوهلة الأولى، ملاكاً ثمَّ تأكَّدَت أنَّه الرَّب، وعرفَت أن ليس مكانٌ لقوَّةٍ أُخرى؛ فكلمةٌ منه تطرد الشَّيْطَان وقوى الشَّر المخيفة على بكرة أبيها.
ركضت مريم المَجْدَلِيَّة، والفرح يغمر قلبها لمشاهدتها الرَّبّ المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وأخبرت التَّلاَمِيْذ أنَّ الرَّبّ حيٌّ، وقد ظهر لها. لكنَّهم هزّوا رؤوسهم، وظنّوا أنَّ ما رأته لم يكن سوى رؤيا. وقالوا في أنفسهم إنَّنا نعرف مِن ماضي هذه المرأة أنَّها تأثَّرت طويلاً بالأحلام والأَرْوَاح والصُّوَر والهواجس. فممَّا لا ريب فيه أنَّ فِكرها صالحٌ، ولكنَّه غير حقيقيٍّ.
فقلوب التَّلاَمِيْذ، بعد الخيانة والجَلد والصَّلب والموت والدَّفن، بقيّت في حالة صدمة، فلم يُصدِّقوا إلاَّ ما يُشاهدونه بعيونهم. قد دفنوا أحلامهم وأمانيهم الكبيرة. لم يكن لديهم استعداد لتصديق أمرٍ ما بسهولةٍ، لأنَّ قلوبهم تقسَّت. وهذا ما نختبره اليوم في بعض أتباع يَسُوْع الّذين تعرَّضوا لنكبات مؤلمة في حياتهم، فهم يتقسّون في قلوبهم ويفقدون الصِّلة بإعلانات الرَّب المستمرَّة. إنَّ الرَّب الحيَّ يَعمل، ولكنَّهم لا يؤمنون، ولا يتطلَّعون إلى الرَّجَاء الحَيِّ، بل يتفرَّسون في الضّيق الشَّديد مِن حولهم وفي داخلهم.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ العظيم، نسجد لك لأنَّك أعلنتَ شخصك القُدُّوس كي تُقوِّي المَجْدَلِيَّة الخائفة من الأَرْوَاح وتُثبِّتها في الإيمان. نسجد لك لأنَّك حيٌّ قُدُّوس، ولك السُّلطان على جميع الأَرْوَاح النَّجسة. ونؤمِن بقدرة كلمتك الإلهيَّة الّتي تستطيع أن تطرد الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة مِن جميع الّذين يلتجئون إليك، فتحفظهم من الارتداد، وتُثبِّتهم في روحك القُدُّوس. حقّاً أنت المنتصر على الموت والشَّيْطَان والخطيئة. احفظني ليلاً ونهاراً في اسمك مع جميع المُبتهلين إليك. آمين.
السُّؤَال: 23- لماذا ظهر يَسُوْع المَسِيْح لمريم المَجْدَلِيَّة أوَّلاً؟
اُنْظُرُوا
يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ
إِنِّي أَنَا هُوَ
(كلمة المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات لتلاميذه: لُوْقَا 24: 39)
4- إعلانُ يَسُوْع نفسَه للتِّلميذَين مِن عِمْوَاس
(مرقس 16: 12- 13)
16: 12 وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ بِهَيْئَةٍ أُخْرَى لاِثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَهُمَا يَمْشِيَانِ مُنْطَلِقَيْنِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ. 13 وَذَهَبَ هَذَانِ وَأَخْبَرَا الْبَاقِينَ فَلَمْ يُصَدِّقُوا وَلاَ هَذَيْنِ
في اليوم الأوَّل مِن أسبوع عيد الفصح، مضى اثنان مِن تلاميذ يَسُوْع حزينَين إلى قريتهما، بعدما قضيا العيد الكبير في ذلك العام في عزلةٍ وخَوف.
وقد أخبرنا البشير لُوْقَا بتفاصيل هذه القصَّة (في الأَصْحَاح 24: 13- 35) مِن إِنْجِيْله، وأبرز مَحَبَّة يَسُوْع لتلميذَيه المُرتبِكَيْن اللَّذَين فقدا، بصَلب معلِّمهما، كلَّ أملٍ لهما في هذه الدُّنيا.
لقد فهم مُعظم أتباع يَسُوْع مجيئه دنيويّاً وروحيّاً معاً. ولم يُدركوا أنَّ مَمْلَكَة المَسِيْح ليسَت مِن هذا العالم. فمزج التِّلميذان اللَّذان مِن عِمْوَاس، في أفكارهما، الدِّين بالدَّولة، السِّياسة بالإيمان، المال بالرُّوح، الزَّمن بالأبد.
ولم يعرفا أنَّ يَسُوْع يقودهما إلى إنكار الذَّات، والتَّخلِّي عن الأماني والشَّهوات والكبرياء، ويدعوهما إلى التَّوَاضُع والقناعة والمَحَبَّة والاجتهاد مع الوداعة والتَّعفُّف والتَّضحية. فهو لا يبني مَلَكُوْته على مدافع وطائرات وسفن وصواريخ، ولا يَطلب ضرائب، أو شهادات عالية، أو واسطة قويَّة. لأنَّه هو وحده الطَّريق والوسيط إلى الحياة الجديدة، وهو هو وحده الّذي يخلق في أتباعه خليقةً روحيَّةً، ويُغيِّرهم إلى صورته.
إنَّ هذه الأفكار تقتضي تغييراً في الذِّهن، أي توبةً جذريَّةً. فكلُّ مَن يريد اتِّباع يَسُوْع ينال هدفاً جديداً، ويبتعد عن المال والسّلطة والشَّهوات وإكرام الذَّات. فيَسُوْع بنفسه يُرشدنا إلى التَّحرُّر مِن الخطيئة والتجربة. وكلُّ مَن يتبعه يتواضع ويتعلَّم بذل الذَّات لغير المؤهَّلين في معرفة ابن الله المتواضع الّذي هو في ذاته ليس متكبِّراً ولا ماكراً. بل إنَّه أخلى نفسه مِن مجده، وأصبح إنساناً وخادماً للجميع، مُدركاً المرض المتأصِّل في البشر، ألا
وهو الخطيئة. فحمَل الدَّيْنُونَة عوضاً عنَّا، ومات لأجل تبريرنا ذبيحةً حيَّةً مرضيَّةً أمام الله.
