
إنجيل المسيح
حسب البشير يوحنّا
تأملات تفسيريّة
مع صلوات ومسابقات
عبد المسيح وزملاؤه
الحيّاة الفُضْلَى -بيروت – لبنان
الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً
وَحَلَّ بَيْنَنَا،
وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ،
مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ،
مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.
(شهادة البشير يوحنا 1، 14)
كلّ الحقوق محفوظة
الطبعة الثانية 2006
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
الفهرست
التمهيد لإنجيل يوحنّا
الجزء الأوّل
اشراق النّور الإلهي
(1: 1-4: 54)
أوّلاً: تجسّد كلمة الله في يسوع (1: 1- 18)
1- جوهر وعمل الكلمة قبل التجسّد (1: 1- 5)
2- المعمدان يعد طريق المسيح (1: 6- 13)
3- ملء الله ظهر في تجسّد المسيح (1: 14- 18)
ثانيّاً: المسيح يخرج بتلاميذه مِن جو التّوبة إلى فرح العرس (1: 19- 2: 12)
1- وفد المجلس الأعلى يمتحن المعمدان (1: 19- 28)
2- شهادات المعمدان المثيرة عن المسيح (1: 29- 34)
المسابقة الأولى: تجسّد المسيح
3- اتباع التلاميذ الستة الأوّل ليسوع (1: 35- 51)
4- الآية العجيبة الأولى ليسوع في عرس قانا (2: 1- 12)
ثالثاً: سفرة يسوع الأولى لأورشليم
(موضوعها ما هي العبادة الحقّة) (2: 13- 4: 54)
1- يسوع يطهّر ساحة الهيكل (2: 13- 22)
2- مباحثة يسوع مع نيقوديموس (2: 23- 3: 21)
أ- ميل الشعب ليسوع (2: 23- 25)
ب- ضرورة الولادة الثانية (3: 1- 13)
ج- الصليب سبب التجديد (3: 14- 16)
د- رفض المسيح يعني الدينونة (3: 17- 21)
3- شهادة المعمدان عن يسوع العريس (3: 22- 36)
4- يسوع في السامرة (4: 1- 42)
أ- يسوع يرشد الزانية للتوبة ومعرفته (4: 1- 26)
ب- يسوع يرشد تلاميذه لرؤية الحصاد الجاهز (4: 27- 38)
ج- التبشير في السامرة (4: 32- 42)
5- شفاء ابن الموظف الملكي (4: 43- 54)
الجزء الثاني
النّور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه
(5: 1- 11: 54)
أوّلاً: السفرة الثانية إلى أورشليم
(موضوعها اتضاع العداوة بين اليهود ويسوع) (5: 1- 47)
1- شفاء المريض في بيت حسدا (5: 1- 16)
2- الله لا يرتاح بل يعمل منسجماً مع ابنه (5: 17- 20)
3- اقامة الأموات ودينونة العالم هي مِن أعمال المسيح (5: 20- 30)
4- الشهود الأربعة لالوهية المسيح (5: 31- 40)
5- ما السبب لعدم الإيمان (5: 41- 47)
ثانيّاً: يسوع يعلن نفسه خبز الحياة في الجليل (6: 1- 71)
1- اشباع الخمسة آلاف (6: 1- 13)
2- يسوع ينسحب مِن رغبة الجماهير في تتويجه (6: 14- 15)
3- يسوع يأتي إلى تلاميذه المتضايقين (6: 16- 21)
4- يسوع يرشد الشعب لقبوله أو رفضه (6: 22- 59)
5- تنقية حلقة التلاميذ (6: 6- 71)
المسابقة الثانية: النّور يضيء في الظلمة
ثالثاً: السفرة الأخيرة إلى أورشليم
(وموضوعها انفصال الظلمة عن النّور) (7: 1- 11: 54)
1- كلمات يسوع في عيد المظال (7: 1- 8: 59)
أ – يسوع وأخوته (7: 1- 13)
ب- الرأي المنقسم حول يسوع في الشّعب والمجلس الأعلى (7: 14- 52)
ج- الناموسيّون (الشريعيون) يأتون بالزانية إلى يسوع
ليحاكمه (8: 1- 11)
د- يسوع هو نور العالم (8: 12- 29)
ه- الخطيئة عبودية (8: 30- 36)
و- إبليس هو القاتل والكذّاب (8: 37- 47)
ز- المسيح كائن قبل إبراهيم (8: 48- 59)
2- شفاء المولود أعمى رمزاً لكلّ العمى الرّوحي (9: 1- 41)
أ- الشفاء يوم السبت (9: 1- 12)
ب- استجواب اليهود للمشفي (9: 13- 34)
ج- يسوع يعلن نفسه للمشفي كابن الله (9: 35- 41)
3- المسيح يدعو أتباعه مِن الرعاة المخطئين ليقبلوا إليه (10: 1- 39)
أ – الخراف تسمع صوت الرّاعي الحقّ (10: 1- 6)
ب- يسوع هو الباب الحقّ (10: 7- 10)
ج- يسوع هو الرّاعي الصّالح (10: 11- 21)
د- حفظنا ضمن وحدة الآب والابن (10: 22- 30)
ه- ابن الله في الآب والآب فيه (10: 31- 39)
4- اقامة لعازر ونتائجها (10: 40-11: 54)
أ- يسوع عبر الأردن (10: 40-11: 16)
ب- التقاء يسوع بمرتا ومريم (10: 17- 33)
ج- اقامة لعازر (11: 34- 44)
د- قرار المجلس اليهودي بالحكم على يسوع موتاً (11: 45- 54)
المسابقة الثالثة: الظلمة لم تدرك النّور.
الجزء الثالث
النّور يضيء في حلقة الرسل
(11: 55- 17: 26)
أوّلاً: التمهيد لجمعة الآلام (11: 55- 12: 50)
1- مسح يسوع في بيت عنيا (11: 55- 12: 8)
2- دخول يسوع إلى أورشليم (12: 9- 19)
3- اليونانيّون يطلبون التعرّف بيسوع (12: 20- 26)
4- تمجيد الآب وسط الاضطراب (12: 27- 36)
5- النّاس يتقسون للدينونة (12: 37- 50)
ثانيّاً: الحوادث بعد العشاء الربّاني (13: 1- 38)
1- يسوع يغسل أرجل التلاميذ (13: 1- 17)
2- انكشاف الخائن واخراجه (13: 18- 38)
3- الوصيّة الجديدة للكنيسة (13: 33- 35)
4- النبوّة عن انكار بطرس (13: 36- 38)
ثالثاً: الكلمات الوداعية في غرفة قطع العهد (14: 1- 31)
1- الله حضر في المسيح ظاهراً (14: 1- 11)
2- الثالوث الأقدس يحلّ في المؤمنين بواسطة مجيء الرّوح المعزّي (14: 12- 24)
3- سلام المسيح الوداعي (14: 25- 31)
رابعاً: الكلمات الوداعية في الطريق إلى بستان جسثيماني (15: 1- 16: 33)
1- الثبات في المسيح آت بثمار كثيرة (15: 1- 8)
2- ثباتنا في شركة الآب والابن تظهر في المحبّة المتبادلة (15: 9- 17)
3- العالم يبغض المسيح واتباعه لعدم معرفة الآب (15: 18- 16: 3)
4- الرّوح القدس يعلن أهم التطوّرات التاريخية (16: 4- 15)
5- المسيح يتنبأ بفرح تلاميذه في عيد القيامة (16: 16- 24)
6- سلام المسيح فينا يغلب ضيقات العالم (16: 25- 33)
المسابقة الرابعة: عن محبّة المسيح المعلنة في حلقة التلاميذ
خامساً: صلاة يسوع الشفاعية لتثبيتنا في الثالوث الأقدس (17: 1-26)
1- التمهيد لصلاة المسيح الشفاعية
2- الصّلاة لتمجيد الآب (17: 1- 5)
3- ابتهال يسوع لأجل رسله (17: 6- 19)
4- ابتهال يسوع لأجل وحدة الكنيسة (17: 20- 26)
الجزء الرابع
النّور يغلب الظلمة (18: 1- 21: 25)
أوّلاً: الحوادث مِن القبض على يسوع حتّى دفنه (18: 1- 19: 42)
1- القبض على يسوع في البستان (18: 1- 12)
2- استجواب يسوع أمام حنان وانكار بطرس ثلاث مرّات (18: 15- 27)
3- المحاكم المدنية أمام الوالي الروماني (18: 28- 19: 16)
أ – الشكوى على ملوكية يسوع (18: 28- 38)
ب- التخيير بين يسوع وباراباس (18: 38- 40)
ج- جلد يسوع وجلبه أمام المشتكين عليه (19: 1- 5)
د- خوف بيلاطس مِن ألوهيّة يسوع (19: 6- 12)
ه- حكم بيلاطس الظالم على يسوع (19: 12- 16)
4- صلب يسوع وموته (19: 16- 37)
أ – عمليّة الصلب ووضع اللافتة (19: 16- 22)
ب- اقتسام الملابس والاقتراع عليها (19: 23- 24)
ج- كلمة يسوع لأمّه (19: 25- 27)
د- اكتمال يسوع (19: 28- 30)
ه- الطعنة في جنب يسوع (19: 31- 37)
و- دفن يسوع في القبر الصخري (19: 38- 42)
ثانيّاً: قيامة المسيح مِن بين الأموات
وظهوراته المختلفة (20: 1- 21: 25)
1- الحوادث صبيحة عيد الفصح (20: 1- 10)
أ – مريم المجدلية في القبر الفارغ (20: 1- 2)
ب- تسابق بطرس ويوحنّا للقبر (20: 3- 10)
ج- ظهور يسوع أمام ماريّا المجدليّة (20: 11- 18)
2- ظهور المسيح بين التلاميذ عشيّة الأحد (20: 19- 23)
3- ظهور المسيح بحضور توما (20: 24- 29)
4- ختام إنجيل يوحنّا (20: 30- 31)
5- ظهور المسيح عند بحيرة طبريا (21: 1- 25)
أ- صيد السمك العجيب (21: 1- 14)
ب- تثبيت بطرس في خدمته الرعوية (21: 15- 19)
ج- نبوءات يسوع عن المستقبل (21: 20- 23)
د- الشهادة ليوحنّا وإنجيله (24:21- 25)
المسابقة الخامسة للإنجيل حسب يوحنّا: النّور غلب الظلمة
فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ،
وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ
(كلمة الوحي حسب البشير يوحنا 1، 4)
وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ
قَبِلُوهُ
فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً
أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ،
أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.
(شهادة البشير يوحنا 1، 12)
المقدمة
دعا المسيح تلاميذه ليكونوا شهوداً له. ولم يكتب سيرة حياته بنفسه. ولم يرسل إلى الكنائس أيّة رسالة. لكنّ شخصيته أثّرت تأثيراً عميقاً في نفوس أتباعه، الّذين أرشدهم الرّوح القدس لتعظيم يسوع المسيح ربّهم. فرأوا في محبّته وتواضعه وموته وقيامته مجداً كما للوحيد مِن الآب، مملوءاً نعمة وحقّاً. وبينما أوضح البشيرون متّى ومرقس ولوقا أقوال، وأعمال يسوع وملكوت الله هدفاً لمجيئه، أبرز يوحنّا جوهر شخص يسوع ومحبّته القدّوسة. فلهذا سُمّي إنجيل يوحنّا الإنجيل الرئيسي الحقيقي اللطيف، الّذي هو تاج كلّ أسفار الكتاب المقدّس.
مَن هو كاتب هذا الإنجيل؟
أجمع آباء الكنيسة في القرن الثاني، على أنّ يوحنّا تلميذ يسوع، هو كاتب هذا السِفر الفريد في نوعه. والبشير ذكر كثيراً مِن أسماء الرسل، ولكن لم يأت على ذكر أخيه يعقوب، ولا اسمه الخاصّ، لأنّه لم يعتبر نفسه مستحقّاً أن يذكر، إلى جانب اسم ربّه ومخلّصه. إنّما الأسقف ايرينيوس مِن ليون الفرنسية، كتب بوضوح أنّ يوحنّا تلميذ الربّ الّذي اتّكأ على صدره وقت العشاء، هو الّذي أصدر هذا الإنجيل، بينما كان يخدم في أفسس الاناضولية، زمن حكم قيصر ترايان 98- 117م.
ونجد بعض النّقاد الظّّّّانين، أنّ يوحنّا كاتب هذا الإنجيل، لم يكن هو ذلك التلميذ، الّذي رافق يسوع، بل أحد الشيوخ في كنيسة أفسس، الّذي كان تلميذاً للرسول يوحنّا، وقد كتبه متأخّراً. وهؤلاء النقاد خياليون ولا يعرفون روح الحقّ الّذي لا يكذب، لأنّ الرسول يوحنّا كتب إنجيله في صيغة المتكلّمين حيث قال: ورأينا مجده. فكاتب الإنجيل كان مِن شهود العيان لحياة يسوع وموته وقيامته. وأصدقاء يوحنّا هم الّذين أضافوا في نهاية إنجيله القول: “هذا هو التلميذ الّذي يشهد بهذا وكتب هذا، ونعلم أنّ شهادته حق” (21: 24). وأبرزوا صفات ليوحنّا بامتياز، يتّكيء على صدر يسوع أثناء العشاء الربّاني الأوّل. وهو لوحده تجاسر على سؤال يسوع عن خائنه، قائلاً: “يا سيّد مَن هو الّذي يسلّمك؟” (21: 20).
وكان يوحنّا فتى لَمّا دعاه يسوع إلى أتباعه. وهو الأصغر في حلقة الرسل إلاثني عشر. أمّا مهنته فكانت صيد السمك. واسم أبيه زبدي وأمّه سالومي. وعاش مع أسرته متفكّراً بالله القدّوس. ورافق بطرس وإندراوس وأخاه يعقوب مع فيليبس ونثنائيل، إذ نزلوا معاً إلى وادي الأردن متقدّمين إلى يوحنّا المعمدان، الّذي نادى بالتّوبة الصارمة. فاجتمع النّاس متراكضين إليه، ومن بينهم يوحنّا بن زبدي، الّذي طلب الغفران برمز المعمودية على يد المعمدان في نهر الأردن. ولعلّه كان قريباً لعائلة رئيس الكهنة حنان، لأنّه كان معروفاً عندهم وله حقّ الدخول إلى القصر. فهو قريب للأرومة الكهنوتية. فذكر في إنجيله ما لم يذكره بقيّة البشيرين عن قول المعمدان بخصوص يسوع انّه حمل الله، الّذي يرفع خطيئة العالم. فأصبح الرسول يوحنّا في بصيرة الرّوح القدس التلميذ، الّذي أدرك بمحبّته ربه يسوع أكثر مِن كلّ الآخرين.
العلاقة بين يوحنّا والبشيرين الثلاثة الأُُُُخَر
لَمّا كتب يوحنّا إنجيله، كانت الأناجيل حسب متّى ومرقس ولوقا، مكتوبة ومعروفة في الكنائس منذ زمن ليس بقليل. والبشيرون الثلاثة استخرجوا أسفارهم مِن الكتاب الأصلي العبراني، الّذي جمع فيه الرسل بيد متّى أقوال يسوع خوفاً من ضياعها، لَمّا كانت قد مضت السنون دون أن يأتي الربّ. والأغلب أنّ أعمال وحوادث يسوع كانت مسطّرة على حدة. فاستندوا على مجموعة روايتها أيضاً بدقّة. ولكنّ الطبيب لوقا اعتمد على مصادر أخرى، حيث قابل مريم أمّ يسوع وشهود عيان متعدّدين.
أمّا يوحنّا فهو في ذاته مصدر هام، بجانب المصادر الأخرى المذكورة أعلاه. وقد أراد ألاّ يعيد الأخبار والأقوال المعروفة في الكنائس، بل أن يضيف عليها ويبلورها ويكمّلها. وبينما تعلن الأناجيل الثلاثة الأولى عمل يسوع في منطقة الجليل. مشيرة لرحلة واحدة إلى أورشليم، قام يسوع بها أثناء خدمته هادفاً الموت هنالك، فإنّ الإنجيل الرابع يرينا، ماذا عمل يسوع في أورشليم، قبل وأثناء وبعد خدماته في منطقة الجليل. فيشهد يوحنّا لنا أنّ يسوع حضر ثلاث مرّات إلى عاصمة بلاده، حيث رفضه زعماء أمّته تكراراً، وبعد معارضة متزايدة صلبوه أخيراً. فأهميّة أخبار يوحنّا هي بيانه خدمة يسوع، بين اليهود في أورشليم مركز حضارة العهد القديم. ولم يضع البشير الرابع أهميّة على العجائب الّتي عملها يسوع، إلاّ انّه أبرز ستّاً منها. فما الّذي أراد يوحنّا توضيحه؟ لقد أعلن كلمات يسوع بصيغة القائل ” أنا هو” وفسّر بواسطتها شخصية يسوع. والبشيرون الثلاثة إذ يذكرون أعمال وسيرة يسوع، فإنّ يوحنّا أهتمّ أكثر، ليرسم أمامنا شخص يسوع في جلاله. فمِن أين ليوحنّا أن يأتي بمثل هذه الكلمات غير الموجودة عند الآخرين، والّتي قالها يسوع عن نفسه؟ إنّ الرّوح القدس ذكّره بها بعد عيد العنصرة، لأنّ يوحنّا نفسه اعترف مرّات: إنّ التلاميذ ما كانوا يعلمون حقيقة بعض الكلمات الّتي قالها يسوع، إلاّ بعد قيامته وحلول الرّوح القدس عليهم. وهكذا أدرك متأخّراً معاني كلمات يسوع، الّتي قالها عن نفسه بصيغة ” أنا” وهي ميزة هذا الإنجيل الفريد.
ويذكر يوحنّا أيضاً كلمات يسوع، الّتي قالها في المقابلة بين الضدّين، مثل النّور والظلمة، الرّوح والجسد، الحقّ والكذب، الحياة والموت، الكيان مِن فوق ومِن أسفل. ولا نجد هذه المقارنة في الأناجيل الأخرى، إلاّ لماماًً. فالرّوح القدس ذكّر يوحنّا بعد سنوات عديدة، لَمّا عاش في المحيط اليوناني، بالكلمات الّتي قالها الربّ، وأوضح للبشير أن يسوع، لم يتكلّم بالصيغة السامية العبرانية فقط، بل أيضاً بعبارات يونانيّة للأمم.
ما هو هدف إنجيل يوحنّا؟
لم يرد يوحنّا إبراز يسوع بطريقة أدبية فلسفية أو روحانيّة خياليّة، بل ركز أكثر مِن الآخرين، على تجسّده وضعفه وعطشه وهو مصلوب. وأوضح كذلك أن يسوع هو مخلّص الأنام، وليس لليهود فقط، لأنّه حمل الله الّذي رفع خطيئة العالم. وأعلن لنا كيف أحبّ الله البشر أجمعين. وهذه الأشياء، الّتي ذكرناها إن هي إلاّ وسيلة وبيان، للوصول إلى لبّ هذا الإنجيل وجوهره، انّ يسوع المسيح هو ابن الله الّذي ظهرت أزليتّه في زمنيته، ولاهوته في إنسانيته، وسلطانه في ضعفه. ففي يسوع حضر الله بين النّاس. ولم يستطع أيّ بشير آخر أن يعلن لنا مجد محبّة يسوع كيوحنّا، الّذي اتّكأ على صدره.
وليست معرفة يسوع بالطريقة الفلسفيّة والصوفيّة، هي هدف توضيحات يوحنّا، بل معرفة الربّ بواسطة الرّوح القدس، المبنية على الإيمان الجوهري. فختم إنجيله بالكلمات الشهيرة: وأمّا هذه فقد كُتبت لتؤمنوا، أنّ يسوع هو المسيح ابن الله، ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه (20: 31). فالإيمان الحي بألوهية يسوع هو غاية إنجيل يوحنّا. مع العلم أنّ هذا الإيمان يبعث فينا الحياة الإلهيّة المقدّسة الأبديّة.
لِمَن كُتِبَ إنجيل يوحنّا؟
لم يكتب هذا السِفر المملوء بالبصائر الحقّة، عن المسيح تبشيراً لغير المؤمنين، بل كُتب لأجل بنيان الكنيسة ونضوجها في الرّوح. وكان بولس قد انشأ في الأناضول كنائس متعدّدة. ولَمّا سُجن في روما، سافر بطرس إلى الكنائس المتروكة وشجّعهم. ولَمّا مات بطرس وبولس على الأغلب أثناء الاضطهادات، الّتي جرت أيام نيرون في روما، أخذ يوحنّا مكانهما وعاش في أفسس مركز المسيحية في ذلك الزمن. ورعى الكنائس العديدة، المشتّتة في آسيا الصغرى. ومَن يقرأ رسائله والإصحاح الثاني والثالث مِن رؤياه يدرك هموم وغايات هذا الرسول، الّذي أوضح لنا محبّة الله المتجسّدة في يسوع المسيح. وكافح ضدّ المؤمنين المتفلسفين، الّذين انسربوا إلى رعيّته كذئاب، وأفسدوا خرافه بأفكار فارغة، وقوانين قاسية وحريّة نجسة، لأنّهم مزجوا الحقّ مع الأفكار الباطلة.
وكان يعيش أيضاً في الأناضول تلاميذ ليوحنّا المعمدان، الّذين أكرموا المنادي بالتّوبة أكثر مِن يسوع المخلّص. وكانوا ما يزالون منتظرين المسيح الموعود، ظنّاً منهم أنّه لم يأت بعد. فكلّ هذه التيارات المضادة للمسيح، عارضها يوحنّا بوصف شخص يسوع. ورفع صوته بالشهادة فوق الأرواح المعارضة قائلاً: ورأينا مجده مجداً، كما لوحيد مِن الآب، مملوءاً نعمة وحقّاً.
ويظهر أنّ أكثرية مستلمي هذا الإنجيل، كانوا مِن مؤمني الأمم، لأنّ يوحنّا بسط لهم كثيراً من تفاصيل الحياة اليهودية، الّتي لا حاجة لليهود أن يعرفوها. وكذلك فان يوحنّا لم يعتمد في إنجيله، على كلمات يسوع المكتوبة، آنئذ باللّغة الآرامية ويترجمها إلى اليونانية كسائر البشيرين. كلاّ بل أنّه استخدم عبارات يونانيّة معروفة في كنيسته وملأها بروح الإنجيل، وشهد بكلام يسوع بلغة يونانية أصيلة، بكلّ حرية في ضبط الرّوح القدس. فإنجيله يتكلّم ببساطة وعمق وبأكثر بلاغة مِن كلّ المحاولات البلاغيّة الفنيّة. فالرّوح القدس منحنا بهذا الإنجيل كنز الحقّ في البساطة، حتّى أنّ كلّ صبي يقدر أن يفهم المعاني القاطعة.
متى كتب هذا الإنجيل الفريد؟
نشكر الربّ يسوع، لأنّه قاد المنقبين المستشرقين في مصر، فوجدوا قبل عدّة سنوات قطعة مِن ورق البردي يرجع تاريخها للسنة 100 ب م، مكتوباً عليها بعض العبارات مِن إنجيل يوحنّا بخط واضح. فبهذا الكشف انتهى البحث الطويل، وانطفأ النقد المسمّم، لأنّ الحفريات برهنت، أنّ إنجيل يوحنّا كان في السنة المائة بعد المسيح معروفاً، ليس في آسيا الصغرى فقط، بل في أفريقيا الشمالية كذلك. ولا بدّ أنّه عُرف أيضاً في روما. وهذه الحقيقة تقوّي إيماننا، أنّ الرسول يوحنّا هو بالتّأكيد الّذي كتب كتابه، بامتلائه مِن الرّوح القدس.
ما مضمون إنجيله؟
ليس هيّناً أن يحاول إنسان تنظيم النبوات. ومن الصعوبة بمكان فصل إنجيل يوحنّا إلى أقسام متباينة. لكنّنا نرتّبه بهذه الكيفية:
- تجسّد كلمة الله في المسيح (1: 1- 18).
- يسوع يقود تلاميذه مِن حلقة التّوبة والانكسار
- حول المعمدان إلى فرح العرس في شركته (1: 19_ 2: 11).
- السفرات الثلاث إلى أورشليم (2: 12- 12: 50).
- يسوع يعلن مجده لتلاميذه على انفراد (13: 1- 17: 26).
- قصّة آلام وموت يسوع (18: 1- 19: 42).
- جلال المُُُُُُقام مِن بين الأموات (20: 1- 21: 25).
وقد رتّب البشير يوحنّا أفكاره، كحلقات متشابكة في سلسلة روحيّة، حيث تدور كلّ حلقة حول كلمة أو كلمتين رئيستين. وليست الحلقات منفصلة بعضها عن بعض تماماً، بل معانيها أحياناً.
وتفكير يوحنّا السامي العبري مع بصيرته الرّوحيّة العميقة، انسجما بحيويّة اللّغة اليونانيّة، بوحدة مجيدة فريدة، والرّوح القدس يوضح لنا عبارات هذا الإنجيل حتّى اليوم. وقد صار لنا ينبوعاً للمعرفة والقوّة بلا انقطاع. ومَن يتعمّق في هذا السفر، يسجد لابن الله ويكرّس حياته له شكراً وحمداً وتسليماً أبديّاً.
الأسئلة:
- مَن هو كاتب إنجيل يوحنّا؟
- ما هي العلاقة بين الإنجيل الرابع والأناجيل الثلاثة الأولى؟
- ما هدف إنجيل يوحنّا؟
- لِمَن كُتب هذا الإنجيل؟
- كيف تنظّم هذا الإنجيل؟
وَمِنْ مِلْئِهِ
نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا
وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.
لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ،
أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ
فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا.
(شهادة البشير يوحنا 1، 16 -17)
الجزء الأوّل إشراق النّور الإلهي الإصحاح 1: 1- 4: 54
أوّلاً: تجسّد كلمة الله في يسوع (1: 1- 18)
1- جوهر وعمل الكلمة قبل أن يتجسّد (1: 1- 5).
1: 1 فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ, وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ, وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ.
يعبّر الإنسان عن أفكاره ومقاصده بكلماته. فأنت تكون الّذي تقوله. وكلماتك هي خلاصة شخصيتك وبيان روحك.
وكلمة الله بدرجة عليا تعبّر عن شخصية لاهوته، وكلّ قواه عاملة في كلامه المقدّس. ففي البدء خلق الله السماوات والأرض بكلمته القادرة. ولَمّا قال: كن، فكان. وحتّى اليوم ما تزال قوى الله تعمل بكلماته. فهل أدركت أنّ الإنجيل الموضوع بين يديك ممتلىء بسلطان الله؟ فهذا الكتاب أقوى مِن كلّ القنابل الهيدروجينية، لأنّه يزيل الشرّ الّذي فيك، ويبنيك في الخير بنفس الوقت. والسرّ الجوهري في عبارة “الكلمة” الّتي في إنجيل يوحنّا، هو أنّ لها باصطلاح اللغة اليونانية معنيين. الأوّل: النفخة الحاملة الصوت العابر مِن الفم. والثاني: شخص مذكّر روحي. وهذان المعنيان يظهران في اللغة العربيّة بواسطة الفعل التابع، مؤنثاً أو مذكّراً. فان قال في شخص المسيح، انّه منبثق مِن الله، كما الكلمة العاديّة تخرج مِن الفم. فالمسيح هو خلاصة إرادة الله وأفكاره. ونجد أيضاً في أديان أخرى هذا القول، أنّ المسيح هو كلمة الله وروح منه. ولا يوجد إنسان في العالم يملك مثل هذه الصّفات السماوية إلاّ المولود مِن مريم العذراء. وتجسّد المسيح في بيت لحم لم يكن بداية كيانه، لأنّه انبثق مِن الآب قبل كلّ الدهور، وكان موجوداً لَمّا كُوّن العالم. فالمسيح أزلي، كما أن الله أزلي، ولا يتغير كما كلمة الله لا تتغيّر البتّة. وأرانا يوحنّا علاقة مبدئية بين المسيح وأبيه. فلم ينفصل عنه، كما تبتعد الكلمة العابرة من الشفتين وتضيع في الهواء. إنّما المسيح قد بقي عند الله، وثبت فيه. والعبارة عند الله تعني في اللغة اليونانية، انّه كان متحرّكاً نحوه، داخلاً فيه. فالمسيح كان دائماً متّجهاً إلى الله. وهذا الاتجاه، هو المبدأ في كلّ المولودين مِن الرّوح القدس، لأنّه دافع المحبّة. وهذه المحبّة لا تريد الاستقلال البتّة، بل تبقى متّجهة وداخلة في مصدرها.
والله لم يخلق المسيح مِن العدم بكلمته كسائر المخلوقات، بل الابن هو بذاته الكلمة الخالقة. ويحمل سلطة أبيه في ذاته. ونجد في نهاية هذا العدد الأوّل العبارة الغريبة القاطعة: أنّ الكلمة هو الله بالذّات. وهكذا يقول لك البشير يوحنّا في أوّل آية مِن إنجيله، أنّ المسيح هو إله مِن إله، نور مِن نور إله حق مِِِِن إله حق، مولود غير مخلوق، ذو جوهر واحد مع الآب، أزلي قدير قدّوس رحيم. فمَن يشهد أنّ المسيح هو كلمة الله، يوافق بهذه العبارة على ألوهيته.
الصّلاة:أيّها الربّ يسوع المسيح، نسجد لك لأنّك كنت قبل كلّ الدهور عند الآب، متّجهاً إليه دائماً. ساعدنا لئلاّ نكون مستقلّين عنك، بل نخضع دائماً لله، ونثبت في محبّته. ونشكرك أيّها الربّ يسوع، لأنّك لست روحاً عابراً غير مدرك، بل تأتي إلينا في إنجيلك بكلمات مفهومة، ليحلّ سلطانك فينا بالإيمان بكلامك.
السؤال: أيّ كلمة تجدها أكثر تكراراً في العدد الأوّل، وما هو معناها؟
1: 2 هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. 3 كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ, وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. 4 فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ, وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ.
لم يعيش المسيح لذاته، بل لله دائماً. ولم ينفصل عن أبيه، بل متّجهاً إليه، عائشاً معه ثابتاً فيه. وحركة المسيح هذه “نحو أبيه”كانت مهمّة بالنسبة للبشير يوحنّا بمقدار، حتّى انّه كرّر هذا المعنى في بداية إنجيله. فالوحدة الدائمة بين المسيح وأبيه هي سرّ الثالوث القدّوس. لا نؤمن بثلاثة آلهة مستقلّة ومنفصلة عن بعض، بل نؤمن بإله واحد ممتليء المحبّة. فالأزلي ليس أنانيّاً، عائشاً في انعزال وانفراد. إنّما ابنه كان عنده دائماً، عائشاً معه في انسجام كامل. فالّذي لم يختبر محبّة الله بانسكاب الرّوح القدس في قلبه، لا يستطيع إدراك حقيقة جوهر الله. المحبّة الإلهيّة هي الّتي تلحم الآب والابن والرّوح إلهاً واحداً.
لَمّا خلق الله العالم في البدء، لم يعمله منفرداً صامتاً، بل أوجده بكلمته القدير. وبما أنّ المسيح هو كلمة الله، فقد كوّن العالم به. فيسوع ليس هو المخلّص والشفيع والفادي فقط، إنّما هو الخالق أيضاً. وحيث أنّه لا يوجد شيء إلا وقد عمله المسيح، فهو إذن القادر على كلّ شيء. وحيث أنه لا يحدث شيء إلاّ بعلمه، فهو ضابط الكلّ. فيا قلب اتسع، وأدرك مَن هو المسيح. كلّ اكتشافات العلوم الطبيعة الحديثة، وكلّ قوى الذرّات والكواكب، ليست إلاّ تفسيراً متواضعاً لجلال المسيح وقدرته. فصوتك وعضلاتك وهيئتك ونبض قلبك كلّها وأكثر منها تكون هبة المسيح لك. فمتى تشكره؟
كلّ الأشياء مخلوقة إلاّ الله وكلمته. هو في ذاته حيّ سرمدي قدّوس. وكما أنّ الله يحمل الحياة في ذاته، هكذا المسيح ينبوع الحياة الحقّة، والمحيي الأمين، الّذي يقيمنا من الموت في الذنوب والخطايا، ويثبتنا في حياته الأبديّة. وهذه الحياة الإلهيّة في المسيح قد غلبت الموت. فترك القبر بقدرة حيويته الإلهيّة. فهذا الموضوع، حياة المسيح، أثّر في يوحنّا الرسول بمقدار، انّه كتبه رأساً، بعد أن أعلن ألوهية المسيح ووحدته مع الله. فليس المسيح خالقاً فقط، بل هو في ذاته مصدر الحياة. وبما أنّه قدّوس، فلن يموت. ولا توجد أي خطيئة في الله وابنه، فهو عائش إلى الأبد. ونجد الأفكار عن حياة المسيح متكرّرة في إصحاحات إنجيل يوحنّا كأحد أركان أسسه.
إنَّ نور الشّمس عادة يسبّب الحياة على كرتنا الأرضيّة. ولكن في رحاب المسيح نجد العكس. فحياته هي المسببة للتنوير. وإنعاشه لنا يعطينا الرجاء. فليس ديننا دين الشريعة والموت والدينونة، بل رسالة الحياة والنّور والرجاء. وقيامة المسيح من بين الأموات بددت كلّ التشاؤم. وحلول الرّوح القدس فينا أشركنا في حياة الله.
العالم مظلم بسبب الخطيئة، أمّا المسيح فهو المحبّة في النّور. ليس فيه ظلمة ولا سوء ولا شرّ. لهذا السبب يظهر المسيح ممتلىء المجد، ويلمع أكثر مِن الثلج. ولكن لا يذكر يوحنّا البشير مجد المسيح النّوري أوّلاً، بل يدلّنا على قوّة حياته، لأن معرفة قداسة المسيح تكشفنا وتديننا وتهلكنا. ولكنّ إدراك حياته يحيينا. فتعمّقنا في المسيح يعزّينا وينعشنا حقّاً.
ويسوع هو نور النّاس، لا يضيء لنفسه، ولا يعظّم اسمه، بل يشع لأجلنا. لسنا نحن أنواراً، بل ظلمات وأجزاء الظلمة. كلّ النّاس أشرار، أمّا المسيح فينيرنا، لندركه، ونعرف حالتنا الظالمة، ونقوم بواسطة إنجيله مِن الموت، داخلين إلى حياته الأبديّة. فالمسيح يجذبنا، ويدعونا بنور حياته، لنترك تشاؤمنا. ونتقدّم إليه، بعزم وثبات.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نسجد لك، لأنّك واحد مع الآب والرّوح القدس. وقد خلقت العالم في انسجام مع الآب، ومنحتني الحياة. اغفر لي كلّ ظلم في حياتي، وأنرني بواسطة روحك القدّوس، لكي أعيش حقّاً. وأترك ليل خطاياي، وأتقدم إلى نور حياتك الأبديّة.
السؤال: ما هي صفات المسيح الست، الّتي أبرزها يوحنّا في بداية إنجيله؟
1: 5 وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ, وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ.
كلّ شيء عند الله نوراني طاهر، مكشوف وجميل. فليس في رحابه شيء متخفّ، الكلّ واضح مستقيم، صادق وقدّوس. ولا تجد النّجاسة مكاناً لها في قربه. والرّوح القدس، هو طاهر وعفيف وشريف. ونور الربّ لا يشعّ بقسوة، بل بلطف معزّ شافٍ.
وأشعة نور المسيح غير محصورة في السماوات، بل تخترق الظلمة، منشئة الفداء. هذه النّعمة عظيمة، انّ المسيح يضيء اليوم وسط الظلمات، ولا يترك الضّالين، بل يحرّرهم وينيرهم. فعلينا الاعتراف بوجود عالم الظلمات، مقابل عالم الأنوار. فلا نعلم بدقّة كيف نشأت الظلمة. والبشير يوحنّا لم يكشف لنا هذا السرّ، لأنّه أراد أن يعرفنا النّور، ولا يعمقنا في الظلمة. كلّ النّاس والمخلوقات سقطوا إلى الظلمات. والعالم كلّه قد وضع في الشرّير. وربّما تسأل إذا خلق المسيح الكون في انسجام مع الله صالحاً ، فكيف تسرّبت إليه الظلمات؟ الله خلق الإنسان على صورته، فكيف يعوزنا اليوم مجده؟ كلّنا ناقصون، فاشلون عند الله. لا يذكر يوحنّا الشيطان باسمه، ذلك الشيطان الّذي عصا ربّه وحاول طمس نوره. فهو كان دائماً عكس المسيح، مخلوقاً وملتفتاً عن الله وتاركه وثابتاً بعيداً عنه. ففقد النّور الموهوب له. والشيطان استكبر، وأراد العظمة بدون الله. وأراد الارتفاع فوقه ليغلبه. عندئذ أصبح رئيساً للظلمة.
أيّها الأخ العزيز، ما هو هدف حياتك؟ هل تطلب العظمة والشهرة وإرضاء نفسك، بدون الله؟ فعندئذ تصبح مِن أهل الظلمة، كالشرّير. لأنّه لم يبق وحده، بل جرّ ملايين النّاس إلى ظلماته. انظر إلى أوجه النّاس المارين بك في الشوارع، هل تقرأ في أعينهم النّور أو الظلمة؟ هل تعكس قلوبهم فرح الله، أو كآبة الشيطان؟
والشرّير يبغض الله لأنّ نوره القدّوس يدينه. فلا يريد أن يكشف النّور شراسته، فيختبيء ويكمن، ويحاول غلبة المسيح والّذين يتبعون نوره. ولا يستطيع هذا الخبيث احتمال نور الربّ ويكرهه، ويغطي وجهه عمداً، فلا يستطيع إدراك النّور. ومن المرعب أن ملايين النّاس لا يرون شمس المسيح مشرقة في ليل خطاياهم. فإمّا لأنّهم قد أصبحوا عميّاً لمجد الربّ، أو أنهم ستروا وجوههم بثيابهم، فلا هم يرون ولا هم يبصرون. الشمس عادة لا تحتاج إلى تفسير، هي هي حاضرة لامعة واضحة ساطعة. فكلّ ولد يعلم أنها سبب الحياة.
ولكن جماهير كثيرة مِن النّاس لا يدركون مجد المسيح وقدرته، لأنّهم لا يريدون إدراكه. فمذاهب مضلة تغطي عيونهم كبرقع سميك، فيبغضون الرسالة الحقّة عن ألوهية المسيح، قاصدين إبادة أتباعه. ولكنّهم في الحقيقة لا يريدون أن يكتشفوا خطاياهم. ولا يريدون التقدم إلى النّور. ويفضلون البقاء في الظلمة. فلا ينكرون أنفسهم، ولا يعترفون بخطاياهم. ويتعجرفون ويتباهون، ويبقون عميّاً لنعمة نور المسيح. والظلمة تكافح ضدّ النّور. أمّا النّور فيغلبها بالمحبّة. فمَن أنت، أنور في الربّ، أم ظلمة في الشرّير؟
الصّلاة: أيّها الربّ، أنت نور العالم. ونتبعك بالإيمان في محبّتك. فلا نسلك في الظلمة، بل حصلنا على نور الحياة. ونشكرك لأنّك لم تتركنا وحيدين في خوف ظلام غضب الله، بل دعوتنا إلى نورك المبين. أنر ملايين مِن النّاس في محيطنا، الّذين لم يروك رغم أنّك تضيء حولهم. أرحمنا وأنرنا يا منير.
السؤال: ما الفرق بين النّور والظلام بالمعنى الرّوحي؟
2- المعمدان يعدّ طريق المسيح ليولد لله أولاد روحيون (1: 6-13)
1: 6 كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. 7 هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ, لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. 8 لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ, بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ.
أرسل الله يوحنّا المعمدان إلى العالم المظلم، لكي يدعو النّاس أن يتقدّموا إلى أشعة النّور الإلهي. ومِن المعلوم أنّ كثيراً مِن الخطايا تُرتكب في الظلمة. ولكن مَن يعترف بذنوبه أمام الله، تائباً منكسراً، هذا قد أتى إلى النّور. فكيف حالتك؟ هل أتيت إلى النّور، أم لا تزال تخبيء نفسك في مكان مظلم؟
المعمدان فسر للناس حالة قلوبهم، أنّهم بنسبة شريعة الله كلّهم أشرار، محتاجون إلى التّوبة والتغيير المبدئي، لكيلا يهلكوا في يوم الربّ ودعوة المعمدان هزّت الجماهير، فتراكض النّاس إلى المنادي بالتّوبة في البريّة. واعترفوا بخطاياهم جهراً، وطلبوا المعمودية في نهر الأردن، رمزاً إلى تطهيرهم مِن الخطايا وإغراق أنانيتهم، وقيامتهم متجدّدين مِن أمواج النهر. والله نفسه اختار يوحنّا المعمدان، وأناره وأرسله، ليحرّك جميع النّاس، فيرجعوا إلى أنفسهم، ويتغير تفكيرهم، ويستعدّوا لمجيء المسيح. وشعب العهد القديم علموا كثيراً عن الآتي باسم الربّ، كما قال النّبي أشعياء: الشعب السالك في الظلمة، أبصر نوراً عظيماً. الجالسون في أرض ظلال الموت أشرق عليهم نور. وقال أيضاً باسم الربّ: قومي استنيري، لأنّه قد جاء نورك. ومجد الربّ، أشرق عليك. وعلم المعمدان أنّ دخول النّور إلى الظلمة غير مقتصر على شعب العهد القديم، بل هو متاح للأمم. فبشارة المعمدان كانت عالميّة، حتّى تبعه النّاس في الأناضول وسائر البقاع حول المتوسط سنيناً بعد وفاته.
لقد تبعه ألوف رغم شهادته، انّه ليس هو النّور بل هو داعية مرسل أمامه. فلم يدلّ النّاس على نفسه، ولكنّه أرشدهم إلى المسيح. وهذه هي العلامة الواضحة لكلّ رسل الله المخلّصين، أنهم لا يربطون أتباعهم بأنفسهم بل بالمسيح وحده. كلّنا بطّالون، فهو الكلّ بالكلّ.
لم يكن هدف خدمة يوحنّا التّوبة والمعمودية، بل الإيمان بالمسيح. وعرف أنّ النّاس تمنّوا إعلانه أنّه هو المسيح. ولكنّه لم يسقط في التجربة، وأعدّ الطريق للرّبّ. عالماً أنّ المسيح الآتي هو الّذي سيعمّد النّاس بالرّوح القدس. وعرف يوحنّا أنّ التّوبة النفسانية في الإنسان ومعموديته بالماء لغفران الخطايا لا تكفي البتّة، بل كلّنا محتاجون إلى تغيير دخائلنا جذريّاً. والله لم يعطه هذا السلطان لتغيير القلوب، كما لم يعط ذلك لأيّ نبي مِن الأنبياء في العهد القديم. هذا الامتياز كان وقفاً على النّور الأصلي الخالق، الكلمة المحيي، الّذي يستطيع أن يجدد بسلطانه أناساً، إذ يؤمنون باسمه وينفتحون لنوره. هكذا ربّى يوحنّا الجماهير للإيمان بالمسيح، عالماً أن الإيمان وحده سينقلهم إلى العصر الجديد.
كان أبولوس فيلسوفاً ملتهباً ونشيطاً، حسب إيمان يوحنّا المعمدان. وبشّر لأجل المسيح بفعالية، دون أن يكون مختبراً نور العهد الجديد بالحقيقة. ولكن حين سلّم نفسه تماماً للمسيح، دخل النّور وأصبح نوراً في الربّ ومنارة في الظلمة، ومنيراً لكثيرين (أعمال الرسل 18: 24-28).
الصّلاة: أيّها الربّ المسيح، نعظّمك ونشكرك، لأنّك أنت نور العالم، ورجاء اليائسين. وأنرت ظلمات قلوبنا، وكشفت خطايانا وغفرتها. نشكرك لأنّك جعلتنا أولاد النّور، وحرّرتنا إلى الحياة الأبديّة. فنطلب إليك أن تصل أشعة نورك إلى أصدقائنا وأقربائنا، ليتوبوا توبة حقّة. ويدخلوا بالإيمان إلى نورك العظيم.
السؤال: ما هو أهم هدف لخدمة يوحنّا؟
1: 9 كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ. 10 كَانَ فِي الْعَالَمِ, وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ, وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ.
المسيح هو النّور الحق في العالم. والرّوح القدس أنبأ بمجيئه منذ مئات السنين بواسطة الأنبياء. وكُتب العهد القديم ممتلئة بالدلائل على إتيان المسيح إلى كوننا، كما قال أشعياء النّبي: ها هي الظلمة تغطي الأرض والظلام الدامس الأمّة. أمّا عليك فيشرق الربّ ومجده عليك يرى. ونجد في قراءتنا، الكلمة (العالم) أربع مرّات. وهي عند البشير يوحنّا قريبة لمعنى الظلمة كما كتب: انّ العالم كلّه قد وُضع في الشرّير.
لم يكن العالم من البداية شرّيراً غامضاً، لأنّ الله خلقه صالحاً بالمسيح. فجماله وجودته ملأت الكون. ورأى كلّ ما عمله فإذا هو حسن جداً (تكوين 1: 31) وخلق الله الإنسان على صورته، وبهاؤه كان موهوباً للأبوين الأوّلين اللّذين عكسا نور الخالق كمرآة.
ولكن بسبب الكبرياء أصبح الكلّ أشراراً متمرّدين، وتركوا شركة الله في قلوبهم، لأنّهم انفتحوا لروح الظلمة. والابتعاد عن الله يجعل الإنسان دائماً شرّيراً، كما اعترف داود في المزمور 14 قائلاً: قال الجاهل في قلبه ليس إله. فسدوا ورجسوا بأفعالهم. ليس مَن يعمل صلاحاً.
أمّا البشير يوحنّا، فشهد أنّ المسيح أتى إلى هذا العالم الشرّير، كما تطلع الشمس تدريجيّاً مبدّدة الظلمة أمامها. فلم يدخل نور المسيح دنيانا في شكل صاعقة مبيدة، بل دخله لطيفاً منيراً كلّ النّاس. فالربّ لم يأت ديّاناً قاضيّاً، ولكن جاء مخلّصاً ومنجّيّاً. كلّ النّاس محتاجون للاستنارة بالمسيح. وبدون هذا التنوير يظلّون ظالمين. فالمسيح هو المنير الحقّ، وليس أحد غيره. ومَن يقبل إنارته بواسطة الإنجيل، يتغيّر في أخلاقه، ويصبح صالحاً منيراً للآخرين.
هل أدركت معنى هذا القول: انّ الخالق أتى إلى عالمه؟ فالمالك دخل ملكه، والملك اقترب مِن شعبه. فمَن يستيقظ ويستعدّ لمجيئه ودستوره ومقاصده؟ ومَن رجع مِن أهدافه الدنيوية الفانية، وتقدّم إلى الله الآتي واستقبله؟ ومَن أدرك الساعة المثيرة الفريدة، الّتي سيأتي فيها الله؟
وفجأة حضر الربّ بين الخطاة. وقد جاء غير مدرك، وصغيراً وهادئاً. فلم يرد إنارة العالم بعظمته وسلطانه وبهائه، بل أبرز تواضعه ومحبّته وحقّه. فلقد كان الاستكبار منذ أوّل الخلق سبباً لسقوط النّاس. فأظهر القدير نفسه متواضعاً. وقد أراد الشيطان أن يكون قويّاً وبهيّاً وذكيّاً كالله، فظهر المسيح طفلاً ضعيفاً، مضجعاً في المذود الحقير. فبتواضعه ووداعته وطاعته، غلب يسوع العالم، وعارض الرّوح الدنيوي كلّ المعارضة. نزل إلى أسفل الدرجات البشريّة، ليرفع الكلّ ويخلّصهم جميعاً.
اسمعوا أيّها النّاس! لأنّنا نقرأ بعد هذه البشرى المفرحة كلمة مرعبة مرجفة، وهي أنّ العالم لم يعرف النّور، ولم يدركه. ولم يلاحظ أنّ ابن الله، اقترب وحضر بينهم. فالنّاس بقوا عمياناً جهلاء أغبياء جموداً، رغم فلسفاتهم وعلومهم وعبقريتهم الدنيويّة. فأشبهوا البهائم الّتي تجترّ العلف وتملأ بطونها منشرحة. ولم يلاحظوا أنّ الله نفسه واقف أمامهم، وما عرفوا خالقهم، وما قبلوا مخلّصهم الديّان.
ومِن هذه الحقيقة المؤلمة، نستخلص مبدأ هاماً في ملكوت الله، وهو أنّنا لا نستطيع إدراك الله بعقولنا وقدرتنا البشريّة. فكلّ معرفة عن محبّة المسيح هي نعمة وهبة. والرّوح القدس هو الّذي يدعونا بالإنجيل، وينيرنا بمواهبه، ويثبتنا بالإيمان الحق. فعلينا أن نتوب، ولا نتّكل على ذكاء عقولنا، ولا على عواطف أنفسنا. كلّنا في حاجة للانفتاح نحو النّور الحقيقي كما الزهور تنفتح لأشعة الشمس. فالإيمان بالمسيح يخلق المعرفة الحقّة. وهذا الإيمان المبتدى ليس من طاقاتنا، بل عمل روح الربّ في كلّ الّذين يطيعون جذبه.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ المسيح، لأنّك أتيت إلى العالم. ليس للدينونة والانتقام، بل لإنارة كلّ النّاس وخلاصهم. أمّا نحن، فعميان جهلاء أردياء. اغفر لنا ذنوبنا، وامنحنا قلباً مطيعاً. وافتح أعيننا لنراك. وانزع منّا اتّكاليتنا على عقولنا، وافتح أنفسنا لأشعة نورك اللطيف، لنعيش في قدرة روحك القدّوس.
السؤال: ما هي العلامة بين المسيح النّور والعالم المظلم؟
1: 11 إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ, وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. 12 وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ, أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. 13 اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ, وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ, وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ, بَلْ مِنَ اللَّهِ.
كان شعب العهد القديم خاصّة الله، لأنّ الربّ ارتبط بهؤلاء الخطاة بعهد بعد تطهيرهم. وأرشدهم مئات السنين. وفلح قلوبهم بمحراث الناموس (الشريعة). وأعدّهم لزرع الإنجيل. فتاريخ آل إبراهيم كان متّجهاً نحو مجيء المسيح. وظهوره كان هدف ومعنى العهد القديم.
والغريب أنّ هؤلاء الّذين اختيروا لاستقبال الربّ يسوع، قد رفضوه ولم يقبلوا نوره، وفضّلوا العيش في ظلمة الشريعة، مسرعين نحو الدينونة. فأخطأوا النّعمة خطأ كبيراً. وأحبّوا أعمالهم الخاصّة، أكثر مِن الخلاص في المسيح. ولم يتوبوا بل قسّوا أنفسهم ضدّ روح الحقّ.
ولكن ليس شعب العهد القديم هو خاصّة الله فقط، بل البشر جميعاً، لأنّ القادر على كلّ شيء خلق الحجارة والنبات والحيوانات، وحتّى النّاس كلّهم. فلهذا تقف الشعوب بنفس المسؤولية كشعب العهد القديم. إنّ خالقنا ومالكنا آت، يريد الدخول في قلوبنا وبيوتنا وشعوبنا. فمَن يستقبله؟ انّك خاصّة لله. فهل وضعت نفسك تحت تصرّف ربّك؟ للأسف فانّنا لنجد اليوم أكثريّة الشعوب غير مستعدّين لينفتحوا نحو نور المسيح. وهم لا يريدون أن يتغلب لطف أشعّته على قساوة ظلمهم. فيرفضون ابن الله مرّة أخرى في عصرنا.
ولكن مَن يفتح نفسه للمسيح مِن أهل ابراهيم أو من عامة الشعوب، ويستودع ذاته بين يدي المخلّص القدير، يختبر أعجوبة عظمى. لأنّ النّور السماوي، ينيره إنارة إلهية. ويغلب الظلمة الماكثة في قلبه. وسلطان الله يحلّ في فؤاده ويجدّد صميمه. المسيح يحرّرك مِن عبودية الخطيئة، وينقلك إلى حرّية أولاد الله. فمَن يحب المسيح فانّ الرّوح القدس يحلّ فيه ويبتدىء عمله الخلاصي في حياته.
ولم يقل البشير يوحنّا ان نكون أو قد أصبحنا أولاد الله، بل نصير أولاده بالنموّ الرّوحي. وبين هذه الكلمات نجد فروقاً كبيرة، لأنّ مَن يؤمن بالمسيح، فقد دخل كينونة جديدة. وبنفس الوقت يكون في حالة صيرورة للتكامل والتطوّر في حياته الرّوحيّة. وقوّة الربّ خلقتنا خليقة جديدة وستقدّسنا وتكمّلنا أيضاً.
وما صرنا أولاداً لله بالتبّني فقط، بل أصبحنا أبناء بالولادة الرّوحيّة. وحلول روح المسيح في قلوبنا هو امتلاؤنا بسلطان الربّ. وانسكاب هذا السلطان الإلهي في المؤمنين، يدلّنا على انه ليس مِن سلطة أخرى في الدنيا والآخرة تستطيع الحيلولة دون صيرورتهم ناضجين في الصفات الإلهيّة. فالمسيح هو رئيس الإيمان ومكمله.
ولا توجد أي نسبة بين أولاد الله وأولاد العالم. فقد وُلدنا مِن والدين، أتيا بنا بدوافعهما الطبيعية، أو بتخطيطهما الهادف، أو لعلّهما قد صلّيا معاً قبل التقارب إطاعة لإرشاد الرّوح. ولكن كلّ ارث ذهني أو نفساني أو جسدي مِن والدينا لا علاقة له بولادتنا الثانية مِن الله. فتكوينك وولادتك تبقى نجسة، لأنّنا ولدنا بالطرق البشريّة، الّتي لا محالة منها. ولكنّ التجديد الرّوحي، هو منذ بدايته مقدس ويأتي مِن الله الّذي منه مباشرة يُولد كلّ مسيحي، لأنّه أبونا الرّوحي الحقّ.
ولا يستطيع ولد أن يلد نفسه، انّه يُولد. فولادتنا الرّوحيّة نعمة فقط. والمسيح يلقي بذور إنجيله إلى قلوبنا. ومَن يحبّ هذه البذور، ويقبلها ويحفظها، ففيه تنمو حياة الله الأبديّة. طوبى لسامعي كلمة الله وحافظيها.
والولادة المسيحية والمعاشرة للمسيحيين لا تجعلنا أولاد الله، بل بالإيمان باسم المسيح فقط. وهذا الإيمان يعني الاقتراب منه، والتعمّق في صفاته وإدراك لطفه، والثّقة المتزايدة بقدرته. حتّى نستودع أنفسنا بين يديه، مؤمنين بأنه يخلّصنا، ويغيّرنا إلى صورته. فالإيمان بالمسيح هو علاقة قلبية بيننا وبينه، عهداً أبديّاً. ولا تتم الولادة الرّوحية فينا إلاّ بهذا الإيمان. حتّى انّنا لنستطيع القول: ان الولادة الثانية ليست أعظم وأصعب مِن الإيمان. كما انّ الإيمان ليس أقلّ وأسهل مِن التجديد، فهو هي.
ولم يذكر البشير يوحنّا في إنجيله حتّى هذه القراءة اسم يسوع المسيح، بل وصف شخصيته للمؤمنين مِن الأمم بواسطة كلمات قريبة لتفكيرهم. فهل أدركت المعاني الستّة مِن هذه الصفات للمسيح الّتي أبرزها البشير لكنيسته؟ وهل فتحت نفسك لقوّة هذه الأسماء، وخضعت لها؟ فعندئذ تصير إبناً لله حقّاً؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أسجد لك وأحبك، وأفتح لك قلبي. فانّك تأتي إليّ رغم خطاياي، وتطهّرني مِن كلّ آثامي. وتحلّ فيّ بواسطة روحك القدّوس. يا ربّ، أنا فاتح أبواب قلبي على مصراعيها إلى إنكار النفس، والإيمان الحي والأعمال الصالحة.
السؤال: ماذا يحدث للذين يقبلون المسيح؟
3- ملء الله ظهر في تجسّد المسيح (1: 14- 18)
مَن هو يسوع المسيح؟ إنّه إله حقّ، وإنسان حقّ. فالبشير يوحنّا يرينا هذا السرّ العظيم شعاراً لإنجيله، ويبين لنا بذكر تجسّد كلمة الله أساس بشارته. فالآية 14 هي المفتاح لكلّ الأخبار الآتية. فان أدركت هذه اللؤلؤة الرّوحية بجميع معانيها، تكسب بصيرة عميقة في فهم الإصحاحات التالية.
فتجسّد المسيح يختلف مبدئيّاً عن تجديدنا الرّوحي. كلّنا جسديون مولودون مِن أب وأم. وبعدئذ وصلتنا كلمة الإنجيل وأوجدت الحياة الأبديّة فينا. أمّا المسيح فلم يولد مِن أب دنيوي قط. ولكن كلمة الله أتت إلى مريم بواسطة الملاك الّذي قال لها: الرّوح القدس يحلّ عليك. وقوّة العلّي تظلّلك. لذلك القدّوس المولود منك يُدعى ابن الله. ولَمّا قبلت العذراء هذه البشارة العجيبة مؤمنة، وجدت الجنين الفريد في بطنها الّذي اتّحد فيه الرّوح القدس بالدم البشريّ. هكذا أصبح الله إنساناً.
وعقولنا تتوقّف أمام فهم هذه الحقيقة. وعلم الأحياء لا يجد توضيحاً لهذا السرّ. وخبرة الإنسان تعجز عن إدراكها. ويرد بعض اللاهوتيين تلطيف استحالة ولادة المسيح للعقل العلمي، فيقولون انّه ظهر في الجسد فقط، بدون أن يكون له جسم مادّي يشعر بالآلام والضيقات. أمّا نحن فنعترف أنّ المسيح كان إنساناً كاملاَ وإلهاً كاملاً بنفس الوقت. فتجسّد المسيح هو التفسير الأفضل لهذه الولادة العجيبة. فابن الله الأزلي، الّذي انبثق مِن الآب قبل كلّ الدهور، شاركنا في جسدنا وارثاً بدم أرومته خطايا كلّ النّاس. أمّا هو، فثبت قدّوساً، لأنّ الرّوح القدس فيه غلب كلّ ميل إلى الخطيئة. فظلّ يسوع الإنسان الوحيد الّذي عاش بريئاً طاهراً بلا لوم.
واختلط ابن الله مع البشر العصاة المهملين الاردياء، الّذين جميعهم إلى فناء. أمّا هو فأبدي غير قابل الموت لأجل ألوهيته. فرغم سموّه أحبّنا، وترك مجده الأصلي، وعاش بيننا متواضعاً. فصار واحداً مِن جنسنا، وفهمنا ورثى لحالتنا. وتعلّم في آلامه الطاعة الكاملة. وأصبح رحيماً عمليّاً. ولم يرفضنا نحن الأشرار. فالمسيح أصبح إنساناً ليقترب منّا، وليقرّبنا إلى الله.
ويشبه جسد المسيح خيمة الاجتماع في العهد القديم، حيث يلتقي الله بالنّاس. والله كان في المسيح، وأعلن نفسه للنّاس في هيئة رجل. فاللاهوت كلّه كان حاضراً في المسيح ملموساً. وقد قال يوحنّا حسب النّص اليوناني، انّه خيّم بيننا. وهذا يعني، انّه لا يبني قصراً ثابتاً ليمكث معنا دائماً على الأرض، بل أقام نفسه كما يقيم البدوي خيمته لمدّة وجيزة. وبعدئذ ينقضها، وينقلها إلى مكان آخر. هكذا كان المسيح بيننا لمدّة قصيرة، ليعود إلى سمائه.
والرسل يشهدون معاً، أنّهم رأوا مجد المسيح. وشهادتهم كهتاف وابتهاج وهم شهود عيان لوجود ابن الله في الجسد. فإيمانهم فتح أعينهم ليدركوا في محبّة يسوع وصبره وتواضعه وأمانته لاهوته. لقد تزعزعت قلوبهم مِن صدقه وحقّه. فرأوا في طهارته الله بالذات. والكلمة “مجد” عينت في العهد القديم خلاصة صفات الله. فوضع الرسول يوحنّا بجرأة في شهادته كلّ هذه الصفات ليسوع وأبصر بهاءه المستتر وجماله وعظمته.
وبالهام الرّوح القدس سمّى الله أباً والمسيح إبناً. ولا هرب مِن هذه العبارة. فوحي الرّوح القدس يمزق الحجاب المستتر لاسم الله، ويؤكّد لنا أنّ القدّوس الأزلي والخالق القدير، هو أب، وله ابن مثله، قدّوس مجيد أبدي. ممتلىء بالمحبّة. فليس الله قهّاراً ديّاناً مهلكاً منتقماً عزيزاً جباراً فقط، إنّما هو حنّان، لطيف، صبور، رحيم ورؤوف، وابنه مثله. فبادراك الآب والابن نصل إلى محور العهد الجديد. فمَن رأى الابن رأى الآب. وهذا الإعلان أحدث انقلاباً لصورة الله الموجودة في كلّ الأديان، وفتح لنا أعيننا لعصر المحبّة.
هل تريد إدراك الله، فأدرس سيرة المسيح. فماذا رأى التلاميذ في يسوع؟ ما هي خلاصة شهادتهم؟ لقد رأوا محبّة الله متشابكة بالنّعمة والحقّ. ففكّر وأنت مصلّ بهذه المعاني الثلاثة، فتشعر بملء مجد الله الحال في المسيح، الّذي لا يعلن قداسته بأشعة مهلكة، بل يأتينا بنعمة شافية لا تستحقها. كلّنا مجرمون وليس فينا أحد صالحاً. فإتيان المسيح إلينا نحن الرجسين، يعني نعمة. ولم يستح أن يسمّينا أخوته، بل طهّرنا وقدّسنا وجدّدنا، وملأنا بروحه. أليس هذه الأعمال الخلاصية نعمة فوق نعمة؟ وأكثر مِن نعمته لنستحق أن نصير أولاد الله. فرسالة النّعمة ليست خداعاً أو تخيّلاً بل حقّاً. وتجسّد المسيح هو برهان لحقيقة عمل الله، الّذي يكملنا في خلاصه. فنعمة المسيح هي أساس إيماننا.
الصّلاة: نسجد لك يا طفل المذود، كما سجد الرعاة والمجوس لك في إسطبل بيت لحم. أنت الله في الجسد، وقد اقتربت منّا. ولم تخجل أن تسمّينا إخوتك. ونورك يضيء في الظلمة. إقبل قلبي النّجس، وطهّره تطهيراً، لكي يستحّق أن يكون مذوداً أزليّاً لك. وأعظّمك مع كلّ المؤمنين، لأنّ مجدك أصبح جسداً متواضعاً. ونلتمس منك أن يدرك كثيرون مِن المساكين في محيطنا حقّهم الجديد ويقبلوك.
السؤال: ماذا يعني تجسّد المسيح؟
1: 15 يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى, هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ, إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي, لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي. 16وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا, وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ.
أعلن المعمدان أثناء مباحثاته مع الوفد بصوت عال: إنّ المسيح الّذي أتى بعده كان موجوداً قبله بدون نسبة زمنية. فأقرّ المعمدان بأبديّة المسيح، وشهد بهذه الحقيقة، انّه فوق الأزمنة والأماكن والفناء، إله غير فان وغير محدود.
ولقد تألّم الصارخ في البرية مِن نجاسة خطيئة النّاس، وعلّمهم بالتّوبة لغفران الخطايا. فعندما أدرك إتيان يسوع قفز قلبه فرحاً، لأنّه وُلد إنسان أبدي، ممتليء بالحقّ، فلا يجد الموت فيه سلطة. وفرح عيد الميلاد نابع مِن ظهور حياة الله الأبديّة في جسد الإنسان، لأنّه بهذا الظهور ابتدأت غلبة الحياة على الموت، ومُحيت الخطيئة الّتي هي علّة الموت.
وبادراك عمق هذه النّعمة انشرح قلب البشير يوحنّا. وفاض هتافه، فعظم ملء الله الحالّ في المسيح. كما اعترف بولس وقال: فيه حلّ كلّ ملء اللاهوت جسديّاً، وأنتم مملؤون فيه. ويشهد يوحنّا بنفس هذه المعاني الملخّصة المركّزة بكلمته العظيمة: ومِن ملئه نحن جميعاً أخذنا، ونعمة فوق نعمة.
فما هو ملء المسيح، وكيف أخذنا منه؟ تذكر تفسيرات يوحنّا لشخصية المسيح في الآيات الأربعة عشر الماضية. فتعرف عظمة شخصيته، وتدرك كيف يصلنا بحر نعمته كلّ يوم:
1_ المسيح هو كلمة الله منبثقاً مِن الآب كما تخرج الكلمة مِن فم الإنسان. فهو صميم قلب الله ومشيئته وجوهره ومسرّته. وبمثل ما تصلنا كلمة الإنجيل وتدخل أدمغتنا وتغيّر إرادتنا، يحلّ المسيح في قلوبنا ويغيّرنا حسب فضائله. أليس هذه نعمة عظمى؟
2_ المسيح هو حياة الله. والمهندسون والعلماء يقدرون أن يصنعوا بيوتاً وجسوراً وقنابل ضخمة. ولكنّ الحياة، لا يستطيع إنسان أن يخلقها. إنّما الوالدان مفوضان لنقل الحياة الموهوبة لهما مِن الله إلى انسالهما. أليست هذه نعمة؟ وبما أنّ الحياة الدنيوية تزول، فالمسيح يمنح المؤمن روحه، الّذي هو الحياة الأبديّة. فكلّ المسيحيين يشتركون في حياة الله. ولن يموتوا إلى الأبد. أليست هذه نعمة؟
3_ المسيح هو نور العالم، وهو غالب الظلمة، وخالق النّور في الليل الدامس. فهو يمنح الرجاء في عالم متشائم، يبعث القوّة في عالم يئنّ تحت الضعف. فنور المسيح قادر أن ينير كلّ ظلمات عالمنا، مانحاً الصدق والأمانة في السياسة والمصانع والعائلات والكنائس، ان آمن النّاس به. أليست هذه نعمة فوق نعمة؟
4_ المسيح هو خالق الكون، وملء قدرة الله حلّت فيه. وعجائبه كانت آيات دالّة على سلطانه. وقيامته من بين الأموات برهنت قوّة حياته على الموت. فلقد غلب في جسده جاذبية الأرض ومشى على البحر. وقد كثر الخبز القليل وأشبع منه خمسة آلاف رجل. وهو أحصى شعرك الّذي على رأسك أيضاً. فمتى تجسّد لنعمته المهتمة بك؟
5_ هل أردت معرفة أكثر عن ملء المسيح؟ انه مالك العوالم. فكلّ متاع أو مال، وكلّ دقيقة مَن حياتك، وأنت نفسك ملك له. لقد صنعك، وهو يحفظك. فكلّ الآراء الرأسمالية والاشتراكيّة خداع. فليس إنسان يستحقّ امتلاك أيّ شيء دنيوي. المسيح هو المالك، وقد استودع خيراته بين يديك، لتكون وكيله عليها. فعضلاتك وأفكارك ووالداك هبة ربّك إليك. فمتى تشكره لنعمته؟
6_ والغريب في عيد الميلاد، أنّ ملء اللاهوت تجسّد في طفل صغير. وهذه الأعجوبة بالتمام أنبأ بها النّبي أشعياء قبل 700 سنة بوحي الرّوح القدس قائلاً: يُولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى يسوع، عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبديّاً، رئيس السلام. (اشعيا 9: 6).
ولكن للأسف! فانّ رؤوس النّاس بطيئة الإدراك ليفهموا أنّ الله أعاد في المسيح صورته المخربة الّتي كانت للإنسان عند بدء الخليقة. فيسوع هو المجيد الحكيم المشير المنير الإله الأبوي القدير. فكلّ صفات ومواهب الله موضوعة في طفل المذود. فهل أدركت النّعمة العظمى أنّ الله أتى إلينا بيسوع؟ أنّك تستطيع القول: الله معنا!
7_ لا يريد المسيح، أن يحتفظ بصفاته لنفسه. وإلاّ فكان يبقى في السماوات. ولكنّه أتى إلى العالم ولبس جسدنا، وقبل هيئة تواضعنا، ليشق لنا الطريق إلى السماء، ويعيدنا إلى أبيه، وليملأنا بملئه. وهكذا شهد بولس أيضاً أنّ غاية الله، هي حلول ملئه في الكنيسة. اقرأ رسالة أفسس (1: 23 و4: 10 وكولوسي2: 10) فيأخذك تيار حمد الله، ويقودك إلى تعظيم نعمة ربّك. ولا تبق حقيراً متخيّلاً ومتألماً في خطاياك، بل افتح قلبك لملء المسيح. تعال إلى طفل المذود، فتجري منه بركات عديدة إليك. وهو يجعلك ينبوعاً للنّعمة في محيطك.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أنت إله حقّ وإنسان حقّ. فكلّ محبّة وقوّة وحق، حلّ فيك. نسجد لك ونتهلّل، لأنّك لا تبقى بعيداً عنا، بل عاشرتنا. أنت محبٌ لنا، وأصبحت إنساناً، وفديتنا من شراسة إنسانيتنا. نشكرك لأنّك تغدق علينا في كلّ ثانية نعمة فوق نعمة.
السؤال:
13_ ما هو ملء المسيح؟
1: 17 لأَنَّ النَّامُوسَ (الشريعة) بِمُوسَى أُعْطِيَ, أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. 18 اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.
الفرق بين العهد القديم والعهد الجديد، هو كالفرق بين البِرّ الّذي بالناموس (بالشريعة) والبِرّ الّذي بالنّعمة. فالله أعطى موسى الوصايا العشر، والشريعة لتنظيم الحياة والذبائح. فمَن حفظ هذه الفرائض استحقّ الحياة. ولكن مَن تجاوز واحدة مِن الأحكام، فعليه الموت. هكذا كان الناموس (الشريعة) حكماً للموت، لأنّه ليس مِن إنسان يحيا كاملاً. وأفضل الأتقياء انكسروا بالتّوبة والنّدامة أمام استحالة حفظ كلّ أحكام الناموس (الشريعة). أمّا السطحيون، فظنّوا أنّهم صالحون، وكأن حياتهم ترضي الله. فأصبحوا أنانيين متعصّبين ناموسيين (شريعيين)، ونسوا المحبّة وافتخروا ببر أعمالهم الذاتية. وممّا لا ريب فيه أن الناموس (الشريعة) مقدّس لأنّه مرآة لقداسة الله. فأمامه يظهر كلّ إنسان شرّيراً شرساً. وهكذا تقودنا الشريعة الإلهيّة إلى اليأس والموت.
في هذا الجو المشحون برائحة الموت، يذكر البشير يوحنّا لأوّل مرّة في إنجيله الاسم يسوع المسيح المنجّي من اليأس والمخلّص من غضب الله. فالإنسان يسوع الّذي مِن الناصرة، هو المسيح الموعود، الممسوح بملء الرّوح القدس. وهو ملك الملوك وكلمة الله ورئيس الكهنة. وهو خلاصة كلّ إمكانيات الرجاء والخلاص.
ولم يأتنا المسيح بشريعة جديدة، بل فدانا مِن لعنة الناموس (الشريعة). وأكمل بمحبّته الفائقة كلّ الأنظمة عوضاً عنّا. وحمل خطايانا ودينونة العالم على كتفيه، وصالحنا مع الله نهائيّاً. ومنذ موته تبرّرنا. فلم يعد الله عدواً لنا، لأجل خطايانا. بل صار لنا سلام مع الله بربّنا يسوع المسيح. ويسوع الإنسان صعد إلى أبيه السماوي. وسكب علينا روحه القدّوس، الّذي نقش الناموس (الشريعة) في قلوبنا. وملأ شعورنا الباطني بأفكار طاهرة صادقة وشريفة. فنحن لا نعيش تحت الناموس (الشريعة)، بل أصبح فينا. وقد منحنا الله القوّة لإتمام مطالب محبته.
ومنذ جاء المسيح، بدأ عصر النّعمة، ونعيش فيه. والله لا يطلب منا تقدمات وخدمات وذبائح لإنشاء برنا الذاتي، إنّما أرسل ابنه الّذي منحنا برّه الإلهي. فمَن يؤمن به، يتبرّر تماماً. ولهذا فإنّنا نحبه ونشكره ونضحي لأجله، لأنّه قدّسنا سابقاً مجّاناً وكاملاً.
والمسيح لا يتركنا يتامى، بل يمكث معنا، ويسكب علينا من مواهبه. لا نستحقّ غفران خطايانا، ولا الشّركة مع روح الله، ولا أي موهبة أو بركة أخرى. فالكلّ نعمة منه. ولا نستحقّ في الحقيقة إلاّ الغضب والهلاك. ولكن لأجل ارتباطنا الإيماني مع المسيح، أصبحنا أبناء الله المنعم عليهم. فهل أدركت الفرق بين عبيد الناموس (الشريعة) وأولاد النّعمة؟
وهذه النّعمة، ليست شعوراً عاطفيّاً في قلب القدّوس، إنّما هي محبّة مبنية على حقوق شرعية. فان الله لا يمكن أن يغفر لِمَن يشاء، لأنّ خطيئة الخاطىء تتطلب موته المباشر. ولكن صلب المسيح النيابي عوضاً عنّا أتمّ كلّ البِرّ. فأصبحت النّعمة حقّاً، ورحمة الله حقيقة لا تتزعزع. والنّعمة في المسيح هي الأساس الشرعي لحياتنا مع الله.
ولعلّك تسأل: مَن هو الله الّذي هو حرّ التصرف ومقيّد مع ذلك بعدله؟ فنجاوبك ان كثيراً مِن الأديان تحاول بجهد ومشقة إدراك الله. وكلّها تشبه السلالم المنصوبة على الأرض، دون أن تصل السماء. أمّا المسيح فهو المشبه بالسلّم الإلهي النازل مِن السماء والمرتكز على الأرض. فهو يكفينا. واتصالنا بواسطته بالله لا يخيب.
لم ير الإنسان ما الخالق الأزلي، لأنّ خطايانا تفصلنا عن القدّوس. فكلّ أقوال عن الله، ليست إلاّ تخمينات غير واضحة. أمّا المسيح فقد كان عند الله منذ الأزل ابنه، وأحد أقانيم الثالوث الأقدس. فهكذا عرف الابن مَن هو الآب. وكلّ وحي مِن قبله ناقص مبتور. أمّا المسيح فهو كلمة الله الكاملة وخلاصة كلّ الحقّ.
فما هو محور رسالة المسيح؟
لقد علّمنا أن نخاطب الله في الصّلاة هكذا: أبانا الّذي في السماوات. وبهذا الخطاب أعلن لنا جوهر الله في ابوته. فليس الله دكتاتوراً أو قهاراً أو مبيداً. ولا هو غير مبال. انّه يهتمّ بنا كما يفكّر الآب بولده. وإذا وقع هذا الولد في الوحل، يشدّه ويجذبه جذباً ويطهّره تطهيراً، ولا يتركه يهيم في عالم الإثم. فمنذ عرفنا أنّ الله هو أبونا انتفى عنا اليأس الناجم عن همومنا وخطايانا، لأنّنا بالرجوع إلى أبينا نلنا التطهير والقبول، ونعيش معه إلى الأبد. فالثورة الدينية المتفجّرة باسم الآب هي الفكر المسيحي الجديد، الّذي جاء به المسيح. ونجد في هذا الاسم الأبوي خلاصة أقوال وأعمال المسيح.
قبل تجسّده، كان المسيح عند أبيه، جالساً كصبي في حضن والده. وهذه الصّورة اللطيفة، إنّما توضّح لنا العلاقة الحبيبة بين المسيح والله. وقد صعد الابن بعد موته إلى أبيه. ولم يجلس عن يمين الله فقط، بل في حضنه أيضاً. وهذا يعني أنّه واحد معه، هو هو. فكلّ أقوال المسيح عن الله، هي حقّ وثابتة وقويّة ومخلصة. وفي المسيح نرى مَن هو الله بالذات. وكما الابن، هكذا الآب. وكما الآب، هكذا الابن.
الصّلاة: أبانا الّذي في السماوات نسبّحك ونشكرك، لأنّك أرسلت إلينا المسيح ابنك الحبيب. ونسجد لك لأنّه حرّرنا مِن كابوس الناموس (الشريعة)، وغرسنا في بِرّه الإلهي. ونشكرك لكلّ موهبة روحية. ونعظّمك لأجل الامتياز أن نكون أولادك. إحفظنا في نعمتك، وأرِ كثيرين محبّتك، لكي يتغيّروا بواسطة اسمك الأبوي ويتقدّسون أولاداً لك.
السؤال:
14_ ما هو الفكر الجديد، الّذي أتى المسيح به إلى العالم؟
ثانيّاً: المسيح يخرج بتلاميذه مِن جو التّوبة إلى فرح العرس
(1: 19-2: 12).
1_ وفد المجلس الأعلى يمتحن المعمدان
(1: 19_ 28)
1: 19 وَهَذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا, حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ, مَنْ أَنْتَ. 20 فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ, وَأَقَرَّ أَنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ. 21 فَسَأَلُوهُ, إِذاً مَاذَا. إِيلِيَّا أَنْتَ. فَقَالَ, لَسْتُ أَنَا. أَلنَّبِيُّ أَنْتَ. فَأَجَابَ, لاَ.
في حوض وادي الأردن ظهرت نهضة روحيّة، محورها المعمدان. فالألوف مِن النّاس، لم ترهبهم وعورة الطريق مِن أعالي الجبال إلى أسفل الوادي الحار. فنزلوا إلى المعمدان ليسمعوا صوت النّبي الجديد، ويعتمدوا على يديه لمغفرة خطاياهم. والجماهير عادة ليسوا جهلاء، كما يفكّر المستكبرون، بل فيهم جوع وشوق إلى الهدى الإلهي، وسرعان ما يميزون القوّة في أصحابها. ولم يريدوا سماع طقوس أو نواميس (شرائع) فرائضية، ولكنّهم اشتاقوا للالتقاء بالله. وما خفي على المجلس الأعلى اليهودي هذه النّهضة الرّوحية، فأرسل رؤساؤه وفداً من كهنة ومساعدين أشدّاء معتادين على ذبح القرابين، ليفحصوا المعمدان حتّى إذا ظهر انّه مجدّف أبادوه.
وهكذا كان اللقاء بين يوحنّا المعمدان ووفد المجلس الأعلى رسميّاً وخطراً وقاطعاً. والبشير يوحنّا يسمّي الرجال الآتين مِن أورشليم يهوداً. ويبرز بهذا الاسم أحد مواضيع إنجيله، لأنّ الفكر اليهودي كان متجمّداً آنذاك في حرفية الناموس (الشريعة) وفي التعصّب والحسد. حتّى أصبحت أورشليم مركز المعارضة ضدّ روح المسيح. فليس شعب العهد القديم عامّة، بل جماعة الكهنة والفرّيسيين خاصّة كانوا الأعداء المراقبين لكلّ حركة دينية، لا تسير وفقاً لتخطيطهم ولضبطهم. وهكذا عزموا على اصطياد المعمدان بأسئلتهم المقتنصة لإهلاكه.
وأوّل سؤال وجهه الوفد إلى يوحنّا المحاط بالجماعات التائبة المصغية إليه باهتمام، هو: مَن أنت؟ مَن كلّفك بالكلام؟ هل درست الفقه واللاهوت؟ أتعتبر نفسك مرسلاً مِن الله؟ أو لعلّك ظانّاً بنفسك أنّك المسيح بالذّات؟
وفهم يوحنّا المعمدان هذا السؤال المركّز الماكر رأساً، ولم يكذب. كما أيقن اليهود منذ البداية، أنه لن يكذبهم الخبر، بل يتكلّم بالحقّ والصدق. وبهذا اليقين نصبوا له فخاً ليوقعوه. فإن قال المعمدان: أنا المسيح فيدينوه ويرجموه. وان قال: لست المسيح، فترفضّ الجماهير عنه، ولا تعتبره مهمّاً، لأنّ أهل إبراهيم تألمّوا آنذاك من عار الاستعمار الروماني وترقّبوا المخلّص، الّذي يحرّرهم مِن النير الروماني.
وشهد المعمدان جهراً، انّه ليس المسيح ولا ابن الله. ولم يتّخذ لنفسه لقباً، يعارض إرشاد الرّوح القدس. وفضل يوحنّا أن يظهر صغيراً، وثبت أميناً لدعوته، واثقاً بالله، أنه يثبّت في المستقبل أيضاً رسالته.
وبعد الطعنة الأولى، سأله الوفد: أفأنت إيليا؟ وهذا الاسم دلّ على الوعد، الّذي في سفر ملاخي 3: 23، حيث يقول الوحي، إنّه قبيل مجيء المسيح يقوم نبّي في روح وقوّة النبّي الشهير إيليا، الّذي أنزل مِن السماء ناراً على أعدائه، وأقام ميتاً بإذن الله. والكلّ ترقّبوا هذا البطل البارز كرئيس لأمتّهم.
فتواضع يوحنّا ولم يرد التكبّر، رغم أنّه بالحقّ كان هذا النّبي الموعود، كما شهد المسيح بعدئذ عنه (متّى 11: 14). إنّما الله أعطى المعمدان عند دعوته يقيناً آخر، حتّى أنّه لم ير نفسه إيليا عائداً بشخص المعمدان، ليمنع كلّ فكر تقمّصي.
بعدئذ سأله الكهنة، إن كان هو النّبي المعيّن الموعود الّذي أنبأ عنه موسى، انه سيقطع مثله عهداً جديداً وعظيماً (تثنية 18: 15). وكان وراء هذا السؤال استخبار عمّن أرسله متكلّماً كنبي، فمَن أرسلك؟ ومِن أين لك هذا السلطان؟ وهل رسالته وحي يوحى إليك، أم تتكلّم من نفسك؟
ولم يرد يوحنّا أن يتّخذ لنفسه مثل مركز موسى وعلّوه، ولا أن يقطع عهداً جديداً مع الله، لم يفوضه به. ولا أن يقود الشعب إلى انتصارات حربيّة. فثبت أميناً في التجربة، ولم ينتفخ، أو يستكبر استكباراً. وكان بنفس الوقت حكيماً، ولم يجاوب عدوّه بأكثر مِن الكلام الضروري. فهذه المبادىء مِن الضروري، أن نمارسها في حياتنا مِن جديد.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك أرسلت يوحنّا المعمدان إلى عالمنا، وهو لم يستكبر البتّة. اغفر لنا كبرياءنا وتخيلاتنا، كأنّنا شيء كبير أو أكبر وأهمّ مِن النّاس الآخرين. علّمنا الإدراك أنّنا عبيد بطّالون، وانّك وحدك العظيم.
السؤال:
15_ ماذا وراء أسئلة الوفد مِن أهداف؟
1: 22 فَقَالُوا لَهُ, مَنْ أَنْتَ, لِنُعْطِيَ جَوَاباً لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا. مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ. 23 قَالَ, أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ, قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ, كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ. 24 وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ.
أطلق الوفد أسئلتهم كسهام مصوّبة إلى المعمدان،تلك الأسئلة المتعلّقة بالبدع العتيدة ان تنشأ قبيل مجيء المسيح. ولكن بعدما أعلن يوحنّا، انّه ليس المسيح ولا إيليا ولا النبّي حسب نبوّة موسى، أصبح بلا أهمية ولا خطر في نظرهم. ومع هذا استمرّوا يسألونه مَن هو إذاً؟ ومَن كلّفه بهذه الرسالة؟ وهدفهم أن لا يرجعوا إلى المجمع بدون معرفة واستقصاء تام عن حاله. وهؤلاء المستجوبون في أسئلتهم عن الرجال المتعلّقين بالمسيح، لم يسألوه عن النبوّة الصادرة مِن النّبي أشعيا (40: 7). فأرشد الرّوح القدس المعمدان بدقّة إلى هذه الآية الخاصّة به، فسمّى نفسه صوتاً صارخاً في البرية، معداً طريق الربّ. ولو لم يعطهم أدلّة مِن الكتاب المقدّس، فلعلّهم قالوا عنه، انّه فوّض نفسه بنفسه، وأوحى لذاته بذاته، فحاكموه بتجديف. هكذا تواضع يوحنّا، وأخذ أسفل مركز في العهد القديم لنفسه. انّه لا شيء، إلاّ صوت صارخ في البرية.
كلّنا نعيش في برية عالمنا هذا، والفوضى حولنا تعمّ. والبغيضة والحروب والأوساخ والأمراض تتفشى وتكشف وجه الأرض ببشاعة. فتصبح كرتنا خربة عامة. والقنابل الهيدروجينية مستعدّة لتحرق آخر بقعة خضراء على سطح الأرض. والمدن الكبيرة صارت كأودية مِن باطون تجرى في أسفلها الأوساخ البشريّة متدفّقة.
أمّا الله فانه لا يترك الأرض المسكينة والنّاس الفاسدون بلا معين، إنّما يقوم ويأتي إلى البشر لخلاصهم. وحركة الله هذه مِن السماء نحو أرضنا، هي نعمة عظيمة. فالقدّوس لا يهلكنا كما نستحق، بل يأتي إلينا، ويطلبنا ويبحث عنا نحن الضّالين. ومحبّة الله هي أعظم مِن عقولنا، وخلاصه النهائي يشمل تحويل البراري إلى جنان خضراء.
وقد فهم المعمدان بواسطة الرّوح القدس، أن الله كان في المسيح آتيّاً إلى عالمنا. فهذا الفكر كهربه، فابتدأ يدعو النّاس ليتعقّلوا ويستعدّوا لاستقبال الآتي. وبغيرته المتحمسة لتحضير طريق المسيح أصبح يوحنّا الصوت الصارخ في بريّة عالمنا. ولم يُسمّ نفسه نبيّاً أو رسولاً، إلاّ صوتاً فقط. ولكنّ هذا الصوت مخترق ومفوّض مِن الله، ويضجّ في الآذان. ولا يسمح للضمائر بالنّوم مرتاحة على ذنوبها.
فما هو مضمون هذا الصوت؟ انّه نادى: قوموا، أدركوا نهائيّاً إتيان ملك السماء إليكم، رتّبوا حياتكم. الله قدّوس ويدينكم. وانّ كلّ كذب وسرقة ونجاسة وعدم استقامة، سيحاسبكم عليها بنار جهنّم. والله لا يهمل خطاياك. والشرّير يظهر شريراً أمامه بكلّ خطاياه. والصالح ليس بأخير من الفاسد. وليس أحد مرضيّاً أمام ربّه.
وبقساوة طلب المعمدان امتحان النفس، ومعرفة الذات الفاسدة، وانكسار الكبرياء، وتغيير الفكر مبدئيّاً. أيّها الأخ، أتظنّ أنّك صالح ومقبول؟ إلى الغبار بانتفاخك! فانّك شرّير منذ أيام حداثتك. كن مستقيماً واعترف بذنبك. وإن اختلست ولو شيئاً قليلاً، فردّه إلى صاحبه رأساً. وأطلب مِن ربّك ليريك الموطن الّذي ينبغي أن تعتذر فيه لأجل أكاذيبك وذنوبك. مُت لاستكبارك، وعش لله. وقوّم المعوجّ في سلوكك، وانحن عميقاً، لأنّك فاعل شرّ.
وكثير من أعضاء الوفد الرسمي كانوا فريسيين، فجنّوا مِن جرأة المعمدان، لأنّهم ادعوا أنّهم أبرار أتقياء صالحون، حافظون للناموس (للشريعة) بدقة وغيرة متناهية. ولكنّهم خدعوا أنفسهم بأنفسهم، وراءوا بالتقوى، رغم النقصان بداخلهم، ونجاسات الصور الّتي تمرّ أمام أعين أنفسهم، وقلوبهم الممتلئة بفكر الانتقام كوكر الأفاعي المسمّمة.
ولم يخف يوحنّا أن يوجّه التقريع إلى وجوه المتزمّتين، قائلاً لهم: كلّنا في حاجة ماسّة إلى الرجوع، لنعد طريق الربّ الآتي إلينا وشيكاً.
الصّلاة: أيّها الربّ الآتي مجدّداً، أنت تعرف قلبي وماضيي وذنوبي. اخجل أمامك لكلّ آثامي الظاهرة والباطنة. واعترف أمامك بشري كلّه. والتمس منك الغفران. لا تطردني من قدام وجهك، وساعدني أن أرجع حالاً ما اختلسه من الآخرين. وأطلب السماح مِن كلّ إنسان آذيته. كسر كبريائي، لكيلا أكون وكراً للحيات المسمة، بل مطهّراً من كلّ ذنوبي برحمتك، يا رحيم.
السؤال:
16_ كيف دعا يوحنّا النّاس لإعداد طريق الربّ؟
1: 25 فَسَأَلُوهُ, فَمَا بَالُكَ تُعَمِّدُ إِنْ كُنْتَ لَسْتَ الْمَسِيحَ, وَلاَ إِيلِيَّا, وَلاَ النَّبِيَّ. 26 أَجَابَهُمْ يُوحَنَّا, أَنَا أُعَمِّدُ بِمَاءٍ, وَلَكِنْ فِي وَسَطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. 27 هُوَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي, الَّذِي صَارَ قُدَّامِي, الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. 28 هَذَا كَانَ فِي بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ.
تعلم اليهود مِن التوراة التطهير والغسولات ونوعاً مِن المعمودية. فالغسولات كانت عبارة عن غسل الأوساخ المعنوية، بينما المعمودية اختصت لتطهير المتهودين مِن غير اليهود، لأنّهم اعتبروا الشعوب نجسة. وعلى كلّ حال فانّ قبول المعمودية يعني التواضع والدّخول في شعب الله. وهذا ما يفسر لنا حيرة الوفد القائلين: كيف تدعو المؤمنين للتوبة، وهم مختونون وثابتون في شعب العهد؟ اتظن أنّنا أيضاً ناقصو القداسة، وضالون في غضب الله، نحن المسؤولين في الامة؟ فقد كانت معمودية يوحنّا عثرة للأتقياء، وفصلت الشعب إلى قسمين. أوّلهم المطهّرون بمعمودية التّوبة لاستقبال المسيح كنخبة مستعدّة للالتقاء بربّهم. وأمّا القسم الثاني، فلم يقبل المعمودية للتوبة. بل ظنّوا أنّهم لائقون لاستقبال المسيح، وفكّروا أن مجيئه لأهداف سياسية وناموسية (شريعيته). والاغلب أنّ البشير يوحنّا، كان حاضراً بنفسه شخصيّاً في هذا الامتحان الرسمي. فأثرت المحاورة فيه بعمق، خصوصاً جواب الوفد للمعمدان الّذين أبرزوا اعترافه بتشفّ وتصغير، انه ليس المسيح ولا ايليا ولا النّبي الموعود. فبهذا الرد وصموه بأنه لا شيء. أمّا المعمدان، فكان عالماً بما ينبغي عليه عمله. فتصاغر قائلاً بابتسام: معكم الحقّ، أنا لست شيئاً مهماً. أنا أعمّد بماء فقط، بدون سحر وبدون قوّة. وكلّ ما أفعله هو رمز فقط ودلالة على الآتي. وبعدئذ انتصب الرجل اللابس وبر الابل، ونادى بصوت عال أمام رؤوس الوفد والجماهير قائلاً: كلّكم عميان، وغير ملاحظي الشيء القاطع الحادث أمامكم. انكم تفحصونني أنا الرجل الصغير. أمّا المسيح فها قد حلّ، وهو بينكم حاضر في جمهور التائبين. أنا يوحنّا المعمدان لست مقتدراً على شيء، إلاّ انّه لي خدمة اؤديها. فأنا صوت. والرّوح القدس أعلمني بالربّ الآتي، وهو حاضر الآن. اليوم يوم الخلاص، توبوا يا متكبرين سريعاً. لأنّه ها آخر لحظة تمر. وهذا الاعلان سقط كضربّة على الجماهير المترقبين الربّ، لأنّهم اجتمعوا لهذه الغاية، وهي استقبال المسيح. وها هو قد وصل، ولم يلاحظوا مجيئه ولم يروه. فاضطربّوا اضطراباً كبيراً، ونظروا إلى بعض متفحصين مستغربين. وبعدئذ قدّم المعمدان شهادته ووصفه الشهير للمسيح، الّذي ذكره البشير يوحنّا بمعناه سابقاً في العدد 15. وها هوذا يذكره بنصّه حرفيّاً الآن: هو الّذي يأتي بعدي، الّذي صار قدّامي. وهكذا أبرز المعمدان أبدية المسيح وحضوره بين النّاس بنفس الوقت. وأكّد في أقواله أنّه كان إنساناً اعتياديّاً بينهم وغير مدرك، ولا تبهرهم منه هالة. وليس لابساً ثياباً فاخرة، ولا يتميز بعينين ملتهبتين. فكان كالآخرين تماماً. وليست له صفة مميزة. ولكن هذا الإنسان العادي كان بنفس الوقت مختلفاً تمام الاختلاف عن الآخرين. لأنّه كان كائناً قبل كلّ الدهور، فكان غير فان وسماويّاً وقدّوساً وإلهيّاً. فالمعمدان شهد بجلال الربّ المستتر، رغم انّه كان واقفاً بينهم بكلّ بساطة. وقال المعمدان، انه غير مستحق ان يكون عبده. وقد كانت العادة في ذلك الزمن، انه ان جاء ضيف إلى أسرة ما، يأتي الخادم بماء ويغسل له قدميه. وها قد وصل يسوع إلى الجموع، فسمّى المعمدان نفسه غير مستحق أن يحلّ سيور حذائه ويغسل رجليه!
وهذا الكلام، هزّ الجماهير هزاً شديداً في أعماقها. فنظروا إلى بعض، متسائلين: مَن هذا الغريب القريب؟ وكيف يمكن أن يكون الربّ بذاته إنساناً اعتياديّاً؟ ولماذا يقول المعمدان الجبّار، انّه غير مستحق أن يحلّ حذاءه؟ والوفد الاورشليمي لعلّهم سخروا مِن قول المعمدان، ولووا رؤوسهم ضاحكين، كأنهم يقولون: لا بد انّ هذا المعمدان المتقشّف صار هاذيّاً محتالاً! وتركوا المكان. ولربّما اتبعهم كثيرون ممّن كانوا تلاميذ المعمدان، لأنّهم ظنّوا أنّ المسيح لسوف يظهر في العاصمة اورشليم باهراً عظيماً، وليس بسيطاً مجهولاً في البرية. وهكذا ضيّع تاركوا المعمدان الفرصة الفريدة للالتقاء بمسيح الله.