لم يَفهم التِّلميذان هذا الأمر تماماً، فقد انتظرا ملكاً قويّاً، لكنَّهما شاهَدا على الصَّلِيْب مُخلِّصاً ضعيفاً. قد آمَنا بِمُنجٍّ بارزٍ يكون وجهاً مِن وجوه الأمَّة، لكنَّهما دفناه ودفنا معه آمالهما قبل يومٍ واحدٍ فقط. قد تمنَّيا أن يعمل الآتي مِن السَّماء على تعليمهما وتطويرهما وتعيينهما وزيرَين وشريفَين في مملكته المسيطرة على جميع الشُّعوب. لكنْ، ها هما الآن هاربان من السّلطة يجرّان ذيول الخيبة خائفَين على حياتهما.
لأجل هذه الأفكار وبَّخ يَسُوْع هذين التِّلميذَين، ودعاهما غبيَّيْن وبطيئي القلوب، لأنَّهما لم يفهما ما علَّمهما إيَّاه الرُّوْح القُدُس. قد كان ينبغي أنَّ المَسِيْح يتألَّم ويموت ليدخل إلى مجده. فشعاره ليس الحكم والتَّسلُّط، بل المصالحة والموت الكَفَّارِيّ. فهو لم يأتِ ليعيش لأجلنا، بل ليموت عوضاً عنّا، لأنَّ هذا هو الطَّريق الوحيد لمصالحة البشر مع الله. فكلُّ مَن يُنكر المَصْلُوب لم يفهم الله في حقيقته. وكُلُّ مَن يَقصد المثول أمام الله بدون حمله الوديع يَسُوْع لم يُدرك بعد عِظَمَ خطيَّئته الفاصلة بينه وبين القُدُّوس.
المَصْلُوب هو الجسر الوحيد الثَّابت والحامل المؤدِّي إلى الله. والمُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات هو وسيطنا الأمين. فيَسُوْع يُحرِّرنا مِن كلِّ برٍّ واكتفاءٍ ذاتيٍّ وشرفٍ شخصيٍّ، ويُعلِّمُنا أن نمدَّ أيدينا إلى المُنَجِّي الفَادِي. فليس إنسانٌ بارّاً أمام الله. المَسِيْح هو بِرُّنا.
كان التَّلاَمِيْذ الأحد عشر جالسين في العُلِّية مُرتبكين خائفين. وعندما دخل عليهم تلميذا عِمْوَاس بفرحٍ وهُتافٍ وشهدا أنَّ المَسِيْح حيٌّ، وأنَّه كلَّمهما موضحاً لهما ضرورة موته وقيامته، نظر التَّلاَمِيْذ بعضهم إلى بعض، وهزّوا رؤوسهم، وتسارعت الأفكار في رؤوسهم، فقَبْل هذين التِّلميذَين جاءتهم المَجْدَلِيَّة وبعض النِّسَاء بهذا الخبر الغريب… فهل صحيحٌ أنَّ المَسِيْح قام حقّاً؟
رُبَّما قال بعضهم: “لو كان هذا صحيحاً، لكان قد ظهر لنا أوَّلاً”. وقال آخَرون: “لعلَّه شاء أن يؤدِّبنا على هربنا، وعلى إنكار بُطْرُس إيَّاه”.
وأخيراً أجمعوا على أنَّه لم يَقُم حقّاً، ولم يؤمِنوا. هؤلاء هم الرُّسُل في قوَّتهم الذَّاتية، لأنَّ الرُّوْح القُدُس لم يكن قد حلَّ بعد فيهم، فلم يقدروا أن يؤمنوا الإيمان الصَّحيح الجريء الحيّ، لأنَّ الإيمان القويم هو من ثمار الرُّوْح القُدُس.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّب المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، اغفر لنا عدم إيماننا وبطء قلوبنا. افتح عيوننا لنرى ضرورة موتك، وعظمة انتصارك على الصَّلِيْب. أنت القُدُّوس القائم مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات غالب الموت. أنت الإله الحيُّ، وحياتك هي المَحَبَّة. وكما أظهرتَ نفسك على الأرض، هكذا أنتَ اليومَ حيٌّ في الرُّوح. علِّمْنا أن نتبعك في إنكار الذَّات، ونُحبَّك بإخلاصٍ وأمانة، ونخدم جميع النَّاس كما تواضَعْتَ أنت وخدَمْتَ غير المستحقِّين. آمين.
السُّؤَال: 24- لماذا لم يفهم تلاميذ يَسُوْع موته، ولم يؤمنوا بقيامته؟
امْكُثْ مَعَنَا
لأَِنَّهُ نَحْوُ الْمَسَاءِ وَقَدْ مَالَ النَّهَارُ (لُوْقَا 24: 29)
5- توبيخ يَسُوْع لتلاميذه
(مرقس 16: 14)
16: 14 أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ لأَِنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ.
دعا يَسُوْع اثني عشر رسولاً، اجتازوا معه اضطهاداتٍ وآلاماً كثيرةً، وشاهدوا عجائبه. واحدٌ منهم خانه، وشنق نفسه يائساً، عندما أدرك أنَّه كان سبب موت ابن الله، صارخاً: “قد سفَكتُ دماً بريئاً”. ولكنَّ شهادته وندامته كانتا متأخِّرتَين.
قد اغتصبت جَهَنَّم ملبوسها الّذي لم ينفتح كلِّياً ليَسُوْع، بل أبغضه وانتقم منه عندما لامه أمام الجميع، فسلَّم معلِّمه بقبلة.
عشيَّةَ يوم الأحد، دخل يَسُوْع الغرفة المُغلقة بإحكام، مِن دون أن يَفتح باباً أو نافذةً، بل ظهر في وسط التَّلاَمِيْذ فجأةً، فخافوا وارتعبوا. لكنَّ حضوره وبَّخ عدم إيمانهم، وقداسته كشفت نجاستهم وخوفهم ومخطَّطاتهم لحياتهم الخاصَّة في المستقبل.
ربَّما كانوا يفكِّرون في العودة إلى سُفنهم وشباكهم ليصطادوا السَّمَك من جديد. لكنَّهم توجَّسوا خوفاً مِن المتديِّنين المتشدِّدين الّذين اضطهدوهم كضالِّين.
فوبَّخهم يَسُوْع على ارتباكهم، ونَخَس قلوبهم وأذهانهم. قد حمل خطاياهم على الصَّلِيْب، وغفر لهم كل كذبهم وعيوبهم وسرقاتهم وشهواتهم. أمَّا الآن فهو يرى نموَّ أمِّ الخطايا في قلوب أتباعه، وهي عدم الإيمان.
لهذا السَّبب رأى نفسه مضطرّاً إلى عدم مخاطبتهم باللِّيْن، فانتهرهم على ثقتهم بالحقيقة الدُّنيويَّة أكثر مِن وعوده الإلهيَّة، ودانهم بكلماته لأنَّهم لم يصدِّقوا شهادة المتيقِّنين بقيامته.
قد أظهر نفسه للنِّساء والرِّجال. أمَّا الرُّسُل فأنكروا الحقيقة لأنَّهم لم يختبروها بأنفسهم، فجعلوا، بإنكارهم، البُسَطَاء في الإيمان كذَّابين.
وكانت قلوبهم البطيئة القاسية مِن أسباب عدم إيمانهم، إذ ملأوا شعورهم الباطني بتقاليد وتعاليم خاصَّة، ومزجوا مَبَادِئ يَسُوْع بأفكارهم الشَّخصيَّة. فيَسُوْع يَطلب منَّا تغيير الذِّهن وإنكار فلسفاتنا الخاصَّة، وسماع كلامه دون قيدٍ أو شَرطٍ، وإطاعة كلمته الخالقة مباشرةً. طوبى للإنسان الّذي يَسمع كلام يَسُوْع ويفهمه ويَقبله ويؤمن به ويحفظه ويَعمل به.
يُريد الرُّوْح القُدُس أن يُحرِّكنا ويُحرِّرنا مِن مَحَبَّة الذَّات، كي نُحبَّ المَسِيْح مَحَبَّة كاملة تفوق محبَّتنا لوالدينا وأقربائنا وأصدقائنا وتقاليدنا، فنسلِّم أنفسنا تسليماً تامّاً لابن الله كي يعمل هو منَّا ما يشاء.
هل تعرف إرادة يَسُوْع بخصوص حياتك؟ إنَّه يشاء أن يمنحك قلباً جديداً وروحاً مستقيماً، لأنَّ قلبك القَدِيْم قاسٍ، وذهنك فاسدٌ. فقيامة المَسِيْح تُرشدك إلى الحياة الجديدة مع الله. فربُّك يمنحك إرادةً جديدةً، وفهماً إلهيّاً، ويُعطيك القوَّة لتنفيذ إرادته.
إنَّ العيد الكبير لا يعني فرحنا بالمُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات فحسب، بل يعني أيضاً توبةً، وفكراً جديداً مِن قلبٍ جديدٍ، لنشترك حقّاً في قيامة المَسِيْح اليوم. لقد وبَّخ الرَّب تلاميذه ليُخلِّصهم، وجرَّدهم ليُلبسهم حياتَه.
فهل تؤمن بكيان المَسِيْح الحيّ؟ هل أدركتَ اتِّضاعه حتَّى الموت كسبيل وحيدٍ إلى الله لجميع البشر؟ هل سلَّمتَ حياتك للمُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات ملكاً أبديّاً له؟ هل تريد أن تُساهم في انتصار القيامة؟ إذاً صلِّ معنا هذه الصَّلاَة:
الصَّلاَة: اللَّهُمَّ القُدُّوس، أنت تعرفني وتعرف كلَّ خطيئة في حياتي، أنا المذنب الّذي لا يستحقُّ سوى غضبك؛ ولكنَّ يَسُوْع ابنك الوحيد قد حمل خطيَّتي، وسكبتَ أنتَ غضبك عليه عوضاً عنِّي. لقد حرَّرني المَصْلُوب من الدَّيْنُونَة. أشكرك شكراً قلبيّاً، وأسلَّم نفسي لك يا مُخلِّصي. أنت أحببتني، أنا الإنسان الشَّقي، وستُنعشني وتخلق فيَّ إرادةً جديدةً، مانحاً إيَّاي قلباً جديداً وفكراً طاهراً. أشكرك لأنَّك قبلتَ حياتي المُعقَّدة، وخلَّصتَني خلاصاً أبديّاً. أسجد لك أيُّها الآب والابن والرُّوْح القُدُس، وأطلب إليك أن تحفظني في اسم الثَّالوث الواحد الأقدس إلى الأبد، وتستخدمني كي يُدرك كثيرون من الضَّالِّيْن والأموات في الخطيئة أنَّك أنت الآب الحنون المحبّ، ويشتركوا اليوم في القيامة من الأموات بواسطة ارتباطهم الإيماني بك. آمين.
السُّؤَال:
25- لماذا وبَّخ يَسُوْع تلاميذه عند التقائه الأوَّل بهم بعد قيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات؟
طُوبَى
لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا
(يُوْحَنَّا 20: 29)
6- دعوة التَّلاَمِيْذ وإرسالهم إلى الخليقة كُلِّهَا
(مرقس 16: 15)
16: 15 وَقَالَ لَهُمُ اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيْل لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا.
ما أعجب إرسال التَّلاَمِيْذ الشَّاكِّين غير المقتدرين لتبشير العالم!
كان يَسُوْع، قُبَيْل هذه الدَّعوة، قد وبَّخهم على عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم. وبَعد هذا التَّوبيخ مُباشرةً دعاهم رسلاً، ووضع على عاتقهم وفي قلوبهم مسؤولية تبشير العالم.
يا لها مِن تعزيةٍ عظيمةٍ! إنَّ المُقَام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات لم يُرسل قدِّيسين صالحين أقوياء ليغلبوا الأَرْوَاح ويُبشِّروا المسكونة، بل أرسل فاشلين جُبناء قليلي الإيمان لهذه المهمَّة الخطيرة.
ولا شكَّ أنَّ الرُّسُل تعلَّموا مِن هذه الدَّعوة الفريدة أن ليس القادرون أن يعملوا شيئاً صالحاً لله، بل هو نفسه العامل في ضعفهم، كما أنَّهم فهموا أنَّ بِرَّهم ميتٌ وعقلهم غبيٌّ، لأنَّهم لم يفهموا قيامة المَسِيْح مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، ولم يؤمنوا بانتصاره، رافضين شهادة شهود العيان.
أمَّا الحيُّ فرحمهم، وظهر في وسطهم، وأقنعهم بوجوده الحقيقيِّ الملموس. فمخاطبته إيَّاهم برَّرَتهم، ومحبَّتُه قَوَّتْهُم. فهو ظهر لهم ليُقوِّيهم ويُشجِّعهم ويُباركهم. قَد ملأَهُم بإِنْجِيْله، وهو في ذاته الإِنْجِيْل… هو محور بشارتهم.