وهذا البحث والمحادثة، لم تتم على الضفّة الغربية مِن الأردن، بل في الضفّة المقابلة الشرقية، خارج حدود سلطة المجلس الأعلى، في الكورة الخاضعة للملك هيرودس انتيباس. فلم يجد الوفد سلطة ليقبضوا على المعمدان ويأتوا به إلى اورشليم للمحاكمة.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك أتيت إلينا إنساناً حقّاً، وإلهاً أبديّاً. نسجد لك ونعظّمك، لأنّك أصبحت قريباً لنا. وقد كنت متواضعاً في جسدك الفاني وقنوعاً، حتّى انّه لم يعرفك أحد إلاّ المعمدان. أنت الوديع والمتواضع القلب. علّمنا اتباعك في إرشاد روحك القدّوس.
السؤال:
17_ ما هي قمّة شهادة المعمدان عن يسوع أمام وفد المجلس الأعلى؟
WMWMWMWMWM
2- شهادات المعمدان المثيرة عن المسيح
(1: 29- 34)
1: 29 وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ, فَقَالَ, هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّئةَ الْعَالَمِ. 30 هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ يَأْتِي بَعْدِي, رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي, لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي.
لَمّا عاد الوفد الاستخباري إلى اورشليم وعبروا الأردن، لم يكفّوا عن السخرية بالمعمدان. فوقعت الحادثة القاطعة الهامة، الّتي قلبت المعمدان، كما حدث بعدئذ لَمّا غيّر ظهور المسيح شاول العنيد إلى بولس اللطيف. حتّى ذلك الوقت، كان المعمدان يؤمن بمسيح آت كمصلح ينقّي شعبه، كما الفلاح يغربل قمحه على البيدر. هذا الوعظ في البرية، أعلن سابقاً المسيح الآتي ربّاً غاضباً. وصوّره كحطّاب، في يده فأس ماضية مرتفعة، ليقطع كلّ شجرة فاسدة في الشعب. وهكذا فكّر المعمدان أن وصول المسيح يعني يوم الغضب.
ولَمّا أعلن، قائلاً: هوذا المسيح بيننا، فزع التلاميذ الامناء. واخذوا يستعيدون صور ذنوبهم، نادمين مرتجفين. وترقّبوا أن تسقط بلمحة سريعة صاعقة الدينونة القاتلة. فأتى يسوع الشاب وهو في سنّ الثلاثين تقريباً بكلّ هدوء إلى المعمدان، طالباً المعمودية. وهذا التواضع، كان طعنة مِن روح الله في قلب المعمدان. فتراجع مستصغراً نفسه، وطالباً مِن يسوع أن يكون هو الّذي يعمّده ويغفر له. وأمّا الربّ فأصرّ على موقفه، ان يعمده المعمدان ليتمّم كلّ برّ. عندئذ أدرك المعمدان، انّ القدّوس آت لا ليهلك البشر في الغيظ والدينونة، بل جاء ليحمل خطايا كلّ النّاس على كتفيه، وقبل المعمودية رمزاً لنيابته عن البشر في دينونة الله. فاتيان الربّ لم يتحقّق بالغضب والابادة، بل بصورة الصلح والغفران فهكذا نظر المعمدان وهو واقف في حدود العهد القديم إلى أعماق العهد الجديد مدركاً محبّة الله الدانية، الّتي حلّت محل الغضب. وهذا التغيير الجذري سبّب انقلاباً كليّاً في أفكار المعمدان.
ولَمّا اقبل يسوع في اليوم الناني إلى المعمدان، فانّ هذا المتنسّك شخص في ربّه، ورفع اصبعه مشيراً إليه وقائلاً: انظروا ادركوا افتحوا أعينكم، هذا هو. ولم تنزل الصاعقة عليهم، ولا ظهرت قوافل الملائكة الغاضبة. لكن انسكبت الكلمة القاطعة المعروفة للجميع، انّ هذا الشاب المقبل هو المنتصر والربّ بالذّات. هذا الرجل مِن الجليل هو المنتظر المرتقب رجاء العالم. وبنفس الوقت، منع المعمدان كلّ سوء الفهم. ولم يرد ان يتمسّك الجمهور الواقف حوله لحظة واحدة بتلك الصورة القديمة للمسيح، المبنية على انتظارات سياسية وتشوقات اصلاحية وتخطيطات عسكرية. ولم يستخدم يوحنّا لوصف يسوع لقب المسيح البتّة، بل سمّاه حمل الله الوديع. فالكلّ انتظروا الاسد مِن سبط يهوذا القوي الفخور الغالب. وها هم ينظرونه حملاً متواضعاً لطيفاً، وإنساناً كالآخرين. فامتلأ يوحنّا بالرّوح القدس، وأنبأ بصوت صارخ: انّ هذا الانسان يسوع، يحمل خطيئة العالم. فهو مختار ان يكون حمل الله، النائب والمكمّل كلّ الذبائح والطّقوس. هو مقتدر، ومستحقّ أن يكون البديل عن كلّ إنسان، لأنّه في ذاته المحبّة القديرة والقويّة، لحمل شرّ العالم كلّه. وهو القدّوس الطاهر، ويثبت قدّوساً. حتّى ولو حمل خطيئة العالم كلّه. فصار الّذي لم يعرف خطيئة خطيئة لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه. وشهادة المعمدان هذه، احدى القمم في إنجيل يوحنّا والذروة في الكتاب المقدّس كلّه. ولقد أدرك المعمدان مجد يسوع باستعداده للتألّم نيابة عنّا كحمل ذبيح. ولم يقل أن يسوع سيموت عن أهل العهد القديم فقط، بل لكلّ العالم. فخلاص يسوع هو دولي عالمي وشامل للحمر والسود والبيض والصفر والسّمر. ويختص بالأذكياء والجهلاء، الأغنياء والفقراء، الكبار والصغار، الأتقياء والفجار، للماضين والحاضرين والمستقبلين. وهذا الموت، يكفّر عن الخطايا الوحشية والآثام التافهة. فنيابة يسوع كاملة، ومبطلة الخطيئة الموروثة المتأصّلة في دمائنا. انّه أتمّ الفداء الكامل.
ومِن أوّل يوم حلَّ فيه يسوع في دنيانا كحمل الله، تألّم مِن أوساخ البشر. ولكنّه لم يرفض النجسين، ولم يحتقر المستكبرين. ولم يترك الغوغائيين، بل أحبّهم جميعاً. وعرف مبلغ قيودهم، وحمل أثقالهم بدون دعاية ولا تبويق. وكان مستعدّاً ليموت عوضاً عنهم. والمعمدان بشهادته عن حمل الله أعلن لمستمعيه، انّ غضب الله مرّ عنهم، ووقع مرتكزاً على هذا الشاب الناصري فقط. هو الذبيح والحمل لله.
عندئذ تراجع الحاضرون عن يسوع المختار، العازم على ان تتمّ فيه وظيفة تيس الخطيئة وحمل الله نهائيّاً. وربّما تنملت جلودهم من التفكير، انه يمكن لإنسان واحد ان يحمل دينونات كلّ النّاس على عاتقه. فكلمات المعمدان، فتحت أذهانهم، ولكنّهم لم يفهموا الصليب بعد بوضوح. إنّما شعروا بشيء غريب، يوشك أن يحدث بأمر الله في يسوع. والبشير يوحنّا ذكر للمرّة الثالثة الشهادة الأصلية مِن المعمدان، انّ يسوع كان مقتدراً لإكمال هذا الخلاص العظيم، لأنّه ليس إنساناً عاديّاً بل ربّ أزلي فقال: هذا الشاب هو أكبر مني، لأنّه كان قبلي، لأنّه كائن منذ الأزل. فبهذا البيان من قبل المعمدان، إتّضح ان الكلمة صار جسداً، لكي يموت ويصالحنا مع الله. فمجد المسيح الأصلي كان عظيماً، ولكنّ محبّته على الصليب اظهرت لنا لب هذا المجد وقوته. واذ اعترف البشير يوحنّا قائلاً: ورأينا مجده، فانّه فكّر قبل كلّ شيء به وهو معلق على الصليب بأشدّ الضيقات. فظهرت منه أعظم محبّة لتحريرنا نحن غير المستحقين.
الصّلاة: يا حمل الله القدّوس رافع خطيئة العالم ارحمنا. يا ابن الله الأزلي المتجسّد في ضعفنا، اغفر لنا خطايانا. نسجد لك لأنّك أحببتنا واكملتنا على الصليب. أيّها الربّ يسوع، نحبّك ونشكرك، لأنّك لم تأت ديّاناً علينا، بل حملاً لله. نؤمن بك أنّك رفعت خطايا كلّ النّاس في بلدتنا. فأعطنا الحكمة لنخبر الكلّ انّك خلّصتهم. آمين.
السؤال:
18_ ما معنى العبارة : حمل الله؟
1: 31 وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لَكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذَلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ. 32 وَشَهِدَ يُوحَنَّا, إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. 33 وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ, لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ, ذَاكَ قَالَ لِي, الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ, فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. 34 وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ.
لم ير المعمدان يسوع مِن قبل، رغم أنّ أميّهما نسيبتان، حسب قول الملاك جبرائيل إلى مريم العذراء، اذ أرسلها إلى اليصابات أمّ المعمدان لتتعزّى معها (لوقا 1: 36_ 56).
دعا الله المعمدان وهو في سن الثلاثين ليعدّ طريق المسيح، ويعرفه للشعب. وهذا التعريف تمّ بواسطة تعميده، ذلك التعميد الّذي مِن خصائصه تغيير التائبين إلى مستعدّين لاستقبال المسيح، غذ يغتسلون قبيل وصوله، ويزينون أنفسهم. والمعمودية لها ميزة أخرى انها تعلن شخصية المسيح ليكون معروفاً انّه هو. فالله تكلّم شخصيّاً مع المعمدان، ووعده بأنّه سيرى ما لم يره إنسان قبله، أي معاينة حلول الرّوح القدس عمليّاً، عندما يحلّ على المسيح المختار أثناء ممارسة المعمودية. والبارز في هذا النزول كان استقرار الرّوح على المسيح. فكلّ أنبياء العهد القديم كانوا ملهمين مِن الرّوح القدس لوقت. أمّا المسيح فقد وعد الله بخصوصه أن يمتليء دائماً بالرّوح القدس، رمزاً إلى أنّه ينبوع هذا الرّوح والمقتدر على أن يملأ التائبين المؤمنين بسلطانه الإلهي. وارتقب المعمدان بعد هذا الوحي مجيء المسيح. وما كان يعرفه من قبل شخصيّاً. لكن لَمّا وقفا سويّاً في نهر الأردن، وهما شابّان، كلّ منهما له حوالي ثلاثين سنة مِن العمر، انفتحت السماوات بدون ضجيج ولا رعد ولا صاعقة، ولكنّ يوحنّا رأى فجأة الرّوح القدس، في هيئة حمامة بيضاء محاطة بزرقة السماء، رمزاً للسلام والوداعة وعدم الثقل. فالرّوح القدس ليس خاضعاً لجاذبية الأرض، لأنّه مِن خارج العالم من السماء. ولم يلق المسيح إلى غيبوبة ليغرقه في المياه بلا وعي، كلاّ فهذا الرّوح الإلهي المسالم يرفّ هادئاً، لأنّه لطيف في جوهره، وهو راث ورحيم وحنون. فالرّوح القدس هو الله بالذات. وهذا الرّوح في صورة الحمامة النّورية لم يحلّ على يوحنّا المعمدان، ولا على أحد التائبين المصلين، بل مباشرة على يسوع واستقر عليه. وهذا كان البرهان القاطع والعلامة الموعودة للمعمدان، انّ الشاب يسوع الّذي مِن الناصرة، لهو أعظم مِن كلّ الأنبياء والمخلوقات. فارتجف المعمدان عالماً أنّ الربّ بالذات واقف أمامه، وهو الأزلي المنتظر الّذي أعدّ المعمدان طريقه. ولسنا نعلم أفكار المعمدان في تلك الساعة، ولا أقواله أو أعماله. فربّما امتلأ شكراً وفرحاً وسجوداً كما ارتكض في بطن أمه فرحاً، لَمّا اقتربت مريم وهي حامل بالمسيح نحوه. ففاضت اليصابات بتسبيحات روحية للربّ الآتي الحاضر.
إنّ ادراك المسيح كمعطي الرّوح القدس، ونشر هذا الإعلان بين الشعب، كان احدى الوظائف المهمة لخدمة المعمدان. فهو والمسيح وحدهما ابصرا الرّوح النازل الحال في الربّ. أمّا المعمدان فلم يحتفظ بهذه الرؤيا لنفسه، بل اعلنها جهراً. وكرّرها مراراً أمام الحضور، صارخاً: اسمعوا انتبهوا قد حلّ الربّ! هو حي وحاضر بينكم، لا يهلك ولا يدين، إنّما هو ممتليء المحبّة والجودة. انظروا إلى هذا الشاب يسوع الناصري، فهو ليس إنساناً عاديّاً مثلنا، بل هو ابن الله الممتليء بالرّوح القدس. فمَن يقّر أنّ المسيح روح مِن الله، يعترف بنفس الوقت انّه ابن الله الحقّ. وبهذا اللقب نطق يوحنّا بكلمة جالبة له خطر الموت، لأنّه كان متعارفاً بين اليهود انّ مَن يقول. (لله ابن) فقد جدّف تجديفاً كافراً. لكنّ المعمدان اختبر وعلم بدقة أنّ الّذي استقر الرّوح القدس عليه، فليس إلاّ ابن الله القادر أن يعمّد الآخرين بروحه القدّوس. وبهذا الإعلان أوضح المعمدان لنا هدف مجيء المسيح، وهو تعميده للتائبين بروحه القدّوس. الله روح، وابنه روح الله المتجسّد. فيكون مِن جوهر ذاته ومسرّته أن يملأ اتباعه بهذا العنصر الإلهي، ألا وهو المحبّة.
أيّها الاخ العزيز، هل امتلأت مِن الرّوح القدس؟ وهل اختبرت قوّة المسيح في حياتك؟ فاعلم أن هذا العنصر الإلهي لا يحلّ فيك إلاّ بواسطة غفران خطاياك الحاصلة مِن إيمانك بذبيحة المسيح. فمن يقول غفران الخطايا من حمل الله المذبوح، يمتليء مِن الرّوح القدس. وابن الله حيّ، ومستعدّ ليمنح مواهبه الرّوحية لكلّ الّذين يؤمنون به.
الصّلاة: يا ابن الله الحيّ القدّوس، نسجد لك ونحمدك، لأنّك تواضعت لأجلنا، وقبلت حمل خطايانا في رمز المعمودية. نشكرك لغفران خطايانا، الّذي صار بسفك دمك على الصليب. ونشكرك أيضاً لقوّة روحك القدّوس، الّتي منحتها لنا ولكلّ الّذين يحبونك. أيقظ كثيرين مِن نومهم في الذنوب والخطايا. وجدّدهم واملأهم بحقّك اللطيف.
السؤال:
19_ لم يكون المسيح هو معطي الرّوح القدس؟
المسابقة الأولى
لانجيل المسيح حسب البشير يوحناك عن تجسّد المسيح.
إن جاوبت على 15 سؤال من الأسئلة التسعة عشر المأخوذة مِن إنجيل يوحنّا الإصحاح الأوّل، نرسل لك أحد كتبنا المذكورة في قائمة المطبوعات جائزة.
- مَن هو كاتب إنجيل يوحنّا؟
- ما هي العلاقة بين الإنجيل الرابع والأناجيل الثلاثة الأوّل؟
- ما هدف إنجيل يوحنّا؟
- لمن كُتب هذا الإنجيل؟
- كيف تنظّم هذا الإنجيل؟
- أيّ كلمة تجدها أكثر تكراراً في العدد الأوّل، وما هو معناها؟
- ما هي صفات المسيح الست، الّتي أبرزها يوحنّا في بداية إنجيله؟
- ما الفرق بين النّور والظلام بالمعنى الرّوحي؟
- ما هو أهم الأهداف لخدمة يوحنّا؟
- ما هي العلاقة بين المسيح النّور والعالم المظلم؟
- ماذا يحدث للّذين يقبلون المسيح؟
- ماذا يعني تجسّد المسيح؟
- ما هو ملء المسيح؟
- ما هو الفكر الجديد الّذي أتى المسيح به إلى العالم؟
- ماذا وراء أسئلة الوفد مِن أهداف؟
- كيف دعا يوحنّا النّاس لإعداد طريق الربّ؟
- ما هي قمّة شهادة المعمدان عن يسوع أمام وفد المجلس الأعلى؟
- ما معنى العبارة: حمل الله؟
- لم يكون المسيح هو معطي الرّوح القدس؟
إن قرأت معنا الإصحاح الأوّل مِن إنجيل يوحنّا تستطيع بسهولة الإجابة على هذه الأسئلة. فهلمّ ونحن في انتظار إجابتك. اكتبها على ورقة مستقلة بخط وعنوان كامل وواضح إلى
: الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
http://www.geocities.com/alhayat_alfudla
XOXOXOXOXOXOXOX
3- اتباع التلاميذ الستة الأوّل ليسوع
( 1: 35- 51).
1:35 وَفِي الْغَدِ أَيْضاً كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفاً هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ,36 فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِياً, فَقَالَ, هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ. 37 فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ, فَتَبِعَا يَسُوعَ. 38 فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ, فَقَالَ لَهُمَا, مَاذَا تَطْلُبَانِ. فَقَالاَ, رَبِّي, الَّذِي تَفْسِيرُهُ, يَا مُعَلِّمُ أَيْنَ تَمْكُثُ. 39 فَقَالَ لَهُمَا, تَعَالَيَا وَانْظُرَا. فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ, وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ.
إنّ المسيح هو كلمة الله المتجسّد، اللاهوت بالذات، الممتليء الحياة، ومصدر كلّ الأنوار. هكذا وصف لنا البشير يوحنّا جوهر يسوع وشخصيته. وقد وصف لنا أيضاً خدمته وأعماله، فهو خالق الكون وضابط الكلّ، ومانع المعرفة الجديدة بالله، انّه الأب الحنون. وردّد يوحنّا العبارة الخارقة هوذا حمل الله، ليلخّص كلّ الصفات المذكورة وخدمات يسوع في هذا الشعار العظيم لإنجيله. فإذ قد وصف لنا العدد 14 جوهر المسيح ومصدره، فإنّنا نرى في العدد 29 و 35 التفسير عن غايته وخدمته.
لقد أصبح المسيح إنساناً ليذبح قرباناً لله. والقدّوس بذل ابنه الوحيد، لكي يرفع خطيئة العالم، ويحرّرنا من الدينونة. فالله بالذات أراد هذه الذبيحة، ومنحها وباركها وقبلها، كما قال بولس: ان الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم، وواضعاً فينا كلمة المصالحة.
ليس هيّناً لجيلنا فهم العبارة “حمل الله” لأنّنا لا نذبح حيوانات تكفيراً عن خطايانا. ولكن مَن يتعمّق في أنظمة الذبائح، الّتي للعهد القديم، ير سريعاً المبدأ الإلهي، انّه لا غفران بدون سفك الدم. وللعجب ان الله لم يقاصص خطايانا بواسطة سفك دمائنا، بل بذل ابنه الوحيد لأجل نجاساتنا. فالبار القدّوس مات لأجل العصاة المتعدين. وابن الله ذبح لأجل الخطاة المذنبين، لكي يصبحوا أبراراً وأولاداً لأبيه السماوي. فلنسجد معاً، ونعظّم الآب والابن والرّوح القدس، الّذي أوجد لنا فداء بهذا المقدار نابعاً من صميم محبّته.
ولم يدرك التلميذان قرب المعمدان دفعة واحدة كلّ المعاني والأعماق في عبارة حمل الله، ولكنّهما رأيا كيف شخص المعمدان في حمل الله هذا، وفهما أمره القائل: هوذا ادركوا افتحوا اعينكم. فأرادا معرفة يسوع بدقة، لأنّه قيل عنه انّه الربّ، والّذي يدين العالم، ويكون بنفس الوقت ذبيحة لكلّ النّاس. فهذه الأفكار دارت في رأس التلميذين، اللذين اصغيا للمعمدان بانتباه. فأرادا أن ينالا توضيحاً نهائيّاً كاملاً. فتركا المعمدان معلمهما المحترم، وتبعا يسوع. فلم يخطف يسوع تلاميذ يوحنّا، إنّما المعمدان هو الّذي أرشدهم مِن نفسه إلى يسوع. وتلاميذه مِن أنفسهم أرادوا أدراك شخص يسوع وأهداف خدماته. وشعر يسوع بشوقهما وعرف قصدهما. فلم يمش لمدة طويلة غير منتبه إليهما، بل التفت نحوهما. فرأيا وجهه الممتليء بالمحبّة والجودة والنّعمة والحقّ. وعندئذ سمعا الكلمة الأولى مِن يسوع المذكورة في إنجيل يوحنّا: ماذا تطلبان؟ أليس هذا السؤال لطيفاً وعميقاً وبنّاء؟ انّ الربّ لم يسكب على الشابين الطالبين تعاليم ضخمة. ولم يرفضهما لضيق الوقت، بل أعطاهما فرصة للتكلّم وسط أفكارهما. ماذا تطلب أنت أيّها الاخ؟ فكّر جيداً ما هو هدف حياتك؟ أتطلب يسوع؟ اتتبع حمل الله؟ اهو هدف أفكارك؟ ادرس العظيم أكثر مِن استعدادك لإمتحانات مدرستك، لأنّ ابن الله هو الوحيد الرافع خطيئة العالم. والتلميذان طلبا إلى يسوع السماح لهما بمرافقته إلى منزله، لأنّ أسئلة قلبيهما، كانت أشرف من المباحثة في الطريق حيث ضجيج المارين. فقلباهما، قالا بصوت واحد: مَن أنت؟ وعندئذ جاوب يسوع بالكلمة الثانية المذكورة في إنجيل يوحنّا: تعاليا وانظرا: ولم يقل تعاليا وادرسا معي، بل افتحا أعينكما فترياني شخصيّاً وأعمالي وقدرتي وتدركا صورة الله الجديدة. فمن يتقدّم إلى المسيح ينل بصيرة مجدّدة عن العالم، ويرى الله كما هو. فرؤية يسوع تقلب أنظمتنا الفكرية والحياتية. والمسيح يشاء أن يصبح بمجده محور أفكارك وهدف رجائك. تعال وانظره. إنّ التلميذين أتيا إليه، ورأياه واعترفا بعدئذ مع كلّ الرسل: ورأينا مجده مجداً كما لوحيد مِن الآب مملوءاً نعمةً وحقّاً.
ولَمّا تبع التلميذان يسوع، بقيا عنده يوماً كاملاً. ما أجمل ساعات النّعمة! وما أمجد حلول السماء في القلوب! وشهد يوحنّا البشير، أحد التلميذين، انّ أحدى الساعات في هذا اليوم المبارك، كانت القاطعة في حياته. وتلك كانت الساعة الثالثة إلى الرابعة ظهراً. ففيها أدرك يوحنّا البشير حقيقة يسوع ببصيرة وإلهام الرّوح القدس، لأنّ ربّه قد نظر فيه، وقبل إيمانه ومنحه برّاً وتأكّدا أنّ يسوع هو المسيح الموعود الحقّ. فهذه الساعة أصبحت بداية لحياة جديدة عند التلميذين. فهل نظر يسوع فيك؟ وهل أضاء نوره ظلمة قلبك؟ هل تتبع يسوع دائماً؟
الصّلاة: نعظّمك ونسبّحك، يا حمل الله القدّوس، لأنّك رفعت خطيئة العالم وصالحتنا مه الله. لا ترفضنا، بل اسمح لنا باتباعك. اغفر لنا آثامنا، وأعلن لأنفسنا جلالك، لكي نخدمك بتكريس أبدي.
السؤال:
1- لِمَ تبع التلميذان يسوع؟
1: 40 كَانَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَاحِداً مِنَ الاِثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمِعَا يُوحَنَّا وَتَبِعَاهُ. 41 هَذَا وَجَدَ أَوَّلاً أَخَاهُ سِمْعَانَ, فَقَالَ لَهُ, قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا الَّذِي تَفْسِيرُهُ, الْمَسِيحُ. 42 فَجَاءَ بِهِ إِلَى يَسُوعَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَقَالَ, أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُونَا. أَنْتَ تُدْعَى صَفَا الَّذِي تَفْسِيرُهُ, بُطْرُسُ.
كان اندراوس اخو بطرس صيّاداً مِن قرية بيت صيدا على شاطىء بحيرة طبريا. وقد جاء إلى المعمدان ليتوب عن خطاياه العديدة، وانتظر عنده المسيح الموعود. ووثق التلميذ بشهادة المعمدان، وتبع يسوع وعرف مجده المستتر. فامتلأ قلبه فرحاً، ولم يستطع أن يحتفظ بالاكتشاف لنفسه، بل التمس اخاه عاجلاً. فهو لم يتكلّم مع النّاس الغرباء في الشوارع، إنّما أسرع إلى سمعان أخيه، عالماً أنّه أحد طالبي الله التائبين والجائعين إلى البِرّ الأزلي. واندراوس الأخ الأكبر لَمّا وجد أخاه النشيط، فاجأه رأساً بالخبر قائلاً: وجدناه، المسيح الموعود المخلّص الربّ حمل الله. ولعلّ بطرس كان متحفّظاً ومتشكّكاً. فلم يدعه اندراوس لراحته، لأنّه قد رأى مجد المسيح في الناصري. فجذب أخاه وحرّضه، حتّى قام أخيراً ورافقه وهو في ريب مِن الأمر. ودخل مضطرباً بيت يسوع.
لقد رآه المسيح بروحه مسبقاً. ولَمّا دخل سمعان بيت يسوع، ناداه باسمه، وشهد بهذه التسمية، أنّه عارف قلبه تماماً وتخطيطاته وآماله وشكوكه. واخترق يسوع أفكار بطرس مطلقاً عليه اسماً جديداً: الصخرة، المعنى الحقيقي لكلمة بطرس في لغتنا. وقد عرف يسوع ماضي وحاضر ومستقبل تلميذه المتّصف بالتسرّع حتّى قبل أن يراه، لأنّ الربّ هو العليم بذات الصدور، ويعرف القلب الّذي ينفتح له. وفهم بطرس نظرة يسوع واستسلم فوراً لمحبته. فابتدأ يسوع بصبر طويل ونعمة مستمرّة أن يغيّر الصياد المتقلب إلى صخرة ثابتة. لم يكن سمعان صالحاً في ذاته ولا نافعاً، بل أصبح في المسيح يسوع أساساً للكنيسة. علماً أنّ بطرس لم يكن أوّل تلميذ ليسوع، بل اندراوس، الّذي بحث عن أخيه الّذي صار مقدام التلاميذ.
ولم يكن اندراوس التلميذ الوحيد الّذي أرشد في هذا اليوم أخاه إلى يسوع، بل التلميذ الثاني الّذي رافق اندراوس، ارشد أخاه أيضاً إلى المسيح. ولم يذكر يوحنّا البشير اسم التلميذ وأخيه، بل اخفاهما. ونعلم مِن طريقته في كتابة الإنجيل، انه كان دائماً يستر اسمه الخاص واسم أخيه يعقوب. فلم يكن بطرس التلميذ الأوّل ولا الثاني عند المسيح، بل اندراوس هو الأكبر سناً ويوحنّا الأصغر سناً، هما الأوّلان في التلمذة لدى يسوع. فبهما ابتدأت الكنيسة.
والجمال الّذي نلاحظه في الآيات الأولى من إنجيل يوحنّا، يشبه إشراق الفجر لعصر جديد. ولم يكن المؤمنون بيسوع أنانيين، بل أرشدوا أخوتهم إلى المسيح. لم ينزلوا إلى ساحات وأزقة ولم يبتدئوا باجتماعات تبشيرية، بل طلبوا أقرباءهم وقادوهم إلى المخلّص. ولم يبحثوا عن الملحدين أو السياسيين، بل فتشوا عن طلاب الله التائبين المنكسرين المشتاقين. وإيّاهم دعوا إلى الشركة مع الربّ.
وهذا يعلّمنا كيف يستطيع نقل بشرى النّعمة، لا بنشاط متحمس، وإنّما بدافع الفرح الصادر مِن التقائنا بيسوع. ولم يفتح التلاميذ الأوّل مدرسة لاهوتية، ولم يكتبوا سير حياتهم، ولكنّهم شهدوا شفويّاً باختباراتهم الخاصّة. لقد رأوا يسوع وسمعوا كلماته، ولمسوا يده واختبروا روحه وآمنوا به، وعرفوه في صميم محبّته. فمِن هذه الشركة القريبة يصدر سلطان شهادتهم. فهل التقيت بيسوع في إنجيله؟ وهل أرشدت أصدقاءك وأقرباءك إليه بصبر وإلحاح؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّ فرحك يملأ قلوبنا. فتحركنا بجمال شركتك لنقود الآخرين إليك. امنحنا الدافع للتبشير بمحبّة صبورة، واغفر لنا كلّ تباطؤ وخوف وخجل، لكي نشهد باسمك بكلّ مجاهرة.
السؤال:
2- كيف نشر التلاميذ الأوّل اسم يسوع؟
1: 43 فِي الْغَدِ أَرَادَ يَسُوعُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجَلِيلِ, فَوَجَدَ فِيلُبُّسَ فَقَالَ لَهُ, اتْبَعْنِي.44 وَكَانَ فِيلُبُّسُ مِنْ بَيْتِ صَيْدَا, مِنْ مَدِينَةِ أَنْدَرَاوُسَ وَبُطْرُسَ.45 فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ, وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ (الشريعة) وَالأَنْبِيَاءُ, يَسُوعَ ابْنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ. 46 فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ, أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ. قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ, تَعَالَ وَانْظُرْ.
قرأنا في الآيات السابقة أحداث أربعة أيام متواصلة. ففي اليوم الأوّل أتى الوفد مِن أورشليم إلى المعمدان. وفي الثاني أعلن يوحنّا يسوع حملاً لله. وفي الثالث كسب يسوع تلاميذه الأربعة الأوّل. وفي الرابع دعا فيليبس ونثنائيل إلى حلقة تلاميذه.
لم يتقدّم فيلبس إلى المسيح تلقائيّاً وإنّما المسيح بحث عنه. فربّنا يقود كلّ إنسان بطريقة شخصية إلى الإيمان الحي. وعلم حقيقة قلب صديق تلاميذه الأربعة الأوّل، فوجّه إليه كلمة واحدة فقط: اتبعني. ولا شكّ أنّ فيليبس كان قد سمع سابقاً مِن المعمدان أنّ المسيح واقف بينهم. واستغرب في اليوم الثاني لَمّا دلّ المعمدان على يسوع قائلاً: هوذا حمل الله. ولكن فيليبس لم يجرؤ على الاقتراب مِن الربّ. نعم لقد أراد معرفته، ولكن اعتبر نفسه غير لائق للشركة مع الإله. فتقدّم يسوع إليه، وأزاح وساوسه وأمره: قم عاجلاً اتبعني. كان ليسوع الحقّ أن يختار لنفسه أناساً، لأنّه خلقهم وأحبّهم وفداهم. فلسنا نحن الّذين نختار ونقبل المسيح، بل هو رآنا مِن قبل، وفتّش عنّا، ووجدنا، ودعانا إلى خدمته. فلا اتباع حق بدون دعوة، ولا خدمة نافعة بلا أمر المسيح. فمَن يخدم وهو غير مفرز للخدمة في ملكوت الربّ، يضر نفسه والآخرين معه. ولكن مَن يسمع صوت المسيح ويطعه حالاً، فانّ المسيح يتولاّه برعايته، ويكون مسؤولاً عنه إلى المنتهى.
وكان فيليبس بعد دعوته أحد المنطلقين للتبشير. فبحث عن صديقه نثنائيل حتّى وجده. وبشّره كما بشّر التلاميذ الآخرون إخوانهم ناطقاً بشهادة الكنيسة العليا: قد وجدنا المسيا! ولم يقل: أنا وجدت المسيح، بل ضم نفسه بتواضع إلى اعتراف المسيحية كلّها. ويستبين لنا، أنّ يسوع أخبر تلاميذه خلال مكثهم عنده عن سيرة حياته، وسمّى نفسه بكلّ بساطة ابن يوسف، لأنّ يوسف أبوه بالتبني، وقد تعهّده طفلاً وربّاه يافعاً. وغالباً لم يذكر المسيح شيئاً عن ولادته في بيت لحم، إذ كان خطراً على حياته مِن قبل الملك هيرودس، الّذي تنبأ له المجوس بولادة الملك الجديد في بيت لحم. فلم يعرف التلاميذ آنئذ بذلك الأمر.
ونثنائيل كان ماهراً في معرفة التوراة، وفتّش في أسفار موسى والأنبياء مراراً، وعلم الوعود الدالة على المسيح بدقّة. فعرف أنّ الآتي سيولد في بيت لحم مِن أرومة داود. وسيكون في آن واحد ملكاً على شعبه والربّ بالذات. أمّا أنْ يأتي المسيح من صلب يوسف، الرجل الجليلي المغمور، فهذا أمر لا يمكن لنثنائيل أن يسلّم به. وخصوصاً أن الناصرة قرية شهيرة بالتهريب واللصوصيّة والفتن. وقد سمّى أهلها بلدتهم بالناصرة، رغم أنّها غير مذكورة في العهد القديم بتاتاً، وليس لها وعد إلهي. وكان نثنائيل يتذكّر أنّه منذ سنوات حدثت ثورة عارمة في الناصرة وما حولها، قام بها الغيورون على الوطنية والدّين ضدّ النير الروماني. فاخمدت ثورتهم، وسُفكت دماؤهم.
وكلّ هذه الأحداث والحقائق الكتابية ما كانت مهمة لفيليبس، لأنّ فرحه عظم حين اكتشف شخصية المسيح. فتحمسه اليقيني تغلّب على شكوك نثنائيل ونقده ومعارضته المبنية على معرفته بالكتاب المقدّس. فقال قاطعاً المجادلة: تعال وانظر. وهذا الشعار في التبشير يكون الأساس الاختباري للحقيقة ويقود إليها. تعال وانظر، لا تتجادل عن يسوع، بل اختبره وقوّة شركته. فانّنا لا نشهد لك بأفكار متخيلة ، بل بشخص ورجل، هو الربّ بالذّات.
1: 47 وَرَأَى يَسُوعُ نَثَنَائِيلَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ, فَقَالَ عَنْهُ, هُوَذَا إِسْرَائِيلِيٌّ حَقّاً لاَ غِشَّ فِيهِ. 48 قَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ, مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي. أَجَابَ يَسُوعُ, قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ, رَأَيْتُكَ. 49 فَقَالَ نَثَنَائِيلُ, يَا مُعَلِّمُ, أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ. أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ. 50 أَجَابَ يَسُوعُ, هَلْ آمَنْتَ لأَنِّي قُلْتُ لَكَ إِنِّي رَأَيْتُكَ تَحْتَ التِّينَةِ. سَوْفَ تَرَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. 51 وَقَالَ لَهُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً, وَمَلاَئِكَةَ اللَّهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ.
اقشعرّ نثنائيل النّقاد قليلاً، لَمّا فهم أنّ يسوع كشفه في صميم جوهره وأبصره مسبقاً. فنثنائيل كان مؤمناً حقّاً حسب المقياس الإلهي في العهد القديم، لأنّه قد نزل إلى يوحنّا المعمدان، واعترف بخطاياه، وتاب وطلب بكلّ قوّة قلبه ملكوت الله وبرّه. فلم يكن هذا الرجل صالحاً في ذاته، بل تألّم مِن خطاياه وخطايا شعبه، وانكسر بالناموس (بالشريعة). وقلبه كان صارخاً إلى الله: ليأتي المسيح ويخلصنا.
واستمع يسوع لهذه الصّلاة الجوهرية، ورأى الصارخ على البعد، لَمّا ركع في فيء التينة الضخمة وصلى. وأعلن يسوع لنثنائيل أنه رآه وسمعه. وانّنا لا نعلم تفاصيل ما حدث تحت التينة. أمّا نثنائيل فقد فهم رأساً، ان يسوع أصغي لصرخته الخفية إلى الله. وهذه القدرة بمعرفة الخفيات ليست موهبة بشرية، بل بصيرة إلهية. ولم يرفض يسوع نثنائيل التائب بل برّره لَمّا وصفه بأنه مؤمن مثالي ثابت في التوراة، منكسر في التّوبة، وناظر إلى مجيء المسيح. وبهذا الإعلان الإلهي اضمحلّت شكوك نثنائيل دفعة واحدة. فخضع ليسوع الواقف أمامه، وأكرمه بألباب الألقاب الكتابية الخاصّة بالمسيح الآتي: انه ابن الله وملك إسرائيل. فلفظ اللقبين في ذلك الوقت يعني خطر الموت، لأنّ الفقهاء والمجلس الأعلى اليهودي انكروا الإمكانية أن يكون لله ولد، وسمّوا كلّ معترف بأبوة الله وبنوة المسيح مجدّفاً ومضّلاً للشعب. وكذلك فان وصف أي إنسان ما بأنّه ملك إسرائيل، كان يعرضه لاضطهاد هيرودس، وملاحقته مِن قبل السلطة الرومانية الاستعمارية. وبهذا الاعتراف ظهر المؤمن المخلّص حسب العهد القديم. ولم يصبح أعمى بلي العقائد الفقهية، إنّما أدرك عمق المواعيد، الّتي أُعلنت بالأنبياء وتمسّك بها. كما انّه خاف الله أكثر مِن النّاس، وأكرمه بحقيقته الأبوية مهما كلّف الأمر، حتّى ولو مات في سبيل هذا الإيمان.
وليس أحد مِن التلاميذ، الّذين تبعوا المسيح مِن قبل، قد أعطوه مثل هذه الأسماء، الّتي سماه بها نثنائيل. وللعجب فانّ المسيح لم يرفض أيّاً مِن الألقاب الّتي أطلقها نثنائيل عليه، بل رفع معرفته، وأراه السماء المفتوحة. فكان يسوع دائماً محاطاً بملائكة غير مكشوفة، تعرج منه إلى السماء مقدمة عجائب المسيح للآب. وراجعة إلى الابن، وأيديها فائضة بالبركات. وهكذا تمّ حلم يعقوب بطريقة عليا، لأنّ على المسيح يرتكز ملء البركات، كما كتب بولس: مبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح الّذي باركنا بكلّ بركة روحية في السماويات. فمنذ ولادة المسيح ومعموديته انفتحت السماوات دائماً. أمّا مِن قبل، فقد كانت مقفولة بسبب غضب الله. والملائكة واقفون حراساً أمامها بسيوف نارية. وها هوذا الآن الباب المؤدي إلى الله منفتح في المسيح على مصراعيه.
وذكر يوحنّا البشير هنا لأوّل مرّة عبارة المسيح: الحقّ الحقّ أقول لكم، لأنّ حقيقة عصر النّعمة كانت سامية وعالية بمقدار أنّ الإنسان لا يقدر أن يدركها تلقائيّاً. ولكن هي بنفس الوقت حقة أيضاً، حتّى أنّها كانت مِن الأسس الإلهيّة لإيماننا الجديد. فكلّ مرّة إذا قال المسيح في إنجيل يوحنّا: الحقّ، الحقّ أقول لكم، علينا أن نتوقف في قراءتنا. ونتأمّل بما يريد أن يقوله لنا، لأنّ القول بعد هذه العبارة يعني إعلاناً ووحيّاً يفوق العقول. وبعد إعلان السماء المفتوحة في المسيح صحّح يسوع شهادة نثنائيل، تلافيّاً لوقوع اضطهادات عليه وعلى كنيسته النامية. فلم يقل: نعم أنا الملك الموعود وابن الله، بل سمّى نفسه ابن الإنسان.وهذا هو الاسم الفريد، الّذي أطلقه يسوع على نفسه غالباً. إن ابن الله كان دائماً، أمّا تجسّده فهو امتيازه الفريد الحاضر. فأصبح كسائر النّاس. إنها لمعجزة كبرى أن ابن الله صار إنساناً، ليموت كحمل الله لأجلنا. وبنفس الوقت، دلّ هذا الاسم “ابن الإنسان” على الشخص المبطن بالأسرار، المذكور في سفر دانيال، والّذي دفع الله إليه كلّ الدينونة. فأدرك نثنائيل في برهة واحدة أنّ يسوع ليس الملك وابن الله فقط، بل قاضي العوالم بنفس الوقت. فالله الأزلي وقف بينهم في هيئة الإنسان. فبدقائق معدودة، قاد يسوع المؤمن المتشائم النقاد لأعلى الدرجات في الإيمان بالله. وهذا الإيمان ليس هيّناً، لأنّ يسوع كان شابّاً ريفيّاً، يناهز الثلاثين مِن العمر. ولكن بالإيمان رأى التلاميذ فيه مجده المستتر. وشعروا بأن السماوات مفتوحة فوقهم.
الصّلاة: نسجد لك يا ابن الله وقاضي العالمين. لا نستحق إلاّ الغضب، ولكن نلتمس الغفران لأجل نعمتك والرحمة لأصدقائنا. أغدق بركاتك على كلّ طالبي الله، لكي يروك، يعرفوك ويحبوك ويؤمنوا بك، ولا يتقسون، بل ينمون بالمعرفة والرجاء.
السؤال:
3-ما هي العلاقة بين الاسمين ابن الله وابن الإنسان؟
4– الآية المعجزية الأولى ليسوع في عرس قانا
(2: 1- 12)
2: 1 وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَانَ عُرْسٌ فِي قَانَا الْجَلِيلِ, وَكَانَتْ أُمُّ يَسُوعَ هُنَاكَ. 2 وَدُعِيَ أَيْضاً يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى الْعُرْسِ. 3 وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ, لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ. 4 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, مَا لِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ. لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ. 5 قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ, مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ. 6 وَكَانَتْ سِتَّةُ أَجْرَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ مَوْضُوعَةً هُنَاكَ, حَسَبَ تَطْهِيرِ الْيَهُودِ, يَسَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِطْرَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً. 7 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, امْلأُوا الأَجْرَانَ مَاءً. فَمَلأُوهَا إِلَى فَوْقُ. 8 ثُمَّ قَالَ لَهُمُ, اسْتَقُوا الآنَ وَقَدِّمُوا إِلَى رَئِيسِ الْمُتَّكَإِ. فَقَدَّمُوا. 9 فَلَمَّا ذَاقَ رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْمَاءَ الْمُتَحَوِّلَ خَمْراً, وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هِيَ لَكِنَّ الْخُدَّامَ الَّذِينَ كَانُوا قَدِ اسْتَقَوُا الْمَاءَ عَلِمُوا دَعَا رَئِيسُ الْمُتَّكَإِ الْعَرِيسَ 10 وَقَالَ لَهُ, كُلُّ إِنْسَانٍ إِنَّمَا يَضَعُ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ أَوَّلاً, وَمَتَى سَكِرُوا فَحِينَئِذٍ الدُّونَ. أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَبْقَيْتَ الْخَمْرَ الْجَيِّدَةَ إِلَى الآنَ.
قاد يسوع تلاميذه مِن غموض حلقة التّوبة حول المعمدان في وادي الأردن الغميق، صعدا إلى جبال الجليل للاشتراك في فرح العرس بحضوره. وهذه الرحلة البالغة مسافتها 100 كلم ترينا التغيير الهائل بين العهدين القديم والجديد؟ فلم يعد المؤمنون يعيشون في ظلّ الناموس (الشريعة) المتزمت، بل في فرح البِرّ عند يسوع الشمس المشرقة، وسلامه. لم يكن يسوع متقشفاً كالمعمدان. لذلك كان انتقال المسيح بتلاميذ يوحنّا الواعظ بالتّوبة إلى فرح الحفلة الدنيوية أعجوبة مدهشة. ويسوع لم يحرّم الخمر على أتباعه، لأنّه علّمنا أن ليس ما يدخل الإنسان ينجسه، بل الأفكار الدنسة الخارجة مِن القلب هي العلامة الواضحة للشرّ النجس الساكن في الإنسان مبدئيّاً. فلم يرفض يسوع الزهد والتقشف، ولكنّه علم بنفس الوقت أن هذه الطريقة لا تنفع شيئاً، لأنّ نجاسة قلوبنا تتطلب خلقاً جديداً وولادة جديدة. وما أتى يسوع لوحده إلى العرس، بل جاء بتلاميذه. ونثنائيل نفسه كان في بلدة قانا (21: 2). ويبدو انّ أمّ يسوع لم تكن غريبة عن عائلة العريس، ولعلّها كانت قريبة لهم. أمّا يوسف فلم يذكر ابتداء مِن هذه المناسبة فصاعداً، دلالة على انه كان قد قضى نحبه. فصارت مريم أرملة، ويسوع البكر أصبح عائل العائلة المسؤول. وهذه العلاقة دفعت أمّه لتسأله أن يساعد في تغطية الحاجة لدى أقربائهم.ولكن يسوع بعد رجوعه مِن نهر الأردن، لم يكن كما كان مِن قبل. فآنذاك وحتّى معموديته، كان رجلاً عاديّاً مسؤولاً عن عائلته. أمّا الآن فقد حوله الرّوح القدس عن مسؤوليته الدنيوية ليخدم الله، وتبعه تلاميذه الأوّل في طريقه كحمل الله.
فعارض يسوع أمّه، وانفصل عنها بكلمات جادة، حمل الله، الآتي لأجل الفداء. فما كان مهتمّاً بأكل أو شراب، بل قصد الساعة المعينة له مِن أبيه السماوي لخلاص البشر كلّهم. فالمسيح رأى صليبه منتصباً أمامه منذ بداية خدمته، وتقدّم إليه بعزم وثبات. وهكذا انفصل ابن الله رويداً رويداً مِن رابطة العائلة. وفضّل ارتباطه بتلاميذه، لأنّ الكنيسة أزلية، أمّا العائلة فتزول.
وظلّت أم يسوع واثقة بابنها، لأنّها عرفته بمحبته وعنايته وطاعته. وبإيمانها حصلت الأعجوبة الأولى من يد يسوع، لأنّ الإيمان بمحبّة المسيح المطلقة يحرّك ذراع الله. وبهذا الإيمان أمرت الأم الخدام في البيت، أن يعملوا بدقّة ما يقوله لهم يسوع.فكانت متيقنة أنه سيساعد بطريقة ما. وأمرها للخدام ما زال شعاراً لكلّ النّاس والكنائس: مهما قال لكم فافعلوه! ليت كلّ المؤمنين يفهمون أمر مريم هذا. لم تقل: اعملوا ما أقوله أنا لكم، بل اخضعوا جميعكم له فقط. والطاعة لدى كلمة يسوع تسبّب عجائب كثيرة. وجران التطهير الكبيرة الفارغة امتلأت بستمائة ليتر من ماء، تدلّ على أنّ المدعوين إلى العرس استخدموا سابقاً ماء غزيراً لتطهيرهم حتّى فرغت الجران. ولكنّهم في حضور المسيح يحتاجون إلى تطهير أكثر. فليس إنسان يستحق الاشتراك في عرس حمل الله إلاّ بعد تطهير كامل. ولكن تطهير المتكئين لم يكن هدف يسوع، آنذاك بل الاستمرار في فرح العرس. وحول يسوع بكلّ هدوء ماء التطهير إلى خمر جيدة لذيذة بقدرته الخالقة. فلا نعلم لماذا وكيف منح ربنا آنذاك في العرس ملء الخمر الفانية للبشر، ولكن ننال من عمله مثلاً، أنّ دمه المسفوك يكفي لكلّ المؤمنين المشتركين في عرس حمل الله. ويسوع لم يصنع خمراً قليلاً فقط، بل فيضاناً. وهذا لا يدل على أن المسيحيين يسكرون أو يبطرون، لأنّ الرّوح القدس لا يسمح لهم بالسكر البتّة. وأهل العهد القديم لا يعرفون الادمان على الخمر. إنّما كثرة الخمر هي رمز لملء قوّة دم المسيح لغفران الخطايا بدون حد لكلّ الأنام، لكي يشتركوا جميعاً في فرح السماء، ولا تنقطع حفلتهم. وكلّنا ننال بشكر عميق في العشاء الربّاني الخبز والخمر رمزاً لحضور المسيح، وننال غفران خطايانا لتثبيتنا في فرح المسيح.
(2): 11هَذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ, وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ.
12 وَبَعْدَ هَذَا انْحَدَرَ إِلَى كَفْرَنَاحُومَ, هُوَ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ وَتَلاَمِيذُهُ, وَأَقَامُوا هُنَاكَ أَيَّاماً لَيْسَتْ كَثِيرَةً.
وأدرك التلاميذ بتعجّب قدرة المسيح الخالقة، وشعروا بسلطانه على عناصر الطبيعة. ورأوا مجده وآمنوا بإرساله مِن الله. فلم يكن لهم الخمر مهمّاً، بل الأعجوبة أصبحت لهم آية لعظمة شخص يسوع. هكذا ابتدأ التلاميذ أن يثقوا به. فالإيمان يحتاج إلى وقت لنموّه وإطاعة روحيّة للفهم. فإنّك تستطيع أن تتعلّم الإيمان، إن نظرت إلى أعمال المسيح، وتعمقت في كلماته. فعندئذ تدرك شخصيته الفائقة.
لقد انفصل يسوع في معموديته مبدئيّاً عن عائلته، وتحرّر مِن واجبات الدنيا لخدمة الله. ولكن لم يكسر العلاقة بينه وبين أمّه وإخوته بخشونة، بل سمح لمدة أن تسير عائلته وتلاميذه جنباً إلى جنب معه، حتّى انفصلا تلقائيّاً. فإخوة يسوع تعجبّوا مِن المعجزة في قانا جداً. وربّما ظنّوا أنفسهم بائعي خمور بالجملة. فنزلوا معه إلى كفرناحوم المدينة المركزية على شاطىء بحيرة طبريا. وأمّا تلاميذه فآمنوا به شخصيّاً وليس بالآية الّتي عملها. فتعلّقوا به إلى المنتهى.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نشكرك، لأنّك دعوتنا إلى العرس لنثبت في فرح شركتك. اغفر لنا ذنوبنا، واملأنا بروحك القدّوس لكيلا نسكر ولا نبطر، بل نتبعك في القناعة، ونثبت في البِرّ والطهارة والسعادة، كما عشت وبذلت نفسك لأجل الكثيرين.
السؤال:
4- لِم قاد يسوع تلاميذه الزهاد رأساً إلى العرس؟
ثالثاً: سفرة يسوع الأولى لأورشليم
(موضوعها: ما هي العبادة الحقّة؟)
(2: 13- 4: 54)
- يسوع يطهّر ساحة الهيكل
(2: 13- 22)
2: 13 وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيباً, فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ, 14 وَوَجَدَ فِي الْهَيْكَلِ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ بَقَراً وَغَنَماً وَحَمَاماً, وَالصَّيَارِفَ جُلُوساً. 15 فَصَنَعَ سَوْطاً مِنْ حِبَالٍ وَطَرَدَ الْجَمِيعَ مِنَ الْهَيْكَلِ, اَلْغَنَمَ وَالْبَقَرَ, وَكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ. 16 وَقَالَ لِبَاعَةِ الْحَمَامِ, ارْفَعُوا هَذِهِ مِنْ هَهُنَا. لاَ تَجْعَلُوا بَيْتَ أَبِي بَيْتَ تِجَارَةٍ. 17 فَتَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ, غَيْرَةُ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي.
صعد يسوع إلى أورشليم بمناسبة العيد الكبير -الفصح-، حيث يجتمع مئات الألوف لمرور غضب الله عن شعبهم بسبب حمل الفصح. فبدون دم ليس غفران، وبدون مصالحة لا حقّ للسجود. ولهذا السبب رفع يسوع في نهر الأردن خطيئة العالم على كتفيه، وقبل عنهم معمودية الموت رمزاً لاحتمال غضب الله. فالشاب يسوع، علم في صميم قلبه أنّه حمل الله المختار.
فلَمّا اقترب مِن المدينة بقببها، ودخل قاعات الهيكل الفاخر، لم يتحمس لعظمة البناء، بل فكّر بالمصالحة وسفك الدم والخلاص لكلّ النّاس. ولكن للعجب! فانه لم يجد في الهيكل هدوءاً وصمتاً للسجود، بل رأى غباراً وسمع ضجيجاً، خوار البقر وجدل التجار البائعين وأصوات حيوانات كثيرة للذبح. وسمّى صراخ الصرافين، الّذين يحولون العملة الأجنبية إلى عملة يهودية، ليدفع الحجاج الضريبة المتوجّبة على كلّ حاج.
وهذا الصياح والضجة التجارية في الهيكل كانت العلامة الدالّة على نوال البِرّ بالمال والمجهودات الخاصّة، ليكسبوا نعمة الله بأعمالهم. فالحجاج حاولوا أن يشتروا البِرّ بواسطة قرابينهم وتبرعاتهم. وهذا يدلّ على عميهم، أنّهم لا يعلمون قداسة الله المميتة ومقدار محبّته العظيمة. ولم يكتشفوا عدم قدرتهم على تحصيل الخلاص لأنفسهم بأفعالهم الخيرية الأنانية. فاغتاظ عندئذ يسوع غيظاً مقدساً. والغيرة لأجل العبادة الحقّة دفعته ليخرج بائعي الحيوانات، ويكب المال المعبود في غبار الطريق. وإنّنا لا نقرأ أن يسوع ضرب إنساناً. أمّا سوطه فكان دلالة على ضربات الله الساقطة على كلّ الّذين لا ينكسرون أمام جلاله، هؤلاء المتخيّلون المتكلّون على أموالهم وحجهم وشهاداتهم وصومهم وختانهم. انه ليس إنسان صالحاً مقبولاً عند الله. فالكلّ زاغوا وفسدوا. لا يوجد في الدنيا تقوى مرضية الله، إلاّ الانكسار والتسليم الكلّي للقدّوس.
وتألّم يسوع مِن عدم اعتبار النّاس لقداسة الله. وذلك الإهمال والجهل الظاهر في سطحية العبادات يدلّ على الظلمة الّتي تلفّ القلوب والعقول، رغم انه قد أعطى الناموس (الشريعة) قبل 1300 سنة. عندئذ امتلك يسوع غضب الهي وغيرة مقدّسة لتطهير مركز حضارته، لأنّه علم انّه كما المحور هكذا تكون الأطراف. وكما زعماء الشعب هكذا الغوغائيون. فطلب الإصلاح الكلّي لمركز الدين والتغيير المبدئي لموقف الإنسان تجاه الله.
2: 18 فَسَأَلَهُ الْيَهُودُ, أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هَذَا. 19 أَجَابَ يَسُوعُ, انْقُضُوا هَذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ. 20 فَقَالَ الْيَهُودُ, فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هَذَا الْهَيْكَلُ, أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ. 21 وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ.
لم يخف تطهير الهيكل وولولة الباعة عن الكهنة المسؤولين، فتراكضوا إلى يسوع، وسألوه: مَن أعطاك السلطة لهذا العمل؟ مَن أرسلك؟ أعطنا برهاناً ملموساً لسلطانك. فلم يتعرضوا لعملية تطهير الهيكل، لأنّهم شعروا أنّ يسوع لم يكافح في غيظ بشري، بل بغيرة مقدسة لأجل كرامة الله ومسكنه، ليعيد روح السجود الحقّ إلى الجماهير. ولكنّهم أرادوا أن يعرفوا الأسباب والدوافع والقوى، الّتي حركته لهذا العمل. فأصبح يسوع لهم عدوّاً، لأنّه حاول اصلاح الهيكل بدون اللجوء إلى منظماتهم الكهنوتية.
فطعنهم يسوع عندئذ لمراءاتهم في العبادة، لأنّهم أحبّوا ضجيج العباد والجماهير الضخمة وسلطة المال أكثر مِن الهدوء في حضور الله. ورأى يسوع من البعيد تهديم الهيكل الفخم نتيجة للسجود السطحي والجهل في المؤمنين. فليست العبادات المنظمة المبنية على الطقوس والتلاوات المعينة تخلص الشعب، بل انكسار الرياء وتغيير القلوب في خلاص الله الحقّ. وهذا الخلاص كان واقفاً متجسّداً بين اليهود، لأنّ يسوع كان الهيكل الحقّ، والله كان في المسيح حاضراً بين النّاس، وجسده كان مسكنه. هكذا قال المسيح: انقضوا هيكل جسدي، لأنّكم لا تقدرون على احتمال غيرتي لله. وحقّاً ستعملون المستحيل وتخربون هذا الهيكل الحقّ. ولكني سأقيم جسدي خلال ثلاثة أيام، وسأقوم مِن القبر. نعم أنتم ستقتلونني، أمّا أنا فحي، لأنّي الحياة، والله في الجسد. لا تستطيعون قتلي، حتّى ولو مت. وهكذا دلّ يسوع اليهود بكلمات مستترة على قيامته، جواباً ودلالة على سلطانه وحقّه وجلاله. وهذه القيامة كانت حتّى اليوم أعظم العجائب الّتي عملها يسوع.
والمفوضون مِن رئيس الكهنة، فشخصوا في الأعمدة المرمرية والقبب المذهبة، وظنّوا أنّ يسوع قد جدّف على مسكن الله، الّذي بناه الملك هيرودس خلال 46 سنة. فهم تكلّموا مع يسوع عن حجارة، أمّا هو فكان يعني جسده. وهذه الأبحاث المبدئية في بداية سيرة يسوع ظهرت في المحاكمة الأخيرة أمام المجلس الأعلى بشكل مزوّر من شهود كذبة. فبان أن شعب العهد القديم بأكثريته لم يفهم العبادة الجديدة الّتي بدأها المسيح. وحتّى التلاميذ لم يفهموا عمق معاني الدين الجديد، إلاّ بعد موت يسوع وقيامته. وعندئذ أدركوا كيف كفر الابن عن خطايانا وقام، وانّه يبنينا اليوم ويرصّنا في هيكله الرّوحي كحجارة حية. فالرّوح القدس هو الّذي أنار التلاميذ ليدركوا في الأسفار القديمة معاني كلمات يسوع. فثبتوا في الإيمان، وأصبحوا معاً هيكل الله المقدّس.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، أنت مسكن الله الحقّ ونقطة الالتقاء بين الله والخطاة. ساعدنا لانكسار كامل، لكي نمارس في التّوبة السجود ونمتليء بملئك لنصبح معاً هيكلاً لروحك القدّوس ونعظّمك والآب بدون نهاية.
السؤال:
5- لِم تقدّم يسوع أوّلاً إلى الهيكل وأخرج التجّار؟
2- مباحثة يسوع مع نيقوديموس
(2: 23- 3: 21)
- ميل الشعب ليسوع
(2: 23- 25)
2: 23 وَلَمَّا كَانَ فِي أُورُشَلِيمَ فِي عِيدِ الْفِصْحِ, آمَنَ كَثِيرُونَ بِاسْمِهِ, إِذْ رَأَوُا الآيَاتِ الَّتِي صَنَعَ. 24 لَكِنَّ يَسُوعَ لَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ, لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ الْجَمِيعَ. 25 وَلأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجاً أَنْ يَشْهَدَ أَحَدٌ عَنِ الإِنْسَانِ, لأَنَّهُ عَلِمَ مَا كَانَ فِي الإِنْسَانِ.
أتت في عيد الفصح جماهير إلى أورشليم مركز الحضارة. وكلّهم فكّروا بالحمل، الّذي حمى آباءهم من دينونة الله. واشتركوا بأكل لحوم الذبائح، لكي تبقى فيهم ويخلصوا بشركتها. أمّا يسوع الحمل المعين مِن الله، فقد أتى إلى أورشليم وصنع آيات كثيرة، فظهرت محبّته وسلطانه. عندئذ انتبهت له الجماهير، وصار اسمه في أفواه الجميع. فتهامسوا قائلين: لعلّه النّبي، أو إيليا ساعي المسيح، أو الممسوح بالذات؟ وكثيرون مالوا إليه، وآمنوا بإرساله من الله.
أمّا يسوع فأبصر قلوبهم، ولم يختر منهم أحداً للتلمذة. ولم يعلن لهم سرّ مصدره. فما عرفوا ألوهيته ولا غاية مجيئه. الجميع فكّروا بأمور دنيوية، وتمنّوا التحرير من النير الروماني والوظيفة اللائقة والحياة المريحة، وبنوا علاقتهم بالله على برّهم الذاتي. فيسوع عرف جميع النّاس، ولم يكن قلب واحد مستتراً أمام عينيه. وليس منهم أحد طالباً الله حقّاً. فلو طلبت الجماهير الله باستقامة، لاعتمدوا بواسطة المعمدان في الأردن، واعترفوا بخطاياهم وتابوا توبة حقيقية. ولكنّهم لم يريدوا إنكار النفس، بل أرادوا نفخ أنانيتهم، الأمر المستحيل لدى الله وروحه القدّوس. ويسوع يعرف قلبك أيضاً وتخيلاتك وصلواتك وخطاياك. انّ صميمك مكشوف أمامه، ويعلم أفكارك ومصادرها. ويدرك اشتياقك إلى العفّة والبِرّ. فمتى تنكسر لكبريائك، وتتوب وترجع مِن انتفاخك، ممتلئاً مِن الرّوح القدس؟
ب- ضرورة الولادة الثانية
(3: 1- 13)
1 كَانَ إِنْسَانٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ, رَئِيسٌ لِلْيَهُودِ. 2 هَذَا جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَقَالَ لَهُ, يَا مُعَلِّمُ, نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللَّهِ مُعَلِّماً, لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هَذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَهُ. 3 فَقَالَ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ, إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ.
ظهر مِن بين الجماهير رجل، اسمه نيقوديموس. وكان متديناً جداً ووجيهاً في الشعب، لأنّه كان أحد السبعين في المجلس الأعلى. وهو مؤمن بقوّة الله العاملة في المسيح. وربّما أراد أن يبني جسراً بين النّبي الجديد والمجلس. ولكنّه بنفس الوقت، تخوّف مِن رئيس الكهنة الماكر وعامة الشعب. ولم يكن متيقناً من شخصية يسوع. فأتى إليه سرّاً تحت جنح الليل، وأراد استخبار يسوع شخصيّاً قبل الارتباط به.
فهو بمناداته يسوع بكلمة معلم، إنّما كان يعبّر عن رأي الجماهير، الّذين رأوا في المسيح معلّماً للتوراة وحوله تلاميذ. ولم ينكر النائب أنّ يسوع أتى مِن الله، لأنّ الآيات المثيرة، كانت براهين لسلطانه. وتقدّم الوجيه باعترافه قائلاً: نؤمن أنّ الله بالذات هو معك وينصرك. فلعلّك المسيح؟ وهذا السؤال الأخير، لم يتلفظ به صراحة بل ضمناً. وكان هو الهدف الرئيسي للتساؤل وكلّ البحث. فأجاب يسوع على أسئلته. ولكن لم يمسك يده الممدودة إليه، ولم يركن لهذا الوسيط بينه وبين زعماء الشعب، بل رأى قلبه الضال وخطاياه واشتياقه إلى البِرّ. ولم يقدر أن يساعده إلاّ بكشف عماه أوّلاً فوضّح له أنّه رغم تقواه، فإنّه لا يعرف الله البتّة. وهذا يعني أن خطاياه أقفلت عينيه. وان قلبه ميت في تعدياته على الناموس (الشريعة). فقال يسوع له بكلّ صراحة: انه لحق مائة بالمائة ويقين، بأنه ليس إنسان عارفاً الله ورحابه مِن تلقاء نفسه، إلاّ المتجدّد بالرّوح السماوي. وهذا البيان هو حكم يسوع على كلّ دروس دينية وعقائد جافة مبنية على اقناع منطقي، لأنّ معرفة الله وبرّه لا تتم بواسطة العقول والتعاليم، بل بواسطة الولادة الجديدة. انظر مثلاً إلى جهاز الراديو، الّذي يخصّك. فهو ليس تلفزيوناً وتستطيع أن تدير أزراره كيفما شئت، لكن لن تستطيع أن ترى صوراً عليه. لأنّ اظهار الصور يحتاج إلى جهاز مختلف بتصميمه عن الراديو كلّ الاختلاف. وهكذا مع ملكوت الله. الإنسان الطبيعي رغم تقواه واجتهاداته، لن يقدر على أن يرى الله، لا بعقله ولا بشعوره. فهذا الادراك الرّوحي يتطلب انقلاباً كاملاً وولادة سماوية وخليقة جديدة.
3: 4 قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ, كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ. أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ. 5 أَجَابَ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ, إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ.
احتار نيقوديموس مِن جواب المسيح له المتضمّن تجهيله بمعرفة الله، وهو النائب والحكيم والبار. وما كان قد سمع بالولادة الثانية بعد. واذا ابتدأ حديثه لَمّا قابل المسيح، بكلمة: “نعلم” الدالة على المباهاة والاعتزاز بالنفس، فانّه بعد جواب المسيح سخر قليلاً مِن الفكرة، أنّ الشيخ يمكنه أن يعود إلى بطن أمّه ثانية. فهذا القول المتمسك بالمحسوسات يدلّ على قصر النظر، إذ لم يفهم أن الله آب مريد إيجاد أولاده بروحه. فرغم كلّ تقواه، لم يدرك نيقوديموس هذا الفكر القاطع. ولم ير الشرط الأساسي لملكوت الله.
لقد أحب يسوع نيقوديموس، وبعدما قاده للاعتراف، انّه لا يعرف ملكوت الله ولا الطريق إليه، عمق أكثر هذا البيان مؤكداً لنيقوديموس انّه حق ويقين، انّ الإنسان لا يقدر أن يدخل ملكوت الله بدون الولادة الثانية. فعلينا أن نؤمن بهذا القول المبدئي، لأنّه الشرط الوحيد للدخول إلى الحياة مع الله. ما هي الولادة الثانية؟ إنّها ولادة وليست فكراً فقط. ولا تصدر من عمل الإنسان. كما لا يقدر أحد أن يلد نفسه، بل يلده والدان مانحاه الحياة. وهكذا يكون الله الوالد ومعطي الحياة الرّوحية. فالولادة الثانية نعمة، وليست إصلاحاً للحياة القديمة ولا تهذيباً إجتماعيّاً، لأنّ كلّ إنسان شرّير منذ حداثته ولا رجاء لتحسينه. أمّا الولادة الرّوحية، فهي حلول حياة الله في الإنسان.
كيف تتم الولادة الثانية؟ قال يسوع لنيقوديموس أنّها تحصل بالماء والرّوح. وقد دل بكلمة ماء على معمودية يوحنّا واجران التطهير الكبيرة في عرس قانا. فكلّ عضو في العهد القديم علم أن الماء المستعمل للغسولات والمعموديات هو رمز للتطهير مِن الخطايا. فبواسطة هذه الكلمة سأل يسوع النائب بطريق غير مباشر: لم لم تنزل إلى المعمدان معترفاً بخطاياك وتمارس المعمودية رمزاً لإماتة أنانيتك؟ فبدون دينونة النفس لا ندخل ملكوت الله. وقال المسيح بمناسبة أخرى: إن أراد أحد أن يتبعني فلينكر نفسه وليحمل صليبه ويتبعني. فيا أيّها الأخ، اعترف بذبوبك حقّاً واقبل حكم الله على خطيئتك بالموت، لأنّك فاسد هالك. أمّا يسوع فلم يتوقف عند المعمودية بالماء للتوبة والغفران، بل انّه عمد التائبين بالرّوح القدس خالقاً في المنكسرين الحياة الجديدة. ونحن بعد صلب المسيح نعلم أن تطهير ضمائرنا يتم بدمه الثمين. وهذا التطهير يتحقّق في التائب بواسطة إرشاد الرّوح القدس. وحيث يطيع الإنسان جذب الرّوح القدس، يمتليء بالحياة الأبديّة وثمارها وصفاتها، ويصبح إنساناً صالحاً حسب قدوة المسيح. وهذا التطوّر لا يحدث فجأة، بل يحتاج إلى وقت كاف، كما ينمو الجنين تدريجيّاً في بطن أمّه ثم يولد حقّاً. فهكذا تصير وتحقّق عمليّاً الولادة الثانية في المؤمن، الّذي يعلم باليقين أنّه قد وُلد جديداً وأنّ الله أبوه، وانّ لنا في المسيح الحياة الأبديّة.
وأبرز يسوع الهدف لكرازته وخلاصة كلّ اجتهاداته، ألا وهو ملكوت الله. فما هو هذا الملكوت؟ ليس هو هيئة سياسية اقتصادية نظرية، بل يعني منذ حلول الرّوح القدس إلى وقت مجيء المسيح المقبل، شركة المولودين ثانية في الآب والابن والرّوح القدس. وهذا الرّوح المبارك يحلّ فيهم، لأنّهم سلّموا أنفسهم للمسيح. وقد اعترفوا انّهم ملك الله، وهو مالكهم، وهم يطيعون أوامره. فهم وحدة روحية مع أبيهم السماوي. فنعترف أمامك، انّ ملكوت الله هو أجمل وأمجد وأقوى شيء في عالمنا. وهو غير مخلوق، بل مولود مِن الرّوح القدس. فاطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه لكيلا تضلّوا.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أشكرك لأنّك ولدتني ثانية بنعمتك فقط. وفتحت لي عيني الرّوحية، لأرى أبيك وأبينا. أنت تثبتني في محبّتك. افتح أعين كلّ الّذين يطلبونك حقّاً، لكي يعرفوا خطاياهم. ويعترفوا بها، ويبغضوها، ويتجدّدوا بقوّة روحك القدّوس، على أساس دمك الثمين المسفوك. ويدخلوا إلى شركة أبدية معك.
السؤال:
6_ ما الفرق بين تقوى نيقوديموس وهدف المسيح؟
3: 6 اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ, وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. 7 لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ, يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. 8 اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ, وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا, لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ.
أبان يسوع لنيقوديموس التغيير الجذري الّذي يحتاجه كلّ إنسان. وذلك التغيير كبير بمقدار الفارق بين الجسد والرّوح. فالكلمة جسد تعني في العهد الجديد طبيعة النّاس، الساقطين المنفصلين عن الله، البعيدين عن مصدرهم، الأشرار في ذواتهم، والمتقدّمين إلى الدينونة. وهذه الكلمة الجسد لا تشمل الجسم فقط بل أيضاً أذهان وأرواح البشر المتمردين، لأنّ في هذه الحالة يكون الإنسان في كلّيته فاسداً، كما قال المسيح: مِن القلب تخرج أفكار شرّيرة. فكلّ فرد غير قادر وغير مستحق للدخول إلى ملكوت الله، لأنّ الإنسان شرير منذ حداثته، وأصبح ينبوع الشرّ في محيطه.
أمّا كلمة روح فتعني الرّوح القدس، أي الله بالذات، الممتليء بالحقّ والطهارة والقوّة والمحبّة والجلال والقدرة. ففي المسيح أصبح هذا الرّوح الأبوي جسداً. فالله القدّوس لم يحتقر البشر الأشرار، بل غلب جسدهم بالمسيح. ففيه تمت العبارة: المولود من الرّوح هو روح. وهذا الرّوح الطاهر ضبط جسد يسوع دائماً وملأه بملء الله. وهذا ما يرينه هدف الولادة الثانية، انّ روح الربّ يميت فينا شهوات الجسد، لكي نعيش كما يحق لدعوتنا. فهل أصبحت مولوداً ثانية، ومتحرّراً مِن طغيان الجسد، أو لا زلت عبداً لشهواتك واستكبارك؟
وكلّم يسوع نيقوديموس للمرّة الثالثة بلطف، وقال له: ينبغي عليك وعلى كلّ أعضاء المجلس الأعلى، وجميع أهل إبراهيم وكلّ النّاس، أن يولدوا مِن جديد. وان ذلك لضروري وفريضة مقدسة، والاّ تكونون مِن الهالكين. وانّنا نشهد لك أيّها الأخ، انّ هذه الكلمة مِن فم المسيح ” ينبغي” لا بدّ منها. فبدون تغيير كامل وتجديد جذري، لا تستطيع أن تعرف الله، ولا تدخل إلى ملكوته البتّة، بل تبقى فاسداً ضالاً محتاراً.
هل سمعت مرّة صوت هبوب الريح؟ فالمولودون ثانية، إنّما يشبهون الرياح الّتي تهب فوقنا. ولكن كما تأتي الريح مِن الفضاء وتعود إليه، ولا تدخل أعماق الثرى، هكذا أولاد الله يولدون مِن فوق ويرجعون إلى أبيهم، ولا يظلّون مدفونين في تربة الأرض. وكما أنّ صوت الريح دلالة على وجودها، هكذا العلامة الواضحة في المتجدّدين صوت الرّوح القدس المتكلّم منهم. علماً انّنا لا نتكلّم عن روح الإنسان الطبيعي النابع من عقله، بل نعني الرّوح القدس الحال فينا مِن خارج العالم. وهو صوت وقوّة الله في المؤمنين. فهل حلّ هذا الرّوح المبارك في قلبك عمليّاً؟
3: 9 فَسَأَلَهُ نِيقُودِيمُوسُ, كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا. 10 أَجَابَ يَسُوعُ, أَنْتَ مُعَلِّمُ إِسْرَائِيلَ وَلَسْتَ تَعْلَمُ هَذَا. 11 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ, إِنَّنَا إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ بِمَا نَعْلَمُ وَنَشْهَدُ بِمَا رَأَيْنَا, وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَ شَهَادَتَنَا. 12 إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ, فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ. 13 وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ, ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ.
أحسن نيقوديموس في توضيحات المسيح بشيء مِن هبوب روح الله. ووافق في قلبه على الجذب الإلهي. ولكن عقله لم يدرك، ولم يفهم الحقيقة بأعماقها، فتمتم: لا أعلم كيف تصير ولادة كهذه. واعترافه هذا دلّ على أنّه اعترف بفشله وانكسر لاعتداده بنفسه. فأكمل يسوع متابعاً إرشاده قائلاً: نعم. ها أنت معلم محترم في شعبك. وقد أتيت إلي. أمّا الآخرون فظنّوا أنّهم أذكى وأعلى مِن التحدث معي. فأنت أفضلهم. ولكن حتّى أنت، فانك لا تشعر ولا تعلم بحقيقة ومقاصد الرّوح القدس. فكلّ عباداتكم وقرابينكم واجتهاداتكم لحفظ الناموس (الشريعة) باطلة. لأنّكم لا تعملون أبسط مبادىء ملكوت الله. فبرّكم وتقواكم بشريان وغير روحيين البتّة.
ونطق يسوع للمرّة الثالثة بالكلمة الهامة: الحقّ الحقّ أقول لكم. وفي كلّ مرّة إذا قرأنا هذه الآية المؤكّدة للحقّ، فانّنا نعلن أنّ المسيح يقصد إعلاناً لوحي بارز جديد. مع العلم أنّ يسوع لا يكرّر الكلمة الحقّ الحقّ لعدم كفاية قولها مرّة واحدة، بل لأنّ عقولنا البشريّة بطيئة وعنيدة، فيقدح حقّه فيها قدحاً.
فما هي الدرجة الجديدة في تعليم يسوع لنيقوديموس؟ انّه بوصول المناقشة إلى هذا الحد، انتقل مِن الكلام بصيغة المفرد “أنا” إلى صيغة “نحن”. فهو يجمع نفسه مع صوت الرّوح القدس. فيسوع والله واحد أحد. وهو كلمته المتجسّدة. ويسوع يعلم شيئاً لا يعرفه كلّ النّاس. ويشهد بأمور قد رآها في شركة الرّوح فينبغي علينا أن نقبل شهادته، ونتمسّك بها مؤمنين. فما هو الشيء الّذي عرفه يسوع أكثر مِن كلّ النّاس؟ لقد عرف الله وسمّاه أباه. فسّر يسوع هذا، لا يدخل إلى رؤوسنا المتعصّبة بدون الرّوح القدس. فالمسيح أتى مِن أبيه ويرجع إليه. فقد نزل مِن السماء، وصعد إليها. فالانفصال بين الله والبشر انتهى فيه، لأنّ روح الله تجسّد في يسوع، وغلب الانفصال عن الله. فليس الأزلي بعيداً هائلاً لم يفهموا هذه الشهادة عن حقيقة الله. ولم يدركوا الوحدة بين المولود من الرّوح وأبيه، لأنّهم لا يريدون الإيمان، كما لم يؤمنوا بأنهم خطاة. وما أدركوا ضرورة توبتهم عن ذنوبهم، الّتي اقترفوها ووجوب الولادة الثانية. ولكنّهم توهّموا بأنّهم صالحون وأذكياء، وكان بالأولى أن يعلموا أنهم لا يستطيعون إدراك وحدة الثالوث الأقدس.
الصّلاة: أيّها الآب والابن والرّوح القدس، نسجد لك، لأنّك في وحدة محبّتك جددتنا وجعلتنا أولاد حقّك. ليت روحك يهب فوقنا وفوق أمتنا، لكي يخلص كثيرون. وانك تريد أن تهب بروحك علينا، فهب واستخدم صوتنا في خدمتك، لكي يعم الشهادة عنك أنت الآب والابن والرّوح القدس، وتصبح واضحة في لغتنا ويولد كثيرون ثانية
السؤال:
7- ما هي علامات الولادة الثانية في المؤمنين؟
ج- الصليب سبب التجديد
(3: 14- 16)
3: 14 وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ, 15 لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. 16 لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ, لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.
استمرّ يسوع في تعليم نيقوديموس وأكّد له أنّ الولادة الرّوحية لا تتم بدون توبة حقة وانقلاب ذهني وإيمان بموته النيابي عن البشر. ووضّح يسوع هذه المبادىء لنيقوديموس بواسطة حادثة وقعت في تاريخ أمّته. لقد تذمّر الراحلون في البرّية ضدّ الله، وعصوا إرشاداته الثقيلة (سفر العدد 21: 4- 9). عندئذ أرسل القادر على كلّ شيء حيّات محرقة تلدغهم عقاباً لعصيانهم. فمات منهم جمع كثير. عندئذ أدرك بعضهم أنهم أخطأوا إلى الله. فطلبوا مِن موسى التوسّط لدى القدّوس، ليرفع الغضب عنهم. فأمر الله عبده، بان يصنع حية نحاسية، رمزاً لدينونة الله المميتة ويرفعها عاليّاً في وسط الشعب برهاناً على نهاية الغضب الإلهي وصار كلّ مَن نظر إلى هذه العلامة الدالة على نهاية قصاص الله على الشعب، وآمن بنعمته، شُفي مِن سم الحية المحرقة وعاش.
ومنذ تجربة حوّاء كانت الحيّة رمزاً للشرور. فلَمّا جاء المسيح رفع خطيئة البشر كلّهم على كتفيه. وهكذا أصبح الّذي لم يعرف خطيئة، خطيئة لأجلنا. فأشبه يسوع الحيّة النحاسية في البرية. وإنّما كما كانت الحيّة النحاسية خالية مِن السم، هكذا كان المسيح بريئاً وبلا خطيئة، رغم أنه حمل خطيئة كلّ النّاس في جسده.
ولم يأت ابن الله إلى عالمنا بشكل بهي سماوي، بل ظهر متواضعاً كابن الإنسان، مشحوناً بجروح وأوجاع، حاملاً لعنات الناموس (الشريعة) كلّها، كأنه آت من الأسفل. وفي هيئته الإنسانية وحدها قدر أن يموت عوضاً عن النّاس. فاسمه “ابن الإنسان” امتياز وشرف له. وكما أنّ الحية المصلوبة كانت رمزاً لدينونة الله المنتهية هكذا أصبح المسيح المصلوب رمزاً لانطفاء الغضب الإلهي. فالله وضع دينونة البشر كلّها على ابنه وحده، لكي نتحرّر نحن منها بواسطة آلامه وموته. وقد ارتفع المسيح ارتفاعاً عاليّاً رمزاً لعيوبنا واللعنة الإلهيّة المنصبة على خطايانا. ولكن هذا الرفع يعني بنفس الوقت انتهاء سخط الله وحكمه علينا، لأنّ ابنه البريء مات عوضاً عنا. ومَن نظر في البرية إلى الحية المرتفعة، وآمن بوعد الله يشفي من لدغتها وعاش. ولا تجد الأفاعي عليه سلطة بعدئذ، حتّى ولو لدغته مثنى وثلاث ورباع. فالثقة برمز النّعمة منحت المؤمن حياة وبقاء. فمَن ينظر إلى الصليب، ويتمسّك بالمصلوب ينل الحياة الأبديّة، كما قال بولس: مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا في. فموته موتي وآلامه آلامي وحياته حياتي. فمَن يقبل نيابة المسيح مؤمناً، يتبرّر ويعيش معه إلى الأبد. وارتباطنا بالمصلوب يمنحنا الاشتراك في قيامته مِن بين الأموات. كلّنا حسب طبيعتنا محكوم علينا بالإعدام. ولكن النظرة إلى يسوع هي الّتي تخلصنا، خالقة فينا الولادة الثانية، ومثبتة أنفسنا في الحياة الإلهيّة. فلا طريق آخر إلى الله إلاّ بالمصلوب. وهذا هو السبب أنّ الشيطان يهاجم بغيظ وحقد ليلاً ونهاراً مبدئي الخلاص: البنوة الإلهيّة ليسوع وصليبه. وعلى هاتين الحقيقتين يتوقّف خلاص العالم بأجمعه.
الله محبّة، ورحمته كبحر لا نهاية له. وبمحبته لا ينكر العالم الكافر الخبيث بل أحبّه ويحبّه حتّى اليوم. فهو لم يرفض الجناة المتمردين، بل رحمهم. والأزلي كان مستعداً أن يضحي بذاته عن المساكين، لكي يتمم كلّ متطلبات البِرّ لتخليصهم. ولكنّ الله لا يقدر أن يميت ذاته، لأنّه حافظ على كلّ الأشياء في ذاته العلية. فانبثق ابنه منه مستعداً للتكفير عن خطايا اللصوص على الأرض. فكيان الابن كان ضروريّاً لأجل خلاص العالم. فلا خلاص إلاّ بابن الله.
أيّها الأخ، أأنت مستعدّ للتضحية مِن أجل صديقك بمئة درهم؟ أو تذهب عوضاً عنه إلى السجن؟ أو تموت نيابة عنه؟ ربّما تقول نعم إذا كنت تحبّه حبّاً فائقاً. ولكن هل تكون مستعداً لبذل نفسك من أجل عدوك الحقود؟ لا ثم لا. فهنا أدرك عظمة محبّة الله، لأنّه ضحى بابنه ليس لأجل الأبرار، بل لأجل المجرمين الخطاة الوسخين ليخلّصهم. وأتمّ المسيح خلاص كلّ العالم على الصليب. ولم يكملك أنت وأنا فقط، بل كلّ النّاس وكلّ الشعوب وكلّ الطبقات. فالمثقفون والجهال، المهذبون والغوغاء، الأغنياء والفقراء، الأتقياء والزناة، القدّيسون والقتلة، جميعهم محتاجون إلى ذبيحة يسوع، لأنّ ليس إنسان بارّاً في ذاته. فلقد صالح المسيح العالم أجمع مع أبيه. فتمّ الخلاص، وغفرت خطاياك نهائيّاً.
وعجب كبير، فان هذه الحقيقة الخلاصية لا يدركها الإنسان، إلاّ إذا آمن بابن الله المصلوب. فعلى ارتباطك الإيماني بمخلّص العالم يتوقف خلاصك. وبدون إيمان تبقى تحت غضب الله، لأنّ كيانك وأعمالك تظهر كاذبة ونجسة أمام قداسة القدّوس. وحتّى نيقوديموس الناموسي (الشريعي) المعلّم البارّ، كان عليه الاستماع لهذه الكلمة: بدون إيمان بالابن الإلهي المصلوب تهلك. فهذا المعنى كان صدمة قاسية له. ولكن كلّ مَن يقبل الخلاص مِن الصليب ويؤمن بالابن المرفوع على خشبة العار، يتقدّس ويحيا ولا يجد مانعاً بينه وبين الله, هل تشكر يسوع لغفران خطاياك؟ هل تكرّس له حياتك، لأنّه رحمك وحمل موتك وعارك ودينونتك في جسده، فمتى تبدأ بحياة الشكر المسرور لأجل خلاصك المتمم؟
مَن يؤمن يعش، ومَن يثبت في المسيح فلن يموت إلى الأبد. ومَن يستمر بنظرته إلى المسيح المرتفع، ينل رجاء الحياة الأبديّة في نفسه. وبالإيمان به يحلّ الرّوح القدس فيك. فلا ولادة ثانية بدون العهد مع المصلوب. وإن أدركت المعاني العميقة في العدد 14- 16، فقد وجدت لبّ الإنجيل وخلاصته، حتّى أنّ بعض المفسّرين يسمّون الآية 16 أنها الإنجيل في الإنجيل.
الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نسجد لك لأجل محبتك اللانهائية، لأنّك بذلت ابنك الوحيد، عوضاً عنا نحن المجرمين ونشكرك لأنّه حمل خطايانا وعيوبنا وقصاصنا، وحرّرنا من غضبك مكملاً خلاصنا. وها نحن أولاء ناظرين إلى المصلوب، مؤمنين ساجدين شاكرين، لأنّك غفرت لنا خطايانا، وصالحت العالم بنفسك. ساعدنا لنبلغ كثيرين رسالة الخلاص هذه، لينالوا الحياة الأبديّة مِن الشهادة عن نعمتك.
السؤال:
8- كيف يكون المسيح مشبّهاً بالحيّة المرتفعة؟
YXYXYXYXYXYXYXY
د- رفض المسيح يعني الدينونة
(3: 17- 21)
3: 17 لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ, بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. 18 اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ, وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ, لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ. 19 وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ, إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ, وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ, لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. 20 لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئاتِ يُبْغِضُ النُّورَ, وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. 21 وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ, لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ.
بشّر المعمدان بمسيح يدين البشر، ويقطع الأشجار الفاسدة مِن وسط أمته. ويغربل القمح على بيدر غضب الله. ولكن يسوع شهد لنيقوديموس بالاعجوبة، انه لا يحرق بنار الرّوح الحارق، بل قد أتى لخلاص العالم. فالحمد لله أنّ لنا مخلّصاً رحيماً. ولَمّا أدرك المعمدان سرّ نيابة المسيح، سماه حمل الله. والله في محبته، لم يرسل المسيح إلى شعب العهد القديم، بل لخلاص العالم كلّه. فذكر كلمة “العالم” ثلاث مرّات في العدد 17 كان صدمة للنائب العنصري، لأنّ اليهود اعتبروا الشعوب كلاباً نجسة. ولكن الله أحبّ الشعوب أيضاًُ، كما أحبّ آل إبراهيم. وليس أحد أفضل مِن غيره. فالكلّ استحقّوا الدينونة، ولكنّ المسيح لم يأت ليديننا، بل ليخلّصنا. وكان مِن بداية خدمته مستعدّاً ليحقّق رمز الحيّة المرتفعة على صليبه، ليحمل دينونة الله نيابة عن كلّ النّاس. فعالمية الخلاص كانت عثرة لشعب اليهود. ولكنّ محبّة الله ليست عنصرية بل عامة.
وقال المسيح بعدئذ في جملة صغيرة، معاني إلهية عميقة: مَن يؤمن بالابن لا يدان. وبهذه الكلمة ينتهي كلّ خوف مِن يوم الدين. ذلك الخوف الصادر منّا لأجل غضب الله علينا، وارتجافنا من القصاص الذي نستحقه لأخطائنا. فالإيمان بالمسيح يحرّرنا كاملاً. وأنت متحرّر مِن الدينونة الأخيرة، إن آمنت بيسوع.
أمّا الّذي يرفض بعناده الخلاص في المسيح، ولا يرتبط بحمل الله بإيمان أبدي، ظاناً أنه غير محتاج إلى خلاص الله، فهذا الإنسان المسكين غبي وأعمى، ومنفصل تلقائيّاً عن الخلاص المعد لأجله. ومَن لا ينفتح لقوّة اسم يسوع، يقفل ذاته لأشعّة الرّوح القدس، ذلك الرّوح الممجّد ابن الله المصلوب. ومَن يحتقر موت المسيح، أو ينكره، يعصي الله، ويريد أن يبرّر ذاته بذاته. ويستبين بهذه الغباوة أنه جاهل بالله وبذاته. فكلّ حسناتنا ناقصة ومبقّعة بالأنانية. جميعنا يعوزنا مجد الله، وصرنا مائتين. كلّنا مخلوقات محكوم عليها بالرفض والهلاك. فمَن يرفض الفداء المسيحي يطلب تلقائيّاً الدينونة والهلاك، ويظل في موته منقعراً.
ويسوع وضح لنا بتفاصيل وافية، لماذا يرفض بعض النّاس خلاصه. إنّهم يحبّون الخطيئة أكثر مِن بِرّ الله، فيفزعون مِن المسيح نور العالم. ويختبئون ولا يريدون مفارقة خطاياهم. أمّا المسيح فيعلم القلوب، ولا يحتاج لمن يفسّر له مصدر أفكارنا الشرسة. فوصف أعمال النّاس بأنها شريرة. وهذا الوصف حكم دامغ ونقص لرأي كلّ لاهوتي مضل، يعلم أنّ الإنسان يحوز السماء بأعماله الصالحة. فهذه العقيدة كذب وخداع واضلال شرير. ليس إنسان صالحاً في ذاته، ولا يستطيع أن يأتي بأعمال صالحة، لأنّ أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا شريرة منذ حداثتنا. فهذه الجملة كانت طعنة في صميم قلب نيقوديموس، لأنّ المسيح ادانه بكلمات محبّته، لينكسر كبرياؤه الفرّيسي فيه. ويترك رياءه، ويتوب حقّاً، ويقبل حمل الله بشكر.
وتقدّم يسوع أكثر في تعليم المعلم. فبيّن له أنّ الإنسان الّذي لا يؤمن بالمسيح، يحبّ الشرّ ويبغض الخير. لأنّه يتمسّك بخطاياه، ولا يريد الإعتراف بأنه فاسد. وهذا المرائي يتكلّم عن صلاحه الشخصي بكلمات عطرة، وبنفس الوقت تنخز ضميره معرفة خطاياه. فأكثرية النّاس منافقون، ويخبئون خطاياهم تحت قناع مبتسم تقي. وهم يبغضون المسيح عالمين أو جاهلين، لأنّ نوره يضيء أكثر مِن الأشعة الكهربائية، كاشفاً صميمنا وماضينا. فهل اعترفت أيّها الأخ بكلّ خطيئتك ليسوع؟ فانّك ان لم تعترف بشراستك فلن تُولد ثانية. افتح قلبك لنور الله، فتستنير وتطهّر وتتقدس. لأنّ الإيمان بحمل الله يقدّسك بالتمام. ولكن ان استترت على خطيئتك تبغض مخلّصك وترفضه حاقداً. فانكسر لكبريائك، واعترف بفسادك، مؤمناً بالمسيح المخلّص، فتعيش إلى الأبد.
وممارسة الإيمان عمليّاً، تعني عمل الحقّ. وهذا الاستعداد لقبول الحقيقة الإلهيّة هو الشرط لتجديدنا. فمَن يتغير في أخلاقه. وهكذا يتحول الكذبة إلى صادقين، والمعوجين إلى مستقيمين، والخونة إلى امناء. وهؤلاء المولودون ثانية لم يكونوا سابقاً صالحين. لكنّهم اعترفوا بكلّ عيوبهم جهراً، فكان الله أميناً، فغفر لهم كلّ آثامهم، وبدأ فيهم التقديس والتطهير والتجديد. ومنحهم قوّة محبته، ليمارسوا أعمال روحه القدّوس. فالله بالذات يعمل في المؤمنين بالمسيح أعمال سلامه. فنحن لا نرفض الاعتقاد بالأعمال الصالحة، لكن هذه لا تأتي منا بل مِن الله. وليس لنا فضل فيها، لأنّها نعمة فقط. فهذه الحقيقة عنيت رجوعاً فكريّاً عن البِرّ الذاتي المبني على الأعمال الذاتية، وانفتاحاً للبر بالنّعمة المبنية على دم المسيح والولادة الرّوحية. فكلّ المتجددين الثابتين في المسيح يرضون الله، لأنّ حياتهم أصبحت شكراً لنعمته وسجوداً لمحبته. فالولادة الثانية والحياة في القداسة هي العبادة الوحيدة الّتي يسر الله بها.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك احتملت الدينونة عن العالم. نسجد لك، لأنّنا لا ندخل إلى الدينونة، لأجل ارتباطنا الإيماني بك. أنت حرّرتنا مِن غضب الله. فنعترف أمامك بكلّ خطيئة منا، ولا نخفي فكراً أمامك. طهّرنا مِن كلّ ميل إلى الخطيئة. واخلق فينا جميع ثمار الرّوح القدس، لكي تصبح حياتنا كلّها سجوداً وعبادة لأبيك السماوي.
السؤال:
9- لِمَ لا يدخل المؤمنون بالمسيح إلى الدينونة، ولِمَ يدين رافضو المسيح أنفسهم؟
3- شهادة المعمدان عن يسوع العريس
(3: 22- 36)
22 وَبَعْدَ هَذَا جَاءَ يَسُوعُ وَتَلاَمِيذُهُ إِلَى أَرْضِ الْيَهُودِيَّةِ, وَمَكَثَ مَعَهُمْ هُنَاكَ, وَكَانَ يُعَمِّدُ. 23 وَكَانَ يُوحَنَّا أَيْضاً يُعَمِّدُ فِي عَيْنِ نُونٍ بِقُرْبِ سَالِيمَ, لأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ, وَكَانُوا يَأْتُونَ وَيَعْتَمِدُونَ 24 لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوحَنَّا قَدْ أُلْقِيَ بَعْدُ فِي السِّجْنِ.
25 وَحَدَثَتْ مُبَاحَثَةٌ مِنْ تَلاَمِيذِ يُوحَنَّا مَعَ يَهُودٍ مِنْ جِهَةِ التَّطْهِيرِ. 26 فَجَاءُوا إِلَى يُوحَنَّا وَقَالُوا لَهُ, يَا مُعَلِّمُ, هُوَذَا الَّذِي كَانَ مَعَكَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ, الَّذِي أَنْتَ قَدْ شَهِدْتَ لَهُ, هُوَ يُعَمِّدُ, وَالْجَمِيعُ يَأْتُونَ إِلَيْهِ 27 فَقَالَ يُوحَنَّا, لاَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئاً إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ السَّمَاءِ. 28 أَنْتُمْ أَنْفُسُكُمْ تَشْهَدُونَ لِي أَنِّي قُلْتُ, لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ بَلْ إِنِّي مُرْسَلٌ أَمَامَهُ. 29 مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ, وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحاً مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذاً فَرَحِي هَذَا قَدْ كَمَلَ. 30 يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ. 31 اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ, وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ, وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ, 32 وَمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ بِهِ يَشْهَدُ, وَشَهَادَتُهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُهَا. 33 وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ, 34 لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللَّهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْلٍ يُعْطِي اللَّهُ الرُّوحَ. 35 اَلآبُ يُحِبُّ الاِبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ. 36 اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ, وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ.