وكلَّمهم بما معناه: “لا تبقَوا جالسين خائفين، بل اركضوا باسمي. لا تدوروا حول أنفسكم، بل تقدَّموا طالبين أُناساً غرباء. لا تقصروا اجتماعاتكم وتأمُّلاتكم على زملائكم المؤمنين، بل فتِّشوا عن الأشرار والصَّالِحين، وابحثوا عن الأغبياء والعباقرة. لا تُهملوا الأغنياء ولا الفقراء، لأنَّ الجميع أمواتٌ في الذُّنوب. ليس إنسانٌ صالحاً من نفسه. الجميع بحاجة إلى غفران حَمَل الله. ليس مخلوقٌ عائشاً مِن ذاته. وُضع للجميع أن يموتوا. أمَّا الحَيَاة الأَبَدِيَّة فهي نصيب كلّ مَن يؤمن بابن الله القائل: أنا هو القيامة والحياة. مَن آمن بي ولو مات فسيَحْيَا. وكلّ مَن كان حيّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.. أتؤمِنون بهذا؟”
إنَّ ظهور المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات جعل التَّلاَمِيْذ شهور عيان للحقيقة. فهُم لم يفهموا آنَذَاكَ معنى موته وعمق مصالحته، لكنَّهم تأكَّدوا بدون بحثٍ أنَّ يَسُوْع حيٌّ وليس ميتاً. فالصَّلِيْب لم يكن نهايته، بل قد ترك القبر وغلب الموت، وليست للموت أيّ سلطة عليه.
وفيما هذا الإيمان يَعْمُر قلوبهم، انطلقوا إلى عالم الذُّنوب والفَناء، وأعلنوا حياة الله الظَّاهرة في المَسِيْح. فإِنْجِيْلهم لم يقصد أموراً دنيويَّة، ولا بشارة، بالمفهوم القيصري للإِنْجِيْل، بانتصار في غزوة أو بتعيين خليفة له؛ بل تضمَّن هذا الإِنْجِيْل الإلهي رسالةً للخليقة كلِّها. الله قد وهب حياته الخاصَّة في المَسِيْح لكلّ مَن يؤمِن. ليس الموت بعد النِّهاية الّتي لا بُدَّ منها، فقد حلَّ رجاءٌ جديدٌ في قلوب جميع المؤمنين بالمَسِيْح.
شعر الرُّسُل بعرض مَلَكُوْت الله وطوله وعلوِّه، ولاحظوا بداية الخليقة الجديدة الّتي تشمل أيضاً في نهايتها الحيوانات والنَّباتات والذَّرَّات والنُّجوم. فقد ظهرت نوعية الخلق الجديد في المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات. وينبغي لكلِّ زائلٍ ومائتٍ أن يتجدَّد بقوَّة حياة الله. قد صالح الابنُ العالمَ الشِّرِّيْر مع أبيه. فله الحقُّ والسُّلطان أن يُنشئ خليقةً جديدةً، ويُجدِّد الكون، ويُبطل الموت والخطيئة والشَّيْطَان. فقصد الإِنْجِيْل ليس المال والملك والسّلطة الدُّنيوية والرفاهية. المَسِيْح الحيّ هو القدوة والغاية والمَثَل لكلّ مَن يؤمن به. ادرُس كلمة الله وافهم جوهرها، فتُدرِك معنى الإِنْجِيْل وهدفه.
هل ما زلتَ غارقاً في الذُّنوب، مسرعاً نحو الموت؟ المَسِيْح قام، وهو يدعوك أيُّها الفاشل الشَّكَّاك، وينتشلك مِن فَنائك، لكي تحيا معه إلى الأبد.
هل ترتعد خوفاً مِن الموت وترتجف مِن الدَّيْنُونَة؟ المَسِيْح حيٌّ، وإن سلَّمت نفسك له اليوم فستقوم حقّاً مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، غالباً وعائشاً معه إلى الأبد، وهو يجعلك رسولاً لحياته. وإن حلَّت حياة الله فيك فسوف تهجر أنانيتك وتنهض لتقدِّم رسالة الله الحيّ إلى الآخَرين.
ليس ديننا دين شريعة ودينونة وموت. إنَّ ديننا تعبق منه رائحة الحياة الطَّيِّبة.
الصَّلاَة: اللَّهُمَّ القُدُّوس، أبانا الّذي في السَّماوات، نحمدك ونُعظِّمك لأنَّ ابنك حياتنا. قد دعانا نحن الفاشلين المُذنبين لنحمل حياتك إلى العالم الميت. نشكرك لأنَّك تُسامحنا، وتُشجِّعنا في اسم يَسُوْع المَسِيْح على أن نحمل البشارة إلى البلاد كلِّها، وإلى جيراننا أيضاً كي يمتلئوا هم أيضاً بحياة المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات. نَسجُد لك أيُّها الرَّب يَسُوْع لأنَّك قُمت مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات، وجعَلتَنا رسل حياتك. آمين.
السُّؤَال: 26- ما هي العجائب في أمر المَسِيْح لرسله بتبشير العالم؟
اسْتَجِبْنِي يَا رَبُّ اسْتَجِبْنِي
لِيَعْلَمَ هَذَا الشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإِلَهُ
(الملوك الأوَّل 18: 37)
7- الإيمان والمَعْمُودِيَّة في الخلاص
(مرقس 16: 16)
16: 16 مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ.
فسَّر يَسُوْع نتيجة الإيمان بالخلاص. فليس الإيمان مجرَّد فكر، أو منطق، أو تمسُّك بالاعتقاد، بل هو بالأحرى معرفة حياة الله، واختبار قوَّة المَسِيْح، والثِّقة القلبيَّة به، والسَّير معه، والتِّسليم له، وقطع العهد معه، والثَّبات فيه، حتَّى يتحرَّر المؤمن مِن الهموم في مواجهة الموت، ويُبشِّر بعذوبة الحياة الإلهيَّة.
فالإيمان هو علاقةٌ ناميةٌ في المَسِيْح تتقوَّى بمَحَبَّة متزايدة. فهل لا تزال وحدك، أم ارتبطتَ ارتباطاً أبديّاً بالمَسِيْح؟ أنتَ مؤمنٌ إن استَغنَيْتَ عن حرِّيتك واستقلالك، والتصقتَ بالمَسِيْح مُخلِّصك.
هل لا تزال أنانيّاً وراغباً في أن تعيش لنفسك؟ لا تخدع نفسك، فأنتَ لستَ حُرّاً، بل عبداً لخطيَّتك وشهواتك وتجاربك. لقد أتى المَسِيْح ليُخلِّصك، فافتح قلبك كُلِّيّاً لخلاصه، كي يلمس ضعفك بيمناه، فيغلب الموت المُهَيْمِن عليك، ويمنحك ثقة ناميةً في محبَّته، حتَّى تنفتح عيناك وترى فَادِيك في جماله وبِرِّه وصلاحه. تعال إلى المُخلِّص اليوم، واثْبت فيه إلى الأبد. أمَّا العلامة الخارجيَّة لتسليمنا الرُّوحي ليَسُوْع فهي المَعْمُودِيَّة باسم الآب والابن والرُّوْح القُدُس. فبهذا القرار الحازم يغرق المعتمد في مَحَبَّة الله، ليموت عن أنانيَّته، ويَعيش في رحاب القُدُّوس.