بعد عيد الفصح غادر يسوع أورشليم، وابتدأ يعمد. ولم يكن منفرداً، بل رافقه تلاميذه. وكان ماء المعمودية مهماًً لهم بقدار، أنّهم لا يريدون الاستغناء عنه. فوافق المسيح على اجتهادهم، لأنّهم عرفوا ضرورة انكسار الكبرياء قبل الولادة الثانية، وايقنوا انه بدون الاعتراف بالخطايا لا يتحقّق الخلاص. فالمعمودية لغفران الخطايا كانت رمزاً واضحاً لانكار النفس، الّذي به يعبر التائب عن شوقه إلى دخول العهد الجديد مع الله.
وقد غير المعمدان مكان خدمته، منتقلاً إلى عين نون، الّتي كانت على الاغلب في أقصى الشمال مِن الوادي الأردني الغميق. ولم تفارقه البركة لأنّ النّاس في تلك القرى احتاجوا للتوبة أيضاً. فأتوا إلى المعمدان وصبّوا قلوبهم أمامه. وهو عمّدهم في ماء صاف، وأعدّهم للالتقاء بالمسيح. والربّ يسوع لم يذهب بعد الفصح إلى الجليل مباشرة، بل أخذ يعمّد التائبين أيضاً في مكان آخر من البلاد. وسلطانه كان أعظم مِن قدرة يوحنّا. فتراكض النّاس إليه أكثر مما تحلّقوا حول المعمدان. ونتيجة لهذا التطوّر نشب توتر بين أتباعهما، الّذين انتشروا بعدئذ في حوض المتوسط. وكان مدار الخلاف بينهم، أي الزعيمين أفضل للتطهير مِن الخطايا، وأيهما أقرب إلى الله؟ فكان هذا السؤال مهماً وعميقاً، لأنّهم فكّروا بتقديس حياتهم كلّيّاً. فهل فكّرت أيّها الأخ بالطريقة الّتي تتقدس بها في كلّ أخلاقك؟ وهل تطمح لتطهير نفسك كلّها، أو تجرّ وراءك ذنوبك إلى الأبد؟
وقد تغلّب المعمدان على تجربة كبرى، وذلك في الفترة الأخيرة مِن خدمته قبيل القائه في السجن. إذ أنه لم يحسد يسوع على نجاحه الكبير، بل أدرك أن خدمته الشخصية كانت محدودة. واعترف قائلاً بتواضع: ان الإنسان لا يقدر أن يقوم بعمل صالح مِن تلقاء نفسه، إلاّ أن يكون الله قد أعطاه القوى والبركات والثمار. وهذا الاعتراف يلقينا إلى الغبار نحن المؤمنين، لأنّنا نفتخر ونعتد بأنفسنا، لأجل معرفتنا الرّوحية وصلواتنا الرنانة وخطابتنا الجذابة. فيا أيّها الطاووس الجاهل، انك خاطيء أصيل، وان حصلت على موهبة روحية، فهذه ليست نابعة منك، بل هي مِن الله وحده. أنت ما زلت عبداً بطالاً ولو قمت بكلّ الأعمال، الّتي أمرك بها الله. فيوحنّا المعمدان ثبت متواضعاً، ولم يتخذ لنفسه امتيازاً. ولا ادعى القدرة الزائدة على طاقته، ولكنّه مجّد الله وحده.
وشهد لتلاميذه مرّة أخرى، أنه لم يكن المسيح في ذاته. وربّما كان ينتظر دخول يسوع المسيح إلى أورشليم ظافراً، معلناً ملكوت الله بجيوش الملائكة البراقة، أو مستلماً السلطة بطريقة ما. وللعجب لم يحدث شيء مِن هذا، إلاّ ان يسوع ابتدأ يعمّد النّاس مثله! فاحتار المعمدان، ومع ذلك بقي مطيعاً متواضعاً، ولم يتصرف بغباوة، بل اقتصر على نطاقه المعين مِن الله. فلقد كان ساعي المسيح والمعد طريقه، لا الرّبّ بالذات.
وثبت يوحنّا بأمانة في الوحي الموهوب له، وشهد أنّ يسوع هو العريس وربّ الفرح، الّذي جعل التائبين المطهّرين بماء المعمودية عروساً له، هذه العروس الّتي أرادت الاتحاد مع المسيح في عهد الإيمان. والرّوح القدس ينشيء اليوم هذه الوحدة الرّوحية بدرجة أنّ بولس قد اعترف، قائلاً: نحن أعضاء جسد المسيح وهو رأسنا. لقد اصبحنا واحداً معه. فالمسيح ليس هو قاضينا المهلك، بل مخلّصنا العريس ورأسنا المبارك. وصورة العريس المفرحة ترينا رجاء المسيح، حتّى مجيء كلّ النّاس إليه وينفتحون لروحه. فأولى مراحل خدمته كانت مشحونة بفرح وانتصار ونهضة.
وكان المعمدان واقفاً مِن بعيد، ملاحظاً نموّ كنيسة المسيح بسرور. لكنّه وقف بجانب يسوع وليس داخل جماعته. واعترف أنه صديقه الأمين. وبقي يوحنّا معتزلاً في الريف، بينما دخل المسيح رأساً إلى العاصمة، حيث أجرى آياته وألقى عظاته الإلهيّة. فالمعمدان راقب نمو ملكوت الله بابتهاج، وتمنى انتشاره أكثر. وفرح مِن صوت وصيت العريس يسوع، الّذي خاطب عروسه. فكانت أخبار نجاح المسيح كعزف موسيقى سماوية. وهكذا خيّم فامتلأ فرحاً، كأنه شريك في عرس عظيم. وكان المعمدان مستعداً للموت وانهاء خدمته. فلم يرد أن تزداد حلقته اتساعاً، ولا أن يصبح جذب النّاس إليه أكثر، بل فضّل أن ينقص ويضمحلّ، لكي تنمو كنيسة المسيح. فوجوب نمو الكنيسة هو من دوافعها الإلهيّة. فنموها ليس عملاً إنسانيّاً، إنّما ينبع مِن إرادة الله. فعلى القسس والأساقفة والبابوات والكرادلة وكلّ ما يظهر كبيراً في الكنيسة، أن يتواضع جداً وينقرض، لكي يظهر المسيح وحده عظيماً. فإرادتنا وعنادنا الفخور يكون أقوى مانع لتمجيد المسيح. امتحن نفسك ان كنت منفوخاً متباهيّاً، أو أنك أنكرت نفسك وانقصت ذاتك ليحلّ المسيح فيك. فيا أيّها الاخ مَن يترأّس اجتماعاتكم؟ أيسعى كلّ ضدّ زميله للترؤس، أم تتواضعون لبعض، ويريد كلّ واحد منكم أن يكون الأصغر ليتقوى المسيح فيكم. اشترك في اعتراف يوحنّا وانقش في رأسك قوله: ينبغي أنّ المسيح يزيد وانّي أنا انقص.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نعظمك لأنّك أنت العريس لكنيستك. ودعوت المؤمنين ليكونوا عروسك. اغفر لنا نجاستنا وكبرياءنا. وطهّرنا تطهيراً عميقاً. واجعلنا صغاراً، لكي يعظم اسمك في الكنيسة.
السؤال:
10- كيف يكون المسيح هو العريس؟
بعدما قدّم المعمدان شهادته المتواضعة وعبّر عن فرحه لنمو الحركة المسيحية، أكمل البشير يوحنّا شهادة المعمدان بتأملاته في عظمة المسيح ورسالته الفريدة، لأنّ تلك الشهادة حرّكت عواطفه. فانفجر روحه فرحاً في انسجام معه، وقال:
31:3 اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ, وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ, وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ.
كلّ النّاس دنيويون، محتاجون إلى الولادة الرّوحية. ويسوع وحده كان سماويّاً، وصار إنساناً، ليكون قريباً منا ويفدينا. فيسوع الناصري أعظم مِن كلّ الأنبياء والفلاسفة والزعماء، بقدر ما السماء أعلى مِن الأرض. لا شك في أنّ القوى الحادثة في اختراعات النّاس هائلة، ولكنّها مجرّد مواد خلقها الله، وإنّما الإنسان تصرّف بها بشرّ. أمّا الابن فهو الخالق بالذات والحياة والنّور وسبب كياننا. فلا مقارنة بين يسوع وأي خليقة أخرى. الابن الإلهي هو مولود مِن الآب قبل كلّ الدهور. أمّا نحن، فمخلوقات زمنية خاطئة فانية. وجميع أفكارنا الدنيوية ومعارفنا محدودة وناقصة. أمّا الابن فهو كامل ومتفوق تفوقاً عظيماً، على سائر المخلوقات.
3: 32 وَمَا رَآهُ وَسَمِعَهُ بِهِ يَشْهَدُ, وَشَهَادَتُهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْبَلُهَا. 33 وَمَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُ فَقَدْ خَتَمَ أَنَّ اللَّهَ صَادِقٌ, 34 لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللَّهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْلٍ يُعْطِي اللَّهُ الرُّوحَ. 35 اَلآبُ يُحِبُّ الاِبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ.
الإنسان يسوع هو شاهد العيان لحقيقته السماوية. فلقد عاين الله أباه حقّاً، وسمع كلماته. وهو عارف أفكاره وتخطيطه. والابن هو كلمة الله النابعة مِن صميم الآب. فالوحي الّذي جاء به كامل. وانّنا لنرى الوحي الّذي جاء به الأنبياء غيره ناقصاً ولا يخلو من أفكار دنيوية. أمّا يسوع فهو إعلان مشيئة الله النهائية التامة. انه الشاهد الأمين، الّذي صار في تأدية شهادته شهيداً، لأنّه مجّد أباه وأعلن ذاته ابناً. وأسفا! فانّ أكثرية النّاس رافضة شهادته حتّى اليوم، لأنّهم لا يريدون إلهاً قديراً، إذ هو أمر خطير مذهل لنفوسهم، ومتطلب تغيير الحياة. بينما أرادوا هم اظهار ذواتهم كمستقيمين، ويستمرون سرّاً في الخطايا بنفس الوقت. وإذا ضاق ذرعهم انفجروا بوحشيتهم مفترسين، ودائسين كثيرين. ولا يغفرون لخصومهم أبداً. ويرفضون نوعية روح المسيح، ولا يريدون الصيرورة حملاناً وديعة. فيرفضون بنوة يسوع رفضاً، وينكرون أبوة الآب نكراناً، لأنّهم لا يريدون الامتلاء بروح محبته امتلاء.
والحمد لله فليس جميع النّاس بمبغضي الله وروحه. إنّما هنالك نخبة مدركة الآب في الابن، ويقبلون ذبيحته الكاملة. فمَن آمن باعلانه وفدائه، يكرم الله إكراماً، ويمجد ينبوع كلّ الحمد تمجيداً. فالله لا يكذب والابن ليس إلا الحقّ تماماً. ولم يعلن الآب خلاصة أفكاره في دستور أو سفر، بل في شخص يسوع. فمَن يقبل الابن يقبل الله. ومن يفتح نفسه لروح كلماته يتجدّد، ويظهر بهذا جوهر الله، ويقدّس اسمه الأبوي. فالمسيح يدعوك ليس لتقول الحقّ فقط، بل لتعيشه وتعمله. فيصبح إنجيله فيك متجسّداً، ومبرهناً حق الله وجوهره.
لم يتكلّم يسوع بتخيلات وآمال وتمنيات، إنّما كلماته خالقة مخلّصة ممتلئة القوّة وواضحة. فالله نفسه تكلّم في ابنه. وملء اللاهوت كان في المسيح حاضراً بيننا جسديّاً. فالرّوح الحال فيه غير محدود لا كما ولا كيفما. فقد وهب الآب له كلّ حكمته وسلطانه على الدوام.
إنّ الآب قد أحبّ الابن، ودفع في يده كلّ الأشياء. فمحبّة الله معطية واهبة. غير مستبقية لنفسها شيئاً. والابن لا يكرّم نفسه، بل أباه تجاوباً وشكراً. فليس سؤال، أيّهما أكبر الآب أم الابن؟ لأنّه سؤال مِن الشيطان مباشرة. بل هوذا الشعار الإلهي، انّ كلّ واحد مِن الأقانيم الثلاثة الربّانية يعظّم الآخر ويكرمه ويكرّس نفسه له تكريساً. فمَن جهل هذا المبدأ، فقد جهل الله. والآب لم يخش ان الابن يستغل السلطة المدفوعة له. لأنّ الآب عرف الابن وتواضعه وطاعته وخضوعه المطلق طوعاً، فوثق به واستودعه الكون كلّه. فالمسيح هو المالك الرئيسي على الجميع كما قال: دفع إلي كلّ سلطان في السماء وعلى الأرض.
3: 36 اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ, وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ.
البشير يوحنّا لخّص بعد تعظيم يسوع كلّ شهاداته السابقة عنه، وعلّمنا القاعدة الخلاصية: مَن يؤمن بالابن له الحياة الأبديّة. ففي هذه الجملة الصغيرة تجد الإنجيل كلّه، الّذي يخبرنا أنّ يسوع هو الابن والله هو أبوه. فمن يقترب مِن وحدة المحبّة هذه يقترب مِن محبّة الله المعلنة في الصليب. ويثق بحمل الله، مدركاً أنه قد أزال أوساخنا. وبهذا الارتباط الشاكر للمسيح نختبر تيار رحمته كحياة أبدية. فالإيمان بالابن المصلوب ينقل لنفوسنا حياته الحقّة. فلا تبتديء الحياة الأبديّة بعد الموت، بل اليوم هي مبتدئة. لأنّ الرّوح القدس يحلّ في المؤمن بالابن. هذا الرّوح هو الحياة. والّذي لا يقبل كلمات المسيح، ويرفض بنوته وصليبه، يعصي الرّوح القدس. ولا يختبر حياة الله، ولا يجد ضميراً مستريحاً. لأنّ حياة المتمردين مفعمة الخوف والانفصال عن الله والفتنة ضدّ كلّ السلطات. فروح الرّبّ لا يحلّ في الملحدين، بل الخطيئة تمتلك أجسادهم. ومَن لا يخضع ليسوع يعارض الله بالذات ماكثاً في الموت الرّوحي. فبدون إيمان بالمسيح لا يمكن للإنسان حياة أبدية. وكلّ الأديان الّتي تضاد عقيدة الابن وصليبه تتجنّى على الحقيقة الّتي أعلنها الله. ومَن يرفض محبّته، فقد اختار غضبه.
ويوضح لنا البشير يوحنّا مثل بولس الرسول القائل: انّ غضب الله معلن على جميع فجور النّاس وأثمهم. لأنّ الجميع أخطأوا، وعارضوا الحقّ بظلمهم. الأمر الّذي يغيظ القدّوس. فمِن الضروري أنْ ندرك واقعنا، بأن غضب الله المهلك مسكوب على البشر. انه يسمح بزيادة النسل والجوع والحروب، التي تتغلغل كحيّات ناريّة بيننا، كما دخلت الأفاعي صفوف الشعب المتمرّد في البرية. ولكن كما رفع موسى الحية في الصحراء، هكذا أصبح المسيح المصلوب رمزاً لخلاصنا مِن الغضب الإلهي الملتهب. الابن فتح لنا عصر النّعمة. ولكن كلّ إنسان أو مجتمع يحرف بصره عن الصليب عمداً، يمكث في الدينونة، وإبليس يجد فيه سلطاناً. فيبقى هذا الملحد متقلقلاً في ذاته وبدون سلام في داخله، شاعراً بالهلاك المقبل عليه، فلا يعرف حياة حقة أبداً. ان جميع النّاس بدون المسيح يكونون مساكين. فمتى تبتديء أن تصلي لأجل أفراد، لكي يؤمنوا بالابن فيخلصوا؟ ومتى تتكلّم مع أصدقائك بصبر، لتحلّ حياة الله فيهم بواسطة شهادته؟
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لمحبتك وحقك. ونسجد لك ملتمسين منك قلباً مطيعاً ثابتاً في الإيمان ومكرماً الآب، بثقتنا الدائمة فيك أنت والآب واحد. ارحم الّذين يرفضونك جهلاًَ، وأمنحهم شهادة كلمتك. وساعدني لأجد الإنسان. الّذي أنت ترسلني إليه، لأخبره عنك وعمّا فعلته لأجلنا.
السؤال:
11- كيف ننال الحياة الأبديّة؟
4- يسوع في السامرة
(4: 1- 42)
أ: يسوع يرشد الزانية للتوبة ومعرفته
(4: 1- 26)
4: 1 فَلَمَّا عَلِمَ الرَّبُّ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ سَمِعُوا أَنَّ يَسُوعَ يُصَيِّرُ وَيُعَمِّدُ تَلاَمِيذَ أَكْثَرَ مِنْ يُوحَنَّا 2 مَعَ أَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يُعَمِّدُ بَلْ تَلاَمِيذُهُ 3 تَرَكَ الْيَهُودِيَّةَ وَمَضَى أَيْضاً إِلَى الْجَلِيلِ. 4 وَكَانَ لاَ بُدَّ لَهُ أَنْ يَجْتَازَ السَّامِرَةَ. 5 فَأَتَى إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ السَّامِرَةِ يُقَالُ لَهَا سُوخَارُ, بِقُرْبِ الضَّيْعَةِ الَّتِي وَهَبَهَا يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ ابْنِهِ. 6 وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ, جَلَسَ هَكَذَا عَلَى الْبِئْرِ, وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ.
لقد سمّى البشير يوحنا يسوع الرّبّ، الّذي يملك ملكاً أزليّاً تاريخ البشر، ويقاصصهم وينعم عليهم، ويرشدهم ويدينهم. وقد رأى مجده وسط تواضعه، فأكرمه بهذا اللقب العظيم رغم إنسانيته الظاهرة.
وابتدأ الفريسيون برصّ الصفوف، تمهيداً للمعركة، لأنّ تبشير المسيح في المنطقة اليهودية، نجح نجاحاً باهراً. فلقد دعا النّاس إلى التّوبة والاعتراف بالخطايا، نظير المعمدان، مثبتاً بعمله خدمته الإلهيّة، كأنه كان خليفة للمعمدان علماً أن يسوع لم يعمد بذاته، بل تلاميذه قاموا بالمهمة، لأنّهم جميعاً كانوا قد جاءوا مِن حلقة المعمدان. وعلم يسوع أنّ كلّ المعموديات بالماء ليست إلاّ رمزاً للمعمودية بالرّوح القدس. ولكن ساعته ما كانت قد حانت بعد، فلم يعمد يسوع شخصيّاً. ولَمّا ازدادت معارضة الفريسيين الغير مستعدين للتوبة ورافضي المعمودية لأنفسهم، انصرف يسوع عنهم إلى الشمال، لأنّه عاش بدقة حسب ارشاد أبيه. فلم يكن الوقت ناضجاً للكفاح مع الناموسيين (الشرائعيين) جهراً. ففضل يسوع السفر وسط سلسلة الجبال ودخل السامرة، ليصل بأقصر وقت إلى الجليل. والسامرون لم يكونوا أعضاء معترفاً بهم في العهد القديم، لأنّهم كانوا مزيج شعوب. فقد هاجم الأشوريون سنة 722 ق. م. السامرة، وسبوا أكثرية آل إبراهيم إلى بلاد الرافدين، واسكنوا بدلاً منهم شعوباً أخرى في المنطقة الجبلية حول نابلس. فامتزج أهل السامرة القليلون مع الغرباء المستوطنين بلدهم، وامترجت بذلك أيضاً معتقداتهم. فصارت ديناً مختلطاً.
وجاء يسوع إلى سوخار القريبة مِن شكيم المركز التاريخي لآباء الإيمان. تلك المدينة ومنطقتها الّتي عاد إليها يشوع مع شعب العهد. وأوقفهم بين الجبلين جرزيم وعيبال وواثقهم مع الله، أن يتبعوا طريقه المحيية ويتنكبوا عن طريق الموت والشرور (تكوين 12: 6 ويشوع 8: 30- 35) والبئر العميقة هناك، كانت قديمة جداً، حتّى قيل انها كانت ليعقوب. وليس لذلك دليل في التوراة، إلاّ ما روي أنّ يعقوب قد اشترى أرضاً في شكيم (تكوين 33: 19) وانه أوصى بأرض يملكها ليوسف ابنه (تكوين 48: 22). ونعلم أيضاً أنّ عظام يوسف دفنت في مكان مجهول قرب نابلس (يشوع 24: 32) فأصبحت هذه المنطقة محوراً لتاريخ العهد القديم. وعلى حافة هذه البئر الشهيرة جلس يسوع، لأنّه كان متعباً مِن السفر الطويل والحرارة الشديدة في منتصف النهار. ونرى مِن هذا الخبر، أن الرّبّ كان إنساناً حقّاً متعباً مِن المسير ومتعطشاً للماء. فلم يكن هو خيالاً، أو ظهوراً إلهيّاً في هيئة إنسان. كلا فقد كان إنساناً حقّاً، بكلّ خصائص الجسد الإنساني الضعيف.
4: 7 فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ السَّامِرَةِ لِتَسْتَقِيَ مَاءً, فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ, أَعْطِينِي لأَشْرَبَ 8 لأَنَّ تَلاَمِيذَهُ كَانُوا قَدْ مَضَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبْتَاعُوا طَعَاماً. 9 فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ السَّامِرِيَّةُ, كَيْفَ تَطْلُبُ مِنِّي لِتَشْرَبَ, وَأَنْتَ يَهُودِيٌّ وَأَنَا امْرَأَةٌ سَامِرِيَّةٌ. لأَنَّ الْيَهُودَ لاَ يُعَامِلُونَ السَّامِرِيِّينَ. 10 أَجَابَ يَسُوعُ, لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللَّهِ, وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ, لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيّاً. 11 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ, يَا سَيِّدُ, لاَ دَلْوَ لَكَ وَالْبِئْرُ عَمِيقَةٌ. فَمِنْ أَيْنَ لَكَ الْمَاءُ الْحَيُّ. 12 أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ, الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ, وَشَرِبَ مِنْهَا هُوَ وَبَنُوهُ وَمَوَاشِيهِ. 13 أَجَابَ يَسُوعُ, كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. 14 وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ, بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ. 15 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ, يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هَذَا الْمَاءَ, لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ.
لَمّا جلس يسوع في حرّ الظهيرة على حافة البئر، أقبلت امرأة سامرية لاستخراج ماء. لم تأت صباحاً أو مساء كالنساء الأخريات بل ظهراً، لأنّها لم ترد الالتقاء بأحد. فصيتها كان سيئاً، وقد احتقرها الجميع إينما اتجهت.فرأى يسوع ضيق قلبها مِن بعيد، وشعر بعطشها إلى الطهارة والحقّ، فعزم على اعانتها. ولم يبشّرها بالوصايا العشر، ولم يوبخها بطريقة مِن الطرق، بل طلب منها بكلّ بساطة جرعة ماء. فاعتبر الزانية مستحقة سقي الرّبّ! لكنّها إذ رأت الرجل ذي المظهر اليهودي، استاءت، لأنّ بين شعبها واليهود توجد هوة عميقة. وما كان أحد مِن الفريقين يقبل لمس اناء أحد أعضاء الفريق الآخر، اعتقاداً أنه يتنجس بذلك. لكن يسوع تصرف كإنّما لا هوة، ولا فاصل بينهما. وأكرم المسكين بطلبته. وكان قصده أن يوقظ في الخاطئة الجوع إلى الله. وبما أنهما التقيا على البئر، طفق يتكلّم معها عن الماء، وخلق فيها الشوق لنيل عطيّة الله. ولم يوضح لها أوّلاً عمّا هي هذه العطيّة، التي كان الله مزمعاً اعطاءها، إنّما وضع محبّة الله هدفاً أمام عينيها. فما كانت الدينونة هي المنتظرة لهذه المرأة الزانية حتّى تهلكها، بل عطيّة الله أعدت لها نعمة. فما أروع هذه الأعجوبة!
والنّعمة لا تأتي عفويّاً مع الرياح بل تجيء في شخص يسوع المسيح وحده. هو معطي المواهب الإلهيّة لنا. ولكن المرأة لم تدرك الربّ أمامها، بل رأته رجلاً عاديّاً. فمجد المسيح كان مستقراً لعينيها. ولكن محبّته الطاهرة أشرقت واضحة أمام هذه الخاطئة. فقال المسيح لها، أنه يمتلك ماء حيا. وبهذه الكلمة فسّر عطية الله بشكل أوضح. فالشراب السماوي الّذي يقدمه هو، يروي غليل النفس. كلّ النّاس يشتاقون إلى المحبّة والحقّ والطهارة، ويريدون العودة إلى الله في صميم قلوبهم. فمَن يأتي إلى يسوع، يجد اطفاء عطشه العميق.
ولم يبعث يسوع ماءه الثمين على النّاس جذافاً، بل أعطى عطية الله لطالبها فقط. فعلينا الاعتراف بحاجتنا، كما انّ يسوع اعترف سابقاً بحاجته إلى الماء أيضاً. فمَن لا يحني رأسه ويطلب، لا ينال ماء السماء الحي مجاناً. والمرأة لم تفهم يسوع. فجاوبته بفكرها العملي قائلة: ليس لك وعاء لاستخراج الماء والبئر عميقة. فكيف تريد اعطائي ماء؟ وبنفس الوقت صارت مضطربة في نفسها لأجل شخصية يسوع ولطفه وجودة محبّته. لم يحتقرها كسائر أهل البلدة، ولم يشتهها ككثير مِن الرجال بل لقد كان منفصلاً عنها بجلاله، وأحبّها في قداسته. وهي لم تلتق في حياتها برجل طاهر مثله. فقالت له: هل أنت أعظم مِن أبينا يعقوب؟ اتقصد عمل اعجوبة فتمنحنا بئراً جديدة؟ فجاوبها يسوع بتأن، ووضّح لها، انه لا يتكلّم عن ماء دنيوي مؤلّف مِن أوكسجين وهيدروجين. لأنّ كلّ مَن يروي غليله الجسدي بالماء الطبيعي يعطش مكرّراً إذ الجسد يستعمل الماء كقوّة ويفرزه.
أمّا يسوع فيعطينا ماء حيا، يطفيء كلّ عطش روحي إلى الأبد. فالمسيحيون لا يتشوقون إلى الله دون أن يجدوه وليسوا هم فلاسفة يتأملون في الحقّ دون الوصول إليه، إنّما الله قد وجدهم، وهم يعلمونه في جوهره. فمعرفة الآب والابن اروت غليلهم، لأنّ محبّته تكفينا إلى الأبد. ووحي يسوع لا يصير مملاً قديماً، بل هو نابع متجدد يوميّاً بصفاء منعش مثلج. ومعرفة الله الحقّة ليست فكراً فقط، بل قوّة وحياة ونوراً وسلاماً. فالرّوح بالذات هو عطيّة الله، الماء السماوي. وعطية الرّوح القدس ننالها بواسطة يسوع المسيح فقط. ولقد ردّد القول ثلاث مرّات مع المرأة، انه هو معطي الماء الحي وليس غيره. فلا دين ولا حزب ولا عشيرة ولا صداقة تستطيع اطفاء عطش نفسك، إلاّ يسوع مخلّصك الفريد. والّذي ينال عطية الله العظمى يتغير في صميمه. فيصبح العاطش ينبوع ماء يفيض طوالا، ويستطيع أن يبارك الآخرين، ويعطيهم قوّة ونعمة وفرحاً ومحبّة وكلّ ثمار الرّوح القدس. وان ثبت بيسوع معطي كلّ النعم، فينال منه نعمة فوق نعمة، ويصير هذا المؤمن عطية الله لكثيرين.
وشعرت المرأة، ان يسوع جاد في حديثه معها وليس بساخر. فأحسّت بأمر هام ينتظرها. وطلبت مِن يسوع ماء الحياة. انه قد أيقظ فيها الاهتمام بعطية الله، فاعترفت بحاجتها. ولكنّها ما زالت مفتكرة، ان يسوع إنّما يتكلّم عن الماء الدنيوي الراوي غليلها. ففكّرت، انها لو نالت هذا الماء الّذي لا عطش بعده، فلا تعود بحاجة لحمل القرب الثقيلة على رأسها والعبور بين النّاس الّذين يحتقرونها.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، أنت معطي الماء الحي. ارو غليلنا إلى المعرفة والمحبّة والحقّ. واغفر لنا نجاساتنا، وطهّرنا مِن كلّ اثم. ليحلّ الرّوح القدس فينا، ويثبت فينا إلى الأبد. لنصبح ينبوع الحياة، ليشرب كثيرون مِن فيضان روحك المنسكب في قلوبنا. علّمنا التواضع والصّلاة والمحبّة والإيمان.
السؤال:
12- ما هي عطية الله التي يعطينا إياها يسوع؟ وما هي صفاتها؟
4: 16 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, اذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هَهُنَا 17 أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ, لَيْسَ لِي زَوْجٌ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ, حَسَناً قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ, 18 لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ, وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ. 19 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ, يَا سَيِّدُ, أَرَى أَنَّكَ نَبِيٌّ. 20 آبَاؤُنَا سَجَدُوا فِي هَذَا الْجَبَلِ, وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ فِي أُورُشَلِيمَ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَدَ فِيهِ. 21 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, يَا امْرَأَةُ, صَدِّقِينِي أَنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ, لاَ فِي هَذَا الْجَبَلِ, وَلاَ فِي أُورُشَلِيمَ تَسْجُدُونَ لِلآبِ. 22 أَنْتُمْ تَسْجُدُونَ لِمَا لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ, أَمَّا نَحْنُ فَنَسْجُدُ لِمَا نَعْلَمُ لأَنَّ الْخَلاَصَ هُوَ مِنَ الْيَهُودِ. 23 وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ, وَهِيَ الآنَ, حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ, لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. 24 اَللَّهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا.
بعدما أوقد يسوع في المرأة ذروة عطشها إلى الماء الحي، ومنحها الإرادة لنيل عطية الله، بيّن لها الحاجز الّذي يمنعها مِن نيل هذه العطية: ألا وهي خطيئتها العملية. فلم يقل لها بخشونة: أنت زانية، بل طلب منها بلطف دعوة زوجها إليه.
إن امرأة متزوجة، لا تكون منفردة لوحدها، بل واحدة مع زوجها. فأصابت كلمة يسوع المرأة في أعماق كيانها، وطعنت صميم جرحها وحساسيتها، لأنّها اشتاقت كبقية النساء إلى حماية الزوج وعنايته بها. ولكنّها كانت منعزلة محتقرة مرفوضة بسبب خطاياها. ولم ترد اطلاع يسوع على ضيقها، وخجلت مِن كشف حقيقتها. فأخفت نفسها بكلمة موجزة: ليس لي زوج. عندئذ أعلن يسوع لها أنه بذاته الحقّ، ويعرف كلّ الأسرار، ويبصر القلوب كما عرف سيرة بطرس ونثنائيل ونيقوديموس وكلّ النّاس في أورشليم عن البعد. وأثبت يسوع للمرأة، أنها متروكة وحيدة، وقد حاولت نيل المحبّة عن طريق الحبّ. فوقعت مِن خطيئة إلى أخرى. وهكذا كشف لها بكلمات قليلة هوة عيوبها.
إن كلّ عملية زنى هي عبارة عن كارثة هائلة، تخلق عقداً في الضمير، وتسبب مرضاً في الشعور الباطني. خصوصاً في المرأة، التي تبقى مربوطة بزوجها الأوّل بشعورها الدفين. وتشتاق إليه حتّى بعد الانفصال، متمنية الانسجام والتفاهم والحفظ. فيسوع الطبيب السماوي نزع قناع ضيقها.
فأدركت الخاطئة رأساً انّ يسوع ليس رجلاً عاديّاً، بل أن بصيرة النبوة موجودة فيه. وتذكّرت في أعماق قلبها، أنه لا يقدر أحد أن يساعدها إلاّ الله. ولكنّها لم تعرف العظيم، ولم تعلم أين تجده، وبأي وسيلة تعبدية تتصل به. فالصّلاة والطقوس صارت غريبة في حياتها. انها لم تنكر الله، إنّما خلال سنوات طويلة، ربّما لم تحضر أي اجتماع ديني على الجبل المقدّس قرب قريتها. في الوقت الّذي ما زال قلبها فيه مشتاقاً للخلاص والسلام مع الله. وبعدما أيقظ يسوع في نفسها العطش إلى الطهارة والغفران، قادها بلطف إلى الأمام، وأراها أن ليس مكان السجود مهما، بل الشخص المسجود له. وطلب يسوع إلى المرأة أن تصدق بكلامها، لأنّ بواسطة الإيمان بيسوع وحده نعرف الله. وبعدئذ أعلن يسوع لطالبة الله أن العلّي هو آب. فالرّبّ منح هذه المرأة البسيطة الشرسة رغم ذنوبها خلاصة معرفة الله. وذكر أمامها اسمه الجوهري “الآب” ثلاث مرّات. فليست العبقرية ولا التقوى تنشيء معرفة الله، بل الإيمان بالمسيح وحده.
وقد أوضح يسوع لها رأساً، أنّه لا يتكلّم عن أي إله كآب، بل يعني الرّبّ في العهد القديم. وكان السامريون يسجدون لآلهة متعدّدة. ولم يعرفوا الأرواح المخفية، خلف أسماء آلهتهم. أمّا اليهود فقد كانوا يعرفون مَن هو الرّبّ، لأنّه أعلن ذاته في تاريخ طويل، وواعدهم أن مخلّص العالم سيأتي مِن سبط الملك داود.
وتبلورت خطّة الخلاص إلى ساعتها الفاصلة، حيث أصبح دين العهد القديم عالميّاً شاملاً الأمم والشعوب. ففي تلك الساعة تحرّر السجود لله مِن حصره في الهيكل المعين، لأنّ المؤمنين أصبحوا مسكن الله وروح الرّبّ حلّ فيهم. فالله هو الآب للمولودين ثانية. وحياتهم صارت سجوداً حقّاً لمجده. وقد قبلوا المسيح وفداءه كامتياز شرعي لهم. ودخلوا إلى رحاب محبّته، مختبرين الحياة في الاستقامة والصدق والطهارة بواسطة قوّته العظمى. فليسوا هم بذواتهم صالحين، إنّما أبوهم السماوي هو الّذي جدّدهم. فأصبح سجودهم القلبي حمداً وتسبيحاً وتهليلاً على الدوام. فليست الطقوس المعينة ولا العظات النموذجية هي الصلوات المقبولة عند الله، لكن الله يسرّ عندما تتكلّم قلوب أولاده تلقائيّاً، فائضة بشكر واعتراف وطلبة وابتهال وتكريس مستمر. فالله يريد أن يخاطبه جميع النّاس: “أبانا الّذي في السماوات” لكي يكونوا أولاده في المسيح يسوع.
الله روح، فليس صنماً متجمّداً ولا خيالاً غير محدود وغير مدرك. فهو أبونا. ونعرف نوعية روحه. وهو محبّة وصبر ولطف وحنان ورحمة. وانّه عالم بضعفنا وعدم قدرتنا التقدم إليه. فأتى إلينا في ابنه، وطهّرنا بذبيحته واعدّنا لاستقبال روحه القدّوس، الّذي هو صميم جوهره. فالله يريد بملء إرادته أن يكون له أولاد كثيرون. لأنّه يعلم أنّ أولاده هم فقط المستطيعو السجود بالرّوح والحقّ. والطلبة الأولى في الصّلاة الربّانية تقصد كثرة أولاد الله السالكين حسب قداسة محبته. فنطلب إلى أبينا أن يملأنا بروحه وحقّه ونعمته لتصبح حياتنا كلّها جواباً لمحبته. وليس إنسان، يقدر أن يسجد لله كما يليق. فلهذا أعطانا يسوع عطيّة الله: الرّوح القدس. وباستلام هذا الرّوح نصبح مصلين أمناء وخدّاماً فرحين وشهوداً جريئين. وعندئذ تصبح حياتنا كلّها سجوداً لأبينا المحبّ في قوّة الرّوح القدس النابع مِن صليب المسيح. لقد طهّر يسوع الهيكل، لينشيء عبادة طاهرة. وأوضح للرئيس نيقوديموس ضرورة الولادة الثانية. بيد أنّ إعلان الله بكلّيته كآب وكروح، لم يقدر أن يعلنه يسوع إلاّ لتلك الخاطئة الجاهلة، لأنّها اعترفت بخطاياها وعطشت إلى المياه الحية. فأعطاها نعمة وفوقها نعمة.
الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نشكرك لأنّك تريد مِن كلّ قلبك ألاّ نسجد لك بطريقة شكلية، بل نكرّمك مِن كلّ قلوبنا، ونتقدّس في سيرتنا حامدين نعمتك. طهّرنا لنصبح ساجدين مقبولين عندك. واجعلنا خدّاماً لنتبع ابنك يسوع، الّذي مجّدك في كلّ حين. وأملانا بروح الصّلاة، لكي نجاوب على الدوام كلمتك الأبوية النابعة مِن الإنجيل في كلّ حين.
السؤال:
13- ما الّذي يمنع السجود الحقّ وما الّذي يحقّقه؟
4: 25 قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ, أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ مَسِيَّا, الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَسِيحُ, يَأْتِي. فَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ. 26 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, أَنَا الَّذِي أُكَلِّمُكِ هُوَ.
شعرت المرأة بشيء مِن الحقّ والقوّة في كلمات محبّة يسوع. ولم تفهم أعماق قوله تماماً، لكنّها تمنّت تحقيق المواعيد، التي كلّمها بها في حياتها. فتذكّرت عندئذ بواسطة إلهام الرّوح القدس تلك النبوة بقرب مجيء المسيح. وألقت رجاءها بالتّمام على اسمه، مؤمنة أنه وحده يستطيع أن يخبرها، ما هي عبادة الله الحقّة، التي توصلها بالقدّوس عمليّاً. وللعجب فان يسوع لم يعلن نفسه بكلّ وضوح في كلّ حوادث الإنجيل كما أعلنها في هذا الموقف أمام هذه المرأة التائبة. فقال لها أنا هو المنتظر، المرسل مِن الله، الممتلىء بالرّوح القدس. أنا في ذاتي عطية الله إلى البشر. أنا كلمة الله المتجسّدة. وقوّته والخلاص المعدّ للجميع، أنا هو المسيح. ولم تعلم المرأة أنّ معنى لقب المسيح هو ملك الملوك، ونبي الأنبياء، ورئيس الكهنة. ربّما سمعت أنّ مجيئه مرتبط بقيامة الأموات، ونشر سلام الله على الأرض. ولعلّها هذه المرأة سمعت التمنيات السياسية مِن اليهود المتعلقة بهذا الأسم. إنها لا تفهم كلّ هذه الالغاز. فكلّ ما طلبته هو مخلّص يفديها مِن خطاياها. وهي مؤمنة بأن المسيح هو المقتدر أن يخلّصها إلى التمام. وعندئذ قال يسوع لها: أنا هو المتكلّم معك. كلّ مخططات السماء وجميع وعود الآب وعامة النبوات التقت في هذه العبارة “أنا هو”. ولم يجد أي إنسان السلطان والجرأة، ليوضح بكلّ هذا الوضوح أنه المسيح. وسوف يأتي المسيح الدجال، الّذي لعلّه يقول عند مجيئه أنّه هو. ولكنّ المسيح الحقّ هو المحبّة المتجسّدة الّذي لا يحتقر خاطئة جاهلة، بل يرحم حتّى السامرية الغريبة. انّه المحبّة وليس تسلطاً، هو الرحمة وليس دينونة.
ب: يسوع يرشد تلاميذه لرؤية الحصاد الجاهز
( 4: 27- 38).
4: 27 وَعِنْدَ ذَلِكَ جَاءَ تَلاَمِيذُهُ, وَكَانُوا يَتَعَجَّبُونَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ مَعَ امْرَأَةٍ. وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ, مَاذَا تَطْلُبُ أَوْ لِمَاذَا تَتَكَلَّمُ مَعَهَا. 28 فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ, 29 هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَاناً قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ.. 30 فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ.
في قمّة بحثه مع المرأة، عاد التلاميذ مِن القرية حيث اشتروا اللوازم للغذاء. فاستدارت عيونهم لَمّا رأوا يسوع وحده مع امرأة خاطئة، وهي فوق ذلك سامرية نجسة. لكن لم يتجرأ أحد منهم على الكلام، لأنّهم شعروا بحضور الرّوح القدس، ولاحظوا أعجوبة مِن الله عملها المسيح. لأنّ وجه المرأة تغيّر بواسطة نظرتها إلى المسيح وسماعها لكلامه. فخيّم عليها سرور معرفة المخلّص. فعندئذ تركت المرأة الجرة الفارغة. لم تعط يسوع جرعة الماء التي طلبها، بل هو الّذي أروى غليلها بالغفران ومعرفة الله. وقد تحقّقت فيها نبوة يسوع رأساً، لأنّها أصبحت رمز ينبوع الماء الحي لكثيرين. فركضت المرأة إلى القرية وكلّمت النّاس، ودلتهم على المسيح. لقد كان فمها ينبوعاً لكلمات وسخة مِن قبل، ولكن ها هي ذي أصبحت بئراً لماء صاف بشهادتها للمسيح. وقد جذبت النّاس إلى المخلّص معترفة جهراً أنّ الربّ كشف لها خطاياها. وأهل القرية شعروا بهذا الاعتراف بتزعزعها وفرحها، أنه قد حدث لها حادث غريب. ولاحظوا قوّة الله العاملة في هذه المرأة، وتعجّبوا وتيقّظوا وتمنّوا أن يكتشفوا السرّ. فقاموا عاجلين وتراكضوا إلى البئر، حيث كان يجلس يسوع وتلاميذه. وهذه صورة نموذجية عما يحدثه المسيح فيمن يتبعه. فان أدركنا ما هي عطيّة الله ومَن الّذي أعطانا إياها، فلا نستطيع إلا اخبار أصدقائنا وجيراننا أن المسيح حلّ فينا وهو يخلّص. عندئذ ينشأ فيهم الشوق إلى المياه الحية. والرّوح القدس يطفيء عطشهم العميق، ان آمنوا بيسوع المخلّص. فهل أصبحت ينبوعاً للحياة الأبديّة لكثيرين؟ والاّ فاعترف أمام يسوع بخطاياك، وسلمه حياتك، لكي يطهّرك ويقدّسك ويملأك بروحه، فتصبح بركة لكثيرين، مثلما جعل مِن الزانية مبشّرة في محيطها.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، أشكرك لأنّك كشفتني وتعرفني. لست أحسن مِن المرأة الخاطئة في السامرة. فاطلب غفران خطاياي. امنحني عطيّة الله، التي تطفي عطشي إلى الحقّ والطهارة والحياة. افتح عيني لأرى الآب السماوي. واملأ قلبي بروحك القدّوس، لكي أصبح إنساناً نافعاً، وتصير حياتي كلّها عبارة عن السجود لتعمتك. خلّص كثيرين في محيطي، واجذبهم إليك لأنّك لا ترفض مَن يقبل نحوك.
السؤال:
14_ كيف نتغيّر إلى ينبوع الماء الحي؟
4: 31 وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ سَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ, يَا مُعَلِّمُ, كُلْ 32 فَقَالَ لَهُمْ, أَنَا لِي طَعَامٌ لآكُلَ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ أَنْتُمْ. 33 فَقَالَ التَّلاَمِيذُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ, أَلَعَلَّ أَحَداً أَتَاهُ بِشَيْءٍ لِيَأْكُلَ. 34 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ. 35 أَمَا تَقُولُونَ إِنَّهُ يَكُونُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ثُمَّ يَأْتِي الْحَصَادُ. هَا أَنَا أَقُولُ لَكُمُ, ارْفَعُوا أَعْيُنَكُمْ وَانْظُرُوا الْحُقُولَ إِنَّهَا قَدِ ابْيَضَّتْ لِلْحَصَادِ. 36 وَالْحَاصِدُ يَأْخُذُ أُجْرَةً وَيَجْمَعُ ثَمَراً لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ, لِكَيْ يَفْرَحَ الزَّارِعُ وَالْحَاصِدُ مَعاً. 37 لأَنَّهُ فِي هَذَا يَصْدُقُ الْقَوْلُ, إِنَّ وَاحِداً يَزْرَعُ وَآخَرَ يَحْصُدُ. 38 أَنَا أَرْسَلْتُكُمْ لِتَحْصُدُوا مَا لَمْ تَتْعَبُوا فِيهِ. آخَرُونَ تَعِبُوا وَأَنْتُمْ قَدْ دَخَلْتُمْ عَلَى تَعَبِهِمْ.
بعدما بنى يسوع نفس الخاطئة وأرشدها إلى الحياة الأبديّة، التفت نحو تلاميذه الأتقياء، ليخدمهم بنفس الخدمة. لأنّ أفكارهم كانت ما تزال دنيوية، مفتكرة بالطعام. ولم يفرحوا ويشعروا تماماً أنّ روح الله حلّ في قلب السامرية المحتقرة. ولا شكّ في أنّ الاكل والشرب ضروري للبقاء، لكن يوجد طعام أهم مِن الخبز، وقوّة أكثر إشباعاً مِن الماء. وأولئك التلاميذ كانوا لم يعرفوا بعد الطعام الرّوحي، ولم يفهموا كلمات ربّهم بدقّة. فلم يكونوا بأفضل من الخاطئة، رغم تقواهم واتباعهم ليسوع، لأنّ كلّ مَن لا يولد مِن فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله.
وأمّا يسوع فرحم أتباعه المفتكرين بالطرق المادية، وأعلن لهم سرّ ذهنه الخاص. وأوضح لهم معنى الغذاء الرّوحي كما ناوله هو. وهذا الغذاء الرّوحي يشبع النفس أكثر مِن كلّ مأكولات العالم. فالمسيح لم يشبع نفسه بنيل الطعام وابتلاعه بل باعطاء البركات وتنفيذ إرادة أبيه. وسمّى المسيح نفسه رسول الله. ومما لا شكّ فيه، انّه كان دائماً الابن الحرّ المستقل. لكنّه كان مطيعاً لأبيه كلّ ثانية وعمل إرادته بفرح، لأنّ الله محبّة. ومَن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه. فاطاعة المسيح لا تدلّ على انّه أصغر مِن أبيه، بل ذلك برهان لمحبته العظيمة. وسمّى الابن خلاص العالم عمل أبيه، رغم أن الابن نفّذ هذا العمل وحده. ولكنّه لم يرد أن ينل مجداً لنفسه، بل أعطى كلّ المجد لأبيه. كما أن أباه أعطى كلّ شيء سابقاً للابن. وهكذا نرى في الإنجيل مراراً، انّ المسيح مجّد أباه دائماً. كما ابرز الآب ابنه وأجلسه عن يمينه، ودفع إليه كلّ السلطان في السماء وعلى الأرض.
وعند بئر يعقوب، كانت مشيئة الآب أنْ يخلّص المرأة المحتقرة فلم يكن اليهود وحدهم مدعوين لفداء المسيح، بل كلّ النّاس. الكلّ فسدوا وحملوا بأنفسهم الجوع الكبير إلى الله. ورأى يسوع بالتقائه مع الزانية نضوجاً وجوعاً إلى الغفران في أعماق قلبها. وظهر الاستعداد لخلاص الله أكثر مما رأه عند اليهود حتّى اليوم. وفجأة أبصر أمامه البشر كلّهم كحقل واسع ممتليء بقمح ناضج للحصاد متموّج بحبوب الرّوح القدس.
أمّا التلاميذ فلم يروا هذا الحقل العالمي الحاضر للحصاد، بل أعينهم التفتت إلى نبتة القمح الخضراء، الطالعة مِن الأرض البنيّة، لأنّ يسوع وصل إلى السامرة في فصل الشتاء. والعادة أن الحصاد يحتاج إلى عدّة شهور حتّى ينضج. ولكن يسوع أخذ الصورة عن الحصاد الذهبي مثلاً، كإنّما يقول: أنتم تنظرون إلى الحقيقة السطحية والظاهر. ادركوا الحقيقة في القلوب، والأسئلة المستترة، والشوق إلى الحياة، والبحث عن الله، والانقلاب المبتدىء. اليوم يوم الحصاد. كثير من النّاس، يستعدّون لقبول ابن الله كمخلّصهم الشخصي، ان قدمتم لهم بشرى الخلاص بالحكمة والمحبّة. ربّما تقول: أنا اختبر تماماً العكس. فكلّ النّاس من حولي عنيدون ومتعصبّون وعميان. وهذا تماماً ما فكّر به التلاميذ زمن يسوع، لأنّهم نظروا بسطحية. أمّا يسوع فأبصر القلوب. فلم يحكم على الخاطئة، التي رفضته في بداية البحث كغريب. وما أحجم عن تكلّيمها لَمّا لم تفهم معاني كلماته الرّوحية، وخاطبها بوضوح لَمّا كنمت عيوبها في نفسها. وهكذا ساعدها أكثر بارشاد الرّوح القدس. وأيقظ فيها تذكر السجود والمعرفة بسلطان المسيح، حتّى أصبحت مبشّرة لقريتها. فما أعظم التغيير! فالزانية أصبحت مبشّرة. انها كانت أقرب لعمل الرّوح القدس مِن الرئيس نيقوديموس. فكلّ مَن يخدم الرّبّ يحتاج إلى بصيرة محبّة يسوع ليرى في محيطه الجائعين إلى بر الله. وربّما هم خشنون بتصرفاتهم ورافضو البشارة، لا تهتم بهذا، فانّ الله يحبّهم، والمسيح يدعوهم. وذهنهم يتنور بالنّعمة رويداً رويداً. فإلى متى تقف صامتاً في العالم الممتليء بالقلوب الطالبة الله؟
وحيث يهتدي الإنسان، ويرجع إلى المسيح، تتحقّق فيه الحياة الأبديّة. ويعم الابتهاج في قلوب كثيرين وحتّى في السماء، لأنّه يكون فرح عند ملائكة الله، بخاطيء واحد يتوب. وكلّ خدام الربّ يشتركون في سرور الله، الّذي يريد أنّ جميع النّاس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون. فمن ينسجم بهذه الإرادة الإلهيّة المبدئية، وينفّذها بإطاعة روحية، ويبشّر الآخرين بالتواضع، فنفس هذا الإنسان تشبع وتمتليء سروراً، كما قال يسوع في الإعلان عن نفسه الخاص: طعامي أن أعمل مشيئة، الّذي أرسلني وأتمّم عمله.
وكمل يسوع تعليمه لتلاميذه، قائلاً: أنا أرسلتكم للحصاد. ويوحنّا المعمدان قد حرث مِن قبل الحقل اليابس ببشارة التّوبة. ويسوع نفسه كان هو حبة القمح، التي وضعها الله في الأرض المفلوحة. وكلّنا نحصد اليوم ثمار موته على الصليب.
ولئن دعاك يسوع إلى حصاده، فلا تنس أنّ هذا الحصاد ليس لك، وهذه الثمار ليست ثمارك. كلاّ فالحصاد عمل الله. وقوّة المسيح تنضج في ثمار الرّوح القدس. كلّنا عبيد بطالون. ولكن المسيح يدعونا للاشتراك في الخدمة الإلهيّة، بعض المرّات للزرع وأحياناً للحرث أو الحصاد. للعجب فهذه الأعمال تتم بعض الأحيان بنفس الوقت، لكي يكمل فرحنا. ولكن مِن الخير لنا، ألاّ ننسى أنّنا لسنا عمال الله الأوّلين، بل لقد تعب أناس قبلنا بالدموع الكثيرة. وصلواتهم مذكورة في السماوات. وأنت لست أكثر خدّام الرّبّ موهبة وأفضل تصرفاً، فانّك في الحقيقة أوّل الخطاة الّذين برّرهم المسيح، وتعيش في كلّ ثانية من نعمته الغافرة. تعلّم الاطاعة لروح الربّ في خدماتك التبشيرية، فتنسجم بإرادة أبيك، وتخدمه بتسابيح الحمد وسط الحصاد. وتعظّم أباك السماوي مع الحاصدين الآخرين، القائلين: ليأت ملكوتك، ولك القوّة والملك والمجد إلى الأبد آمين.
ج: التبشير في السامرة
(4: 39- 42)
4: 39 فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كَلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ, قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. 40 فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ, فَمَكَثَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. 41 فَآمَنَ بِهِ أَكْثَرُ جِدّاً بِسَبَبِ كَلاَمِهِ. 42 وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ, إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كَلاَمِكِ نُؤْمِنُ, لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ.
تراكض مِن المدينة القريبة أفواج مِن النّاس إلى يسوع. وكلّهم كانوا متأثّرين بتوبة المرأة الخاطئة، التي اعترفت بارشاد يسوع لها جهراً. وقد رأى المسيح في هذه الجماهير حقلاً أبيض، موشكاً على النضج للحصاد. فشهد لهم بالتّوبة والخلاص والإيمان والحياة الأبديّة. ومكث عندهم يومين كاملين. وكان تلاميذه يتكلّمون في البيوت مع الأفراد، وها هم أولاء عاملون في الحصاد، كما أخبر يسوع قبيل ذلك. وشخصيته وكلماته أثّرت في الجماهير تأثيراً عميقاً. فشعروا وأدركوا أنّ الله أتى بيسوع إلى عالمنا القلق، ليخلّص الخطاة. وهكذا فالسامريون كانوا أوّل مَن أطلق على يسوع لقب مخلّص العالم، كما نقرأه في إنجيل يوحنّا، لأنّهم شعروا أنّ يسوع لم يخلّص أهل وطنه فقط، بل حمل خطيئة كلّ النّاس، وفيه القوّة الكافية لملء كلّ الفانين بحياته الأبديّة. وليست نهاية لقدرة محبّة يسوع حتّى اليوم. فهو يستطيع أن يحرّر المقيّدين بالخطايا، من سلطة الشيطان. ويحمي المحرّرين، ويحفظهم في ملكوته. فبالحقيقة انّ يسوع هو حاكم العالم. لقد سُمّي القيصر في روما بهذا اللقب “مخلّص العالم وحافظه”. ولكنّ السامريين، أدركوا أن يسوع كان أعظم مِن كلّ القياصرة ويمنح البشر سلام الله الأبدي.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع نشكرك، لأنّك بنيت نفس الخاطئة وأنفس تلاميذك، وأريتهم أنّ اطاعة الرّوح القدس أفضل سجود. فحرّرنا من كلّ تأخر، أو تخطيطات خاصّة. لكي نتمم إرادتك بفرح كاملاً عاجلاً، ونقدّم خلاصك لكثير مِن الضّالين، لكي ينالوا الحياة الأبديّة بإيمانهم بك.
السؤال:
15- كيف ندرك أنّ حقل البشر قد أبيض للحصاد، وكيف نصبح فعلة نافعة ليسوع؟
5- شفاء ابن الموظف الملكي
(4: 43- 54).
4: 43 وَبَعْدَ الْيَوْمَيْنِ خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى الْجَلِيلِ, 44 لأَنَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ شَهِدَ أَنْ, لَيْسَ لِنَبِيٍّ كَرَامَةٌ فِي وَطَنِهِ. 45 فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْجَلِيلِ قَبِلَهُ الْجَلِيلِيُّونَ, إِذْ كَانُوا قَدْ عَايَنُوا كُلَّ مَا فَعَلَ فِي أُورُشَلِيمَ فِي الْعِيدِ, لأَنَّهُمْ هُمْ أَيْضاً جَاءُوا إِلَى الْعِيدِ. 46 فَجَاءَ يَسُوعُ أَيْضاً إِلَى قَانَا الْجَلِيلِ, حَيْثُ صَنَعَ الْمَاءَ خَمْراً.
بشّر يسوع وتلاميذه بفرح كبير في منطقة السامريين، وكرزوا لهم بقوّة الحياة الأبديّة. وعلم الرّبّ انّ زمن تبشير الأمم لم يحن بعد، بل كان ينبغي عليه أن يغلب أوّلاً الرّوح الشرّير في وطنه فتقدّم مباشرة إلى الجليل، رغم استهزاء أهل الناصرة به وتعرّضه لخطر الموت بينهم، لأنّ أصدقاءه ومعارفه وأقرباءه لم يؤمنوا بالوهيته، إذ كان من عائلة بسيطة فعثروا بذلك ولم يصدّقوه. وبما انّهم كانوا يطلبون الغنى والشهرة، احتقروا يسوع الفقير، الّذي لم يقدر ان يعمل آية بينهم تدل على مجده لأجل عدم إيمانهم.
لكنّ صيت يسوع انّه شاف وواعظ عظيم انتشر في كلّ البلاد. وحقيقة عجائبه، الّتي قام بها في أورشليم، سبقته إلى المنطقة الجبلية في الجليل. لأنّ الجليليين الّذين جاؤا إلى أورشليم في عيد الفصح كانوا جمعاً كثيراً. وقد رأوا وسمعوا بما عمله يسوع وقاله تبشيراً بسلطانه الفائق، لذلك حيوه وتلاميذه لَمّا وصل إلى القرى الجليلية، وتمنّوا أن يعمل عجائب بينهم، فينالوا مِن قدرته نفعاً. ورجع يسوع مباشرة إلى بيت العريس في قانا، حيث جعل فرح العرس شعاراً لخدمته. وأراد أن يكمل خدمته في الّذين ابتدأوا أن يثقوا ويؤمنوا به لأجل أعجوبته الأولى، الّتي صنعها في العرس قبل نصف سنة تقريباً.
4: 46 وَكَانَ خَادِمٌ لِلْمَلِكِ ابْنُهُ مَرِيضٌ فِي كَفْرَنَاحُومَ. 47 هَذَا إِذْ سَمِعَ أَنَّ يَسُوعَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجَلِيلِ, انْطَلَقَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ وَيَشْفِيَ ابْنَهُ لأَنَّهُ كَانَ مُشْرِفاً عَلَى الْمَوْتِ. 48 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ, لاَ تُؤْمِنُونَ إِنْ لَمْ تَرَوْا آيَاتٍ وَعَجَائِبَ. 49 قَالَ لَهُ خَادِمُ الْمَلِكِ, يَا سَيِّدُ, انْزِلْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ابْنِي. 50 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, اذْهَبْ. اِبْنُكَ حَيٌّ. فَآمَنَ الرَّجُلُ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا لَهُ يَسُوعُ, وَذَهَبَ. 51 وَفِيمَا هُوَ نَازِلٌ اسْتَقْبَلَهُ عَبِيدُهُ وَأَخْبَرُوهُ قَائِلِينَ, إِنَّ ابْنَكَ حَيٌّ. 52 فَاسْتَخْبَرَهُمْ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي فِيهَا أَخَذَ يَتَعَافَى, فَقَالُوا لَهُ, أَمْسٍ فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ تَرَكَتْهُ الْحُمَّى. 53 فَفَهِمَ الأَبُ أَنَّهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الَّتِي قَالَ لَهُ فِيهَا يَسُوعُ إِنَّ ابْنَكَ حَيٌّ. فَآمَنَ هُوَ وَبَيْتُهُ كُلُّهُ. 54 هَذِهِ أَيْضاً آيَةٌ ثَانِيَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ لَمَّا جَاءَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجَلِيلِ.
جاء موظف ذو أهمية، وهو مِن حاشية أحد الملوك، الّذي مِن عائلة هيرودس. لأنّه سمع عن يسوع وسلطانه، فأسرع إليه عاجلاً. فصار اهتمام في القرية، وتكلّم ابناؤها مع بعض قائلين: “الآن يقترب مِن الشافي مَن في وسعه أن يكون وسيطاً له عند الملك”. وهذا يعني قوّة ونفوذاً للمسيح في بلاط الحاكم. فهذا الموظف كان له ابن مريض، في مدينة كفرناحوم، الواقعة على شاطىء بحيرة طبريا. ولقد جرّب الوالد مِن أجل ولده كلّ الأطباء، وصرف مبالغ ضخمة عليهم. فلم يستطيعوا انقاذه. وبمحاولة أخيرة جاء إلى يسوع ليجربه، أيستطيع إعانته أم لا؟ وطلب إليه أن يترك مكانه في قانا الجبلية، ويرافقه نازلاً إلى المدينة التي على الشاطىء، علّه بحضوره يشفي ولده المدنف إلى الموت. وطلب منه بالحاح، أن يسرع للغوث، لأنّ الموت مترصد على الباب. وعجباً فانّ يسوع لم يرحب بالرجل الملكي ترحيباً كبيراً، بل استاء، لأنّ الموظف لم يدرك ولم يؤمن، ان يسوع هو في ذاته عطية الله، وليس ما يجريه مِن شفاءات. فحسب المسيح ثقة محاولة تجريبه في قدرته الشفائية عُدّ إيمان، لأنّ قصدهم ما كان إلاّ اختباراً ماديّاً لمصالحهم الشخصية. وان إيمانهم كان تصديقاً متأرجحاً نفعيّاً. ويسوع لا يستطيع المساعدة والتخليص ان لم يكن الإنسان مؤمناً إيماناً صحيحاً بشخصه الفريد. ولكن يا للأسف! فكثير مِن المصلين يؤمنون يصلّون، وهم مؤمنون ومتشككون في الوقت نفسه، ولا يريدون إلاّ العون المادي. أمّا المؤمن الحقيقي بالربّ يسوع، فانه يستند على كلّمته بلا قيد ولا شرط. ويثق بشخصه، قبل أن ينال عونه.
لم يحرد الموظف الملكي أمام كلّ الحضور مِن تأنيب يسوع له: بل تواضع جهراً وخاطبه بكلمة السيد والرّبّ، حسب النص اليوناني، الّذي يعني انّه اعتبر نفسه خادماً للمسيح. وفي محبته بابنه واحترامه ليسوع، طلب مرّة أخرى حضوره إلى كفرناحوم، لكيلا يحصد الموت ابنه. فأبصر يسوع عندئذ في قلب الرجل الاستعداد للإيمان بجلاله وقال له الكلمة الخالقة: اذهب، ابنك حي. فلم يوافق يسوع على طلب الموظف، أن يرافقه في سفرته إلى كفرناحوم لرؤية الصبي، بل امتحن إيمان والده، ليشفيه مِن إيمانه المتردد. فهل يعود الرجل حزيناً وزعلاناً إلى بيته؟ أو يثق بقدرة يسوع، انّه قادر على الشفاء رغم البعد البعيد، كما يستجيب الله الصلوات؟ وقد اختبر وصيف الملك، خلال المحادثة شخصية يسوع ومحبّته. وتأكّد أنّه لا يكذب، وشعر أنه يعني ما يقول ولا يسخر به. فابتدأ أن يؤمن بكلمات يسوع. ولم ير عياناً شفاء ابنه انئذ، بل أطاع أمر يسوع رأساً، ورجع إلى كفرناحوم، وفي قلبه صراع وكفاح، وذهابه باطاعة الإيمان، أكرم يسوع وحقّق الشفاء.
وكفاحه الإيماني على طول الطريق كان متعلّقاً بشخص يسوع الغريب، ومفتكراً في ذهنه: لئن شفا يسوع ابني رغم أنّ الموت احتضنه، فيكون أعظم مِن كلّ النّاس. والشفاء يكون برهاناً لسلطانه ومصدره الإلهي. وهكذا وثق الأب المعذّب بانتصار المسيح أكثر فأكثر، حتّى أصبح طريقه تدريباً لإيمان نام.
ولم يترك يسوع المكافح في الإيمان لوحده، بل ألهم عبيد ذلك الموظف، فأسرعوا إليه مبشّرين بشفاء ابنه تماماً، فسقطت همومه عندئذ مِن قلبه، وتهلّل بفرح. وقد أراد الرجل التأكّد مِن الساعة التي انكسرت فيها حدّة الحمّى عن ولده، فقالوا له الساعة الواحدة ظهراً، في الوقت التي تكون فيه الحمى في أعلى درجاتها عادة. وكانت تلك الساعة هي اللحظة، التي نطق فيها يسوع بأمره القادر بشفاء الولد مِن بعد بعيد.
وشهد هذا الرجل بعدئذ بشكر كبير لأهل بيته بسلطة محبّة المسيح، وأرشدهم للإيمان بابن الإنسان. ولا شكّ أنّ الصبي نفسه لم ينس هذا الاختبار لقوّة المسيح. وهذه الحادثة العجيبة، كانت الآية الثانية، التي ذكرها يوحنّا البشير مِن أعمال يسوع الكثيرة. فتأثيره دخل حاشية الملك. وكلّ النّاس، انتظروا ما سوف يحدث في المستقبل. وشعروا أنّ الإيمان بالمسيح هو العبادة المحقة المقبولة عند الله التي يحقّقها بعجائب وقوى ونعم.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لمحبّتك، لأنّك شفيت الابن المريض للموظف الملكي في كفرناحوم رغم البعد البعيد. وأرشدت الأب إلى إيمان ثابت بشخصك. علّمنا الإيمان الأمين بقوّة محبتك وقدرة شخصيتك. ونلتمس خلاص الكثيرين مِن الأموات في الذنوب والخطايا، ونؤمن باستجابة صلواتنا.
السؤال: 16- ما هي درجات النمو في الإيمان، الّتي تطوّر إليها الموظف الملكي؟
الجزء الثاني
النّور يضيء في الظلمة
والظلمة لم تدركه
(الاصحاح 5: 1- 11: 54)
أوّلاً: السفرة الثانية إلى أورشليم
وموضوعها اتضاح العداوة بين اليهود ويسوع
(5: 1- 47)
- شفاء المريض في بيت حسدا
(5: 1- 16)
5: 1 وَبَعْدَ هَذَا كَانَ عِيدٌ لِلْيَهُودِ, فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 2 وَفِي أُورُشَلِيمَ عِنْدَ بَابِ الضَّأْنِ بِرْكَةٌ يُقَالُ لَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ بَيْتُ حِسْدَا لَهَا خَمْسَةُ أَرْوِقَةٍ. 3 فِي هَذِهِ كَانَ مُضْطَجِعاً جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنْ مَرْضَى وَعُمْيٍ وَعُرْجٍ وَعُسْمٍ, يَتَوَقَّعُونَ تَحْرِيكَ الْمَاءِ. 4 لأَنَّ مَلاَكاً كَانَ يَنْزِلُ أَحْيَاناً فِي الْبِرْكَةِ وَيُحَرِّكُ الْمَاءَ. فَمَنْ نَزَلَ أَوَّلاً بَعْدَ تَحْرِيكِ الْمَاءِ كَانَ يَبْرَأُ مِنْ أَيِّ مَرَضٍ اعْتَرَاهُ. 5 وَكَانَ هُنَاكَ إِنْسَانٌ بِهِ مَرَضٌ مُنْذُ ثَمَانٍ وَثَلاَثِينَ سَنَةً. 6 هَذَا رَآهُ يَسُوعُ مُضْطَجِعاً, وَعَلِمَ أَنَّ لَهُ زَمَاناً كَثِيراً, فَقَالَ لَهُ, أَتُرِيدُ أَنْ تَبْرَأَ. 7 أَجَابَهُ الْمَرِيضُ, يَا سَيِّدُ, لَيْسَ لِي إِنْسَانٌ يُلْقِينِي فِي الْبِرْكَةِ مَتَى تَحَرَّكَ الْمَاءُ. بَلْ بَيْنَمَا أَنَا آتٍ يَنْزِلُ قُدَّامِي آخَرُ. 8 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, قُمِ. احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ. 9 فَحَالاً بَرِئَ الإِنْسَانُ وَحَمَلَ سَرِيرَهُ وَمَشَى. وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْتٌ.
أمضى يسوع على الأرجح تسعة أشهر في الجليل. وبعدئذ صعد إلى أورشليم بمناسبة عيد المظال، لأنّه علم أنّ معركة الإيمان ستكون فاصلة في عاصمة الأمّة. وأرشده الرّوح القدس إلى الأسس المسبّبة لعدم الإيمان به في الناموسيين (الشريعيين) والأتقياء. أمّا يسوع فحفظ بذاته الناموس (الشريعة) بأمانة، وكان يحج ثلاث مرّات في السنة إلى مسكن الله في القدس، إن أمكنه ذلك (تثنية 16: 6). وفي وسط المدينة كان نبع قديم يجري، فبنوا حوله بركة، يأتيها النّاس للاستحمام. ولقد شيّد الملك هيرودس على هذا النبع بركتين فخمتين، أقام على كلّ مِن طرفيهما زوجين من صفوف الأعمدة، وبينهما صف مِن الأعمدة أخر. وجعل فوق البركتين على الأعمدة سقفاً مزيّناً. وقد أكتشف هذا الأثر قبل عدّة سنوات بكلّ تفصيل. وهذا البناء الفخم سُمّي بيت الرحمة، لأنّ مرضى كثيرين كانوا يؤمّون المكان بغية الشفاء. وهم ينتظرون تحريك الماء، ظانّين أنّ الّذي يقذف بنفسه أوّلاً إلى الماء عند تحركه يشفى. وكلّ الأعين كانت شاخصة إلى صفحة الماء. وكلّما كان يتحرّك الماء يركض الجميع، ويرمون أنفسهم في البركة. وزار يسوع هذا المكان المكتظ بالمرضى. وفيما هو يمرّ بالرجل الّذي كان مقعداً منذ ثمان وثلاثين سنة، لاحظ مرارته وآلامه القاسية. وقرأ في قلبه ضيقه الكبير وبغضته للناس، لأنّ في بيت الرحمة هذا كلّ يفكّر بنفسه، وليس أحد يرحم المسكين الّذي لا يقدر أن ينهض. ولكن المريض مع ذلك لم يفقد رجاءه النهائي. بل كان ينتظر يوميّاً الفرصة الفريدة للحصول على رحمة الله. وفجأة وقفت الرحمة المتجسّدة أمامه. وابتدأ يسوع بعلاجه، إذ حوّل التفات نظر الرجل من الماء إلى شخصه. وبعدئذ ألهب إرادته للحصول على الشفاء. وأعطاه فرصة ليصب كلّ ضيقه أمامه. ولم يشتم المريض النّاس، إنّما انفجرت مرارته حقداً لَمّا قال معترفاً: ليس لي إنسان يهتم بي. وكثيراً ما حاولت الشفاء، ولكن رجائي اضمحلّ. وثقتي بالنّاس تلاشت. كلّ يفكّر في ذاته. فمَن يسأل عني؟ لعلّك تريد أن تنتظر مدّة إلى حين تحرّك الماء حتّى ترفعني وتلقيني إليه؟ ليس لي إنسان! هل هذا حالتك أيّها الأخ؟ أأنت مرفوض من الآخرين؟ عندئذ نقول لك: المسيح واقف أمامك، مهتم بك. وقد بحث عنك، ووجدك أخيراً. وهو قادر أن يعينك، ويمنحك خلاصاً. وهذا كان تماماً الشعور الّذي أحسّسه المريض، لَمّا نظر بعينيه المتسائلتين إلى عيني يسوع المرجوتين، لأنّ رثاءه خلق في المريض الثقة برب المحبّة. وعندما رأى يسوع إرادة المسكين للشفاء وثقته به أنه هو المخلّص، أمره بكلمته القادرة، قم واحمل سريرك وامش. وهذه الكلمات كانت أمراً إلهيّاً. جاعلاً الطلب المستحيل ممكناً تنفيذه. والمريض آمن بكلمة ربّه، وقبل محبّته. ووثق بالقوّة السارية منه. وشعر بالتيّار الداخل إلى عظامه والقوّة المنعشة في جسده. فتقوّى وشفي. ولم يلبث المريض أن قفز بفرح، ووقف على رجليه ورفع سريره، الّذي بلّله ثمان وثلاثين سنة بالدموع. ورفعه فوق رأسه وحمله بتهلّل. فإيمانه ألتقى بكلمة المسيح القادرة، وخلق فيه شفاء مباشراً.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح نشكرك، لأنّك لم تعبر عن المريض المسكين دون أن تلاحظه بعطفك. فما كان له إنسان إلاّ أنت رحيم حنّان. فساعدنا أيضاً أن نتمسّك بك، ولا نتّكل على عون النّاس. وغيرنا إلى صورة محبّتك لنطلب الآخرين ونهتم بهم، ونشركهم في البركات، الّتي منحتها لنا بلطفك.
السؤال:
17- كيف شفى يسوع المريض في بركة بيت حسدا؟
5: 9 وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبْتٌ. 10 فَقَالَ الْيَهُودُ لِلَّذِي شُفِيَ, إِنَّهُ سَبْتٌ. لاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ سَرِيرَكَ. 11 أَجَابَهُمْ, إِنَّ الَّذِي أَبْرَأَنِي هُوَ قَالَ لِي احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ. 12 فَسَأَلُوهُ, مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي قَالَ لَكَ احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ.. 13 أَمَّا الَّذِي شُفِيَ فَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَنْ هُوَ, لأَنَّ يَسُوعَ اعْتَزَلَ, إِذْ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ جَمْعٌ.
فرح كلّ الحضور في أروقة بيت حسدا الشافية ما عدا الناموسيين (الشريعيين) المتعصبين. فهؤلاء اغتاظوا غيظاً أحمق، لأنّ الشفاء تمّ يوم السبت. ولم يشف يسوع المريض فقط، بل أمره أيضاً أن يحمل سريره في أزقّة المدينة الضيقة. وهذا العمل حُسب خطيئة صارمة ضدّ الله ووصيته بحفظ السبت، لأنّ كلّ نوع مِن الأشغال وشبهها كان ممنوعاً في يوم الراحة هذا. ومَن تعدى هذه الوصيّة حُكم عليه بالموت رجماً (سفر عدد 15: 32- 36). واعتقد اليهود أيضاً أن المسيح الموعود لا يأتي إلاّ إذا حفظت الأمّة كلّها السبت بلا أدنى تقصير.
ولم يرجم اليهود حامل سريره فوراً، لأنّ الناموس (الشريعة)كان يطلب قبل تنفيذ الحكم تحذير المخالف. فاعتراض الفريسيين يعني تحذيراً وتهديداً بالموت. وعندئذ تضايق المشفي، ودافع عن نفسه محتميّاً بأمر يسوع، لأنّ حمل السرير إلى بيته كان شرطاً لتحقيق وتكميل الشفاء. فلم يكن هو المسؤول عن كسر السبت، بل يسوع وحده، الّذي أمره بذلك بعد أن شفاه. فجنّ الناموسيون (الشريعيون). ولتعصبهم لم يشعروا بفرح المشفي. ولم يلاحظوا سلطان محبّة يسوع الظاهر في شفاء المريض، الّذي بقي عاجزاً ثمان وثلاثين سنة حسوماً. فمحاولة المتدينين اغتصاب نعمة الله بحفظ الناموس (الشريعة) برّدت قلوبهم. وهكذا أخذوا يبحثون بحقد ونقمة عن الطبيب العجيب، الّذي تجاسر أن يأمر المريض بالحركة المتعدية على الناموس (الشريعة)، إذ حمل سريره في يوم السبت جهراً. فهذا الرجل كان عاصيّاً الله في نظرهم، ومستحقّاً الموت حالاً. ولم يعرف المشفي مَن هو شافيه، لأنّ يسوع كان غريباً إذ ذاك لأوّل مرّة في رواق بركة بيت حسدا، واختار بسلطانه الإلهي أفقر كلّ المرضى وشفاه وبعد ذلك اختفى عن الأبصار، لأنّ يسوع لم يرد إيماناً بنفسه لأجل العجائب، بل يطلب إيماناًَ في محبته وشخصيته المقتدرة.
5: 14 بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدَهُ يَسُوعُ فِي الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ, هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ, فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضاً, لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ. 15 فَمَضَى الإِنْسَانُ وَأَخْبَرَ الْيَهُودَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأَهُ. 16 وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ, وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هَذَا فِي سَبْتٍ.
فتّش يسوع عن المشفي، ليكمل شفاءه بتحريره مِن خطاياه. فوجده في الهيكل مسبّحاً الله لشفائه. وكان فزعاً وفرحاً بنفس الوقت لَمّا رأى يسوع. ولا نعلم الكلمات، الّتي شكر بها المسيح ولكنّنا نعلم الكلمات الثلاثة، الّتي قالها يسوع له:
1- أنت برئت. أدرك عمق الأعجوبة، الّتي حصلت لك. وقد كنت مِن قبل مريضاً ثمان وثلاثين سنة طباقاً. هذا ليس عملاً إنسانيّاً بل إلهيّاً. فالعامل فيك ليس إنساناً كسائر النّاس، بل الله المتجسّد بذاته. افتح عيني قلبك، وأصغ لصوت الرّوح القدس، فتعرفني، أنا الواقف أمامك.
2- وتعرف خطاياك، لأنّ حياتك بدون الله وضدّه سبّبت مرضك. كلّ شرّك مكشوف أمامي. وبجريان الشفاء لك، غفرت لك خطاياك السابقة وشفيتك مِن سبب المرض أيضاً. ولكي يتمّ الشفاء في عمق باطن الرجل، طلب يسوع منه العزم والطاعة حتّى لا يخطيء فيما بعد. والحصول على غفران الخطايا يتطلّب القرار، ألاّ نعود إلى نفس الخطيئة. والّذي يقبل أمر يسوع هذا وكلمته القادرة، ويندم على خطاياه متألّماً، ينل قوّة إلهية مِن أمر المسيح، فيستطيع الغلبة على الخطيئة بعون الربّ. ويسوع لا يطلب منّا شيئاً مستحيلاً، بل يعطينا مِن روحه القدّوس، لكي تغلب قوّة الله جسدنا وبغضتنا. وروح الحقّ يمكنّنا ألاّ نكذب، ولا نخطيء فيما بعد.
3- مَن يخطيء عمداً ويضاد كلمة المسيح، يسقط مِن النّعمة ويرجع إلى خطايا أوسخ. فبعض المرّات تكون الأمراض والمصائب هي ضربات مِن محبّة الله لنتوب إليه. وأحياناً يكون الغنى والحياة في الرفاهية قصاصاً مِن الله لقساوة القلوب، فيصبح الإنسان شيطاناً نهايته الهلاك. فلا تساير خطيئة ما في حياتك، بل اعترف أمام يسوع بقيودك، واطلب منه أن يحرّرك حقّاً. لا تبق محايداً بين يسوع وخطيئتك، لئلا تسقط فريسة لها. كسّر ميولك الرديئة، وتعاهد مع شخص المخلّص. فهو وحده قادر أن يخلّصك بالتمام. وللعجب! فالمشفي ركض بعد نصيحة يسوع هذه، مِن حضور الصّلاة مباشرة إلى اليهود، كأنّه يخون مخلّصه. وأخبرهم أن الناصري، هو الّذي شفاه وأضلّه عن وصيّة السبت. وربّما أجبره المسؤولون مِن الناموسيين (الشريعيين) أن يتجسس على يسوع، ليستطيعوا القبض عليه. إن كراهية الكهنة ليسوع بعد تطهيره الهيكل لم تكن شديدة، بمقدار حقد الفريسيين ضدّ المسيح بعد شفائه الرجل في السبت. لقد طعن يسوع برّهم المرائي في صميمه، لأنّه أراهم أن إنشاء البِرّ لا يتم بحفظ الوصايا بالطريقة الأنانية، بل الله طلب منهم الرأفة والمحبّة لا غير. فكلّ قداسة بلا محبّة هي كذب. والله يريد منا الرحمة، وليس الطقوس الميتة، ولا النواميس المميتة. والحمد لله فيسوع حرّرنا مِن ألوف الأحكام الناموسية (الشريعية). ومنحنا محبته كوصيّة وحيدة. فلأجل تحرير المؤمنين من كابوس الناموس (الشريعة) ابتدأ الفريسيون باضطهاد يسوع بصرامة وبلا انقضاء.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نسجد لك لأنّك حرّرتنا مِن التقوى المرائية. وحرّرتنا إلى عمل تنفيذ المحبّة. ساعدنا لكي لا نعيش لإنشاء برّنا الخاص فقط، بل تحنّن على المساكين والمحتقرين والغوغاء والضّالين. امنحنا بصيرة محبتك. واغفر لنا إدانتنا للآخرين.
السؤال:
18- لِمَ اضطهد اليهود يسوع؟
2- الله لا يرتاح بل يعمل منسجماً مع ابنه
(5: 17- 20)
17:5 فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ, أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ. 18 فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ, لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ, بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ, مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ.
قبل الشفاء الّذي تمّ في بيت حسدا، كانت المعارضة ضدّ يسوع قليلة وعاطفيّة. ولكن بعد شفاء الرجل المسكين تضاعف بغض أعداء المسيح، وصمّموا على قتله. فالأعجوبة المُتحقّقة في بيت حسدا، كانت نقطة التغيير والانقلاب في العلاقة ما بين المسيح واليهود. فصار مِن بعدها مضطهداً، ومحسوباً الأوّل على القائمة السوداء. فما هو السبب الوجيه في هذا الانقلاب الجذري؟
لقد اصطدم موكب محبّة يسوع بسلطان الناموس (الشريعة) القاسي. ففي ذلك العهد القديم كان الشعب كلّه عائشاً، كأنّما هو في سجن أو تحت ناموسية كثيفة. فمَن تعدّى على وصيّة واحدة حُسب متعديّاً على الناموس (الشريعة) كلّه. ومِن هذا المبدأ، تطوّرت أحكام متعدّدة ترشد النّاس لحفظ الناموس (الشريعة) بدقة، لإنشاء البِرّ بواسطة الأعمال الصالحة والأتقياء تشدّدوا بدقّة وارتعاب، حتّى لا يتجاوزوا وصيّة صغرى، ليحصلوا على مرضاة الله. فأصبح حفظ الناموس (الشريعة) سبيلاً للأنانية وإهمال المحبّة. وبما أن الأمة كانت تعيش متعاهدة مع الله ومحسوبة كوحدة أمامه، فقد حاول المتطرفون أن يجبروا جميع الشعب للالتزام بأحكامهم المتعدّدة. وخصوصاً السبت اعتبر عربون راحة الله في شعب العهد. وكما ارتاح الله في اليوم السابع مِن كلّ أعمال الخلق، هكذا كان ممنوعاً على شعب العهد القيام بأيّ نوع مِن الأعمال في هذا اليوم المختص للسجود وإلاّ يحكم على المتجاوزين للناموس (للشريعة) بالموت المباشر. وهكذا كان السبت في عرف اليهود رمزاً للانسجام بينهم وبين الله. ودلالة على حضوره معهم، كأنه ليس خطيئة حاصلة من الشعب تجاهه.
وفي لقاء تمّ بين يسوع والفريسيين، ولم تذكر كيفية حدوثه، أجابهم على احتجاجهم بنقيض السبت بكلمته القاطعة: انّ الله يعمل. ونقرأ هذه الكلمة “يعمل” أو مشتقاتها سبع مرّات في بيان يسوع للفريسيين. فجوابه على التجمد الناموسي (الشريعي) كان الإعلان عن عمل الله وحركة محبته. وهذا الفكر كان غريباً. ومدهشاً لعقل العبرانيين. كيف يمكن لله ألاّ يستريح حتّى الآن منذ انتهائه مِن الخلق، بل يعمل باستمرار؟ فهذا عكس الاعتقاد اليهودي مئة بالمئة. لكن منذ دخلت الخطيئة العالم، وافسد الموت المخلوقات، وانفصل الكون عن مصدره، لم يرتح الله بعدئذ، بل قام وعمل بكلّ قوّته وقدرته ليخلّص الضّالين، ويرجع الثائرين إلى شركته. فمحبّة الله هي الدافعة في عمله. وتقديسنا هو هدفه لنحقّق محبته في طهارة. فشفاء المسيح في يوم السبت وخلاص المسكين كان صورة طبق الأصل لعمل الله الجوهري. ويسوع بشّر بالنّعمة، ونفذ المحبّة، حتّى ولو ظهر عمله مضاداً للناموس (للشريعة). لأنّ المحبّة هي تكميل الناموس (الشريعة). فالشفاء في يوم السبت كان هجوماً رئيسيّاً مِن يسوع على التقوى الكاذبة، الخالية مِن المحبّة في الناموسيين(الشريعيين) .
عندئذ صرخ اليهود: ان يسوع يكسر السبت وينقضه! النجدة! النجدة! فانّ الناموس (الشريعة) كلّه ليتضعضع. أعمدة العهد تسقط. خذوا المكافح ضدّ الشريعة. فلقد جدّف. وتجاوز وصيّة الله بقصد. وعمل نفسه مشرعاً جديداً، فهو الخطر الأوّل على أمتنا. وللأسف فليس أحد أدرك محبّة المسيح للمسكين. ولا أحد رأى سلطانه في الغلبة على الأرض. فلا تتعجّب إذا لم يدرك النّاس اليوم يسوع المخلّص لأجل تعصبّهم، رغم أنه يحبّهم. فهذا كان أنذاك حاصلاً كما اليوم. ولم يغضب اليهود من يسوع فقط، لأنّه نقض راحة السبت لادخال ناموس (شريعة) محبته، بل انهم قد سمعوا من لسانه ما ظنّوه تجديفاً، قوله انّ الله أبوه الحقّ. وهذه العبارة كانت لكثيرين منهم رجساً، ومسببة اشمئزازاً، لأنّهم صرخوا الله واحد ليس له أولاد. فكيف يكون ممكناً أن يسمّي يسوع الله أباه. ومِن هذا الموقف ظهر جهلهم، انهم لم يكونوا عائشين في الهام الرّوح القدس، أو متعمقين بنصوص التوراة، لأنّ فيها وعود عظيمة بأبوة الله، لم يستطيعوا فهمها، بسبب عقائدهم المغطية لأبصارهم. فالله قد سمّى شعب العهد بكلّيته ابني (تكوين 4: 22 وهوشع 11: 1). فسمّت الأمة القدّوس أباها (تثنية 32: 6 ومزمور 103: 13 واشعياء 23: 10 وارميا 3: 4و 9و 31: 9). والله سمّى أيضاً الملك المؤمن ابنه، وأراد أن يكون له أباً (2 صموئيل 7: 14). ولكن ليس لأحد مِن أعضاء العهد القديم أن يسمي الله أباه الشخصي. فهذا كان مستحيلاً على الفكر اليهودي، ومحسوباً تكبراً زائداً وجنوناً، رغم انّ جميع اليهود علموا الوعد الكائن للمسيح انّه مِن الجنس الإلهي وحاملاً في ذاته الحياة الأبديّة. فبغضة اليهود ليسوع برهنت عدم إيمانهم بانّه هو المسيح.
وجاوب يسوع على ارتعاب اليهود لكلامه بكلّ وضوح، انّه يعمل نفس الأعمال، الّتي يعملها الله بدقّة بالحكمة والسلطان والقداسة والمحبّة. وهذا الإعلان فاق التوضيح السابق، انه ابن الله، ذلك الفكر الّذي يحتمل التفسير انّ الابن يخضع لوالده مطيعاً. أمّا يسوع فسمّى نفسه القادر على كلّ شيء والمعادل لله. فهذا تماماً حسب الخطيئة الأصيلة، الّتي سقط فيها والدانا، وذلك نتيجة لاغراء الشيطان. وكان كفاح اليهود ضدّ مثل هذه الأفكار عنيفاً وبدون رحمة. فمَن يرفع نفسه لدرجة إلهية يُباد مِن الشعب. فأبغض اليهود يسوع مِن صميم قلوبهم كمجدّف وكافر ومضلّ.
ونرى أنّ يسوع تعمّد فتح البحث مع الفرّيسيين لوضع الفاصل العميق بينه وبينهم. وشهد أمامهم جهرا بمصدره وسلطانه. ولكنّ الناموسيين (الشريعيين) كانوا أسرى عقيدتهم المعقدة، وبقوا عمياناً لمجيء الله في الجسد، لأنّ روح المحبّة لم يتمركز في قلوبهم فقرارهم النهائي كان قتل يسوع.
5: 19 فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, لاَ يَقْدِرُ الاِبْنُ أَنْ يَعْمَلَ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً إِلاَّ مَا يَنْظُرُ الآبَ يَعْمَلُ. لأَنْ مَهْمَا عَمِلَ ذَاكَ فَهَذَا يَعْمَلُهُ الاِبْنُ كَذَلِكَ. 20 لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ.
أجاب يسوع على حقد اليهود بمحبّة فائقة، وواجه بغضهم الناموسية (الشريعية) بعظمة عمل محبّة الله. نعم ان الابن يعمل، كما يعمل الاب. ولكنّ يسوع اعترف انّ الابن لا يستطيع أن يعمل شيئاً من تلقاء نفسه. فليست في ذاته قوّة أو قدرة موجودة، إلا ما دام ثابتاً في أبيه.
ووحدته مع الله كانت قريبة بمقدار ما يقف الولد إلى جانب أبيه وينظر إلى يديه كيف تعمل. وتماماً مثلما وكما يعمل الآب هكذا يعمل الابن أيضاً فالمسيح تواضع بهذا الإعلان تواضعاً كلّيّاً، ودفع كلّ المجد لأبيه. فلا يريد أن يعمل من تلقاء نفسه شيئاً. قال انّه لا يستطيع عمل شيء، لأنّه ما كان مستكبراً البتّة، وأكرم أباه تكريماً كبيراً. ليتنا ندرك أنّنا عبيد بطّالون مدعوون، لنقدّس إسم أبينا، كما مجّده يسوع تمجيداً كثيراً. وبما انّ يسوع قد تواضع كثيراً، ولم يعمل شيئاً مِن تلقاء نفسه، حصل على السلطان أن يعمل نفس الأعمال كالله. فكلّ الصفات وأسماء وأعمال الآب. هي صفات وأسماء وأعمال يسوع أيضاً. فهو إله حق أزلي قدير محب ومجيد. ووحدته مع الآب كاملة.
والله الآب يحبّ المسيح لأجل انكاره لنفسه. فلا يخبىء عنه شيئاً، ولا يعمل بدون ابنه فتيلا. إنّما يشركه في حقوقه وقواه وخططه وأعماله اشراكاً كاملاً. وبكلمات المسيح هذه، نقرأ أوضح بيان لوحدة الثالوث الأقدس، لأنّه ليس شركة المحبّة فقط بل شركة العمل أيضاً، إذ الآب والابن والرّوح القدس يعمل معاً كلّ شيء. فإلهنا ليس متجمّداً أو نائماً، إنّما يعمل بكلّيته لفدائنا. فواجبنا إذاً أن نتعزّى بالمعرفة ان الثالوث القدّوس يعمل إلى المنتهى، لتنتهي كلّ الحروب والبغضة والتعصّب في العالم. فما أكبر الفرق بين وحدة محبّة الله العاملة النشيطة والتجمّد الناموسي (الشريعي) المبغض في مجتمعنا.
الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نشكرك لأنّك أرسلت إلينا ابنك. وأريتنا في أعماله، ماذا تعمل، ومن أنت، حرّرنا مِن كلّ فكر ناموسي (شريعي) وشبه ناموسي (شريعي) إلى المحبّة العاملة. وعلّمنا الغفران عوضاً عن التعصّب. ونبتهل إليك لأجل كلّ العميان في الرّوح ليروا حرّية محبّتك، ويخضعوا للطفل بالتواضع والطاعة.
السؤال:
19- كيف ولماذا يعمل الله وابنه؟
3- إقامة الأموات ودينونة العالم هي مِن أعمال المسيح
(5: 20- 30)
5: 20 لأَنَّ الآبَ يُحِبُّ الاِبْنَ وَيُرِيهِ جَمِيعَ مَا هُوَ يَعْمَلُهُ, وَسَيُرِيهِ أَعْمَالاً أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ لِتَتَعَجَّبُوا أَنْتُمْ. 21 لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي, كَذَلِكَ الاِبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ. 22 لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَداً, بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلاِبْنِ, 23 لِكَيْ يُكْرِمَ الْجَمِيعُ الاِبْنَ كَمَا يُكْرِمُونَ الآبَ. مَنْ لاَ يُكْرِمُ الاِبْنَ لاَ يُكْرِمُ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَهُ.
ما هي أعظم الأعمال الّتي لا يقدر أمرؤ أن يعملها، لكنّ المسيح يعملها، لأنّ الآب يريه، ويسلّمه إياها للتنفيذ. ونقرأ هنا عن الصفتين البارزتين، اللتين تنبأت بهما التوراة عن المسيح. وقد انتظر اليهود الرجل المتصف بهما وينفذهما عمليّاً: إقامة الأموات والدينونة الحقّة. وكلاهما متعلقان ببعضهما تعلّقاً متشابكاً. وقد نسب يسوع الشاب لنفسه الاتّصاف بهاتين الصفتين. وهذا يعني جرأة كبيرة ويقينا إلهيّاً، لأنّ يسوع، أنبأ مسبقاً أمام أعدائه، أنّه ربّ الحياة الّذي سيدينهم، رغم اعتبارهم له، إمّا مجنوناً أو مجدّفاً كافراً، وعزموا على قتله. فأراد يسوع بهذا الاقرار البارز أن يغيّرهم ويقودهم للتفكير ليتوبوا توبة نصوحا.
وإلهنا ليس مهلكاً، بل محيّياً. وهو لا يشاء موت الخاطيء، بل أن يرجع عن طريقه ويحيا. فالّذي يترك الله مصدر الحياة، ينقرض ويموت تدريجيّاً روحاً ونفساً وجسداً. أمّا الّذي يتقدّم إلى المسيح، فينتعش ويختبر الحياة الأبديّة. وهو يريد أن يحيي الجميع. ولكن الّذي يقفل نفسه لروحه، فانه يبقى في الموت الرّوحي وسط خطاياه. وإقامة الموتى مبتداه منذ جاء المسيح بيننا بواسطة الإيمان به. وفي الآخرة لن تكون قيامة أخرى مِن الأموات، إلاّ الّتي جرت في هذه الحياة روحيّاً بواسطة الإيمان بالمسيح. فالمخلّص يريد إحياءك وإيقاظك. فهل تسمع صوته؟ هي حيّة بالرّوح القدس، أو ما زلت ميتاً بالذنوب والخطايا؟
والكون مبني منذ الأزل على الحقّ. وانّ كلّ النّاس لا يهتمون بربّهم، ويتقاتلون ويتخادعون، فانّ الحقّ لا يتغيّر ولا يتبدّل. فيوم الدين هو يوم الحساب. والانتقام الإلهي يقع على كلّ المظالم وخصوصاً تلك الواقعة على الأرامل والضعفاء. ولكن الله لا يدين بنفسه، بل سلّم كلّ الدينونة على البشر للمسيح وحده. وهو لا يدين المسيحيين فقط، بل كلّ الشعوب واللّغات والألسنة والأديان. كان يسوع إنساناً بريئاً، لهذا فانّه يفهم كياننا البشري. ويشعر بضعفاتنا. فدينونته عدل وحق. وعندما يظهر المسيح في مجده العظيم ستنوح كلّ قبائل الأرض، لأنّهم قد اهملوا القاضي الحقّ واحتقروه ورفضوه. هل أدركت أنّ المسيح هو ديّان العالم الوحيد؟
عندئذ تجثو كلّ ركبة أمام الابن. وأيضاً الّذين اهملوا السجود للمسيح على الأرض. فانّهم سيكرمونه هناك برعب وفزع. والشاب يسوع هو مستحق كلّ القدرة والغنى والحكمة والقوّة والكرامة والمجد والبركة (رؤيا 5: 12) لأنّه قد صالح العالم بالله، وكان حملاً وديعاً مذبوحاً لأجلنا. فالله وابنه، لا يتماثلان بالنسبة لجوهر المحبّة والقدرة في الأعمال فقط، بل باستحقاق الاكرام والسجود لهما أيضاً. لهذا لم يرفض المسيح لَمّا كان في عالمنا السجود له من أي إنسان كان. فهو إله حق. وضروري اكرامنا الابن كاكرامنا الآب. علماً انّنا بذلك لا نقلل اكرام الآب، لأنّه هو والابن واحد. ويحقّ لنا أن نصلّي للمسيح مباشرة، كما ندعو الآب السماوي، ونقدّم له صلواتنا باسم الابن.