هل أنت عائشٌ خارج الله، أم ثابتٌ فيه؟ إنَّ المَعْمُودِيَّة الحقَّة تنقلك مِن الضَّلال إلى
وحدة الثَّالُوْث الأَقْدَس، وتُشركك في حياة الرَّب. أمَّا المَعْمُودِيَّة، كممارسة شكليَّة، فهي بالطَّبع لا تنفع شيئاً. فلا بُدَّ مِن الإيمان مع المَعْمُودِيَّة. ولكن إن اعترفتَ بإيمانك، وتمسَّكتَ عمداً بمعموديتك، فلا تخصُّ بعد نفسك، بل تخصُّ الله.
هل أصبحتَ خاصَّةً لأبيك السَّمَاوِيّ ومسلّماً للمَسِيْح؟ إنَّ مَن يؤمن بتثبيته في ابن الله يختبر تعزية الرُّوْح القُدُس وجريان مَحَبَّة الله في حياته، ويتيقَّن مِن حلاوة الحَيَاة الأَبَدِيَّة.
كلّ مَن يؤمِن ويعتمد يخلص.
وهذا الخلاص ابتدأ في الجُلْجُثَة، عندما صرخ المَصْلُوب قائلاً: “قد أُكمل”. هُناكَ صالحَ جميعَ البشر مع الله. فكلُّ مَن يَقبل هذا الامتياز يختبر في نفسه الخلاص. وهذا الخلاص شرعيٌّ شاملٌ جميع الناس. قد تمَّ الخلاص، وليس مِن الضَّروري أن يموت المَسِيْح مرَّةً أخرى. وإنَّما هذا الخلاص يتحقَّق في المؤمنين بواسطة إيمانهم. فلا خلاص بدون إيمان. إنَّ التقاءك بالمَسِيْح، وثقتك به يُحقِّقان خلاص الله في نفسك. فإلى جانب الخلاص التامِّ الموضوعيِّ نجد تحقيقَ الخلاص الشَّخصيِّ في الفرد بالإيمان.
والمَعْمُودِيَّة مِن بداية الخلاص فيك. الرَّب يُريدُك أن تنمو وتنضج، لتأتي بثمرٍ كثيرٍ، فيخلص كثيرون بقدوتك وشهادتك. فخلاصك ليس لنفسك فقط، بَل لِلآخَرين أيضاً.
إنَّ مَن يختبر الخلاص يخلِّص الآخَرين. وروح الله لا يستقرُّ إلاَّ بخلاص أكبر عَددٍ ممكنٍ مِن البشر. وهو يشاء أن يستخدمك لنشر خلاص المَسِيْح في مُحِيْطك. فاطلب إلى ربِّك أن يُريك مَن ينبغي أن تكلِّمه اليوم عن يَسُوْع وخلاصه.
اختبر يَسُوْع، في حياته الخاصَّة، أن ليس جميع الناس على استعدادٍ للإيمان. بل هم
يُقسُّون قلوبهم، ويمضون عنه، ويَهْزَأون به، ويُبغضونه، ويقاومونه. فليس ثمَّة نموٌّ في الإيمان فقط، بل هُناك أيضاً تناقصٌ ظاهريٌّ في تقسِّي القلوب. فكلّ مَن لا يقبل الخلاص التَّام يُهلك نفسه بنفسه.
لا يَرفض يَسُوْع إنساناً، أو يُهلكه، لأنَّه هو في ذاته المَحَبَّة. ولكن مَن يرفض خلاصه متعمِّداً، سيُضطرُّ إلى حمل خطاياه الخاصَّة بنفسه. ومَن يُهمل دينونة الله مستهزئاً ستبدأ فيه اليوم دينونة الله. “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ”.
المَسِيْح هو الطَّريق الحقّ إلى الخلاص.
ليس بأحدٍ غيره الخلاص، فلا يوجد دين ولا عقيدة ولا فلسفة ولا حزب يقدر أن يُخلِّصك. لا توجد طرق مختلفة مؤدِّية إلى الله. لا يوجد غير طريق واحدة فقط. وكلُّ مَن يدَّعي بتعدُّد الأديان أو مزجها أو توحيدها كسبيل إلى الله هو إنسانٌ جاهلٌ لا يعرف الحقيقة بل يكذب، لأنَّ المَسِيْح وحده هو الطَّريق والحَقُّ والحياة، وليس أحدٌ يأتي إلى الآب إلاَّ به. قَد دان يَهُوذَا نفسه وأهلكها لأنَّه انفصل عن المَسِيْح.
كيف حال قلبك؟ هل أنت مستعدٌّ أن تلبس خلاص الله، وتثبت في ربِّك، وتُحبَّه فوق كلِّ شيءٍ، أم تُهمله وتُنكره وترفضه؟
انتبه. فأنت تقرِّر أن تحيا أو أن تموت، أن تخلص أو أن تهلك. إنَّ كلَّ مَن لا يُؤمن بالمَسِيْح سيُدان. تدفعُنا هذه العبارة الحاسمة مرَّةً أخرى إلى التَّبْشِيْر والمواظبة والصَّبر. الله يَدعو العالم إلى الرُّجوع والإيمان بابنه. فكلّ مَنْ يؤمِن به سَيَحْيَا، ومَن لا يَقبل حياته
سَيظلُّ ميتاً في ذنوبه وخطاياه. فأين أنتَ أيُّها القارئُ العزيز؟
الصَّلاَة: نَسْجُدُ لك أيُّها الآبُ القُدُّوس لأجل خلاص ابنك الحبيب. نُعظِّمُك لأنَّك فتحتَ أعيُنَ قلوبنا بواسطة الرُّوْح القُدُس لِنُبْصر أسرار حياتك ونمتلئ بمحبَّتك. قد خلَّصَنا يَسُوْع مِن خَطايانا، ومِن سُلطة الموت، وحِيلة إبليس. عَلِّمْنا أنْ نسلِّم حياةَ يَسُوْع المُعطاة لنا إلى كلّ الّذين يتأوَّهون في الموت والذُّنوب. اخلق إيماناً حَقّاً في الّذين يتديَّنون ويَشتاقون إلى الحَقِّ لِكَي يحيوا ولا يُدانُوا. آمين.
السُّؤَال:
27- ما هي عَلاقةُ الإيمان بالخلاص؟
8- عَلاماتُ قُوَّة الله في أتْبَاعِ المَسِيْح
(مرقس 16: 17- 18)
16: 17وَهَذِهِ الآيَاتُ تَتْبَعُ الْمُؤْمِنِينَ، يُخْرِجُونَ الشَّيَاطِيْنَ بِاسْمِي وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ، 18 يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئًا مُمِيتًا لاَ يَضُرُّهُمْ وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ.