ولكن كلّ الّذين يرفضون المسيح أو يصغرونه عن عظمة الله يرفضون الآب بذاته ويهينونه. وللعجّب فانّنا لواجدون بين مذاهب العلم أرواحاً غريبة شريرة، لأنّ الله بالنسبة لهم ما دام بعيداً عظيماً وغير واضح، فانّها لتظن انّها حرّة تفعل ما تشاء. وتغطي أخطاءها بصلوات طويلة وتبرعات ضخمة ووجوه مرائية. ولكن لَمّا أتى الله في المسيح إليهم، وتقرّب منهم، وأراهم أن محبّته الطريق الوحيد إلى السماء، اغتاظوا وتمسّكوا بصورة الله المتجمّد البعيد. ولم يعطوه الحقّ أن يكون له ابن. انّ الأزلي حرّ. وان شاء أن يكون له ولد فمَن يمنعه؟ فالسبب الجوهري لعدم اهتداء منكري بنوة المسيح والسجود له، هو نفسيتهم الشرّيرة. فأصلهم رديء. وهم لا يريدون ادراك المسيح، ولا يعرفون الله بحقيقته أيضاً. واعلم يا أخي، انّ كلّ دين لا يقبل المسيح إبناً لله، فانه لا يكرم الله بجوهره، ولا يعرف أبوته اللطيفة. أو هل ظننت، انّ الله يرسل بعد ولادة ابنه وصلبه بمئات السنين نبيّاً، ليقول انّ الله ليس له ولد ولم يصلب بتاتاً؟ كلاّ. فان الله محبّة وحق، لا يتغيّر مطلقاً. فنكرم الابن كما نكرم الآب.
5: 24 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ, وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ, بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ.
إنّ مَن يسمع إنجيل المسيح بفرح، ويؤمن ببنوته وفدائه ينل مِن هذا الإيمان الحياة الأبديّة. والاحياء الإلهي لا يبدأ بعد الموت في الآخرة، بل هو مبتدىء في هذه الدنيا بواسطة حلول الرّوح القدس في قلب الإنسان. وهذا الرّوح يحلّ فيك، لأنّك تؤمن بالآب والابن. وللعجّب فليس كلّ النّاس يفهمون كلمات المسيح، حتّى ولو سمعوا إنجيله ألف مرّة، وقرأوه بأعين التحليل، لأنّهم لا يرتبطون بمحبّة الآب، ولا يتّحدون بنعمة الابن، ولا يمشون في قوّة الرّوح القدس. فالإيمان الحقّ هو ثقة في المسيح وقبوله وارتباطه به. وإذا دخلت إلى هذا العهد الأبدي مع المسيح تتبرّر، وتتحرّر مِن الدينونة، لأنّ إيمانك خلّصك لا أعمالك. ومحبّة المسيح تغطي الملتجيء إلى الصليب، وتمحو خطاياه مِن قلبه وتطهّر ضميره، وتشجّعه للتقدّم إلى الله، لأنّ هذا الأزلي القدّوس أصبح أبانا الحقّ بواسطة ولادتنا الثانية. فتجديدنا هو نتيجة تبريرنا. وتحريرنا مِن الدينونة يظهر بحلول حياة المسيح فينا.
هل أدركت وعد المسيح العظيم؟ لقد تحرّرت مِن الموت وخوف الموت. فانّك حيّ أبدي بنعمة المسيح. وأنت متحرّر مِن الدينونة ومِن خوف الدينونة. فغضب الله لا يقع عليك. ولقد غيرك إيمانك بالمسيح، فصرت إنساناً عائشاً أبداً، وأصبحت قدّيساً بريئاً في كلّ نواحي حياتك. فارتباطنا بيسوع ليس فكريّاً فقط، بل عمليّاً وجوديّاً حقيقيّاً أبديّاً. ولا يوجد خلاص أعظم وأكمل مِن ثباتنا في المسيح. احفظ العدد 24 غيباً وثبّت حياتك فيه، فسنلتقي في الأبديّة، ونتعارف وجهاً لوجه.
الصّلاة: نسجد لك أيّها الآب والابن والرّوح القدس، لأنّك قد غفرت خطايانا وبرّرتنا، فلن ندخل إلى الدينونة، لأنّ غضبك زال عنا. نسجد لك، لأنّ حياتك حلّت فينا بعد ما أبطلت سبب موتنا. فنحن نعيش لك إلى الأبد. ثبّتنا باسمك، لكي نعظّمك على الدوام.
السؤال:
20- ما هما العملان الهامان، اللّذان أعطاهما الآب للمسيح ليعملهما؟
5: 25 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ, حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ اللَّهِ, وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ. 26 لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ, كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ,
يوضح يسوع لنا بقوله: الحقّ الحقّ أقول لكم، انّه المسيح الحقّ. ويتمّم كلّ الآيات الموعودة المتعلقة بمجيئه أكثر وأعمق مما يفكّر أعضاء العهد القديم. فالمسيح هو مقيم الأموات اليوم وفي الغد. كلّ النّاس أموات في الخطايا فاسدون. ولكن يسوع هو الإنسان الوحيد القدّوس وابن الله المتجسّد، الّذي غلب في جسده خطايانا، ليشركنا في حياته بواسطة الإيمان. فمَن يصغ اليوم لإنجيل الخلاص، ويفهمه، ويتمسّك بيسوع، ينل رأساً حياة الله في جوهره. ومنذ يوم قيامة المسيح نعلم انّ ديننا هو دين الحياة، وليس دين الموت والدينونة. فيسوع يضع روح حياته في المستمعين إليه، والّذين لا يفهمونه بعد، ولكنّهم مشتاقون لإدراك قوله، فيخلق فيهم السمع الصحيح أيضاً. وهكذا تتحقّق فيهم الكلمة العجيبة: انّ الاموات في الذنوب يسمعون. فالاموات لا يستطيعون قياماً ولا سمعاً مِن تلقاء أنفسهم، ولكن المسيح يخلق فينا الحياة والسمع معاً. وانّه لحقّ ان جسمنا الدنيوي سيتفتت لأجل اثامنا. ولكنّ الحياة الإلهيّة الموهوبة لنا تبقى إلى الأبد، كما قال يسوع: أنا هو القيامة والحياة. مَن امن بي ولو مات فسيحيا. وكلّ مَن كان حيّاً وآمن بي، فلن يموت إلى الأبد.
المسيح يستطيع احياءنا كما الله، لأنّ الآب أعطاه ملء الحياة الأبديّة، كما هي موجودة فيه. فالمسيح يشبه ينبوعاً ضخماً ينبع منه ملء الحياة الأبديّة بلا توقّف ولا ضعف. فمنه يأتي إلينا نوراً على نور، ومحبّة على محبّة، وحقّاً على حقّ، وقوّة على قوّة. ولا يأتي مِن الابن فساد، ولا ظلمة، ولا نتن. ولا تجري مِن قلبه أفكار شرّيرة. فهو ممتليء المحبّة. وحياته تتضح بصفاتها، كما كتبها بولس. فالمسيح هو متأن ورفيق، لا يحسد ولا يتفاخر، ولا ينتفخ ولا يقبح، ولا يطلب ما لنفسه، ولا يحتد ولا يظن السوء ولا يفرح بالاثم، بل يفرح بالحقّ. ويحتمل كلّ شيء ويصدّق كلّ شيء، ويرجو كلّ شيء ويصبر على كلّ شيء. فمحبّة المسيح لا تسقط أبداً. وهو يمنحها لنا بروحه، لنصبح نحن ينابيع الحياة الحيّة.
5: 27 وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً, لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ. 28 لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا, فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ, 29 فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ.
كلّ إنسان طبيعي يشبه ميتاً نتناً، لأنّ فيه تظهر الخطايا. والّذي لا يسرع إلى محبّة الله يدين نفسه. إنّ كلمات المسيح ممتلئة المحبّة والقوّة والطهارة. فمَن يستمع إليه يحيا. وبنفس الوقت فان كلماته وسلوكه مقياس كياننا. فالله دفع إليه الدينونة، لأنّه إنسان قدّوس. لقد جُرّب مثلنا، ولكن بقي بدون خطيئة. فليس عذر لإنسان أمام محكمة الله، لأنّ يسوع غلب في جسده كلّ الخطايا بواسطة صلواته المستمرّة. ولم يجد الله شخصاً آخر ولا أيّ خليقة أخرى، ليستودعها الدينونة على الكون، إلاّ يسوع ابن الإنسان. فله السلطان أن يقرّر مصير كلّ إنسان، وكلّ الملائكة والمخلوقات تسجد له. ولا بدّ مِن قيامة الأموات، وهي تتمّ بصوت يسوع. ونداءه سيخترق الكرة الأرضية، علماً أنّ الأموات لا يسمعون أصواتاً عادية. إنّما صوت الابن الخالق يرجف الأموات، حتّى انّ الارواح النائمة تتحرّك، وتخرج مِن القبور سراعاً. ويا للعجب العجاب! بعضهم يستيقظ حيّاً، وبعضهم يقوم شبه ميت. لأنّ ها هنا نوعين من القيامة وهي قيامة الحياة وقيامة الدينونة. ما أعظم الدهشة الحاصلة مِن هذه الساعة! لأنّ فريقاً سيظهرون مظلمين، والحال انّنا كنّا نفكّرهم أنواراً برّاقة! وآخرون سيشرقون كالشمس البهية، وكنا نحسبهم بسطاء وصغراء! فهل تظن أن المنعم عليهم بالحياة، قد فعلوا الصالحات فقط، وان المدانين بالموت قد اجترحوا السيئات فقط؟ لا لأنّ الصالحين الأحياء ما كانوا في الحياة الدنيا أفضل مِن أولئك الأموات الأشرار. ولكن الأولين قبلوا غفران خطاياهم مِن المسيح يسوع بالشكر، وحيوا بروح إنجيله. فلم يبق في حياتهم إلاّ الثمار المنشأة مِن الرّوح القدس. وقد ازال يسوع منهم كلّ البقع والوساخات بدمه الكريم. وهو قبلوا هذه النّعمة بالإيمان، وثبتوا فيها.
ولكن مَن يظن أنّ أعماله الذاتية تكفي أمام الله سيسمع الحكم: يا أناني. لماذا اهتممت لأجل خلاصك فقط، ولم تحبّب أعداءك أيضاً، ولم تقبل الصلح بحلول حياته الأبديّة فيك؟ لقد اخترت بكبريائك موتك الزؤام، فاستمر بدون النّعمة، الّتي رفضتها. إنّ الأموات في ذنوبهم سيقومون للدينونة الصارمة. وسينالون حساباً دقيقاً عن أقوالهم وأعمالهم وأفكارهم واهمالاتهم في المحبّة. ولكن مَن اجتذب إلى مجد المسيح بواسطة الإيمان به، فقد حلّت فيه محبّة الربّ، ودفعته إلى خدمات الرحمة، الّتي هي ميزة الحياة الأبديّة اليوم.
5: 30 أَنَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ نَفْسِي شَيْئاً. كَمَا أَسْمَعُ أَدِينُ, وَدَيْنُونَتِي عَادِلَةٌ, لأَنِّي لاَ أَطْلُبُ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
المسيح يقوم بأعظم وظيفة في العالم، وهي انّه الديان الأزلي، الّذي يدين العالم. وان الشّاب يسوع الناصري آمن وعرف بهذا السلطان المسلم له. ولكنّه تواضع، حتّى أنّه نزل إلى أسفل درجة في التواضع، قائلاً: أنا لا أقدر أن أفعل مِن نفسي شيئاً. وهذا يعني أنّه يقول: لا أقدر أن ادين مِن تلقائي نفسي، ولا أفكّر ولا أحبّ ولا أمشي ولا اتنفس. فيسوع شهد بعدم قدرته الذاتية، ناسيّاً دوافعه وقدرته وحياته للآب، معطيّاً له الاكرام الكامل. فيسوع كان دائماً متصلاً بأبيه، ولم ينقطع هذا الخط الهاتفي ثانية واحدة بينهما. وصوت الله كان يخبره بنوعية الأرواح الساكنة في النّاس. وروح الله الّذي يمحص العالم ولبه يختبر قلبك أيضاً، ويكشف أفكارك وما تخبّيء أمام جميع البشر. وهذا الرّوح الحال في يسوع يحكم عليك بدينونة عادلة. فطوبى لك، ان اعترفت بخطاياك أمام الله، وقبلت غفران المصلوب، فتجد اسمك مسجلاً في سفر الحياة. عندئذ يقول المسيح لك كما يقول لكلّ المتبرّرين: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم.
والمسيح هو الحقّ، ولا يكذب ولا يخدع، وليس شبه ماكر. وهو العليم بذات الصدور، ويعلم العناصر الموروثة في دم الإنسان، والتأثيرات المنتصبة في نفسه. فلا يحكم متسرعاً، بل يصبر وينتظر توبة الخاطيء. ولكن أخيراً يكون حكم المسيح مائة بالمائة عدلاً. وقداسته ستفصل الّذين أصبحوا رحماء بقبول رحمته، مِن الّذين لم يقبلوا روحه، فبقوا قساة القلوب. وكلمته الفاصلة سوف لا تجد معارضة، حتّى ولا كلمة واحدة، لأنّ حكمه بات أزلي وإلهي. ولقد أرانا المسيح أيضاً وداعته بجانب تواضعه، حتّى انه لم يرد تنفيذ إرادته الخاصّة، بل سأل أباه في كلّ الأمور ماذا يريد. فعلم أنّ الله أرسله، فسأله دائماً كما الخادم يسأل ربّه، ما هي أمنياته. وهكذا نفذ المسيح إرادة الآب بكلّ ما قاله وعمله حتّى الصليب. وقد صلّى في الساعة الفاصلة: لتكن لا إرادتي، بل إرادتك. فيكون المسيح هو القاضي الحقّ، الّذي سينفّذ إرادة الله وحكمه بالتمام.
وكلّ هذه العلاقات بين الآب والابن، الّتي سجلها لنا البشير يوحنّا في الإصحاح الخامس مِن إنجيله بالكلمات النابعة مِن فم يسوع، إنّما هدفها إثباتنا في الإيمان بوحدة الثالوث الأقدس. فانّ السلطة والحكمة في تنفيذ إقامة النّاس مِن الأموات ودينونتهم، مع تملّك الحياة والاستحقاق للسجود، تكون كلّها للآب والابن سواسية. وبنفس الوقت لم يستكبر الابن، بل تواضع ولم يعمل أيّ شيء بدون إرادة أبيه. ولا يريد أن يعمل بدونه شيئاً. ولا يقدر أن يعمله بدون الوحدة معه. وبنفس الوقت، أراه أبوه أعماله كلّها، ولم يعمل أيّ شيء بدون أن يطلعه عليه. واستودع الدينونة بين يديه. فصوت المسيح سيقيم الموتى، لأنّه دفع إليه كلّ السلطان في السماء وعلى الأرض، وله مفاتيح الموت والهاوية. وبالحقيقة انّ إيماننا ليس هيناً، بل صعباً على الفكر، إلاّ إذا حلّت فينا محبّة المسيح وتواضعه ووداعته. عندئذ ندرك بكلّ بساطة أنّ إلهنا واحد في ثلاثة أقانيم، لأجل خلاصنا.
الصّلاة: يا ابن الله القدّوس، نسجد لك، لأنّك منحتنا روح أبيك بواسطة طاعتك ووداعتك. املأنا بروح تواضعك، واحفظنا في حياتك الأبديّة. افتح آذاننا وقلوبنا، لكي نحبّك على الدوام. وسنسمع في القبر صوتك رأساً، لأنّنا عائشون فيك. وسيكون موتنا المرور إلى حياتك الظاهرة، الّتي تسكن اليوم فينا. ونحن شاكرون لنعمتك ولتحرّرنا مِن الدينونة.
السؤال؟
21- ما هي العلاقة بين الآب والابن، الّتي أوضحها لنا يسوع؟
- الشهود الأربعة لألوهية المسيح
(5: 31- 40)
5: 31 إِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي لَيْسَتْ حَقّاً. 32 الَّذِي يَشْهَدُ لِي هُوَ آخَرُ, وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ الَّتِي يَشْهَدُهَا لِي هِيَ حَقٌّ. 33 أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ. 34 وَأَنَا لاَ أَقْبَلُ شَهَادَةً مِنْ إِنْسَانٍ, وَلَكِنِّي أَقُولُ هَذَا لِتَخْلُصُوا أَنْتُمْ. 35 كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ, وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً. 36 وَأَمَّا أَنَا فَلِي شَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا, لأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ لأُكَمِّلَهَا, هَذِهِ الأَعْمَالُ بِعَيْنِهَا الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الآبَ قَدْ أَرْسَلَنِي. 37 وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي. لَمْ تَسْمَعُوا صَوْتَهُ قَطُّ, وَلاَ أَبْصَرْتُمْ هَيْئَتَهُ, 38 وَلَيْسَتْ لَكُمْ كَلِمَتُهُ ثَابِتَةً فِيكُمْ, لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ هُوَ لَسْتُمْ أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِهِ. 39 فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي. 40 وَلاَ تُرِيدُونَ أَنْ تَأْتُوا إِلَيَّ لِتَكُونَ لَكُمْ حَيَاةٌ.
أعلن المسيح لأعدائه بكلّ وضوح، أنّ له السلطان ليقوم بأعمال المسيح الموعودة. فأبغضوا هذا الشاب الريفي الّذي أزعج أنظمتهم ونواميسهم. وطلبوا منه شهوداً واثبت لهم انّ كلّ حمد للذات مكروه. والمسيح لا يمجّد ذاته، بل وصف حقيقته. كلّنا نحن البشر، نشرف على الخطر بتفكيرنا انّنا أعلى وأحسن مما نكون. أمّا المسيح فتكلّم الحقّ عن ذاته ولم يكذب. فشهادته عن نفسه حق، رغم ان قوله لا يعتبر دليلاً شرعيّاً بالنسبة للقوانين البشريّة، لأنّه شهادة للنفس. وهذا ما بينه المسيح بكلّ وضوح، قائلاً: ان كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقّا.
وما احتاج المسيح للدفاع عن نفسه، لأنّ أخر قد شهد عنه. ذلك هو أبوه السماوي، الّذي أيّد ابنه بأربعة أدلة شاهدة. هي حق مبين، لا يقبل الزيف:
1- أرسل الله يوحنّا المعمدان لكي يعلن المسيح بين البشر. والمنادي في البرّية قد شهد بجوهره المسيح وخدمته الكهنوتية، ووظيفته كديان أزلي. إنّما المجلس الأعلى لم يؤمن بشخصية يوحنّا، ولم يقبل شهادته عن يسوع. وحتّى أنّ يسوع نفسه، لم يبن فهم نفسه على شهادة المعمدان، بل الابن علم مِن قبل وجود المعمدان مَن هو، وان الله أبوه (لوقا 2: 49). فشهادات يوحنّا ما كانت هي المحركة ليسوع، ولا ملهمته النشاط الديني، بل هو كان كما هو، منذ الأزل في كلّ يقينه. ولكن لأجل جهالة البشر ولرجوعهم إلى المخلّص، قبل يسوع شهادة المعمدان لتوضيح حقيقته. وبهذا القبول أثبت المسيح للمعمدان صدق قوله. وانّه لم يبالغ عندما شهد أنّ يسوع هو حمل الله وساكب الرّوح والقاضي الأزلي.
2- اشبه المعمدان سراجاً مضيئاً في الليل، كان يجتمع فريق مِن أناس حوله للاستضاءة. ولكن لَمّا أشرقت شمس الكون يسوع، لم يعد السراج بينا، لأنّ المسيح هو محده نور العالم، وقوّته غير محدودة. وكما ان الشمس تسبب الحياة والنمو والحركة على الأرض، هكذا يمنح المسيح الحياة الرّوحية والمحبّة الإلهيّة. وشفاءاته وإخراج الشياطين دلّت على انتصار النّور على الظلمة. وتهدئة العاصفة وإقامة الأموات برهنت على الوهيته. ويسوع قام بكلّ أعماله في انسجام مع الآب، لأنّ الآب أعطاه كلّ أعماله للتنفيذ. والمسيح أكمل خدماته الفريدة على الصليب، وبقيامته مِن بين الأموات، وسكب الرّوح القدس على المصلين. وسيكمل أعمال الله في مجيئه، بواسطة إقامة الأموات ودينونة العالم. هذه هي أعمال الابن، الّتي استودعها الآب بين يديه. فلا فرق بين الآب والابن بنسبة الأعمال، لأنّه كما يعمل الآب حتّى الآن هكذا يسوع أيضاً.
3- والله نفسه رفع صوته، واسمعنا الجملة العظيمة: هذا هو ابني الحبيب، الّذي به سرّرت (متّى 3: 13). ولم يتلق هذه الشهادة إنسان، ما عدا يسوع. لأنّه عاش دائماً حسب مسرّة الله. فلقد كان الابن الحبيب ممتليء المحبّة الحقّة والطهارة العفيفة، مقدّساً بسيرته اسم الآب على الدوام. وشهد يسوع لليهود، أنهم لا يعرفون الله. فلم يسمعوا صوته في الناموس (الشريعة) ولا الأنبياء. ولم يروا هيئته في رؤى وأحلام بوضوح. فكلّ وحي جاءهم كان ناقصاً، إذ فصلتهم خطاياهم عن القدّوس كما صرخ اشعياء النّبي لَمّا رأى أذيال ثوب الربّ: ويلٌ لي أني هلكت، لأنّي إنسان نجس الشفتين وأنا ساكن بين شعب نجس الشفتين. والبرهان على عدم استماعهم وفهمهم كان رفضهم المسيح كلمة الله المتجسّد. فمَن ظنّ أنه يفهم كلام الله، ويرفض يسوع الّذي هو كلمة الله، فانه يبرهن بهذا الرفض، انه غير حاصل على وحي حق، أو انه لم يفهمه.
4- لقد فتش أعضاء العهد القديم في الأسفار، راجين أن يكسبوا بمعرفة الكتاب الأبديّة، ولكن للعجب! فقد وجدوا الناموس (الشريعة) المميت. وأمّا الوعود الدالّة على المسيح، فلم يفهموها حقّاً. علماً انّ النبوات الصافية الدالّة على اتيان يسوع كثيرة في العهد القديم. والرّوح القدس اتّجه مرّات متتالية نحو الحادثة العظمى، مجيء المسيح، الّذي يمنح الحياة الأبديّة نتيجة لكفارته. ولكن للأسف فانّ اليهود تمسّكوا بالنبوات حسب ادراكهم العقائدي ولم يقبلوا المتنبأ عنه. فأحبّوا أفكارهم وتفاسيرهم ومبادئهم، غير مدركين المسيح الكلمة الحالّة بينهم. وأراهم المسيح سبب رفضهم: لم يريدوا قبول الله كما هو. فأبغضوا المسيح ولم يؤمنوا به. ففقدوا الحياة الأبديّة وأخطأوا هدف النّعمة.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك أحببت أعداءك، وتألّمت بسبب عدم إيمانهم. وأظهرت لهم الشهود الأربعة لالوهيتك. ساعدنا لنفتش في الإنجيل والتوراة لنراك، وندرك الوهيتك، ونؤمن بأعمالك، وننال الحياة الأبديّة. افتح اذن الملايين مِن الصمّ، ليسمعوا صوتك في عصرنا.
السؤال:
22- مَن هم الشهود الأربعة، وما هي شهاداتهم؟
OHOHOHOHOHOHO
5- ما السبب لعدم الإيمان
(5: 41- 47)
5: 41 مَجْداً مِنَ النَّاسِ لَسْتُ أَقْبَلُ, 42 وَلَكِنِّي قَدْ عَرَفْتُكُمْ أَنْ لَيْسَتْ لَكُمْ محبّة اللَّهِ فِي أَنْفُسِكُمْ. 43 أَنَا قَدْ أَتَيْتُ بِاسْمِ أَبِي وَلَسْتُمْ تَقْبَلُونَنِي. إِنْ أَتَى آخَرُ بِاسْمِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ تَقْبَلُونَهُ. 44 كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْداً بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ.
مزّق يسوع قناع اعدائه وأراهم حالة قلوبهم ومستقبلهم الرّوحي. ودلّهم على إرادتهم الشرّيرة، الّتي هي خلاصة أخلاقهم الفاسدة. لم يستكبر يسوع، ولم يستمجد البتّة، وما احتاج للشعب والزعماء أن يصفقوا له، لأنّه كان متيقناً مِن ارساله وجوهره. وذلك اليقين لم يتوقّف على النتيجة الظاهرة في خدمته. وإذ كان يكرمه أحد، فينقل هذا الاكرام رأساً إلى أبيه. ولم يعلمنا أن نصلّي: أيّها الربّ يسوع المسيح، ليتقدّس اسمك، بل دفع كلّ المجد والكرامة لأبيه، وعلّم المسيحية كلّها أن تنطق: أبانا الّذي في السماوات ليتقدّس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. فالمسيح تخلّى عن كلّ نيّة لقبول الاكرام والمجد والحمد والحقوق والقوّة. فلم يحبّ ذاته، بل الله فقط. وتحرّر مِن نفسه ومجد أباه. فتمجيد الآب، كان شعار حياته. والغيرة على حقّه أكلته.
إنّ محبّة الله، هي الدافع في الخلق والفداء والكمال. وهي لبّ جوهر الثالوث الأقدس، وتكميل الناموس (الشريعة) ورباط الكمال. ومِن صفات هذه المحبّة، انّ صاحبها لا يعيش لذاته، ولا يكرم نفسه بل يكرم الأخرين، ويخدمهم وينكر نفسه وينساها ويضحي بها، ويهدي كلّ ما عنده إلى المساكين، ويغطّي غير المستحقين بالنّعمة. فمحبّة الله لا تسقط إلى الأبد. لا يوجد إنسان فيه محبّة الله مِن ذاته. ولكن مَن يتألم مِن نجاسة الخطيئة، ويتوب ويؤمن بمحبّة الله في المسيح، يختبر الولادة الثانية. فيعترف مع بولس، أنّ محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالرّوح القدس المعطى لنا. وهذه المحبّة تظهر في التضحية والتواضع والصبر، وكلّ ثمار الرّوح القدس. فمَن يفتح نفسه لروح الله يحب الثالوث الأقدس وجميع النّاس. ولكن مَن يكتفي ويكرم ذاته، ويظنّ انّه صالح ومستحق الاعتبار وينفخ اسمه، فهذا الإنسان لا يكون تائباً حقّاً، بل معارضاً لجذب روح الله. ويبقى في جوهره أنانيّاً، ويريد أن يظلّ كذلك. وهو لا يشتاق إلى تجديد حياته، إنّما يرفض المسيح مبدئيّاً ومِن شعوره الباطني. فالّذي لا يشتاق إلى الخلاص، ولا يدرك حاجته إلى مخلّص مِن غضب الله الملتهب، يتقسى في قلبه ولا يستطيع أخيراً أن يدرك الله في ابنه. والمسيح لم يأت باسم الله الغريب المجهول، بل أتى باسم الآب، ليعلن لنا محبته ورحمته ولطفه، لأنّ اسم الآب هو خلاصة محبّة الله، فكلّ الّذين يرفضون المسيح يبرهنون برفضهم، ان أذهانهم تنقفل لمحبّة الله، لأنّهم يحبون الظلمة أكثر مِن النّور. ونتيجة لذلك يبغضون المولود مِن النّور، ويجتمعون ضدّ الله ومسيحه. وانبأ المسيح أعداءه عن مجيء المسيح الكذاب. فظهوره ضروري لإظهار الشر في قمّة تطوره. فهذا الخبيث العبقري سيجمع كلّ طالبي التكريم والأنانيين، ويقودهم إلى الثورة ضدّ محبّة الله المتواضعة. وهذا الملبوس بروح الاستكبار سيقوم بعجائب عظيمة. ويحاول تمثيل المسيح، كما يحاول القرد تمثيل الإنسان. ولكن المضل العظيم سوف لا يكرم الله، بل ينتفخ لكي يسجد له كلّ المنتفخين، الّذين هم أرواح مِن روحه.
والمسيح يوبخنا، موضحاً لنا أنّ كثيرين لا يستطيعون الإيمان، لأنّهم يكرمون بعضهم بعضاً ولا يعترفون بخطاياهم. فيعتبرون أنفسهم صالحين مقبولين أقوياء أذكياء. فلا يرتجفون مِن الله القدّوس، ولا يعرفون انه الصالح الوحيد. فالاعتقاد أنّ الإنسان صالح في ذاته هو سبب لعدم الإيمان الحقّ. والكبرياء هو هوية هذا الاعتقاد المضل. ولكن مَن يعرف الله ونفسه، ينكسر ويعترف بخطاياه. ولا يقبل مجداً أو اكراماً، بل يمجّد الآب والابن دائماً. ويعظّم النّعمة المخلّصة. فالإيمان بمغفرة خطايانا يحرّرنا مِن المداهنة في تصرفاتنا. فانّنا نعلم مَن نحن، ونعلم مَن هو الله. والمحبّة تقول الحقّ للصدّيق. أمّا المتكبّر فيكذب ويخدع ذاته، ويبتعد عن روح الله الّذي يشيع التواضع.
5: 45 لاَ تَظُنُّوا أَنِّي أَشْكُوكُمْ إِلَى الآبِ. يُوجَدُ الَّذِي يَشْكُوكُمْ وَهُوَ مُوسَى, الَّذِي عَلَيْهِ رَجَاؤُكُمْ. 46 لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي, لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي. 47 فَإِنْ كُنْتُمْ لَسْتُمْ تُصَدِّقُونَ كُتُبَ ذَاكَ, فَكَيْفَ تُصَدِّقُونَ كَلاَمِي.
لقد طعن المسيح كبرياء الناموسيين (الشريعيين) أكثر مِن قبل، إذ قال لهم: لا تظنوا أني سأتّخذ صفة المدعي العام أمام الله لأشكوكم. لا بل انّ موسى نفسه، هو الّذي سيقوم ويحتج عليكم. فلقد أعطاكم ناموس العهد، ولكن هذا الناموس (الشريعة) لا يخلّصكم بل يحكم عليكم. انكم تغرون أنفسكم غروراً كبيراً، لأنّكم لا تزالون مفكّرين، انّكم قادرون لاكمال الناموس (الشريعة) وتحقيق برّكم بالأعمال الحسنة. وفي الحقيقة لقد فقدتم المحبّة. وتريدون قتلي باسم الناموس (الشريعة). فتفكيركم معكوس ملتو فاسد. لقد ابتعدتم عن الله، تائهين في الظلمة. أنا شفيت مريضاً في يوم السبت، وأنتم لا تسرّون بعمل الله العظيم هذا، بل ابغضتموني وكرهتموني بغيظ، وأنا محبّة الله المتجسّدة. وقد أعلمتكم بأن أعمال المسيح، أنا أعملها. فلم تصدقوني، لأنّ روحكم عاص وقاس. فالناموس (الشريعة) الّذي تتّكلون عليه يبيدكم. فأنتم لا تفهمون الناموس (الشريعة) في جوهره، لأنّ الله أعطاكم إياه للحياة لا للموت. فلو تبتم لاشتقتم إلى المخلّص، وترقبتموه بشوق. ان التوراة والأنبياء، ليس إلاّ تمهيداً للآتي. لكنكم زورتم روح الناموس (الشريعة)، وجعلتم إرادتكم تحكم على وصايا الله. فلا تقدرون أن تفهموا النبوات. وروحكم الشرّير يمنعكم مِن إدراك الحقّ. وهكذا تبقون صمّاً وجهالاً. وروحكم يضاد روح الله بعنف، فلأجل عصيانكم لا تؤمنون بكلمة الحياة.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، اغفر لي كبريائي واكتفائي، وإذا قبلت مِن أيّ إنسان مجداً. علّمني إدراك خطاياي بلطفك. وقدني للاعتراف بسيئاتي، لكي أرفض كلّ تمجيد نفسي، واعظمك في كلّ حين، لأنّك صالحتني مع الله. اغفر لي ذنوبي العديدة، واملأني بمحبّتك، لاتبعك، ولا أعيش لذاتي، بل افتح نفسي لكلمتك. ويعمل روحك القدّوس فيّ. فأكرمك وأباك، واجعل حياتي حمداً لنعمتك العظيمة وشهادة للمساكين، الّذين لا يزالون يفكّرون أنهم امجاد.
السؤال:
23- لِمَ لَمْ يقبل المسيح مجداً، بينما كلّ النّاس يداهنون بعضهم بعضاً؟
ثانيّاً: يسوع يعلن نفسه خبز الحياة في الجليل
(6: 1- 71)
1- اشباع الخمسة آلاف
(6: 1- 13)
لقد كشف المسيح في أورشليم بواسطة الشفاء يوم السبت عن الهوة العميقة بين محبّة وأفكار الناموسيين (الشريعيين)، فعزموا على الإبادة ببغضة وحقد صميم. أمّا الرّوح القدس، فقاد يسوع إلى شمال البلاد في الجليل، ليتمّم هناك أيضاً الفصل الحاسم بين المسيح وخصومه. كانت الجماهير في الشمال ما زالت تتبعه انّى ارتحل، لكنّه عرف قلوبهم وغربل القمح مِن الزوان.
6: 1 بَعْدَ هَذَا مَضَى يَسُوعُ إِلَى عَبْرِ بَحْرِ الْجَلِيلِ, وَهُوَ بَحْرُ طَبَرِيَّةَ. 2 وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ لأَنَّهُمْ أَبْصَرُوا آيَاتِهِ الَّتِي كَانَ يَصْنَعُهَا فِي الْمَرْضَى. 3 فَصَعِدَ يَسُوعُ إِلَى جَبَلٍ وَجَلَسَ هُنَاكَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ. 4 وَكَانَ الْفِصْحُ عِيدُ الْيَهُودِ قَرِيباً.
ومنذ وبّخ المسيح الناموسيين(الشريعيين) في أورشليم بكلماته، حكموا عليه سرّاً، وبدأوا بالتجسّس عليه وأرادوا قتله. ولكن كانت ساعته لم تأت بعد. فانسحب مِن منطقة سلطة المجلس الأعلى وعاد إلى الجليل، حيث كان قد فعل هناك آيات كثيرة، كما نقرأ في الأناجيل الثلاثة الأخر. فقامت نهضة عامة على أثر ذلك. ولكن يسوع لم يؤخذ بها، لأنّه علم أنّ الرّوح الخبيث الّذي في العاصمة سينسرّب إلى القرى، حتّى يضطهدوه هناك أيضاً. فانسحب مِن الجليل إلى الجولان، لينعزل مع تلاميذه في البرية. ولكن الجماهير الجياع إلى كلمته تبعوه، وأرادوا اختبار معجزاته. والظاهر أنّ يسوع، لم يذهب في تلك السنة إلى أورشليم بمناسبة عيد الفصح، لأنّ ساعة موته لم تكن قد أتت بعد. فاحتفل مع الشعب الكثير الّذي حوله باطعامهم وليمة نيابية عن الفصح، مشيراً بذلك إلى الوليمة العظمى في السماء، حيث يتحد المخلّص مع كلّ قديسيه بفرح عظيم.
6: 5 فَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ أَنَّ جَمْعاً كَثِيراً مُقْبِلٌ إِلَيْهِ, فَقَالَ لِفِيلُبُّسَ, مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزاً لِيَأْكُلَ هَؤُلاَءِ. 6 وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِيَمْتَحِنَهُ, لأَنَّهُ هُوَ عَلِمَ مَا هُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَفْعَلَ. 7 أَجَابَهُ فِيلُبُّسُ, لاَ يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِئَتَيْ دِينَارٍ لِيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئاً يَسِيراً. 8 قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ, وَهُوَ أَنْدَرَاوُسُ أَخُو سِمْعَانَ بُطْرُسَ, 9 هُنَا غُلاَمٌ مَعَهُ خَمْسَةُ أَرْغِفَةِ شَعِيرٍ وَسَمَكَتَانِ, وَلَكِنْ مَا هَذَا لِمِثْلِ هَؤُلاَءِ. 10 فَقَالَ يَسُوعُ, اجْعَلُوا النَّاسَ يَتَّكِئُونَ. وَكَانَ فِي الْمَكَانِ عُشْبٌ كَثِيرٌ, فَاتَّكَأَ الرِّجَالُ وَعَدَدُهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلاَفٍ. 11 وَأَخَذَ يَسُوعُ الأَرْغِفَةَ وَشَكَرَ, وَوَزَّعَ عَلَى التَّلاَمِيذِ, وَالتَّلاَمِيذُ أَعْطَوُا الْمُتَّكِئِينَ. وَكَذَلِكَ مِنَ السَّمَكَتَيْنِ بِقَدْرِ مَا شَاءُوا. 12 فَلَمَّا شَبِعُوا, قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ, اجْمَعُوا الْكِسَرَ الْفَاضِلَةَ لِكَيْ لاَ يَضِيعَ شَيْءٌ. 13 فَجَمَعُوا وَمَلأُوا اثْنَتَيْ عَشَرَةَ قُفَّةً مِنَ الْكِسَرِ, مِنْ خَمْسَةِ أَرْغِفَةِ الشَّعِيرِ الَّتِي فَضَلَتْ عَنِ الآكِلِينَ.
لَمّا رأى يسوع الجماهير المقبلة عليه، رفع عينيه نحو أبيه السماوي، وقدّم له كلّ الاكرام والمجد، مسلماً له أيضاً الاعتناء بالجياع إلى البِرّ. وبهذه النظرة إلى الآب واكرامه ابتدأت الأعجوبة الكبرى، لأنّ الآب أرى ابنه ماذا سيعمل، واعطاه العمل الّذي سيكشف القلوب. امتحن يسوع تلاميذه أوّلاً ان كان قد نما إيمانهم، أو لا يزالون ماديين، ومفتكرين بطرق دنيوية. فسأل فيلبس عن المصدر الّذي منه يستطيعون تأمين الخبز للجماهير. أمام مثل هذا السؤال نفكّر بالافران. أمّا يسوع ففكّر بأبيه. نحن مشغولون بأمور مالية وغلاء معيشة، وأمّا يسوع فشكر المعين لحضوره. وفيلبس سرعان ما ابتدأ يحسب مقدار كلفة الطعام، دون أن يفكّر بضرورة اللجوء إلى الإيمان في هذه الحالة، لأنّ كلّ مَن ينظر إلى المال، فلا يرى امكانيات الله. وحساب التلميذ كان صحيحاً، سوى انه لم يكن هناك أفران ولا مطاحن، ولا وقت لصنع الخبز. لكن الجماهير كانوا حضوراً، وقد جاعوا بعد الاستماع الطويل. وسائر التلاميذ وجدوا فيلبس مرتبكاً في رأيه. فنظروا حولهم وفكّروا باحضار الخبز، ناسين الصّلاة والشكر والإيمان. وفجأة حرّك الرّوح القدس اندراوس، فأبصر فتى معه خمسة أرغفة وسمكتان. فنادى الغلام: هات ما معك مِن الخبز والسمك. وتشاءم رغم طلبه هذا، إذ عرف أن الكمية ضئيلة، لا تكفي البتّة. هكذا شاء يسوع اقتياد تلاميذه للاعتراف بفشلهم. فلم يعرفوا ماذا يفعلون، وما عرفوا مشيئة الله، ما هو مزمع أن يعمل.
لم يرفض يسوع تلاميذه الجهال، ولم يهمل الجماهير الفاسدة، بل أمر تلاميذه لتنظيم الحضور، وجعلهم يتكئون كأنّما إلى وليمة كبيرة. كان العشب الأخضر يغطي الأرض رمزاً للإيمان المبتدىء النامي في الجماهير. وخمسة الاف رجل مع نسائهم وأولادهم عدد كبير، يملأ مساحة واسعة. وبعضهم لم يشاهدوا يسوع آنذاك ولا عمله لبعده عنهم، ولكنّهم اتّكلوا على كلامه وارشاده، فاتّكأوا معاً. وأخذ يسوع بكلّ هدوء تلك الأرغفة الخمسة، وهو عالم ما سيفعل وعزم على أن يحقّق قدرته الخالقة في هذه المناسبة. ولم يعمل يسوع باستقلال عن أبيه، بل وضع أمامه الأرغفة الخمسة، وشكره لهذه الكمية القليلة، وآمن أنّ الآب سيبارك القليل، ليضاعفه حتّى الفيض. فالشكر الإيماني على القليل، واكرام الآب، كانا السرّ في هذه العجيبة. فهل تقبل القليل، الّذي يعطيكه الله بالشكر، أو تتناوله متذمّراً؟ أتشكره بفرح وتوزّع القليل، الّذي عندك بين أصدقائك، أو تكون أنانيّاً وتحتفظ به وتبتلعه سرّاً؟ ان المسيح ليس أنانيّاً، بل محبّة الله سكنت فيه. فأكرم أباه جهراً، ووزّع بركته لكلّ النّاس.
وهذه الأعجوبة المذكورة في الأناجيل الأربعة، تمت بدون ضجة ولا دعاية. ولربّما لم ير الأعجوبة حين حدثت إلاّ الجالسون قريباً مِن المسيح، فرأوا أن يسوع كان يكسر الأرغفة ولا ينتهي منها، فتزيد وتزيد. وشخص التلاميذ في هذه المعجزة مِن بين يديه، فتزايد الخبز مدراراً. فأخذوا منه واعطوا الجلوس، ثم رجعوا إليه كرّة أخرى، ليأخذوا مِن ملئه. ووزعوا على الجميع، ونعمة فوق نعمة. وكلّ كان يأخذ المقدار الّذي أراده. وهذا هو شعار النّعمة. انّ الله يعطي الغفران والرّوح لا بكيل ولا ميزان. فخذ مِن النّعمة مقدار ما تريد. آمن بلا حد، واعط مِن البركة الّتي عندك للآخرين. وباركهم كبركتك الموهوبة مِن المسيح، فتصبح ينبوع الحياة لكثيرين.
في قانا الجليل حوّل يسوع الماء إلى خمر. وفي الجولان صنع مِن خمسة أرغفة خبزاً يكفي لخمسة الاف شخص. وعجباً ففي النهاية بقي أكثر مما كان في بدء الطعام! وعدد السلال الاثنتي عشرة الّتي جُمعت مِن الفضلات، تدل على كفاية الله لكلّ أسباط الشعب. وأمر يسوع بكلّ تدقيق، ألا تتلف كسرة واحدة. وانه لعار ما يفعله النّاس اليوم، إذ يلقون بفضلات الطعام إلى براميل النفايات، عالمين انه في كلّ ساعة تمر، إنّما يموت ألوف النّاس جوعاً، فاحفظ كلّ كسرة كهدية مِن الله، احفظها ولو صغيرة، لأنّ الامانة تظهر في القليل. ولا تبذر البركة المعطاة لك بلا مبالاة، بل اجمع فضلات النّعمة، فتكسب أخيراً أكثر مما تستطيع احتماله مِن نعم ربّك الفيّاضة.
تصوّر ماذا كان موقف الغلام، إذ أخذ الربّ الخبز مِن يديه. وكيف انّه بعد الشكر تزايد الخبز بلا نهاية. وبقي منه أخيراً أكثر مما كان. فانفتحت عينا الصبي وفمه بدهشة فائقة عقله. ولم ينس هذه الاعجوبة كلّ عمره. وتخوف مِن الّذي يغيّر مواد الأرض بيده، ويطوّرها كما يشاء.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ يسوع، لصبرك وشكرك ومحبّتك. إيمانك أشبع الكلّ. وعنايتك أساس شركتنا معك. اغفر لنا قلّة إيماننا. وعلّمنا أن نلتجيء إليك في وقت الضيق، فلا ننظر إلى امكانياتنا، بل نتكلّ على امكانياتك، لكيلا تقع أزمة أو احتياج في كنيستك. ونشكرك لأجل الغنى الرّوحي الّذي وهبتنا. ونشكرك للمواد القليلة الّتي عندنا، مؤمنين انّك تباركنا للأمانة في القليل، لكيلا نتلف شيئاً مِن البركة باهمالنا.
السؤال:
24- ما هو السرّ في اشباع الخمسة آلاف؟
2- يسوع ينسحب مِن رغبة الجماهير في تتويجه
(6: 14- 15)
6: 14 فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الآيَةَ الَّتِي صَنَعَهَا يَسُوعُ قَالُوا, إِنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ. 15 وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً, انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ.
أتى يسوع إلى العالم ليربح كلّ النّاس لله. فبعد عظته وإشباعه الخمسة الاف، فارت لحظة الخطر، إذ تحلّق الرجال حوله متحمسين. وصفقوا ورقصوا، لمبايعة يسوع بالملك. لقد أدركوا أنّ هذا الرجل الجليلي هو رجل الله، وان صوت الربّ يتكلّم منه. وقوّة العلي تعظم فيه. والعناصر تطيعه. وقد أعطاهم خبزاً مشابهاً لَمّا عمله موسى في البريّة. انه النّبي الموعود، الّذي سيقود الشعب المحتقر إلى جميع الحقّ (تثنية 18: 15). وفكّروا أيضاً قائلين: انّه لئن أصبح يسوع ملكنا، فلن نحتاج للتعب والشغل فيما بعد. فيكون لنا الوقت لكي ندرس الكتاب المقدّس ونصلّي، وهو يعطينا الطعام مجاناً. وملك مثله له قوّة أن يقهر جيوش الرومان بسهولة وبلا تضحية. ولربّما أنزل ناراً مِن السماء، فأحرقتهم. وهكذا ينصرنا بقدرته. فهلمّوا نتوجه، ونعلنه ملكاً. فالكلّ كنفس واحدة تقدّموا ليرفعوه على أكتافهم. ويحملوه ويؤيدوه، ليؤيدهم ويعطيهم رزقاً.
فماذا كان موقف يسوع تجاه حركة الجماهير هذه؟ هل فرح بالنهضة الظاهرة، وشكرهم لثقتهم به؟ وهل سقط في التجربة، وبنى ملكوته بأناس غير متجددين؟ أو رفضهم بعنف ودفعهم عنه دفعاً؟ لا ثمّ لا. فيسوع لم يجبهم بكلمة، بل انصرف إلى البرّية. وما رغب أن يحمله النّاس، ويلقونه بعدئذ. إنّما اكتفى انّ الله حمله، كما يشاء. وعلم يسوع حالة المتحمسين، الّذين في نشوتهم بالفرح لم يستطيعوا أن يستمعوا لنصيحته. لقد صاروا وحدة سياسية، متلحمة بفكّر واحد. ولهذا لم يقدروا الاصغاء لصوت الرّوح القدس. وأمّا يسوع، فانه ما أراد بناء ملكوت دنيوي، بل قصد أن يقود الأفراد، واحداً بعد آخر إلى التّوبة والتجديد. فليس أحد يقدر أن يدخل ملكوت الله، إلاّ بالولادة الثانية. والجماهير المتحمسة، لم يفهموا عجائب يسوع وآياته وعظاته. إنّما فكّروا بالخبز الدنيوي، وهو تكلّم عن الرّوح القدس المشبع جوعناً. هم قصدوا السلطة الدنيوية والمجد الفاني، وهو اختار الصليب أساساً لملكوته. فبدون غفران الخطايا والولادة الثانية، لا تستطيع أن تدخل رحاب المسيح. وما احتاج المسيح إلى تعيينه مِن الجماهير. فالله هو الّذي أرسله. فلم يقبل مجداً مِن النّاس، وسمع إلى صوت أبيه وحده. وأقفل قلبه لتجربة الشيطان. فمضى يسوع وذهب إلى الصّلاة، وترك الجماهير الغليانة. وشكر أباه لأجل العجيبة الكبرى على انفراد، طالباً منه انفتاح أعين العمي بالرّوح. ولم يوافق البتّة على تتويجه مِن قبل النّاس، عالماً انّهم يقولون في اليوم الأوّل اوصنّا وفي اليوم الثاني اصلبه. المسيح علم القلوب، ولم يغتر. فترك الجميع، وما اتكلّ على إنسان وفضّل الفقر والاحتقار على الشهرة والغنى والسلطة.
3- يسوع يأتي إلى تلاميذه المتضايقين
(6: 16- 21)
16:6 وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ نَزَلَ تَلاَمِيذُهُ إِلَى الْبَحْرِ, 17 فَدَخَلُوا السَّفِينَةَ وَكَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى عَبْرِ الْبَحْرِ إِلَى كَفْرَنَاحُومَ. وَكَانَ الظَّلاَمُ قَدْ أَقْبَلَ, وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ أَتَى إِلَيْهِمْ. 18 وَهَاجَ الْبَحْرُ مِنْ رِيحٍ عَظِيمَةٍ تَهُبُّ. 19 فَلَمَّا كَانُوا قَدْ جَذَّفُوا نَحْوَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلاَثِينَ غَلْوَةً, نَظَرُوا يَسُوعَ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ مُقْتَرِباً مِنَ السَّفِينَةِ, فَخَافُوا. 20 فَقَالَ لَهُمْ, أَنَا هُوَ لاَ تَخَافُوا. 21 فَرَضَوْا أَنْ يَقْبَلُوهُ فِي السَّفِينَةِ. وَلِلْوَقْتِ صَارَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي كَانُوا ذَاهِبِينَ إِلَيْهَا.
فيما كان يسوع في خلوته عند هضبة الجولان، نظر على البعد، فرأى تلاميذه في سفينتهم، يتعبون في مقارعة الرياح. ولَمّا خيّم الليل عليهم، اقترب منهم ماشيّاً على أمواج البحيرة. فلم يتركهم لوحدهم في الخطر. وهم قد ظنوه شبحاً، فخافوا خوفاً كبيراً. وصيادو السمك يؤمنون بظهور الأشباح، لأنّهم يمكثون طويلاً في الليالي الحالكة على صفحة البحر المسودّ. فاقترب يسوع مِن الفزعين، الظانين انه شيطان مقبل عليهم ليبتلعهم. لكن الربّ كلّمهم بكلمات مفهومة، قائلاً بكلّ لطف: أنا هو. وهذه العبارة “أنا هو” أصبحت أساس إيمان الرسل. كما ذكرت في العهد القديم علامة لحضور الربّ مع المؤمنين. فأدرك التلاميذ انه قد أعطي ليسوع كلّ السلطان على العناصر، الخبز تضاعف بين يديه، والأمواج حملته، كأن ليس له ثقل يغرقه. والعاصفة هدأت بأمره. فإذ فهموا ذلك، ازداد خوفهم منه. أمّا هو فأمرهم قائلاً: لا تخافوا. وهذا هو أمره إلى اتباعه في كلّ زمان ومكان. ونجد في الكتاب المقدّس 365 مرّة كلمة “لا تخف” أو “لاتخافوا”. وهذا يكفي لكلّ يوم مرّة واحدة. فالإيمان بحضور المسيح يغلب الخوف فينا. ومهما كانت حالتك أو كيفما هي مشكلتك مرهقة، فهو القائل لك: أنا هو، لا تخف. ولَمّا عرف التلاميذ يسوع متعجبين، وأرادوا أن يجذبوه إلى السفينة عارضهم. وفجأة صاروا مع سفينتهم على الشاطىء. فهذا كان الجزء الثالث مِن اعجوبة ازدياد الخبز الحادثة في نفس اليوم، لنرى ان يسوع هو الربّ على الخبز والماء والعناصر الطبيعية والقوى الجاذبة والمكان والزمان. فهو الله بالذات، ويستطيع أن يقود سفينة الكنيسة وسط العواصف والأمواج إلى هدفها. وهو يحبّ بشخصيته، ويقوّي ثقتهم فيه وسط الظلمة والاضطهاد لكيلا يخافوا، بل يلتصقوا به دائماً.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، احفظنا مِن الشهرة والسلطة والتحمّس الجماهيري. لكي نثبت في ملكوتك الرّوحي، ونتمسّك بك شخصيّاً. ونشكرك لأنّك غلبت التجربة، ولم تقبل دعوة النّاس لك لتصير ملك الخبز، ليأت ملكوتك، لأنّ لك الملك والقوّة والمجد إلى الأبد. آمين
السؤال:
25- لِمَ لمْ يسلّم يسوع نفسه للجماهير المتحمسة، ورفض قبول تتويجه ملكاً؟
4- يسوع يرشد الشعب لقبوله أو رفضه
(6: 22- 59)
22:6 وَفِي الْغَدِ لَمَّا رَأَى الْجَمْعُ الَّذِينَ كَانُوا وَاقِفِينَ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ سَفِينَةٌ أُخْرَى سِوَى وَاحِدَةٍ, وَهِيَ تِلْكَ الَّتِي دَخَلَهَا تَلاَمِيذُهُ, وَأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَدْخُلِ السَّفِينَةَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ بَلْ مَضَى تَلاَمِيذُهُ وَحْدَهُمْ 23 غَيْرَ أَنَّهُ جَاءَتْ سُفُنٌ مِنْ طَبَرِيَّةَ إِلَى قُرْبِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكَلُوا فِيهِ الْخُبْزَ, إِذْ شَكَرَ الرَّبُّ 24 فَلَمَّا رَأَى الْجَمْعُ أَنَّ يَسُوعَ لَيْسَ هُوَ هُنَاكَ وَلاَ تَلاَمِيذُهُ, دَخَلُوا هُمْ أَيْضاً السُّفُنَ وَجَاءُوا إِلَى كَفْرَنَاحُومَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ. 25 وَلَمَّا وَجَدُوهُ فِي عَبْرِ الْبَحْرِ, قَالُوا لَهُ, يَا مُعَلِّمُ, مَتَى صِرْتَ هُنَا.
ابتدأت النهضة في الجماهير، الّذين فتشوا عن يسوع بشوق. ولَمّا أدركوا أنّه لم يبحر بالسفينة، تعجبوا كيف أمكنه الافلات منهم رغم اقفالهم كلّ الطرق البرّية، حتّى لا يفارقهم. ولكنّه تسرّب ليلاً خفية في استتار. فرجع الالوف إلى كفرناحوم، واذاعوا النبأ عن الخبز المجّاني. فاندهش النّاس، وحسدوهم وارادوا الاشتراك معهم في هذا الخبز العجيب. فتدفقت الجماهير هائجة، مفتشة عن يسوع في بيوت تلاميذه، حتّى وجدوه في وسطهم. فعرف النّاس جميعاً القاعدة المسيحية الهامة: حيث اجتمع اثنان أو ثلاثة باسم يسوع، فهناك هو في وسطهم. والمتشوقون للأعاجيب، شعروا بأعجوبة جديدة، فسألوه: متى حضرت إلى هنا وكيف؟ فلقد حرسنا الطرق وطلبناك فلم نراك. ولكن يسوع لم يجاوبهم على سؤالهم المتطفل، بل أخذ في عنايته الرّوحية يوضح لهم الإيمان. وكما فعل في أورشليم، هكذا ادار المباحثة الفاصلة بحكمته، محاولاً أن يجذب المخلّصين مِن المتحمسين إلى محبّته تماماً، ويعلن الخبث والرفض في اعدائه جليّاً. فلم يحبّ يسوع الحالة الفاترة، ولا الخلط بين الأفكار الدنيوية والسماوية، وهو يفضل حلقة المؤمنين الصغيرة على الجمع الكثير مِن المتدينين السطحيين.
6: 26 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأَنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ, بَلْ لأَنَّكُمْ أَكَلْتُمْ مِنَ الْخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ. 27 اِعْمَلُوا لاَ لِلطَّعَامِ الْبَائِدِ, بَلْ لِلطَّعَامِ الْبَاقِي لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ, لأَنَّ هَذَا اللَّهُ الآبُ قَدْ خَتَمَهُ.
قال يسوع للجماهير بكلّ وضوح: انكم لا تحبونني، ولا تطلبونني لنفسي، ولا تفكّرون بالله حقّاً، بل تحبون بطونكم وتفكّرون بالخبز. ولم تفهموا الآية العجيبة، لأنّ اشباعي إياكم بعد العظة بالخبز لم يكن هدفي، بل ان تعرفوني في قدرتي. انّكم تطلبون العطية، وتهملون المعطي، انكم تبحثون أموراً دنيوية فانية، ولا تؤمنون بألوهيتي. اوقفوا اتجاهكم القديم. ولا تعملوا طيلة النهار لأجل الاكل والشرب فقط، بل اهتموا أن تنالوا قوّة الله. لا تقتربوا مِن جنس الحيوانات الّتي تعيش لتأكل، بل اقتربوا مِن الله، الّذي هو روح. وهو مستعدّ أن يشرككم في حياته الأبديّة.
ووضّح يسوع للجماهير: لقد أتيت إلى العالم، لأهديكم عطيّة الله العظمى. فلست أنا إنساناً بلحم ودم فقط، بل حامل هبة الله لأجلكم، لأنّ الله ختمني بالرّوح القدس. أنا حامل الحياة الرّوحية فيّ لأنعشكم بالقوّة السماوية. وبهذه الجملة التمهيدية، أعلن يسوع لطالبي الخبز السرّ العظيم، ان الله هو الآب المهتم بالجميع والعائل للبشر ومحبهم. فليس هو القدّوس الغاضب، الّذي يطلب أوّلاً إتمام الناموس (الشريعة) قبل البركة، إنّما يبارك الأشرار والصالحين، وتشرق شمسه على كلّ الفرق مِن النّاس، حتّى على الملحدين الكفار. الله محبّة، والمسيح حاول أن يحرّر الجماهير مِن أفكارهم المادية، ويرجعهم إلى الثقة بالآب. وهكذا وضح لهم، أنّ ملكوته ليس دنيويّاً مبنيّاً على الخبز والمال والسلطة، بل مملكة روحية ممتلئة الحياة الإلهيّة الحالة بينهم في شخص المسيح، معطي الرّوح لكلّ الّذين يطلبونه.
6: 28 فَقَالُوا لَهُ, مَاذَا نَفْعَلُ حَتَّى نَعْمَلَ أَعْمَالَ اللَّهِ. 29 أَجَابَ يَسُوعُ, هَذَا هُوَ عَمَلُ اللَّهِ, أَنْ تُؤْمِنُوا بِالَّذِي هُوَ أَرْسَلَهُ.
لم يفهم الجماهير تعاليم يسوع بدقّة، ولكن أدركوا أنه قدّم لهم عطيّة عظيمة مِن الله. وكلّهم أرادوا أن ينالوا الحياة الأبديّة. وكانوا أيضاً مستعدّين أن يعملوا شيئاً لأجل نيل العطيّة. وأرادوا إتمام الناموس (الشريعة) والتضحية والصوم والصّلاة والحج، ليربحوا بأعمالهم عطية الله. وهنا يظهر عمي البشر، انّهم جميعاً ناموسيون (شريعيون)، لإذ يريدون إنشاء خلاصهم بذاتهم. ولم يدركوا انهم غير قادرين على ذلك، ومذنبون هالكون. واستكبروا وفكّروا أن يعملوا أعمال الله، ظانين بأنفسهم القداسة.والمقدرة، ليحقّقوا أعمال ترضي الله. فالإنسان أعمى بمقدار، انّه لا يرى حالة قلبه، بل يفكّر ذاته إلهاً صغيراً، ويتوجب على الله أن يكون مسروراً منه. وقبل يسوع سؤال المستفهمين، واراهم أن ليس عليهم فريضة عمل ما. وإنّما هم مدعوون للإيمان بشخصه. فالله لا يطلب منا الجهد والطاقة، إنّما يطلب تسليمنا إلى يسوع والثقة فيه. وهذا القول كان دهشة للقوم وعثرة كبرى. فابتدأ بذلك الانفصال فيما بينه وبين الجماهير. لكنّه أوضح لهم أيضاً: انّ عمل الله هو أن يؤمنوا بي. وان فتحتم انفسكم للروح القدس، فتعرفوني بسلطاني ومقاصدي ومحبّتي. وعندئذ تدركون انّي لست نبيّاً فقط، بل الخالق بالذات والابن الّذي ارسله الآب إليكم، لتعرفوا نهائيّاً ان الله هو الآب، وتنكسروا لثقتكم الذاتية، وتتغيروا مِن اهتمامكم الدنيوي وتصبحوا أولاد الله حسب محبّته.
إنّ الإيمان بيسوع هو ان نتمسّك به ونسمح له أن يعمل فينا. ونقبل إرشاده، ونستلم الحياة الأبديّة مِن قدرته. فالإيمان يعني التحاماً بيسوع، زمناً وأبداً. وهذا هو بالذات عمل الله، لأنّه رابط المؤمنين بابنه، لكي تنتهي الخطيئة فيهم ويعيشوا معه إلى الأبد.
6: 30 فَقَالُوا لَهُ, فَأَيَّةَ آيَةٍ تَصْنَعُ لِنَرَى وَنُؤْمِنَ بِكَ. مَاذَا تَعْمَلُ. 31 آبَاؤُنَا أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ, كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ, أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ خُبْزاً مِنَ السَّمَاءِ لِيَأْكُلُوا. 32 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ, بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ, 33 لأَنَّ خُبْزَ اللَّهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ.
إنّ طلب يسوع التسليم الكامل إليه سبّب في الجماهير صدمة عنيفة، لأنّهم شعروا أنّ يسوع طلب منهم شيئاً، لا يجوز اعطاؤه إلا لله وحده. فسألوه عن الآية الّتي يستدل بها على حقه ليستسلموا إليه. فقالوا له انّنا نشارف على خطر التجديف به، ان استسلمنا لك وامنا بك وأنت إنسان مثلنا. فأعطنا برهاناً على الوهيتك، ان كنت مِن الصادقين. فلقد أعطى موسى الخبز للشعب في البرية، كلّ يوم مجدداً. أمّا أنت فلم تعطنا الخبز إلاّ مرّة واحدة. وبينما أعطى موسى الخبز لمئات الالوف فانك لم تعطه إلا لخمسة الاف نسمة فقط فلئن اعطيتنا الخبز والطعام والضمان في الحياة لنتبعك. لكن هات ارنا قبلاً فعندئذ نؤمن. هذا هو مرض الإنسان، لا يريد تسليم نفسه لمحبّة يسوع بلا قيد أو شرط، بل يريد البراهين أوّلاً. لكن الربّ يسوع يقول: طوبى للذين آمنوا ولم يروا. فهؤلاء هم الّذين يكرمونني بثقتهم. انّ يسوع هو المرشد العظيم، الّذي قاد المعقدين خطوة خطوة مِن تفكيرهم الناموسي (الشريعي) الدنيوي إلى إيمان واضح بنفسه. ولقد حرّر المسيح النّاس مِن شهوة الخبز وأنارهم، انه هو نفسه عطية الله العظمى.
وفي سبيل هذا الايضاح التدريجي حرّرهم يسوع مِن تخيلاتهم الخاطئة بفهم الكتاب المقدّس، كأنّما موسى هو الّذي أعطى الشعب المن في البرية. ولكن في الحقيقة ليس إلاّ الله الآب هو معطي النعم جميعها. وهكذا أوقفهم أمامه، ليدركوا أنّ الله يعطيهم الخبز الأعظم والطعام السماوي الّذي لا يزول. ولو انتبهوا، لفهموا أن يسوع قد أعلن ذاته لهم ابناً لله، لأنّه سمّى الله أباه. ولكن الجماهير كانت ما تزال مفتكرة بالخبز الملموس، النازل مِن السماء على يد موسى. ورفع يسوع مِن مدراكهم، ليفهموا أنّ خبز الله، ليس الأكل الدنيوي وابتلاعه في البطن، بل انّ هذا الخبز الإلهي لا يعني إلاّ شخصاً مشبعاً جوع العالم إلى الحقّ والحياة. وهذا الوهّاب هو النازل مِن السماء المشحون ببركات الله والقوى العديدة. فخبز الله ليس ماديّاً فانيّاً، بل روحيّاً أبديّاً. ولم ينبع مِن الأرض كما فاض المن على يد موسى، ولكنّه نازل مِن عند الله. وهذا الخبز كاف لكلّ النّاس في كلّ الأزمنة، وليس مقتصراً على ال إبراهيم فقط. فالله الآب يهتم بالعالم كلّه.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، احفظنا مِن نشاطنا الأناني، واخلق فينا الإيمان المتواضع، لنسمح لإرادتك، أن تعمل بقوّتك فينا، لكي تدفعنا للارتباط الكامل بك. اشبع جوع قلوبنا بحضورك فينا. واحفظنا إلى الحياة الأبديّة. ونشكرك لأنّك أنت والآب تحلّ فينا. مانحاً لنا القوّة والبركة والحياة.
السؤال:
26- كيف أرشد يسوع النّاس مِن طلبهم الخبز إلى الإيمان بشخصه؟
6: 34 فَقَالُوا لَهُ, يَا سَيِّدُ, أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هَذَا الْخُبْزَ. 35 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ, وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَداً.
أثار يسوع في الجماهير الجوع إلى خبز الله، وحرّرهم مِن عبودية أعمالهم الخاصّة إلى الاهتمام بالخلاص. وأعدهم لقبول عطية الله. وافهمهم ضرورة الإيمان بشخصه. عندئذ وافق الجميع بحماس سطحي قائلين: عظيم، فلئن كنت أنت واهب الخبز الإلهي، فأعطنا دوماً وفي كلّ حين هذه العطية الفريدة، لنتخلّص مِن ربقة العمل. ولا يكون علينا لزاماً، أن نشتغل ونتعب. فها نحن أولاء واثقون بك وطالبون منك، أن تملأنا بالحياة الأبديّة. هات مِن قوّتك! فهؤلاء المستمعون ما فهموا وعد يسوع في جوهره، وكانوا ما يزالون مفكّرين بالخبز الدنيوي. ولكنّهم قد فهموا شيئاً واحداً، أنّ عطيّة الله عظيمة وفريدة.
فانّ يسوع لا يرفض أيّ التماس يقدّم إليه. وهكذا أعلن للجماهير مجده وقال: أنا هو خبز الحياة. انتبه أيّها الأخ، فلم يقل أعطيكم الخبز، أو أتيكم به أو اشتريته لكم. كلا، إنّما قال بوضوح وهو واقف أمامنا: هاأنذا في ذاتي خبز الله لكلّ العالم. وفي شخصي تجدون الفيتامينات الكاملة والمقويات للحياة الأبديّة.وخارجي لا توجد حياة أبدية. أنا هو عطية الله لكم، وبدوني تبقون ماكثين في الموت. وكما انّ الخبز يدخل فيكم ويمنحكم قوّة الحياة، هكذا اشاء أنا أن أحلّ فيكم، لأنعش عقولكم ودماءكم وضمائركم لتتقوا روحيّاً. وبدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً. وبدون الخبز السماوي، تنقرض نفوسكم. فانّكم بحاجة ماسّة إليّ يوميّاً. وأنا أعطيكم نفسي مجاناً. فليس عليكم أن تدفعوا أو تقدّموا شيئاً، إلاّ أن تقبلوني وتتيحوا لي الدخول إلى قلوبكم. فيا أيّها الأخ، أنت بحاجة إلى يسوع، ولا تكفيك قراءة أقواله ولا ادراك أفكاره. لكنك تحتاج إليه شخصيّاً وبدونه تزول. وأمّا معه فتعيش إلى الأبد، لأنّه مهم لأجلك كالخبز والماء اليومي. وعليك أن تأخذه أو تموت.
ربّما تقول كيف أقبل يسوع، وكيف يحلّ في صميم قلبي؟ فيقول لك: دع قلبك يشتاق إلي، واقترب منّي تحيا. واقلبني شاكراً، وآمن بي مطلقاً. فحلول يسوع في قلوبنا يتم بالإيمان، لأنّه ليس خبزاً ماديّاً ملموساً، بل روح أبدي وقوّة الله. فاشكر يسوع لأنّه عطية الله لك. وأفرحن لأنّه يعطيك مجاناً. أحمده بفرح لأنّه مستعدّ للسكن فيك، ويأتي إذا طلبته أكيداً. آمن بحضوره معك، والتمس منه ثباته فيك إلى الأبد. وبعدئذ يؤكّد يسوع لك: لأنّك طلبتني وقبلتني اثبت فيك، واشبع جوعك إلى الحياة. فلا تبحث مِن الآن فصاعداً في أديان العالم وفلسفاتها أيّها حق، ولا تنحدر إلى كلّ مستنقع نتن لتشرب منه، بل أنا اكفيك وأمنحك حياة وقوّة ومعنى وسلاماً وفرحاً ووطناً ومجداً.
6: 36 وَلَكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي, وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. 37 كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ, وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً. 38 لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ, لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي, بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. 39 وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي, أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً, بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. 40 لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي, أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ, وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.
كان يسوع قد أعطى الجليليين في اليوم السابق خبز النّعمة مجّاناً، وهم رأوه بسلطانه البهي، ولكن ادراكهم لم يصر فيهم يقيناً، ولم يقدهم إلى اقرار الإيمان. فبقوا متأرجحين في قلوبهم. لأنّهم تحمسوا مِن جهّة ليسوع ملك الخبز، ومِن جهة ثانية لم يؤمنوا بشخصه حقّاً. فهو قدّم ذاته لهم كعطية مجانية مِن الله، فلم يقبلوه شاكرين. فحق ليسوع أن يقول لهم كما قال سابقاً لأهل أورشليم، عن السبب، الّذي فصلهم عنه. فلماذا لا يؤمن كثير مِن النّاس بيسوع يا ترى؟! وللعجب فانّنا لا نجد يسوع يقول لهم رأساً: ان الحقّ عليهم، أو انه دافع عن عظته كأنّما قد تكون فيها علة سببت عدم فهمهم، كلا. بل دلّهم على أبيه، وأراهم نوعية إنشاء الإيمان كعمل إلهي.
ويسوع لا يريد أن يكسب إنساناً بحيلة أو اقناع جدلي، ولكنّ الله يهبه الخطاة، لأنّه يعلم حقيقتهم ومقدار استعدادهم للتوبة والرجوع. هكذا يجيء إلى يسوع فقط الّذين يتجاوبون لجذب الرّوح القدس. والمسيح لا يشمئز مِن الكذبة والزناة والسرّاقين، الآتين إليه تائبين. فلم يرفض إنساناً ما أبداً إذا اقترب إليه، حتّى اعداءه رحمهم، وقدّم لهم ملء الخلاص في شخصه. فالمسيح لا يعيش لذاته، ولا يخطط حياته حسب أمنياته الخاصّة. إنّما نزل مِن السماء، ليتمم مشيئة أبيه، وينسجم تماماً مع مقاصد محبّته، ليخلّص كلّ الّذين يريدون الخلاص، وليحفظ جميع المؤمنين المشتاقين للثبات فيه. انّ رحاب المسيح وقوته المخلّصة والحامية عظيمة. فلا موت ولا شيطان ولا خطيئة تستطيع أن تخطف الّذين في يده، وقد استودعوه أنفسهم. وهو برحمته سيقيم أتباعه في يوم الدين إلى الحياة الأبديّة، لأنّهم يحملون خبز الحياة الآن في أنفسهم.
فهل تعرف مشيئة الله؟ انه يشاء أن ترى ابنه، وتعرفه وتدركه وتؤمن به، انّه مولود مِن روح الآب والممتليء بالنّعمة والحقّ. وبعدئذ يشاء الآب أن ترتبط بمخلّص العالم، مع كلّ المؤمنين في عهد أبدي غير قابل للتفكك. عند ذاك يتحقّق فيك هدف مشيئة الله، انّ المؤمن بيسوع ينال الحياة الأبديّة رأساً بواسطة حلول الرّوح القدس في جسده الفاني فإيمانك بيسوع يحقّق الحياة الأبديّة فيك. تلك الحياة الظاهرة بالمحبّة والفرح والسّلام والقوّة والتواضع والعفة. وحياة الله فيك لن تموت. وهذه هي المرحلة الأخيرة في مشيئة الله ان يسوع سيقيمك مِن بين الأموات، لأنّك قد امتلأت بحياته وقوّته وروحه. فالمسيح سيقيمك إلى الحياة. هذا أعظم رجاء للمؤمنين. عندئذ يظهر فيك جوهر الحياة، الّذي منحه لك الابن ألا وهو مجد محبته وأشعة قداسته.
الصّلاة: نسجد لك أيّها الآب والابن والرّوح القدس، لأنّك لم تبق بعيداً عنا، بل أتيت إلينا رغم رفضك مِن قبل الجماهير. وأنرتنا لنراك ونقبلك خبزاً حقّاً، ونؤمن بك. فنشكرك، لأنّك لم ترفضنا، بل حلّلت فينا، وأشبعت جوعنا إلى الحياة. وستقيمنا للسعادة الأبديّة وحمد الفرح السرمدي.
السؤال:
27- ما هي المعاني الّتي تشتمل عليها الكلمة: أنا هو خبز الحياة؟
6: 41 فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ, أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. 42 وَقَالُوا, أَلَيْسَ هَذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ, الَّذِي نَحْنُ عَارِفُونَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ. فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا, إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ.
سمّى البشير يوحنّا الجليليين يهوداً، رغم انّهم لم ينتسبوا لهذا السبط، ولكنّهم إذ عارضوا روح المسيح، فلم يكونوا بأفضل مِن سكان الجنوب اليهودي. فشعب العهد القديم بكلّيته امتنع عن الاعتراف بيسوع وعصى كلمته. فروحهم ليس مِن السماء، وما انسجم مع رسالة يسوع. ولقد أبرز الفقهاء في أورشليم سبباً آخر لرفضهم يسوع، لأنّ تفكيرهم الناموسي(الشريعي) واعتقادهم بالصلاح في أنفسهم ناقص محبّة يسوع وتقديمه الحياة الأبديّة مجاناً. أمّا الجليليون فعثروا بوضع يسوع الاجتماعي، إذ كانوا عارفين العائلة الّتي انتسب إليها، لأنّ أباه المتبني عاش معهم رجلاً بسيطاً بلا مواهب نبوية أو صفات خاصة. وأمّه مريم لم يكن لها ما يميزها عن النساء الأخريات. إلا انّها كانت أرملة إذ ذاك، الأمر الّذي كان يحسب عند اليهود نوعاً مِن الغضب الإلهي. فما آمن الجليليون ان يسوع هو الخبز الإلهي النازل مِن السماء.
وعجباً، فان يسوع لم يحاول أن يوضح للمنفضين عنه أعجوبة ولادته، لأنّه حتّى ولو أوضح لهم مصدره الإلهي وكيانه الإنساني، فما كانوا ليؤمنوا. ولا نستطيع ادراك ألوهية الإنسان يسوع مِن تلقاء عقولنا، إلاّ بواسطة الإنارة مِن الرّوح القدس. فمَن يتقدّم إليه بثقة، يبصره ويدرك حقيقته العظمى.
6: 43 فَأَجَابَ يَسُوعُ, لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. 44 لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي, وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. 45 إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ, وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللَّهِ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ. 46 لَيْسَ أَنَّ أَحَداً رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللَّهِ. هَذَا قَدْ رَأَى الآبَ.
منع يسوع الجماهير مِن التذمّر والثورة ضدّ إعلانات الله، لأنّ الرّوح العاصي لا يسمع شيئاً مِن ملكوت الله. أمّا المصغي المحتاج المتواضع فيدرك محبّة الله الفائقة عقولنا. والله في محبته يجذب النّاس إلى يسوع المخلّص، ويريد انارتهم، ويعلّمهم شخصيّاً، كما نقرأ في أرميا 31: 3و 54: 13. ففي العهد الجديد ليست إرادة الإنسان ولا عقله سبب إيمانه، بل الرّوح القدس هو الّذي ينير عمينا الخاطيء. وينشيء في قلوبنا الحياة الإلهيّة، لندرك أنّ الله العظيم أبونا الحقّ. والله يعلّم أولاده، ويديم معهم الصلة المباشرة. فأبونا الّذي في السماوات، يخلق الإيمان في قلوبنا بواسطة جذب الرّوح القدس. فهل أحسست بجذب الرّوح القدس في ضميرك؟ وهل انفتحت لدافع محبّة الله هذا؟ هل سمعت صوت الربّ في صميمك؟
وروح الآب يقودنا إلى يسوع، ويوجّهنا إليه، ويحرّكنا نحوه. ويوقظ شوقنا إليه، حتّى نقوم ونذهب ونلتقي بيسوع ونحبّه. وهو مِن جهته يقبلنا كما نحن. ولا يخرجنا خارجاً، ويغرس فينا حياته الأبديّة، حتّى نشترك في قوّة قيامته. وغايته أن يدخلنا إلى مجد أبيه، الّذي أبدى هذا التطوّر الخلاصي بواسطة جذب روحه القدّوس. ورغم هذا الارتباط القريب بين المتجدد والآب السماوي، فانه يوجد فرق كبير بين يسوع والإنسان المولود ثانية. فليس إنسان رأى الله، إلا الابن. لأنّه كان عند الآب منذ الأزل، وقد رآه عيانا. ولا يوجد تفرقة ولا انفصال بينهما، لأنّه عاش في انسجام كامل مع الآب، واشترك في راحته السماوية وبكلّ صفاته. وهذا ما يرينا الهدف، الّذي يريده الآب ليجذبنا إليه.
6: 47 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. 48 أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. 49 آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. 50 هَذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ, لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ.
بعدما أعلن يسوع ارتباطه مع الآب، وعمل الرّوح القدس في المستمعين، قدّم ابن الله مرّة أخرى ملء جوهره مجاناً ليؤمنوا به. ووصف لهم القاعدة المسيحية باختصار: مَن يؤمن بيسوع يعش إلى الأبد. فهذه الحقيقة هي حق ويقين، لا نهاية لها حتّى بالموت. ويشبه يسوع رغيفاً مِن الخبز، آتيّاً مِن الله إلى العالم. وكما لم ينته الخبز بين يدي يسوع في أعجوبة اشباع الخمسة آلاف، لَمّا كان يكسره ويعطي النّاس، هكذا يكفيك، ويكفي جميع العالم في كلّ حين، لأنّ في شخصه يسكن كلّ ملء الله. وحيث انه يوجد في العالم أنواع مختلفة مِن الخبيز، فمنها ما يحتوي على كمية كبيرة مِن الغذاء والفيتامينات، ومنها ما هو دون ذلك. هكذا يكون يسوع أحسن خبز في العالم. ولا تجد في تعاليمه فساداً أو علة. ولكنّك تنال منه قوّة ورجاء وجرأة وفرحاً وبركة. وبكلمة واحدة، انّه يمنح العالم حياة الله بالذات. ومع ذلك، فلم يقبله العالم. والمن الّذي نزل في البرية، إنّما كان هبة مِن الله أيضاً. وهذه الهبة، ما ساعدت إلاّ وقتيّاً، لأنّ كلّ آكليها ماتوا ولم يخلدوا. ومثل هذا ما نراه في الأعمال الخيرية والتطوّرات التكنيكية واكتشافات العلوم الطبيعية، فانه يساعد جزئيّاً ووقتيّاً. ولكن لا تجدن فيه مانعاً للموت، وتغلباً على سببه ” الخطيئة”. أمّا مَن يقبل المسيح في فؤاده، كأنه آكله ومبتلعه، فهذا لن يموت إلى الأبد. هذه هي غاية المسيح، الحلول والثبات فيك. فهو يشاء السكن فيك شخصيّاً، لكيلا يملك روح آخر قلبك. وهو مستعد لاطفاء كلّ اشواقك، ومحو مخاوفك، وتقوية ضعفك. فيسوع هو الخبز المعين لك مِن الله. كلّ وعش، لكيلا تهلك كباقي الخطاة.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ يسوع، لأجل صبرك على العصاة. ونعظّمك لأنّك عرضت لهم مكرّراً النّعمة، وكذلك لنا ولسائر النّاس. ونمجدك لأنّك أنت وحدك خبز الله المشبع القلوب. تعال إلى قلبي واثبت في. واملأ كلّ أخوتي بروحك القدّوس. وعلّمنا أن نثبت فيك، ولا نتركك، راكضين وراء شبه خبز بلا غذاء.
السؤال:
28- كيف جاوب يسوع على تذمّر مستمعيه؟
6: 51 أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ.
هل رأيت مرّة رغيفاً مِن الخبز، راكضاً ومتحرّكاً ومتكلّماً؟! فانّ يسوع يسمّي نفسه الخبز الحي، لتدرك انه يتكلّم عن خبز مادي مِن السماء بل روحي إلهي. وهو لا يعني أن نأكل لحم جسده عمليّاً، لأنّنا لسنا مِن أكلة لحوم الإنسان. بعدئذ ابتدأ يسوع يتكلّم عن موته، لأنّ ليست روحانيته هي الّتي فدت النّاس بل تجسّده. فقد صار إنساناً ليبذل نفسه عن خطايانا. وقد عثر مستمعوه به، لأنّه كان إنساناً مثلهم عاديّاً، ومِن عائلة معروفة رقيقة الحال. ولكن لربّما لو أتى ملاك مِن السماء، لقبلوه بهتاف. فأوضح يسوع لهم أنّ مجده وروحه لا يفديانهم، بل جسده الّذي جاء ليبذله عن النّاس، حتّى تكون لهم الحياة.
6: 52 فَخَاصَمَ الْيَهُودُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً قَائِلِينَ, كَيْفَ يَقْدِرُ هَذَا أَنْ يُعْطِيَنَا جَسَدَهُ لِنَأْكُلَ. 53 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ, فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ. 54 مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ, وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ, 55 لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ. 56 مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ.
وجد في اليهود مؤمنون ورافضون ليسوع. فتخاصموا مع بعضهم بعنف، لأنّ رافضيه وأعداءه اقشعروا باحساساتهم الإنسانية، لَمّا سمعوه مِن فكرة أكلهم جسد يسوع وشربهم دمه. فيسوع قاد الفريقين إلى انفصال حاسم، ليظهر جليّاً الواثقون فيه والمبغضون له. فامتحن محبّة الأوّلين، وأبرز عمي المبغضين. وقال كلمته المرعبة: الحقّ الحقّ أقول لكم، ان لم تأكلوا جسدي وتشربوا دمي فليس لكم الحياة الأبديّة. فبدون اشتراككم في كياني، تثبتون في الموت والخطايا هالكين إلى الأبد. وهذه الكلمات رنّت في أذن المعاندين وكأنّها عار وتجديف. لكأن الإنسان يسوع يقول: اقتلوني وكلوني، لأنّي في ذاتي معجزة المعجزات، وجسدي خبز طازج، فيه الحياة الإلهيّة لكم. ففار دمهم واغتاظوا بشدّة. بينما تجاوب الواثقون فيه مع جذب الرّوح القدس. وآمنوا بالمستحيل، متّكلين على يسوع، انه سيجد طريقة مقبولة لتحقيق كلماته. ولو فكّر مستمعوه قليلاً، لأدركوا وهم في أيام الفصح، ان يوحنّا المعمدان سمّى يسوع حمل الله. واليهود جميعاً، اشتركوا في عيد الفصح بأكل لحم الحملان المذبوحة في هذه المناسبة، ليحفظوا باتحادهم مع الذبائح أنفسهم مِن غضب الله عليهم. فدلهم يسوع على انّه هو حمل الله الحقّ، الّذي يرفع خطيئة العالم.
ونعلم اليوم انّه في رموز العشاء الربّاني، يدخل جسد المسيح فينا، ويطهّرنا دمه مِن كلّ الخطايا. وانّنا نشكره لهذه النّعمة. أمّا الجليليون آنذاك، فلم يعرفوا هذا السرّ. فشعروا كأنما كلمة يسوع تفجر عقولهم، بل الربّ أراد امتحان إيمانهم. ولكن عصيانهم سرعان ما ظهر في ثورة ملتهبة. ونحن نسجد للمسيح بفرح وشكر، لأنّه أوضح لنا برموز العشاء الربّاني، كيف يريد أن يحلّ بروحه القدس فينا. فبدون ذبيحة المسيح لا نستطيع الاقتراب مِن الله، ولا الثبات فيه. إنّما الغفران الكامل لخطايانا هو الّذي يمنحنا الاستحقاق بحلول المسيح فينا. والإيمان به يحقّق هذا الحلول ويشركنا في قيامته المجيدة، الّتي تعقبها حياة أبدية. فنسجد لحمل الله، لأنّه بذل جسده ليفتدينا مِن غضب الله. ويسوع لا يكتفي بموته على الصليب، بل يريد أن يحلّ فينا. وبواسطة هذا الحلول نصبح قدّيسين وعائشين إلى الأبد.
6: 57 كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ الْحَيُّ, وَأَنَا حَيٌّ بِالآبِ, فَمَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي. 58 هَذَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. لَيْسَ كَمَا أَكَلَ آبَاؤُكُمُ الْمَنَّ وَمَاتُوا. مَنْ يَأْكُلْ هَذَا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ.
يكلّمنا المسيح عن الحياة الّتي في الله القدير، لأنّه يسمّيه الآب الحي. فلم يمت الله كما تقول بعض العقول اليابسة مجدفة بجهلها، ان الله غير موجود، بل هو مِن الأزل إلى الأبد. ولا يجلس على عرشه كصنم ضخم هائل، ولكنّه أبو كلّ المحبّة. والمسيح يعيش بواسطة الآب، وله وفيه. وليس موجوداً لذاته. إنّما وجوده لأبيه. فلا يجد معنى حياته في إرضاء أمنياته الشخصية، بل باطاعة كاملة لأبيه. فهو الّذي ولده، فالولد لأبيه. وإياه يحبّ ويخدم. كما أنّ الآب يحبّ الابن، ويخصّه ويعمل بملئه فيه.
ويا للعجب! فيسوع أعلن سرّ وحدته مع الآب، بكلّ تواضع أمام مستمعيه الهائجين الغاضبين، الّذين لم يفهموا أنّ المسيح بهذه الكلمة الأخيرة، إنّما أعطاهم أسمى إعلان. حيث قال: كما انّي أعيش بالآب وفيه ولأجله، هكذا أريد أن أعيش لأجلكم وفيكم. لكي تعيشوا أنتم أيضاً لأجلي وفيّ. فأيّها الأخ العزيز هل استعددت لهذا الارتباط القريب بالمسيح؟ هل تريد أن تقبل المسيح، كلياً، بكلّ مبادىء وأهداف وقوى حياتك أو لا؟ أتريد أن تموت لذاتك وأنانيتك، لكي يعيش الربّ فيك؟ ولم يأتنا المسيح بأفكار اصلاحية عالمية، ولا يرسل إلينا أموالاً، ليعيننا حتّى نعين أنفسنا. ولا يشير بري الصحاري، ولا بتنظيم حقول الارز للجائعين. كلاّ ثمّ كلاّ، بل انّه يغيّر القلوب، لكي يعيش النّاس كالله إلى الأبد. فأعطى المؤمنين به اشتراكاً بألوهيته. وهكذا يخلق إنساناً جديداً لا يموت، بل يحيا ويحبّ ويخدم. وليس هدفه إلاّ الآب. راجع الإصحاح السادس كلّه، واعدد المرّات، الّتي نطق فيها المسيح الكلمات الثلاث، الآب والحياة والقيامة ومشتقاتها. فتدرك سريعاً خلاصة إنجيل يوحنّا، انّ المؤمن بالمسيح يحيا مِن روح الآب السماوي متّجهاً نحو القيامة في المجد.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح نشكرك لأنّك حلّلت فينا. ومنحتنا حياة الآب السماوي بملء الفرح. اغفر لنا ذنوبنا، وقدّسنا إلى التمام. لكي نخدمك بصبر المحبّة، ونتبعك في تواضع ووداعة، ولا نعيش لأنفسنا. نجّ أصدقاءنا وأقرباءنا، لكي يتركوا أهدافهم الفانية، ويقبلونك، ويعيشوا الحياة الحقّة. وأقمنا معاً مِن قبورنا، لمعاينة مجدك في مجيئك.
السؤال:
29- لِمَ قال يسوع لمستمعيه أنّ عليهم أكل جسده وشرب دمه، وإلاّ فهم لا يشتركون في الحياة الأبديّة؟
- تنقية حلقة التلاميذ
(6: 60- 71)
6: 59 قَالَ هَذَا فِي الْمَجْمَعِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كَفْرَنَاحُومَ. 60 فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ, إِذْ سَمِعُوا, إِنَّ هَذَا الْكَلاَمَ صَعْبٌ. مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَسْمَعَهُ.
لربّما ألقى يسوع هذا الخطاب الطويل عن خبز الله وأكل جسده ليس في مناسبة واحدة، بل في عدّة مناسبات. وقد أعاد بعض الأفكار وعمّقها أكثر بالتدريج. وأمّا يوحنّا البشير، فقد جمع كلّ هذه المباحثات في خطاب واحد. ونرى أنّ يسوع في الجلسة الأخيرة في مجمع اليهود بكفرناحوم علّم سامعيه بطريقة غير مباشرة، انّه أفضل مِن موسى كما علو السماء عن الأرض، وانه ينبغي لجميع المؤمنين أن يأكلوا جسده ويشربوا دمه. وهذا الإعلان فاق قدرة استيعاب تلاميذه الامناء أيضاَ. فابتدأوا بالشكّ في ربّهم وعقله. فقد عزموا على إطاعة الله وخدمته في عهده، ولكن ما ترونه رابع المستحيلات هو ان يقتلوا إنساناً ويشربوا دمه. فعند قمة هذه الحيرة والشكوك رحم الربّ اتباعه الامناء، وفتح لهم ذهنهم، ليدركوا المثل عن خبز الحياة.
6: 61 فَعَلِمَ يَسُوعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ تَلاَمِيذَهُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَى هَذَا, فَقَالَ لَهُمْ, أَهَذَا يُعْثِرُكُمْ. 62 فَإِنْ رَأَيْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ صَاعِداً إِلَى حَيْثُ كَانَ أَوَّلاً. 63 اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فَلاَ يُفِيدُ شَيْئاً. اَلْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ,
علم يسوع أفكار تلاميذه. ولم يمنعهم مِن تساؤل قلوبهم، لأنّ تذمرهم ما كان عصياناً ضدّه، كما يثور غير المؤمنين، إنّما فهم التلاميذ لم يستطع إدراك صور أمثلة سرّ المسيح. ولكن قبل أن يمنحهم يسوع المعرفة ويحلّ لهم غموض المثل، أكمل شرح خطّته لخلاص العالم. فهو لا يموت فقط ليأكلوا جسده بالمعنى الرّوحي، ويشربوا دمه. بل انه سيصعد إلى أبيه أيضاً، مِن حيث نزل إليهم. فهو الآتي مِن السماء، ولا يبقى في دنيانا. لقد رأوه ماشيّاً على أمواج البحر. فهلا أدركوا بعد إنّما هو إنسان فوق الطبيعة؟! فيسوع صاعد إلى أبيه ليسكب روحه القدّوس على اتباعه. هذه هي غاية موته وهدف مجيئه. ولم يعط يسوع عمليّاً لأيّ مِن أتباعه قطعة لحم مِن جسده ليأكلها، كلا بل يُنزل في قلوب الّذين يتبعونه الرّوح القدس. فلا يدخل جسمه الدنيوي فينا، ولكن روحه القدّوس هو الّذي يحلّ في أجسادنا. ولقد ابان المسيح أنّ أجساد النّاس غير نافعة. نعم انه خلقها أوّلاً مجيدة سليمة. ولكن كلّ أفكارنا وكياننا فسدت. ولا نجد في أجسادنا القوّة لحياة بلا خطيئة. وجسد يسوع أيضاً كان موضوعاً للضعف حتّى قال: اسهروا وصلوا لكيلا تدخلوا في تجربة أمّا الرّوح فنشيط وأمّا الجسد فضعيف. وحمداً لله، فانّ يسوع حمل في جسده الرّوح القدس دائماً. فحضور هذا الرّوح في جسده كان سرّ كيانه. وهو أراد أن يمنحنا هذه الوحدة بين الرّوح والجسد بواسطة موته وقيامته وصعوده وانكساب الرّوح القدس في أجسادنا الضعيفة. فلقد أعلن يسوع لنيقوديموس سابقاً، ان الماء والرّوح هما اللذان يدخلان المؤمن إلى ملكوت الله، مشيراً لمعمودية يوحنّا بالماء والمعمودية بالرّوح القدس في عيد العنصرة. أمّا في مجال الحديث عن خبز الحياة فأوضح المسيح لتلاميذه أنه يحلّ فيهم بتناول رموز العشاء الربّاني، ليأكلوا جسده، ويشربوا دمه. علماً أن تناول هذه الرموز لا ينفعنا شيئاً ان لم يحلّ في أجسادنا الرّوح القدس عمليّاً. فالرّوح هو الّذي يُحيي. أمّا الجسد، فلا يفيد شيئاً. فانّ روح المسيح وحده هو الّذي يعني حضوره في المؤمنين.
فكيف يحلّ الرّوح القدس فينا؟ هذا هو السؤال المبدئي في كلّ الّذين يستعدّون لأكل جسده وشرب دمه، ليعيشوا باتحاد كامل مع المسيح. فجاوب يسوع المستعدين بكلّ بساطة: اسمعوا كلامي، افتحوا قلوبكم لكنز الإنجيل. هذه البشرى الخلاصية أهم مما تعلم. فمِن الضروري أن تحفظها غيباً، لتحلّ الكلمات المقدّسة فيك. وهي ممتلئة الرّوح والحياة. المسيح هو كلمة الله. فمَن يسمع كلامه، ويؤمن به، ويمتليء بروح الربّ. املأ شعورك الباطني بقوّة مواعيد الله، وتمسّك بتوضيحاته، فتصبح أقوى مِن كلّ المكتشفين واكتشافاتهم. لأنّه بكلمة المسيح المخلّصة يحلّ خالق الكون نفسه في جسدك معطيّاً لك حياته وسلطانه.
6: 64 وَلَكِنْ مِنْكُمْ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّ يَسُوعَ مِنَ الْبَدْءِ عَلِمَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ, وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُهُ. 65 فَقَالَ, لِهَذَا قُلْتُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي.
إنّ كثيراً مِن التلاميذ، الّذين تبعوا يسوع حتّى هذه المباحثة الهامة، لم يفهموا مقصده، ففارقوه منكرين. فالحديث عن أكل جسد يسوع وشرب دمه كان ذروة خدمته في الجليل. وأيضاً سبب ارتداد في صفوف اتباعه. لذلك صار عدد التلاميذ قليلاً بعد هذه الحادثة. فإيمان الرافضين، ما كان مستعدّاً ليتجاوز حدود الفكر البشري، ليثق بلا قيد ولا شرط بيسوع. انهم لم يدركوا ألوهيته، ولم يتجاسروا لقطع العهد معه على أساس ذبيحة نفسه. وقال يسوع لأتباعه بكلّ صراحة، ان بعضهم يعارضون روحه ولا ينفتحون له. فالربّ يسوع رأى كلّ فرد في حركات قلبه. وعرف أيضاً يهوذا الاسخريوطي الخائن، الّذي كان معه مِن البدء، ولم يستعد أن يفتح نفسه تماماً لروح محبّة المسيح. فعلم يسوع اثناء تكلّمه عن ذبح جسده انّ أحد الرجال الحاضرين سيسلّمه لهذا الذبح الأليم.
وختم يسوع خطابه الفاصل بتكرير السرّ، انه لا يستطيع إنسان ما الإيمان بيسوع بدون عمل روح الآب فيه. ولا يقدر امرؤ أن يسمي المسيح ربّاً إلاّ بالرّوح القدس. وهذا يعني ضربة صارمة لعقولنا المتكبرة، لأنّنا نظن الاستطاعة على اكتشاف كلّ الأمور الحاضرة والآتية بواسطة تفكيرنا وتأملاتنا. ما أسوأ الغباوة! فانك لا تستطيع الإيمان بالمسيح إن لم يغلب الآب غباوتك وجهالتك، وينيرك بمعرفة المسيح الفائقة ووحدة الثالوث الأقدس، ومحبته اللانهائية. فإيماننا ليس مجرد تصديق، بل التصاق شخصي بيسوع، بعمل الرّوح القدس. افتح نفسك بالتمام لجذب الرّوح الأبوي، ولا تعارض كلمة مِن كلمات يسوع. فعندئذ تختبر، انه يحلّ فيك، ويثبت دائماً، لأنّه خبز الحياة المعدّ لك.
الصّلاة: أيّها الآب السماوي. نشكرك لأنّك وأنت الإله العظيم قد اهتممت بنا نحن الصغار الخطأة. وجذبتنا إلى ابنك في سبيل المحبّة. ونحمدك لأجل عمل روحك القدّوس، الّذي يفتح أعيننا لرحمة المسيح وقيامته. ونشكرك لرموز العشاء الربّاني، لنستطيع الفهم انّ جسد المسيح ودمه يحلّ فينا بواسطة حلول الرّوح القدس. آمين.
السؤال:
30- كيف تعلق الرّوح المحيي بجسد يسوع؟
6: 66 مِنْ هَذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ, وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. 67 فَقَالَ يَسُوعُ لِلاِثْنَيْ عَشَرَ, أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا.
إن أعجوبة اشباع الخمسة الاف شخص مِن خمسة أرغفة وسمكتين سببت تحمساً جماهيريّاً. أمّا يسوع، فكشف الخبث الكامن وراء هذا التحمس، الّذي حمل الجماهير على الارتداد عنه. لأنّه لا يريد تحمساً أو تقوى سطحية، أو تصديقاً لغاية دينونة، بل يريد ولادة ثانية في كلّ فرد، وإيماناً مسلماً له بلا قيد أو شرط. وبنفس الوقت تغلغل بين مؤيديه جواسيس مِن المجلس الأعلى الديني في أورشليم، وهددوهم بالطرد مِن الأمة، إذا استمروا في اتباع مَن قد سمّوه مضلاً. فصار ارتداد كبير في كفرناحوم عن المسيح، حتّى ان عامة الشعب الّذين كانوا معه صاروا ضدّه. وحتّى الأمناء أيضاً. فكلّهم خافوا مِن سلطة المجلس الأعلى، ولم يكونوا على درجة كبيرة مِن الثبات والتضحية حتّى الموت. ولقد رأوا أن إيمان يسوع متطرف. فلم يبق حول يسوع إلا حلقة ضئيلة مِن المخلّصين، إذ انّ الربّ قد غربل القمح وفصله عن القشّ. ومِن قبل هذا اختار المسيح مِن عامة اتباعه أثني عشر رسولاً، حسب عدد أسباط الأمة. وهذا العدد 12، مؤلّف مِن عدد 3×4 أي ما يمثل السماء والأرض. وبأكثر تدقيق انّه يمثل الثالوث الأقدس، وأربع جهات المسكونة. وإذا ضربنا ثلاثة بأربعة نحصل على أثني عشر. هكذا بتلاميذ يسوع الأثني عشر تمتزج السماء والأرض، والثالوث الأقدس، بأربع جهات الدنيا. وبعد هذا الانفصال العارم امتحن يسوع مختاريه أيضاً، ليبني ثباتهم، ويقوّي دعوتهم. فسألهم: العلّكم أنتم أيضاً تريدون المضي؟! وبهذا السؤال، أحرج يسوع تلاميذه، ليقرّروا حقيقة مصيرهم. وهكذا يسألك وأصدقاءك في الأيام الحرجة وساعات الاضطهاد، العلّك تريد أن تتركه أو تثبت معه؟! ما الأهم، التقاليد والعواطف والضمان والمنطق أو ارتباطك بيسوع إلى الأبد؟ اخترت السماء، أم اتجهت أرضاً؟ انّ يسوع لا يكلّل قلباً منشقاً. فمَن يسلّم حياته للمسيح، فهذا فقط يسلمه المسيح حياته أيضاً. فعهده لا يكون لفاتر في الإيمان.
6: 68 فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ, يَا رَبُّ, إِلَى مَنْ نَذْهَبُ. كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ, 69 وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ.
وأظهر بطرس تحقيق نبوة يسوع عن حياته، انه صخرة ثابتة، لأنّه جاوب عوضاً عن كلّ التلاميذ، بكلمات عاطفية: أيا ربّ إلى مَن نذهب؟! أنت وحدك ينبوع الحياة الأبديّة. ربّما لم يفهم بطرس كلّ كلمات يسوع، إنّما شعر في صميم قلبه، انّ هذا الإنسان يسوع، الّذي مِن الناصرة، هو الربّ مِن السماء. وتخرج مِن أقوال فمه قوّة محيية، لا يتكلّمها إنسان. فآمن بطرس بحضور الربّ بينهم، واختبر كلماته القديرة الخالقة فيهم الحياة الأبديّة. وقد اشترك بتوزيع الخبز بين الخمسة الاف. ويد يسوع أمسكت بيده، لَمّا أشرف على الغرق بين أمواج البحر. فقلب بطرس صار خاصاً ليسوع فأحبّ ربّه أكثر مِن كلّ شيء في العالم، ولم يرد مفارقته إلى الأبد. فتكلّم مِن صميم قلبه كلمات مستقيمة. فقد اختار بطرس يسوع، لأنّه اختاره هو أوّلاً.
ومقدام الرسل أكمل شهادته الشهيرة بهذه الكلمات: ونحن قد آمنا وعرفنا. فانتبه أيّها الأخ، لأنّ بطرس لم يشهد قائلاً: قد عرفنا وآمنّا بل العكس، إذ الإيمان هو الّذي يفتح أعين القلب. فليس عقلنا هو الّذي أرشدهم إلى الإيمان بيسوع، وأنارهم لمعرفة حقة. فأدركوا أكثر فأكثر مجده المستتر. فكلّ معرفة حقة مِن يسوع، إنّما هي نعمة مباشرة مِن الله.
فما هو إيمان التلاميذ بيسوع؟ وما هو مضمون هذا الإيمان؟ لقد ارتبطوا في قلوبهم مع الممسوح الإلهي، الساكن فيه ملء الرّوح القدس، والجامع في نفسه كلّ وظائف الكهنوت والملكية والأنبياء. لأنّ كلّ الملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء كانوا في العهد القديم مسحاء ممسوحين بالرّوح القدس. وفي المسيح تجتمع كلّ قوى وبركات السماء، فهو الملك الإلهي القادر على كلّ شيء. وبنفس الوقت رئيس الكهنة، الّذي صالح البشر مع خالقهم. وهو القادر أن يقيم الموتى، وسيدين العالمين. فقد أدرك بطرس في الإيمان مجد المسيح رغم انه ما كان واقفاً أمامه إلاّ شابّ متروك ومحتقر مِن عامة الجماهير. وآمن التلاميذ معاً، وشهدوا بلسان بطرس تلك الشهادة الخطيرة، ان يسوع المسيح هذا، هو قدّوس الله ابناً للآب. ولا يكون إنساناً عاديّاً فقط، بل إلهاً حقّاً أيضاً. فكلّ صفات الله العظيم، حلّت في ابنه. فبقي بلا خطيئة واستطاع أن يمارس وظيفة حمل الله، كما أنبأ المعمدان عنه. وقد أحبّه التلاميذ وخافوه بنفس الوقت، لأنّهم علموا أن حضوره يعني حضور الله. ورأوا في الابن الآب، وأدركوا أنّ الله محبّة.
6: 70 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, أَلَيْسَ أَنِّي أَنَا اخْتَرْتُكُمْ, الاِثْنَيْ عَشَرَ. وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ شَيْطَانٌ. 71 قَالَ عَنْ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ, لأَنَّ هَذَا كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُسَلِّمَهُ, وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ.
لم يرفض يسوع شهادة تلاميذه، بل فرح في قلبه لنمو إيمانهم. إلاّ انّه أدرك انّهم ما كانوا جميعاً برأي واحد. فواحد مِن الحلقة الداخلية عارضه في مناسبات عديدة، وقساوة قلبه تطورت إلى درجة، انّ يسوع سمّاه شيطاناً. فكلّ الرسل كانوا مختارين. والآب جذبهم إلى يسوع، وملأهم بالبركة، ولكنّهم ليسوا عبيد اختيار الله، بل هم أحرار ليطيعوا صوت الرّوح القدس، أو يرفضوه. فيهوذا قفل ذاته عمدأ عن صوت الله، وأسلم نفسه للشيطان، الّذي أقام بينه وبينه انسجاماً ذهنيّاً وتواطؤا. ولم يترك يهوذا يسوع كسائر المرتدين، بل ظلّ بعد كارثة الارتداد العامة معه مرائيّاً بالإيمان والمعرفة. فأصبح إبناً لأبي الكذابين ونضج للخيانة. لأنّه بينما كان بطرس يعترف بمسيحية يسوع، أضمر يهوذا تسليم المسيح للمجلس الأعلى. ففي بغضته عزم على الخيانة سرّاً.
والبشير يوحنّا لم يختم هذا الإصحاح المهمّ بكلمة باهرة عن سلطان الرسل، بل أبرز انّه حتّى في حلقة الأمناء وجد خائن. ولم يطرده يسوع، ولم يعلن اسمه أمام الآخرين. إنّما احتمله بصبر فائق، لعلّه يتوب عن شرّ قلبه ولكنّ تقسي قلبه ازداد إلى ثورة مشتعلة، فأراد إبادة يسوع وبقيّة التلاميذ.
أيّها الأخ العزيز، أمتحن نفسك بكلّ تواضع. أأنت ابن لله أو وَلد للشيطان؟ اتفتح نفسك لجذب الرّوح القدس، أو تميل للتعهّد مع الشيطان؟ انتبه لكيلا تخطىء هدف حياتك المسيح. إن ربّك يحبّك، وقد خلّصك. ولكن إذا لم تقبل خلاصه تماماً، ولا تلتحم به نهائيّاً، فستميل إلى طرق الشرّ، وتندغم بعبودية الشيطان. ارج إلى المسيح ما دام الوقت. وهو منتظرك.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أنت ابن الله، قدّوس رحيم صبور قوي منتصر. اغفر لي ذنوبي واغلب بطء قلبي للإيمان والطاعة. حرّرني مِن كلّ ارتباط نجس، ومِن الميول لروح الشيطان. وثبتني في عهدك، لكي أعيش في قداسة. واثبت في رحابك، واتغيّر إلى صورتك. قدس جميع اتباعك، لكي ينمو في الإيمان والمعرفة، ولا يخونوا كنيستك، بل يشهدوا لكلّ النّاس، انّك أنت وحدك المسيح ابن الله الحي. آمين.
السؤال:
31- ماذا تعني لك شهادة بطرس؟
اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ،
مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ.
(كلمات يسوع حسب البشير يوحنا 6: 47)
المسابقة الثانية
لانجيل المسيح حسب البشير يوحناك عن
النّور يضيء في الظلمة
إنْ جاوبت على 24 سؤال مِن الأسئلة الواحد والثلاثين المأخوذة مِن إنجيل يوحنّا الاصحاح 1- 6، نرسل لك أحد كتبنا.
- لِمَ تبع التلميذان يسوع؟
- كيف نشر التلاميذ الأوّل اسم يسوع؟
- ما العلاقة بين الاسمين ابن الله وابن الإنسان؟
- لِمَ قاد يسوع تلاميذه الزهاد رأساً إلى العرس؟
- لِمَ تقدّم يسوع رأساً إلى الهيكل وأخرج التجار؟
- ما الفرق بين تقوى نيقوديموس وهدف المسيح؟
- ما هي علاقات الولادة الثانية؟
- كيف يكون المسيح مشبهاً بالحيّة المرتفعة؟
- لِمَ لا يدخل المؤمنون بالمسيح إلى الدينونة، ولِمَ يدين رافضو المسيح أنفسهم؟
- كيف يكون المسيح هو العريس؟
- كيف ننال الحياة الأبديّة؟
- ما هي عطية الله الّتي يعطينا إياها يسوع وما هي صفاتها؟
- ما الّذي يمنع السجود الحقّ وما الّذي يحقّقه؟
- كيف نتغير إلى ينبوع الماء الحي؟
- كيف ندرك أن حقل البشر قد ابيض للحصاد؟
- ما هي درجات النموّ في الإيمان الّتي تطور إليها الموظف الملكي؟
- كيف شفى يسوع المريض في بركة بيت حسدا؟
- لِمَ اضطهد اليهود يسوع؟
- كيف ولماذا يعمل الله وابنه؟
- ما هما العملان الهامان الّذان أعطاهما الآب للمسيح ليعملهما؟
- ما هي العلاقة بين الآب والابن الّتي أوضحها لنا يسوع؟
- مَن هم الشهود الأربعة وما هي شهاداتهم؟
- لِمَ لمْ يقبل المسيح مجداً بينما كلّ النّاس يداهنون بعضهم بعضاً؟
- ما هو السرّ في إشباع الخمسة الاف؟
- لِمَ لمْ يسلم يسوع نفسه للجماهير المتحمسة ورفض قبول تتويجه ملكاً؟
- كيف أرشد يسوع النّاس مِن طلبهم الخبز إلى الإيمان بشخصه؟
- ما هي المعاني الّتي تشتمل عليها الكلمة: أنا هو خبز الحياة؟
- كيف جاوب يسوع على تذمر مستمعيه؟
- لِمَ قال يسوع لمستمعيه أن عليهم أكل جسده وشرب دمه، وإلاّ فهم لا يشتركون في الحياة الأبديّة؟
- كيف تعلق الرّوح المحيي بجسد يسوع؟
- ماذا تعني شهادة بطرس؟
إنْ قرأت معنا تفسير الاصحاحات 1- 6 مِن ألانجيل حسب يوحنّا تستطيع بسهولة الإجابة على هذه الأسئلة. فهلم ونحن بانتظار اجابتك. اكتبها على ورقة مستقلّة بخط وعنوان واضح إلى:
الحياة الفضلى – ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ.
مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ,
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَداً.
(كلمات يسوع حسب البشير يوحنا 6: 35 )
ثالثاً: السفرة الأخيرة إلى أورشليم
وموضوعها انفصال الظلمة عن النّور
(7: 1- 11: 54)
1- كلمات يسوع في عيد المظال
(7: 1- 8: 59)
- يسوع وأخوته (7: 1- 13)
7: 1 وَكَانَ يَسُوعُ يَتَرَدَّدُ بَعْدَ هَذَا فِي الْجَلِيلِ, لأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي الْيَهُودِيَّةِ لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. 2 وَكَانَ عِيدُ الْيَهُودِ, عِيدُ الْمَظَالِّ قَرِيباً, 3 فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ, انْتَقِلْ مِنْ هُنَا وَاذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ, لِكَيْ يَرَى تَلاَمِيذُكَ أَيْضاً أَعْمَالَكَ الَّتِي تَعْمَلُ, 4 لأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئاً فِي الْخَفَاءِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَلاَنِيَةً. إِنْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ فَأَظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعَالَمِ. 5 لأَنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضاً لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ.
لقد اصطدمت الجماهير السطحية بشهادة يسوع عن مجده. فانفصل عنه اصدقاؤه في أورشليم، وتركه اتباعه في كورة الجليل، لأنّ المتزمتين في العاصمة لم يؤمنوا انّ الشابّ يسوع هو مقيم الأموات وديّان العالم، بينما الأتقياء في الجليل اشمأزوا مِن الفكر عن أكل جسده وشرب دمه، لأنّهم لم يفهموا رموز العشاء الربّاني. وفي أورشليم قرّر أفراد مِن المجلس الأعلى أيضاً، ان يقتلوا يسوع الناصري، وأرسلوا أوامر للقبض عليه، وهدّدوا كلّ مؤمن في الأمة بالطرد مِن الكنيس والمجتمع والحرمان مِن بركة الله، إذا بقي تابعاً ليسوع. وأخذ جواسيس المجلس الديني يتجولون في أنحاء المنطقة الجليلية بحثاً وتصيّداً ليسوع. فلا عجب ان ارتدت الجماهير عنه، لأنّه كان عليها الاختيار بين الاضطهاد مِن زعماء الأمة، أو الخلاص الغير المستبين لهم في يسوع. فاختاروا الدنيا على الآخرة، مفضّلين ضمان راحتهم، أكثر مِن عطيّة الله العظمى.
وخاف أخوة يسوع وأمّه أيضاً، أن يطردوا مِن الحياة الأجتماعية في أمّتهم. وربّما قالوا بهذيانه ليخلصوه،أو انفصلوا عنه جهراً متبرئين منه، ليكلا يسقطوا تحت حرم الكنيس اليهودي (مرقس 6: 3 ، متّى 12: 46- 50 و 13: 55). وطلب أخوته منه أخيراً، أن يترك منطقة الجليل ليرتاحوا منه، ولا يكونوا مسؤولين عنه فيما بعد. وربّما شاؤوا بنفس الوقت اجباره بمكر على أن يعلن مجده في أورشليم، ليظفر أو ينهزم في دائرة سلطة المجلس الأعلى. عندئذ تنتهي العثرة في الشعب كلّه. وما آمنوا بالوهيته البتّة، لأنّهم عاشوا معه سنين، واعتبروا محبته ولطفه اعتياديّاً. وهذه هي المأساة الكبرى، انّ كثيراً مِن المؤمنين يعتادون مع الوقت على محبّة يسوع، فلا يدركون حقيقته.
وعرف أخوة يسوع عجائبه العظيمة. ورغم معرفتهم تلك لم يؤمنوا بمسيحيته. وكذلك كانوا يعلمون تيقّنه بأنه المسيح المنتظر، الّذي يخضع له كلّ العالم. واستاؤوا لتقهقر نهضته وانفصال الجماهير عنه. فجرّبوا يسوع كما جربه الشيطان سابقاً في البرية، لَمّا اقترح عليه أن يظهر مجده في الهيكل أمام أعين الساجدين ليربحهم بتمثيلية كبرى. وأمّا يسوع فلم يحب العظمة، وهو يرفض التباهي. وقد اختار التواضع. ولبس ضعف الجسد البشري، لأنّه لا يريد ربح المستكبرين بالطرق الفخورة.
7: 6 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, إِنَّ وَقْتِي لَمْ يَحْضُرْ بَعْدُ, وَأَمَّا وَقْتُكُمْ فَفِي كُلِّ حِينٍ حَاضِرٌ. 7 لاَ يَقْدِرُ الْعَالَمُ أَنْ يُبْغِضَكُمْ, وَلَكِنَّهُ يُبْغِضُنِي أَنَا, لأَنِّي أَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ أَعْمَالَهُ شِرِّيرَةٌ. 8 اِصْعَدُوا أَنْتُمْ إِلَى هَذَا الْعِيدِ. أَنَا لَسْتُ أَصْعَدُ بَعْدُ إِلَى هَذَا الْعِيدِ, لأَنَّ وَقْتِي لَمْ يُكْمَلْ بَعْدُ. 9 قَالَ لَهُمْ هَذَا وَمَكَثَ فِي الْجَلِيلِ.
إنّ العالم متباه وكلّ النّاس مستكبرون، لأنّ روح الشيطان أفسدهم. والكبرياء دائماً هي العلامة لمرض نفسي، ودليل على عقد نفسية مستترة. فالبحقيقة كلّ إنسان بالنسبة إلى الله صغير وضعيف وقبيح ومحتم عليه الموت. فيحاول ستر ضعفه بواسطة ملابس فاخرة ووجه مراء. ويفكّر المتكبّر انّه إله صغير يستطيع أن يعمل ما يشاء أو يتركه. ويخطط زمنه وطرقه بدون الله بعيدأ عنه. فيصبح الإنسان في طبيعته ثائراً ضدّ الخالق القدّوس، عاصياً إرادته اللطيفة. فالإنسان يحبّ ذاته، لا الله، ويمجّد اسمه هو، ولا يعظّم اسم الآب السماوي. وليست فقط نوايا وأفكار النّاس شريرة، بل أعمال البشر كلّهم، لأنّ الّذي يعيش بدون ربّه، يكون ضدّه. فأكثر الاختراعات والاكتشافات العلمية والمبادىء السياسية والأنظمة الفلسفيّة تخص دائرة الخطيئة، وفيها بذرة الموت، والرّوح العاصي لله.
وقد ابان المسيح أنّ العالم يبغضه ومضطر لبغضه، لأنّ روح المسيح غير مستكبر وغير منفصل عن الله. فالمسيح لا يريد ولا يستطيع عمل ما يشاء، لأنّه واحد مع أبيه. فيعمل بالشركة معه. وبهذا فانّ يسوع يضاد مبدأ الثائرين كلّيّاً. وحتّى الأتقياء فانّهم قد عثروا به، لأنّ محبّته ليست ناموسية (شريعية) بل إلهية. فكلّ عمل إنساني، يظهر بالنسبة لجلاله شرير. فلا يبقى أمامه مجال لأعمال صالحة. فأبغضوه لأنّ حضوره ألغى إمكانية تبريرهم أنفسهم بذواتهم.
وأخوة يسوع لم يقبلوا الرّوح القدس في أنفسهم، بل امتلأوا مِن روح العالم. وهكذا انسجموا مبدئيّاً مع أفكار الفرّيسيين والمجمع الأعلى. ولم يحكم أحد عليهم بالضلالة، إذ أنّهم عارضوا أخاهم يسوع جهراً ولم يؤمنوا به. فعدم إيمانهم كان البرهان انّ روح محبّة الله لا يسكن فيهم، بل انّهم منقادون بروح العالم، باستكباره وثورته ضدّ الله، مخضعين أنفسهم للاعتقاد بأعمالهم الصالحة.
7: 10 وَلَمَّا كَانَ إِخْوَتُهُ قَدْ صَعِدُوا, حِينَئِذٍ صَعِدَ هُوَ أَيْضاً إِلَى الْعِيدِ, لاَ ظَاهِراً بَلْ كَأَنَّهُ فِي الْخَفَاءِ. 11 فَكَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَهُ فِي الْعِيدِ, وَيَقُولُونَ, أَيْنَ ذَاكَ. 12 وَكَانَ فِي الْجُمُوعِ مُنَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَحْوِهِ. بَعْضُهُمْ يَقُولُونَ, إِنَّهُ صَالِحٌ. وَآخَرُونَ يَقُولُونَ, لاَ بَلْ يُضِلُّ الشَّعْبَ. 13 وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ جِهَاراً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ.
يحتفل اليهود كلّ عام بعيد المظال بفرح ومرح، ويصنعون مِن أغصان الشجر مظلات وأكواخاً للجلوس والمبيت فيها على أسطحة المنازل وساحاتها أو جوانب الطرق. فيزور النّاس بعضهم بعضاً ويتضايقون بمآكل شهيّة وخمر معتقة. وعيد المظال هو عيد الشكر لله لأجل اعطائه الغلال الوفير، وليتكرّم في الشتاء التالي، فيمطر عليهم مدراراً. وصنعهم تلك الأكواخ والخيم كان يدلّ أيضاً على ذكرى عبورهم في البرية، وانّ ليس لهم مدينة باقية على الأرض. وكثير مِن النّاس كانوا يحجون بمناسبة هذا العيد المرح.
ولم يفكّر يسوع بفرح ذلك العيد، لأنّه كان مضطهداً هو وتلاميذه الأثني عشر. فترك أخوته ليذهبوا لوحدهم، حتّى لا يخونوه سهواً. وبعد ذلك صعد يسوع أيضاً إلى العاصمة في انسجام مع روح أبيه، ليس للاشتراك بفرح الجماهير، بل شهادة عليهم. ولم يذهب يسوع علناً، بل متخفيّاً كلاجيء. وودّع نهائيّاً منطقة الجليل، وطنه الدنيوي، ولم يعد إليها. فها قد حانت الساعة الفارقة، الّتي هي ذروة تاريخ البشر، ألا وهي موته لخلاصنا مِن غضب الله. وكان اليهود مختلفي الرأي بالنسبة ليسوع. كلّهم طلبوه، منهم الأصدقاء ومنهم الأعداء. الأوّلون اعتبروه جاء مِن الله صالحاً مصلحاً، والآخرون سمّوه مضلاً مستحقّاً الإبادة، لكيلا يخيم غضب الله على فرح عيد الشعب. وهذا الحكم السرّي صدر مِن قبل المجلس الأعلى الديني. وقد اذاعوه بين الشعب همساً، لكي يخاف اتباعه مِن اتباعه. وبعدئذ لم يتجاسر أحد أن يتكلّم عن يسوع جهراً، لكيلا يلام مع المضل في المجتمع اليهودي.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لتواضعك واطاعتك لله. حرّرنا مِن روح العالم، لكي يملأنا روحك القدّوس. واحفظنا مِن أعمال شرّيرة. وأصلحنا في عمق باطننا، لكي نخدمك بكلّ صلاح، آتين بثمار روحك.
السؤال:
1- لِمَ يبغض العالم يسوع؟
ب- الرأي المنقسم حول يسوع في الشعب
والمجلس الأعلى
(7: 14- 52)
7: 14 وَلَمَّا كَانَ الْعِيدُ قَدِ انْتَصَفَ, صَعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْهَيْكَلِ, وَكَانَ يُعَلِّمُ. 15 فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ, كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ. 16 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي. 17 إِنْ شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَشِيئَتَهُ يَعْرِفُ التَّعْلِيمَ, هَلْ هُوَ مِنَ اللَّهِ, أَمْ أَتَكَلَّمُ أَنَا مِنْ نَفْسِي. 18 مَنْ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ يَطْلُبُ مَجْدَ نَفْسِهِ, وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ.
لم يخش يسوع الموت ولا الأذى مِن قبل أعدائه. فذهب بانسجام مع إرادة أبيه إلى أورشليم سرّاً في منتصف العيد. ولم يخبيء نفسه هناك، بل تقدّم إلى المركز في ساحة الهيكل، وعلم إنجيله جهراً، كأنّه معلّم رسمي. وشعرت الجماهير رأساً، انه بهذا الإنسان يكلّمنا الله مباشرة. فتساءلوا مِن أين لهذا الشاب تلك الأفكار اللاهوتية العميقة؟ فانه لم يتعلّم عند عليم شهير مِن علماء التوراة. فكيف يمكن لنجار وبدون دروس عالية، ان يعرفنا ملء إرادة الله؟ وجاوبهم يسوع كأنه يقول: نعم عندي تعليم، وأنا المعلّم الحقّ. وأكثر مِن هذا، أنا كلمة الله بالذّات. كلّ فكر ومشيئة الله صارت في حاضرة. فهكذا وبكلّ دقة، ليس تعليمي مِن ذاتي. كلا فأنا صوت الله. وهو ساكن فيّ. وأبي هو الّذي علمني. وأنا أعرف ملء أفكاره ومخططاته وأهدافه ودوافعه ومقدراته. لم آت بفكّر شخصي، بل انّي أرفض كلّ التخيّلات، لأنّ أفكار الله وحدها هي الحقّ. وكلّ إضافة كذب وخداع. ولا آتي بأفكار جديدة، إنّما أقول القديم في شكل حديث، وأكمل الوحي فيما ليس واضحاً بعد. وهكذا مجد يسوع أباه، وخضع له، وسمّى نفسه رسول الله. فهو لم يرسل نفسه بنفسه، بل أتى إلينا باسم أبيه ممتلئاً بسلطانه. هكذا يكون المسيح ابن الله ورسوله بنفس الوقت، مستحقّاً اصغاءنا وإيماننا وسجودنا كما للآب. وليسهل لليهود الإيمان بذاته وتعليمه، أراهم طريقاً عمليّاً ليؤكّد لهم انّ تعليمه يطابق إرادة الله. فما البرهان القاطع لصحّة تعليم يسوع وشخصيته؟ انه قال: جرّب ان تعمل بحسب إنجيلي، فتختبر عظمته. نفّذ كلمات يسوع آية بآية، تر سريعاً انّ كلامه ليس بشريّاً ضعيفاً أنانيّاً، بل إلهيّاً رحيماً قويّاً.
ومحاولة تطبيق تعليم المسيح تحتاج أوّلاً إلى عزمك. فبدون إرادتك لا يستطيع الله إنارتك. هل تريد ما تريده هو؟ فبدون انسجام إرادتك مع مشيئة الله لا تحلّ معرفته فيك. وحيث تخضع إرادتك لمشيئة المسيح يبتديء في صميمك مستوى جديد مِن الإدراك. فتدرك الله كما هو. ومَن يمرن نفسه أن يعمل إرادة الآب، كما علّمنا المسيح، يختبر سريعاً الفريق الكبير بين الإنجيل والناموس (الشريعة). فربّنا لا يضع على اكتافنا حملاً ثقيلاً فقط، بل يعطينا أيضاً بنفس الوقت القوّة اللازمة لحمله، فنستطيع تنفيذ إرادته بفرح. فمَن يخضع لوصيّة المسيح ينل القدرة لتنفيذ محبّته. وتعليم يسوع لا يرشدنا إلى الفشل، كما في ناموس (شريعة) موسى، بل إلى حياة في ملء نعمة الله. ومَن يرد تطبيق مشيئة الله معلنة في تعليم المسيح، يتّصل شخصيّاً بالله مدركاً انّ المسيح ليس أحد المعلمين البشريين. ولكنّه كلمة الله المتجسّدة. فهو لا يأتي بفلسفة فارغة، بل بغفران خطايانا. ويمنحنا قوّة حياة الله.
والبرهان الثاني لصحّة تعليم المسيح هو انّه لا يكوم ذاته. فلم توجد في نفسه عقد نفسانية لمرض تشاؤمي، ولم يجذب أنظار النّاس إليه. إنّما دلّهم على أبيه، كأنه هو وحده ينبوع كلّ أفكاره. فلم يتطلّب الابن لذاته حقّاً على أوّلية أفكاره، بل أنكر نفسه ومجد اباه. وهذا يدلّنا على انّ الله ليس أنانيّاً البتّة. ولم يستخدم حيلة ليربح السلطة، ولا يقنع إنساناً بمكر، بل غلب كلّ الشهوات الجسدية. ولم يدر حول ذاته كطاووس فخور. ولم تخرج مِن قلبه أفكار شريرة. فكان بارّاً كالله، ولا جور فيه. وبمحبته أكمل الناموس (الشريعة) كإنسان وحيد. وهكذا حقّق في ذاته طلب الله مِن البشر: كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس.
7: 19 أَلَيْسَ مُوسَى قَدْ أَعْطَاكُمُ النَّامُوسَ (الشريعة). وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَعْمَلُ النَّامُوسَ (الشريعة). لِمَاذَا تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي. 20 أَجَابَ الْجَمْعُ, بِكَ شَيْطَانٌ. مَنْ يَطْلُبُ أَنْ يَقْتُلَكَ.
كان سلوك يسوع في القداسة يجيز له أن يقول لليهود: قد حصلتم على الناموس (الشريعة)، وليس أحد منكم يطبقه! فهذه الجمله كانت أصرم طعنة لقلب الأمة اليهودية، لأنّ يسوع ركز أهمية على قوله، انّه ليس أحد مِن أعضاء العهد القديم أكمل مرّة واحدة في طيلة التاريخ الناموس (الشريعة) حقّاً. ومَن يتجاوز وصيّة واحدة فيكون مذنباً في كلّ الوصايا، وغضب الله حال عليه. فيسوع ألغى بهذا التصريح كلّ بر اليهود، وابان ان غيرة الناموسيين (الشريعيين) وجهودهم ليست إلاّ خداع النفس. وأعلن للشعب بنفس الوقت انّه عالم برغبة زعمائهم إبادته. فلا مخفي أمام يسوع. وقد طهر الجوّ في محيطه. بإعلانه المقاصد السرية لأعدائه. وقطع كلّ غيبة عليه. وحذر مستمعيه مِن أيّ تحمس سطحي، ودلّهم على ثمن اتباعه.
وبنفس الوقت سألهم: لماذا تريدون أن تقتلوني؟ لأنّه بان مستحيلاً لإبن الله أن يرفضه شعب العهد القديم، الّذين تقسوا عليه بمقدار أنهم انكروا المولود مِن محبّة الله ويقصدون قتله. فليس معقولاً أن يريد إنسان قتل خالقه ومديمه. فهل قبلت المسيح حقّاً أو تتعلق بالّذين يرفضونه؟ وكان الجمهور مأخوذاً بقول المسيح، وفزعوا لأنّه قال ليس أحد منهم باراً. واستاءوا لمعرفته بما بيّتوا ضدّه مِن الحكم بالاعدام. وكان جوابهم المباشر لتغطية مؤامرتهم ان قالوا: كلاّ كلاّ، مَن يريد قتلك، معاذ الله؟! لعلّه روح شرّير الهمك هذا الفكر! وظنّ البعض حقّاً انه قد لبسه روح إبليس، لأنّه سماهم فاعلي الاثم وغير حافظي الناموس (الشريعة). فكانوا عمياناً في بغضتهم فلم يستطيعوا تمييز الرّوح القدس مِن الرّوح النجس. لقد فقدوا كلّ حس لحقيقة محبّة الله. وما أبشعها إهانة! يمكن أن تقال لأحد أعضاء العهد القديم، انه ساقط مِن الشركة مع الله، وقد حلّ فيه الرّوح الشرّير. والعكس هو الصحيح، فالرّوح الشرّير سكن فيهم، وألهمهم أكاذيبه، وصوّر ذاته صالحاً بينما صوّر يسوع شريراً مجدفاً. فهذه هي قمّة الكذب كتاج الخداع، الّذي يحمله كثيرون ولا، يعرفون.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك وقفت بجرأة أمام أعدائك. وشهدت بالحقّ، وأريتهم الطريق الوحيد ليعرفوك. علّمنا تطبيق إنجيلك، لكي نفهمك. ولا نتكلّم بأفكار سامية فقط، بل نعمل إرادة أبيك وننال قوّة مِن محبّتك بواسطة الإيمان. احفظنا مِن كلّ نوع مِن أنواع الكذب وخداع النفس. وأرشدنا إلى الخضوع لإرادتك، لكيلا نكرم أنفسنا بل اسم الآب باسمك.
السؤال:
2 – ا هما الاسلوبان للتأكّد انّ الإنجيل هو مِن الله؟
7: 21 فَقَالَ يَسُوعُ لَهُمْ, عَمَلاً وَاحِداً عَمِلْتُ فَتَتَعَجَّبُونَ جَمِيعاً. 22 لِهَذَا أَعْطَاكُمْ مُوسَى الْخِتَانَ, لَيْسَ أَنَّهُ مِنْ مُوسَى, بَلْ مِنَ الآبَاءِ. فَفِي السَّبْتِ تَخْتِنُونَ الإِنْسَانَ. 23 فَإِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَقْبَلُ الْخِتَانَ فِي السَّبْتِ, لِئَلاَّ يُنْقَضَ نَامُوسُ (شريعة) مُوسَى, أَفَتَسْخَطُونَ عَلَيَّ لأَنِّي شَفَيْتُ إِنْسَاناً كُلَّهُ فِي السَّبْتِ. 24 لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْماً عَادِلاً.
لم يجاوب يسوع مباشرة على ادعاء اليهود بأنّ فيه روحاً شريراً، بل أظهر للجمهور المجتمع انّ سبب الحكم عليه بالموت هو سبب تافه والحكم غير عادل. وذكر السامعين أنّ نقمة زعماء الشعب عليه كانت بسبب شفائه المريض المقعد في بيت حسدا يوم سبت. ويومذاك أمره أن يحمل سريره، ويمضي إلى بيته سليماً معافى. وكان هذا العمل أعجوبة كبرى مِن الربّ. وتلك الأعجوبة كانت جديرة بالغاء الحكم عنه، لو كان لهم مقدار ذرّة مِن البصيرة.
وبعدئذ أثبت يسوع، انّ الفقهاء أنفسهم لم يحفظوا الناموس (الشريعة) كاملاً، لأنّه ضمن الشريعة يوجد نقيضان: الختان وهو علامة العهد مع الله، والسبت وهو رمز للاشتراك في راحة القدّوس. فوجب على الأهل ختن أولادهم في اليوم الثامن لميلادهم. فلو ولد الطفل في يوم جمعة لوجب على الوالدين ختانه في السبت التالي. والختان، أليس عملاً؟! فعصيان الناموس (الشريعة) في هذه الحالة يكون لأجل الناموس (الشريعة). وبما انّ المرض معتبر عند اليهود نتيجة لإرتكاب الخطايا، فان شفاء المريض يعني خلاصه جسديّاً وروحيّاً ونفسيّاً. وهكذا دعا يسوع النّاس لاستخدام عقولهم، ليميزوا ان كانت خدمة محبته هي أهم مِن ختان طفل في السبت أم لا؟ فحاول يسوع أن يحطّم جمودهم الناموسي (الشريعي) بالمنطق، مستخدماً كلّ الطرق الممكنة ليوقظ فيهم الفهم لمحبّته وقوّته وخلاصه. ولكن عبثاً كانت المحاولة. لأنّ أذهانهم كحجارة، وأرواحهم كالصوان. فما كانوا قادرين للتقرير واتخاذ حكم عادل.
7: 25 فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أُورُشَلِيمَ, أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ. 26 وَهَا هُوَ يَتَكَلَّمُ جِهَاراً وَلاَ يَقُولُونَ لَهُ شَيْئاً. أَلَعَلَّ الرُّؤَسَاءَ عَرَفُوا يَقِيناً أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ حَقّاً. 27 وَلَكِنَّ هَذَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ, وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ.
جاء أهل أورشليم إلى الهيكل، فألفوا جمعاً غفيراً هناك. ولَمّا شاهدوا يسوع في الوسط كمحور للجماعة فزعوا، إذ علموا انه ما زال حرّاً رغم الأمر بالقبض عليه والحكم بالموت، الّذي كان خبره شائعاً ومهموساً به في المدينة كلّها. وسكان العاصمة هؤلاء، استهزأوا بضعف المجلس الديني، لأنّ الرومان اغتصبوا منه حق الحكم بالموت. وأخذوا يتضاحكون، قائلين: هلموا انظروا الأمر المستحيل! فالمطلوب يتجوّل جهراً في مدينتنا، ويكرز وسط الهيكل غير خائف. وليس لرؤسائنا سلطة أن يمنعوه. فكم هم ضعفاء! لا يوجد نظام، بل كلّ شيء فوضى. وقد وصل الضعف بالكهنة إلى درجة، انّهم لا يستطيعون ايقاعه بالحجّة والتغلّب عليه بالمباحثة والنقاش. فرد عليهم الآخرون: انكم لا تفهمون، فلعلّ الرؤساء قد آمنوا به، وتيقنوا انه المسيح وليس مضلاً. وهكذا استنتج بعض الحجاج مِن عدم تدخّل المجلس الديني لمنع يسوع مِن الكرازة في الهيكل، ان بعض أعضاء المجلس قد تبعوه، فانقسم الرأي العام انقساماً كبيراً. وبرز رأي ثالث انه لو فرض مجي المسيح، فسيكون باهراً بهيئة مجيدة صوفية، وليس إنساناً بسيطاً. فهذا الشاب يسوع كان نجّاراً مِن قرية شرسة بين الجبال والآكام. أمّا المسيح الحقّ، فسيأتي مِن السماء مباشرة، ولن يتجوّل بين البشر، كإنسان عادي بسيط.
7: 28 فَنَادَى يَسُوعُ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ, تَعْرِفُونَنِي وَتَعْرِفُونَ مِنْ أَيْنَ أَنَا, وَمِنْ نَفْسِي لَمْ آتِ, بَلِ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ, الَّذِي أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. 29 أَنَا أَعْرِفُهُ لأَنِّي مِنْهُ, وَهُوَ أَرْسَلَنِي. 30 فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ, وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ, لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ.
قد سمع يسوع أقوال المحتجيّن حول مصدره الدنيوي. فقطع تعليمه، ونادى بصوت عال في هؤلاء الهاذرين قائلاً: أتعرفونني حقّاً؟ أتعلمون مِن أين أنا آت؟ إنكم سطحيون، ولم تجتهدوا لمعرفتي جوهريّاً. ادرسوني، استمعوا لكلامي، تعمقوا في روحي. عندئذ تعرفون مَن أنا، ومِن أين جئت؟ ما أرسل المسيح ذاته، وما فوّض نفسه بالقول، وما أتى باسمه الخاص، بل الله الحقيقي كان واقفاً وراءه، الّذي مِن صميمه قد انبثق. فأبوه هو مرسله. وكان يسوع مِن جنس أبيه متحداً به على الدوام. وقال يسوع لمستمعيه الكلمة القاطعة: انكم جميعاً لا تعرفون الله رغم ظنّكم ان ها هنا في الهيكل مسكنه. وكلّ كهنتكم وكتبتكم عميان، لأنّهم لا يعاينون الله كما هو، ولم يسمعوا صوت كلمته حقّاً. فلذلك تغرّون أنفسكم غروراً كبيراً. وتجاسر يسوع بعدئذ قائلاً: أمّا أنا فأعرفه. وهذا هو لبّ الإنجيل انّ يسوع يعرف الله، ويعلن لنا اسم الآب وجوهر محبته. فالناصري كان بدون خطيئة، وعاش في الشركة المستمرّة مع أبيه، بينما كلّ النّاس الآخرين انفصلوا عن القدّوس بسبب ذنوبهم. وعندما أدرك بعض المستمعين معنى هذا القول، وانّ يسوع دانهم دينونة قاطعة، فار دمهم وجنّوا وصرخوا: ها قد جدّف على الهيكل وجعلنا كفّاراً. فحمقوا وضجّوا وحاولوا القبض عليه. ولكن ليس أحد قدر أن يقترب مِن ابن الله، فكأن الملائكة تحيطه. وما كان انتهى الوقت المعيّن مِن الله ليؤدي المسيح شهادته على الأرض، وما جاءت ساعة موته بعد. فأبوه عيّن الدقيقة الحاسمة الّتي فيها يفدي ابنه البشر. ولا يستطيع إنسان في العالم أن يقدّم أو يؤخّر هذه الدقيقة أبداً.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نسجد لك، لأنّك تعرف الله، وأعلنت لنا الآب. نحمدك ونحبّك ونشكرك ونفرح، لأنّ إعلانك جعلنا أولاداً لله. نتهلّل ونبتهج ونعظّمك مع كلّ المولودين ثانية. ونبتهل إليك، ان تعلن للمتقين في محيطنا اسم الآب، لعلّهم يرجعون مِن تعصبهم وإهمالهم.
السؤال
3- لِم يكون يسوع هو الإنسان الوحيد، الّذي يعرف الله حقّاً؟ وما هو إعلانه؟
7: 31 فَآمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ, وَقَالُوا, أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مَتَى جَاءَ يَعْمَلُ آيَاتٍ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الَّتِي عَمِلَهَا هَذَا. 32 سَمِعَ الْفَرِّيسِيُّونَ الْجَمْعَ يَتَنَاجَوْنَ بِهَذَا مِنْ نَحْوِهِ, فَأَرْسَلَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ خُدَّاماً لِيُمْسِكُوهُ.
رغم الحالة المتوترة في أورشليم ابتدأ كثيرون يؤمنون بالقوّة العاملة في يسوع. لمْ يدركوا انّه المسيح بالذات، ولكنّهم قالوا في أنفسهم: لعلّه هو. لأنّ يسوع صنع آيات مدهشة، تجعل الغير متعصبين أن يفكّروا ويؤمنوا به. وهذا الإيمان لا شكّ كان سطحيّاً. ولكنّنا نرى أنّ يسوع صار له أتباع، حتّى في شعب العاصمة.
ولَمّا علم الفريسيون بواسطة جواسيسهم المتحلّقين حول يسوع، انّ النهضة اليسوعية ابتدأت في الشعب، وان حركته تأسست في أورشليم، استاءوا وسعوا للتعاون مع الحزب المضاد لهم أي الكهنة والصدوقيين، ليحرضوا المسؤولين عن الهيكل على منع يسوع مِن التكلّم فوراً وتسليمه للتحقيق. وحقّاً فان رؤساء الكهنة قبلوا بترحيب طلب خصومهم، وتنازلوا للتعاون معهم، للقبض على يسوع. إنّما ملائكة الربّ كانوا محيطين المعلّم الإلهي في ساحة الهيكل. ومنعوا الخدام مِن تنفيذ أوامر الرؤساء. وعلم يسوع تلقائياً قصد أعدائه، ورأى الخدم مقبلين عليه. فلم يهرب، بل أعلن لهم مجده. ولكن بكلمات لم يفهموها. ولكنّ يوحنّا البشير سجلّها لنا كنبوة ملخصة عن خطة خلاص الله كلّها.
7: 33 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً يَسِيراً بَعْدُ, ثُمَّ أَمْضِي إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي. 34 سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي, وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا. 35 فَقَالَ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهُمْ, إِلَى أَيْنَ هَذَا مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى لاَ نَجِدَهُ نَحْنُ. أَلَعَلَّهُ مُزْمِعٌ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى شَتَاتِ الْيُونَانِيِّينَ وَيُعَلِّمَ الْيُونَانِيِّينَ. 36 مَا هَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَ, سَتَطْلُبُونَنِي وَلاَ تَجِدُونَنِي, وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا.
أعلن يسوع لأعدائه أنه سيبقى وقتاً يسيراً بين البشر. فعرف موته كحمل الله مسبقاً، وأذعن له. وكان مستعداً للموت عن مضايقيه، تاركاً وطن الأحياء الميتين. وعلم يسوع بنفس الوقت قيامته المجيدة مسبقاً، وصعوده العظيم ورجوعه إلى الآب، حيث لا يقدر أن يتبعه فانٍ تلقائيّاً. واشتاق يسوع إلى أبيه الّذي أرسله إلينا ليفدينا .. ولكن حبّاً بنا نحن الخطاة بقي في العالم مقصيّاً عن وطنه المجيد. ورأى يسوع مسبقاً كيف سيندهش أتباعه لقيامته وصعوده، ويرجعون حزانى، لأنّ ليس لهم أجساد روحية تصعد معه إلى السماء. وعلم أيضاً أنّ أعداءه سيبحثون عن جثّته المفقودة، الّتي اختفت مِن القبر المختوم. فلم يقدروا ادراك ما قد حدث في صباح القيامة. فويل لغير المؤمنين الّذين لا يحبّون يسوع المخلّص. فهم لا يستطيعون الاشتراك في مجده، ولا دخول السماء، لأنّ خطاياهم تفصلهم عن الله. فعدم إيمانهم يخرجهم مِن النّعمة. ولم يفهم اليهود كلمات يسوع البتّة، حيث فكّروا بطريقة بشرية انه يريد الهرب إلى المجامع اليهودية، الّتي في المدن اليونانية حول حوض المتوسط، ليصطاد ويستتبع لنفسه هناك كثيراً مِن الّذين لم يتعمقوا في التوراة، كهؤلاء الساكنين في العاصمة المليئة بالفقه والحكمة. واستهزأ البعض الآخر قلئلين: لعلّه يريد أن يصير خطيباً بليغاً، ويقدّم كلامه الضخم للفلاسفة اليونان ليهديهم إلى الله الحي.
ولَمّا سجل يوحنّا البشير الوقائع، كان ساكناً في أفسس بين اليونانيين. وكانت بشرى الخلاص قد وصلت إلى شتات اليهود هناك. وكثير مِن اليونانيين أيضاً آمنوا بالمسيح. فرأى البشير في أقوال يسوع واستهزاء اليهود إعلاناً، ان يسوع حقّاً هو المعلّم الأعظم بين اليونان، لأنّه لم يقدّم فلسفات فارغة مبالغة تؤدي إلى التشاؤم حتماً، إنّما هو المحيي، وتنبع منه القوّة الّتي لا تزول.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك ونسجد لك، لأنّك لم تهرب مِن موتك. بل أدركت طريقك، وذهبت إلى المنتهى. ونمجدك، لأنّك تجلس الآن عن يمين الآب. ومهدت لنا الطريق، لنتقدّم إليك ونشترك في وطنك. لا تتركنا يتامى، بل اجذبنا إلى شركتك. وساعد كلّ الّذين يطلبونك، ليمجدوك.
السؤال:
4- ماذا أنبأ يسوع عن مستقبله؟
7: 37 وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ الْعَظِيمِ مِنَ الْعِيدِ وَقَفَ يَسُوعُ وَنَادَى, إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. 38 مَنْ آمَنَ بِي كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ.
في ذروة جمعة العيد وعظ يسوع للمرّة الأخيرة، أمام الجماهير المجتمعة في ساحة الهيكل. كلّهم انتظروا رئيس الكهنة، الّذي سيسكب مِن الابريق الذهبي على المذبح الماء المنتشل مِن نبع سلوان. وقد أتى به الكهنة في موكب الفرح والهتاف إلى علو الهيكل، ومزجوا الماء بالخمر، ليصبّوا هذا الشراب أمام الله، تقدمة شكر ورمزاً للبركة الّتي يطلبونها مِن الخالق للسنة المقبلة. واستندوا بهذا التقليد على كلمة اشعياء القائل: سينشلون بفرح مِن ينابيع الخلاص.
ورأى يسوع القلوب العطشانة، الّتي رغم الطقوس والتقوى لم تعرف الخلاص. ولم يرو غليلها إلى البِرّ أحد. فنادى يسوع بصوت عال في الجماهير المنتظرة وقال تعالوا إليّ واشربوا ماء الحياة مجاناً. وكلّ عاطش فليأت إليّ. أنا هو ينبوع الحياة.
وللعجب فيسوع حدّد عرضه هذا، فلم يقل: تعالوا إليّ جميعاً، بل فقط مَن يعطش إلى الحقّ والفرح وحضور الله. فكلّ الّذين لا يشتاقون إلى الحياة الإلهيّة، لا يأتون إلى المخلّص البتّة. وأمّا الراجعون إليه فيقول لهم: مَن يؤمن بي ويرتبط بشخصي كما يلتحم المؤمن بالله، فهذا الإنسان يصبح ينبوع البركة للكثيرين. والكتاب المقدّس هو الّذي يتطلّب منكم الإيمان بي. والله يأمركم أن تأتوا إلي، لكي تعيشوا وتفرحوا. فمَن يتجاسر ويتقدّم إلى يسوع ويشرب كلمته ويملأ ذاته بروحه يتغير. والعاطش يصبح ينبوعاً. والأناني الشرّير يصير خادماً صالحاً.
لم يقل يسوع: مَن يتّحد بي يخلص ويخدم قليلاً المساكين. كلا! بل قال مَن يلتصق بي، فسيتفجر منه ينبوع غزير، تجري منه أنهر مياه حياة، لتروي المساكين في صحراء عالمنا. هل أدركت عناية يسوع؟ انه يشاء أن يجعلك بئراًلمياه صافية، وبحراً مِن النّعمة للآخرين. ومما لا ريب فيه أن قلبك، لا تخرج منه إلاّ أفكار شرّيرة. ولكن كما ينظّف النّاس مسارب ينابيعهم لتخرج مياه أغزر وأنظف، هكذا ينظّفك يسوع قلباً وفماً، لتصبح سبباً لخلاص كثيرين.
انتبه. فلا يقصد يسوع تطهير عقلك ونفسك فقط، بل جسدك أيضاً. لتصبح ذبيحة حيّة مرضية أمام الله في خدمة الضّالين الغوغاء. والمخلّص يقصد تقديسك إلى التمام، لكيلا تعيش لذاتك فيما بعد، بل تستخدم عضلاتك طوعاً في خدمة الآخرين. فمَن يسلّم نفسه ليسوع بلا قيد أو شرط، فسيجعله ربّه بركة لكثيرين.
7: 39 قَالَ هَذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ, لأَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أُعْطِيَ بَعْدُ, لأَنَّ يَسُوعَ لَمْ يَكُنْ قَدْ مُجِّدَ بَعْدُ.
كلّ مَن يؤمن بيسوع عزماً وقلباً ينل عطيّة الرّوح القدس وحلول هذا الرّوح في الإنسان الفاني، هو أعجوبة جيلنا. لا نزال عائشين في زمن تدبير الرّوح القدس. وهذا الرّوح ليس ملاكاً أو خيالاً، بل الله بالذات، ممتليء القداسة والحقّ والقوّة والمحبّة. وروح الله يشبه ناراً مصفية وتياراً قديراً. وهو بنفس الوقت معز لطيف رحيم. فكلّ مسيحي حق، يكون هيكلاً للروح القدس. وممسوحاً صورة عن المسيح. وتوضيحاً نقول: انّنا لا نتكلّم عن روح الإنسان الشريف ولا عقولنا المدركة، ولا الأذهان المتفوقة، إنّما الرّوح القدس هو روح الله بالذات الآتي مِن خارج دنيانا وان اردت معرفته فادرس سيرة يسوع، لأنّه روح الله المتجسّد.
وهذا الرّوح الالهي، لم يكن في زمن يسوع مسكوباً عامة على الأتقياء. لأنّ الخطايا كانت ما تزال تفصل البشر عن ربّهم، وجبل العيوب كان كسد مانع اتيان الرّوح إلى البشر. ولكن بعدما ازال يسوع بموته خطايانا، وصعد إلى أبيه، وجلس عن يمينه، ولبس مجده المخصص له منذ البداية، عندئذ سكب في الوحدة مع أبيه صميم روح محبّته على المؤمنين به في الأرض. ان الله هو روح، ويستطيع أن يكون حاضراً بنفس الوقت في كلّ مكان. وهكذا يمكن أن يسكن في المؤمنين، الّذين قبلوا غفران خطاياهم بدم المسيح. أيّها الأخ، هل قبلت روح الربّ؟ هل حلّت قوّة المسيح فيك؟ لا تغرنّ نفسك، ولا تتمهلن. تعال إلى يسوع ينبوع الانعاش والالطاف. وهويؤكّد لك: مَن يقبل إليَّ فلا يجوع، ومَن يؤمن بي فلا يعطش أبداً. ومَن آمن بي كما قال الكتاب، تجري مِن بطنه أنهر مياه حياة إلى الآخرين.
7: 40 فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْعِ لَمَّا سَمِعُوا هَذَا الْكَلاَمَ قَالُوا, هَذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ. 41 آخَرُونَ قَالُوا, هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ. وَآخَرُونَ قَالُوا, أَلَعَلَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْجَلِيلِ يَأْتِي. 42 أَلَمْ يَقُلِ الْكِتَابُ إِنَّهُ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ, وَمِنْ بَيْتِ لَحْمٍ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ دَاوُدُ فِيهَا يَأْتِي الْمَسِيحُ. 43 فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْعِ لِسَبَبِهِ. 44 وَكَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُمْسِكُوهُ, وَلَكِنْ لَمْ يُلْقِ أَحَدٌ عَلَيْهِ الأَيَادِيَ.
شعر بعض المستمعين بقدرة الحقّ في كلام يسوع، وخضعوا لقوته. واعترفوا جهراً أنّه نبي، عالم إرادة الله، ومخبر عن الأسرار في قلوب النّاس. ولم يفكّروا أن يسوع هو نبي ما، بل انّه النّبي المعين الموعود بلسان موسى، الّذي سيقود شعب العهد مِن نصر إلى نصر بشركة مباشرة مع الله. وهكذا تجاسر بعضهم ليعترفوا أنّ يسوع الناصري هو المسيح الحقّ الموعود.
لكنّ منطق الكتبة قال: لا. كلا! انّه مِن الناصرة. أمّا المسيح فينبغي أن يأتي مِن بلدة داود ومِن دمه ومِن ارومة الملك. وهذا التمسّك بكلمة النبوة حق. فلماذا لم يخبرهم يسوع، انّه ولد في بيت لحم حقّاً؟ فنجد أسباباً مختلفة لهذا: أوّلاً لم تسمح عشيرة هيرودس باتيان ملك جديد مِن خارج عائلتهم. وكانوا مستعدّين لسفك الدم بالمئات والالوف، لحفظ ملكهم. ثانيّاً لم يرد يسوع ربح الجماهير ببراهين تاريخية أكيدة، بل حاول إنشاء ثقتهم بمحبّة وإدراك سلطانه. وهكذا جذب يسوع إليه الّذين آمنوا، ولم يروا.
وازداد الخصام في الجماهير، وتحزّبوا فرقاً. بعضهم اعترف بانّه المسيح، وآخرون انكروا ذلك. ووقف خدّام الهيكل هناك بين الفرق هادفين القبض على يسوع. إنّما سلطان كلمته أمسكهم حتّى لم يستطيعوا الاقتراب منه. وجلاله منعهم مِن لمسه. فيسوع كان قدّوساً، رغم انّه كان إنساناً حقّاً.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نسجد لك لأجل محبّتك وجلالك. أنت ينبوع الحياة. وقد ربطت نفسك بنا في الإيمان. وسكبت روحك القدّوس فينا. نسجد لك، لأنّ لاهوتك حلّ بالإيمان فينا، نحن الخطاة، لأنّك طهّرتنا بدمك، لكي نعيش إلى الأبد. املأ مضادينا بروحك القدّوس، ليفيضوا بلطفك.
السؤال: 6- لِمَ يحقّ ليسوع القول: ان عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب. ومَن يؤمن بي فلا يعطش إلى الأبد؟
7: 45 فَجَاءَ الْخُدَّامُ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ. فَقَالَ هَؤُلاَءِ لَهُمْ, لِمَاذَا لَمْ تَأْتُوا بِهِ. 46 أَجَابَ الْخُدَّامُ, لَمْ يَتَكَلَّمْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا الإِنْسَانِ. 47 فَأَجَابَهُمُ الْفَرِّيسِيُّونَ, أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً قَدْ ضَلَلْتُمْ. 48 أَلَعَلَّ أَحَداً مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ آمَنَ بِهِ. 49 وَلَكِنَّ هَذَا الشَّعْبَ الَّذِي لاَ يَفْهَمُ النَّامُوسَ (الشريعة) هُوَ مَلْعُونٌ.
بينما كان يسوع يعلّم الشعب في الهيكل، اجتمع الفريسيون، وترقّبوا انّ خدّامهم ستقبض على يسوع، وتأتي به إليهم. ونقرأ لقب رؤساء الكهنة بصيغة الجمع، رغم أنّ الرئيس هو واحد فقط، يرئس المجلس الأعلى الديني طول حياته. ولكنّ الرومان المستعبدين خلعوا رؤساء الكهنة مرّات عديدة عن مناصبهم، لأنّهم لم يطيعوهم. فلهذا وجد في زمن يسوع عدد مِن رؤساء الكهنة المخلوعين تباعاً بتدخّل الرومان، وكلّهم مِن عشيرة كهنوتية واحدة، توارثت الميل للمذهب الصدّوقي الّذي يقول بحرّية الفكر ولا يحض على التدين بالطريقة الناموسية (الشريعية). ومع هؤلاء جلس أيضاً الفريسيون الحفظة لكابوس الناموس (الشريعة) في الشعب. وقد رفضوا دخول الأفكار اليونانية في شعبهم، وجعلوا الناموس (الشريعة) أساساً واحداً لتفكير الأمّة وأعمالها. وكانت قلوبهم قاسية تجاه أنفسهم والآخرين، وأرادوا اكرام الله بعنف.
وهاتان الفرقتان زعلتا زعلاً كبيراً، إذ أتى الخدّام بلا يسوع. وتمتم جنود الهيكل: ان تلاميذ يسوع لم يدافعوا عنه، وانّ الشعب لم يحمّه، بل قوله أخذ بمجامع نفوسهم. فلم يتجرأوا لتقييده، لأنّهم شعروا بقدرة الله تجري منه.
عند ذاك ثار الفرّيسيون وصرخوا في جنود الهيكل المتضعضعين: هل دخلتم مع صفوف المضل وأعجبكم؟ فليس أحد مِن المحترمين رؤساء الكهنة ولا أيّ عضو مِن المجلس الأعلى آمن به. وليس مؤمن مستقيم يتبع هذا الجليلي. فهذا القول احصاء مرعب وتقرير خطير لفشل يسوع. الم يستطع المسيح أن يربح قلباً واحداً، ولا كلمته أن تغيّر أي نفس؟
بلى، فكثيرون أحبّوا يسوع، وهم مِن البسطاء والمرفوضين والخطاة والزناة. لقد جلس معهم على طاولة واحدة وأحبّهم. ولكن الأتقياء احتقروا أولئك العوام، وحسبوهم مِن الهالكين الملعونين، لأنّهم نظروا إليهم بالمنظار الناموسي (الشريعي). وبالحقيقة فان أولئك المحتقرين المرفوضين هم الّذين اتبعوا يسوع. وبعضهم كان معترفاً بذنوبه عند المعمدان. وهذا الاعتراف هو دلالة لشرورهم. أمّا الفريسيون فظنّوا انّهم براء مِن الخطايا. فما اعترفوا وما تابوا. وهكذا أبغض الزعماء شعبهم. والمفكرون تكبروا على أمتهم، ونسوا أنّهم جميعاً يتكلّمون لغّة واحدة، ويسلكون في نفس العادات. فكلّ شعب هو وحدة،مهما انتصبت فيه مِن الانشقاقات بين الطبقات. الكلّ شرّير بنفس المستوى. والفاسدون في شعبك هم مرآة قلبك أيضاً.
7: 50 قَالَ لَهُمْ نِيقُودِيمُوسُ, الَّذِي جَاءَ إِلَيْهِ لَيْلاً, وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ, 51 أَلَعَلَّ نَامُوسَنَا يَدِينُ إِنْسَاناً لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ أَوَّلاً وَيَعْرِفْ مَاذَا فَعَلَ. 52 أَجَابُوا, أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ. فَتِّشْ وَانْظُرْ. إِنَّهُ لَمْ يَقُمْ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ. 53 فَمَضَى كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ.
اضطرب قلب أحد الحاضرين، لَمّا صرخ أعضاء المجلس، انّه ليس أحد فيهم قد آمن. وهذا المضطرب القلب كان نيقوديموس، الرئيس الّذي جاء سرّاً في الليل إلى يسوع، فأعلن له المسيح الولادة الثانية وضرورة الصليب للتجديد. وهذا الرجل لم يتخلّص مِن تأثير يسوع في داخله، وأراد المتوسط لأجله بطريقة قانونية، بدون الاعتراف جهراً انّه يميل إليه. فاستخدم أساليب الشريعة في المحاكمات، الّتي تمنع انزال الحكم بأحد لم يمثل أمام المحاكمة.
لكن القضاة والمدّعين العامّين ضحكوا على الرجل الضمير، لأنّه حتّى ولو الفت محاكمات، فكثيراً ما تكون شكلية فقط، يدان فيها البريء بطريقة قانونية مزيفة. وقد ظن هؤلاء المنكرون المتآمرون أن الدليل الحاسم في يدهم، على أنّ يسوع نبي كذاب، لأنّ منبته الجليلي يثبت ذلك. وكانت منطقة الجليل مكروهة عند اليهود، لأنّها زيادة على ما بها مِن لصوصيّة تقلق الأمن فهي غير متزمتة متمسكة بحرفية بالناموس(بالشريعة). وكذلك سكان القرى كانوا جاهلين اجلافاً غلاظاً. ولم يرد في التوراة أنّ المسيح الموعود أو نبّي آخر الأزمنة، سيأتي مِن الجليل أو المناطق الشمالية. فكان الفرّيسيون متأكّدين مِن أنفسهم بانّه كاذب حتّى انّهم سخروا بنيقوديموس الّذي حاول جلب يسوع أمامهم لتقنع قدرة كلماته عقولهم اليابسة، كما غلب الربّ في الليلة السابقة قلبه هو.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّ كلماتك كلمات الله، ممتلئة القوّة والحياة. فنشرب كلمتك ونأكل قولك، لكي تتّحد إرادتنا بمشيئتك. ونحبّك، لأنّك تثبت روحك القدّوس فينا. ونفرح لأنّ خدّام الهيكل لم يقدروا أن يمسكوك لأجل كرازتك المنتصرة. سأعد أيضاً اليوم ناشري إنجيلك لتغلب كرازتهم المتواضعة قلوب الجواسيس بواسطة قدرة محبّتك وقداسة حقك.
السؤال:
6- لماذا احتقر رؤساء الكهنة والفرّيسيون شعبهم؟
ج- الناموسيون (الشريعيون) يأتون بالزانية إلى يسوع ليحاكمها
(8: 1- 11)
8: 1 أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ. 2 ثُمَّ حَضَرَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ, وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ. 3 وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِناً. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسَطِ 4 قَالُوا لَهُ, يَا مُعَلِّمُ, هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ, 5 وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ (الشريعة) أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ. 6 قَالُوا هَذَا لِيُجَرِّبُوهُ, لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ.
انطلق أعضاء المجلس غاضبين إلى بيوتهم، لأنّ يسوع أفلت مِن بين ايديهم. فاعتقدت الجماهير أنّ الرؤساء قد سمحوا ليسوع بحرّية التكلّم في الهيكل لتصديقهم به أو عدم تيقنهم مِن أمره. وبالحقيقة فانّ الأعضاء تابعوا التجسّس على يسوع لايقاعه في الفخ. فكان يسوع يغادر كلّ مساء أسوار المدينة، مجتازاً وادي قدرون المعتبر نجساً بقبوره وأكوام أوساخه المنتنة، وينام مع تلاميذه في كهوف جبل الزيتون. وما كان يتقدّم الجنود إلى تلك المنطقة ليلاً، خيفة مِن أرواح الأموات. أمّا يسوع فهو الحياة والنّور في ذاته الظافر على كلّ السلطات المستترة، لأنّه كان مضموناً في الله الآب.
وعاد يسوع في اليوم التالي إلى وسط المدينة، ودخل الهيكل المزدحم بالنّاس. فلم يهرب يسوع مِن العاصمة بانتهاء عيد المظال، بل أخذ يتجول بجرأة بين أعدائه. وكان الفرّيسيون آنذاك يلاحقون المخالفات الناموسية (الشريعية) في الأمة كبوليس الأخلاق، وخاصة في ذلك العيد الممتليء بالفرح والخمر. وقد كمشوا امرأة تزني، فتبادر إلى خاطرهم لأوّل وهلة، ان يجربوا يسوع بها. فينكشف إن كان يميل إلى الشعب السافل أكثر مِن الناموس (الشريعة) المقدّس. فإن تساهل في أمرها وبرّر ارتكابها الزنى، يظهر أمام الله والنّاس مضلاً نجساً ومهلكاً تقاليد الأمة الدينية. وعندئذ يستحق الحكم رجماً. وان تمسّك بالناموس (بالشريعة) ورجم الزانية، فيبرهن انه يدين طيش وليونة الشعب. وهكذا يفقد شعبيته، لأنّ حكمه على الزانية يعني الحكم على الشعب كلّه، إذ كلّ إنسان موصوم بالخطأ. وهكذا اتوا بها وأقاموا أمامه، ليرى حكمه فيها.
8: 6 وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. 7 وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ, انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ, مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّئةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ. 8 ثُمَّ انْحَنَى أَيْضاً إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. 9 وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ, خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً, مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ.
لَمّا اشتكى الفرّيسيون على الزانية أمام يسوع وهو خالق الكون، انحنى على الأرض، وكتب باصبعه في التراب. ولا نعلم ماذا كتب. فلربّما كان يعطي لأعدائه وقتاً للتفكير، انّهم واقفون أمام القدّوس المحب. ولربّما كتب لب وصيته الجديدة بكلمة واحدة وصورها في تراب الأرض: المحبّة. ولكن الشيوخ لم يفهموا تباطؤه. ولم يلاحظوا انّ ديان العالم الصبور استعد ليصيبهم في صميمهم. فالحوا عليه لينطق بكلمة حاسمة، مستهزئين في قلوبهم لظنهم، انهم قد ورطوه في مهلكة، لا يستطيع النجاة منها. وإذ ذاك انتصب يسوع ونظر إليهم بحزن ورحمة وقداسة. ان نظره كان نظر الله. وكلمته هي الحق، ولا ريب فيه. فقال حكمه القاطع: الّذي هو فيكم أيّها القادة والشيوخ والرؤساء بلا خطيئة، فليبدأ بالقاء الحجر الأوّل عليها.
ما بدّل يسوع حرفاً مِن الناموس (الشريعة) وما غيره، بل أكمله تماماً. ولا شك أن الخاطئة استحقت الموت. وهذا ما اثبته يسوع جليّاً، لأنّه وافق مبدئيّاً على استحقاقها الرجم. انّ الله قدّوس. فانّك تستحقّ لأجل نجاساتك الرجم اليوم.
وما دان يسوع الزانية فقط بل الأتقياء أيضاً. وهكذا طلب إليهم، أن يبرهنوا على براءتهم بابتدائهم برمي أوّل حجر. وبهذا الأمر مزّق الأقنعة التقوية مِن على وجوه المتعصّبين. فليس أحد صالحاً مِن تلقائه. ولا إنسان خال مِن الخطايا. كلّنا ضعفاء، مجربون ساقطون. فلا فرق أمام الله، بين خاطيء ومتظاهر بالتقوى، لأنّ الجميع زاغوا وفسدوا وأصبحوا أشراراً في طبيعنهم. ومَن يتجاوز وصيّة واحدة، فقد كسر الناموس (الشريعة) كلّه، وأصبح مستحقّاً الهلاك حالاً. وكلّ الشيوخ والناموسيين (الشريعيين) كانوا يذبحون للتكفير عن خطاياهم حيوانات في الهيكل. واعترفوا بهذا ضمناً بانهم خطاة. فأصابتهم كلمة يسوع في ضمائرهم. لقد أرادوا القبض على الناصري. فانقلبت الآية، وإذا به يكشفهم ويدينهم ويوقعهم في الفخ الّذي أرادوا أن يوقعوه فيه. وبنفس الوقت حافظ يسوع على الناموس (الشريعة) ورفعه عاليّاً. فاحنى المشتكون رؤوسهم شاعرين انهم واقفون أمام ابن الله، مرتجفين مِن قداسته ومتزعزعين في قلوبهم. وكلّهم رأوا ذنوبهم وهلاكهم واقعاً.
نطق يسوع بجملته الفريدة ولم يزد عليها. ثم تابع كتابته على الأرض. لقد انحنى الله إلى الأسفل، إلى وساخات البشر. فمحبّته وحقّه يترافقان معاً. وترك يسوع في أرضنا آثاراً تفيض رحمة وقداسة. والحضور الّذين شاهدوا المساجلة بين يسوع والفرّيسيين، ارتجفوا أيضاً ونخزوا في قلوبهم مِن سلطانه. فعاصفة الرّوح القدس طردتهم مِن أمام ربّ المجد. وأدرك الشيوخ قبل غيرهم ازدراءهم وحقارتهم، فانصرفوا. وهكذا لحق بهم سائر الشباب المتحمسين، فاذا المكان فارغ رهيب. لم يبق أحد هنالك مع يسوع. وحتّى التلاميذ انسحبوا خجلاً وخزيّاً.
8: 9 وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسَطِ. 10 فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى الْمَرْأَةِ, قَالَ لَهَا, يَا امْرَأَةُ, أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ. أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ. 11 فَقَالَتْ, لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ. فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ, وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً.
هنالك ارتجفت المرأة أيضاً. فانتصب يسوع واقفاً للمرّة الثانية ناظراً إلى الخاطئة بنظرة الرحيم العادل وسألها: أين مشتكوك وقضاتك؟ ألم يدنك ويرجمك أحد؟ وشعرت المرأة أنّ يسوع القدّوس لم يهلكها. فشخصت فيه فزعة راجية وأدركت: أنّ لهذا الرجل وحده الحقّ بادانتها ورجمها. انّه مخالف بشخصيته للجميع.
لكنّ يسوع يحب الخطاة. وما جاء مبيداً ما قد هلك، بل طالباً الضّالين. فما قاصص المرأة الشرّيرة، بل أنعم عليها. وكلمته هي كلمة الله. فالقدّوس يهبنا عفواً عظيماً. ولم يستطع يسوع أن يعفو عن الخاطئة لولا انّه حمل خطيئتها على كتفيه مستعدّاً أن يموت لأجلها ولأجل العالمين. فما دان الخاطئة، بل تحمّل على نفسه دينونتها. وهكذا يعطيك يسوع الغفران الكامل والعفو العام، لأنّه مات لأجلك. فآمن بمحبته مستلماً تحريرك مِن الدينونة. واقبل أيضاً روح يسوع المتسامح حتّى لا تدين الآخرين. ولا تنس انّك خاطيء مثل سواك، ولست أفضل مِن غيرك البتّة، حتّى المجرمين. فلئن زنى أحد، أفلست نجساً؟ ولئن سرق، أفأنت أمين؟ وإن تعجرف إنسان، أفرأيتك متواضعاً؟ لا تدينوا لكي لا تدانوا. لأنّكم بالدينونة الّتي بها تدينون تدانون، وبالكيل الّذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الّذي في عين أخيك، وأمّا الخشبة الّتي في عينك فلا تفطن لها؟
فيا أيّها الأخ. إن كان يسوع وهو ربّ البِرّ والقداسة لم يدن أحداً حتّى الزانية، فكم بالأولى أنت الخاطيء النجس، انه لا يحق لك أن تلحق إهانة بأيّ إنسان كان، مهما ازدادت فضائحه جرماً واستبشاعاً!
وأمر يسوع تلك المرأة ألاّ تعود إلى الخطأ فيما بعد. فوصيّة الله بالطهارة والاستقامة ثابتة لا تلين. وارشد يسوع المرأة المشتهية للمحبّة أن ترجع إلى الله، وتعترف بخطاياها. فتنال قوّة الرّوح القدس مِن دم حمل الله. فلم يطلب يسوع مِن الزانية أمراً مستحيلاً، بل منحها القوّة للقلب المنسحق، لتعيش في قداسة الربّ. وهكذا يأمرك أيضاً ألاّ تخطيء فيما بعد. فهو مستعدّ أن يسمع اعتراف حياتك، ويمنحك القوّة لتقديس ذاتك.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، اخجل أمامك، لأنّي لست أفضل مِن الزانية. اغفر لي إذا دنت إنساناً أو اضرّرت به، لأنّي لست أفضل منه. ومزّق قناع التقوى مِن وجهي، وطهّرني مِن كلّ الذنوب. واشكرك لعفوك عنّي. واسبّحك لصبرك ورحمتك. ساعدني لكيلا أخطيء فيما بعد البتّة. قوّ عزمي وثبتني في الطهارة، وارشدني إلى حياة في القداسة. يا رب خلّصني مِن ذاتي، وبارك على الكثيرين مِن حولي.
السؤال:
7- لِمَ هرب المشتكون على الزانية مِن أمام يسوع؟
د: يسوع نور العالم
(8: 12- 29)
8: 12ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً, أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ.
يسوع هو النّور الالهي الحقّ. ومَن يقترب منه ينكشف ويدان ويستنير وينتعش ويشفى، حتّى انه ليصبحن نوراً في المسيح. وليس نور آخر في العالم بقادر أن ينير ظلمة قلوبنا الشرّيرة ويشفيها إلا يسوع. فكلّ الفلسفات والأديان إذا قيست بالمسيح، تظهر ضعيفة لأنّها تعد بفداء وفردوس خيالي. إنها بالحقيقة تقيد النّاس بعمي أشد ظلاماً. أمّا المسيح فهو بذاته نور الحياة. فلا يهلكنا بل يحيينا في لطفه. فليس نوره ذري مميت ولا صاعق قاطع بل شمس ساطعة محيية منعشة. وان يسوع ليريدن انبثاث نور محبّته فيك، ليطمئن قلبك وينفرج. وهذا الشفاء النفساني له شرط واحد. وهو التقدّم إلى يسوع بإيمان واتباعه بانكار النفس. ففي هذا الاتباع المستمر ليسوع نتغير من الظلمة إلى النّور، ونجد الطريق في نوره وسط ظلمات العالم، لنصل إلى هدف الأهداف، ألا وهو مجد الاب والابن في بهاء الحياة.
8: 13فَقَالَ لَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ, أَنْتَ تَشْهَدُ لِنَفْسِكَ. شَهَادَتُكَ لَيْسَتْ حَقّاً. 14 أَجَابَ يَسُوعُ, وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ, لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. 15 أَنْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ تَدِينُونَ, أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَداً. 16 وَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَقٌّ, لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي, بَلْ أَنَا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
تعثّر اليهود مِن كلمة يسوع: أنا هو، لأنّهم تفكّروا انّه فخور متكبر، يجعل مِن ذاته نور العالم. فسموا شهادته اضلالاً وكذباً ووهماً ومبالغة وخداعاً للنفس. فجاوبهم يسوع بتأنّ وقال: ان استكبر النّاس حامدي أنفسهم فهم كاذبون وفاقدو مقياس الله لذواتهم. أمّا أنا فلست كاذباً. وشهادتي لنفسي حق، لأنّي لا أقيس ذاتي بذاتي، بل بحقيقة الآب، الّذي انسجم معه في كلّ حين. أنتم لا تدركون اني قد أتيت مِن الله أبي وراجع إليه. فلا أتكلّم مِن ذاتي، بل كلماتي منطبقة مع حقيقة الله ورحابه الأبوي. فكلامي حق، ممتليء القوّة والبركة.
أمّا أقوالكم فسطحية، لأنّ الإنسان لا يرى إلاّ القشور. وكلّ جملة تلفظونها ليست حقّاً كاملاً كما رؤية الله للحقائق. وها أنتم أولاء ظانون انّكم قضاة صغار، ومعتقدون بقدرتكم للحكم في أموركم باستقامة. لكنّكم تغترون غروراً كبيراً، ولا تعرفون مصدر الأشياء ولا دوافعها ولا النتائج. والبرهان لذلك، انّكم لا تعرفونني. فانتم تحكمون عليّ مِن خلال ناسوتي (شريعتي). لكنّي ثابت في الله دائماً. فلو أدركتم انّي في الآب والآب في، لعرفتم حقيقة العالم.
إنّ المسيح هو قاضي العالمين والحقّ المتجسّد بنفس الوقت. ولكنّه ما جاء إلى العالم ليديننا ويبيدنا، بل ليخلّصنا. ولم يرفض يسوع مسكيناً ولا مجرماً ولا مرفوضاً في المجتمع، بل يريد أن يخلص الجميع بنوره، ويجذبهم إلى محبّته. فلا تحتقر إنساناً ما، ولا تعتبر أحداً أوطأ منك. أنظر إلى كلّ أمريء وادرك فيه الصورة الّتي تريد يسوع تجديدها وخلقها. إنّ يسوع بالذات هو صورة الآب ورسم جوهره. فما كان منفرداً مستقلاً عنه، بل منفذاً أعمال محبّته مخلّصاً وليس دياناً.
8: 17 وَأَيْضاً فِي نَامُوسِكُمْ (شريعتكم) مَكْتُوبٌ, أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَقٌّ. 18 أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي, وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
إنّه لأجل ضعف البشر تنازل يسوع إلى مستوى الناموس (الشريعة). ولكن لم يسمه ناموس الله بل (ناموسكم)، أي نظامكم اللازم لكم أيها الخطاة. فتجاوبا مع هذا الناموس (الشريعة) كان على مَن أراد اثبات الحقّ، ان يستشهد شاهدين يثبتان ادعاءه بكلّ تفصيلاته الدقيقة. فيحكم له أو عليه على أساس شهادتهما (تثنية 17: 6 و19: 15). ولم يحتج يسوع لهذا الدليل في اثبات كلماته، لأنّ شهادته عن نفسه حق. ولكن لأجل ضعفنا يبرز اعترافه كشاهد أوّل. ويعلن انّ أباه هو الشاهد المؤكد، الّذي يثبت انسجامه الكامل مع كلّ أقوال وأعمال ابنه، لأنّ بدون الانسجام الكامل بينهما لا يقدر الابن على عمل شيء. وانّه لسرّ كبير في وحدة الثالوث الأقدس، ان الله شهد ليسوع، كما شهد يسوع لله. فالتجميد متبادل، لأنّ الواحد في مثيله موحد. والرّوح القدس يمنحنا اليوم التأكّد في القلب، ان فداء المسيح حرّرنا مِن الدينونة، ووحدنا مع الله أبينا. هذه الشهادة حق ويقين.
8: 19 فَقَالُوا لَهُ, أَيْنَ هُوَ أَبُوكَ. أَجَابَ يَسُوعُ, لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً. 20 هَذَا الْكَلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ, لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ.
لم يفهم اليهود يسوع بدقّة، ولم يريدوا فهمه، بل أرادوا إيقاعه في تجديف ملموس. فسألوه بمكر: مَن هو الّذي تسميه أباك! كان يوسف قد مات مِن زمن، وأمّه هاجمها اليهود باتهامات نجسة. لذلك كانوا يعلمون مَن يقصد بكلمة “أبي”، لكنّهم أرادوا اعترافه بلسانه ان الله هو أبوه، ليمسكوه بتجديف ظاهر. ولم يجاوبهم يسوع مباشرة على احراجهم، ولم يقدر أن يجيبهم على سؤالهم غير المنطقي، لأنّ معرفة الآب ليست منفصلة عن معرفة يسوع. فالابن في الآب كما الآب فيه وليس أحد يعرف الآب إلاّ في ابنه. فمَن لا يقبل الابن، فكيف يمكنه أن يعرف الله بحقيقته؟! أمّا مَن يؤمن بالابن ويحبّه، فلهذا يعلن الله ذاته، ويريه القاعدة اليوحناوية: مَن رأى الابن فقد رأى الآب.
وقال يسوع هذه الكلمات في زاوية مِن الهيكل، مختصّة بالأمور المالية والتبرّعات. ولا شكّ في انه كان هناك حرّاس أكثر مِن كلّ النواحي الاخر ضمن الهيكل. ورغم كثرة هؤلاء الجنود والخدّام، فلم يقدروا أن يقبضوا عليه، لأنّ يد الله كانت تحميه. ولم يقدر أحد على قتله، لأنّ ساعة تسليمه حسب مشيئة الله ما كانت قد أتت بعد. فما كان البشر ليقرّروا مصيرك ولا عائلتك أيضاً، إلاّ أبوك السماوي وحده.
الصّلاة: أيّها المسيح، نعظّمك ونحبّك، لأنّك لا تحكم علينا كما نستحق، بل تخلّصنا. أنت نور العالم، وتنير كلّ الّذين يأتون إليك. غيّر باشعة محبّتك قلوبنا القاسية لنعرفك، والآب أيضاً، ونكرمك بإيمان ثابت وحق مستقيم. افتح أعين المتأخرين في معرفتك، لكي يدركوا الأب، ويسجدوا لك.
السؤال:
8- كيف تتعلّق شهادة يسوع لنفسه انّه نور العالم، بمعرفة الآب السماوي؟
21:8 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً, أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي, وَتَمُوتُونَ فِي خَطِيَّئتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا 22 فَقَالَ الْيَهُودُ, أَلَعَلَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ حَتَّى يَقُولُ, حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا.
علم يسوع أنّ خدّام الهيكل قد أحاطوه مِن كلّ جانب، وفي جعبتهم الأمر بالقبض عليه. ودلّهم بكلمات موجزة على معان عميقة في مستقبله: ساعة موتي مقبلة علي. عندئذ أترك هذه الدنيا. فلا تستطيعون لحاقاً بي فيما بعد. وما أنتم قاتلي وفقاً لتخطيطكم بل أنا أقرّر أوان رحيلي. ولكني سأقوم مِن قبري ماراً مِن بين الصخور والأبواب المغلقة. فستطلبونني عبثاً ولا تجدونني. وسأصعد إلى أبي فلا تدركونني. ها أنتم قد رفضتمونني، وأنا حمل الله. وما آمنتم بي، وأنا فادي العالمين. فستموتون في سجن خطيئتكم. لم يقل المسيح ستموتون في خطاياكم، لأنّ أخطاءنا الاجتماعية الكثيرة، لم تكن هي ذنبنا الأصيل، بل موقفنا تجاه الله، وعدم إيماننا وتعجرفنا في بيئتنا. فكلّ إنسان طبيعي ملحد، ولو تصرف بتقوى وتدين.
وكلّ مَن لا يقبل يسوع مخلّصاً مِن سجن كابوس خطيئته، فانه يموت في خطاياه العديدة موتاً مرعباً. فلا سلام لعديمي الإيمان، الّذين يشعرون انهم محفوظون للدينونة وجهنّم. فيضطربون ولا يجدون راحة. فكلّ مَن يرفض غفران المسيح يموت في عيوب خطاياه الّتي ستقوم في ساعة موته مشتكية عليه، لأنّ ضمائرنا لا تنسى خطيئة ما صغيرة أو كبيرة. فملايين مِن البشر يرحلون في اضطراب قلوبهم خائفين، لا عين لهم.
لقد ذهب يسوع إلى أبيه في المجد. ولا يوجد خاطيء بمقدوره التقدّم إلى رحابه، إلاّ بواسطة الغفران والولادة الثانية. وللعجب فانّ اليهود المتدينين قاموا بأعمال للتقوى كثيرة صوماً وزكاةً وحجاً! وحفظوا الناموس (الشريعة) بعنف وتدقيق. إنّما قال المسيح لهم، انّهم رغم ذلك لا يقدرون أن يدخلوا إلى حضور الله، لأنّ الطاعات التعبدية لا تغيّر القلب الشرّير. واليهود آنذاك أدركوا أنّ يسوع تكلّم لهم عن ذهابه النهائي مِن دنيانا. ولكنّهم لم يفهموا شهادته لهم، انّه سيرجع إلى الله، بل افتكروا بطريقة دنيوية، ظانين انّ يسوع في كفاحه مع الكهنة والفرّيسيين وصل إلى حدود طاقته. ولم يبق أمامه في هذه الحالة اليائسة إلاّ الانتحار. فارتعبوا متخيلين: كيف ستبتلعه جهنّم والهلاك المعد للمنتحرين؟! فمَن يقطع نفسه مِن حياته ينفصل مِن النّعمة، وله دينونة أشد. وافتكر اليهود، انّهم فعلاً سوف لا يصلون إلى تلك النهاية المأساوية لصلاحهم وبرارتهم. ولكن لَمّا طُوّقت أورشليم سنة 70م ، رأينا ألوف اليهود ينتحرون مِن شدة الجوع واليأس والخوف.
23:8 فَقَالَ لَهُمْ, أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ, أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ, أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. 24 فَقُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ, لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ.
أعلن يسوع أنّ عالم الله موجود حقيقة فوق عالمنا الشرّير، الّذي نعيش فيه. كلّنا مِن أسفل مِن الطين الموحل، ممتلئون بالأفكار المرّة الشرّيرة، وبذرة الشيطان تثمر فينا نتاجاً كثيراً. فالإنسان العادي لا يستطيع ادراك عالم الله البتّة، الاّ انّه يشعر قليلاً بوجوده.
أمّا المسيح، فليس هو مِن عالمنا. وروحه صادر مِن الآب، غالب جسده. ووضح يسوع رحاب أبيه كفوق ، ليس بالمعنى الجغرافي، لأنّ في استراليا ما تعنيه كلمة فوق، إنّما هي تحتنا. وكما يقل ضغط الهواء حول كرتنا الأرضية كلّما صعدنا علواً، هكذا ينتهي كابوس الخطيئة كلّما اقتربنا مِن الله. وهذا هو ضيقنا المعذب، انّنا لا نستطيع الانطلاق إلى الله. لأنّ عالمنا يشبه سجناً. والإنسان يكون “في الخطيئة”. كلّنا أولاد بيئتنا، ونثبت في الشرّ، ولا نخضع لمحبّة الله. فمِن هذا التقيد والتورط بمآسي البيئة، تصبح الحياة ممتلئة الخطايا. وقد ذكر يسوع بهذه المناسبة كلمة ” الخطايا” بصيغة الجمع، لأنّه مِن حالتنا المضادة لله، تخرج أخطاء كثيرة والتواءات ونجاسات وأكاذيب. كلّنا ملآنون بالخطايا، كالابرص المليء قروحاً في جسده. وكما ان هذا المسكين يموت رويداً رويداً وهو حي، هكذا الخطيئة تميت الإنسان. فسنموت لأنّنا أخطأنا. والّذي لا يخطيء فانّه يعيش إلى الأبد.
فما هي الخطيئة؟ فليست إلاّ عدم إيمان، لأنّ مَن يرتبط بيسوع يعيش إلى الأبد، إذ انّ دم ابن الله يطهّرنا مِن كلّ خطيئة. وقوّته تنقّي ضمائرنا مقدّسة أفكارنا. وروحه يملأنا بحياته. ولكن مَن ينفصل عن المسيح يخار لذاته الموت، ويبقى في سجن الخطيئة، وتنتظره الدينونة. فالإيمان بيسوع وحده يحرّرنا مِن غضب الله.
فمَن هو يسوع الطالب الإيمان بنفسه؟ لقد سمّى نفسه للمرّة الثانية: “انّي أنا هو” (6: 20و 8: 24) فبهذه الكلمات لخّص كلّ الشهادات العظيمة عن نفسه. وسمّى ذاته الربّ الحقّ، الله الحي، القدّوس الأزلي، الّذي قد أعلن نفسه لموسى في العليقة بتمام هذه العبارة. وأكد لأشعياء بنفس الكلمات ان ليس مخلّصاً إلاّ هو. (خروج 13: 14 واشعياء 43: 10- 12). وكلّ يهودي كان يعرف هاتين العبارتين غيباً، وافتكروها وجلين. وما تجاسروا ان يتلفّظوا بها، لكيلا ينطقوا باسم الله باطلاً. أمّا يسوع، فسمّى نفسه بها جهراً. فليس هو المسيح أو ابن الله فقط، بل يهوه الربّ بالذات.
وفي هذه الجملة نجد الإنجيل كلّه ملخّصاً. فالمسيح هو الله الجسد. ومَن يؤمن به، يحيا. ومَن يرفضه ولا يقبل سلطانه الإلهي، ينفصل عن الغفران ويسقط إلى رعب موت الكفار. فالإيمان أو عدم الإيمان يقرّر مصير الإنسان. فكيف يبين إيمانك بيسوع؟ هل تتعلق به مصدقاً فقط، أم قد أصبح لك مصدر القوّة ومحييك الحقّ؟ انّه الربّ الحي، الّذي يقف أمامك، ويقول :انّي أنا هو.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، أنت الله بالذّات، والآب حلّ فيك بملئه. نسجد لك، ونؤمن بالوهيتك. ونلتمس منك غفران ذنوبنا، لكيلا نموت في خطايانا. اثبت فينا بنعمتك. واملأنا بروحك، لكي تغلب قوّتك خطايانا. ونسلك في ارشادك قدّيسين. ونؤمن بسلطان محبّتك العامل في كلّ الملتصقين بك.
السؤال:
9- ماذا يعني الإيمان بالّذي يقول “انّي أنا هو”؟
8: 25 فَقَالُوا لَهُ, مَنْ أَنْتَ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, أَنَا مِنَ الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِهِ. 26 إِنَّ لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أَتَكَلَّمُ وَأَحْكُمُ بِهَا مِنْ نَحْوِكُمْ, لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ حَقٌّ. وَأَنَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ فَهَذَا أَقُولُهُ لِلْعَالَمِ. 27 وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ الآبِ.
لا يسمح اليهود لأنفسهم بالفكر، انّ يسوع قال عن نفسه: انّه الله والرّبّ بالذات. فسألوه باصرار: مَن أنت؟ هات دليلك، وأوضح نفسك بطريقة مفهومة! وما علموا انّه في اللحظة قبيل تساؤلهم قد أعلن ذاته بأوضح بيان.
فجاوبهم يسوع قائلاً: أنا الّذي قلته لكم، لا أتكلّم بزغزغة. فمِن البدء، أنا إله حق. وان لم تفهموا كلمتي، ولم تكسب روحي سلطة في قلوبكم، فلن تنفعكم كلّ الاعلانات عن اسمائي وصفاتي. اني أنا كلمة الله المتجسّد. ولكن لا تسمعونني، ولا تفهمونني، إذ أنتم مِن العالم مِن أسفل، وليس مِن الله. واذهان قلوبكم مصطومة. ومع ذلك، فانّكم لا تسمحون لروحي أن يخلق فيكم سمعاً جديداً.
ولن ينفعكم إن تكلّمت أكثر معكم، لأنّكم قساة. لهذا تدينكم كلماتي مع انّي أحبّكم وأعلن ذاتي لكم، لربّما يبدأ واحد أو اثنان منكم أن يدركا جلالي. فأنا اشاء خلاصكم واحياءكم. ليس الله كاذب، فهو الحقّ، كما اني أنا الحقّ. وحقيقته ستبيدكم، لأنّكم رافضون حلول روحه في قلوبكم. وها أنتم أولاء، متخيّلون المعرفة عن الله. نعم انّه القاضي، وحقّه دينونتكم. أمّا أنا فأعلن لكم روح الآب الحنون. ولا أتكلّم مِن تلقائي. أنا قريب مِن الآب. وما أتكلّم به هو الّذي أقوله لكم. فإنجيلي هو الوحي الحقّ. وكلّ الإلهامات الأخرى في العالم ليست مِن الله الآب، بل مِن الأسفل. وهذا يظهر ان مَن ينكر الآب، هو سفلي. وهذا لا أقوله لكم فقط، بل للعالم كلّه. ما أنا بعبد للعهد القديم. فأنا ربّ العهد الجديد، مبشراً الخليقة كلّها بفرح عظيم.
فلم يفهم اليهود المعاني المستترة في إعلانات يسوع. وما دروا انّه تكلّم دائماَ عن وحدته مع الآب. لقد سمعوا كلماته وما فهموا شيئاً، لأنّهم لم يؤمنوا به. فالإيمان البسيط بيسوع هو الّذي يعلن لعقولنا حقّه الجلي.
8: 28 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ, فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ, وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي, بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي. 29 وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي, وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي, لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ.
علم يسوع أنّ اعداءه وحتّى تلاميذه ما استطاعوا إدراكه، لأنّه ما كان الرّوح القدس قد انسكب بعد. ولكنّ يسوع كان موقناً كلّ اليقين أن ارتفاعه على الصليب سيمحو خطيئة العالم كلّه. وانّ ارتفاعه الكامل إلى الآب سيسبب انسكاب الرّوح القدس حقّاً. عندئذ ستشرق في اذهان اليهود والأمم المعرفة كصاعقة، انّه هو هو. فلاهوت يسوع لا يستطيع ادراكه أمرؤ، إلاّ بالرّوح القدس. وكلّ اقناع منطقي لا نفع له. فالولادة الثانية وحدها تنشيء الإيمان المدرك كما انّ الإيمان الواثق بلطف المسيح يسبّب الولادة الثانية.