تَرى في حقل الطَّبيعة، بعد فصل الشِّتاء، كيف تأتي قوَّة النُّمو ببراعم وأوراق وأزهار حتَّى تنضج الثِّمار. وهكذا الخليقة الجديدة تأتي بالبراعم والأوراق والأزهار والثِّمار الرُّوحيَّة. فالمَسِيْح هو الكرمة، والمؤمنون هم الأغصان. وهؤلاء لا يأتون بأيّ قَدْرٍ مِن النُّمو مِن أنفسهم، بل تأتي القوَّة كلُّها والتَّدبير كلُّه مِن الرَّبّ الّذي هو الأصل.
فترى أوَّلاً غلبة العالم الإلهي على قوى الشَّر، لأنَّ يَسُوْع غلب المجرِّب، والآن يُجرِّده مِن أسراه. فعلى الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة أن تنسحب وتترك الأفراد حيث يُكرَز بإِنْجِيْل المَسِيْح الحيِّ كاملاً ونقيّاً مِن أيِّ شوائب عقائديَّة أو فكريَّة. فالإِنْجِيْل يكشف الكذب في الفلسفات، ويدين التَّقوى المزيَّفة في عبادة الشَّريعة، لأنَّ المَسِيْح يُرينا أن لا أحد يقدر أن يُدرك بعقله المحدود الله غير المحدود. لا يستطيع عديم التَّقوى أن يُرضي القُدُّوس. دم المَسِيْح وحده يُبرِّرنا. فمَن يضع نفسه تحت رشِّ دم حَمَل الله لا ولن يجد الشِّرِّيْر قوَّةً فيه. والمَسِيْح ينشل مِن أربطة جَهَنَّم كلَّ مَن يتمسَّك بيديه الممدودتين نحوه. وحيثما يصلِّي المؤمنون بعضهم مع بعض، يتدخَّل يَسُوْع شخصيّاً، ويَطرد عدوَّ الخير وجيوشه. المُقيَّدون يتحرَّرون والأسرى يُطلَقون. فنعترف اليوم بعمل قوَّة المَسِيْح الظَّاهرة في التَّحرير مِن سلطة الخطيئة، والارتباطات الشَّنيعة، وقيود اللّبس بالأَرْوَاح النَّجسة، لأنَّ يَسُوْع المَسِيْح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبَد.
الإنسان بدون الله يتكلَّم بكلمات شرِّيرة، ويَنطق بأكاذيب ودعارة، ويَلعن، ويَشهد شهادة زور، ويُعظِّم نفسَه، ويجري مع التَّيَّار لإخفاء عقده وأمانيه.
أمَّا المَسِيْح فيحرِّر الإنسان كي يَحمد الله، ويَشهد بفعالية على قوَّته الرُّوحيَّة. فحيثما يلتصق الإنسان بيَسُوْع ينَل لساناً جديداً، فلا يكذب أو يُجدِّف فيما بعد، بل يَنفُر مِن نُطق النُّكَت البذيئة. ولا يلعن، بل ينطق بكلمات المَحَبَّة والصِّدق. وينال بعض الإِخْوَة والأخوات، إلى جانب القول المستقيم البنَّاء، موهبة التَّكلُّم بألسنة أُخرى، حيث لا يكونون هم المتكلِّمين بل الروح نفسه يُمجِّد الله. إنَّما لا يتكلَّمون، ولا يُظهِرون أنفسهم حيث لا يُحضِر الرَّب مُترجِماً، كي لا يُعرِّضوا أنفسهم لتجربة إظهار الذَّات. لأنَّ غاية كلَّ موهبةٍ هي تمجيد الرَّب وحده. فلساني ليس خاصَّتي فيما بعد، بل هو خاصَّة الرَّب وحده. ليضع هو كلماته عليه، ولتنطق شفتاي بتسبيحه.
والرَّب يحمي شهوده الّذين عيَّنهم لنقل شهادته. فيَسُوْع جاز في وسط أعدائه حين رفعوا حجارة ليرجموه، لأنَّ ساعته لم تكن قد أتت بعد، وجَهَنَّم لم تجد سلطةً فيه. كما حمى الرّب قدِّيسيه مرَّةً تلو الأخرى بعجائب ظاهرة، كما يشهد بذلك تاريخ الكنيسة، بينما سمح لآخَرين أن يُعظِّموه بموتهم شهداء. وداس البعض عناكب سامَّةً وعقارب وحيَّاتٍ دون علمهم، كان العدوُّ قد وضعها في طريقهم، كما حفظ آخرين من الغرق وحوادث السَّير والأنواء والطَّلقات النَّاريَّة وغيرها من الأخطار والفواجع.
وسبَّح البعض اللهَ قُبَيْلَ إعدامهم، كما قال أحد الأساقفة للجند المُكلَّفين إعدامه: “وداعاً أيُّها الأموات. إنِّي مُنطلقٌ إلى الأحياء”.
إنَّنا نلمس رحمة المَسِيْح لكلّ متألِّمٍ. فهو يُعينه ويُساعده، ولا يكتفي بمواساته بالكلام. وقد طردت كلمته كلَّ مرض، فتراكضت الجَمَاهِيْر إليه من كل حدب وصوب، فشفى العُمي، وأبرأ البُرص، وأقام موتى. وكان لِمحبَّتِهِ صدى عظيمٌ في المَسِيْحيَّة الّتي تحوَّل كثيرٌ من أتباعها إلى خُدَّام في مئات الألوف مِن المستشفيات ودور العجزة ودور الأيتام وغيرها من المؤسَّسات الخيريَّة مُقْتَدِين بمعلِّمهم الرَّحيم، ومُظهرين مَحَبَّة المُقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات. والرَّب لا يزال يشفي في الخفاء كثيرين من المرضى نتيجة الصَّلوات الأمينة والإيمان المُخلص. فصلاة البارِّ تقتدر كثيراً في فِعْلِها.
إنَّ قدرة المَسِيْح تُبشِّرُنا بعصرٍ جديدٍ. وبواسطة الإيمان والتَّوبة والاعتراف والثِّقة بالمَسِيْح تحدث اليوم آياتٌ وعجائب لا تُعظِّم المؤمنين في ذواتهم، بل تمجِّد المَسِيْح وتكرِّمه وحده.
وهذه الآيات لا تحدثُ لتمجيد الكنيسة، بل لتعظيم حَمَل الله الْمَذْبُوحِ المُسْتَحِقِّ أَنْ
يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ (رؤيا يُوْحَنَّا 5: 12).
الصَّلاَة: أيُّها الرَّب، أنتَ حيٌّ، وتُحبُّ النَّاس كلَّهم، كما في أيَّام حياتك على الأرض. تُشفق على الملبوسين والمرضى والمتضايقين، وتشفيهم بواسطة الإيمان بك، وتَحمي الواثقين بك. عجائبك جديدةٌ كلَّ صباحٍ. زِدْ فيَّ المَحَبَّة والإيمان كي تعظم قوَّتُك في ضعفي، وأتغيَّر إلى خادم للجميع، كي يخلصوا ويُمجِّدوك في كلِّ حينٍ. آمين.
السُّؤَال:
28- كيف تظهر أَعْمَال مَحَبَّة المَسِيْح اليوم بواسطة المؤمنين؟
أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ
فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ
لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالكُمُ الْحَسَنَةَ
وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَات
(متى 5: 14 و 16)
pppppppp
9- الملك السَّمَاوِيّ يَحكم بواسطة رُسُله
(مرقس 16: 10- 20)
16: 19 ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمُ ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ. 20 وَأَمَّا هُمْ فَخَرَجُوا وَكَرَزُوا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَالرَّبُّ يَعْمَلُ مَعَهُمْ وَيُثَبِّتُ الْكَلاَمَ بِالآيَاتِ التَّابِعَةِ. آمِينَ
غلب المَسِيْح الجاذبيَّة الأرضيَّة، وارتفع إلى السَّماء أمام أعين التَّلاَمِيْذ، رمزاً لدخوله العالم الآخَر. لقد أحبَّ أباه السَّمَاوِيّ مِنْ كُلِّ قلبه و مِنْ كُلِّ نفسه و مِنْ كُلِّ قُدرته. فبعدما أكمل خلاص العالَم، وأتمَّ تَعليمه، انطلق إلى أبيه، عالماً أنَّ دخوله قدس الأقداس، وتقَدِيْم دم ذبيحته الثَّمين أمام عرش النِّعمة سيُسبِّبُ البركة الكبرى الّتي أراد أن يضعها على كنيسته، أي انسكاب الرُّوْح القُدُس على كلِّ ذي جسدٍ.
وعرف يَسُوْع باختباراته المُرَّة أنَّ تلاميذه لن يستنيروا في عقولهم بدون هذا الروح، ولن يجدوا في ذواتهم قوَّةً لمُمارسة المَحَبَّة والإيمان والرَّجَاء بدون مسحة الرُّوْح القُدُس.
لذلك أسرع إلى أبيه، ليسكب مِن شركة المَحَبَّة هذه عنصر مَحَبَّة الله في قلوب أتباعه، فيُحبُّوا بعضهم بعضاً كما أحبَّهم هو.
وقد أنبأ الملك داود مسبقاً: “قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي, اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ” (مَزْمُوْر 110: 1). فهذه النُّبُوَّة اكتملت في صعود يَسُوْع. وقد أكرم الآب ابنه بإجلاسه عن يمينه، لأنَّ المَسِيْح أكمل ما لم يقدر كائنٌ (سواء كان إنساناً أو ملاكاً) على إكماله.
قد صالح الابنُ، بذبيحة دمه، العالمَ الشِّرِّيْر مع الله القُدُّوس. وبعدما وصل حَمَل الله إلى السَّمَاوَات، وتقدَّم إلى عرش الجالس، امتلأت رِحابُ القدس بتسابيح الحمد مِن أفواه جميع المخلُوْقَات مع القدِّيسين المُرتِّلين: “مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَِنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، وَجَعَلْتَنَا لإِلَهِنَا مُلُوكًَا وَكَهَنَةً فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ”.
المَسِيْح يَسُوْع اليوم هو الملك في العالم، ويملك بواسطة كنيسته. ليس بأسلحة فتَّاكة، بل بإنشاء مَمْلَكَة روحيَّة. هو اشترانا خاصَّةً لله، فأصبحْنا مُلْكَه وهو مالكُنا. ومملكته ليست مَمْلَكَة دنيويَّةً. وهو لا يُقدِّم كنوزاً فانيةً. ومملكته أبديَّةٌ.
وهكذا يُرسل مرسليه إلى جميع البلدان، ليُخلِّص المستمعين إليهم مِن غضب الله، وليشتركوا في الخلاص التَّامِّ. الحّيٌّ يُبثُّ حياته في كلِّ مَن يُؤمِن به، ويُغيِّر الخطاة القساة إلى أولاد لله مسالمين. مَلَكُوْته يأتي، والْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ.
أَلَسْتَ أنتَ مدعُوّاً مِن المَسِيْح لخدمته وسط زملائك وعائلتك وجيرانك؟ لا تتسرَّع. ولا تعمل بحماسةٍ مُعتمداً على قدراتك ومواهبك الشَّخصيَّة، بل اطلُب من الرَّب أن يعمل معك، فيكون هو العامل وأنت أداة مبارَكة في يده اللَّطيفة. ضع نفسك ومواهبك كاملةً فوراً تحت تصرُّف يَسُوْع، فتختبر عجائب كثيرةً لا تعظِّمك ولا تُشْهِرك، بل تعظِّم ربَّك، فتُصبح حمداً لفَادِيك.
إنَّ خُدَّام الرَّبّ الأكفّاء لا يطلبون باطلاً كرامةً لأنفسهم، بل ينسبون كلَّ مجد ليَسُوْع،
عالِمين أنَّ القوَّة العاملة في ضعفهم، منذ بداية خلاصهم وحتَّى نهاية خدمتهم، ليست نابعةً مِن أنفسهم، بل مِن يَسُوْع وحده ينبوع كلّ النِّعَم. فالأَعْمَال الّتي يَعملها المؤمنون بالمَسِيْح ليست سحراً ولا شعوذةً، بل إنَّ كلام المَسِيْح هو الّذي يُظهِر قُدرتَه. فاحفظ كلام يَسُوْع غيباً. كَرِّر أقواله في قلبك بروح التَّأَمُّل والصَّلاَة، فَتَغْنَى في الرّوح وتُغْني كثيرين.
الصَّلاَة: يا ربّ، أنت ملكي وسيِّدي وربِّي. أنتَ حيٌّ ومالكٌ من الأزل إلى الأبد. نشكرك لأنَّك برَّرتَنا وأشركتَنا في ملكك. قد اشتريتَنا بدمك الثَّمين من سوق نخاسة الخطيئة، وجعَلْتَنا خاصَّةً لله ورُسلاً لمحبَّتك، لكي نَخدمك، ونُحبَّك، ونُسامح الجميع، ونَشهد بخلاصك، وندعو الجميع إلى مَلَكُوْتك. أعطِنا إرشاد روحك القُدُّوس، وطاعة الإيمان المُباشرة، والمواظبة على الصَّلاَة في المصائب. لتكُن مشيئتك على الأرض. نشكرك لأنَّنا نعيش في عصر النِّعمة، ونرى أنَّ حصادك كثيرٌ. أرسِل فَعَلَةً مُكرَّسين متواضعين مُجتهِدين ومُطيعين إلى جميع مدن وقُرى أُمَّتنا، وإلى جميع البلدان حيث لا يَعرفونك، لكي يشتركوا في ملء نعمتك. استخدِمْني أنا أيضاً، غير المستحقّ أن أخدمك، لكي أعيش لتمجيد اسمك، وأنشر كلمتك قولاً وفِعلاً وصلاةً. آمين.