ولم يقل المسيح، انّه في ذاته إله مستقلّ كامل فقط، بل أعلن أيضاً بنفس العبارة علاقته المبدئية بأبيه، وانه لا يقدر على عمل شيء بدونه. وأكثر مِن ذلك، انه لا يعمل أيّ شيء مِن تلقائه، بل الآب وحده كان يعمل فيه. فتواضع يسوع بمقدار ان سمّى نفسه تلميذ الله، رغم انّه في نفس الجملة أعلن نفسه ربّ التاريخ، عندما قال للمرّة الثالثة انّي أنا هو.
ليس إيماننا سهلاً للعقل، ولكن هيّناً لبساطة الرّوح القدّوس. وبواسطة ما ذكره يوحنّا عن هذه المعاني السامية، يشركنا يسوع بطرق عديدة في الأسرار المرهفة لوحدة الثالوث الأقدس. ثم أكمل قوله: الآب كان دائماً معي، وحتّى الآن. وما تركني لحظة لوحدي. وهذا حق، لأنّ الابن لم يترك الآب السماوي. ولم يتمرّد عليه، بل كان مطيعاً لمسرته. ونزل مِن السماء، وصار إنساناً، خاضعاً لمشيئة أبيه. ما أجملها جملة! “لأنّي في كلّ حين، أفعل ما يرضيه”. ليس إنسان يستطيع نطق هذا القول إلا ابن الله، الّذي عاش دائماً في انسجام مع أبيه، في ملء الرّوح القدس. فيسوع أتمّ الناموس (الشريعة) كاملاً. وأكثر مِن ذلك، فلقد كان هو بذاته ناموساً (شريعة) للعهد الجديد. أمّا اليهود، فسموه مجدفاً ناقصاً الناموس (الشريعة) ومضلاً للشعب. إنّما كان يسوع، هو الإنسان الوحيد الحافظ للناموس (للشريعة) بجوهره.
هل تسمع صوت الرّوح القدس في إعلانات يسوع عن ذاته؟ تشعر بجلاله وتواضعه، وحرّيته مع الآب وخضوعه له؟ فمِن هذا أنت تدرك معنى الإيمان الحقّ بيسوع. فكما أنّه واحد مع الآب، هكذا يريد أن يجذبك إلى شركة محبّته في الخضوع والحرّية بنفس الوقت، ويقودك إلى انفراج وخدمات بحضوره، لكي يكون هو معلّمك. فلا تعمل شيئاً بدونه، إنّما في كلّ حين تفعل ما يرضيه.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، اخجل لأجل عصياني وعنادي وأكاذيبي وذنوبي. اغفر لي معصيتي، وقدّسني إلى خضوع كامل لإرشاد روحك القدّوس، لكي أعمل في كلّ حين ما يرضيك. كن مرشدي ومعلّمي، وأفتح قلبي وعقلي إلى محبّتك الأزلية. ولا تتركني ولا تدخلني في تجربة بل قوني إلى اطاعة الإيمان المباشرة، مع كلّ اخوتي في الرّوح.
السؤال:
10- كيف أعلن يسوع ثباته في الثالوث الأقدس؟
ه: الخطيئة عبودية
(8: 30- 36)
8: 30وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ. 31 فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ, إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي, 32 وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ.
إن شهادة يسوع المتواضعة القويّة أثرت في كثير مِن المستمعين. فمالوا إليه، وابتدأوا الإيمان بانه آت مِن الله. وشعر يسوع بثقتهم، وقبل استعدادهم وثبتهم في كلماته. وطلب إليهم، ألاّ يصدقوا بإنجيله فقط، بل ليفكّروا مليّاً بكلماته ويرتبطوا به نهائيّاً، حتّى يثبتوا فيه، كما الغصن في كرمته. فقبول كلمات يسوع بطريقة عقلية منطقية لا يجعلنا تلاميذه الحقيقيين، بل ارتباطنا الحياتي به، حتّى أنّ روحه آنذاك يجري في أفكارنا وقلوبنا بلا مانع، دافعاً إيّانا إلى تنفيذ إرادته عمليّاً. فمَن يتمم بهذه الطريقة كلمات المسيح، يدرك الحقّ. لأنّ الحقّ ليس فكراً فقط، بل حقيقة عملية نشترك فيها بسلوك حياتنا.
فحق الله، هو أوّلاً القول الصادق بصراحة وحكمة وبدون أيّ تلوّن ولا كذب. وثانيّاً هو معرفة الله، انّه الآب والابن والرّوح القدس في وحدة المحبّة والعمل والمجد. وبواسطة تعمقنا بالمسيح، ندرك جمال وحدة الثالوث الأقدس ومجده. ومعرفة الله تغيّر حياتنا. ولا نعرف الله، إلاّ بمقدار محبّتنا لبعض. فمَن لا يحبّ، لا يعرف الله. وحيث ندرك الله بواسطة كلمات المسيح، نتحرّر مِن كلّ أنواع الأنانية وشعبها في حياتنا. فليس التكلّم عن التّوبة ولا الفرائض الناموسية (الشريعية) يحرّرنا مِن عبودية الخطيئة، بل معرفة محبّة الله الآب، وقبول نعمة غفران الابن، وحلول قوّة الرّوح القدس فينا. فلا يوجد تحرّر أعظم في حياة الإنسان إلاّ حين تكسر معرفة محبّة الله قيود أنانيتنا.
8: 33 أَجَابُوهُ, إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ. كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ, إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَاراً. 34 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّئةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّئةِ. 35 وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ, أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. 36 فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً.
تعقد اليهود نفسانيّاً بعمق، لأنّ آباءهم ظلّوا مقدار مئتي سنة تحت عبودية الفراعنة في مصر. فاعتبروا أنفسهم متحرّرين بقدرة الله شخصيّاً، إذ أخرجهم مِن عبودية مصر (خروج 20: 2). فهبّ افتخارهم ضدّ كلمة يسوع، لَمّا قال انّهم غير أحرار. وحتّى الولد الصغير فانّه ينفجّر بكبريائه، ان شعر بضغط عليه، قائلاً: أنا حرّ.
وكان على يسوع ضرورة الطعن بكبرياء الّذين ابتدأوا الإيمان به. فأراهم انّهم ليسوا أحراراً، بل هم عبيد الخطايا وأسرى الشيطان. فان لم نعرف سطوة عبوديتنا الثقيلة، فانّنا لا نتشوق إلى مخلّص. والّذي يدرك انّه عاجز عن التغلّب على خطاياه الخبيثة، فهذا فقط هو طالب خلاص الله. وهنا نجد السبب، الّذي مِن أجله لا يطلب كثير مِن النّاس يسوع. فذلك لظنّهم، انّهم غير محتاجين لخلاصه.
أمّا يسوع فيعلن بأهمية كبرى: كلّ مَن يعمل خطيئة ما، فانه يصبح تلقائيّاً عبدها. ما آلم الضيق الكامن في هذه العبارة! كثير مِن الشباب ابتدأوا حياتهم بالكذب والكسل والتفاهة. ولاعبوا الخطيئة وداعبوها، وتخيّلوا فيها، وعزموا نهائيّاً على تنفيذها، وخطّطوا طرقها بالمكر. وجرّبوها ثم مارسوها كرة ثانية، ثم صارت عادة فيهم. ولَمّا شعروا بخبث ونجاسة عملهم وسمعوا توبيخ ضمائرهم، كان الوقت قد فات، إذ أصبحوا عبيد خطاياهم. فاضطروا لارتكاب الجريمة ضدّ إرادتهم المشوقة للصلاح. وإذ ذاك أخذوا يلعنون الساعة، الّتي ابتدأوا فيها بالاصاخة للفكر الشرّير. وكلّهم يحملون ذنوبهم، كالكلب يهرول وذنبه يتمطى ويتحرك خلفه. كلّ النّاس أصبحوا أشراراً أكثر مما نعلم وعبيداً لذنوبهم، رغم انهم يخفون حقيقتهم الشنيعة خلف أقنعة التقوى الزائفة والأنسانية المهذبة. كلّ إنسان بدون المسيح هو عبد لشهواته. والشيطان يلعب بأعصابه، ويديره كما العاصفة تتلاعب بورقة يابسة. وعبيد الشر ليس لهم حق بالبقاء في بيت الله. وعليهم الخروج مِن لدنه. فكلّ النّاس بعيدون عم خالقهم، إلاّ الابن، فثبت في الآب، لأنّه فعل كلّ حين ما ارضاه. ولم يتجاوب مع أيّ خطيئة لاحت لمشاعره. نعم انّ اليهود كانوا متعاهدين مع الله. ولكن إذا استمرّوا في عبودية خطاياهم، غير مذعنين لخلاص المسيح، فانّ الطرد لازب أمامهم مِن بيت أبيهم، لا يجدون عنه مفراً.
وبعدئذ نطق ابن الله بكلمته الملوكية، الّتي لا يقدر أحد أن ينطق بها إلاّ مخلّص العالمين بالذّات: الآن أنا حاضر بينكم، وعارف قيودكم، وأنا مستعد ومقتدر لأحرّركم في عمق باطنكم، وأمحو ذنوبكم. ولست آتيّاً لإصلاح العالم بسطحية، ولا لتربيتكم بناموس (بشريعة) متشدّد. كلاّ بل أحرّركم تماماً مِن سلطة الخطيئة وقدرة الموت وحق الشيطان الرجيم. أنا أخلقكم جديداً، وانعشكم وأحييكم، لكي تنشيء قوّة الله فيكم مناعة ضدّ الخطيئة. ولا ريب أن الشيطان، لسوف يجربكم بألف طريقة. ولسوف تعثرون، ولكنّكم لا تعثرون كعبيد، بل كأولاد حاملين عربون حقوقكم الجديدة في ضمائركم.
وفدائي يفديكم إلى الأبد. قد دفعت بدمي ثمن المبيع، واشتريتكم مِن سوق الخطيئة. فها قد صرتم خاصّة الله. وهو ما حعلكم عبيداً لنفسه، بل وهبكم الحرية، لتكونوا له أولاداً أحراراً. فالآن أحرّركم مِن قيود خطاياكم، وانقلكم إلى شركة مع الله، لخدمة الشكر الطوعي له. فانّي أنا المحرّر الوحيد، الّذي يستطيع خلاصكم مِن سجن الخطيئة إلى عالم الله. أنا هو ابن الله، وأحمل في ذاتي السلطان لأحرّر كلّ الّذين يسمعون كلامي.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نسجد لك ونحمدك، لأنّك أنت المخلّص المقتدر الّذي حرّرنا على الصليب نهائيّاً مِن سلطة الشيطان. وأنت غفرت آثامنا كلّها. وتطهّرنا لكيلا نبقى عبيداً بمرارة وحقد، بل نخدم الله كأبناء متحرّرين بفرح. نطلب إليك أن تخلّص كلّ أصدقائنا مِن تخيلاتهم في الخطايا، وتفك قيودهم الشيطانية في أذهانهم لكي يدركوا حاجتهم إلى خلاصك، ويقبلوك ويتحرّروا بإنجيلك القوي.
السؤال:
11- كيف نتحرّر بالحقيقة؟
و: إبليس هو القاتل والكذّاب
(8: 37- 47)
8: 37 أَنَا عَالِمٌ أَنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لَكِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي لأَنَّ كَلاَمِي لاَ مَوْضِعَ لَهُ فِيكُمْ. 38 أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي, وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُمْ. 39 أَجَابُوا، أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ.
كان اليهود معتدين بأنفسهم أنّهم ذرّية إبراهيم، وفكّروا انه بسبب هذه الأرومة المتصلة بأبي الإيمان، تحلّ فيهم كلّ الوعود، الّتي قطعها الله لإبراهيم عبده المطيع. ولم يرفض يسوع امتيازات هذه الأرومة المجتباة، ولكنّه حزن لأنّ ذرّية إبراهيم قد خلوا مِن روح أبيهم، الّذي كانت له مقدرة الأصغاء لصوت الله وحفظ كلمته ونفذها عمليّاً. وهكذا قفلوا قلوبهم لكلمات يسوع، فلم تدخل فيهم ولم تنرهم، فظلّوا بدون معرفة ولا إيمان.
ولم تنتج كلمة يسوع في تلك الجماهير إلاّ الرفض والبغضة. ولعلّ أكثريتهم لم تفكّر آنذاك بقتل يسوع عمداً. لكن يسوع أكتشف لب قلوبهم مسبقاً وعلم أن كلّ بغضة، ان هي إلاّ تمهيداً للقتل. فليس بمستبعد أن يصمموا على إبادته ويصرخوا: اصلبه اصلبه (متّى 5: 22و 1 يوحنّا 3: 15 ويوحنّا 19: 15).
وهذا الرّوح الرافضي ليس روح إبراهيم لأنّ هذا الرجل المنيب سمع صوت الربّ وخضع له رأساً. وبطريقة أعظم نجد أن يسوع ما كان يسوع صوت أبيه دائماً فقط، بل رأى أيضاً أعمال أبيه وجلاله المجيد. فإعلاناته كانت كاملة صادرة مِن شركة ملتصقة بالله. انّ أباه في السماوات هو الّذي ولده. فيسوع روح مِن روحه ومحبّة مِن محبته.
أمّا اليهود، فأبغضوا المولود مِن روح الله. وان هذا لبرهان قاطع على انهم لم يأتوا مِن الله الحقّ، بل لهم مصدر آخر ينتسبون إليه. وفي هذه المرحلة مِن الجدل ما سمّى يسوع “إسم والدهم” بل حاول جذبهم إلى التفكير فيمن يكون أبوهم؟ إذا لم يكن إبراهيم.
8: 40 وَلَكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي, وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ. هَذَا لَمْ يَعْمَلْهُ إِبْرَاهِيمُ. 41 أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ. فَقَالُوا لَهُ, إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِناً. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ.
ثار اليهود ضدّ كلمة يسوع، إذ أتهمهم أنهم غير منسجمين مع روح إبراهيم، لأنّ ثقتهم بالانتساب إلى إبراهيم كانت أساس إيمانهم وقوّة رجائهم ولب فخرهم. فكيف يحقّ ليسوع، أن يندّد بعلاقتهم مع إبراهيم ويلغيها. وأراهم يسوع بنفس الوقت أن أعمال إبراهيم هي إطاعته الإيمانية لله، لَمّا خرج مهاجراً مِن بلاده، وثقته الكاملة بأمانة الله عندما صمّم على ذبح ابنه اسحق، وتواضعه تجاه قريبه لوط. لكنّ اليهود اتصفوا بالعصيان والثورة وعدم الإيمان والاستكبار. فكان روحهم عكس روح المسيح. وهكذا خاصموا الحقّ المتجسّد الواقف أمامهم، ولم يسمعوا لصوت الله فيه. ولم يأت يسوع بمجده كإبن الله المحاط بالملائكة، بل كإنسان بسيط، ليس لديه إلا قدرة كلمته. وهو ما أجبر اليهود جبراً على قبول إنجيله، إنّما أعلن لهم حقّ الله ومحبّته ونعمته واسمه. فرفضوا هذه البشارة كرهاً، وتأجّجت في قلوبهم فكرة القتل. وهذا مغاير لصفات وأعمال إبراهيم، الّذي سمع وأطاع وعاش وعمل بمقتضى الوحي الإلهي.
8: 41 …… فَقَالُوا لَهُ, إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِناً. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. 42 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي, لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي, بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي. 43 لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كَلاَمِي. لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي.
برهن يسوع لليهود أنّ إبراهيم ليس أباهم، وانّهم لا تربطهم به رابطة الأرومة الحقّة، لأنّهم ساء ما كانوا يعملون. وقادهم يسوع أكثر فأكثر إلى توضيح إسم أبيهم التابعين له، المنطبقة أعمالهم عليه. فكما هو كذلك هم أيضاً.
وشعر اليهود أنّ يسوع قد ميّز لهم الفرق والخلاف بينه وبينهم لآخر درجة. فأجابوه لسنا أبناء زنى، كأولاد مؤاب أبي العموريين المولودين مِن العهر والدّعارة. (تكوين 19: 36- 38). وكذلك ما هم خليطاً كالسامريين، إذ انهم ادعوا بأنّ أباهم هو الله بالذات مستندين على ما جاء في خروج 4: 22 وتثنية 32: 6 وأشعياء 63: 16. فعندما دلّهم يسوع على ان الله هو أبوه، فهنالك تجاسروا وادعوا حسب الكتب ان الله أبوهم أيضاً. وهذا كان قانون إيمانهم. فكافحوا وتألّموا مِن أجله. وبالحقيقة كانت شهادتهم كذباً وغروراً. وقد برهن لهم يسوع بجملة بسيطة خداعهم لأنفسهم. فقال: لو كان الله أباكم إذاً لأحببتموني، لأنّه محبّة وليس في ذاته دائماً. وترك سماواته العلى، وأتى إلى الدنيا. فلم يكن يسوع مستقلاً عن الأب لحظة، بل أطاعه، وكان رسوله المطيع.
وبعد ذلك سأل يسوع الجماهير: لماذا لم تفهموا لغّتي. فانّي ما تكلّمت بألسنة غريبة، بل قدّمت لكم روحي بكلمات يسوع بنفسه جواباً على سؤاله، حيث قال لأعدائه: انّكم لا تستطيعون أن تسمعوا، لأنّ في آذانكم وقرا، وقلوبكم غاشية وفي نفوسكم تحلّ روح غريبة. فما أنتم بأحرار بل عبيد. وحياتكم الروحيّة مفقودة، فأشبهتم الصمّ، الّذين لا يسمعون الدعاء.
أيّها الأخ العزيز، كيف يكون سمعك الرّوحي. أتسمع كلمة الله في قلبك؟ أو أتسمح لصوته أن ينظف ويرتب داخلك؟ أو أنت متكبر غير سامع شيئاً، لأنّ روحاً غريباً يتمركز فيك؟ أتعمل أعمال الله في قوّة الإنجيل، أو يسكنك روح شرّير فتعمل حسب أمره؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع. أشكرك لسمعي كلمتك. أغفر لي كلّ معارضة في قلبي ضدّ شهادة روحك القدّوس. خلّصني مِن عصيان نفسي، وقدّسني لكي أتبع كلمتك كما إبراهيم. وأثق بك متواضعاً. وأطلب إليك السماح لأصدقائي بالسمع الدقيق لصوتك، والقوّة لتنفيذ إرادتك.
السؤال:
12- كيف برهن يسوع لليهود انّهم ليسوا أولاد إبراهيم؟
8: 44 أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ, وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ, وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ, لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ.
يقول يسوع لكلّ النّاس الّذين لا يحبونه بكلّ صراحة، انّ إبليس هو أبوهم أجمعون. وبيَّن بهذا القول لليهود حقيقتهم، رغم انهم كانوا الشعب الّذي يعرف الله. وأظهر للناموسيين (للشريعيين)، أنّهم بعيدون كلّ البعد عن الله، لأنّ الشرّير بذاته صار والدهم.
إنّ إبليس يسبب الفوضى والاضطراب، إينما اتجه. وقصده اسقاط خليقة الله إلى الخراب والدمار، مفتشاً في كلّ أمرىء عن نقطة الضعف، ويجربه بحيلة ليسيطر عليه، ويقوده لارتكاب الخطايا. وبعدئذ يركض إلى عرش الله، متّهماً الساقط بالويل، ليحق عذاب الديان على المسكين. ما أبشع الخبيث!
وسمّى يسوع الشيطان، انّه رزمة شهوات شرّيرة. وقد سلبت إرادته للخير، وصار عبداً لذاته حاقداً على نفسه والعالمين. وفي هذا الرّوح عاش كلّ أعداء المسيح واهلكوا الآخرين وأنفسهم منقادين لشهواتهم الشرّيرة. إنّ كلّ النّاس العائشين بدون ربّهم، مجبورون أن يعملوا الشرّ الذي يلهمهم إياه إبليس. فهم منقادون بشهواته، ليكتملوا بشرّه.
ما هي شهوات الشيطان؟ إن يسوع يعلن لنا طبيعة إبليس الدنية، ويسميّه قتالاً مِن البدء. وذلك لأنّه أبغض صورة الله المجيدة في الإنسان، وأهلكها. فبتحريضه الأنام ضدّ الله، قادهم إلى موت الهلاك. فهو القاتل لكلّ النّاس. وأكثر مِن ذلك، فلقد قتل نفسه مِن قبل، لَمّا انفصل عن الله معطي الحياة. وهكذا ابتدأ فيه الموت الأبدي، الّذي لا يستطيع أن يموت. ففي يد الشرّير سلطة الموت، وقصده إبادة وقتل وإفناء كلّ الأحياء. فهكذا نرى في الحروب والأمراض وتحطّم السيارات وفي كلّ بغضة ثمار القتال الأبدي. وان سبب هذه الشراسة، إنّما هو الكذب. قد أغرى وقاد إبليس الأبوين الأوّلين بواسطة الكذب إلى عدم الإيمان وتجاوز وصيّة الله. وكذلك فانّه خدع ذاته، لَمّا كان زعيماً بين الملائكة. وتخيّل في استكباره، انّه أعظم وأجمل وأقوى مِن الله.
وهذا الغرور بالنفس هو صميم الشيطان، الّذي لا يرى حدوده، فسقط سقوطاً عظيماً. أمّا المسيح فهو عكس ذلك. لأنّه متواضع القلب ووديع النفس. ومع الأسف فانّ الإنسان يختار غرور النفس والمباهاة والاستكبار على تواضع يسوع وإنكار النفس. وهكذا ينشيء المجرب الكذّاب جيوشاً مِن الكذبة، تخرج مِن أفواههم الأكاذيب كحيّات سامة فتسمم كلّ الحياة. فليس مِن ثقة بين الواحد والآخر.
وقد قالت جدة محترمة عن أمتها: الكلّ يكذبون، ويداهن بعضهم بعضاً بابتسام، ويتباغضون بنفس الوقت. الكلّ يكرم ذاته، والتلاميذ يغشون في امتحاناتهم المدرسية، والتجّار يخدعون. وحتّى في البيوت فان الكذب يتسرّب بين الزوجين. فلا يثق إنسان بآخر. وللعجب فانّ كلّ كذّاب ليظن أنّه الصالح المستقيم لوحده!
وهذا الغرور الأشر بالذات آت بسبب عدم معرفة النّاس بالحقيقة. فالخطيئة الأصلية للشيطان كانت عدم ثباته في معرفة حقيقة الله. فعندئذ فقد المقياس واستكبر ورأى ذاته فقط. فالّذي لا يخاف الله يغبى، لأنّ رأس الحكمة مخافة الله. ومَن يمرّن نفسه في حكمة الله ووصاياه، ففيه يثبت روح التواضع والقداسة. وأمّا الحياة للإنسان بدون الله، فتصير كذباً ورياء وخداعاً. فالشيطان بذاته، خال مِن روح الله، وليس حقّ فيه مطلقاً.
فانتبه اعزّك الله! فكلّ إلهامات الشيطان كذب أصلي. وللعجب! فكثيراً ما تتضمّن تلك الأكاذيب أجزاء مِن الحقّ، ولكن بجملتها كاذبة قطعاً، ومتّجهة إلى جهنّم وبئس المصير. فكلّ الفلاسفة ومؤسسي المذاهب ومرسخي الأحزاب كذبة بالنسبة لمعنى الإنجيل، وذلك ان لم تكن حقيقة المسيح أساسهم وهدفهم. وكلّ تعليم ومبادىء خارج العهدين القديم والجديد، إنّما تتلألأ بعض المرّات بطريقة مدهشة عجيبة، وبكلمات بلاغية جذابة ساحرة. ولكنّها في الحقيقة تقود إلى الموت لا الحياة. إنّ الشيطان يظهر كلّ كذب كحقّ. وهو مضل وأبو المضلين، متكلّماً بمبالغات وتعظيم الذات والتجديف على الله.
8: 45 وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي. 46 مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيّئَةٍ. فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ, فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي. 47 اَلَّذِي مِنَ اللَّهِ يَسْمَعُ كَلاَمَ اللَّهِ. لِذَلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ, لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ اللَّهِ.
المسيح وحده يقول الحقّ، ويعلن حقيقة الله، ويكشف الإنسان في صميمه. فطوبى للذي يؤمن بكلماته. فيعرف حقيقة الكون، ويصح في فؤاده، ويصبح متواضعاً وأميناً في كلّ كلماته وأقواله. ولكن كثيراً مِن النّاس لا يقبلون بشارة الحقّ، لأنّ يسوع هو الّذي يقولها. ولو انّ رئيس حزب دنيوي أو مؤسّس دين خلاّب يقول ما قاله يسوع، إذاً لصدّقه النّاس بتسليم. ولكن لَمّا تكلّم يسوع كإنسان بسيط، رفضه النّاس جهراً، لأنّهم يريدون الأبهة والعظمة والسلطة، لا إنكار النفس.
ولقد طعن يسوع إلى صميم اليهود وسألهم: لماذا لا تؤمنون؟ أوجدتم فيَّ كذباً أو كبرياء أو عمل سوء أو ظلماً؟ لا ثم لا، فأنا أتكلّم دائماً بالحقّ واعيشه. أنا هو الحقّ المتجسّد البريء المستقيم، بلا حيلة ولا خداع. وانه لا يوجد إنسان على وجه الكرة يستطيع أن يكذّب يسوع. فهو عكس الشيطان، لا يضلّنا ولا يشتكينا عند الله، ولا يقتلنا إنّما يخلّصنا، ويحيينا ويقودنا إلى حقيقة الله. وبالنهاية نادى يسوع في شعبه المتمرّد: الّذي مِن الله، يسمع كلامه. ويعرف صوته، كما يميّز الولد صوت أبيه وأمه مِن بين الأصوات جميعها. والأم كذلك حين تسمع بكاء ولدها، تركض إليه مِن بين الجميع. وهكذا المدعوون يسمعون صوت أبيهم السماوي. أمّا الّذي لم يفهم الإنجيل البتّة، فلا يكون مِن الله. فقد يكون الإنسان متديناً وتقيّاً ومصليّاً وصائماً ومزكيّاً، ولكن رغم هذا يكون أباه إبليس، لأنّ تقوانا ما هي بمخلّصتنا بتاتاً، بل الولادة الثانية بدم المسيح. حتّى انّه يحلّ فينا روح الآب، ويثبت جوهره فينا تماماً. فمَن هو أبوك، الله أم الشيطان؟ لا تجاوب سريعاً، إن كنت ما تزال غير ثابت في الحقّ والطهارة والعفّة والمحبّة.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح. نشكرك لأنّك أعلنت لنا الحقّ عن الله وعن الخطايا وعن محبتك. اغفر لي كلّ كذب وشبهة، وحرّرني مِن كلّ بغضة وكراهية واستكبار. وانتزعني مِن روح الشيطان، لكي أنكر نفسي ولا أبقى في غرور النفس. افتح أذني وقلبي لإنجيلك، واجعلني إنساناً متواضعاً صديقاً أميناً، لكي يرى كلّ الكذابين أنّ أباك أبي المانحي حقّه.
السؤال:
13- ما هي صفات إبليس، الّتي أوضحها يسوع لنا؟
ز: المسيح كائن قبل إبراهيم
(8: 48- 59)
8: 48 فَقَالَ الْيَهُودُ, أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَناً إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ. 49 أَجَابَ يَسُوعُ, أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ, لَكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي. 50 أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي. يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ.
مزق يسوع أقنعة اليهود، وأعلن لهم أنّهم ملبوسون مِن روح إبليس، ولا يعرفون الحقّ. وعلى أثر هذا الهجوم اضطرّ الرّوح الشرّير أن يعلن ذاته وينكشف. فها هم أولاء لم يتوبوا، ولم يبكوا على قلوبهم الممتلئة بالشرّ، بل برهنوا على نفسيتهم المتعلقّة بأبي الكذب. واعترفوا أنّهم كانوا مِن زمن قد جدفوا على ولادة يسوع مِن الرّوح القدس، واغتابوه سرّاً، وسمّوه سامريّاً خليطاً، لأنّ خبر تحمس السامريين له وصل إلى أورشليم. وأغاظ اليهود العنصريين كثيراً. ولكن فريقاً كان قد عرف يسوع وأهله وعشيرته اليهودية، أخذوا يؤكّدون أنّه يهودي فعلاً. إنّما لعلّه قد ركبه شيطان واقدره على المعجزات الكبرى. ومِن هذا الحديث تعرف الرّوح الكاذب. فالملبوسون ما أدركوا حالتهم الخصوصيّة بل الصقوا بقدّوس الله انه شيطان ظانين بأنفسهم البراءة. هكذا لوى أبو الكذّابين عقلهم، حتّى ظنّوا الأبيض أسود والأسود أبيض. وجاوب المسيح هؤلاء العمي في الرّوح بكلّ هدوء، وأعلن لهم مجده قائلاً: ليس بي شيطان شرّير، بل أنا ممتليء الرّوح القدس. لا تدفعني أيّ شرارة نجسة للميل إلى الشهوات الدنيا. فأنا مفعم بالحقّ والمحبّة والطهارة. ولا أعيش لذاتي، ولست أنانيّاً، ولا أنتفخ مثلكم. إنّما أعلم لكم إسم الله الأبوي، هذه هي عبادتي العقلية، انّي أعلن لكم حقيقة الله. ولكنكم تبغضونني، لأنّي لم أخبيء عنكم أنّ الله هو أبي. وعصيانكم دلالة على أنّ الرّوح الشرّير، الّذي فيكم لا يبغي الخروج، ليحلّ مكانه روح الله. فأنتم لا تريدون أن تصبحوا أولاد القدّوس. فلهذا تجدفون علي، وتقصدون قتلي. ولكن لست زائد الحساسية، فلقد متّ عن الشوق لاكرام الذات. فلست زعلاناً مِن شتائمكم واتهاماتكم الكاذبة الخداعة، بل ها أنذا هادىء مطمئن. ولا أطلب مجدي، لأنّي ثابت أزلي في اسم الآب. وهو الّذي يدافع عني ويعتني بي ويكرمني ويحفظني ويمجّدني. وهو الّذي سيدينكم، لأنّكم لا تعرفونني ولا تقبلونني. انّ كلّ مَن يرفض المولود مِن الرّوح القدس، يسقط إلى دينونة الله. لأنّ الرّوح الشرّير، حلّ في هذا الرافض، ويمنعه مِن قبول المخلّص.
8: 51 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ. 52 فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ, الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَاناً. قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ, وَأَنْتَ تَقُولُ, إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ. 53 أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ. وَالأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟
أعلن يسوع خلاصة إنجيله، حتّى لهؤلاء الملبوسين بروح الكذب قائلاً، إنّ كلّ الّذين يسمعون كلماته ويقبلونها ويفهمونها ويتكلّمون عليها ويحفظونها في قلوبهم، ففيهم تعمل قوّة كلماته. فينالوا الحياة الأبديّة هبة، ويمشون بالقدرة الإلهيّة، ولا يموتون أبداً. الموت يكون لهم كباب إلى الله أبيهم. والخوف مِن الموت لا يتكمش بقلوبهم، لأنّهم مبصرون وجه أبيهم في كلّ حين. وهم لا يعيشون إلى الأبد بسبب صلاحهم، بل لأنّ كلمات يسوع تثبت فيهم وتعمل عملها. هل أدركت هذا المبدأ في ملكوت الله؟ فكلّ مَن لا يحفظ كلمات يسوع في قلبه ويحرّكها في دماغه مفتكراً بها، يسقط إلى الخطيئة والموت وسلطة الشيطان. إنّما حافظو الإنجيل ومحبو كلمات المسيح، يعيشون إلى الأبد. فثار اليهود عندئذ مغتاظين، وهم يصرخون: أنت شيطان. كلامك كشفك. أنت كذّاب. كلّ آباء الإيمان ماتوا. وكلّ الأنبياء القدّيسين تفتتوا في قبورهم. فكيف أنت قائل، انّ كلماتك تمنح الحياة الأبديّة لِمَن يؤمن بك؟ فهل أنت كالله الخالق أم أهم، لأنّك تمنح حياة لا يعقبها موت؟ فانك لتهذي كثيراً، وتجن جنوناً، وتلتبس التباساً. فكيف إذا يخطر على بالك، انّك أفضل مِن إبراهيم وموسى وداود؟ لقد تألهت زوراً. فأنت مجدف وكافر وشيطان متجسّد غروراً.
8: 54 أَجَابَ يَسُوعُ, إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئاً. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي, الَّذِي تَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُ إِلَهُكُمْ, 55 وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَأَعْرِفُهُ. وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُهُ أَكُونُ مِثْلَكُمْ كَاذِباً, لَكِنِّي أَعْرِفُهُ وَأَحْفَظُ قَوْلَهُ.
وجاوب يسوع الملبوسين بالأرواح مرّة أخرى بهدوء. وأعلن لهم جوهره بدقّة أكثر، لأنّ المسيح لم يطلب مجداً لنفسه، لأنّه مجيد دائماً في ذاته. ولا يحتاج إلى تصفيق المصفقين. فلو لا انه جمع لنفسه اكراماً، إذا لدلّ ذلك على نقصانه وعدم كماله. فإنّ الله نفسه يضمن كرامة ابنه، لأنّه حالّ فيه، وبواسطته يعلن أبوته جهراً. نعم انّ اليهود ادعوا انّ القادر على كلّ شيء الههم. ولكنّهم بالحقيقة ما عرفوه حقّاً. وأبوهم كان الشيطان المخبيء نفسه خلف “اسم الله” بهتاناً، مستخدماً هذا الاسم الفريد قناعاً. فهم تظاهروا بالتقوى، وبالحقيقة كانوا خالين مِن المحبّة بتاتاً. فمَن يعرف الله الحقّ، يحبّ كما أحبّه الله حبّاً جماً. لذلك فادعاء أيّ دين انّه متمسّك باسم الله لا يدلّ على صحّة هذا المذهب، لأنّ المعتقد كلّه يكون خاطئاً، ان لم يدرك الله أباً لربّنا يسوع المسيح. فلا إله إلاّ الآب والابن والرّوح القدس. وكلّ الصفات والاسماء الأخرى عن جوهر الله، الّتي تلوكها الأديان الأخرى، ما هي إلاّ معارف ابتدائية. فحقيقة الله إنّما هي وحدة الثالوث. وهكذا باشر يسوع اليهود، قائلاً لهم : لستم تعرفونه. فحياتكم وأفكاركم مبنية على الكذب. أنتم عمي لحقيقة الله. وبنفس الوقت قال يسوع، انّه يعرف الازلي حقّاً. ولولا شهادته بأبوته إذا، لكان كاذباً كسائر الكاذبين، الّذين لم يعرفوا وحدة الثالوث البتّة. أمّا المسيح، فأعلن لهم صورة الله الحقّة.
8: 56 أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ. 57 فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ, لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ, أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ. 58 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ. 59 فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا.
بعدما قال يسوع لليهود، انّهم لا يعرفون الاله الحقيقي، وان القوّة الدافعة في تقواهم ليست إلاّ الشيطان، أكمل قوله معلناً لهم أبديته جهراً، لكي يقبلوه أو يرفضوه نهائيّاً. وهكذا أعلن لهم ألوهيته في مثل أبيهم إبراهيم القدوة في الإيمان. وبهذا أخبرنا يسوع أنّ إبراهيم حيّ عند الله. وانّه فرح وتهلّل بصوت عظيم، لَمّا رأى يوم تجسّد المسيح، لأنّ به كان الوعد لإبراهيم، انّ بنسله ستتبارك كلّ شعوب الأرض. فليس أبونا السماوي هو إله أموات بل إله أحياء. فإبراهيم واسحق ويعقوب، يعيشون عنده، منشجمين بطريق المسيح نحو الصليب. وعند استماع هذا القول، اندهش اليهود متمتمين: أأنت شاب تقول: انّك قد رأيت إبراهيم الّذي عاش قبل ألفي سنة. فانك بذلك لمريض العقل أو متمرّس باحضار الأموات الكذبة، وتضلّ نفسك ضلالاً مرّاً.
فأجابهم يسوع بالجملة الملوكية: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن. وأثبت شهادته هذه بالقول: الحقّ الحقّ أقول لكم، لكي يدركوا انّه الإله الأزلي، كما أنّ أباه أزلي. فقبل هذه الشهادة كان يوحنّا المعمدان معلناً أبدية المسيح. فلم تدرك الجماهير هذه الحقيقة، ولم يؤمنوا انّ إنساناً بجسد فان، لهو الإله الأزلي قطعاً.
فاعتبروا شهادة المسيح تجديفاً وتعديّاً على الله، وتعظماً مستحيلاً. حتّى انّهم ما انتظروا جلسة المحاكمة، بل رفعوا رأساً حجارة ليرجموا المسيح. فاقتلعوا البلاط مِن صحن الهيكل، ورفعوها فوق رؤوسهم ليقتلوه. وعندما أوشكوا القاءها عليه اختفى مِن وسطهم. ولا نعرف كيف انملس مِن بينهم. فساعته لم تكن أتت بعد. فخرج مِن باب الهيكل خروجاً إلى حين.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع. نسجد لك، لأنّك إله أزلي، أمين صادق، ممتليء المحبّة. لا تطلب مجداً لذاتك، بل تكرم أباك وحده. حرّرنا مِن كلّ كبرياء وشبه كبرياء، لكيلا نسقط في خطيئة الشيطان. وساعدنا أن نقدّس دائماً اسم أبينا السماوي، وننال بالإيمان فيك الحياة الأبديّة.
السؤال:
14- لِمَ أراد اليهود رجم يسوع؟
- شفاء المولود أعمى
رمزاً لكلّ العمى الرّوحي
(9: 1- 12)
أ: الشفاء يوم السبت
9: 1وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَاناً أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ, 2 فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ, يَا مُعَلِّمُ, مَنْ أَخْطَأَ, هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى. 3 أَجَابَ يَسُوعُ, لاَ هَذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ, لَكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللَّهِ فِيهِ. 4 يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. 5 مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ.
لم يهرب يسوع مهرولاً مِن أعدائه، الّذين حاولوا رجمه، بل لاحظ وسط هذا الموقف المروع ضيق أخيه الإنسان. فالمسيح هو المحبّة بالذّات الغافرة المخلّصة المباركة. وتلاميذه رأوا الرجل الأعمى أيضاً، ولكنّهم لم يرثوا له، بل فكّروا بالذنب، الّذي ربّما سبب مرضه، إذ انّ أكثر النّاس كانوا قديماً يظنّون أنّ وراء كلّ مرض خطيئة ما، وأنّه يأتي قصاصاً مِن الله. افلأن هذا الرجل وُلد أعمى يحقّ القول أن الله ظلمه؟! لم يوضح يسوع سبب المرض البتّة ولم يبريء الوالدين والشاب ابراء رسميّاً، بل رأى في ضيق هذا الإنسان فرصة لعمل الله. فلم يدع الرّبّ تلاميذه ان يدينوا المسكين، ويتفلسفوا عن سبب عميه، إنّما دفعهم للنظر إلى الأمام، وأراهم هدف مشيئة الله: الخلاص والشفاء وغلبة الضيق مع أسبابه أيضاً.
فقال يسوع: ينبغي أن أعمل. ان محبّته دفعته. فلم يشأ أن يدين ويهلك ويبيد، بل صارت فيه رغبة للشفاء والمحبّة والحنان. ففي هذا يظهر لنا قلبه الفادي في صميمه واعتقاده وأهدافه. ان يسوع هو مخلّص العالم ويريد إنشاء كلّ النّاس في حياة إلهية.
ونسمع بنفس الوقت مِن فم يسوع الكلمات الأخرى: لست قائماً بأعمالي، ولا أعمل باسمي الخاص ولا مِن قدرتي الذاتية، لكنّي أقوم بأعمال أبي وباسمه، في انسجام معه. وهكذا سمّى أعماله أعمال أبيه. فهل تشعر بالضرورة لتنفيذ أعمال أبيك السماوي؟ أو هل تقوم بأعمالك الخاصّة، ممجداً ذاتك؟ ورأى يسوع أنّ الوقت قصير، وموته مقبل عليه. فليلة غضب الله على خطايا النّاس كانت هاجمة. ورغم هذا وقف وسط هربه، وخلّص المريض. وكان يسوع دائماً نور العالم، وأراد إنارة المكفوف بنور حياته. وعلم يسوع أن لإمكانياته حدوداً، لأنّه ستأتي ليلة حين لا يقدر هو ولا أيّ قدّيس أن يعمل شيئاً. فما دام النهار والفرصة للتبشير، فلنشهد باسمه، ونعلن انه الشمس المشرقة، لأنّ الظلمة تزداد. وليس رجاء أفضل لعالمنا الشرّير المكتظ بالنسل الجائع إلاّ مجيء المسيح الثاني. فمَن يمهد طريقه؟
9: 6 قَالَ هَذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. 7 وَقَالَ لَهُ, اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ. الَّذِي تَفْسِيرُهُ مُرْسَلٌ. فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيراً.
حقّق يسوع عجائبه في السابق بقدرة كلمته فقط. ولكن أمام العمى، فقد تفل على الأرض بصوت، وصنع مِن التراب طيناً وطلا بالمزيج عيني المكفوف. ولم نعلم لماذا صنع يسوع هكذا. لربّما كان سماع الأعمى تفلة يسوع وشعوره بطلاء الطين على محجريه مساعدا لإنشاء الإيمان فيه؟ وربّما أراد يسوع أن يرى المسكين، انّه بلعابه منحه شيئاً مِن أحشائه ليساعده؟ فلقد فكّر يسوع بالمسكين، وشعر بشعوره. والتقى به على النمط الأفضل ليقوده إلى الشفاء. وللعجب فان الأعمى، لم تنفتح عيناه رأساً، بل توجب عليه قطع الطريق الطويل إلى أسفل الوادي، ليغسل ذاته هناك في بركة سلوام. واسم هذه البركة يعني ” المرسل”، رمزاً انّ يسوع إنّما شفى هذا الأعمى ليرسله مثلاً إلى شعبه، ليدركوا حالتهم السيئة، انّهم مولودون عمياناً بالذنوب والخطايا، ومحتاجون لقبول شفاء المسيح وخلاصه. وقد قبل الأعمى وعد يسوع مؤمناً، ووثق بمحبّته، وأطاع أمره رأساً. ومشي متمهلاً والتساؤل في قلبه. ولكنّه ذهب، وغسل عينيه وشفي. وفجأة رأى وللمرّة الأولى النّاس والماء والنّور، ويديه والسماء. وذلك رآه بدهشة وتعجّب. ولعلّ حنجرته قد انفجرت بصرخة حمد، وتهلّل لرحمة الله.
9: 8 فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلاً أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى, قَالُوا, أَلَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي. 9 آخَرُونَ قَالُوا, هَذَا هُوَ. وَآخَرُونَ, إِنَّهُ يُشْبِهُهُ. وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ, إِنِّي أَنَا هُوَ. 10 فَقَالُوا لَهُ, كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ. 11 أَجَابَ, إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِيناً وَطَلَى عَيْنَيَّ, وَقَالَ لِي, اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ. 12 فَقَالُوا لَهُ, أَيْنَ ذَاكَ. قَالَ, لاَ أَعْلَمُ.
لم يبق الأعجوبة مجهولة، لأنّ الجيران رأوا المشفي وتعجّبوا جداً. والبعض لم يصدّقوا أن الماشي المنتصب هو نفسه، الّذي كان يمشي بحذر وتلمس، مقوداً بيد أحد المارين. وقد شهد بصراحة انه هو نفسه ذلك الأعمى الّذي صار مشفيّاً. ولم تدخل هذه الأعجوبة إلى رؤوس النّاس، فاستفهموا بدقّة عن كيفية الشفاء. ولم يسألوا مَن شفاه، بل كيف تمّ فتح عينيه؟ والمشفى سمّى مخلّصه إنساناً اسمه يسوع. وما عرف عنه أكثر مِن ذلك. ولم يدرك الوهيته، بل رآه إنساناً، صنع طيناً مِن التراب والريق ووضع المزيج على عينيه. وأمره أن يغتسل فأبصر. عند ذلك ألحّ عليه جواسيس المجلس الأعلى وسألوه: أين هذا الإنسان يسوع؟ فقال الشاب: لا أدري. أنا كنت أعمى ومريضاً. ولم يطلب منّي مالاً ولا كلمة شكر. فنزلت إلى النبع، وهاأنذا مبصر. لا أعرف مَن هو ولا أين هو مخلّصي.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ يسوع، لأنّك لم تمر عن الأعمى، بل فتحت عينيه. وجعلته رمزاً لكلّ المولودين في الذنوب والالحاد، الظانين انهم مبصروك، وهم بالحقيقة لا يعرفونك. امسح أعيننا بروحك القدّوس لنرى نورك، ونعترف باسمك فرحين.
السؤال:
15- لِمَ شفى يسوع المولود أعمى؟
ب- استجواب اليهود للمشفي
(9: 13- 34)
9: 13 فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى. 14 وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. 15 فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضاً كَيْفَ أَبْصَرَ, فَقَالَ لَهُمْ, وَضَعَ طِيناً عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ, فَأَنَا أُبْصِرُ.
كانت الحياة اليهودية سجناً في ناموسية الشريعة. فلم ينظروا إلى فرح الشفاء بمقدار خرق الراحة في السبت. فجلب الجيران والجواسيس المشفي إلى الفريسيين، ليقرّروا إن كان الشفاء مِن الله أو بقوّة شيطانية. فابتدأ استجواب وبحث طويل عن يسوع بهذا التحقيق فوصف الشاب المشفي بطريقة عملية، كيف تمّ له الشفاء. ولخص كلامه مقتضباً أكثر مما اعترف به لجيرانه، لأنّ فرح شفائه داخله ونغصه حقد أعداء يسوع.
9: 16 فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ, هَذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ, لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ. آخَرُونَ قَالُوا, كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هَذِهِ الآيَاتِ. وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. 17 قَالُوا أَيْضاً لِلأَعْمَى, مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ. فَقَالَ, إِنَّهُ نَبِيٌّ.
بعد شهادة الشاب نشب البحث بين الناموسيين (الشريعيين). فبعضهم قال انّ كلّ شيء جلي، فيسوع ليس له قوّة مِن الله، لأنّه كسر راحة السبت. وهكذا حكموا على الرحمن بمنطقهم الناموسي (الشريعي). أمّا الآخرون، ففكّروا بالعلاقة بين ذنب المولود أعمى وشفائه وتحليله مِن خطاياه. وقالوا ان لهذا الشفاء معنى أعمق، لأنّه متعلّق بقدرة الله الغفورة. فمستحيل أن يكون يسوع خاطئاً، لأنّه غفر الذنب سبب الضيق.
فلم يتفق الفريقان على حلّ. وانتصب خصام كبير. فكلّهم كانوا عمياناً روحيّاً، كما كثير مِن النّاس في زمننا الّذين يتباحثون عن يسوع بسطحية وتفاهة. وبعدئذ جلبوا الشاب المشفي ليستفهموا منه، إن كان يسوع قد قال شيئاً ما زيادة على ما أخبرهم، وما هو شعوره بالنسبة ليسوع الغريب؟ وهذا الاستجواب دليل نافع لِمَن لا يعرف شيئاً عن يسوع. فخير لهم أن يستخبروا مِن مولودين وُلدوا ثانية، لأنّهم يعرفونهم عن التحرير مِن الخطيئة وغضب الله والبصيرة الجديدة بأبوّة القدّوس. فلا نرى الله إلاّ بواسطة ولادتنا الرّوحية.
وأخذ هذا المشفي يفكّر: مَن هو يسوع؟ وقارنه في ذاكراته مع رجال الله في تاريخ شعبه. ومما لا ريب فيه انّه في ذلك التاريخ العبري حدثت عجائب عظيمة متنوعة. ولكن لم يحصل انّه استطاع واحد مِن أولئك الرجال أن يشفي مولوداً أعمى. فمِن عمل يسوع يظهر لكلّ إنسان مفكّر اعتيادي انّ ها هنا مخلّص فريد. وهكذا سمّى الشاب المشفي يسوع نبيّاً، لا يعرف المستقبل فقط بل يعمل في الحاضر بقوّة الله، ويكشف القلوب ويعبّر عن مشيئة القدّوس.
9: 18 فَلَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ. 19 فَسَأَلُوهُمَا, أَهَذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ. 20 أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ, نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا ابْنُنَا وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى, 21 وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ. 22 قَالَ أَبَوَاهُ هَذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ, لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ. 23 لِذَلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ, إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ, اسْأَلُوهُ.
ما أراد الفريسيون أن يخضعوا لمنطق المقارنة مع العهد القديم بخصوص المعجزات الّتي عملها يسوع. ولم يؤمنوا به نبيّاً أو آتيّاً مِن الله، لأنّهم لو انصاعوا لذلك، فسيكون موقفهم كلّه خاطئاً وسيكونون مِن الملامين. فخطر على بالهم المنطق الكاذب، انّ الشفاء كلّه وهم. وانّ الشاب لم يكن أعمى البتّة. وكانوا مستعدين لكلّ تخيلّ مستحيل ليبعدوا الفكر عن امكان حدوث المعجزة على يد يسوع، لأنّه كان مستحيلاً لهم، أن يقدر إنسان ما على شفاء إنسان آخر، مولود أعمى، مرتبط بذنوب أبوية وأجداده مِن قبل ولادته.
فأحضروا والديه الّذين سمعا ان ابنهما قد وقع في مشكلة واستجواب مع بوليس الآداب، لأجل حادثة شفائه. ولم يتكلّم الوالدان إلاّ بحذر، خوفاً مِن الفريسيين. وانكروا كا ما قاله لهما ابنهما مِن قبل. فسحبا أيديهما مِن ولدهما، حتّى لا يتورطا في أزمة مع خصوم يسوع. وهكذا جعلا ابنهما المشفي مسؤولاً عن ذاته، لأنّ خطر الطرد مِن المجمع كان كبيراً، ويعني العزل مِن المجتمع كالبرص، وعدم البيع وعدم الشراء، وعدم الحقوق المدنية وعدم الزواج والاحترام فقد وصلت بغضة اليهود ليسوع إلى هذا الحد، انّهم لا يريدون اهلاكه شخصيّاً فقط، بل كلّ أتباعه أيضاً. وهكذا أرادوا اقتلاع حركته مِن شلوشها.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع. نشكرك لأنّك سلطان الله المتجسّد. ونطلب إليك أن تحفظنا، لكيلا نحب في ساعة الاضطهاد امننا وراحتنا أكثر مِن اسمك. قدنا إلى انكار النفس والشجاعة والأمانة، لنفصل الموت على أن نتركك أو ننكرك أو نهملك.
السؤال:
16- لِمَ لم يؤمن اليهود بامكانية شفاء المولود أعمى الّذي شفاه يسوع؟
9: 24 فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى, وَقَالُوا لَهُ, أَعْطِ مَجْداً لِلَّهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ. 25 فَأَجَابَ, أَخَاطِئٌ هُوَ. لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئاً وَاحِداً, أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ.
حاول الفريسيون بكلّ جهودهم أن يجدوا نقطة ضعف في يسوع، ليحكموا عليه بشبه الحقّ. فأحضروا المشفي مرّة أخرى، واستحلفوه باسم الله أن يقول ضدّ يسوع أيّ اتهام. وادعوا باعتداد وغرور انّهم كفقهاء عالمون بانّ يسوع خاطيء، وليسوا بطالبين إلاّ البرهان على ذلك. وأرادوا اخضاع هذا المشفي الجاهل لضغطهم، ليوافق على ادانة يسوع، ويعترف انّ شفاءه ليس تمجيداً للناصري. والفريسيون في فكرهم الناموسي (الشريعي) واكرام الذات وصلوا في بغضتهم يسوع إلى درجة أنّهم لا يطلبوزن الحقّ بل يلدونه، ليبرهنوا موقفهم بالكذب الصراح. فجاوب المشفي بحكمة.لست عالماً إن كان يسوع خاطئاً. هذا الله وحده يعلمه. وأنا ما رأيت يسوع، وما أعرفه البتّة. لكنّي أعلم شيئاً واحداً، انّي كنت أعمى والآن أبصر. وهذه الحقيقة غير قابلة للانكار. وهي تعني عجيبة وقوّة إلهية ونعمة الغفران. فقول الشاب هو شهادة ألوف المؤمنين، الّذين لا يعرفون أسرار السماء وجهنّم، بل قد حصلوا على الولادة الثانية. فيعترف كلّ منهم بكلّ تواضع: انّي كنت أعمى والآن أبصر.
9: 26 فَقَالُوا لَهُ أَيْضاً, مَاذَا صَنَعَ بِكَ. كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ. 27 أَجَابَهُمْ, قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضاً. أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ.
لم يكتف الفريسيون بأجوبة الشاب بل قدحوا فيه، وحاولوا اسقاطه بالتناقض في أقواله، فطلبوا منه مرّة أخرى رواية عن عملية الشفاء. فغضب هذا وسألهم بحدّة، ان كانوا لم يفهموه مِن المرّة الأولى؟ لأنّه وصف حادثة وقعت وليس آراء فلسفية. ونكاية واستهزاء بهم قال لهم: أفتريدون سماع القصّة ثانية لتصيروا تلاميذه وتؤمنوا به؟
9: 28 فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا, أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ, وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى. 29 نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ, وَأَمَّا هَذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ. 30 أَجَابَ الرَّجُلُ, إِنَّ فِي هَذَا عَجَباً. إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ, وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. 31 وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللَّهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ فَلِهَذَا يَسْمَعُ. 32 مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَداً فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. 33 لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنَ اللَّهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئاً. 34 قَالُوا لَهُ, فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ, وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا. فَأَخْرَجُوهُ خَارِجاً.
بعد أن هزأ الشاب بالكتبة والعلماء، صرخوا فيه وشتموه لاعنين وقائلين: لسنا نحن بل أنت تلميذ ذاك المضل. نحن تابعو موسى، فهو كليم الله. ومتأكّدون مِن هذا كلّ التأكّد. وكان يسوع قد أخبرهم سابقاً انّهم لو كانوا مدركين موسى حقّاً، لاستمعوا إلى كلامه أيضاً وفهموه. ولكنّهم إذ لووا كلام موسى وجعلوه طريقة للتبرير الذاتي، فانّهم لا يفهمون يسوع كذلك. ولا يقدرون على تمييز الرّوح، الّذي يتكلّم منه. فالناصري كان غريباً عليهم. فأفكاره لا تنطبق على أنظمتهم، وكلامه غلبهم بقوّة حجته. فكان رهيباً غامضاً.
عند ذاك جاوبهم الرجل، الّذي كان أعمى: لا أفهمكم. طبيعي ومنطقي انّ الّذي يفتح عيني المولود أعمى له قوّة خالقه. فهو قويّ وقدير. وفي لطفه لم يلمني، ولم يطلب منّي مالاً، بل قدّم لي خدمة المحبّة مجاناً. ولم ينتظرني حتّى أراه وأشكره وأسجد له. ولم يظهر فيه أي نقص أو عيب. واعترف الشاب مِن بعدئذ: انّ كلّ عضو في العهد القديم يعلم منذ طفوليته، ان الله لا يستجيب صلوات المستكبرين، لأنّه حيث تقف خطيئة ما بين الإنسان وربّه، فانّها تمنع البركة. ولكن الّذي ينكسر أمام القدّوس، معترفاً بخطاياه، طالباً الإيمان والمحبّة، ومقدّماً الشكر والتسليم، فلهذا التائب يتكلّم الله شخصيّاً.
كلّكم لم تقدروا أن تفتحوا عيني. ولم يكن إنسان قادراً على هذا. لأنّ كلّ النّاس خطاة إلاّ يسوع هذا. فقدر أن يشفيني. وهذا برهان انه بلا خطيئة. فالله نفسه حلّ فيه، وبدونه لا يقدر أن يعمل شيئاً. فالتفكير بيسوع المفروض على الشاب أثناء الاستجواب، أصبح فيه سبباً لمعرفة يسوع وبراءته ومصدره الإلهي. عندئذ لعنه الأتقياء الأبرار، ونظراً لولادته أعمى شتموه قائلين: ليس أنجس منك، ووالداك نجسان أيضاً. وقد ظهر فسادك مِن عميك. وللأسف فانّ هؤلاء الأتقياء لم يدركوا انّهم أكثر عمى مِن ذلك المسكين. وانّ يسوع استخدم المشفي كمرسل عنه إليهم، ليريهم عميهم ونجاساتهم الأصلية، ويوضح لهم ماذا يريد أن يعمل منهم. لكنّهم لم يستعدوا لقبول تعليم المسيح مِن فم المشفي، فأخرجوه بعنف مِن الكنيس. وهذا الطرد تمّ أوّلاً مِن غرفة الاستجواب إلى الطريق العام. وثانيّاً معنويّاً، حيث أسقط هذا العضو مِن مجتمعه، إذ سمّوه تلميذ يسوع. فأصبح في ذات اليوم مشفيّاً ومطروداً مِن أمّته، دلالة على روح الشعب، الّذي لا يقدر على احتمال روح المسيح.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع علمنا براءتك وطهارتك ومصدرك، لكي نشهد لك ونصبح تلاميذك. ساعدني للأمانة في الشهادة والاعتراف الحقّ بالحكمة، أمام أعدائك لكيلا ننكر اسمك، بل نخدمك ونحمدك حتّى ولو أبغضنا النّاس وطردونا.
السؤال:
17- ما الّذي أدركه الشاب تدريجيّاً أثناء استجوابه؟
ج- يسوع يعلن نفسه للمشفي كابن الله
(9: 35- 41)
9: 35 فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجاً, فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ, أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللَّهِ. 36 أَجَابَ, مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ. 37 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ, قَدْ رَأَيْتَهُ, وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ. 38 فَقَالَ, أُومِنُ يَا سَيِّدُ. وَسَجَدَ لَهُ.
قرأنا في هذه الآيات قصة معزية. سمع يسوع بحادثة طرد المشفي مِن الكنيس والأمة، فلم يتركه لوحده في البؤس، بل قام وطلبه، حتّى وجده. هذه هي التعزية لكلّ مؤمن بالمسيح، الّذي انفصل عنه أقرباؤه وأصدقاؤه لأجل الإيمان. وإن كنت في مثل هذه الحالة فإنّنا نؤكّد لك، أن يسوع يسمع صرخات قلبك، ويطلبك ويأتي إليك شخصيّاً. ويكون قريباً منك. ولا يتركك أبداً. لا تنظر للناس وإلاّ فانك تيأس، بل أنظر إلى يسوع وحده. فليس لك رجاء في الدنيا والآخرة إلاّ هو. فهو يحبّك.
وبعدئذ سأل يسوع الشاب سؤال الحياة القاطع: اتؤمن بابن الله، الّذي هو ابن الإنسان؟ وبهذا السؤال بيَّنَ يسوع أن الأعمى السابق كان يحفظ أجزاء كبيرة مِن الكتاب المقدّس غيباً، وانّه علم مِن سفر دانيال (7: 13- 14) انّ ابن الإنسان هو قاضي العالمين وابن الله المسيح في نفس الوقت. ولكن لم يقصد يسوع بسؤاله امتحان معلوماته، بل سأله إن كان يريد أن يخضع في الزمن والأبد لسلطان ومجد ابن الله ولا يفارقه.
والأعمى سابقاً بحساسيته الدقيقة، شعر رأساً أنّ يسوع المتكلّم، ما كان إنساناً اعتياديّاً. فخاطبه حسب النص اليوناني بكلمة يا ربّ. إنّما أحبّ أن يتأكّد أكثر مَن هو ابن الله، لكيلا يسجد لمجرد إنسان ولا يكفر بإيمانه ويتعلق بفان. عندئذ منحه يسوع الجواب المجيد: قد رأيته قبلاً في أعين قلبك بالإيمان، قبل أن تراه بعينيك، انّي أنا هو. المتكلّم معك هو ابن الله. فلم يتأخّر الشاب عند ذلك على تسليم نفسه كاملاً ليسوع، وسجد له كأنه يقول بهذا السجود: يا رب ضع رجلك في عنقي. أنا خاصتّك وأنت ملكي ومالكي وربّي. وأنا تحت تصرفك. أنت المحبّة المتجسّدة. لك استسلم طوعاً. ومِن الآن لا أكون لذاتي بل عبد لطفك. أيّها الأخ، هل أدركت في يسوع ابن الله في هيئة الإنسان؟ وهل ارتبطت به مؤمناً بالزمن والأبد؟ وهل سجدت له وأصبحت عبد لطفه؟ هلا أبصرته أو ما تزال أعمى؟!
9: 39 فَقَالَ يَسُوعُ, لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ, حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ. 40 فَسَمِعَ هَذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ, وَقَالُوا لَهُ, أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضاً عُمْيَانٌ. 41 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَاناً لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّئةٌ. وَلَكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ, فَخَطِيَّئتُكُمْ بَاقِيَةٌ.
لَمّا سجد المشفي عند قدمي يسوع، لم يمنعه الربّ مِن السجود له، لأنّه مستحق كلّ الأكرام والمجد. ولكن بمرارة كبيرة اعترف يسوع أنّ مجيئه يجلب الدينونة على المتكبرين وعلى الأتقياء الظانين أنهم مبصرون، وهم لا يدركونه. بينما قد أدركه العميان والخطاة فتابوا، والزناة فتطهّروا. ويسوع لم يدن الغير التائبين، بل هم دانوا أنفسهم، لأنّهم ما قبلوا بإيمان خلاص ابن الله. لقد حصلوا في الماضي على قليل مِن النّور بواسطة الأنبياء ودلائل التوراة على المسيح. ولكنّهم إذ عارضوا عمداً كرازة يسوع، فسيفقدون بقية النّور الّذي حصلوا عليه، ويصبحون عمياناً متقسين عنيدين متزمتين حاقدين قاتلين. فلمجيء المسيح وكرازة الإنجيل دائماً فعلان: خلاص ودينونة، فداء وتقس، بركة ولعنة. فما هي نتيجة الإنجيل في قلبك؟
واكن بين المستمعين ليسوع فريسيون، وهؤلاء شعروا رأساً أنّ يسوع قصدهم بقوله. فسألوه برياء: أنحن عميان؟ فطعن يسوع رياءهم بقوّة فقال: لو اعتبرتم أنفسكم عمياناً وتألّمتم مِن حالتكم الرّوحية، إذا لتبتم واعترفتم بخطاياكم عند المعمدان وابتعدتم عن خطاياكم، فنلتم غفراناً وخلاصاً وبركة. ولكنكم تظنّون في أنفسكم وتقولون أنكن راؤون الله، وفاهمون كلّ شيء، وانّكم صالحون. ولكنكم بهذا التباهي تبرهنون انّكم بالحقّ عميان متقسون غير تائبين، ولا نائلي غفران الخطايا. فتغترون غروراً كبيراً. ولا تحصلون على شعاع واحد مِن النّور الإلهي.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع. أنت ابن الله في هيئة الإنسان. نسجد لك ونستسلم إليك زمناً وأبداً. نحن تحت تصرفك بوقتنا وأموالنا. ونعترف أنّنا خطاة بالدموع، وغير مستحقين الخدمة لك. ونلتمس منك الغفران وتقديس قلوبنا، لكيلا تفصلنا خطيئة صغيرة عن حضورك. ونطلب إليك فتح أعين النّاس حولنا عمليّاً، ليروا أنّهم مِن طبيعتهم عميان كما كنا نحن، ويروك بنعمتك ويثبتوا في لطفك.
السؤال: 18- ماذا يعني السجود ليسوع؟
- المسيح يدعو أتباعه مِن الرعاة
المخطئين ليقبلوا إليه
(10: 1- 39)
أرشد المسيح أعداءه حسب الاصحاحين 7 و 8 إلى إظهار حقيقتهم. وأعلن لهم في الاصحاح 9 عميهم عن معرفة الله وابنه وأنفسهم. وفي العاشر يستخلص شعبه رويداً رويداً مِن مسؤولية اتباع رؤسائهم الخطاة ويدعوهم إليه، هو الراعي الصالح والباب الوحيد المؤدّي إلى الله.
- الخراف تسمع صوت الرّاعي الحقّ
(10: 1- 6)
10: 1 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّ الَّذِي لاَ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ إِلَى حَظِيرَةِ الْخِرَافِ, بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ, فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ. 2 وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ فَهُوَ رَاعِي الْخِرَافِ. 3 لِهَذَا يَفْتَحُ الْبَوَّابُ, وَالْخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ, فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا. 4 وَمَتَى أَخْرَجَ خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ يَذْهَبُ أَمَامَهَا, وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ, لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. 5 وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ, لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ. 6 هَذَا الْمَثَلُ قَالَهُ لَهُمْ يَسُوعُ, وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُمْ بِهِ.
في بعض القرى يجمع الفلاحون خرافهم في حوش كبير، ويحرسونها معاً ليلاً. وفي الصباح يأتي أصحابها المختلفون أو رعاتها المفوضون، ويدخلون إلى الحوش داعين خرافهم. والحرّاس يسمحون لهم بالدخول،لأنّ لهم حق بذلك. وعندئذ يحدث أمر غريب. فالرعاة لا يجرّ كلّ واحد منهم خرافه جراً مِن الحوش المزدحم، بل يدعوها بأصوات معينة. وهي تميّز صوته عن غيره مِن الرعاة وتتبعه. وحتّى لو لبس الراعي المالك لها لباساً غريباً، فأنّها مِن صوته تتبعه. بينما لو جاء راع مزيف، ولبس لباس مالكها، فانّه لا يستطيع تحريك غنمة واحدة بصوته، لأنّ الرعية تتبع الصوت الحقّ للراعي الحقّ. فبدعائه يقود خاصّته للمراعي الخضراء والمياه المريحة. وكلّ خرافه تزدحم وراءه، ولا يبقى منها واحدة في الحوش، لأنّ ثقتها براعيها كبيرة وطبيعية.
وقد استخدم يسوع هذا المثل ليرينا، كيف أنّ كلّ مستعد يسمع صوته. فالمسيح هو الراعي الإلهي. ولم يأت إلى شعب العهد القديم ليخطف أو ليسرق خرافاً لذاته، بل اختار خاصة الله مِن بينهم ودعاهم إليه، وخلصهم معطيّاً لهم الغذاء الرّوحي باستمرار. وأمّا الرعاة الّذين لم يفتح الله بالذات لهم الباب لشعبه، فيشبهون لصوصاً يحومون حول رعية الله كذئاب خاطفة، ويدخلون إليها بواسطة وسطاء وحيل، ويخطفون الخراف لأنفسهم، ويفترسونها لمصلحتهم. انّهم يعيشون لذاتهم، ويكرمون شخصيتهم، ولا يخدمون الرعية حقّاً. فكلّ الرعاة والخدّام في الكنائس الّذين لم يدعهم الله شخصيّاً للخدمة ولم يثبتوا في المسيح حقّاً، يسميهم ربّنا لصوصاً وخطفة، يضرون أكثر مما يبنون. والمسيح أنبأ مسبقاً أنّ خرافه الحقّة ستهرب مِن الرعاة الغرباء الأشرار، وينفصلون تلقائيّاً ويشمّون الخطر مسبقاً.
بهذه الدعوة طلب يسوع مِن شعبه الابتعاد عن الرعاة المزيفين، وان يؤمنوا بالوعد العظيم انّ الله بنفسه سيعتني برعيته ويرعاها كما صلّوا جميع المخلّصين بالمزمور 23.
ولكن الشعب لم يفقه كلام يسوع، ولم يدركوا أنّ رعاتهم غير أمناء وغير قادرين وأشرار (أرميا 2: 8 و 10: 21 وحزقيال 34: 1- 10 وزكريا 11: 4- 6). ورغم هذا فالله كان مستعداً، أن يكون الراعي الصالح للضالين، ليرعى شعبه، بارساله إليهم رعاة مخلّصين، مثلما كان موسى وداود رعاة مرسلين مِن الله. فالكتاب المقدّس مبني على التقاليد البدوية أكثر مما ندرك عادة، لأن الكلمات راع ورعية والخروف الضال وحمل الله، وحتّى الفداء بسفك الدم، كلّها معان آتية مِن أفكار الرعاة. والله نفسه في ابنه يسمّي ذاته الراعي الصالح، ليفهمنا جوهره المعتني بنا.
OSOSOSOSOSOSOSOSO
ب- يسوع هو الباب الحقّ
(10: 7- 10)
10: 7 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. 8 جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ, وَلَكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. 9 أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعىً. 10 اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ, وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ.
سمّى المسيح نفسه الباب المؤدي إلى رعية الله. فلا طريق إلى شركة المخلّصين في حوش الكنيسة إلاّ بالمسيح. فمَن يحاول أن يجعل إنساناً متديناً بلا يسوع، يشبه السارق المهلك، الّذي يورط أذهان خراف الله بالبدع. والرّوح القدس لا يقودنا بطرق متشعبة إلى خرافه، بل مِن الباب الضيّق الّذي هو المسيح بالذات. فمَن لا يدخل به، ولا يأكل جسده ويشرب دمه، فليس له حق أن يخدم أولاد الله. طبعاً فانّ كلّ إنسان لا يستطيع أن يدخل بغيره ويمر منه. فنقول بهذا انّ المثل الّذي ضربه يسوع إنّما هو روحي. وعلينا أن نموت لاكتفائنا بأنفسنا وندخل إلى رحاب المسيح. عندئذ نخصّ رعويته.
وكلّ الكبراء في العالم، الّذين أتوا قبل المسيح وبعده ولم يعيشوا في روحه القدّوس، وما تنبأوا عن مجيء الراعي الصالح، هم سرّاق خداعون. ويسوع يقول بكلّ وضوح ان جميع الفلاسفة ومؤسسي المذاهب وزعماء الشعوب، ان لم يؤمنوا به ويخضعوا له، فإنّما هم لصوص يسرقون خاصة الله ويفسدون الجماهير بتعاليمهم وعاداتهم. أمّا الأنبياء الحقيقيون الثابتون في روح المسيح قبل مجيئه، فكانوا منكسري القلوب، ودخلوا إلى الله مِن الباب الحقّ، لأنّ المسيح فوّضهم وجهّزهم وأرسلهم إلى الخدمة الأمينة في رعويته.
وليس أحد يستطيع التقدّم إلى رعية الله بدون أن يموت لذاته، ويدخل في المسيح ليخلّص نفسه أوّلاً. ولكن مَن ينضم هكذا إلى رعية يسوع يصبح تلقائيّاً راعيّاً، لأنّ المسيح يجعل خرافه المطهّرة المطيعة ملوكاً وكهنة. فيخرج الراعي المخلّص مِن باب المسيح إلى العالم، داعيّاً النّاس إلى مخلّصهم، ويعود بهم ويدخل معهم جسد المسيح الرّوحي، ليثبتوا فيه وهو فيهم. فالرعاة المخلّصون لا يفكّرون انّهم أفضل مِن خرافهم، لأنّ كليهما يدخلون في المسيح ويخرجون منه. فمَن يثبت هكذا في التواضع، يجد في ربّه ملء القوّة والمعرفة غير المحدودة. فقلب المتواضع يجد في يسوع مرعى لا يزول.
وقد حذّر يسوع رعيته أربع مرّات مِن الفقهاء ورؤساء الكهنة والزعماء، الّذين يطلبون مجد أنفسهم، ويفسدون النّاس بأفكارهم الخاصّة. وبنفس الوقت دعا المسيح كلّ إنسان إليه. ليعطيه الحياة الحقّة المملوءة بالجودة والصلاح والسلام، ويجعله ينبوع القوّة والبركة للآخرين. فمَن يأت إلى المسيح تنبع منه فضائل حسنة إلى الآخرين. لأنّ الرعاة لا يعيشون لأنفسهم، بل يضحون بحياتهم لأجل الرعية. وروح الله لا يعطينا الحياة السماوية لخلاص النفس فقط، بل يعيننا خداماً ورعاة لننكر أنفسنا ونحبّ الآخرين على الدوام. وبمقدار أن تزداد المحبّة يزداد الفيضان. وليس أجمل مِن الخدمة في سبيل الربّ! هذا ما تعنيه العبارة: ليكون لهم أفضل! الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح. نشكرك، لأنّك أنت الباب المؤدي إلى الله. ونسجد لك، لأنّك دعوتنا إلى شركتك، لنخدم الله والنّاس. فساعدنا لنضيع أنفسنا، لنجد الحياة الحقّة ونستطيع ربح النفوس بارشاد روحك القدّوس. ونبارك كلّ الّذين حولنا بالفضل الّذي منحتنا.
السؤال:
19- ما هو الفيضان، الّذي يمنحه يسوع لخرافه؟
ج- يسوع هو الراعي الصالح
(10: 11- 21)
10: 11 أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ, وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. 12 وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ, وَلَيْسَ رَاعِياً, الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ, فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلاً وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ, فَيَخْطُفُ الذِّئْبُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. 13 وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ, وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ.
احتمل الله بصبر الملوك والأشرار والأنبياء الكذبة والكهنة الغشاشين. ونظر إلى شعبه كأنّما هو مبدد كغنم بلا راع. فأرسل المسيح إلينا راعيّاً صالحاً للمهتدين. وهو عند وصوله قال: هاأنذا حاضر، اني أنا الملك الحقّ، رئيس الكهنة الصحيح، والنبّي بالوحي الكامل. فنجد في شخصية المسيح كلّ وظائف الرعوية مجتمعة. لهذا السبب يحق له أن يقول: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. لا أستغلكم، بل أخلّصكم مِن حياتكم الضالة ومِن كلّ خطر. والبرهان أنّ يسوع هو الراعي الصالح الوحيد هو انه كان مستعداً مِن أوّل وهلة في خدمته أن يضع نفسه لأجل خرافه. فما قال انه يضحي ويبذل جسده فقط، بل قدّم جسده ونفسه وروحه معاً لخلاص رعية الله. فكافح منذ الدقيقة الأولى في خدمته لأجل أتباعه. فموته الجسدي كان تكليل حياته المضحية. لا تنس أنّ يسوع لم يعش لذاته البتّة، ولم يمت لنفسه أيضاً، إنّما عاش لأجلك، ومات عوضاً عنك.
وأمّا الرعاة غير الأمناء فينكشفون انّهم في ساعة الخطر يهربون ويختبئون، مهتمين بأنفسهم فقط. ويتركون الخراف لقمة للذئاب. واهتمامهم الأوّل منصبّ على أنانيتهم وعائلتهم. والذئاب لا بدّ وتأتي. فقال ذاك بولس في أفسس أيضاً. والذئاب ليسوا حيوانات بل أناس يتصرفون بطريقة حيوانية. وأبوهم الرّوحي هو الشيطان. انّه ذئب الذئاب. وممتليء قلبه ليفترس غنم الله. وهجومه لا يبدأ عادة بعنف وخشونة واضطهاد وموت، بل يظهر بتجربة لطيفة وأكاذيب بيضاء. فنحن الرعاة ليس مسموحاً لنا أن نحتمل أو نهمل في سبيل المحبّة التعاليم المضلّة، بل ينبغي علينا لأجل المحبّة أن ندافع عن الحقّ بكلّ حكمة وشدة إن لزم الأمر. فحياة المسيح ترينا، انّ ابن الله كان دائماً في الكفاح ضدّ الأرواح السفلية، ولم يسقط في جهاده مِن المحبّة، بل قال الحقّ الكامل في قوّة الرحمة. وهكذا يطلب المسيح مِن الرعاة المدعوين المعينين للخدمة، أن يخدموا الرعية بالجهد ويحرسوها ويدافعوا عنها أمام كلّ هجوم مِن الرّوح الشيطاني. وهدف الذئب الخبيث معروف، لأنّه بالهامات خاطئة واضطهادات عنيفة، يريد إبادة كنيسة الله. فهل أنت طالب خدمة وشرفاً في رعوية الله؟ فاعلم أنّ هذه الخدمة تعني كفاحاً والآماً تضحية، ولا تأتي بربح أو تمتع أو راحة البتّة!
10: 14 أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ, وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي, 15 كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ.
كرّر المسيح الكلمة، انه الرّاعي الصّالح الفريد. كلّنا فاشلون وغير قادرين لخدمة الرعوية الإلهيّة، لأنّنا لا نعرف العدو حقّاً، ولا نفهم تماماً نفسيّة الخراف، ولا كيف نقودها إلى أفضل المراعي. أمّا المسيح فهو يعرف كلّ فرد باسمه، ويبصره في ماضيه وأفكاره ومستقبله. ورغم نجاساته يحبه. والمسيح اختار خرافه خاصّة لنفسه، وأعطاهم الموهبة أن يعرفوه في جوهره. وبادراكهم له يتعجبون أنّ راعيهم لم يرفضهم، لأنّه بحضوره يظهر عنادهم وشراستهم ووساختهم. ومعرفتهم بذلك تنتج فيهم محبّة فاضلة، وتتحوّل إلى شكر دائم وعهد أبدي. والمسيح يرينا أن هذه المعرفة المتبادلة بينه وبين رعويته ليست معرفة سطحية دنيوية، بل هبة مِن الرّوح القدس، لأنّنا ندرك يسوع تماماً مثلما يدرك أباه، وكما يعرف الآب يسوع. وهذا السرّ يعني أن كلّ مسيحي قد حصل بواسطة حلول الرّوح القدس فيه على الوحي الحقّ في معرفة الله في المسيح. وهذا يعني أيضاً أنّ روح الربّ يسكن بكليته في رعيته، ويملأ أعضاءها، ولا ينسى أحداً. وهذه العلاقة بين المسيح ورعيته، إنّما تكون لأجل أمانة راعينا عظيمة، وتثبت مثل الارتباط المتبادل بين الأقانيم في الثالوث الأقدس.
وعلم يسوع أنّ هذه المعرفة وهذا العهد مستحيل لكلّ النّاس بالنسبة لعدم قوتهم واستحقاقهم وإرادتهم. فضحّى يسوع بذاته، ومات لتبريرنا ولتقديس خرافه. فكلّ إجراءات الرّوح القدس وثماره فينا، ما هي إلاّ نتائج موت المسيح. فالصليب هو سبب الكنيسة.
10: 16 وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ, يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي, وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ.
ما مات المسيح لأجل شعب معين، بل لأجل كلّ الشعوب. فلم يخلّص العنيدين مِن العهد القديم فحسب، إنّما نجى النجسين مِن الأمم كذلك. وقد أنبأ المسيح بمعرفته المسبقة ان موته سيفدي خرافاً كثيرة له مِن كلّ العالم. فجميعهم ما استطاعوا التقدّم إلى الله تلقائيّاً، فيحتاجون إلى مرشد وراع صالح. وهذا الراعي الصالح هو المسيح وحده. فهو شخصيّاً زعيم الشعوب والأفراد. وإرشاده الرّوحي يتمّ بكلمته. وكما الخراف تسمع راعيها، وتميّزه مِن بين مئات الأصوات، وتركض إليه بفرح، هكذا في كلّ الشعوب يسمع جميع المستعدين صوت المسيح، ويهتدون عاجلاً. فتكونت مِن مختاري العهد القديم والتائبين مِن الأمم وحدة روحية، تحت إرشاد المسيح. فأهل العهد الجديد هم رعية الله اليوم، والمسيح هو راعينا. وكلّ النّاس الّذين يسمعون الإنجيل بفرح ويؤمنون بالمسيح ابن الله هم الكنيسة الحقّة، حتّى ولو انتسبوا إلى طوائف مختلفة. فلنا روح واحد وربّ واحد وآب واحد. وهذا الرّوح يحلّ في كلّ المطهّرين بدم المسيح. فوحدة رعيّة المسيح لهي أعظم مما نعلم، رغم الانشقاقات الظاهرة لأجل المؤسسات والتقاليد التاريخية. وفي الأيام الأخيرة تتجمع الخراف مِن كلّ جانب، لأنّ الذئب الأكبر يأتي شخصيّاً، ولكنّ الراعي الصالح يأتي أيضاً شخصيّاً، وسيقود الأمناء البسطاء مِن أتباعه إلى المجد. فعندئذ ستكون رعية واحدة وراع واحد. ولكن مَن يحاول اليوم بطرق وتنظيمات بشرية وأهداف دنيوية ان يوحد كنيسة يسوع، فهذا يشارف على الخطر للسقوط في حيلة الذئب الأكبر، الّذي يحاول تحويل نظر الرعية مِن راعيها إلى ذاتها. ولكن ليس لنا اقتراب مِن بعض إلاّ باقترابنا إلى المسيح.
10: 17 لِهَذَا يُحِبُّنِي الآبُ, لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضاً. 18 لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي, بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي.
نؤمن انّ الله محبّة، وانّه يحبّ ابنه دائماً، لأنّ يسوع عمل باستمرار ما يرضي أباه. والآن نقرأ ما الّذي يرضي الله حقّاً. فليس إلاّ الصليب. إنّ موت يسوع كان هدف مقاصد الله، لأنّه لا طريق أخر لخلاص الرعية مِن خطاياها، إلاّ بالتكفير عنها وتقديسها بدم حمل الله. إن موت وقيامة يسوع أعجوبة عظيمة. والمسيح أخبرنا أنّه يموت ليعيش. فأهلك نفسه ليأخذها. ولم يقدّم ذاته مجبراً، بل تلقائيّاً مِن صميم قلبه، لأنّه أراد فداء الفاجرين. المسيح هو المحبّة الحقّة. فأبوه سلمه السلطان المطلق ليخلّص العالم بتقديم نفسه. وأعطاه أيضاً السلطان أن يأخذ بعد موته حياته مرّة أخرى. فما كان أحد قادراً، أن يمنع اكتمال انتصار المسيح على الصليب. وقد حاول الشيطان وأتباعه إسقاط يسوع إلى كفر وأنانية ويأس، ليفشل فداءه. ولكنّ هذا الخبيث فشل أمام محبّة المسيح العظمى. فما كان قيافا ولا بيلاطس ولا آخرون هم الدافعون لصلب المسيح، إنّما هو بذاته عزم لموته. ولم يهرب لَمّا رأى الذئب الكبير مقبلاً عليه، بل تقدّم نحوه. ووضع نفسه أمامه ليبتلعه، لكي يخلص الرعية. وهذه كانت إرادة الله بالتمام، ان ذبيحة ابنه تغلب عدوّه اللئيم. وأمّا الرعية فتحفظ. فالمسيح ربح في الكفاح بين السماء وجهنّم على الصليب المعركة الحاسمة. فمنذ ذلك اليوم تطمئن رعية الله مضمونة في دم الحمل. ويسوع يقودنا وسط الأزمنة والضيقات بالتأكيد إلى هدف مجده.
19:10 فَحَدَثَ أَيْضاً انْشِقَاقٌ بَيْنَ الْيَهُودِ بِسَبَبِ هَذَا الْكَلاَمِ. 20 فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ, بِهِ شَيْطَانٌ وَهُوَ يَهْذِي. لِمَاذَا تَسْتَمِعُونَ لَهُ. 21 آخَرُونَ قَالُوا, لَيْسَ هَذَا كَلاَمَ مَنْ بِهِ شَيْطَانٌ. أَلَعَلَّ شَيْطَاناً يَقْدِرُ أَنْ يَفْتَحَ أَعْيُنَ الْعُمْيَانِ..
اغتاظ الجواسيس المرسلون مِن قبل رؤساء اليهود غيظاً نكراً، لَمّا أدركوا أنّ يسوع يطلق على المسؤولين في الشعب لقب العملاء واللصوص، وقوله فوق ذلك انه لوحده الرّاعي الصّالح. وحنقوا أكثر إذ سمّى نفسه الرّاعي لكلّ الشعوب. الأمر الّذي اعتبره اليهود خطيئة كبرى، لأنّهم ظنّوا أنفسهم فقط أنهم مختارو الله. فسمّوا يسوع جهراً ملبوساً مجنوناً. واشمأزوا منه. وأكثرية الحضور وافقت على هذا الاتهام. فنقم الشعب أكثر فأكثر ضدّ يسوع، حيث لم يستطيعوا إدراك تعاليمه السامية.
ولكن البعض مِن مستمعيه كانت لهم الجرأة ليشهدوا جهراً وسط الناقمين، انّهم إنّما يسمعون صوت الله مِن كلام يسوع. لقد شعروا ان بشارته ليست أفكاراً فارغة بل ممتلئة بالقوى الخلاقة، إذ أنّه غفر خطايا المولود أعمى بفتح عينيه. فنشب بين الفريقين جدل قويّ. فالبغضة ضدّ يسوع نمت في الجماهير، بينما محبّته نمت أيضاً في بعض المخلّصين. أمّا المسيح فقاد ويقود رعيته دائماً بالرّوح والهدوء إلى هدفه الأكيد.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع. أنت الراعي الصالح، ولم ترفض الخراف العنيدة، بل طلبتها حتّى وجدتها، ووضعت نفسك لأجلنا. اغفر لنا ذنوبنا العديدة. ونشكرك لأنّك منحت لنا روح المعرفة، لنعرفك كما تعرف الآب. فانّك تعرف اسماءنا ولا تنسانا، بل ترعانا مع كلّ اتباعك. اختر مِن كلّ الشعوب السامعين منها، ووحدهم في رعويتك، واحفظهم مِن الذئب المفترس المقبل إلينا.
السؤال: 20- كيف يكون المسيح هو الرّاعي الصّالح؟
د- حفظنا ضمن وحدة الآب والإبن
(10: 22- 30)
10: 22 وَكَانَ عِيدُ التَّجْدِيدِ فِي أُورُشَلِيمَ, وَكَانَ شِتَاءٌ. 23 وَكَانَ يَسُوعُ يَتَمَشَّى فِي الْهَيْكَلِ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ, 24 فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ, إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا. إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْراً. 25 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي. 26 وَلَكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي, كَمَا قُلْتُ لَكُمْ.
كان عيد التجديد عيداً للفرح والطرب، ذكرى لإعادة إنشاء الهيكل بعد السبي البابلي 515 ق م، وإعادة ترميمه في سنة 165 ق م بواسطة المكابيين، الّذين حرّروا البلاد مِن أعدائهم. وأقبل العيد في بداية شهر كانون الأوّل، حيث يشتدّ البرد وتهطل الأمطار، لأنّ أورشليم تقع على قمّة جبال ترتفع مقدار 750 م فوق سطح البحر.
وفي هذا العيد، تقدّم يسوع المضطهد مرّة أخرى إلى صحن الهيكل. وبشّر في رواق سليمان المسقف، حيث التجأ إليه زوّار الهيكل مِن زخّ المطر. وهذا الرواق كان شرقي الهيكل. وقد كان الرسل يتكلّمون فيه بعد ذلك (أعمال الرسل 3: 11 و 5: 12).
وفي هذه المناسبة استعدّ اليهود لهجوم ماكر على يسوع، وطلبوا إليه أن يشهد علناً، إن كان هو المسيح المرتقب أم غيره. قد سمعوا إعلاناته عن ذاته، الّتي كانت أسمى وأشمل ممّا انتظره الشعب في المسيح الآتي. وتلك الصفات الزائدة على ما كانوا ينتظرونه اعثرتهم اعثاراً كبيراً، ولكن منهم مَن اعتقد أنّ يسوع لربّما هو المسيح حقّاً، لأنّ شخصيته وسلطانه وأعماله برهنت انّه روح قوّي.
هكذا أحرجوا المسيح لينادي بدعوة مثيرة إلى حركة مسيحية، حيث أنّ ذلك العيد كان تذكراً للنهضة المكابية الكبرى. فتمنّوا أن يطالب المسيح رسميّاً بحقّه كملك على البلاد، ويدعوا شعبه للسلاح، وكان الجميع مستعدّين لاتباعه إلى الحرب ليلقوا عار الاستعمار عنهم. فعزموا على الكفاح والتضحية والقتال. أمّا المسيح فقصد أمراً مختلفاً كلّ الاختلاف: الوداعة والمحبّة وتغيير الأذهان. فلم يقدر أن يقول لليهود: انّه المسيح، بينما أعلن ذلك للزانية السامرية واعترف للمولود أعمى بمجده الإلهي جهراً. فاليهود كانوا طالبين مسيحاً فدائيّاً سياسيّاً. وأمّا يسوع فكان فاديّاً روحيّاً أتى بانكار النفس والغفران والتجديد. قد أعلن لهم عظمته، لكنّهم لم يفهموه، لأنّهم طلبوا شيئاً غير الّذي كانه. فلم تلتق أفكارهم معه. ولم ينشأ الإيمان في قلوبهم. وما انفتحوا لروح المسيح. وما أدركوا أنّ أعماله هي براهين لسلطانه. وتلك الأعمال لا يحقّقها باسمه الخاص، بل باسم أبيه الّذي أيّده بنصره. أمّا اليهود فما أرادوا الاستماع لأيّ شيء عن العلاقة اللطيفة الرقيقة الناعمة القدّوسة بين الابن وأبيه كأساس لدولتهم، لكنّهم طلبوا العنف والمال والاستكبار حتّى يومنا هذا. ولم يفهموا إعلانات يسوع البتّة. وأصبحوا أتباع الشيطان لا أولاد الله.
10: 27 خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي, وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. 28 وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً, وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ, وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي.
إن يسوع هو حمل الله الوديع، فيسمّي أتباعه حملاناً وخرافاً. هؤلاء الّذين لبسوا طبيعته، كحملان إلهية. فصفتهم الأولى انّهم يسمعون. لأنّ الرّوح القدس فتح أذنيهم وقلوبهم، حتّى دخل صوت يسوع وإرادته إلى صميمهم، خالقة فيهم خليقة جديدة. فالاصغاء الطوعي هو البداية للتلمذة. والمسيح يعرف كلّ قابل لكلمته شخصيّاً، ويحبّه ويبصر أسراره الماضية ويعرف الصورة الّتي يريد أن يجبله بها. فليس المسيحيون مغمورين ومأخوذين مِن الجماهير وغارقين في الضياع واللا أهمية، بل هم معروفون وأسماؤهم مسجلة في السماء. وكلّ منهم أعجوبة خليقة الله الجديدة. والمسيح يشبه الراعي الصالح، وخرافه معتادة على صوته، وتتبعه بفرح مستسلمة لقيادته. لقد دفنوا إرادتهم الخاصّة، ولا يريدون أمنيات شخصية، بل ما يريده راعيهم، فهم يريدونه أيضاً. فكلّ أفكار تمرديّة لا محلّ لها في اتباع يسوع. فما هم بابناء المعصية. فهم حملان الله الودعاء. وهذا التغيير الحاصل فيهم تحقّق لأجل عمل المسيح الرّوحي فيهم. لقد أعطاهم حياة الله وجوهر الآب، والقوّة الّتي تغلب الموت والخطيئة. فلن يموتوا، بل يعيشون إلى الأبد، لأنّهم يحملون حياته هبة في ذواتهم. وقد تحرّروا مِن الدينونة والهلاك والموت الأبدي، حيث برّرهم دم المسيح. فبحلول الرّوح القدس فيهم، انتقلوا مِن الموت إلى الحياة. فالمنتصر على الجلجثة، ليس بمستعدّ أن يفقد أحد خرافه المشترى بدمه. انّه قد ترك مجد سمائه ليخلّص النّاس. وتعذّب ليحييهم. فعزم أن يحفظهم مهما كلّف الأمر. فنعترف مع الرسل انه، لا موت ولا حياة ولا أبالسة ولا ملائكة ولا عذاب ولا تجربة ولا أيّ قوّة في الدنيا والآخرة تستطيع فصلنا عن محبّة الله، الّتي في المسيح. هل تطمئن في يد ربّك؟ هل أنت محفوظ في رحابه؟ هل اخترت قدرة المسيح الحامية؟ فامّا انك تعيش في عالم الخطيئة ضالاً، أو تتحرّر إلى بنوة الله في المسيح ممتلئاً بروحه القدّوس. ان حماية ربّنا أعظم مِن عملنا. وهي ممتدة إلى وراء أفق معرفتنا ونحن واقفون إلى جانب المنتصر.
10: 29 أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ, وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. 30 أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ.
لربّما تشكك بعض المؤمنين لاستماعهم الفكر، انّ الشاب يسوع سيحفظهم مِن الموت والشيطان وغضب الله. فهذا فاق ادراكهم. لذلك دلّهم يسوع على أبيه وقدرته، لأنّه هو الّذي اختار كلّ فرد مِن اتباع يسوع، وأعطاه ايّاهم خاصّة له. فلا إنسان يتبع يسوع إلاّ بارادة الله واختياره. فكهذا يكون أبو ربّنا يسوع المسيح مسؤولاً عن كلّ مَن التصق باينه. وهو بذاته يهتم بهؤلاء المفديين. والآب هو الأعظم، القادر على كلّ شيء. والمسيح يسمّيه بهذا اللقب أعظم مِن نفسه، لأنّه تواضع وخضع لأبيه مخليّاً نفسه. ولم يرد أن يكون شيئاً أو يعمل شيئاً، أو يقدر على شيء أو يمتلكه أو يكرم ذاته بنفسه. ولانكاره نفسه بهذا المقدار، استطاع ملء اللاهوت أت يحلّ فيه جسديّاً. فكثيراً ما يتكلّم بعض النّاس انّ المسيح أصغر مِن أبيه. إنّهم أغبياء عمي مستكبرون، ولا يعرفون دستور الرّوح القدس، كلّ مَن يرفع نفسه يتضع، وكلّ مَن يضع نفسه يرتفع. فلأن المسيح أعطى كلّ المجد للآب، كان له الحقّ والسلطان أن يقول: أنا والآب واحد. وإذا قال المسيح انّه واحد مع أبيه، فلا يعني انهما اثنان. بل هما حقّاً واحد فقط. فهذا جواب المسيحيين على اتّهام الّذين يقولون انّنا أهل الشرك. فنحن لا نسجد لثلاثة آلهة. إنّما نعبد إلهاً واحداً. وكلّ مَن لا يدرك الوحدة الكاملة بين المسيح وأبيه، فأنه متكبّر ولا يسكن فيه تواضع الله، لأنّه لا يلاحظ انّ طريق العظمة يبدأ مِن الأسفل.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع أنت الرّاعي الصّالح. وقد وضعت حياتك لأجل الخراف، وتمنحنا الحياة لكيلا نموت. ونشكرك مِن صميم قلوبنا، لأنّك تحفظنا مِن الموت وإبليس والخطيئة وغضب الله. وليس أحد يقدر أن يحفظنا مِن يدك. علّمنا تواضعك لكي نعرف فيك الآب. وننكر أنفسنا، لكي تعظم قوّتك في ضعفنا.
السؤال:
21- كيف يقود المسيح رعويته؟
ه – ابن الله في الآب والآب فيه.