السُّؤَال: 29- ماذا يفعل يَسُوْع اليوم؟
المُسَابَقَة الرابعة لإِنْجِيْل المسيح حسب البشير مَرْقُس
أيُّهاالقارئ العزيز، إنْ درستَ الجزأين السَّادس والسَّابع مِن الإِنْجِيْل حسب البشير مَرْقُس، فسيُمكنك أن تجيب بسهولة عن الأسئلة أدناه. إنْ أجبت إجابةً صحيحةً عن ثلاثة أرباع هذه الأسئلة، فسنرسل لك أحد الكتُب المذكورة في آخر هذا الكتاب، والصَّادرة عن دار نشرنا.
الأسئلة:
- ما هو معنى “حَمَل الفصح”؟
- ماذا نتعلَّم مِن مسحة يَسُوْع بواسطة مريم، والنِّقاش الّذي جرى بعد هذه المسحة؟
- لماذا قَصَد يَهُوذَا خيانة يَسُوْع وتلاميذه؟
- ما هي العلامة الّتي تعرَّف بواسطتها التِّلميذان بالرَّجل الّذي أراد يَسُوْع أن يحضر العَشَاء في بيته؟
- ما هي المعاني المتضمَّنة في العَشَاء الرَّبَّانِيّ؟
- ماذا كان خطأ بُطْرُس عندما حذَّره يَسُوْع؟
- لماذا اكتأب يَسُوْع؟
- ممَّ تأثَّرتَ في قصَّة القبض على يَسُوْع؟
- ما هو معنى جواب يَسُوْع أمام مجلس اليهود؟
- كيف حدث انكسار بُطْرُس تدريجيّاً؟
- ما هو معنى اعتراف يَسُوْع بأنَّه ملكٌ؟
- كيف عصّب العسكر الرومانيون يَسُوْع، وكيف ردَّ على استهزائهم؟
- ماذا نتعلَّم مِن حمل يَسُوْع صليبَه؟
- كيف صُلِب يَسُوْع عملياً؟
- ما هو معنى اللَّقب: “ملك اليهود”؟
- لماذا طلب الزُّعماء والشَّعب من يَسُوْع أن ينزل عن الصَّلِيْب؟
- ما هو معنى قول المَصْلُوب: “إلهي إلهي، لماذا تركتَني”؟
- ما مَعنى الحوادث الّتي وقعَت عند موت يَسُوْع؟
- ماذا يعني وجود سيِّدات كثيرات عند الصَّلِيْب؟
- ما هو الأمر العجيب في دَفن يَسُوْع؟
- ماذا يعني الحجر المُدَحرَج عن باب القبر؟
- ما هي المَبَادِئ الرَّئِيْسِيّة الّتي أوضحها الملاك للنِّساء؟
- لماذا ظهر يَسُوْع المَسِيْح لمريم المَجْدَلِيَّة أوَّلاً؟
- لماذا لم يَفهم تلاميذ يَسُوْع موته، ولم يُؤمنوا بقيامته؟
- لماذا وبَّخ يَسُوْع تلاميذه عند التقائه الأوَّل بهم بعد قيامته مِنْ بَيْنِ الأَمْوَات؟
- ما هي العجائب في أمر المَسِيْح لرسله بتبشير العالم؟
- ما هي علاقة الإيمان بالخلاص؟
- كيف تظهر أَعْمَال مَحَبَّة المَسِيْح اليوم بواسطة المؤمنين؟
- ماذا يفعل يَسُوْع اليوم؟
أرسل أجوبتك بخط واضح مع عنوانك الكامل إلى:
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
http://www.geocities.com/alhayat_alfudla
كُتُب روحية تنتظرك
نجد نادراً في أيامنا المضطرّبة مصادر الراحة والاطمئنان، أمّا في انجيل المسيح فتجد السلام مع الله وحلاًً لمشاكلك. لذلك نجشّعك أن تتعمّق في بشرى السماء يومياً لتنال هدى ونوراً مع القوة السماويّة والخلاص بالنّعمة.
إنجيل المسيح حسب البشير متّى صفحات
مع تأمّلات وصلوات والمرشد إلى شريعة المسيح 528
إنجيل المسيح حسب البشير مرقس
الّذي كتب بطريقة حيويّة ما قاله الرسول بطرس 358
إنجيل المسيح حسب البشير لوقا
جمع الطبيب اليوناني أخباراً مهمّةً غير المذكورة في الأناجيل السابقة
عن المسيح وأقواله مِن شهود العيان وأضافها للإنجيل الأصلي 448
إنجيل المسيح حسب البشير يوحنّا
كتب رسول المحبّة والحقّ أقوال المسيح المخفية في هذا الإنجيل الأعظم 418
أعمال الرسل حسب البشير لوقا
يخبرنا الرفيق لرسول بولس كيف وصل الإنجيل مِن أورشليم إلى روما 434
رسالة بولس الرسول إلى الكنيسة في روما
عرض الفقيه أركان الإيمان المسيحية إلى أعضاء الكنيسة في العاصمة (عن القريب)
رسالة بولس الرسول إلى الكنيسة في غلاطية (عن القريب)
الرسالة إلى العبرانيين (عن القريب)
رؤيا المسيح للرسول يوحنّا
الجزء الأول: ظهور المسيح الحي ورسائله إلى الكنائس السبع 194
الجزء الثاني:عظمة الله وتَربّعُ يسوع على العرش 128
الجزء السابع: مجيء المسيح الثاني والعالم الجديد (عن القريب)
الحياة الفضلى – ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
http://www.geocities.com/alhayat_alfudla
فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَقَالَ لَهُ أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، 62 فَقَالَ يَسُوعُ أَنَا هُوَ،
وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ
ابْنَ الإِنْسَانِ
جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ
وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ.
(شهادة يسوع الفاصلة أمام المحكمة الدينية
حسب البشير مرقس 14: 61-62)
إنجيل
المسيح
حسب البشير مرقس
مع تأمّلات تفسيرية
وصلوات ومسابقات
عبد المسيح وزملاؤه
الحيّاة الفضلى – لبنان