(10: 31- 39)
10: 31 فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. 32 فَقَالَ يَسُوعُ, أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي. 33 أَجَابَهُ الْيَهُودُ, لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ, بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ, فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً 34 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, أَلَيْسَ مَكْتُوباً فِي نَامُوسِكُمْ, أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ. 35 إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ, وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ, 36 فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ, أَتَقُولُونَ لَهُ, إِنَّكَ تُجَدِّفُ, لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْنُ اللَّهِ.
أبغض اليهود يسوع، لأنّه قال أنا والآب واحد. ففكّروا أنّ شهادته عن نفسه هي تجديف. وأرادوا تنفيذ وصيّة الرجم رأساً، ليكلا يحلّ غضب الله على الأمّة كلّها. وكانت الأرض في رواق سليمان مبلطة. فركض هؤلاء المتعصّبون إلى الفناء الخارجي، وأتوا بحجارة لقذفه بها. إنّما وقف يسوع بهدوء تام أمامهم متسائلاً: أيّ شرّ عملته بكم؟ فلقد خدمتكم وشفيت أمراضكم ليلاً ونهاراً. وأخرجت الشياطين مِن الملبوسين، فاتحاً أعين العمي. وأبرأت البرص، وبشرت المساكين بالإنجيل. فلأجل أيّ عمل مِن هذه الأعمال أنتم تقتلونني؟ افتحوا أعينكم وأدركوا، انكم تبيدون المحسن عليكم. فلست بطالب تكريماً ولا مالاً منكم عن كلّ خدماتي، الّتي سميتها بكلّ تواضع أعمال أبي. فما أنا بمستكبر بينكم، بل خادم طوعاً.
فتصارخ اليهود وفي أيديهم المرتفعة حجارة للرمي: ليس لأيّ عمل منها نرجمك، بل لأجل تجديفك. قد رفعت نفسك لمستوى الله، وأنت واقف بيننا كإنسان فان. فنسفك دمك الآن، لتظهر انك لست إلاّ فانيّاً فكيف تقول: انك إله، وواحد مع القدّوس أبيك؟ فامّا انّك هاز أو ملبوس بالشيطان، وتستحق الإبادة حالاً. فجاوبهم المسيح بكلّ اطمئنان. أما قرأتم في ناموسكم، ان الله شخصيّاً كان يكلّم مختاريه قائلاً لهم: انكم آلهة، وبنو العلي كلّكم (مزمور 82: 6)، مع انّكم بالحقيقة فانون وساقطون مِن خطيئة إلى أخرى. فلا شكّ أنّ كلّ النّاس خطاة هالكون ضالون. ولكنّ الله يدعوهم آلهة وأبناء لأجل اسمه الأبوي، وهدفه واضح. فلا يريد العلي موتكم، بل ان تعيشوا أبداً. فارجعوا إلى إلهكم وتقدّسوا، لأنّه قدّوس. وكيف ترجموني، إن كان الله نفسه يدعوكم آلهة وأولاداً. فلست بمرتكب إنّما مثلكم، وأنا ثابت قدّوساً قولاً وعملاً. فلي الحقّ أن أعيش إلى الأبد. وأنا بالحقيقة ابن الله. اقرأوا ناموسكم فتعرفوني. ولكنّكم لا تؤمنون حتّى بدستوركم. فلا تعرفون ألوهيتي البتّة.
وما أنا بمرسل ذاتي، بل الآب القدّوس نفسه أرسلني. فأنا ابنه، وهو ولدني. وقداسته ثابتة فيّ. فلهذا أنا إله مِن إله، نور مِن نور، إله حق مِن إله حق، مولود غير مخلوق، ذو جوهر واحد مع الآب. وغلب المسيح اليهود المغتاظين بأدلّة مِن توراتهم، وجردّهم مِن الحجج. ولكن عيونهم ظلّت قادحة بالشرّر المبغض ودمهم فائراً، إلاّ أن أيديهم المرتفعة بالحجارة استرخت ونزلت لأنّ يسوع قد برهن مِن صميم كتابهم إمكانية البنوة الإلهيّة للإنسان في العهد القديم عامة، وخاصة له هو.
10: 37 إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي. 38 وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ, فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ, لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ. 39 فَطَلَبُوا أَيْضاً أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ,
وقول المسيح هذا يعني: انّه لا لزام عليهم مِن الإيمان بي، إنْ لم أعمل ما يعمله الله مِن أعمال المرحمة. فسلطانه لا يكون في ان لم أمثل رأفته. وبما أنّ محبّة الآب قد تجسّدت فيّ، فلي سلطان أن أنفذ أعمال الله، علماً انّ ما أعمله ليس هو عملي، بل أعمال الآب بالذّات. ولعلّ عقولكم لا تستطيع إدراك ألوهيتي في إنسانيتي. ومع ذلك فامتحنوا أعمالي. مَن هو القادر أن يقيم ميتاً بكلمته، ويفتح أعين العمي، أو يسكت العاصفة، أو يشبع الخمسة آلاف جائع بخمسة أرغفة وسمكتين فقط؟ ألا ترغبون فتح أذهانكم لصوت الرّوح القدس، فتعرفوا ان الله نفسه فيّ؟ وعندما تمتلئون مِن الرّوح القدس، فانّكم تثبتون في هذه المعرفة الأساسية، وتدركون أنّ ملء اللاهوت، حلّ فيّ جسديّاً. وبهذه المناسبة وأمام الجماهير الهائجة، قال يسوع الكلمة العظيمة: انه في الآب. فكما يثبت الغصن في الكرمة، وينال قوته مِن الجذور، فهكذا المسيح منبثق مِن الآب وثابت فيه، ولا انفصال بينهما، إنّما انسجام كامل ووحدة حقة. حتّى انّنا نستطيع القول، انّ الابن قد أخفى نفسه في الآب وغرق فيه، لكي يظهر والده فقط ويكرم بالدرجة الأولى. وهكذا أبتدأ أعظم الصلوات بالدعاء: أبانا الّذي في السماوات ليتقدّس اسمك.
إن مَن يتعمق في شهادات يسوع عن لاهوته، مصليّاً ومسبحاً، يدرك انّها البرهان القاطع ضدّ كلّ فهم سطحي عن الثالوث الأقدس. فلا يوجد آلهة ثلاثة منفصلة عن بعضها قط، إلاّ الوحدة الكاملة في الثالوث القدّوس، لذلك نشهد بفرح انّ الله واحد. ولَمّا سمع اليهود شهادة يسوع الّتي كرّرها عن وحدته الكاملة مع أبيه، تردّدوا في رجمه، لكنّهم أحبّوا إمساكه واقتياده إلى المجمع الأعلى، ليرى رأيه فيه. لكنّ يسوع تملّص منهم بعون الله، لأنّه ليس إنسان يقدر أن يضرّ أحد أولاد الله، ما دامت إرادة أبيهم تحميهم. وقد قال المسيح: ولا يقدر أحد أن يخطف مِن يد أبي.
الصّلاة: أيّها الآب وحمل الله القدّوس، نرى في محبّتك الوحدة الكاملة، والثبات المتبادل. لا تستطيع عقولنا إدراك ألوهيتك في ناسوتك. أمّا الرّوح القدس، فرحم عمينا، وأنارنا وأحيانا، لندرك محبتك العظيمة وأعمالك الخلاصية، لأنّك جعلتنا أولاداً لك. فساعدنا لنقدّس اسمك الأبوي في كلّ نوايانا وأقوالنا وتصرفاتنا لنتقدّس كما انّك أنت قدّوس.
السؤال: 22- كيف أعلن يسوع ألوهيته؟
4- اقامة لعازر ونتائجها
(10: 40- 11: 54)
أ- يسوع عبر الاردن
(10: 40- 11: 16)
10: 40 وَمَضَى أَيْضاً إِلَى عَبْرِ الأُرْدُنِّ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِيهِ أَوَّلاً وَمَكَثَ هُنَاكَ. 41 فَأَتَى إِلَيْهِ كَثِيرُونَ وَقَالُوا, إِنَّ يُوحَنَّا لَمْ يَفْعَلْ آيَةً وَاحِدَةً, وَلَكِنْ كُلُّ مَا قَالَهُ يُوحَنَّا عَنْ هَذَا كَانَ حَقّاً. 42 فَآمَنَ كَثِيرُونَ بِهِ هُنَاكَ.
ابتدأ الكفاح بين يسوع والفرّيسيين، الّذين حرضوا عليه زعماء الشعب بعد شفائه المريض في بيت حسدا (الاصحاح 5) في بداية سفرته الثانية إلى أورشليم. وفي نهاية سفرته الثالثة تطوّر هذا الكفاح إلى نهايته، ونتيجته المريرة: النّور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه. لقد كان يسوع دائماً مشرفاً على خطر الموت. وبجرأة كبيرة كان يدخل المرّة تلو المرّة إلى الهيكل، مرشداً تلاميذه للنضوج في المعرفة والإيمان. بينما أعداؤه وصلوا إلى قمّة البغضة والحقد. وبعد عيد تجديد الهيكل، ترك يسوع أورشليم لأنّه لم يجد حلاً في هداية أعدائه. فمضى إلى مناطق في عبر الأردن، حيث لا حقّ للمجلس الأعلى بالتدخل. وهناك كان يعظ يوحنّا المعمدان قبل سنتين، خارج حدود السلطة اليهودية، الّتي كانت باشراف أحد الملوك مِن عائلة هيرودس. فكان اسم المعمدان مشهوراً هناك، وشهادته عن يسوع بينة. والّذين آمنوا على يد المعمدان، ظلّوا على إيمانهم ذلك، لأنّ معلّمهم قتل بقطع رأسه. فعندما جاءهم وأبديته وتواضعه وجلاله وقدرته، لأنّ يسوع قدّم لهم أمثلة مِن آيات محبّته، وبشّر بالحقّ عن الله والنّاس. فكثيرون تغيّروا إلى الإيمان وانفتحوا للإنجيل. وكانوا ما يزالون على إيمانهم الأوّل، معتقدين بنبوة المعمدان، ولو لم يقم بعجائب لاثبات نبوّته. ولكن ما ان جاء المسيح إليهم، حتّى وثقوا به ربّاً مخلّصاً مدركين قدرته بإيمانهم.
11: 1 وَكَانَ إِنْسَانٌ مَرِيضاً وَهُوَ لِعَازَرُ, مِنْ بَيْتِ عَنْيَا مِنْ قَرْيَةِ مَرْيَمَ وَمَرْثَا أُخْتِهَا. 2 وَكَانَتْ مَرْيَمُ, الَّتِي كَانَ لِعَازَرُ أَخُوهَا مَرِيضاً, هِيَ الَّتِي دَهَنَتِ الرَّبَّ بِطِيبٍ, وَمَسَحَتْ رِجْلَيْهِ بِشَعْرِهَا. 3 فَأَرْسَلَتِ الأُخْتَانِ إِلَيْهِ قَائِلَتَيْنِ, يَا سَيِّدُ, هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ.
في أثناء تبشير المسيح في منطقة عبر الأردن، مرض رجل اسمه لعازر. وهو مِن أحدى القرى على جبل الزيتون. ولقد حدث قبل ذلك أنّ يسوع نزل عدّة مرّات ضيفاً على الرجل. وحديثه مع مرتا أخت لعازر مشهور. وما أخبرنا يوحنّا البشير عن تلك الزيارات السابقة، لأنّها كانت منفصلة في الأناجيل الأخرى المتداولة بين النّاس. وهكذا فقد أخبرهم بحادثة مريم حين أهرقت قارورة الطيب على يسوع قبل أوانها في السرد التاريخي. وذكر البشير هذه المرأة مريم الصوفيّة الحساسة الجائعة إلى كلام الرّبّ أوّلاً. وأظهر أنّها بعد أن مسحت يسوع بالطيب نشّفت رجليه بشعرها (12: 1- 8). فتواضعها ومحبّتها أظهرت إيمانها بإبن الله. ووقع نبأ مرض لعازر شديداً على نفس يسوع وهو في عزلته وتخفيه. ولكنّ إيمان الأختين جذبه للحضور إليهم. ولم تقل الاثنتان: تعال اشف صديقك، بل أعطتاه خبزاً عن الحالة، واثقتين به انّه يستطيع شفاء المرضى مِن بعيد. ووثق الأخوة الثلاثة معاً، انّ صلة يسوع الودية بلعازر ستحركه ليعمل كلّ ما يمكنه الاقتدار. واسم لعازر معناه أيضاً: الله قد أعانه. فأصبح هذا الاسم شعاراً لهذه الأعجوبة الأخيرة المذكورة في إنجيل يوحنّا.
11: 4 فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ, قَالَ, هَذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ, بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللَّهِ, لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ اللَّهِ بِهِ. 5 وَكَانَ يَسُوعُ يُحِبُّ مَرْثَا وَأُخْتَهَا وَلِعَازَرَ. 6 فَلَمَّا سَمِعَ أَنَّهُ مَرِيضٌ مَكَثَ حِينَئِذٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَوْمَيْنِ. 7 ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ, لِنَذْهَبْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ أَيْضاً. 8 قَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ, يَا مُعَلِّمُ, الآنَ كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَنْ يَرْجُمُوكَ, وَتَذْهَبُ أَيْضاً إِلَى هُنَاكَ. 9 أَجَابَ يَسُوعُ, أَلَيْسَتْ سَاعَاتُ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ. إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي النَّهَارِ لاَ يَعْثُرُ لأَنَّهُ يَنْظُرُ نُورَ هَذَا الْعَالَمِ, 10 وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَمْشِي فِي اللَّيْلِ يَعْثُرُ, لأَنَّ النُّورَ لَيْسَ فِيهِ.
لَمّا وصل الخبر إلى يسوع رأى رأساً كفاحه الناشب مع سلطة الموت. وقد أنبأ مسبقاً أنّ المريض سوف لا يسقط غنيمة للحاصد، بل في الحبيب لعازر سيظهر مجد الله. وعلم يسوع بروحه القدّوس رأساً ماذا يعزم، وينوي عمله قبل أن يموت صديقه، لأنّه كان ينبغي أنّ مجد سلطان المسيح سيستبين باقامة ميت أمام أبواب أورشليم. لكيلا يجد الاورشليميون عذراً في عدم الإيمان.
إنّ مجد الله وتمجيد المسيح واحد. وقد تعاظم لالتقائه بالموت وتغلبه عليه. كلّ العالم يتألّم ببذرة الموت الكامنة في كيانه، والّتي تقوده إلى الفناء حتماً. أمّا يسوع الحيّ فعلم إرادة أبيه ولم يتفرس في الخطيئة ونتيجتها الّتي هي الموت، بل استيقن أنه سيغلب سبب الموت، ويغرس حياة الله في العالم المريض. فمَن يؤمن بالمسيح يحيا. وبتحقيق الولادة الثانية فينا نمجد الآب. وللعجب فانّ يسوع، لم يذهب مباشرة إلى بيت عنيا. إنّما أخّر سفره يومين، وسمح للموت بابتلاع صديقه. وفزع التلاميذ لَمّا قال المسيح لهم، ان وجهته ستكون بلاد اليهودية. وذلك لأنّهم شاهدوا بأمّ أبصارهم قبل قليل محاولة اليهود رجمه جهراً، وما زالوا ينوون الفتنة الشديدة. فالتلاميذ لم يشفقوا على لعازر ولم يريدوا مشاهدة مجد الله، بل خافوا على أنفسهم مفكّرين بضمانها. وعند ذلك جاوبهم يسوع بمثل انّه في النهار يمشي المرء بسلامة وحفظ ولا يعثر بحجر ولا يسقط في هوّة. ولكن في الليل الدامس يقع في المهاوي. فما كانت ساعة يسوع للصلب قد حانت. الساعات الاثنتي عشرة للنهار لم تكن قد اكتملت بعد. فلهم أن يذهبوا إلى أورشليم بكلّ هدوء وأمن، انه لا يعكر صفاءهم ولا يخطفهم مِن يد الله أحد. ولكنّ الّذي لا يثق بعناية الله وابنه، يصبح ظلاماً كأعداء يسوع، لأنّ نور الإيمان لم يشرق فيهم. فبهذه الكلمات طلب يسوع مِن تلاميذه ثقتهم الكاملة في إرشاده إياهم، لكيلا يصبحوا بواسطة عدم إيمانهم ظالمين. وهذا ما يعزينا في حالة الخطر، انّه لا يحدث شيء في حياة تلميذ يسوع بدون إرادة ربّه. ففيه نحن مضمونون.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع. نشكرك لأنّك رئيس الحياة. وبنورك نرى الطريق. وأنت تقودنا إلى الطريق المستقيم، حتّى ولو شاء أعداؤك اهلاكنا. ساعدنا لكيلا نتأخّر، بل نستعدّ للتألّم والموت لأجلك، لكي تتمجّد عنايتك بإيماننا.
السؤال:
23- لماذا تكلّم يسوع عن مجد الله، رغم أنّ مرض الموت مصيب كلّ النّاس؟
11: 11 قَالَ هَذَا وَبَعْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ, لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ. لَكِنِّي أَذْهَبُ لأُوقِظَهُ. 12 فَقَالَ تَلاَمِيذُهُ, يَا سَيِّدُ, إِنْ كَانَ قَدْ نَامَ فَهُوَ يُشْفَى. 13 وَكَانَ يَسُوعُ يَقُولُ عَنْ مَوْتِهِ, وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ يَقُولُ عَنْ رُقَادِ النَّوْمِ. 14 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ حِينَئِذٍ عَلاَنِيَةً, لِعَازَرُ مَاتَ. 15 وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ, لِتُؤْمِنُوا. وَلَكِنْ لِنَذْهَبْ إِلَيْهِ. 16 فَقَالَ تُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ لِلتَّلاَمِيذِ رُفَقَائِهِ, لِنَذْهَبْ نَحْنُ أَيْضاً لِكَيْ نَمُوتَ مَعَهُ.
لقد سمّى يسوع لعازر بكلمة (حبيبنا). ولربّما نزل الربّ عدّة مرّات أثناء اضطهاده مع تلاميذه الاثني عشر ضيوفاً على صديقهم لعازر هذا. فلم يكن صديقاً ليسوع فقط، بل لجميع الرسل. ولعلّه يمكننا القول: إنّ لعازر حبيب يسوع، يكون على مستوى إبراهيم خليل الله.
وأطلق يسوع على الموت كلمة (النوم). وليس ذلك فقط لأجل أن يهدّيء مِن روع تلاميذه لَمّا بلغهم الخبر، وهم في حالة الاضطهاد، بل أيضاً ليؤكّد لنا انّ الموت ما هو نهاية الأحياء. ومع أنّ جسدنا سيزول، لكنّ نفسنا ستبقى. ولأنّ استرحنا اليوم في المسيح بالإيمان، فانّما لنكون مطمئنّين مستريحين في حياته، حتّى انّنا نترقب إيقاظ مخلّصنا لنا إلى القيامة. فلن نموت إلى الأبد. وقال يسوع الكلمة الظافرة: أنا أذهب لأوقظه. فما قال: لنصل ونستفهم مِن الله ماذا يريدنا أن نفعل، وكيف نعزّي أهل الميت، كلاّ إنّما يسوع متكلّماً مع أبيه، في اليومين السابقين لوصول خبر مرض صديقه إليه. فأيقن أنّ قيامة لعازر ينبغي أن تسبق قيامته المجيدة، عوناً لإيمان أتباعه وبرهاناً لأعدائه أنّه المسيح الوحيد. فقال جملته النادرة: اذهب وأوقظه، كأنما أمٌّ تقول: انّي ذاهبة لأوقظ إبني مِن سريره لأنّه قد حان ميعاد الدروس: ولم يكن يسوع متردّداً في قصده، لأنّه كان في ذاته الحياة، والرّبّ على الموت وكلّ القوى. فالإيمان بيسوع يحرّرنا مِن كلّ أنواع الخوف، ويثبتنا في الحياة.
لكنّ التلاميذ لم يفهموا معنى انتصار حياة المسيح آنذاك، وظنّوا أنّ لعازر إن كان نائماً، فذلك جيد لتقدّم صحته. فلا ضرورة للذهاب إليه وإيقاظه، بينما يتعرّضون هم كلّهم إلى خطر الرجم والقتل بيد اليهود. فتكلّم بعدئذ يسوع بصراحة عن موت لعازر. انه مات حقّاً. فهذا الخبر أزعج التلاميذ، فاكتأبوا واصفرّت وجوههم، وتهامست أصواتهم. أمّا يسوع فبادرهم بقوله: أنا أفرح. هذا هو جواب ابن الله عن الموت، لأنّه يرى الحياة والانتصار والقيامة. فالموت ليس سبباً للبكاء بل للفرح، لأنّ المسيح يؤمن لأتباعه الحياة. والبشير يوحنّا يريد أن يبوق بالرسالة الخالدة في أذنك وقلبك: المسيح هو الحياة ومَن يؤمن به يشترك في حياته. وقال يسوع بزيادة: أفرح لأجلكم، انّي لم أكن هناك عندما مات. ولم اشفه، بل ان جسده الآن صار في القبر متفسّخاً منتناً. وخاصّة في هذا الرمز لنهاية كلّ النّاس، أريد أن أركز رمزاً لبداية حياة جديدة لإظهار قوّتي وتسليط النّور على المستقبل. فلنذهب إليه، إلى الميت. وهذا الذهاب يعني عند النّاس دموعاً ولوعة. أمّا عند المسيح فمعناه قيامة. فنشكر الله ونحمده، انّ ربّنا يسوع سيقول أيضاً عندما نضطجع في القبر: لنذهب إليه. فذهابه إلي وإليك يعني تحريراً وحياة ونوراً وشكراً. إنّ رحاب يسوع تشمل الزمن والأبد حقّاً. والرسول توما المشكك ما كان جباناً، بل أحب يسوع فوق الاعتياد. فلَمّا لاحظ عزم المسيح على التقدّم إلى فم هوة الموت، دون ملاحظته انه يريد انتشال لعازر مِن هناك، التفت إلى زملائه التلاميذ، الّذين ربّما تباطأوا في اتباع معلمهم، وقال كلمته القاطعة: لا نترك يسوع وحده. ولن نتراجع. إنّنا نحبّ ربنا ونرافقه حتّى إلى هوّة الموت. فلا رجوع لأحد منا. كلّنا مرتبطون معه. فقد أحبّ توما ربّه مؤكّداً أمانته له حتّى المنتهى.
الصّلاة: نسجد لك أيّها الرّبّ يسوع المسيح، لأنّ جلالك يظفر على الموت. فلقد تقدّمت إليه بيقين انتصارك على فنائنا. نعظّمك لأنّك ستخلّصنا مِن القبر وستحيينا بحضورك. آمين.
السؤال: 24- لِمَ تقدّم يسوع ظافراً لإنقاذ لعازر؟
ب- التقاء يسوع بمرثا ومريم
(10: 17- 33)
11: 17 فَلَمَّا أَتَى يَسُوعُ وَجَدَ أَنَّهُ قَدْ صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ فِي الْقَبْرِ. 18 وَكَانَتْ بَيْتُ عَنْيَا قَرِيبَةً مِنْ أُورُشَلِيمَ نَحْوَ خَمْسَ عَشَرَةَ غَلْوَةً. 19 وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ جَاءُوا إِلَى مَرْثَا وَمَرْيَمَ لِيُعَزُّوهُمَا عَنْ أَخِيهِمَا.
أشممت مرّة ميتاً مضت عليه أربعة أيام؟ فصار متفسّخاً ومنتناً كثيراً. هكذا مضى على لعازر أربعة أيام، وهو موضوع في القبر. فقد دفنوه بنفس اليوم الّذي مات فيه، ووصل خبره إلى يسوع في اليوم ذاته. فما كانت جدوى لمجيء المسيح سريعاً إلى صديقه بعد أن صار جثّة في القبر. فموته كان محقّقاً لا ريبة ولا أمل فيه.
وبيت عنيا كانت على الجهة الشرقية لجبل الزيتون في اتجاه وادي الأردن البالغ عمقه الألف متر. وفي أسفله البحر الميت الشهير. وخلف جبل الزيتون باتجاه الغرب وعلى مسيرة ثلاثة كيلومترات، هي ذي أورشليم منتصبة على تلّة يفصلها عن ذلك الجبل وادي قدرون. وجاء إلى بيت المتوفى أصدقاء كثيرون ورتّلوا وبكوا وحلشت النساء شعرهن ولطمن صدورهن. فتفاقم الحزن أكثر، لأنّ لعازر كان العائل الوحيد لأختيه العازبتين. وكانت الدموع غزيرة، فاشتركت النفوس بهذا اليأس الأليم. وقد خيم شبح الموت على كلّ المجتمعين منتظراً ابتلاعهم أيضاً إلى حين.
11: 20فَلَمَّا سَمِعَتْ مَرْثَا أَنَّ يَسُوعَ آتٍ لاَقَتْهُ, وَأَمَّا مَرْيَمُ فَاسْتَمَرَّتْ جَالِسَةً فِي الْبَيْتِ. 21 فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ, يَا سَيِّدُ, لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي. 22 لَكِنِّي الآنَ أَيْضاً أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ يُعْطِيكَ اللَّهُ إِيَّاهُ. 23 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, سَيَقُومُ أَخُوكِ. 24 قَالَتْ لَهُ مَرْثَا, أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ, فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.
لَمّا سمعت مرتا بقدوم يسوع انطلقت مِن البيت، وأسرعت نحوه متلهفة وهي تفكّر بحزن أنّه لو كان حاضراً ساعة موت أخيها، إذا لمنع المسيح الشبح المخيف مِن صيده ولقلب بكلمته مرض الموت. فاعترفت مرتا بإيمانها هذا، لَمّا قابلت الربّ. ومع ذلك فهي موقنة بقدرته غير المحدودة لهذا لم تغرق في حزن الموت أمامه طويلاً، بل وثقت بيسوع انّ قوّته ستقبض على الموت. فلم تتكهن ماذا وكيف سيصنع الرّبّ، لكنّها آمنت بسلطانه المطلق بلا قيد ولا شرط. وهي مؤمنة بالرابطة الّتي تربط الله بيسوع، حتّى انّها اعترفت باستجابه الآب لصلوات ابنه يسوع دائماً. وجاوب يسوع على شهادة إيمانها رأساً، بوعده العظيم: سيقوم أخوك. فما فهمت مرتا قصده مِن هذه الكلمة في أعماقها تماماً، بل اعتبرتها وعداً منه ان أخاها لن يسقط في العدم، لكنّه سيقوم مع كلّ الأموات في اليوم الأخير إلى الدينونة العادلة. فلم تبق مرتا عديمة الرجاء، لأنّها كانت تعلم أنّ الموت ما هو النهاية. إنّما القيامة إلى الحياة الأبديّة هي ما ينتظر المؤمنين.
11: 25 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا, 26 وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا. 27 قَالَتْ لَهُ, نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ, الآتِي إِلَى الْعَالَمِ.
قال يسوع لمرثا المؤمنة على مسمع مِن تلاميذه تلك الآية العظيمة، انّ القيامة آتية لا ريب فيها. وها هي ذي الآن في شخصيتي. ليس انّكم ستقومون في يوم القيامة الأخيرة، بل تقومون اليوم بحضوري فعلاً. فانّي ممتليء الحياة، وحامل قيامتكم في ذاتي. أنا الخالق والمحيي. ومنّي يخرج الرّوح القدس إليكم، الّذي لا يخلق مِن العدم حياة قابلة للموت، إنّما يمنحكم حياة الله بالذات. أنا سأموت لأرفع خطاياكم لتنالوا الحياة الإلهيّة. فسأموت موتكم على الصليب، لكيلا يجد الموت سلطة فيكم فيما بعد. ولسوف أحقّق قيامتكم بقيامتي، لكي تدفنوا معي في الإيمان. فموتي هو موتكم وحياتي حياتكم. انّي أعيش وفيّ تعيشون أيضاً.
والشرط الوحيد لنيل حياة المسيح هو العهد الإيماني مع يسوع. وكما ان التيار الكهربائي لا يجري في الأسلاك ليضيء اللمبة ويحرّك المحرّك إلا إذا كبست مفتاحه، هكذا تيّار حياة المسيح لا ينتقل منه إليك إلاّ إذا ارتبطت به بإيمان. فمَن يؤمن بالمسيح يحيا حقّاً.
وكلّ مَن لا يؤمن به يبقى في الموت، وبدون رجاء، وفي اليأس والخلو مِن المعرفة الحقّة بالله. فالإيمان بالمسيح يفتح بصائرنا للآب وحياته الأبديّة. ومحبّته تغرس فينا الابتهاج والسرور والحياة والسّلام والقوّة الّتي لا تزول. والانسان الممتليء بحياة المسيح لا يموت، لأنّ روح الله أبدي. وهذا الرّوح هو الّذي يتمركز في قلوب المؤمنين بالمسيح.
لم يلق يسوع خطاباً مثيراً معلناً انتصاره على الموت بعد حادثة إقامته لعازر بل قبل ذلك، لأنّه هدف تحقيق القيامة الرّوحية في الحضور، ليقوموا مِن عدم الإيمان والموت في الخطايا، بواسطة ثقتهم به، قبل اجرائه الأعجوبة الكبرى. وأكّد المسيح لكلّ الأحياء بروحه أثناء عظته، انّ الموت لن يسودهم، لأنّهم اشتركوا بالإيمان في قيامته الخاصّة مسبقاً. فهل أدركت الوعد المطلق مِن فم المسيح؟ فإن آمنت به فلن تموت أبداً. لا تنظر إلى موتك المقبل، ولا قبرك المفتوح، بل حوّل أنظارك إلى يسوع، واشكره لهذا التفويض العظيم، لأنّه يثبتّك في الحياة الأبديّة.
أيّها الأخ، هل تؤمن بيسوع محييك؟ هل اختبرت شخصيّاً انّه حرّرك مِن سلطة الموت، وأقامك مِن الفساد في خطاياك؟ هل تعيش حقّاً في الرّوح القدس، أو لا تزال متجولاً كميت طالعة منك رائحة نتن الفساد؟ وإن لم تكن قد اختبرت هذه الاقامة الرّوحية في نفسك بعد، فنؤكّد لك أن ربّ الحياة واقف أمامك ماداً يده لك. آمن بمحبّة المسيح وقدرته، وأمسك بيد الحي، فيقيمك الآن مِن ذنوبك وموتك، وينقلك إلى حياته الأبديّة. فهو وحده مخلّصك الأمين. فقبلت مرثا وعد المسيح. ولم تختر الحياة الأبديّة فقط بل المحيي بالذات أوّلاً. وقد لاحظت انه لم يقدّم لها فلسفة عن القيامة، بل انّه الرجل الّذي يحقّقها. فالأخ الميت، لم يكن موضوعه هو الأهم في تلك اللحظة بل مرثا بذاتها، لتترك الموت الرّوحي وتدخل إلى حياة المسيح. وفعلاً لقد عملت ذلك. فآمنت انّ يسوع هو المسيح الموعود، الّذي له السلطان لإقامة الأموات وفيه السلطة لاجراء الدينونة الأخيرة. ولم تنتظر مرتا ثورة سياسية وانقلاباً عسكريّاً مِن يد المسيح، بل اختبرت بإيمانها به انّ قوتّه جرت فيها وأيقظتها جهراً على الطريق العام، رغم معرفتها انّ اليهود عزموا رجم يسوع لقوله انه ابن الله. وما خافت الموت، بل أحبت مخلّصها. وهي امرأة، لكن جرأتها فاقت الرجال، وثقتها عظمت حسب محبّتها. الصّلاة: أيّها الربّ يسوع. أنت عظيم منذ الأزل، وتثبت أبديّاً عبر القرون. ألوهيتك ممتلئة الحياة. والموت لم يجد فيك سلطة. لقد متّ موتنا، وأقمتنا بقيامتك. نسجد لك ونشكرك، لأنّك أشركتنا في حياتك، لكيلا يجد الموت سلطة فينا. نحبّك ونشكرك لتحريرنا مِن الذنب وخوف الموت. ونطلب إليك، لأجل عبيد خوف الموت أن يعرفوك ويؤمنوا بك ويحيوا.
السؤال:
25- كيف نقوم اليوم مِن الموت؟
11: 28 وَلَمَّا قَالَتْ هَذَا مَضَتْ وَدَعَتْ مَرْيَمَ أُخْتَهَا سِرّاً, قَائِلَةً, الْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ, وَهُوَ يَدْعُوكِ. 29 أَمَّا تِلْكَ فَلَمَّا سَمِعَتْ قَامَتْ سَرِيعاً وَجَاءَتْ إِلَيْهِ. 30 وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ جَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ, بَلْ كَانَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لاَقَتْهُ فِيهِ مَرْثَا. 31 ثُمَّ إِنَّ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا فِي الْبَيْتِ يُعَزُّونَهَا, لَمَّا رَأَوْا مَرْيَمَ قَامَتْ عَاجِلاً وَخَرَجَتْ, تَبِعُوهَا قَائِلِينَ, إِنَّهَا تَذْهَبُ إِلَى الْقَبْرِ لِتَبْكِيَ هُنَاكَ.
لعلّ يسوع قد طلب مِن مرثا احضار مريم إليه، لكي تسمع منه بعيداً عن ضجيج الحزانى، كلمة الحقّ والتعزية، فتتقدّم إلى إيمان زائد بسلطان محبّته. إنّ المسيح ينتصر بواسطة جرأة الإيمان وليس بتشاؤم الحزن. فأراد احضار مريم المنسحقة إلى نور حضور الله، لتنعش وتنشط روحيّاً. ربّما ما كانت قد سمعت مريم بمجيء المسيح، لأنّها كانت غارقة في الحزن. ولكن لَمّا رجعت مرثا إليها وقالت لها بوضوح ان يسوع يطلبها شخصيّاً، فعندئذ أفاقت مضطربة وانطلقت لملاقاة الربّ، حتّى انّ كلّ الحضور اندهشوا لأمرها، متسائلين إلى أين انطلقت، اذاهبة هي إلى القبر لتبكي مدراراً؟ فقام الجميع وتبعوها إلى حيث كانت الجثّة مدفونة. فكان هذا الموكب صورة للحياة الدنيا الذاهبة إلى الفناء. إذ يبتلعهم اليأس والتشاؤم. إنّ كلّ فلسفة ودين وحزب، لا يقدر أن يعطي جواباً حقّاً على مشكلة الموت، فانّه لا قيمة له. فبالموت تظهر حقيقة الرجاء ومتانة تعزية المؤمنين.
11: 32 فَمَرْيَمُ لَمَّا أَتَتْ إِلَى حَيْثُ كَانَ يَسُوعُ وَرَأَتْهُ, خَرَّتْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَائِلَةً لَهُ, يَا سَيِّدُ, لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي. 33 فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي, وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ, انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ.
رأت مريم يسوع. وبعواطفها الشديدة ارتمت عند رجليه منكسرة مؤمنة متمرمرة. واعترفت بإيمانها وهي ساجدة، انّ يسوع قادر أن يصنع عجائب إلهيّة ولو كان حاضراً لَمّا بلغ الموت أخيهما المحبوب. ولم تسم يسوع معلّماً أمام الجماهير بل ربّاً بكلّ وضوح. كما أنّ مرتا سمتّه في حديثها معه على انفراد، الرّبّ. وهذا يدلّنا على الإيمان القوي المتحقّق في بيت الأخوة الثلاثة بأنّ الله حضر في يسوع. لكنّ الموت زعزع هذا الإيمان وجعل الأختين متقلقتين.
ولَمّا رأى يسوع هذا الإيمان المضطرب في اتباعه الأمناء مع جهل الجماهير، انزعج آنذاك واستاء بالرّوح. وقد أبصر كيف خضع الكلّ لسلطة الموت. وتألّم لأنّ مريم المخلّصة بكت أمامه، واضطربت رغم حضور المنتصر الإلهي، فأبصر انّ العالم كلّه موضوع في الشرّير. وشعر مرّة أخرى بثقل خطيئة العالم الضاغطة على كتفيه. ورأى بروحه ضرورة الصليب وقبره المفتوح كطريق وحيد ليتغلّب على الحزن في الأموات الباكين العادمي الإيمان. واستيقن أن قيامته المزمعة أن تأتي، هي الحكم القاطع على شبح الموت وضعف الإيمان ويأس التشاؤم.
ج: اقامة لعازر
(11: 34- 44)
34 وَقَالَ, أَيْنَ وَضَعْتُمُوهُ. قَالُوا لَهُ, يَا سَيِّدُ, تَعَالَ وَانْظُرْ. 35 بَكَى يَسُوعُ.
لم يجب يسوع مريم بكلمة، لأنّه لا فائدة كبيرة ترجى مِن التحدّث إلى إنسان في حالة حزنه الشديد واضطراب باله. فالنافع معه عندئذ هو العمل وليس الكلام. وهكذا طلب يسوع مِن الحضور أن يقودوه إلى القبر. فقالوا له تعال وانظر. وهذه الكلمات هي نفس العبارة الّتي دعا بها تلاميذه إليه في بداية خدمته. لكنّه دعاهم لرؤية الحياة. أمّا هم فدعوه إلى نظرة الموت. فبكى يسوع لَمّا رأى غلاظة ذهن البشر وجهلهم وعدم قدرتهم على الإيمان الحقّ. فلا فائدة مِن الجسد. ولا إيمان يرجى مِن النفس والرّوح القدس ما كان بعد قد انسكب على اتباعه. فالموت الرّوحي عمّ الكلّ، ولم يبق لإبن الله إلاّ البكاء على حالة البشر البائسة اليائسة. وكان يسوع إنساناً حقّاً. ففرح مع الفرحين وبكى مع الباكين. وقد انزعج بروحه واضطرب. ونفسه الراثية الحسّاسة ثارت لرؤية سلطة الموت على اتباعه ولقلّة محبّتهم لله الحي. فيسوع يبكي اليوم على حالتنا وحالة كنائسنا أيضاً والله بالذّات يبكي على كلّ النّاس الباقين بواسطة ذنوبهم في الموت الرّوحي، والمتباطئين في الإيمان الحقّ بالمسيح.
36 فَقَالَ الْيَهُودُ, انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ يُحِبُّهُ. 37 وَقَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ, أَلَمْ يَقْدِرْ هَذَا الَّذِي فَتَحَ عَيْنَيِ الأَعْمَى أَنْ يَجْعَلَ هَذَا أَيْضاً لاَ يَمُوتُ. 38 فَانْزَعَجَ يَسُوعُ أَيْضاً فِي نَفْسِهِ.
رأى اليهود دموع يسوع وفسّروها كمحبّة للراقد. فالمحبّة ليست باردة ومنطقية وعقليّة فقط، بل منسجمة مع حركات أنفس الآخرين. ومحبّة ابن الله أعظم مِن إدراكنا، وهي ممتدة إلى ما وراء الموت. ورأى يسوع لعازر في قبره المختوم وحزن لتغلب الموت على صديقه بهذا المقدار. ولكن قلب يسوع شقّ طريقاً إلى ما وراء الحجر، وشمل قلب الميت وأعدّه لسماع ندائه. فانتقد بعض الحاضرين يسوع بخشونة، كأنه لم يحلّ بين الصديق والموت. فاتّخذوا مِن قدرة المسيح موضوعاً لانتقادهم، وتباحثوا عن سلطانه، كأنّه تحت تصرفهم. ولم يعلموا أنّ يسوع بقي يومين في عبر الأردن، لأنّ أباه أبقاه في الانتظار. أمّا السطحيون فأدانوا محبته وكرهوه. عندئذ اغتاظ يسوع في صميمه، لأنّ عدم الإيمان والمحبّة الناقصة والرجاء الضئيل هو السبب لغضب الله. وقصد المسيح أن ينشلنا من تشاؤمنا واسترخائنا، ويخلّصنا مِن أفقنا المحدود لنلصق بمحبته هو، وننتعش بإيمانه، ونتأكد برجائه، ولا نعود إلى المقاييس البشريّة ضالّين، بل نثق عمداً في قدرته وإرادته، بأنّه يشاء إقامة الأموات في الذنوب الّذين في محيطنا. فهل ينزعج يسوع مِن عدم إيمانك، أو يفرح لأجل محبّتك الجريئة بالثقة والابتهال للآخرين؟
الصّلاة: استغفرك أيّها الرّبّ يسوع لأجل كلّ فرص مفقودة للإيمان والمحبّة والرجاء. اغفر قلّة إيماني، واغلب اهتمامي بنفسي. وادفعني إلى رجاء حيّ، لأكرمك بكلّ اكرام، وتسليم دائم. أيقظ في كنائسنا الأموات في الخطايا، وانعش المتجمّدين في الأنانية، وعزّ اليائسين برجاء حياتك الأبديّة. واؤمن يا ربّنا باستجابتك لصلواتي.
السؤال:
26- لِمَ انزعج يسوع واضطرب وبكى؟
11: 38 وَجَاءَ إِلَى الْقَبْرِ, وَكَانَ مَغَارَةً وَقَدْ وُضِعَ عَلَيْهِ حَجَرٌ. 39 قَالَ يَسُوعُ, ارْفَعُوا الْحَجَرَ. قَالَتْ لَهُ مَرْثَا, أُخْتُ الْمَيْتِ, يَا سَيِّدُ, قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. 40 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, أَلَمْ أَقُلْ لَكِ, إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللَّهِ.
في منطقة أورشليم كان النّاس يدفنون موتاهم في غرف منحوتة في الصخر. ويضعون حجراً مستديراً ضخماً على باب القبر الضيّق، يمكن دحرجته شمالاً أو يميناً عن طريق خندق محفور لذلك إذا أرادوا فتح القبر أو إغلاقه.
فكان لعازر هكذا مدفوناً في قبره المنحوت المقفل. وتقدّم يسوع إلى الصخرة، مبصراً موته وسلطة الموت على كلّ النّاس. واستاء كثيراً لذلك. ورأى في الموت غضب الله المسكوب على كلّ الخطاة، حتّى انّ الله قد أسلم الأحياء إلى أيدي المهلك. ولكنّ الخالق لا يريد موت الأحياء بل توبتهم ورجوعهم وحياتهم. فأمر يسوع أن يرفع الحجر عن باب القبر. ففزع الحضور، لأنّ لمس ميت يعتبر خطيئة كبرى وتنجيساً لعدّة أيام. وسرى الفساد في جثّة الميت سريعاً في أربعة أيام. فعارضت مريم يسوع في قصده معارضة غير مباشرة، لَمّا قالت باسم كلّ الحضور: يا ربّ لا يليق بنا أن نزعج راحة الأموات، وقد انتن المتوفي. أين إيمانك يا مرثا؟! لقد كنت تعترفين قبل دقائق معدودة، ان يسوع هو ابن الله والمسيح بالذات الّذي يقدر في مسيحيته أن يقيم الموتى. إنّما حقيقة الموت وصورة القبر في الصخر، غبشت بصيرتها، فلم تعلم ماذا يشاء ربها. لكنّه قوّى إيمانها وحرّضها إلى ثقة فائقة على قدرة البشر. فطلب منها اتّكالاً مطلقاً مستحقّاً رؤية مجد الله. ولم يقل المسيح لها، آمني فترين مِن يدي عجيبة كبرى، لأنّه أنبأ سابقاً تلاميذه في عبر الأردن، أنّ مرض لعازر ليس للموت، بل لمجد الله. وليتمجّد ابن الله (11: 4). فقد علم المسيح ماذا عزم بانسجامه مع إرادة أبيه أن يفعل. فحاول لفت أنظار مرثا مِن حقيقة خشونة الموت إلى الله ومجده المعلن للإيمان. والمسيح لم يرد إكرام ذاته في ذروة عجائبه هذه، بل أراد اظهار عظمة أبيه وحده وإعلان مجده جليّاً. وكذلك يقول المسيح لك أيضاً، إن آمنت ترى مجد الله. حوّل نظرك عن مشاكلك وضيقاتك الخاصّة، ولا تتفرّس في ذنوبك وأمراضك، بل أنظر إلى يسوع، مدركاً فيه أباه. آمن بحضوره، وسلّم نفسك له كولد ملتجيء لأمّه. لتكن مشيئته. فهو يحبّك. وإرادته، ليست إلاّ محبّة وقوّة وانتصار.
11: 41 فَرَفَعُوا الْحَجَرَ حَيْثُ كَانَ الْمَيْتُ مَوْضُوعاً, وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى فَوْقُ, وَقَالَ, أَيُّهَا الآبُ, أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي, 42 وَأَنَا عَلِمْتُ أَنَّكَ فِي كُلِّ حِينٍ تَسْمَعُ لِي. وَلَكِنْ لأَجْلِ هَذَا الْجَمْعِ الْوَاقِفِ قُلْتُ, لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.
وثقت مرتا بكلمة يسوع وانسجمت بإيمانها مع أمره. وطلبت مِن الحضور رفع الحجر. فازداد التوتّر في المزدحمين. هل سيدخل يسوع إلى القبر، ويقبّل الحبيب الراقد، أو ماذا سيفعله؟ لكن يسوع وقف هادئاً أمام القبر المفتوح، ورفع عينيه رمزاً للصلاة. ونطق بصلاته بكلمات مسموعة. فهنا نسمع أحدى صلوات يسوع المسجّلة في الكتاب المقدّس. فنادى الله باسم الآب، خلاصة لإيمانه ورسالته وقوته. وشكر الآب لأنّ كلّ حياته ليست إلاّ تقديساً وسجوداً لاسمه الأبوي. وشكر يسوع بصوت واضح الله لاستجابة صلواته، قبل أن تحدث إقامة لعازر. فبينما أخذ النّاس يبكون، كان يسوع يصلّي. وطلب مِن أبيه إحياء صديقه رمزاً للحياة الإلهيّة الغالبة الموت. وأبوه وافق على طلبه وأعطاه السلطان ليسلب مِن براثن الموت غنيمته، وأن يعود فيخلق الجثة المتفسخة مِن جديد. وآمن المسيح باستجابة صلاته بدون شكّ، لأنّه كان سامعاً صوت أبيه دائماً في قلبه. ودوام يسوع على الصّلاة في كلّ مراحل حياته. لكن أمام القبر المفتوح صلّى بصوت عال، لتدرك الجماهير الأسرار الّتي ستحدث هناك. فأعترف يسوع شاكراً أباه، انه يستجيب له دائماً. فلم تفصل الابن عن الله أي خطيئة ما. ولم يحجب بينهما أيّ مانع آخر. فالابن لم يعمل مشيئته الخاصّة. وما طلب اكرام ذاته. ولم يرد امتلاك قوّة لوحده. فالآب عمل بملئه في الإبن. وإرادته الأبوية أقامت لعازر مِن القبر. وكلّ ذلك اعترف به يسوع قدّام الجماهير، ليدركوا أنّ الله بالذات أرسل ابنه إليهم. وهكذا أصبحت اقامة لعازر تمجيداً عظيماً للآب، وإعلاناً عجيباً لوحدة الثالوث الأقدس.
11: 43 وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ, لِعَازَرُ, هَلُمَّ خَارِجاً 44 فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ, وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيلٍ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, حُلُّوهُ وَدَعَوْهُ يَذْهَبْ.
بعد أن مجّد يسوع أباه جهراً، صرخ بصوت عظيم في القبر الأسود: لعازر هلمّ خارجاً. والميت موتاً حقيقيّاً، الّذي لا يقدر على سمع الكلام ولا الصراخ، إنّما ادرك صوت يسوع الّذي دعاه باسمه. فنوعية الإنسان وشخصيته لا تنتهي بالموت. وأسماء المؤمنين مسجّلة في السماء. ونداء الخالق وصوت الفادي ودعوة المحيي تخرق طبقات الموت السفلى، كما انّ الرّوح القدس كان يرفرف في البدء في الظلمات خالقاً حياة مِن الخربة والفوضى. ولعازر الّذي اعتاد في حياته على استماع صوت يسوع واطاعته، سمع أيضاً في البرزخ صوت ربّه واطاعه مؤمناً. فجرت حياة المسيح فيه. وبدأ قلبه أن يدقّ. وانفتحت عيناه. وتحركت أطرافه. وعندئذ حدث الجزء الثاني مِن الأعجوبة، لأنّ الميت كان مدهوناً ومربوطاً بأقمطة مشدودة باحكام وملفوف بها جسده كلّه. وهذه اللفائق كانت متشرّبة بالطيب الّذي تجمّد عليها. فكان الميت كدودة في شرنقة متصلباً وجامداً لا يقدر على حسّ ولا حراك. ووجهه كان مغطّى. فلم يقدر أن يحرك يده المربوطة بجسده، ليزيح المنديل عن وجهه. فما كان مِن حلّ لهذا المسكين، إلاّ أن تحمله ملائكة الله الغير منظورة، كأنّه طير نحو يسوع. فمحبّة الله جذبت الحبيب، كالمغناطيس الّذي يجذب القطع الحديدية إليه بسرعة. ولَمّا رأى الجمع المتجمد هيئة لعازر البيضاء طائرة مِن القبر، انشلت قواهم كمضروبين بالصاعقة. فالميت حي، وتحرّك رغم اربطته ولم يتحرّك أحد مِن الحضور. فكلّهم تفرسوا في الميت المقبل نحو يسوع. أمّا المسيح فأمر الّذين حوله بأن يحلّوا الحي ويتركوه يمشي. فمشى الميت سابقاً بين النّاس على رجليه إلى البيت. ولم يكتب لنا يوحنّا شيئاً مِن سجود الحاضرين ليسوع، ولا مِن دموع الفرح أو التقبيل المتبادل أو زغردة التهلّل. ولم يقارن هذه الإقامة باختطاف المؤمنين نحو يسوع في مجيئه الثاني. كلّ هذا كان ثانويّاً. فلقد رسم يوحنّا البشير أمام أعيننا يسوع المحيي، لكي نؤمن به وننال بواسطة هذا الإيمان الحياة الأبديّة. وكان البشير يوحنّا آنذاك واقفاً مع الجموع المتجمدّين وهو فتى. وكان فزعاً مرتعباً مِن هذا المشهد لإحياء الميت. وبواسطة إيمانه أدرك مجد الله في الابن، لأنّه سمع صوته، واستسلم لقدرته. فهل قمت أنت مِن بين الأموات بواسطة إيمانك بالمسيح؟
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع الحبيب. نشكرك، لأنّك أقمت باسم أبيك لعازر. وانّك قمت بذاتك مِن القبر. ونشكرك لحلول حياتك فينا. وقد قمنا في الإيمان معك. فنلتمس منك إقامة الأموات عامّة في أمتنا، لكي يؤمن غير المؤمنين وينالوا بارتباطهم بك الحياة الأبديّة. ونطلب إليك لأجل أعدائنا، لكي يتوبوا، ويعيشوا بالإيمان الحقّ. ونؤمن باستجابة طلبتنا، لأنّك تسمعنا منعماً علينا. آمين.
السؤال:
27- كيف ظهر مجد الله في إقامة لعازر؟
د- قرار المجلس اليهودي بالحكم على يسوع موتاً
(11: 45- 54)
11: 45 فَكَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى مَرْيَمَ, وَنَظَرُوا مَا فَعَلَ يَسُوعُ, آمَنُوا بِهِ.
لقد صار لعازر حيّاً بعد موته، فأكل وشرب وتكلّم، وتحرّك كبقية النّاس. فأنشلت تقريباً عقول النّاس مِن حوله، الّذين شاهدوا موته قبلاً. وها هم أولاء يلتقون به حيّاً في الطرق والبيوت والسهرات. فأرتجف كثير منهم مِن جلال يسوع، وآمنوا بأنّه المسيح ابن الله الحي. فهكذا ازداد اتباعه أفواجاً. وتراكض النّاس إلى بيت مريم زرافات ووحداناَ ليشاهدوا يسوع ولعازر معاً.
11: 46 وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَمَضَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ وَقَالُوا لَهُمْ عَمَّا فَعَلَ يَسُوعُ. 47 فَجَمَعَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ مَجْمَعاً وَقَالُوا, مَاذَا نَصْنَعُ. فَإِنَّ هَذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. 48 إِنْ تَرَكْنَاهُ هَكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ, فَيَأْتِي الرُّومَانِيُّونَ وَيَأْخُذُونَ مَوْضِعَنَا وَأُمَّتَنَا.
بعض الّذين شهدوا قيامة لعازر، اسرعوا إلى الفريسيين وتباهوا بمعلومات هامة عن أعمال يسوع. فما آمنوا به بل انطبقت عليهم كلمة الربّ في مثله عن الغني الساقط إلى جهنّم، إذ أجابه إبراهيم بقوله: إن كانوا لا يسمعون مِن موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد مِن الأموات يصدّقون (لوقا 16: 31). فروح الله لا يستطيع أن يغيّر القلوب المتحجرة إن لم تؤمن بيسوع، حتّى ولو أظهر لها أعظم العجائب.
وكان للفريسيين تأثير كبير على المجمع الأعلى الديني، حتّى وافق رؤساء الكهنة على الحاحهم، وجمعوا الأعضاء السبعين للبحث في الأمر. والصدّوقيون خاصة الّذين ما آمنوا بقيامة الموتى، رحبوا بانعقاد هذه الجلسة كثيراً. ولقد كان أعضاء المجمع كلّهم محتارين، إذ انّ يسوع لم يرتكب خطيئة ما ملموسة ليوقعوا به ولكن مع ذلك قامت نهضة مسيحية حوله في عامة الشعب قبيل عيد الفصح، الّذي يتدفق فيه مئات الألوف مِن الحجّاج قاصدين العاصمة. وفي المناقشات الجارية في المجمع، سمّى أعضاؤه يسوع إنساناً فقط، لا رجل الله ولا نبيّاً. ورغم هذا النفي لم يقدروا على انكار عجائبه الخارقة. فبعضهم تردّد في هذا الأمر مفتكراً انّه لعلّ الله فعلاً يؤيّده. وأثناء جريان المباحثات خيّم على المجمع الخوف مِن انّ السلطة الاستعمارية تنتبه لهذا الأمر وتتدخّل، لأنّ تجمع الجماهير حول رجل يقوم بعجائب المسيح الموعود، يدل على خطر الثورة الموشكة على الحدوث. وعند ذلك سيكون الخطر أكيداً باغلاق الرومان الهيكل مسكن الله. فتنتهي كلّ الخدمات الكهنوتية والذبائح والصلوات والبركات. وخافوا فوق ذلك مِن وقوع السبي فيهم، وأن يأخذ الرومان وجوههم عبيداً إلى بلادهم.
11: 49 فَقَالَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ, وَهُوَ قَيَافَا, كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ, أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ شَيْئاً, 50 وَلاَ تُفَكِّرُونَ أَنَّهُ خَيْرٌ لَنَا أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ وَلاَ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّهَا. 51 وَلَمْ يَقُلْ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ, بَلْ إِذْ كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ, تَنَبَّأَ أَنَّ يَسُوعَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمُوتَ عَنِ الأُمَّةِ, 52 وَلَيْسَ عَنِ الأُمَّةِ فَقَطْ, بَلْ لِيَجْمَعَ أَبْنَاءَ اللَّهِ الْمُتَفَرِّقِينَ إِلَى وَاحِدٍ.
وعندما علا التشويش والهياج في المجمع، قام أخيراً رئيس الكهنة قيافا واستغلّ تضعضع الأعضاء في آرائهم، فطفق يهاجم وجوه الأمة هؤلاء ناعتاً إياهم بالجهالة وعدم التفكير. وكان له الحقّ بمثل هذا القول نوعاً ما، لأنّه ترأس الاجتماع بصفته رئيس الكهنة. وقد مسح بزيت رمز القداسة. فكان هو المسيح المزيّف، الّذي توجب عليه أن يمتليء بالرّوح القدس، لكي يتكلّم الله بواسطته مرشداً الأمة، لولا انّه اتبع الضلالة والهوى. فبالنسبة لتنبوءه المتعلق بوظيفته الكهنوتية العليا، سمّى كلّ النّاس جهلاء. ونوعية الرّوح الحقيقية الّتي تكلّمت مِن قيافا المحامي والمدعي العام السابق، بانت رأساً، لأنّ الشيطان نفسه تكلّم منه نظيراً لمقاصد الله شكليّاً، ولكن عكسها عمليّاً. فلا شكّ انّه كان خيراً للشعب أن يموت حمل الله عوضاً عنهم، لكيلا يهلكوا في غضب الله بل ينالوا الحياة الأبديّة. غير أنّ المدّعي الشيطاني والرئيس الأعلى تكلّم بهذه الأفكار بالمعنى السياسي، كأنه خير للأمّة أن تبيد يسوع حالاً، ليخلصوا جميعاً مِن غضب الرومان، وبهذه النبوة الشيطانية تحقّق قول يسوع، انّ إبليس هو الأب الرّوحي للكثيرين مِن اليهود، لأنّه كذّاب منذ البدء وأبو الكذابين.
ورغم هذا الرّوح الشيطاني، فانّ البشير يوحنّا فهم هذه النبّوة المتآمرة هكذا، ان الله أجبر الرّوح الشرّير في قيافا على أن ينطق معبراً عن قصده السيّء بطريقة متضمنة الحقّ الإلهي كلّه. فكان على رئيس الكهنة أن يتكلّم عن معنى موت يسوع خلاصاً للكلّ، بدون أن يدرك سمّو القول الّذي ينطق به بسلطة وظيفته. فكان الجاهل والغير مفكر بالحقيقة هو قيافا، لأنّه ما آمن بيسوع رغم أنّ روح الله أرشده لينطق بفتواه عن موت المسيح الفدائي الخلاصي فجهل ما قاله مِن فمه لأنّه لم يفهمه بل قصد عكسه.
ويوحنّا البشير أدرك معنى هذا القول بأوسع بيان لخلاص العالم كلّه قائلاً: انّ يسوع لم يمت للتكفير عن شعبه فقط، بل عن كلّ المؤمنين مِن الأمم، لأنّ جميع الّذين يؤمنون بالمسيح هم أولاد الله، إذ انّهم في ثقتهم بالمخلّص ينالون الحياة الأبديّة بكلّ قواها وصفاتها. إنّما هدف إيماننا ليس خلاصنا الشخي فقط، بل توحيد كلّ أولاد الله لكي يكونوا واحداً في المسيح. فمحبّة المخلّص هي رمز وقوّة المسيحية، وباسمه يتّحد أتباعه. وكلّما يقتربون مِن محورهم يسوع فانهم يقتربون مِن بعضهم أيضاً. فهلموا نستيقظ ونسرع نحوه، لنجد أنفسنا أخوة وأخوات في عائلة الله. وهي أقرب مِن القرابات الدنيوية.
11: 53 فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَشَاوَرُوا لِيَقْتُلُوهُ. 54 فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ أَيْضاً يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ عَلاَنِيَةً, بَلْ مَضَى مِنْ هُنَاكَ إِلَى الْكُورَةِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْبَرِّيَّةِ, إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا أَفْرَايِمُ, وَمَكَثَ هُنَاكَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ.
فأستاء بعض أعضاء المجلس مِن نبوة قيافا الخشنة القاتلة، لأنّهم كانوا يعطفون على يسوع. أمّا الأكثرية ففرحت، معتقدة ان الله أنزل بلسان قيافا، حكمه على المضلّ بالقتل لخلاص الأمة. فانقاد المجلس بالاجماع بعدئذ لهذه النبوة الزائفة، ووافقوا على اقتراح قيافا بقتل يسوع حالاً. ولعلّ بعض الحضور مِن المستقيمين قد احتجّوا، فلم يسمع لاحتجاجهم. لأنّ قيافا الماكر قاد الأكثرية للتآمر الغادر على قتل وإبادة يسوع. وقرّروا كذلك أن ينفذوا هذا القتل سرّاً، لكيلا تنشب في الشعب ثورة واضطراب.
وقد سمع يسوع عن هذه الخطّة، ولعلّه ايقنها ببصيرته الإلهيّة، فترك رأساً منطقة سلطة المجلس الديني ذاهباً إلى منطقة في حدود البرية، شمالي وادي الأردن، وشرقي نابلس. وربّما بقي هناك مدة طويلة مع تلاميذه منتظراً زمن ذبيحته وقيامته.
إنّ جبهة المعركة أصبحت واضحة. فالخلاص بين يسوع والكهنة منذ تطهيره الهيكل، والخصام بينه وبين الناموسيين (الشريعيين) منذ شفائه المريض يوم السبت وصل إلى القمّة بقيامة لعازر، حتّى قرّر زعماء الشعب بالاجماع إبادة فاعل الخير حالاً. النّور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه.
أيّها الأخ العزيز. هل أدركت نور المسيح؟ هل أنار إنجيله عقلك وجدّد قلبك؟ هل حلّت حياته الأبديّة فيك، وقادك روحه القدّوس إلى التّوبة والاعتراف بخطاياك، وأنشأ فيك الإيمان بتبريرك وتقديسك مجاناً؟ افتح نفسك بالتمام لجذب روح المسيح. وسلّم له حياتك ومستقبلك، لكيلا توافق بغير وعي مع أعداء يسوع بالحكم عليه موتاً. بل تنسجم مع التلاميذ، وتدرك القدّوس، حتّى تعترف معنا بهذا القول: ورأينا مجده مجداً كما لوحيد مِن الآب مملوءاًً نعمة وحقّاً.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح. نشكرك، لأنّك لم تنكر الحقّ في حالة الخطر، بل مجدّت دائماً أباك السماوي. اغفر لنا ضعف إيماننا والاهمال في محبّتنا. واجذبنا إلى شركتك مع الآب لكي نعيش في الحياة الأبديّة ونخدمك بلا انقطاع. اقبل حياتي واجعلها حمداً لنعمتك المجيدة.
السؤال: 28- لِمَ قرّر المجلس الأعلى اليهودي قتل يسوع؟
أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ.
مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ
بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ.
(شهادة يسوع حسب البشيز يوحنا 8: 35)
المسابقة الثالثة
لإنجيل المسيح حسب البشير يوحنا عن
الظلمة لم تدرك النّور
إن جاوبت على 22 سؤال مِن الأسئلة 28 المأخوذة مِن إنجيل يوحنّا الاصحاحات 7- 11، نرسل لك الجزء الرابعة من هذه السلسلة أو كتاباً آخر من كتبنا المختلفة:
1- لِمَ يبغض العالم يسوع؟
2- ما هما الاسلوبان للتأكّد انّ الإنجيل هو مِن الله؟
3- لِم يكون يسوع هو الإنسان الوحيد، الّذي يعرف الله حقّاً؟ وما هو إعلانه؟
4- ماذا أنبأ يسوع عن مستقبله؟
5- لِمَ يحق ليسوع القول: ان عطش أحد فليقبل إليَّ ويشرب. ومَن يؤمن بي فلا يعطش إلى الأبد؟
6- لماذا احتقر رؤساء الكهنة والفرّيسيون شعبهم؟
7- لِمَ هرب المشتكون على الزانية مِن أمام يسوع؟
8- كيف تتعلق شهادة يسوع لنفسه انه نور العالم، بمعرفة الآب السماوي؟
9- ماذا يعني الإيمان بالّذي يقول “انّي أنا هو”؟
10- كيف أعلن يسوع ثباته في الثالوث الأقدس؟
11- كيف نتحرّر بالحقيقة؟
12- كيف برهن يسوع لليهود انّهم ليسوا أولاد إبراهيم؟
13- ما هي صفات إبليس، الّتي أوضحها يسوع لنا؟
14- لِمَ أراد اليهود رجم يسوع؟
15- لِمَ شفى يسوع المولود أعمى؟
16- لِمَ لم يؤمن اليهود بامكانية شفاء المولود أعمى الّذي شفاه يسوع؟
17- ما الّذي أدركه الشاب تدريجيّاً أثناء استجوابه؟
18- ماذا يعني السجود ليسوع؟
19- ما هو الفيضان، الّذي يمنحه يسوع لخرافه؟
20- كيف يكون المسيح هو الرّاعي الصّالح؟
21- كيف يقود المسيح رعويته؟
22- كيف أعلن يسوع ألوهيته؟
23- لماذا تكلّم يسوع عن مجد الله، رغم أنّ مرض الموت مصيب كلّ النّاس؟
24- لِمَ تقدّم يسوع ظافراً لإنقاذ لعازر؟
25- كيف نقوم اليوم مِن الموت؟
26- لِمَ انزعج يسوع واضطرب وبكى؟
27- كيف ظهر مجد الله في إقامة لعازر؟
28- لِمَ قرّر المجلس الأعلى اليهودي قتل يسوع؟
اكتب أجوبتك إلينا بعد أن تتعمّق بالدروس والشروح الّتي في الدليل، لأجل أن تحصل على النجاح وتستلم الجائزة. والرّبّ المستعان.
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ.
مَنْ آمَنَ بِي
وَلَوْ مَاتَ
فَسَيَحْيَ،
وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً
وَآمَنَ بِي
فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَد.
أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟
(شهادة يسوع حسب البشيز يوحنا 11: 25-26)
الجزء الثالث
النّور يضيء
في حلقة الرسل
معلناً صميم مجده الإلهي
(الاصحاح 11: 55- 17: 26)
أوّلاً: التمهيد لجمعة الآلآم
(11: 55- 12: 50)
1- مسح يسوع في بيت عنيا
(11: 55- 12: 8)
11: 55 وَكَانَ فِصْحُ الْيَهُودِ قَرِيباً. فَصَعِدَ كَثِيرُونَ مِنَ الْكُوَرِ إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبْلَ الْفِصْحِ لِيُطَهِّرُوا أَنْفُسَهُمْ. 56 فَكَانُوا يَطْلُبُونَ يَسُوعَ وَيَقُولُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ, وَهُمْ وَاقِفُونَ فِي الْهَيْكَلِ, مَاذَا تَظُنُّونَ. هَلْ هُوَ لاَ يَأْتِي إِلَى الْعِيدِ. 57 وَكَانَ أَيْضاً رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيُّونَ قَدْ أَصْدَرُوا أَمْراً أَنَّهُ إِنْ عَرَفَ أَحَدٌ أَيْنَ هُوَ فَلْيَدُلَّ عَلَيْهِ, لِكَيْ يُمْسِكُوهُ.
كان الفصح أعظم عيد في العهد القديم. وفيه يتذكّر اليهود النّعمة، حين عبر غضب الله عنهم، ولم يهلكهم، لأنّهم عاشوا تحت حماية الحمل الإلهي المعين لأجلهم. وقد استحقوا الهلاك، إنّما خلّصهم إيمانهم.
وكان اليهود يأتون كلّ سنة إلى أورشليم، ليشكروا الله لحفظهم مِن غضبه. فذبحوا هنالك مئات ألوف الحملان، وأكلوها ليتّحدوا بسبب حمايتهم. وكثيرون منهم كانوا يذهبون إلى القدس قبل العيد، ليتطهّروا بواسطة التّوبة النصوحة، ويستعدّوا لاتحادهم بحمل الله. فإذا ما لمس أحدهم ميتاً، كان عليه أن يمارس سلسلة مِن التطهيرات والطقوس والعبادات أياماً سبعة، ليستحقّ مرّة أخرى دخول هيكل الله (سفر العدد 19: 11).
وفي ذلك الموسم تساءل الحجاج عن يسوع الناصري باهتمام: أيأتي أم لا يرونه؟ لعلّهم انّ المجلس الديني لليهود قد قرّروا سرّاً أن يحاكموه ويقتلوه. وطلبوا مِن كلّ بالغ في الأمة، أن يتجسّس لهم على يسوع، ويخبرهم إن شاهده في مكان ما، ليقبضوا عليه حالاً لاهلاكه. فما كان يسوع متحرّراً آنذاك، بل مضطهداً مطلوباً مِن قبل أعدائه بكلّ احتيال وعنف. وفتح فخ الموت فاه ليبتلعه ويبيده.
12: 1 ثُمَّ قَبْلَ الْفِصْحِ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ أَتَى يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا, حَيْثُ كَانَ لِعَازَرُ الْمَيْتُ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 2 فَصَنَعُوا لَهُ هُنَاكَ عَشَاءً. وَكَانَتْ مَرْثَا تَخْدِمُ وَأَمَّا لِعَازَرُ فَكَانَ أَحَدَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ. 3 فَأَخَذَتْ مَرْيَمُ مَناً مِنْ طِيبِ نَارِدِينٍ خَالِصٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ, وَدَهَنَتْ قَدَمَيْ يَسُوعَ, وَمَسَحَتْ قَدَمَيْهِ بِشَعْرِهَا, فَامْتَلأَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ.
لم يخف يسوع مِن كيد أعدائه، بل أكمل طريقه تجاه أورشليم منسجماً مع مشيئة أبيه السماوي. وما اختفى في العزلة، ولكنّه عاد نحو أورشليم قبل عيد الكبير بأسبوع. ودخل بيت عنيا البعيدة ثلاثة كيلو مترات عن العاصمة. وجاء إلى ذلك البيت الّذي أظهر فيه قدرته الخاصّة ومجد أبيه بواسطة غلبته على الموت. فقد عاش لعازر بعد احيائه مِن بين الأموات على يد يسوع. وأكل وشرب ومشى في الأسواق. وأبصره النّاس مشدوهين مرهوبين لخوفهم الطبيعي مِن رهبة الموت والأرواح.
ولقد اختبرت مرثا ومريم ولعازر مجد الله في المسيح. فاعترفوا به رغم تهديد المجلس اليهودي، واستقبلوا يسوع وتلاميذه، وقدّموا لهم وليمة العشاء ممتلئين بالفرح العميم. وكان لعازر حبيب يسوع وخليله، فاتكأ بجانب الّذي أحياه. ألا تدلّنا هذه الصورة على الفردوس بالذات؟ فالله لن يكون بعيداً عنا، بل سنتكيء معه في المجد. ومرثا الموهوبة في تدبير المنزل فتحت كلّ كنوز بيتها. وقدّمت ما عندها، لأنّها أدركت نهائيّاً، انّ يسوع هو المسيح الحقّ، ملك الله وغالب الموت.
ومريم المتصوفة أكرمت يسوع بطريقتها، وجاءت بقارورة طيب ثمنها يعادل أجرة عامل لمدة ثلاثمائة يوم. فتشّوقت أن تقدّم ليسوع أعلى ما عندها. ولكنّها ما شعرت باستحقاقها أن تمسح رأسه، فاقتربت مِن قدميه ومسحتهما بكنز حياتها. إنّ المحبّة ليست بخيلة، بل تضحي كثيراً أضعافاً. ولا تأخذ، إنّما تعطي ما عندها. وبعد هذا المسح نشّفت بشعرها قدمي الربّ، معترفة بعملها هذا ان رأسها مستحق أن يضع رجله عليه، وهي تبقى أمته الخاضعة. وهذا الاعتراف بمحبتها المقدّسة للمخلّص بسكبها العطور عليه رافقه برائحته القوّية اللذيذة الّتي فاحت وملأت البيت كلّه عطراً داخلاً الأنوف والرئات. فكلّ الحضور امتلأوا برائحة التضحية المنعشة.
12: 4 فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ, وَهُوَ يَهُوذَا سِمْعَانُ الإِسْخَرْيُوطِيُّ, الْمُزْمِعُ أَنْ يُسَلِّمَهُ, 5 لِمَاذَا لَمْ يُبَعْ هَذَا الطِّيبُ بِثَلاَثَمِئَةِ دِينَارٍ وَيُعْطَ لِلْفُقَرَاءِ. 6 قَالَ هَذَا لَيْسَ لأَنَّهُ كَانَ يُبَالِي بِالْفُقَرَاءِ, بَلْ لأَنَّهُ كَانَ سَارِقاً, وَكَانَ الصُّنْدُوقُ عِنْدَهُ, وَكَانَ يَحْمِلُ مَا يُلْقَى فِيهِ.
أحبّ يهوذا المال أكثر مِن يسوع، فحسب الماديات كثيراً، ولم يؤمن إلاّ قليلاً. وهكذا أراد أن تسفر التضحية عن ربح مادي، ولم ير البركة الرّوحية المتعلقة بها. وما أدرك معنى سجود المرأة وشكرها وتسليمها الرّوحي للمسيح. إنّ يهوذا ما رأى إلا المال، وما فكّر إلا به. فمَن يحب المال يصبح شيطاناً. وللعجب فهو غطّى بغضته ليسوع بقناع تقي مزيّف، كأنه قاصد عمل الخير ليس إلاّ. وتراءى كأنه شفوق على الفقراء. وهو ما عطف عليهم حقّاً، ولا أراد اعطاءهم شيئاً، بل ان يجمع ويختلس المال لنفسه. فأعماله الخيرية الّتي يقوم بها أحياناً، لم تكن إلاّ تغطية وخداعاً، ليخفي سرقاته وأعماله الدنسة. وما كان منظماً صندوق مالية الجماعة تماماً، بل كان يسقط في جيبه القرش تلو القرش سرّاً. وهكذا لم يثبت في الأمانة بالقليل، بل صار سارقاً بكلّ نيته وتفكيره. وتصرّفاته كلّها لم تتجل مكشوفة ظاهرة للعيان، بل ظلّ متخفيّاً محتاطاً. ويا عجباً فانّ يسوع ما كان يكشف على دفاتر مستلم الصندوق يهوذا! إنّما احتمله إلى النهاية، رغم علمه بمكره وسوء أفعاله. فيهوذا كان لصاً سراقاً ضالاً مختلساً. وأحبّ ذاته، حباً جماً. واستسلم لغرور الغنى، صائراً عبداً له. فيا أيها الأخ، لا تستطيع أن تخدم الله والمال. فإمّا أن تقبل الأوّل، وترفض الثاني، أو تبغض الأوّل، وتحبّ الآخر. فلا تغرنّ نفسك. فهل الله هدفك أو الرفاهية؟
12: 7 فَقَالَ يَسُوعُ, اتْرُكُوهَا. إِنَّهَا لِيَوْمِ تَكْفِينِي قَدْ حَفِظَتْهُ, 8 لأَنَّ الْفُقَرَاءَ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ, وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مَعَكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.
إنّ يسوع لا يطلب منّا الاسراف، وأن نكب قارورة الطيب على أرجل بعضنا كبّاً متبادلاً، بل فتح أعيننا لوجود الفقراء حولنا في كلّ حين. فلا حزب ولا دين ولا سياسة بمستطيعة أن تمحو كلمة يسوع المريرة هذه، عن بقاء الفقراء في كلّ حين. فأنانيتنا ضخمة، ومحبتنا ضئيلة. فلا يوجد على الأرض إشتراكية روحية حقة، ولن يكون الجميع بنفس المستوى موهبة وغنى وإكراماً. وهكذا نجد المساكين والمرفوضين والمنعزلين إينما توجهنا، غرباً أو شرقاً، في بلدتك في كلّ قرية ومدينة على السواء. أطلب الفقراء. ولا تنس أن فيهم إنّما تلتقي بيسوع. وعلم المسيح أن قلوب النّاس باردة كحجر صوان. فهو آت بحرارة المحبّة لأجلهم. ليموت عوضاً عنهم. وعرف أيضاً أنّ الرّوح القدس أرشد محبّة مريم لتمسحه للموت. وحيث تحلّ المحبّة الإلهيّة في الإنسان، يستطيع الرّوح القدس أن يرشد المؤمن لتأدية عجائب غير منتظرة. فقصدت مريم تمجيد الضيف العظيم، مِن حيث أن الرّوح القدس أرشدها أن تمسحه مقدمة لدفنه. فعلم يسوع موته بدقّة معترفاً به جهراً. وحذر بكلمته يهوذا بنفس الوقت، لئلاّ يقدّم على المؤامرة بتغطيتها العمل الخير تظاهراً، بل انّ ذاك المسْح قد كان بداية لاصلاح العالم كلّه، ومصالحة الأرض الشرّيرة مع الله الخير.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نحبك لأنّك أقمت لعازر مِن الموت. ولم تخف مِن القبر المظلم. علمنا أن نهدي مالنا وقلوبنا لك لنخدمك بكلّ ما عندنا. حرّرنا مِن البخل والرياء والسرقة والبغضة، لكي تملأنا محبتك وتقودنا إلى سيرة مضحيّة بالشكر.
السؤال:
1- لِمَ قبل يسوع مسحه بيد مريم؟
2- دخول يسوع إلى أورشليم
(12: 9- 19)
12: 9 فَعَلِمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّهُ هُنَاكَ, فَجَاءُوا لَيْسَ لأَجْلِ يَسُوعَ فَقَطْ, بَلْ لِيَنْظُرُوا أَيْضاً لِعَازَرَ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 10 فَتَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ لِيَقْتُلُوا لِعَازَرَ أَيْضاً, 11 لأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا بِسَبَبِهِ يَذْهَبُونَ وَيُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ.
هاجت العاصمة، لَمّا سمع النّاس أنّ يسوع قد زار لعازر. فربّ الحياة التقى بالميت، الّذي أحياه. فتراكضت الجماهير مِن القدس عبر جبل الزيتون إلى بيت عنيا، ليعاينوا أعجوبة الحياة. وأمّا رؤساء الكهنة المائلون للصدّوقيين، الّذين لم يؤمنوا بامكانية القيامة مِن الأموات ولا بوجود أرواح، فانّهم قد ابغضوا يسوع ولعازر بحقد كبير، إلى درجة أنهم لم يرفضوا الاعجوبة فقط، بل أرادوا أيضاً قتل الّذي أقيم مِن الموت، والّذي أقامه حيّاً معاً. ويلقونهما إلى القبر، ليبرهنوا انّه لا رجاء مع الموت. وأرادوا بنفس الوقت هدم الإيمان بمسيحيّة يسوع، لأنّ الجماهير اعتبروا اقامته للعازر برهاناً على انّه المسيح الإلهي الحقّ.
12: 12 وَفِي الْغَدِ سَمِعَ الْجَمْعُ الْكَثِيرُ الَّذِي جَاءَ إِلَى الْعِيدِ أَنَّ يَسُوعَ آتٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ, 13 فَأَخَذُوا سُعُوفَ النَّخْلِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ, وَكَانُوا يَصْرُخُونَ, أُوصَنَّا. مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ, مَلِكُ إِسْرَائِيلَ.
كان اسم يسوع على كلّ لسان. وترقّب الجميع ما سيفعله. أيهرب أم يفتح العاصمة، فتحاً مبيناً؟ وبعد ما بات ليلته في بيت عنيا، رآه المراقبون صباحاً قائماً مع تلاميذه، ومنطلقاً نحو أورشليم. فهذا كان القرار الفاصل. فالملك الجديد مقبل، والسّلطان الإلهي آت، وغالب الموت قد حضر. فقام كثير مِن النّاس، وساروا لاستقباله، وقلوبهم مفعمة بالشوق والترقب، ليروا عجائب وانتصارات وعظمة إلهية. وبعضهم قطعوا سعف النخل، وحملوها فرحين باستقباله. وابتدأ بعضهم يرتّل ذلك الترتيل المختص بتحية رؤساء الكهنة والملوك الجبابرة، إذ نادوا معاً وصرخوا بصوت عال: نعظّمك ونسبّحك. أنت القادر على كلّ شيء. أنت آت باسم الله، ممتليء بسلطانه. نشكرك للبركة الّتي تحملها معك. أعنّا وخلّصنا مِن كلّ عيب وعار. أنت مخلّصنا وبطلنا وزعيمنا المفدّى. أنت ملكنا الحقّ.
12: 14 وَوَجَدَ يَسُوعُ جَحْشاً فَجَلَسَ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ, 15 لاَ تَخَافِي يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي جَالِساً عَلَى جَحْشِ أَتَانٍ. 16 وَهَذِهِ الأُمُورُ لَمْ يَفْهَمْهَا تَلاَمِيذُهُ أَوَّلاً, وَلَكِنْ لَمَّا تَمَجَّدَ يَسُوعُ حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ, وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هَذِهِ لَهُ.
لم يجاوب يسوع على هتاف الجماهير، لأنّه عرف أنّ النّاس في هيجانهم لا يستطيعون سمعاً ولا تفكيراً، بل يتدفّقون في الأزقّة والشوارع صارخين هاتفين ومتدافعين. فكلّمهم يسوع بطريقة عملية، إذ ركب حماراً جواباً على هتافهم، كأنّه يقول: أنا هو الملك الموعود في سفر زكريا 9: 9. فلا تخافوا البتّة. بل ابتهجوا جداً، لأنّي لست أكسر أبواب وأسوار المدينة بالعنف، ولا أقتلكم ولا أمارس دينونة الله عليكم. أنا مِن نوع آخر. فانّي عادل في ذاتي، وعندي لا فوضى ولا محاباة. أدبر لليتامى الحقّ، وأهتم بقضايا الأرامل. ولكن للأسف الشديد! فان كلّ النّاس غير عادلين. الكلّ ظلمه، زاغوا عن الطريق المستقيم. إنّما لا تخافوا لأنّي لا أهلككم حسب استحقاقكم، بل أغلب الشر فيكم. واحمل خطاياكم في ذاتي، منصوراً معيناً، وبنفس الوقت ظاهراً مغلوباً ضعيفاً. هكذا سأخلّصكم مِن غضب الله، وانتصر بالحرب الرّوحي ظافراً فائزاً نهائيّاً.
إنّكم تطلبون بطلاً ملكاً غالباً بالسيف. أمّا أنا فآتيكم متواضعاً كحمل الله الوديع، بلا عنف ولا قهر. قد اخضعت إرادتي لأبي. فتتمنون أنتم ثورة وحرباً ونصراً. ولكنّي أقدّم لكم صلحاً وخلاصاً وسلاماً مع الله. انظروا الحيوان الّذي أركبه، وتأمّلوا فيه. فاني لا أركب خيلاً ناريّاً ولا جملاً فخراً، بل حماراً مسكيناً. لا تنتظروا مني مالاً أو شرفاً أو تطوراً إقتصاديّاً، لأنّي آت بالحياة الأبديّة وفاتح السماء لكم، مصالحاً التائبين مع الله.
لكنّ الجمع وحتّى التلاميذ، لم يفهموا قصد يسوع بهذا المثل الواقعي. إنّما بعد صعوده إلى السماء فتح الرّوح القدس ذهنهم، ليدركوا تواضع المسيح ومجد الله الحال فيه، الّذي اختلف كلّ الاختلاف عن تطلعات النّاس السياسية والدنيوية. أمّا الرّوح القدس، فقد أرشد أتباع يسوع للهتاف والفرح لدى استقباله، قبل معرفتهم معنى النبوّة وتحقّقها حرفيّاً.
12: 17 وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ. 18 لِهَذَا أَيْضاً لاَقَاهُ الْجَمْعُ, لأَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ هَذِهِ الآيَةَ. 19 فَقَالَ الْفَرِّيسِيُّونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ, انْظُرُوا. إِنَّكُمْ لاَ تَنْفَعُونَ شَيْئاً. هُوَذَا الْعَالَمُ قَدْ ذَهَبَ وَرَاءَهُ.
التقى الجمع الّذي رافق يسوع في طريقه مِن بيت عنيا، مع الموكب الّذي جاء مِن العاصمة أورشليم لاستقباله، في وادي قدون. فأخذ الأولون يصرخون بأولئك المقبلين عليهم: عملتم جيداً بمجيئكم لاستقبالنا، لأنّ يسوع هو المسيح. وقد أقام ميتاً. وبرهن أنّه المسيح الحقّ. فكانت إقامة لعازر أساساً لتنوير الجماهير لاتباع يسوع جماعات. ففي الجليل حاولت الجماهير تتويج يسوع لاطعامه الخمسة آلاف مِن خمسة أرغفة. وها هي ذي الجماهير في أورشليم آتية إليه، لأنّه أقام ميتاً منتهيّاً. فبهاتين المناسبتين كانت محبّة النّاس ليسوع قائمة على أمور ماديّة دنيوية. لا على البِرّ والتّوبة والرّوح.
وإلى جانب الهاتفين وقف الأتقياء الفريسيون وزعماء الشعب غاضبين وحاسدين يسوع، منتظرين أن يهاجم المدينة، ويدخل الغوغائيون مِن أتباعه إلى بيوتهم ليسحلوهم ويفترسوهم افتراساً. فارتجفوا واعترفوا بفشلهم. إنّ قوّة الله شطبت مؤامراتهم وتهديداتهم وممانعاتهم. ولم يتم أمر تسليم يسوع إليهم سرّاً، بل عكس ذلك، فقد دخل إلى العاصمة راكباً في موكب انتصاره المجيد.
الصّلاة: أيها الربّ يسوع، أفتح لك قلبي وذهني، لكي تدخل فيّ بروحك القدّوس، وتغيرني حسب صورتك. اغفر لي ذنوبي. لأنّي لست مستحقّاً أن تدخل قلبي. أمّا أنت فتحلّ فيّ رغم خطاياي وتحبّني وتخلّصني، لأنّك صالحتني مع الله، وادخلتني في ملكوت سلامك. وأنا صارخ مع كلّ الهاتفين: أوصنّا مبارك الآتي باسم الربّ، أنت ملكي. وأنا خاصّتك. آمين.
السؤال:
2- ماذا يعني دخول يسوع إلى أورشليم؟
3- اليونانيون يطلبون التعرف بيسوع
(12: 20- 26)
12: 20 وَكَانَ أُنَاسٌ يُونَانِيُّونَ مِنَ الَّذِينَ صَعِدُوا لِيَسْجُدُوا فِي الْعِيدِ. 21 فَتَقَدَّمَ هَؤُلاَءِ إِلَى فِيلُبُّسَ الَّذِي مِنْ بَيْتِ صَيْدَا الْجَلِيلِ, وَسَأَلُوهُ, يَا سَيِّدُ, نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوعَ 22 فَأَتَى فِيلُبُّسُ وَقَالَ لأَنْدَرَاوُسَ, ثُمَّ قَالَ أَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ لِيَسُوعَ. 23 وَأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا, قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ. 24 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ.
اجتمع في القدس يونانيون متهوّدون، جاءوا لعيد الفصح مِن العالم اليوناني. وتأثروا لَمّا استقبلت الجماهير يسوع بالهتاف ملكاً. فأرادوا أن يتعرفوا عليه. فتمثلت أشواق الأمم والشعوب في هذا الطلب. وطالبو المسيح هؤلاء استفهموا عمّن يتكلّم اليونانية مِن تلاميذه، ليكون صلة لهم بيسوع. فوجدوا فيليبس، الّذي اسمه يوناني الأصل مدخلاً في العبرانية. وتكلّم فيليبس عن طلبة الغرباء مع صديقه اندراوس، أكبر التلاميذ. فتقدّما كلاهما إلى يسوع متأثرّين بعمق، لأنّهما رأيا باكورة العالم آتية إلى يسوع في هؤلاء اليونانيين. وربّما خطر لهما أيضاً، أنّ اتيان الغرباء إليهم، سيكون مخرجاً ليسوع وتلاميذه مِن حالة الاضطهاد الواقعة عليهم. فيستطيعون معه الهرب إلى البلاد اليونانية البعيدة ويستريحوا مِن اليهود المتعصبين.
وأبصر يسوع أفكارهم، كما عرف شوق الشعوب في الطلبة اليونانية. فنادى بصوت واضح نداءه المهم، الّذي لم يفهمه الجميع حقّاً. إنّما نداء الانتصار هذا المرتفع مِن فم يسوع، أصبح شعار إنجيل يوحنّا كلّه: الآن يتجّمد ابن الإنسان. قد حلّت ساعة تعظيمه، وحانت اللحظة المنتظرة مِن السماء والأرض.
ولكن يا للعجب العجاب! فانّ الانتصارات الحربية واستلام السلطة وتجمّع الجماهير ما كانت هي العلامة لمجد يسوع البتّة. ولا يذكر يوحنّا تجلّي يسوع على الجبل العالي في إنجيله بالمرّة، لأنّه لا يعتبر كلّ هذا مجداً جوهريّاً. إنّما ذكر لنا قول يسوع عن تمجيده انه متعلّق بموته. فها هنا على الصليب نرى صميم ألوهيته، وهي المحبّة. وسمّى يسوع نفسه حبّة الحنطة، البذرة السماوية الساقطة إلى الأرض، لينتهي في ذاته ويزول. عندئذ يصل إلى هدف مجيئه، أن يقوم بشر جديد مِن النوع الإلهي، تظهر فيهم كلّ صفات البِرّ والمجد. فالمسيح كان دائماً مجيداً وما احتاج إلى تمجيد. إنّما موته قدّسنا نحن النجسين. لكي نستحق الاشتراك في تعظيمه. فاتيان اليونانيين أيقظ في يسوع نداء الابتهاج، لأنّه ظهر في هذه المناسبة أنّ الله اختار مِن كلّ الأمم أناساً، يجدّد فيهم الصورة الأصلية لمجده. وقال عندئذ يسوع لتلاميذه، انّ دخول مجد الله إلى الخليقة لا يتمّ إلاّ بواسطة الصليب.
12: 25 مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا, وَمَنْ يُبْغِضُ نَفْسَهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ يَحْفَظُهَا إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ. 26 إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي فَلْيَتْبَعْنِي, وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضاً يَكُونُ خَادِمِي. وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَخْدِمُنِي يُكْرِمُهُ الآبُ.
يرينا يسوع انّ طريقه للموت وذهابه للمجد شعار حياة تلاميذه أيضاً. وكما انّ الابن ترك مجده وأخلى ألوهيته الظاهرة ليخلّص النّاس، هكذا ليس هدفنا أن نصبح عظماء ومشهورين، بل أن ننكر أنفسنا على الدوام. فامتحن نفسك: هل تحبّها أو تبغضها؟ المسيح يقول لك، ان استمرّرت بنوعية مِن أنانيتك ولو ضئيلة، واندفعت إلى تمجيد اسمك والاهتمام بعملك الخاص، فتزول حتماً. ولكن إن نسيت نفسك، وخدمت يسوع وملكوته أميناً، تربح الحياة الإلهيّة، وتحفظ نفسك الموهوبة لك إلى الأبد. وبهذه الكلمات يريّك يسوع دستور مجده الحقّ. لا تعش لإرضاء أمنياتك، ولا تتكاسل مسترخيّاً، ولا تستكبر وتقصد الغنى، بل ارجع عاجلاً إلى الله مصغيّاً لأوامره، طالباً المساكين الدنسين الشرسين وأخدمهم، كما انّ يسوع أخلى مجده، ليجلس مع الزناة والسارقين على طاولة واحدة. ففي شركتك مع الخطاة في سبيل الخلاص يظهر بهاء مجد الله في حياتك. لا تظنّ انّك أحسن مِن الآخرين. فالمسيح وحده يجعلك، وأنت الفاشل، مخلّصاً لكثيرين. وهذا التغيير يتمّ بانكار نفسك فقط.
ووضّح يسوع هذا المبدأ بطريقة أوضح، إذ قال بما معناه: إنّ كلّ خدمة له تعني اتباعاً وتمثلاً به واشتراكاً في احتقاره الّذي يتحمّله. فليس الطريق إلى الأبهة على سلّم درجات الرفاهية والفخر والمراكز الكبيرة، هو ما ينتظر اتباع ابن الله، بل الرفض والبغضة والضيقات والاضطهاد حتّى الموت. أأنت مستعدّ أن تتألّم لأجل اسم يسوع؟ فاعلم انّه، لا يقول حيث يكون خادمي، هناك أرافقه، بل العكس، حيث أكون أنا فهناك يرافقني عبدي. فالمسيح سبقك اليوم إلى ضيقات العالم، ويتألّم معك، لأنّ ليس المجد الظاهر هو موضوع وشعار خدّام المسيح في هذه المرحلة، بل خلاص الضّالين. فسعادتنا ليست ارضاء أنفسنا، إنّما أن نخدم المحتاجين. واسم المسيح يتمجّد بواسطة تضحية اتباعه. واسم الآب يتقدّس بواسطة تمثل أولاده بابنه.
ولكن وعد يسوع لاتباعه ليس كبيراً بنسبة مقابلة الآلام فقط، بل بنسبة اشتراكهم في المجد أيضاً. فكما انّ المسيح جالس اليوم في عرش أبيه، وعائشاً معه في شركة كاملة ووحدة تامة، هكذا سيعيشون ويتحدون مع أبيهم السماوي الّذين يكونون اليوم مضطهدين لأجل اسم المسيح. فالسرّ عظيم، ولكن ماذا تفكّر يا ترى يكون الاكرام، الّذي يقدّمه الله الآب لخدّام ابنه الحبيب؟ انّه يعيدهم إلى صورته المجيدة، كما كان ذلك في بداية الخلق. وأكثر مِن هذا، سيحلّ فيهم بملء روحه القدّوس، ليكونوا أولاده مشابهين صورة ابنه، ليحسب هو بكراً بين أخوة كثيرين. فيكونون دائماً عند أبيهم في بيته (رومية 8: 29 ورؤيا يوحنّا 21: 3- 4). الصّلاة: نشكرك أيها الربّ يسوع، لأنّك لم تكتف بمجدك بل خلعت عظمتك، وأصبحت إنساناً صغيراً فخلّصتنا. نسجد لك لأجل هذا التواضع، متلمسين منك أن تحرّرنا مِن اكتفائنا واستكبارنا وارضاء أنفسنا، لكي نتحرّر في قوّة روحك إلى خدمتك ونحقّق محبّتك في حياتنا.
السؤال:
3- لِمَ يعني موت المسيح، انّه تمجيده الحقّ؟
4- تمجيد الآب وسط الاضطراب
(12: 27- 36)
12: 27 اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذَا أَقُولُ. أَيُّهَا الآبُ نَجِّنِي مِنْ هَذِهِ السَّاعَةِ. وَلَكِنْ لأَجْلِ هَذَا أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ. 28 أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ, مَجَّدْتُ, وَأُمَجِّدُ أَيْضاً.
تألم يسوع في صميم قلبه. انّه كان رئيس الحياة، ولكن تواضع ليبتلعه الموت. وكان ربّ الارباب، ولكن سمح للشيطان صاحب سلطة الموت، أن يجرّب كلّ قوّته فيه. وكان المسيح قدّوساً في ذاته، إنّما احتمل خطايانا راضيّاً، ليحترق عوضاً عنا في لهيب غضب الله. وكان الابن دائماً واحداً مع أبيه منذ الازل. ولكن لأجل خلاصنا تركه أبوه، لكي نتّحد معه بالنّعمة. فليس أحد يستطيع ادراك اضطراب وآلام الابن والاب، لأنّ وحدة الثالوث الأقدس كلّها قد تألمت لأجل فدائنا. وهكذا كان يسوع في جوهره مضطرباً اليماً. ولم يستطع جسد يسوع احتمال هذا الضغط الفائق القدرة البشريّة، فصرخ في شعوره الباطني: أيّها الآب، نجّني مِن هذه الساعة. ولكنّه استمع جواب الرّوح القدس واضحاً في قلبه: قد ولدت لهذه الغاية. وهذه الساعة هي هدف الأبديات. كلّ الخليقة والآب نفسه ينتظرون هذه اللحظة، حيث يصطلح الله والبشر، الخالق والخليقة كلّها. وفي هذه المرحلة تتحقّق خطّة خلاص الله، واسم الله الجديد. وعند ذلك صرخ يسوع رأساً: أيّها الآب مجّد اسمك. فالابن لم يصغ لصوت الجسد واذعن للانفصال عن أبيه، غالباً شوقه للثبات معه في الوحدة، ناسيّاً اسمه الخاص. وصلى في انسجام مع الرّوح القدس: ليتقدس اسمك الأبوي. وليعرف كلّ العالم، انّك لست الإله المخيف البعيد الغير المدرك. بل الآب المحب، الّذي يضحّي نفسه في ابنه، لكي يخلّص الأشرار الهالكين. والله العظيم لا يتباطأ ثانية في استجابة صلاة ابنه الجوهرية. وجاوبه مِن السماء: قد مجدت اسمي فيك. أنت ابني المطيع المتواضع. مَن يراك يراني. أنت حبيبي، بك سرّرت. أنت شرفي وفخري وابتهاجي. ليس لي مسرّة أخرى إلاّ بك لقبولك تحمّل الصليب. وفي موتك النيابي سأعلن لبّ مجدي وسط عواصف الآلام الهائلة. أنت تعلن على الصليب معنى المجد الصحيح والقداسة الحقّة، انّها ليست إلاّ محبّة وتضحية، وبذل الذات، لغير المستحقين وقساة القلوب. واستمرّ الصوت السماوي مجلجلاً بكلّ وضوح: سأمجّد اسمي مرّة أخرى، عندما تقوم مِن القبر صاعداً إليّ، وجالساً معي في المجد، وساكباً مِن روحي على أحبائك. عندئذ يتعظّم اسمي الأبوي بولادة أولاد كثيرين لي مِن الرّوح القدس. ووجودهم يكرمني، وسيرتهم الفضلى تقدّسني. فموتك على الصليب هو سبب لولادة أولاد الله. وشفاعتك في المجد ستكون ضمانة الكنيسة. فبك وحدك يتمجّد الآب بدون نهاية.
12: 29 فَالْجَمْعُ الَّذِي كَانَ وَاقِفاً وَسَمِعَ, قَالَ, قَدْ حَدَثَ رَعْدٌ. وَآخَرُونَ قَالُوا, قَدْ كَلَّمَهُ مَلاَكٌ. 30 أَجَابَ يَسُوعُ, لَيْسَ مِنْ أَجْلِي صَارَ هَذَا الصَّوْتُ, بَلْ مِنْ أَجْلِكُمْ. 31 اَلآنَ دَيْنُونَةُ هَذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هَذَا الْعَالَمِ خَارِجاً. 32 وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ. 33 قَالَ هَذَا مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ.
لم تدرك الجماهير الّذين كانوا حول يسوع تكليم الله له، بل ظنّوا ذلك رعداً صاعقاً. فكلماته اللطيفة ضجّت في آذانهم كدينونة مهلكة. فلم يقدروا على التمييز، ولم يلاحظوا انّ الله محبّة. ولم يسمعوا صوته الحنون، ولم يروا انّه بإعلان مجد الآب في الابن قد ابتدأت الدينونة في العالم. فلقد فقد الشيطان سلطته على عبيده منذ ارتفع الصليب بموته وأحياناً بروحه. فتجريد الشرّير مِن قوته ابتدأ بخضوع الابن لمشيئة الآب. وقد سمّى يسوع إبليس رئيس هذا العالم، عالماً انّ العالم كلّه قد وُضع في الشرّير. ولم يتراجع يسرع أمام هذه الحقيقة الاليمة المريرة، بل ضرب بسيف برّه سجن الشيطان ضربة لازبة نهائية. فها نحن أولاد أحرار باسم يسوع المسيح. ويجذبنا يسوع إلى صليبه. فلقد أبغضه الشيطان إلى درجة انه لم يرض له الموت على الأرض أو على سريره، بل رفعه مِن التراب بيد جنوده الابليسية، ليموت على خشبة العار، وسط الهواء. ولكن كما أنّ الحيّة المرتفعة في البرّية زمن موسى عانت نهاية عقوبة الله للمؤمنين، فهكذا صار الصليب جامع الدينونة كلّها عليه ومنهيها. فالله لا يدين الّذين ينظرون إلى المصلوب. والشيطان قد كبت، فلا يجد سلطة في الّذين يتمسّكون بالابن جهاراً. إنّ إيماننا بالمسيح يصلبنا معه ويوحدنا بموته. فمتنا لخطايانا، ونعيش للبر. وإتحادنا بالمسيح، قد وحّدنا بحياته وقوته ومجده أيضاً. وكما انه اجتاز الخطيئة والموت والشيطان والدينونة قدّوساً، هكذا يجرنا وراءه ويجذبنا إلى مجده، لأنّ كلّ الّذين يؤمنون به، لا يهلكون إلى الأبد، بل تكون لهم الحياة الأبديّة. ولكن مَن يرفضه يختار اليوم الدينونة، ويبتدىء بالسقوط إلى الهلاك. إنّ الهاوية على باب عصرنا. أمّا المجد فيغلب في المؤمنين.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نسجد لك لأنّك رفضت الفرح واخترت الآلام عوضاً عنّا وقد أعلنت لنا قلب الآب في محبّتك. ووكلتنا بحقوقك البنوية. وجعلتنا أولاداً لله. فنلتمس منك تخليص الملايين مِن مواطنينا، لكيلا يكونوا طرشاً لصوت الله اللطيف، بل يسمعون إنجيلك. ويلتصقون بك، ويتّحدون معك على صليبك ومجدك.
السؤال:
4- كيف مجّد الله اسمه؟
12: 34 فَأَجَابَهُ الْجَمْعُ, نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ (الشريعة) أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ, فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ. مَنْ هُوَ هَذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟
اختبر يسوع فترة اضطرابه واكتئابه، وذلك وسط جماهير مستمعيه. فظلمة غضب الله خيمت عليه، عندما طلب اليونانيون التعرف عليه. ففي حالة النجاح الخارجي، اختبر يسوع انكساره الداخلي. أمّا الآب فقوّاه في هذه الساعة المريرة، معلناً له انسجامه معه، لأنّ الابن ثبت مطيعاً لجذب الرّوح القدس، وأنكر نفسه مختاراً الموت والعيوب عوضاً عن الحياة والمجد. ولم تفهم الجماهير مخاطبة الثالوث الأقدس لذاته في ذاته، لأنّهم لم يقصدوا انكار أنفسهم وإعلان الله أباً للناس. لكنّهم أرادوا مسيحاً باقيّاً معهم إلى الأبد لتكفل قوته ضمانتهم، فيجعلهم أفضل أمة وأقوى الشعوب. وهكذا فقد فكّر اليهود دنيويّاً أنانيّاً باستكبار. أمّا المسيح فتواضع مخليّاً نفسه، مكرماً أباه فقط. فسمّى ذاته ابن الإنسان كأنّه أحد النّاس.
وأحرج اليهود يسوع، ليعترف أنه يقصد مسيحيته بذكره انه ابن الإنسان. فطلبوا منه برهاناً منطقيّاً صريحاً لكيلا يكونوا مسؤولين عن إيمانهم به، وحتّى لا يحتاجوا للاستقصاء عن حقيقته بأنفسهم. كلّهم علموا التفاسير اللاهوتية لسفر دانيال في الاصحاح السابع، حيث يسمّى المسيح ابن الإنسان وقاضي العالمين. ولكنّهم أرادوا السماع مِن يسوع مباشرة، انه هو الابن الإلهي، لكيلا يجهدوا أنفسهم ويتجاسروا للإيمان به، بل ليصدّقوه بسطحية، ان أثبت لهم أنّه هو. ومنهم مَن كان عدواً سيّء النية، يريد أن يوقع بالمسيح بتهمة التجديف، ان صرّح انّه ابن الإنسان. ولكنّ المسيح لم يعلن ذاته للمتاحثين بالطريقة المنطقية، الكسالى في جرأة الإيمان، بل يعلنها للمؤمنين البسطاء، الّذين يتجاوبون لجذب الرّوح القدس، ويعترفون مسبقاً أنّ ابن الإنسان هو ابن الله، مَن قبل أن يثبت لهم ذلك يسوع.
12: 35 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, النُّورُ مَعَكُمْ زَمَاناً قَلِيلاً بَعْدُ, فَسِيرُوا مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ لِئَلاَّ يُدْرِكَكُمُ الظَّلاَمُ. وَالَّذِي يَسِيرُ فِي الظَّلاَمِ لاَ يَعْلَمُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ.
إنّ يسوع هو نور العالم، وادراك النّور لا يحتاج إلى تفسيرات، فهو مدرك لأنّ كلّ إنسان عادي يقدر أن يرى النّور، ويميّزه مِن الظلمة. وهو يسبّب حركة وذهاباً وركضاً ما دام النهار مضيئاً. ففي الليلة الظلماء لا يستطيع الإنسان أن يشتغل. فما دامت الشمس مشرقة، فهو وقت العمل والنشاط. وهكذا قال يسوع لليهود، انه لم يبق لهم إلاّ وقت قليل جداً ليدخلوا في نوره، إن أرادوا. فالوقت لم يكن متسعاً للمباحثات السفسطائية، بل يتطلّب القرار والتسليم والثبات.
ولكن الّذي يفقد فرصة النّور، يظل في الظلمة داشراً. ولا يعلم طريقه. وهكذا تنبأ يسوع لليهود مسبقاً، انهم سيتيهون في الظلمات بدونه، وبدون طريق ولا هدف ولا رجاء. وهذه الظلمة ليست ظلاماً طبيعيّاً خارجيّاً، بل داخليّاً مِن صبغة الرّوح الشرّير في الإنسان. فيصير بنفسه ظلاماً ظلاماً طيلة حياته. فمَن لا يستسلم ليسوع تغلبه الظلمة. هل أدركت الآن السبب انّ بعض الدول المسيحية أصبحت ينابيع الظلمة في العالم؟! ليس كلّ مولود مسيحي هو مستسلم للمسيح حقّاً. فقليلون هم المسيحيون المتجدّدون حقيقة. فيبقى كثيرون ظالمين، لأنّ الظلمة تغلب كلّ مَن لم يدخل في النّور بتصميم حق. فلا تستطيع أن ترث بركة الإنجيل مِن والديك تلقائيّاً، بل عليك القبول والتجاوب والتسليم نهائيّاً، ما دام الوقت مفتوحاً لك أنت حيّ.
12: 36 مَا دَامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ لِتَصِيرُوا أَبْنَاءَ النُّورِ. تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا ثُمَّ مَضَى وَاخْتَفَى عَنْهُمْ.
إنّ المسيح يعدك إنّ ارتباطك الإيماني به يغيّرك جذريّاً. فالإنجيل يبث أشعة مجد الله، الّتي هي أقوى مِن أشعّة الذرة. ولكن بينما الأشعة النووية تميت وتهلك الحرث والنسل، فإنّ أشعة المسيح تخلق فينا الحياة الأبديّة، حتّى يصبح المؤمن ابن النّور ومنارة للكثيرين. فهل أنت داخل رحاب المسيح، ممتليء الحقّ والطهارة والمحبّة؟ إن يسوع يدعوك مِن ظلماتك لتدخل في هذه الفترة الأخيرة، إلى نوره العجيب فتتقدس.
وبعد هذه الموعظة الّتي القاها المسيح كاستفتاحية لدخول أورشليم، لم يأخذ على أثرها السلطة بالقوّة، ولم يهاجم الرومان وهيرودس وأعداءه بالسيف. قد انتهت معركته، وحانت دينونة العالم. فالنّور يضيء في الظلمة، والمؤمنون يخلصون. وغير المؤمنين يهلكون. فالمصارعة بين السماء والأرض وصلت القمة. عندئذ أختفى يسوع، لأنّ الله لا يجبر إنساناً للإيمان. وكلّ مَن لا ينفتح لروحه طوعاً، يبقى وحيداً متروكاً. فهل أصبحت مِن أبناء النّور أو بقيت مِن عبيد الظلمة؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع نشكرك، لأنّك دعوتنا في الساعة الأخيرة قبل مجيئك. نشكرك لإعلان ذاتك نوراً العالم. اجذبنا إلى أشعّة رحمتك، لنثبت رحماء. لا تتركنا بل تجذبنا إليك كاملاً. الفت أنظارنا مِن المال والسلطة والانتصارات الدنيوية، وارشدنا إلى تواضعك ورفض الذّات وإكرام الآب، لكي نتبعك عمليّاً، ونثبت أبناء نورك.
السؤال:
5- ماذا تعني صيرورتنا أبناء النّور؟
5- النّاس يتقسّون للدينونة
(12: 37- 50)
12: 37 وَمَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ صَنَعَ أَمَامَهُمْ آيَاتٍ هَذَا عَدَدُهَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ, 38 لِيَتِمَّ قَوْلُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ, يَا رَبُّ, مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا, وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ. 39 لِهَذَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُؤْمِنُوا. لأَنَّ إِشَعْيَاءَ قَالَ أَيْضاً, 40 قَدْ أَعْمَى عُيُونَهُمْ, وَأَغْلَظَ قُلُوبَهُمْ, لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ, وَيَشْعُرُوا بِقُلُوبِهِمْ, وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ. 41 قَالَ إِشَعْيَاءُ هَذَا حِينَ رَأَى مَجْدَهُ وَتَكَلَّمَ عَنْهُ.
حقّق يسوع آيات كثيرة مِن آيات محبته في أورشليم، فكلّ النّاس الّذين لهم الإرادة المستعدّة قد أدركوا قوّته ومصدره. ولكنّ المتزمت الخاضع لآراء مسبقة فلم يدرك المسيح، إذ قاسه بمنظار منطقة الأعوج وأهوائه المتعصبة.
إنّ كثيراً مِن النّاس هم ممتلئون بأفكارهم الخاصّة أو ينقادون بدعايات زعمائهم الساحرة، حيث تصطخب أفكارهم في رؤوسهم وقلوبهم. فلا يسمعون صوت الله، لأنّ تكلّم الرّوح القدس لطيف ناعم هادىء، ويحتاج إلى اصاخة سمع القلب. فمَن يتفرّس في صورته في المرآة ويتعجب مِن ذاته، ومَن يشخص وتتسمر عيناه بصور الزعماء كأصنام بشرية مرتفعة، فإنّه لا يعرف المسيح حمل الله الوديع.
وأمّا المتمرّدون ضدّ صوت الرّوح القدس المتكلّم في الإنجيل، فأنّهم لا يقسون أنفسهم بأنفسهم فقط، بل الله في عدله وغضبه يسحب منهم القدرة الأصلية للسماع والرؤية ويقسيهم، لكيلا يستطيعوا الإدراك فيما بعد. فالله هو العامل للخلاص أو الدينونة.
ونجد أن بعض العائلات والعشائر والشعوب تعيش بقضها وقضيضها تحت غضب الله، لأنّه يلتفت عن الّذين ينصرفون عنه نهائيّاً، بعدما حاول مراراً إعادتهم إلى جادة الهدى. فالله يقسّي الغير مطيعين لصوت روحه القدّوس، لأجل عدل قداسته، ولأنّه لولا تقسيتهم لأمكن رجوعهم رغم اجرامهم الرّوحي، لأنّ الله يجذب قلوب الخطاة دائماً إلى التّوبة. لكن مَن داس محبّته برجليه عمداً، ولم يقبل قوّته في المسيح، فانه يسقط للدينونة. فالله اذن لأجل قداسته ينبغي أن يقسّي الغير مطيعين تدريجيّاً للهلاك المبين.
ومبادىء تقسية الله للمعارضين ليست فلسفية خيالية، بل انّها مِن صميم مجده تعالى، كما رآه النّبي أشعياء بعينه واختبر إرادته بكيانه. فسمع وأدرك انه لم يرسله إلى خلاص شعبه، بل لتقسيتهم النهائية (أشعياء 6: 1- 13). فالتبشير بالمحبّة لهو أهون مِن الانذار بغضب الله ودينونته. إن محبّة الله ممتلئة القداسة والحقّ والعدل والنّور. وفي حضوره لا يثبت شرّ، بل يهرب مِن أشعة مجده. وبما أنّ يسوع هو المحبّة المقدّسة المتجسّدة، فبشخصه تنفصل الشعوب. وتجرّأ البشير يوحنّا على القول، ان الجالس على العرش العظيم الّذي رآه أشعياء هو يسوع، لأنّ الله وابنه واحد في القداسة والمجد والمحبّة.
12: 42 وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ آمَنَ بِهِ كَثِيرُونَ مِنَ الرُّؤَسَاءِ أَيْضاً, غَيْرَ أَنَّهُمْ لِسَبَبِ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمْ يَعْتَرِفُوا بِهِ, لِئَلاَّ يَصِيرُوا خَارِجَ الْمَجْمَعِ, 43 لأَنَّهُمْ أَحَبُّوا مَجْدَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ مَجْدِ اللَّهِ.
كان يوحنّا البشير معروفاً في عشيرة رئيس الكهنة (18: 15). فيخبرنا انّه رغم الابتعاد العام عن يسوع فقد آمن به بعض وجوه الشعب، إذ أدركوا أن الله عمل معه، وكلماته ممتلئة القوّة والحقّ. وانه لغريب إيمان كهذا! لأنّ هؤلاء المؤمنين الّذين كانوا أعضاء في المجلس الأعلى على الأغلب، قد وافقوا على قتل يسوع رغم إيمانهم ذاك. وهو مجرم مستحيل للعقل قبوله، ويعني قمة المراءاة وخلّو الضمير.
لماذا وافق هؤلاء القوم المسؤولون على قرار يخالف ضمائرهم؟ لقد خافوا مِن الفرّيسيين الناموسيين(الشريعيين)، ولم يجدوا قوّة في أنفسهم ليمزّقوا شبكة أحكامهم. ففضّلوا ضمانهم وشعبيتهم أكثر مِن الحقّ. لقد هدّد الفرّيسيون أهل القدس على انهم سيحرمون مِن شركة الأمة كلّ فرد يسند يسوع. فلم يرد النواب المؤمنون أن يسقطوا مِن أعلى درجة شهرتهم إلى الاحتقار والحرمان والاضطهاد، لأنّ كلّ مَن فصل عن الأمّة، فلم يستطع شراء ولا بيعا، ولا زواجاً أو صلاة مع جماعته. فحسب أبرصاً ومفسداً للمجتمع.
فلِم لم يعترف وجوه الشعب بالحقيقة رغم إيمانهم السرّي بها؟ ولم خانوا يقينهم الخاص؟ لقد أحبّوا التشريف مِن النّاس أكثر مِن تكريم الله إياهم. فكانوا كالطواويس الّتي تدور بكلمات فخمة أمام الجماهير المصفقة، أمّا إرضاء الله القدّوس فلم يطلبوه حقّاً. فأحبّوا أنفسهم لا ربّهم.
ويل لِمَن يؤمن بيسوع سرّاً فقط، ويتراءى أمام الآخرين كأنّه لا يعرفه. إنسان مثل هذا سينكر في الساعة الحاسمة ربّه، لأنّ هذا المرائي يفضل ضمان نفسه وشهرته على حماية الله وإكرامه. اعترف بربّك ومخلّصك جهراً وبالحكمة واثقاً فيه انّه يرشدك حسب مسرته بالصواب.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح نشكرك لأنّك ثبتّ أميناً لشهادتك ولم تنكر أباك. نسجد لك لأنّك أحببت كرامة الآب أكثر مِن ضمانتك. نحبّك لأنّك دفعت الحقّ بدمك. علّمنا التواضع والحكمة لنعترف باسمك جهراً. ولا ننكرك أو نتراءى أمام النّاس بل نمجدك عملاً وقولاً وصلاة.
السؤال:
6- لماذا أنكر وجوه اليهود يسوع، رغم إيمانهم به؟
12: 44 فَنَادَى يَسُوعُ, الَّذِي يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ يُؤْمِنُ بِي بَلْ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي. 45 وَالَّذِي يَرَانِي يَرَى الَّذِي أَرْسَلَنِي.
دعا يسوع شعبه لآخر مرّة للتوبة. ولخّص تعاليمه في جملة صعبة الإدراك، وبنفس الوقت هينة في معناها للروحيين. وهذه الدعوة تظهر متناقضة لأوّل وهلة كأنّه يقول: مَن يؤمن بي، لا يؤمن بي! إنّ المسيح لا يربط إنساناً بذاته، ومَن يتقدّم إلى يسوع لا يجد إلهين أو ثلاثة آلههة، بل الابن يرشد كلّ اتباعه مباشرة إلى الآب. المسيح يخلى نفسه مِن حقوقه، ولا يطلب مِن النّاس الإيمان به منفرداً، ودفع كلّ امتيازاته إلى أبيه. فالابن لا يسرق مِن الله إيمان النّاس، بل يرشدهم جميعاً إليه مباشرة. ولا ينقص مِن عظمة وجلالة الله تعالى، إنّما يبنيها ويمجّدها دائماً. ولأجل تواضع يسوع يتحقّق العكس أيضاً. فليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بالابن. ولا يوجد إيمان حق بالله إلاّ بالمسيح. فالآب أهداه كلّ المؤمنين خاصّة له، وألبسه بكلّ صفاته الإلهيّة. حتّى انّ الابن المتواضع يستطيع القول بدون كبرياء: مَن يراني ير الّذي أرسلني. فإنّ المسيح الله لأجل طاعته المطلقة. فيسوع يمثل جوهر الله وحياته وكلماته ونوره وبهاءه. مَن يره ير الله. ولا نعرف إلهاً آخر، إلاّ كما عاش يسوع ومات وقام. فتواضع المسيح رفعه إلى مستوى أبيه. فحقّاً كان الّذي يراه أشعياء هو يسوع بالذات، لأنّه لا فرق بين الآب والابن (41).
12: 46 أَنَا قَدْ جِئْتُ نُوراً إِلَى الْعَالَمِ, حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لاَ يَمْكُثُ فِي الظُّلْمَةِ. 47 وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ, لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ. 48 مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.
تفشّى في إحدى القرى الواقعة في ادغال أفريقيا الوسطى وباء خطير. فصار النّاس يتقبلّون في أكواخهم محرورين مِن شدّة الحمى. والطبيب الّذي هرع سريعاً، أدرك أنّ ميكروبات هذا المرض تضمحلّ وتموت إن مشى المريض في أشعة الشمس. فصرخ منذ الصباح المشرق: اخرجوا مِن أكواخكم المظلمة لتشفوا جميعاً. إن الجراثيم تموت حالاً في الشمس. فكثيرون خرجوا إلى النّور فشفوا حقّاً. وكثيرون لم يصدقوا الطبيب لشدّة آلامهم، وبقوا في أكواخهم الدامسة. وعشية هذا اليوم تبين أنّ الّذين مشوا في الشمس قد شفوا، بينما الباقون في أكواخ الموت، ماتوا. وأدرك الطبيب والمشفيون بعض هؤلاء الأموات وهم في النزاع، فسألوهم: لماذا لم تخرجوا إلى النّور؟ قالوا يا ويلتنا! ما صدقنا بكلامك، الّذي لاح لنا بسيطاً. وكنّا مرضى ومتعبون منهكون. فجاوبهم الطبيب: إذا فانّكم لا تموتون لأجل المرض بل لعدم تصديقكم لكلامي. هذا المثل يوضح لك قصد المسيح وقوته، الّذي هو شمس العالم الطارد كلّ ظلمات الخطيئة والغالب أسباب الشرّ. فمَن يدخل إلى نوره العجيب يخلص. وليس للمسيح غاية أخرى إلاّ تخليص النّاس مِن الخطايا والموت والشيطان والدينونة. فلكلمته القوّة ان تحرّرنا مِن كلّ الارتباطات المهلكة. فمَن يسمع كلمته ويثق ويؤمن به ويأت إليه ويعمل ما يقوله، يعش إلى الأبد، ولا يكون للموت سلطة عليه. ولكن مَن يسمع كلمته ولا يحفظها في قلبه، يغرق في خطاياه، ويتقدّم إلى الدينونة والظلام، ويتدحرج في عيوبه، ويسقط في يوم غضب الله إلى الهلاك اللانهائي. والقاضي القدّوس سوف لا يسأله: لماذا أخطأت؟ بل لماذا لم تؤمن بكلمات مخلّصك؟ وهكذا يصبح الإنجيل لغير المؤمن قاضيّاً وسبباً للهلاك. فهل قبلت يسوع مخلّصاً لك؟ وهل تحفظ كلماته غيباً في ذهنك وتتممها بعزم قلبك؟
12: 49 لأَنِّي لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنْ نَفْسِي, لَكِنَّ الآبَ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ أَعْطَانِي وَصِيَّةً, مَاذَا أَقُولُ وَبِمَاذَا أَتَكَلَّمُ. 50 وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. فَمَا أَتَكَلَّمُ أَنَا بِهِ, فَكَمَا قَالَ لِي الآبُ هَكَذَا أَتَكَلَّمُ.
المسيح هو كلمة الله. فلم يستخرج مِن ذاته كلمات خاصة، بل ما قال الله وفكّر وأراد، هذا ما نسمعه في كلمات يسوع. المسيح هو كلمة الله المباشرة لك. فالابن كان مطيعاً بمقدار انه أصغى بدقة لكلمات وأحرف قول أبيه، وترجمها إلى اللغة البشريّة. فالله يتكلّم في الابن إلى العالم المذنب، كأنّه يقول: انّي الإله الأزلي أكون أباكم، وأمنحكم بالنّعمة الحياة الأبديّة. قد تكونون مستحقّين الغضب والإبادة، لكنّي أحبّكم رغم حالتكم المزدراة، وأضحّي بابني القدّوس عوضاً عنكم، لكي تنالوا متبرّرين الرّوح القدس، ولا تموتون موتاً. أنا آمركم أن تقبلوا الحياة الأبديّة مِن يد المسيح! هبتي لا تأتي إليكم بربّما أو عسى. إنّما أنا واقف أمامكم في ابني، وأعطيكم الحياة الأبديّة. فمَن يؤمن بالابن له الحياة الإلهيّة، ومَن لا يؤمن بالابن، فلا يرى الفردوس ولا الحياة الحقّة. وبهذه الكلمات يقدّم الله لكلّ العالم الخلاص مجّاناً. ولكن مَن يهمل المسيح أو يرفضه عمداً يسقط سقوطاً بلا نهاية، لأنّه رفض أمر الله للحياة.
الصّلاة: أيّها الآب نشكرك لأنّك وهبت لنا بابنك الحياة الأبديّة. نؤمن به ونحبّه ونعرفك بواسطته. وحصلنا بارتباطنا به على حياتك الأزلية. نعظّمك ونسبّحك ونحمدك ونفرح، لأنّك نقلتنا مِن الموت إلى الحياة، ومِن سلطة الخطيئة إلى محبّتك. احفظ فينا كلمات ابنك وثبتها في قلوبنا واذهاننا، لتأتي بثمر كثير. انعش اليوم كثيرين بانجيلك. وعلّمنا أن نبشّر بكلماتك كلّ النّاس، لكي يحيوا، ولا يموتوا.
السؤال:
7- ما هي وصيّة الله في المسيح لكلّ النّاس؟
ثانيّاً: الحوادث بعد العشاء الربّاني
( 13: 1- 38)
1- يسوع يغسل أرجل التلاميذ مفسّراً عمله
(13: 1- 17)
13: 1 أَمَّا يَسُوعُ قَبْلَ عِيدِ الْفِصْحِ, وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ سَاعَتَهُ قَدْ جَاءَتْ لِيَنْتَقِلَ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ إِلَى الآبِ, إِذْ كَانَ قَدْ أَحَبَّ خَاصَّتَهُ الَّذِينَ فِي الْعَالَمِ, أَحَبَّهُمْ إِلَى الْمُنْتَهَى. 2 فَحِينَ كَانَ الْعَشَاءُ, وَقَدْ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ يَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ أَنْ يُسَلِّمَهُ, 3 يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّ الآبَ قَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى يَدَيْهِ, وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجَ, وَإِلَى اللَّهِ يَمْضِي, 4 قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ, وَخَلَعَ ثِيَابَهُ, وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا, 5 ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ, وَابْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التَّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ الَّتِي كَانَ مُتَّزِراً بِهَا.
ابتداء مِن الاصحاح الثالث عشر ينتقل يوحنّا إلى مرحلة وموضوع جديدة في إنجيله. قبل هذا الاصحاح دعا يسوع الشعب كلّه. ولكن تحقّق فيهم القول:” النّور يضيء في الظلمة، والظلمة لم تدركه”. فهل فشل يسوع؟ لا. فإنّ الشعب عامة، لم يقبله. لكنّ الرّبّ اختار بعض المستعدّين التائبين وجمعهم في حلقة التلمذة. وابتداء مِن هذا الاصحاح نقرأ، كيف كلّم يسوع هؤلاء المختارين، كأنه العريس الّذي يكلّم عروسه. فهم كانوا خاصته، كما هو أصبح خاصّتهم. فالمحبّة الإلهيّة أصبحت شعار هذه الأبحاث التالية. ولكنّ هذه المحبّة ليست عواطف أنانية نفسانية، إنّما هي دعوة للخدمة. فالمحبّة في الكتاب المقدّس لا تعني حبّ الذات، بل تضحية وتواضعاً وبذل النفس لأجل غير المستحقين. وفي هذه التوضيحات أعلن يسوع أمام تلاميذه أمجد صفاته، وفسّر محبّته في صورة الخادم، رمزاً لحياته كلّها وموته وقيامته.
وعلم يسوع بدقّة أنّ الفصح المقبل آت بموته. ولكنّه أبصر مِن خلال شبح الموت وادراك أباه جليّاً. المسيح كان دائماً ذاهباً إلى أبيه. فهل هذا الاتجاه شعار حياتك أيضاً؟ كان يسوع في العالم، ولكن عينيه ناظرتان دائماً نحو الآب. منه نال القوّة والهدى والسرور، ليحتمل النّاس القبيحين. وفي ارتباطه بالله أدرك أيضاً أنّ الشيطان بثّ في قلب أحد تلاميذه أفكاره، لأنّه انفتح له تدريجيّاً بواسطة محبّة المال والكبرياء والبغضة. ولكن يسوع لم يبغض خائنه، بل احتمله في محبّته الإلهيّة إلى المنتهى. لم يكن المسيح مستسلماً للخائن، كأنه يأتي إليه القضاء والقدر، بل انّه علم انّه لا يهوذا ولا قيافا ولا هيرودس ولا بيلاطس البنطي ولا المجلس اليهودي ولا الشعب يقرّر ما يأتي، بل لأجل اتضاعه وخضوعه لإرادة الآب دفع إليه كلّ الأرواح والنّاس وأعمالهم. فالمسيح عزم أن يموت كحمل الله، وعيّن بنفسه تطوّر الأحداث، الّتي لم يفقد وسط هيجانها البصيرة إلى مصدره وهدفه. إنّ يسوع كان الرّبّ بالذات، الّذي أدار مصير التاريخ. ولم يرد المسيح أن يرجع إلى أبيه منفرداً، بل قصد جذب تلاميذه إلى شركة مسرة الله. فعلّمهم الرمز العظيم للتواضع ومثّل أمامهم المحبّة الإلهيّة في صورة عملية. وهكذا أخلى لباسه الفخم، وجعل ذاته خادماً. وأتى بالماء، وانحنى أمام تلاميذه يغسل أقدامهم الوسخة وينشفها بوزرته. وهكذا جعل ذاته أصغر الكلّ، لكي يدرك حتّى أبسط مَن فيهم ان الله يخدم النّاس. فالرّبّ لا يتسلّط بقلب بارد على الجميع بلا مبالاة، بل ينحني عميقاً تحت أوساخهم ليطهرهم ويغيرهم إلى صورة لطفه.
إنّ المسيح هو قدوتنا الجليلة. فمتى ننحني إلى الغبار ونسجد لمحبّته؟ ومتى نغيّر أذهاننا ونحني ظهورنا المنتصبة الصلبة، ونحبّ الغوغائيين ونخدمهم عملياً؟
أيّها الأخ ما دمت لا تنكسر وتخدم والديك وأخوتك وتحبّ أعداءك وتضمّد الجرحى، فانّك لا تكون مسيحيّاً حقّاً. هل أنت خادم أم سيّد؟ لا تنس المسيح هو خادم العالمين وينحني أمامك ليخدمك. هل تقبل خدمته أو تظنّ فخوراً، انّك صالح غير محتاج إلى خدمة الله لك؟
13: 6 فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ, يَا سَيِّدُ, أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ. 7 أَجَابَ يَسُوعُ, لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ, وَلَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ. 8 قَالَ لَهُ بُطْرُسُ, لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَداً. أَجَابَهُ يَسُوعُ, إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ. 9 قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ, يَا سَيِّدُ, لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضاً يَدَيَّ وَرَأْسِي. 10 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ, بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ. 11 لأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ, لِذَلِكَ قَالَ, لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ.
استحى التلاميذ مِن غسل معلّمهم وربّهم لأرجلهم. فلو علموا ما هو مزمع أن يعمل بعد العشاء الربّاني العظيم، لغسلوا أرجلهم تلقائيّاً مِن قبل. ولكنّ ربّهم لم يقطع العهد الجديد بينهم وبين الله فقط، بل أراهم أيضاً ما هو مضمون وجوّ ومعنى هذا العهد. فهو ليس إلاّ محبّة خادمة عاملة. وبطرس كان أشدّ التلاميذ فخراً وحماساً. فلم يرد أن يخدمه يسوع. وانفجر مانعاً يسوع أن يغسل رجليه ولم يفهم معنى ما عمله يسوع، ولا جواب الرّبّ له على اعتراضه ولم يفكّر بكلمة ربه إليه، بل أصرّ على منعه مِن تطهيره. عندئذ يخاطبنا جميعاً: بدون تطهير ليس لكم نصيب في الملكوت. وبدون غفران الخطايا لا تثبتون فيّ مطلقاً. إنّما الغسل بدمي دائماً والثبات في هذا التطهير المستمرّ هو الّذي يحفظكم في النّعمة ويديمكم في الشركة مع ابن الله.
عندئذ استنار بطرس ونظر إلى يديه العاملة شروراً وفكّر برأسه المتباطيء لفهم أفكار الله، واستحى وطلب تطهيراً زائداً لكلّ كيانه. أمّا يسوع فقال له مبتسماً كلّ مَن يأتي إليّ أصبح طاهراً كاملاً لأجل إيمانه. وهكذا نعلم انّنا لا نحتاج إلى تطهير خاص وتقديس زائد لأنّ دم يسوع المسيح يطهّرنا مِن كلّ إثم. فلا توجد قداسة أعظم أو أقدس مِن غفران الخطايا بدم حمل الله. إنّما خلال ذهابنا في غبار العالم، فإن أرجلنا تتسخ. فنحن التلاميذ نحتاج إلى غسل أرجلنا يوميّاً، كما نصلّي باستمرار في الصّلاة الربّانية: واغفر لنا ذنوبنا. فبينما يحتاج أولاد الله يوميّاً إلى غسل الأرجل فقط فإنّ أولاد العالم يحتاجون إلى الغسل المبدئي كليّاً.
ونظر يسوع إلى تلاميذه وباشرهم بالكلمة النبوية: أنتم طاهرون. لقد دعاهم إلى العهد مع الله، وكان مستعدّاً للموت لكي يتحقّق بآخر نزعه هذا العهد. فحمل الله مات لأجل تلاميذه ليستحقوا الثبات في الشركة مع الله. ليس إنسان طاهراً مِن ذاته. ولكنّ دم المسيح يطهّرنا مِن كلّ إثم. ولكن للأسف ليس كلّ اتباع المسيح كانوا قدّيسين. وما هم حتّى اليوم. فبعضهم يقبلون مبدئيّاً التطهير الأساسي، ويتصرفون كأنّهم يؤمنون بدم المسيح، ولكن الرّوح القدس غير ماليء قلوبهم. إنّما روح الشيطان يولع فيهم البغضة والحسد والكبرياء والزنى. وهكذا تجد دائماً بين الأتقياء ملبوسين بروح سفلي ومحبي المال. أمّا المسيح فيريد بغسل رجليك يوميّاً أن يحرّرك مِن كلّ نوع الخطيئة وشبهها، ويطهّرك إلى التّمام للشركة مع الله. فامتحن نفسك أأنت خادم، أم سيد؟
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك أخليت مجدك ونزلت إلينا نحن النجسين، وانحنيت أكثر وغسلت أرجل تلاميذك وطهّرت قلوبنا مِن الخطايا. نشكرك ونسجد لك طالبين منك أن تحرّرنا مِن كلّ أفكار الكبرياء لكي ننحني عميقاً ونصبح خدّاماً لا أسياداً. وساعدني أنا لأصبح أصغر الكلّ وأكثر استعداداً للخدمة القاسية في كنيستي وعائلتي.
السؤال:
8- ماذا يعني غسل الأرجل بيد يسوع؟
13: 12 فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضاً, قَالَ لَهُمْ, أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ. 13 أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّماً وَسَيِّداً, وَحَسَناً تَقُولُونَ, لأَنِّي أَنَا كَذَلِكَ. 14 فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ, فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ, 15 لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً, حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً. 16 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ, وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. 17 إِنْ عَلِمْتُمْ هَذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ.
لم يبدأ يسوع كلماته الوداعية بكلام، بل يعمل. لأنّه كثيراً ما لا تكون هنالك فائدة مِن الكلمات ان لم تتحقّق عمليّاً. وسأل يسوع اتباعه إن كانوا يفهمون صوت عمله الرمزي القائل: افتحوا أعينكم وانظروا، أنا متكيء بينكم كأحد منكم. لا أجلس مرتفعاً فوقكم على عرش لكي تعبدوني كعبيد. كلاّ. فقد خلعت مجدي، وأصبحت كأحدكم. وأكثر مِن هذا، قد تركت مستواي كمعلّم وربّ، وجعلت مِن نفسي خادماً. أنا نزلت إلى مستوى أوطأ منكم كعبد لكم. هل فهمتم الآن الاتجاه المبدئي للمحبّة الإلهيّة؟ المستكبر يستكبر أمّا المحبّ فيتضع ويحتمل كلّ شيء ويغلب نفسه ويخدم بجسده عمليّاً.
إنّكم تريدون أن تكونوا تلاميذاً لي. فانّي قدوتكم. ولا أتكلّم فقط بل أمثّل قولي عمليّاً. انظروا أنا خادم. فإن أردتم اتباعي فانحنوا سريعاً ومارسوا بأنفسكم الخدمة المتبادلة. فالّذي بينكم يريد أن يكون الأوّل، فهو الأضعف. ولكن مَن يخدم بهدوء الآخرين ويبقى صغيراً فهو عظيم. لا تفكّروا انّ الكنيسة هي اجتماع قدّيسين كاملين. كلاّ. كلّهم في الصيرورة. قد طهّرتهم جميعاً، فأصبحوا قدّيسين مبدئيّاً. ولكن كلّ عضو يحتاج إلى صبر ووقت للنموّ الرّوحي. الكلّ يغلط ويعثر. وهنا تبتدىء وصيّتي وقاعدتي، ان تغفروا بعضكم لبعض يوميّاً أغلاطكم وآثامكم. ولا تمارسوا هذا التسامح بصمت فقط، بل تكلّموا مع بعض بعد الصّلاة الأمينة، وبينوا لبعضكم بكلّ تواضع الأخطاء والآثام. إنّما لا تدينوا أحداً، بل ساعدوا بعضكم بعضاً. ولا تغسلوا رؤوس بعضكم بعضاً، بل الأرجل فقط. ليس أحد ربّ الآخر، كلّكم أخوة. وإن مارستم هذه الخدمة، لا بالتسلط بل بالمحبّة، فتدركوا ما وضّحته لكم سابقاً: لم آت لأخدم بل لأخدم. فكلّ حياتي ليست إلاّ خدمة وتضحية وتسليماً لكم.
أنا ارسلكم إلى العالم رسلاً للمحبّة. ويحق المبدأ، انّ المرسل يعتبر عظيماً كالّذي أرسله. وحتّى إذا كان عبداً تكون كلمته ككلمة سيده. فإذا فوّضكم بسلطان عظيم فلا تظنّوا انّكم أعظم منّي. وأنا لست إلاّ خادماً. فواجبكم الأوّل أن تصبحوا خدّاماً مثلي. فإن أدركت هذا المبدأ فأدركت شعار المسيحية كلّها. وأعلّمكم المبدأ الثاني أيضاً. إن علمتم هذا، فطوباكم إن عملتموه. لم أكلّمكم عن المحبّة تكليماً فقط، بل لقد مارستها. فالخدمة هي عمل وتضحية لا كلام وصلوات وعواطف فقط. والدافع إلى الخدمة موجود في طبيعة المؤمن. ومِن هذا الجوهر تأتي أعمال المحبّة المتعدّدة. وكلّ مَن لا يخدم لا يكون مؤمناً. والصّلوات الرنّانة الخالية مِن الجهد في التعاون هي مراءاة. فلا تخلصون لأجل أعمالكم الحسنة الخيرية، لأنّ دمي خلّصكم نهائيّاً. ولكن إن انحنيتم للمساكين والضّالين وخدمتموهم باستمرار تمتلؤون بفرح الله، لأنّ مسرة الآب تخيّم على خدّام المسيح.
أيّها الأخ، هل تقصد في حياتك أن تكون سيّداً ومعلّماً، فانظر إلى يسوع. فهو معلّم المعلّمين، تمثّل أمامك خادماً. فهل تريد أن تتعلم تعليمه؟ فاخدم منذ اليوم، واسأله في الصّلاة، أينما وكيفما ولِمَن يريد أن تخدم أنت. وإن علّمت هذا فطوباك إن عملته.
- انكشاف الخائن واخراجه خارجاً
(13: 18- 38)
13: 18 لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لَكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ, اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ. 19 أَقُولُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ, حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ.
ما عاش يهوذا سعيداً لأنّه ما أراد التواضع والخدمة. لقد اختار العنف والسلطة والخيانة، وأراد التسلّط على يسوع بمكر. وربّما قصد اجبار يسوع على استلام السلطة، وإلاّ فهو خصمه ويريد أن يدوسه بعقبه ويتآمر عليه للإبادة. فلم يدرك الخائن مبدأ محبّة الله فاستكبر. أمّا يسوع فتواضع. لقد قصد يهوذا القوّة والعجرفة والسلطان والبطش في حين فضّل يسوع أن يبقى خادماً وديعاً محبّاً لطيفاً.
واعدّ المسيح تلاميذه لساعة الخيانة الّتي ستقع ضدّه لكيلا يشكّوا في ربوبيته. وبيّن لهم انه رغم تسليمه لأيدي الأمم، فانّه الرّبّ بالذات. وشهد لساعة ضعفه مسبقاً بسلطانه المطلق، مسمّياً ذاته انّي أنا هو. وبمثل هذه العبارة أعلن الله نفسه في العليقة الملتهبة أمام موسى. وأمّا الآن فثبت يسوع بهذه الكلمات إيمان تلاميذه بألوهيته، لكيلا يسقطوا في التّجربة والشكّ. فطريق المسيح في سبيل الخدمة كان دائماً يتنازل إلى أسفل أكثر فأكثر متحمّلاً كلّ ضيق. وبهذا التواضع ظهرت عظمته، حتّى اعترف يوحنّا بعدئذ ورأينا مجده مجداً.
20:13 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمُ, الَّذِي يَقْبَلُ مَنْ أُرْسِلُهُ يَقْبَلُنِي, وَالَّذِي يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.
حرّر يسوع تلاميذه مِن كلّ خوف مِن نحو تسليمه وموته وأكّد لهم أن تفويضه وحمايته ستحفظهم. فالمسيح يرسل اتباعه ويرافقهم شخصيّاً. فخدّامه لا يذهبون بأسمائهم بل باسم ربّهم الأعلى. وحيث يذهبون فكان الربّ هو الداخل. ومَن يقبلهم يقبل الثالوث الأقدس كلّه. ومَن يؤمن بكلمات خدام المسيح يصبح ابناً لله. هذه هي غاية ومعنى خدمة اتباع المسيح، انّهم يتوسّطون للعالم بالتطهير العظيم وحلول الله في المؤمنين. إنّما الطريق لهذه الحقيقة صعب. ويتطلب انكار الذات ومحبّة الأعداء، والثبات في الفقر والاحتقار. ولكن رغم هذه الحالة المنكسرة، فانهم يعرفون ان الله ساكن فيهم. وحيث يذهبون فهو يذهب معهم أيضاً. وحيث يريد هو أن يخدم، فإلى قصده يوجهّهم روحه، لكي تكمل خدمته بكلّ النّاس. فهكذا فسّر يسوع غسل الأرجل رمزاً لحلول الله في النّاس بواسطة خدمة خدامه الودعاء. فماذا أنت تكون، أسيّداً فخوراً أم خادماً بسيطاً؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، ساعدني لادرك بكلّ كياني انّني لا استطيع البقاء عندك إلاّ إذا صرت خادماً لك. يا ربّ انّي متكبّر ودمي يستكبر. أمّا أنت فمنحتني روحك القدّوس، الّذي يرميني إلى التواضع والوداعة والخدمة. أريد أن أراك دائماً قدوة لحياتي، لأثبت صغيراً في اجتماعاتنا وخادماً لعائلتنا، ولا أعطي مكاناً لروح الشيطان في قلبي. وساعدني حتّى لا أتكلّم عن الخدمة فقط، بل أمارسها بقوّتك وكلّ الحكمة.
السؤال: 9- ماذا تُعلمنا قدوة المسيح؟
13: 21 لَمَّا قَالَ يَسُوعُ هَذَا اضْطَرَبَ بِالرُّوحِ, وَشَهِدَ وَقَالَ, الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي. 22 فَكَانَ التَّلاَمِيذُ يَنْظُرُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَهُمْ مُحْتَارُونَ فِي مَنْ قَالَ عَنْهُ.
كلّم يسوع تلاميذه عن المحبّة والخدمة المتبادلة والتسامع. ورسم أمامهم قدوة التواضع والوداعة وانبأ بسلطانه وسط الضعف، لكي يدركوا انه الربّ العامل المدبر، حتّى في ساعة موته. وفي سبيل هذا التوضيح، ابتدأ يسوع يكشف خيانة يهوذا، وخوله أن يكمل عمله الشرّير، لكيلا يتصرف الخبيث حسب تخطيطه الذاتي فقط، بل خاضعاً لاشراف وضبط الربّ. وأعلن يسوع لحلقة تلاميذه المحبّة، إن واحداً منهم عزم على أسوأ وأعنف أشكال البغضاء، ألا وهو تسليمه إلى المجمع الأعلى اليهودي. وهذا الإعلان انقض على المجتمعين كسطل ماء بارد على مستحم ضمن حمام ساخن. وكقنبلة منفجرة وسط عيد بهيج.
إنّما المسيح لم يشهد بهذه الحقيقة بلا مبالاة، كأنه يسردها سرداً، بل كان مضطرباً في أعماق روحه، كما اضطرب على قبر لعازر، واكتأب شعوره ان أباه سيتركه. ولقد أحب المسيح يهوذا، واختاره تلميذاً حقّاً. فبان له مستحيلاً للعقل، أ، يقدّم صديق مختار متتلمذ للتآمر ويخون ابن الله العلي، لولا انه تذكر ما قرأه في التوراة، إن الّذي يأكل معه الخبز في الصحفة يرفع عليه عقبه (يوحنّا 13: 18 ومزمور 41: 10).
عندئذ تفرس التلاميذ كلّ بزميله مفكّراً انه الخائن. وبعدئذ أخذوا يشكون في أنفسهم، ان كان عندهم الامكانية والميل للخيانة، لأنّهم جميعاً رأودهم الفكر بترك يسوع، عندما ابتدأ طريقه نازلاً إلى الاحتقار والرفض. فرأوا أنفسهم فجأة مكشوفين أمامه، فاستحوا. ولم يستطيعوا أن يثبتوا في الامتحان الإلهي أمام وجه يسوع البرّاق. فشعروا أنفسهم كأنّه محكوم عليهم في محكمة الدينونة الرهيبة.
13: 23 وَكَانَ مُتَّكِئاً فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ, كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. 24 فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ عَنْهُ. 25 فَاتَّكَأَ ذَاكَ عَلَى صَدْرِ يَسُوعَ وَقَالَ لَهُ, يَا سَيِّدُ, مَنْ هُوَ. 26 أَجَابَ يَسُوعُ, هُوَ ذَاكَ الَّذِي أَغْمِسُ أَنَا اللُّقْمَةَ وَأُعْطِيهِ. فَغَمَسَ اللُّقْمَةَ وَأَعْطَاهَا لِيَهُوذَا سِمْعَانَ الإِسْخَرْيُوطِيِّ. 27 فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ, مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ. 28 وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَّكِئِينَ لِمَاذَا كَلَّمَهُ بِهِ, 29 لأَنَّ قَوْماً, إِذْ كَانَ الصُّنْدُوقُ مَعَ يَهُوذَا, ظَنُّوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لَهُ, اشْتَرِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعِيدِ, أَوْ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئاً لِلْفُقَرَاءِ. 30 فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ اللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلاً.
في وسط الاضطراب الحادث مِن جراء الخيانة المزمعة أن تقع، نقرأ عن أجمل شهادة لألطف محبّة. فقد كان أحد التلاميذ متكئاً بجانب يسوع في صدر المكان، ألا وهو يوحنّا البشير الفتي بين الرجال في حلقة المحبّة، الّذي كانت حماية يسوع عليه بشكل خاص لصغره. ولم يذكر يوحنّا اسمه الشخصي في كلّ إنجيله، إنّما أبرز بمنتهى الأهمية قرب يسوع إليه ومحبّته له. ولم يرد أن تكون لحياته ميزة أخرى إلاّ أن يحبّه الرّبّ. وفي هذا المرام تناسى اسمه الخاص، ومجّد ابن الله العلي تمجيداً.
وقد استحى بطرس أن يسأل يسوع مباشرة عن اسم الخائن. ولم يستطع بنفس الوقت أن يضبط أعصابه، فأومأ إلى يوحنّا القريب مِن يسوع أن يسأله عن الخائن مَن يكون؟ والفتى أطاع الاشارة مِن مقدام الرسل، فمال على صدر يسوع، كما ينحني الطفل إلى حضن أمه، وسأل ربّه بكلّ ثقة: مَن هو ذلك؟
وقد جاوب المسيح على سؤاله البريء مباشرة بصوت منخفض، ليس بتسمية الخائن، ولكن بعلامة هادئة بينة. فما أراد يسوع كشف الخائن جهراً في هذه المرحلة، علّه يتوب في اللحظة الأخيرة، فيتراجع عن خبثه. وبنفس الساعة أراد يسوع أن يوضح ليوحنّا وليهوذا، انّ البصيرة الإلهيّة ترى كلّ خيانة ومكر خداع. فكسر يسوع خبز النّعمة الّذي وحده مع تلاميذه، وغمس اللقمة في الصحفة الممتلئة باليخنة المرّة، وقدّمها باحترام إلى يهوذا. فكان القصد مِن هذه اللقمة أن تقوّي التلميذ إلى الحياة الأبديّة. ولكنّه حيث عزم على الخيانة فلم تفعل به فعلها، بل قسته أكثر. فأنقفل صدره نهائيّاً عن النّعمة، وحلّ فيه الشيطان. ما أرعب هذه الصورة! انّ المسيح أكمل بنعمته تقسّي المقتسي. فإلى لحظة تناوله اللقمة مِن المسيح كان الشيطان يراوده مِن الخارج ويتلاعب بأفكاره، أما بعد، إذ تناول خبز الحياة، فان الشرّير حلّ برمته فيه، لأنّ حكم يسوع على الخائن جرّده مِن الحماية الإلهيّة وسلّمه إلى إبليس.
وفجأة رأى يهوذا نفسه مكشوفاً عندما قبل اللقمة الّتي ابتلعها كأمنا هي نار في حنجرته. وبعدئذ أصابه أمر يسوع الملكي، ألا يتباطأ بقصده الشرّير، بل يكمله حالاً بأكثر سرعة لكي يكمل الشرّ إلى قمته، ويتضح الخير اتضاحاً. فيسوع أعجل بكلماته الخيانة لتظهر، لأنّ أباه دفع كلّ شيء إليه.
ولم يفهم التلاميذ ماذا قصد يسوع لَمّا قال ليهوذا أن يعجل في الأمر، لأنّه عادة كان يكلّفه بشراء لوازم الطعام التلاميذ. وما نسي يوحنّا في حياته مطلقاً تلك الصورة الرهيبة الّتي كانت ليهوذا، لَمّا انفتل مِن نور حضور يسوع خارجاً نحو الظلام. فرأى أشعة النّور على ظهر الخائن إلى أن غاب وابتلعته الظلمات.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك أحببت يوحنّا ويهوذا بنفس المقدار. أنت تحبّني أيضاً. اغفر لي كلّ عصيان، وانزع مِن قلبي كلّ شبه كذب وسرقة ونجاسة وأفكار خبيثة. امنحني قلباً جديداً لكيلا انكرك، بل اثبت إلى الأبد في قربك، لأنّه لا خلاص إلاّ عندك. قرب كلّ أصدقائي وأقربائي إلى نورك. واحفظني في صدق وطهارة. آمين.
السؤال:
10- كيف فصل يسوع الخائن مِن دائرة المحبّة؟
13: 31 فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ يَسُوعُ, الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللَّهُ فِيهِ. 32 إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ تَمَجَّدَ فِيهِ, فَإِنَّ اللَّهَ سَيُمَجِّدُهُ فِي ذَاتِهِ, وَيُمَجِّدُهُ سَرِيعاً.
كيف يتجمّد يسوع في وقوعه بخيانة الخائن؟ كيف يمكن أن يخرج مِن العمل الخبيث ثمار صالحة؟ فلقد تألّم يسوع في نفسه، لَمّا تركه تلميذه المختار. ونظر إليه بعين المحبّة وهو مول الأدبار، لعلّه يعود. وأبصره مِن البعد في روحه، كيف لم يتراجع عن جريمته، بل هرول إلى المجلس الأعلى اليهودي، الّذي جنّد الحراس للقبض عليه ليلاً. وما هرب يسوع مِن الفخ المنفتح، بل تقدّم عمداً إلى أعدائه مسلماً ذاته إليهم. وأكمل هكذا بفرح خطّة خلاص الله الفريدة. لقد أصبح يسوع إنساناً ليموت عن البشر حملاً مقدّساً. فهو كان مجيداً بمقدار فوق الوصف منذ انبثاقه مِن الآب. ثابتاً فيه بجوهر المحبّة. وما ارتضى يسوع مجده الخاص، لأنّه رأى ملايين مِن النّاس يموتون في الذنوب والعيوب. فعزم على تحرير خلائق أبيه مِن سلطة الشيطان، وأخلى مجده الأصلي، وأصبح إنساناً متواضعاً. وتجول بيننا، قدّوساً بدون خطيئة. وحمل خطايانا بأعظم تواضع في المحبّة.
وبارساله يهوذا لتنفيذ خيانته غلب يسوع نهائيّاً التجربة الابليسية، ان يصير مسيحاً سياسيّاً أو خيريّاً. فيسوع لم يوافق على رجاء الخائن، ان ينزع السلطة الدنيوية لنفسه بقدرته الإلهيّة، بل فضّل أن يموت كحمل الله الوديع، ليفدي البشر بالضعف. فيسوع نفسه بافرازه الخائن قد ابتدأ أحداث آلامه وموته. وهكذا أعلن في صليبه، انّ محبّته المضحية هي لبّ مجده. ولم يطلب يسوع مجده الذاتي، بل أراد أن يمجّد الله بموته. فأبوه قد أرسله إلى الأرض ليخلص الضّالين. فالابن أراد أن يعيد صورة الآب في الفاسدين. ولهذا التجديد أعلن لهم الآب وربّاهم إلى الإيمان بجودته الأبوية. إنّما هذه التربية لا تنفع كثيراً، لأن الذنوب تراكمت بين الله وخلائقه كجبل فاصل. فعزم الابن أن يموت لتمجيد الآب، لكي يتحطّم في موته هذا الجبل المعنوي المنفصل، وتتم كلّ مطالب البِرّ، ليستطيع نهائيّاً الخالق الأزلي، أن يصبح أباً حقّاً في كلّ مولود ثانية. فموت المسيح هو المفتاح لتمجيد اسم الآب. وبدون موته لا تكون لنا معرفة حقة بالآب، ولا بالتبني الشرعي، ولا التجديد الرّوحي. فلَمّا ذهب يهوذا لتنفيذ ما أضمره مِن القصد الخائن، عمد الابن أن يعظّم الله الآب تعظيماً حقّاً. ولم يمجّد يسوع ذاته، ولم يبرز اطاعته ونيته القدّوسة، بل تكلّم عن ذاته مبيناً أن الله الآب هو الّذي يعمل فيه، منشئاً كلّ الاطاعة والقوّة والمجد. فما ارفع تواضع يسوع!
ولكن عندما أنكر يسوع ذاته انكاراً تاماً، عالماً ان موته يمجد اسم الآب، أعلن أيضاً جهراً أن أباه سيغدق عليه كلّ المجد ليصبح في ذاته ينبوع كلّ الأمجاد. فيسوع أبصر في الساعات الّتي كانت قبيل القبض عليه وصلبه، اقبال قيامته وصعوده وجلوسه على عرشه العظيم. فلم يشكّ باتمام مقاصد الله، موطنا نفسه انه مضمون في إرادة أبيه. فكان ينبغي على المسيح أن يتألّم ويموت ليدخل إلى مجده.
فكلّ مَن ينكر آلام المسيح وموته، أو يعتبر ذلك ضعفاً، فانه ما أدرك مشيئة الله المتبلورة في الصليب، ولا قداسة الابن، الّذي فجّر القبر في قيامته، لأنّه قد أظهر مجده على مذبح الله، حيث احترق عوضاً عن كلّ النّاس في غضب القدّوس، لكي يتبرّر كلّ مَن يؤمن به، ويتقدّس ويثبت في حقوق ابن الله الموهوبة له في التبني. فالمسيح لم يفزع وهو ناظر إلى صليبه بل أبصر وراءه ظاهراً مجد الله الآب الحنون.
وكاد يسوع ألا يستطيع تحمل انتظار موته طويلاً، لتشوقه للاتحاد بأبيه. فاراد الرجوع إلى بيته الأزلي بسرعة. لأنّ الآب كان هدف ومعنى حياته. فأفكار المسيح دارت دائماً حول أبيه، كما أن أفكار الآب دارت حول الابن. ففرح القيامة كمَن في الابن قبل الموت. ويقينه بالاتحاد مع مصدره كان بديهيّاً، خصوصاً في اللحظة الّتي بانت، وكأن الله تركه فيها. وابتدأت جهنّم تهاجمه بالخيانة القتل. ففي أسفل اتضاعه وسط جهنّم هاوية الصليب، تكلّم عن تمجيده وتمجيد الآب، فتأكد أيّها الأخ، انّ الثالوث الأقدس هو أثبت حقيقة في كوننا. وحتّى في الانحطاط والتجارب والفشل يظهر منتصراً ظافراً.
الصّلاة: أيّها الآب والابن والرّوح القدس، مَن نحن لنمجّدك؟ نعظّمك لخلاصك واتضاعك وآلامك وموتك وقيامتك ومجدك. وها نحن مؤمنون بفدائنا في دم المسيح. ونمجّدك في قوّة الرّوح القدس. قد خلّصتنا وسط الضيق والخوف والموت، لأن حياتك المعطاة لنا أزلية. ونؤمن بظهور ابنك في المجد عن القريب. آمين.
السؤال:
11- ما هي معاني التمجيد الّتي أبرزها يسوع، لَمّا تركه يهوذا؟
- الوصيّة الجديدة الجوهرية للكنيسة
( 13: 33- 35)
13: 33 يَا أَوْلاَدِي, أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً قَلِيلاً بَعْدُ. سَتَطْلُبُونَنِي, وَكَمَا قُلْتُ لِلْيَهُودِ, حَيْثُ أَذْهَبُ أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا, أَقُولُ لَكُمْ أَنْتُمُ الآنَ.
بعد تمجيد الآب في الرّوح القدس، يرشدنا يسوع لأساس إيماننا، انّه ليس معنا في الجسد، بل انه كائن في السماوات. فالمسيح المُقام مِن بين الأموات ليس خرافة، بل أهم حقيقة في عالمنا. فمَن لا يعرف الحي ولا يؤمن به، يكون أعمى وضالاً. أمّا مَن يبصره فيحيا وينتعش، وينال حياته الإلهيّة، حتّى يكون المسيح لنا كأب ونحن أولاده.
وقال يسوع لتلاميذه انّه سيذهب إلى مكان، لا يستطيعون اتباعه إليه. ولا يقصد بهذا القول محاكمته أمام المجلس الأعلى ولا القبر المفتوح، لأن كلّ الرسل تبعوه في هذا الطريق المرعب. إنّما تكلّم عن صعوده إلى الآب، الّذي قال له: اجلس عن يميني لأضع أعداءك موطئاً لقدميك. لم يختف المسيح فجأة أمام تلاميذه، بل أخبرهم مسبقاً عن موته. وأكّد لهم أنّه سوف لا يبقى في جبّ التراب ولا على سطح الأرض، بل يخرج مِن الهواء الّذي حول كرتنا الأرضية، ذاهباً إلى السماء، حيث لا يستطيع إنسان دخولها تلقائيّاً. وقد أنبأ يسوع عن هذه الحقيقة سابقاً لليهود وهم لم يفهموه البتّة. فهل سيفهمه تلاميذه الآن في ساعة الخيانة؟ لقد أشركهم في السجود وتمجيد الآب والابن، لكيلا يبقوا غارقين في الحزن والمستقبل الغامض. فهل يؤمنون بأمانته، انه لا يتركهم؟ وإن مهمتهم المشتركة لن تفشل أبداً؟
13: 34 وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ, أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضاً بَعْضُكُمْ بَعْضاً. 35 بِهَذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي, إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضاً لِبَعْضٍ.
علم يسوع أنّ تلاميذه لم يفهموه تماماً، لأن الرّوح القدس، ما كان حالاً فيهم بعد. فكانوا كعميان ولا قوّة للإيمان فيهم، ولا دافع للمحبّة ولا ناراً للرجاء. فمنطق الربّ اذهان تلاميذه بوصيّة، ليحفظهم في اسمه، وليحضرهم إلى الشركة مع الله ” لأن الله محبّة ومَن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه” وإن الثالوث الأقدس ليس إلا المحبّة. وبما أن المحبّة، الّتي بين الأقانيم، تنشيء وحدة دائمة، أراد يسوع أن مبدأ الثالوث الأقدس هذا يتجسّد في البشر، وأن يتحقّق مصدر القداسة في تلاميذه.
وهكذا أمر الرّبّ تلاميذه بالمحبّة. فلم يقصد محبّة الذات ولا العواطف الجنسية، بل المحبّة بين أعضاء الكنيسة. ولم يشرع لاتباعه عشر ممانعات كما في العهد القديم، بل وصيّة واحدة فقط قالها. وهذه الوصيّة تتمم كلّ الوصايا الإلهيّة الأخرى، لأن المحبّة هي تكميل الناموس. وبينا لوحاً موسى يعلنان للناس ممانعات سلبية، فان المسيح قد دفعنا لعمل إيجابي، كما انه حقّقها بنفسه فالمحبّة هي جوهر الكنيسة. فحيث لا تحبّ الكنيسة، فلا تكون كنيسة.
إن المحبّة هي سرّ شخصية المسيح. وقد تحنن على الضّالين المتبددين، الّذين كأنّهم رعيّة بلا راع. ورحم كلّ خروف تائه، وحمل تلاميذه بصبر ولطف. فرأفة المسيح وصلاحه وتحننه هو قدوتنا وحقنا وأساس العهد الجديد. انّ المسيح جعل المحبّة دستوراً لملكوته. فمَن يحبّ هو الثابت في رحابه. ومَن يبغض فهو مِن الشيطان. فالمحبّة هي اللطيفة الحنونة الرقيقة الرفيقة ولا تنتفخ ولا تحتد. والمحبّة صبورة، متملية كلّ الخير حتّى للعدو، كما وضع لنا صفاتها الرسل في رسائلهم عدّة مرّات. فمحبّة الله لا تسقط إلى الأبد. وهي رباط الكمال.
فليست البلاغة ولا الفلسفة ولا الإيمان ولا القوّة ولا التكلّم بالألسنة ولا النبوّات ولا المعمودية ولا البهاء ولا السلطان هي الرمز الخارق، الّذي يؤكّد للناس مسيحية المسيحيين، بل المحبّة وحدها. فليس علامة أخرى للكنيسة إلاّ التضحية في سبيل المحبّة. وإن دربنا أنفسنا في الخدمة، نثبت تلاميذ، ونتعلّم في هدى يسوع ماذا تعني المحبّة عمليّاً. ونعيش مِن غفرانه، ونسامح الآخرين بفرح. وحيث لا يريد أحد في جماعة أن يكون كبيراً، وإذا كان الكلّ يفرحون ببعضهم بعضاً لأنّ روح المسيح وحّدهم فهناك تحلّ السماء على الأرض. وربّنا الحيّ يخلق المرّة بعد المرّة كنائس تمتليء بالرّوح القدس، الغالب كلّ الاستكبار بواسطة المحبّة المتواضعة. فلا وعد ولا قوّة أخرى للكنيسة اليوم إلاّ محبّة المسيح، ولأنّه حيّ شفيع، لا تنتهي محبّته في الكنيسة. فمِن بركة ذبيحته نعيش، ومِن روح محبّته نستمرّ.
4- النبوّة عن انكار بطرس
(13: 36- 38)
13: 36 قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ, يَا سَيِّدُ, إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. أَجَابَهُ يَسُوعُ, حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي, وَلَكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيراً. 37 قَالَ لَهُ بُطْرُسُ, يَا سَيِّدُ, لِمَاذَا لاَ أَقْدِرُ أَنْ أَتْبَعَكَ الآنَ. إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ. 38 أَجَابَهُ يَسُوعُ, أَتَضَعُ نَفْسَكَ عَنِّي. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ, لاَ يَصِيحُ الدِّيكُ حَتَّى تُنْكِرَنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
كان بطرس مضطرباً في أعماق قلبه. فلم يسمع كلمات يسوع عن المحبّة البتّة، بل أدرك فقط، انّ ربّهم سيتركهم الآن في الخطر المحدق والاضطهاد والخيانة. وجاوبه يسوع انّه سيجذبه بعدئذ إليه، ليشترك في المجد الّذي سيلبسه ربّه. ولكن بطرس لم يكن بعد ناضجاً لقبول مجد الله، لأنّ محبّته ما كانت منسكبة في قلبه بعد. واتّكل بطرس على نفسه واخلاصه وإرادته وعزمه الصالح. فأكّد ليسوع انه سيتبعه مهما كلّف الأمر. ولم يؤمن بعدم قدرته وما عرف حدودها، بل أيقن بحقيقة أشواقه. فقلبه كلّه كان ملتهباً بالحماس ليسوع، ومستعداً للقتال والموت في سبيله.
فأبتسم الربّ وسأله: أأنت تريد تضحية ذاتك لأجلي؟ فانك لا تعرف حدّ محبّتك بعد. فليست إلاّ شكلاً مِن الأنانية. وقبل صياح الديك ستنكرني ثلاث مرّات. فطاقة محبّتك ليست كفؤة لتنطلق إلى الأمام. احذر فانّي انبأتك بفشلك مسبقاً. ومجد الله، لا يحصله أحد بالحماس ولا بالإرادة الصالحة. انّه يصدر مِن نعمة الصليب وقوّة الرّوح القدس. فمحبّة المسيح وحدها هي الخالقة فينا الأمانة. وهو يغيّرنا إلى صورته. وهكذا منح يسوع بنبوّته لبطرس تعزية مسبقة، وأكّد له الخلاص، إذ بعد أن يسقط بتجديف إلى أسفل لاتّكاله على إيمانه السطحي وقدرته البشريّة. يجذبه يسوع إليه بمنتهى محبته.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع. نحمدك لأن محبّتك حياتنا. ونحن أنانيون أغبياء ومتكبّرون عميان، ظانّين انّنا بقدرتنا نستطيع بنيان كنيستك. اغفر لنا جهلنا، وخلّصنا مِن أنفسنا، واملأنا بروحك القدّوس، لنحبّ بعضنا بعضاً، ونضحّي عمليّاً، ونفرح إذا التقينا ببعض ونشتاق معاً لاستقبالك. إنّ محبّتك أوجدت لنا فردوساً وسط جهنّم دنيانا.
السؤال:
12- لماذا المحبّة هي العلامة الوحيدة الّتي يعرف بها المسيحيّون؟
ثالثاً- الكلمات الوداعية
في غرفة قطع العهد
(14: 1- 31)
- الله حضر في المسيح ظاهراً
(14: 1- 11)
14: 1 لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي. 2 فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً, 3 وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَاناً آتِي أَيْضاً وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ, حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً.
اضطرب التلاميذ لكلمات يسوع انّه سيفارقهم. وانّهم لا يقدرون على اتباعه حيث سيمضي. وأنبأ يسوع أيضاً بفشل بطرس وانكاره له، حين كان يصرّ على اتباعه واظهار إيمانه القوي. ولعلّ التلاميذ قد داخلهم الظنّ، انّهم لربّما اخطأوا في اتباعهم يسوع، الّذي سوف يمضي أو يموت، ويتركهم في التشويش والخطر. وقاوم يسوع تشاؤم التلاميذ ويأسهم بأمر حاد قائلاً: اتّكلوا على الله اتّكالاً مطلقاً. هو الأساس الأمين في كلّ الأزمنة، الّذي لا يتزعزع في زعزعة الجميع. إنّ يسوع يمنعنا مِن اضطراب القلب. فالخوف هو عدم إيمان وخطيئة. لذلك يأمرنا يسوع بجرأة وشجاعة الإيمان بحضور محبّة الله. إنّ أباك السماوي لا يخدعك ولا يتركك. فهذه هي الغلبة الّتي تغلب العالم إيماننا.
وطلب يسوع لنفسه مِن تلاميذه نفس المقدار مِن الإيمان والثقة والصّلاة، كما يحقّ لأبيه. إنّ الابن على نفس المستوى مثل الآب. وكما يكفل الآب مستقبلنا هكذا الابن يضمننا. ففي الابن حضر الآب في العالم ومحبّته تستحقّ ثقتنا. وحقّه لا يهتز أبداً. المسيح لا يعلّمنا خرافات بل حقائق السماء الإلهيّة.
ولهذا أعلن لتلاميذه قليلاً مما سيحدث بعد موته وذهابه إلى السماء. فمبارحته ليست هروباً مِن العالم ولا القاء الأحمال الثقال. بل عودة حقة إلى أبيه. وإنّ لله بيتاً كبيراً أعظم مِن كلّ ما امتلك الأغنياء في المدن والقرى. حتّى ولو امتلكوا بيتاً بأجنحة ودور متعدّدة ليسكن فيها الأجداد والأحفاد جميعاً. فقصر الله في السماء يشبه مدينة مكعبّة كبيرة بمقدار انّ كلّ القدّيسين مِن كلّ الأزمنة يجدون فيها محلاً. وربّما كنت في الدنيا عائشاً في خيمة أو كوخ أو مخيّم تنكي، فلا تبالي. لأنّ لأبيك في السماء غرفاً كثيرة ومنازل وبيوتاً ضخمة. وامكانياته لا تخطر على بال. فأبوك السماوي حضّر لك منزلاً ممتليء الطهارة والدفء واللوازم والنّور. فانّك مدعو لتسكن قرب أبيك إلى أبد الابدين.
وقال المسيح انّه مستعدّ أن يحضر لأتباعه منازل الله، لو كان ذلك ضروريّاً. إنّما ليست حاجة لذلك. لأن الله نفسه يحبّ المؤمنين بالمسيح وأعدّ لهم مكاناً مقدّساً. ولَمّا عاد الابن إلى السماء رأى البيوت المحضرة، وزاد بلطفه في اعدادها وتهيئتها. وقصد المسيح أن يأتي إلينا، لأنّه لا يرضى الثبات في المجد بعيداً عنا، بل يرجع ليجذب اتباعه إليه جذباً. فالمسيح يحبّ أحباءه كما يحبّ العريس عروسه. وكما ذاك يريد أن يعرفها على والديه، هكذا يريد المسيح أن يحضر الكنيسة عروسه أمام أبيه. إنّما مخلّصنا لا يريد فقط تعريفنا بأبيه، بل تثبيتنا في عائلته السماوية أيضاً، لنكون دائماً عنده، محفوظين في حمايته ومبتهلين لجودته.
14: 4 وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ. 5 قَالَ لَهُ تُومَا, يَا سَيِّدُ, لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ, فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ. 6 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.
قال المسيح لتلاميذ: انّكم تعرفون طريقي إلى الله. فجاوبه توما المشكّك: كيف نعرف الطريق إلى الله، إذا كنّا لا نعلم أين ستمضي في الساعات القليلة القادمة؟ ففي يأسه لم ير هذا التلميذ الهدف على البعد، لأن خوف تلك الساعة قد هزّه وأضاع صوابه. وجاوبه يسوع بلطف وصواب، خارقاً قلب المشكك: أنا هو الطريق إلى الله. ومحبّتي وحقّي هي الشريعة الوحيدة المؤدية إلى السماويات. فمَن لا يعمل ما أعمله أنا، هو هالك. أنا هو مقياس البشر. والله سيقيسكم بنفسي. والواجب أن تتحطّموا في قداستي وتيأسوا. ولا تقيسوا أنفسكم بأناس آخرين جهلاء. فمَن ينسحق بقداستي، فله وحده الرجاء بالوصول إلى الله. اسلكوا الطريق المؤدية إلى الله. تعالوا إليّ، وقارنوا أنفسكم بي. فتعلمون أنّكم لا شيء إلاّ خطاة نجسين. والمسيح لا يدفعك مِن خوف إلى خوف، ومِن يأس إلى يأس. بل عندما تصل إلى صفر حياتك يمد لك يده المخلّصة. قائلاً لك: الآن أمنحك حقّاً جديداً. فالحقّ القديم ادائك. قد مت لأجلك، وأوجدت العهد الجديد بحقّ النّعمة، مغفورة لك خطاياك مجاناً. إيمانك بي خلّصك. تمسّك بي لتثبت في حق التبني. ففيّ تنال الحقّ بالقدوم إلى الله. وبدوني تهلك.
لعلّك تقول انّي سامع بهذه الأقوال، لكنّني تنقصني القوّة للإيمان والصّلاة والحياة المقدّسة. فيجاوبك عندئذ المسيح: أنا أعطيك الحياة الأبديّة حقّاً. أنا هو ينبوع الحياة. تعلق بي مؤمناً، فتنال الرّوح القدس. وفي هذا الرّوح توجد الحياة الإلهيّة. فمَن يؤمن بالمسيح يعش إلى الأبد. لا تبق بعيداً عن المخلّص، فهو حياتك. فامّا انّك لا تزال ميتاً في ذنوبك، أو حيّاً في المسيح. لا يوجد حلّ وسط. فالمسيح هو حياة المؤمنين. وكلّ الّذين يرتبطون بالمسيح يقفون فجأة أمام الله بالذات ويدركونه أباً حنوناً لطيفاً. فلا دين ولا فلسفة ولا ناموس ولا علم، يقربك إلى الله حقّاً، إلاّ المسيح ابن الله الحي، الّذي فيه يقف الآب أمامك. فيسوع هو إعلان الله الكامل. فليس أحد يدرك الآب إلاّ به. ولنا الامتياز أن نعرف الله، ونتقدّم إليه، لأنّ المسيح هو المحبّة، وجعلنا أولاد الآب المحبّ.
الصّلاة: ربّي وإلهي، بك كان الآب حاضراً بين النّاس، أنت طريقي وحقّي وحياتي لا غيرك. وقد اعدّدت لي مكاناً في السماء، وأنت محبي ومقدّسي. أشكرك مِن صميم قلبي. واطلب إليك أن تقوّي إيماني في ساعة الضيق والخوف، لكيلا اضطرب البتّة، بل اثبت فيك وفي الآب. وأنت لا تتركني ولا الّذين يبتهلون إليك مؤمنين.
السؤال:
13- كيف يكون المسيح هو الطريق الوحيد إلى الله الآب؟
14: 7 لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ.
ابناء العالم بعيدون منفصلون عن الله بسبب خطاياهم. فليس إنسان يعرف الربّ مِن تلقاء نفسه. ولا أحد رأى الله إلاّ الابن الوحيد، الّذي وهو في حضن الآب، قد خبّر. فلا مذهب يستطيع معرفة الله، ولا التلاميذ أدركوا ما خبرهم يسوع. فقال لهم: لوكنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً. ولكنّهم لم يعرفوا يسوع وأباه، لأنّ المعرفة لا تعني فهماً وعلماً فقط، بل تغييراً وتجديداً، لأنّ معرفة الله تتجسّد فينا ظاهرة في الحياة. فلا تغرّن نفسك لأنّ الدراسة الدينية لا تعني معرفة الله، بل تسليمك إلى النّور المضيء في الإنجيل، فتتغيّر وتصبح نوراً أيضاً. ويا للعجب! ففي ساعة الخيانة قال يسوع لتلاميذه: ومَن الآن تعرفونني. لست أنا المنتصر القادر على كلّ شيء الحكيم المجيد فقط، بل اني حمل الله الّذي يرفع خطيئة العالم أيضاً. وفي موتي الكفاري يعلن الله نفسه مصالحاً وأباً، لأنّه لا يقاصصكم في غضبه، ولا يبيدكم في غيظه، بل يدينني أنا، ويهلكني أنا ابنه، لكي تتحرّروا أنتم اللصوص وتتغيروا إلى القداسة، وتدخلوا إلى حقوقي كأولاد الله. إنّ في الصليب وحده يعلن الله ذاته كأب بوضوح. فالعلي ليس بعيداً وعظيماً ومهلكاً لأجلكم، بل محبّة ورحمة وفداء وشفاء. والله هو أبوكم الشخصي ويجبلكم إلى صورته المجيدة. أنتم الّذين تؤمنون بي وحدكم تعرفون حقيقة الله، وتتغيرون بواسطة هذه المعرفة الجديدة إلى معرفة متجسّدة عملية ظاهرة في السلوك والفضائل.
14: 8 قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ, يَا سَيِّدُ, أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا. 9 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ. اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ, فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ.
عندما ألقى يسوع على تلاميذه قوله: قد رأيتم الآب وتعرفونه، استغرب فيليبس وكاد أن يقول: لا، لم نره قط، ولكنّه استحى أمام جلال ربّه، ولم يرد أن يجاوب جواباً خشناً، فقال بطريقة لبقة: يا ربّ أرنا الآب وكفانا. وبهذا السؤال يتضح، انّه عرف سرّ يسوع وقدرته، انّها تتوقف على ارتباطه بالآب فقط. فإذا لزم الأمر أن يتركهم يسوع كما قال فيكفيهم أن يريهم ولولحظة الآب، ليصبحوا مفوضين مثله ومحفوظين تماماً في قدرة القدير. عندئذ يعلمون ويرون مكان الله، ويحصلون مِن هذه المعرفة سلطة فائقة على كلّ النّاس وينالون قوّة للشفاءات واخراج الشياطين. ففيليبس لم يرد شيئاً آخر إلاّ رؤية الآب.
ولكنّه بذلك السؤال اعترف انّه لا يعرف الآب ولا الابن بعد. فلم يدرك يسوع في ألوهيته وحقيقته الرّوحية. ولم يوبّخه الربّ كثيراً رغم هذا، بل رحم طالب رؤية الله، وأعلن له في العشية الأخيرة مِن حياته القول العظيم: مَن رآني فقد رأى الآب. وبهذه الكلمة المركزية في الإنجيل مزّق يسوع في حلقة تلاميذه الحجاب أمام سرّ جوهره. فليست الرؤى ولا الأحلام ولا التصورات تكشف لنا عن الله، إلاّ في شخص يسوع المسيح. فما كان يسوع شخصية مهمّة فقط، بل انّنا نرى فيه الله بالذات. والآب يتجسّد في الابن. فمنذ حلّ المسيح في العالم صار الله مكشوفاً. وأنت اليوم تستطيع رؤية الله إن رأيت وأدركت يسوع. وسمع توما النقّاد هذه الكلمات المثيرة بوعي ولكنّه لم يدركها آنذاك. أمّا بعد قيامة يسوع فانكسر أمامه صارخاً مؤمناً: ربّي وإلهي.
10:14 أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ. الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي, لَكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. 11 صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ, وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا.
مِن الممكن أن يعرف تلميذ ما، الإنجيل كلّه غيباً، ويرى بعينه يسوع ولا يدركه البتّة، إذا كان قلبه لم يغيّره الرّوح القدس بعد. فجذب يسوع فيليبس بسؤال واحد إلى الإيمان بألوهيته الكاملة وسأله: ألا تؤمن اني أنا في الآب. قد دفنت نفسي في إرادة أبي. وانكرت ذاتي. ولم استكبر البتّة. شعار حياتي تمجيد الآب. وقد فقدت نفسي فيه. وغرقت في ذاته كالسكّر الذائب في الماء تذويباً. أنا في الآب، محاط به، ملفّ بمحبّته، ومحمي بقدرته. لا تنظر إليّ بل أبصر الآب، وأدركه في شخصيتي، حتّى في ساعة موتي. أنا مضمون فيه.
وبعد هذا الانكار المطلق قال المسيح أيضاً: لم أغرق أنا في الآب فقط، بل الآب حلّ فيّ بملئه جسديّاً. فاللاهوت كلّه حاضر في هيئة جسدي. قد وُلدت مِن الرّوح القدس، وعشت بينكم بلا خطيئة. فلا فرق بيني وبين الله. أنا أعرفه منذ الأبد، وهذه المعرفة تجسّدت فيّ. الله نفسه يتجول فيّ بين النّاس. أدركوا سرّ الساعة، ان الله حاضر فيّ. ليس غائباً بعيداً، بل يعلن في محبّتي جودته الأبوية ورثاءه ورحمته القصوى.
ولي برهان لهذه الشهادة: كلماتي السلطانية وأعمالي الإلهيّة. فان يصعب عليكم الإيمان بحضور الآب في، فأصغوا إلى كلماتي، الّتي ما هي بكلماتي، بل الآب هو الّذي يتكلّم فيّ وبواسطتي. وهذه الكلمات تمنحكم الحياة والقوّة والجرأة. وإن لم تفهموا كلماتي فانظروا إلى أعمالي الله بالذات يعمل بينكم خالقاً عجائب السماء. وهو يخلّصكم بواسطتي أنتم الضّالين. والآن تشاهدون في ساعة الصليب أعظم أعمال الله، مصالحة البشر معه في موتي. أفتحوا عيونكم ولا تقفلوا آذانكم، فتدركوا الله في المصلوب. فهذا هو الله الحقّ الّذي لا يدينكم، بل يخلّصكم. لقد حضر فيّ ومات في شخصي على الصليب لأجلكم.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أنت الله في الذات. والنّعمة أقول ربّي وإلهي. اغفر لي عدم إيماني وقلّة محبتي. افتح أعين قلبي لروحك القدّوس، لكي أرى فيك الآب، واتغيّر إلى محبّته، لكي تؤول معرفتك لا للدينونة بل للحياة. أعلن جوهر مجدك لكلّ الغير مؤمنين في محيطي، لكي يكسبوا بالإيمان حياة جديدة روحية.
السؤال:
14- ما هي العلاقة بين المسيح والله الآب؟
الثالوث الأقدس يحلّ في المؤمنين
بواسطة مجيء الرّوح المعزّي
(14: 12- 24)
14: 12 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً, وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا, لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي.
إنّ معرفة الآب والابن ليست فلسفة متخيلة أو معرفة منطقية مطلقاً، لأنّ كلّ علم عقلي ينفخ. وأمّا معرفة محبّة الآب وخلاص ابنه، فمعناه تحريراً للخدمة. فلقد أعطى المسيح لتلاميذه وصيّة جديدة. ألا وهي ممارسة المحبّة الإلهيّة على الأرض. فطلب إلى اتباعه أن يحقّقوا هذه المحبّة الإلهيّة في حياتهم عملاً وقولاً وصلاة.
وقد طلب التلاميذ مِن يسوع حماية ومخرجاً وزيادة في معرفة الله، عندما فهموا انّه سيتركهم. ولكنّ المسيح ثبتهم في الآب، لكي ينالوا التجهيز لتبشير العالم. فالمهم ليس همومهم الوقتية لأجل أنفسهم، بل استعدادهم للخدمة الإلهيّة. فمعرفة الآب والابن تحرّرنا مِن الأنانية، وتفوضنا إلى الخدمة المتواضعة.
وقال يسوع لتلاميذه: مَن يؤمن بي يعمل ولا يتخيّل. ولا يتكلّم فقط، بل يذهب بطريق التضحية. وبمقدار ما ينكر المؤمن نفسه ويعظّم المسيح، فان الابن المقام مِن بين الأموات يعمل فيه. فليس المسيح ميتاً، بل ثابتاً في عرش أبيه عائشاً معه في وحدة الرّوح القدس. وهكذا يكون رئيس الكهنة العظيم الّذي يحقّق اليوم حقوق وقوى ذبيحته أمام القدّوس شافعاً فينا. فله الحقّ أن يضع كلّ بركات السماء على الّذين يؤمنون به. وفي هذا الإيمان قدر الرسل بعد انسكاب الرّوح القدس على شفاء المرضى وإقامة الموتى وغفران الذنوب باسم يسوع، لأنّهم انكروا أنفسهم ونسوا اسماءهم وغرقوا في مخلّصهم غرقاً. فالمسيح نفسه عاش فيهم. وقد أحبّوه بكلّ كيانهم ومجّدوا اسمه بسلوكهم.
وبزيادة على هذه الخدمات المقدّسة، فوّضهم المسيح أن يقوموا بأعمال لم يقدر هو أن يعملها في زمن اتّضاعه على الأرض. إنه علم وأظهر عجائب وبارك ومات على الصليب. وقام مِن الموت. ولكن شيئاً واحداً لم يقدر أن يعمله ما دام حيّاً، ألا وهو سكب الرّوح القدس في قلوب تلاميذه. لأنّه كان عليه أن يكفر عن ذنوب العالم أوّلاً. فبعد صعوده إلى السماء أرسل الربّ روح الآب على الرسل، حتّى يتجدّد كثيرون بواسطة بشارتهم، ويولد لله أولاد كالندى في إشراق الشمس. فلا أجمل مِن هذه الخدمة في الدنيا ولا في الآخرة، أن نؤدّي شهادتنا عن المسيح المصلوب والمقام مِن بين الأموات، لأنّه بالإيمان بهذه البشارة ينال النّاس الحياة الأبديّة. فالرّوح القدس يحلّ في الملتصقين بالمسيح ويجعلهم أبناء الله، حتّى انهم يعظّمون أباهم كلّ حياتهم في سلوكهم القويم.
14: 13 وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالاِبْنِ. 14 إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئاً بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ.
هل تصلّي؟ كم نسبة الصّلاة الشاملة لهمومك وذنوبك مِن صلاتك؟ وكم بالمائة تمجّد الله وتخدم النّاس؟ هل أنت أناني في صلاتك أو مبشر ممتليء المحبّة لله والضّالين؟ هل غيّرت محبّة الله صلواتك، حتّى تبارك أعداءك بالحاح؟ هل جعلك خلاص المسيح مخلّصاً لكثيرين باسمه؟ هل تمارس صلاتك بانسجام مع الطلبات في الصّلاة الربّانية؟ أو لا تزال تبغض أناساً، ولا تغفر ذنوبهم تماماً؟
إن صلّيت باسم المسيح تعيش وتفكّر حسب روحه. وتريد ما يريده هو. ويمتليء قلبك بأفكار محبّته الحنونة، كما انكر الابن نفسه بكلّ كلماته وأعماله، وأكرم أباه دائماً. فهكذا يريد المسيح اليوم، ألا يمجّد اسمك وشهرتك بصلواتك وإيمانك وتضحياتك، ولا يمجّد نفسه أيضاً بل الآب بالذات مباشرة. فبواسطة صليب المسيح حلّ الرّوح الأبوي فيك وجعلك أنت الخاطيء الأناني في السابق مصليّاً متواضعاً، الّذي يستخدم سلطان الصّلاة المستجابة ليخلّص كثيرين ويحفظهم باسم يسوع الحي.
والمسيح يعطيك وعداً أقوى مِن جميع القنابل الهيدروجينية في الأرض. وهذا الوعد يشمل كلّ القوى وبركات السماء حاضراً ومستقبلاً. ويربط هذا الوعد المطلق بالشرط الواضح في قوله: إن فتحت نفسك لكلماتي حتّى تغيّرك وتصغرك، أصبح أنا فيك قويّاً وعظيماً. واخلّص بواسطة إيمانك وصلواتك أفراداً وجماعات مِن الفساد، وابنيها في البِرّ. وكلّما تصلّي في إرشاد الرّوح القدس اللطيف وتؤمن بي، فسأتمّمه مباشرة.
أيّها الأخ، فكّر بالشكر في المفتاح الّذي وضعه يسوع بين يديك، وأفتح بصلواتك الكنوز السماوية، وانزل على جيرانك وأصدقائك وأعدائك، بركات وقوى وخلاصاً ومعرفة وتوبة وعوناً في الحين. اطلب مِن يسوع بالحاح ومواظبة أن يختار اليوم مِن أمتّك عبيداً واماء، يجعلهم أولاداً لله في الخدمة الفعالة. لا تكلّ في صلاتك لأن إيمانك وسيلة الخلاص لكثيرين. فآمن بالاستجابة إذ تصلّي واشكر المسيح مسبقاً للإستجابة، إن صلّيت باسمه لا باسمك الخاص. وابحث عن الأخوة والأخوات. واطلبهم مِن ربّك لتشتركوا في الصّلاة والإيمان. ولا تملوا في ابتهالاتكم وتسبيحاتكم. اطلبوا مِن الرّبّ أن يغدق عليكم روح الصّلاة.
وإن شعرتم انّ يسوع لا يستجيب صلواتك فتوبوا وتواضعوا واعترفوا بخطاياكم. وانكسروا لكبريائكم ليطهّركم الربّ، ويمنحكم مرّة أخرى السلطان لتنزلوا ملء السماء على الأرض. أنت مسؤول في ملكوت الله. فمتى تبتدىء بصلاتك وإيمانك وشهادتك وتمجّد الآب والابن والرّوح القدس؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، لا تدخلنا في تجربة بل امنحنا روح الصّلاة، لكيلا نفكّر بأنفسنا أوّلاً، بل بكلّ الّذين نعرفهم أو لا نعرفهم. اجعلنا مصلّين مؤمنين، لكي تخلص أقرباءنا وأنسبائنا. ونؤمن بنصرتك في جيلنا متكلاً على استجابتك لطلباتنا المنسجمة بالصلوات الربّانية. واحمدك لأنّك فتحت لنا السماء على مصاريعها وتغدق علينا ملء النعم وعلى أرضنا الحقيرة. ليكن اسم الآب ممجّداً بواسطة ولادة أولاد روحانيين كثيرين. وليتقدّس اسمك بواسطة سلوكهم المقدّس بقوّة روحك الطاهر.
السؤال:
15- ما هي أعمال اتباع يسوع الّتي هي أعظم مما عمله يسوع بالذّات؟
14: 15 إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ.
التبشير هو الشكر للجلجثة. ومَن لا يبشّر لا يعرف بعد مِن أي كابوس خطيئة وعيوب حرّرنا المسيح. ولكن إن رأيت صلواتك وشهاداتك كلّها غير مثمرة. فامتحن ذاتك إن كنت ثابتاً في محبّة المسيح، أو ان آماثك هي المانعة للبركة أن تحلّ. اعترف بنقصانك أمام يسوع، لكيلا ينقطع بحر البركة بواسطتك إلى النّاس. ويسوع لم يعطنا وصيّة واحدة فقط بل ألوف النصائح. مثلاً أحبّوا أعداءكم، اسهروا وصلّوا لكيلا تدخلوا في تجربة. وكونوا كاملين كما أنّ أباكم في السماء هو كامل. وتعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأجمال وأنا أريحكم. كلّ هذه الأوامر تتّحد في الوصيّة الفريدة، أن نحبّ بعضنا بعضاً كما أحبّنا. فوصايا المسيح ليست حملاً ثقيلاً، بل عوناً للحياة وجسراً للإيمان والمحبّة.
فمَن اختبر فرح فداء يسوع لا يريد ولا يستطيع العيش لذاته، بل يخدم يسوع المخلّص. وبمقدار أن ندرك عمق وعظمة خطّة خلاص الله في يسوع نصلّي ونبتهل إليه لكي يشعل محبّته فينا، ونكرمه بحياة بلا لوم قدامه في المحبّة. فليس نيل برّنا الخاصّ هو غاية حفظ وصايا المسيح إنّما الشكر والخدمة والتبشير لأجل الخلاص التام ومحبّتنا للمخلّص.
14: 16 وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الآبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّياً آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ, 17 رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ, لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ, وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ.
كلّ مَن يحاول اتمام وصايا يسوع مِن تلقاء نفسه، يفشل وينكسر وييأس، لأنّه لا يستطيع إنسان أن يتمّم مشيئة الله. وإلاّ فيصير إلهاً في ذاته. ولهذا السبب توسّط يسوع لنا عند الله حتّى أرسل إلينا المعزّى اللطيف الّذي هو الرّوح القدس. وله وظائف مختلفة في دنيانا. انّه روح الحقّ الّذي يرينا طول وعرض خطايانا ورجاساتنا وفجورنا، لكي نشمئزّ مِن أنفسنا ونتواضع بالمعرفة انّنا أباطيل. وبعدئذ يرسم الرّوح المعزّي يسوع مصلوباً أمامنا. ويؤكّد لنا أن هذا الابن الإلهي المرفوع، غفر لنا جميع خطايانا نهائيّاً، وجعلنا أبراراً أمام الله بالنّعمة. وهذا الرّوح المبارك يلدنا ثانية، ويفتح فمنا لنسمّي الله أبانا، ونتأكّد انّنا أصبحنا بالحقيقة أولاد الله بواسطة روح النبوة. وأخيراً يكون هذا الرّوح المعطى لنا محاميّاً عنا، الّذي يقف بجانبنا ويثبتنا وسط وسوسات الشيطان ويؤكّد لنا أنّ الخلاص تمّ. فلا نجد يقيناً في كلّ التجارب ولا اطمئناناً في الدينونة والآخرة إلاّ بمعزّ إلهي، الّذي أرسله يسوع إلينا.
لا يوجد إنسان يحمل روح الله بطبيعته البشريّة، ولا عبقري ولا شاعر ولا عرّاف ولا نبّي. إنّ هذا الرّوح يأتي مِن خارج دنيانا، ولا يستطيع نيله فيلسوف أو مؤسّس أديان، لأنّه يحلّ فقط في الإنسان الّذي يؤمن بدم يسوع المسيح. فمَن لا يحب يسوع ولا يقبله عاجلاً لا يعرف روح الحقّ وليس ساكناً في قلبه. فلا تغرّن نفسك، فانك لا تقدر أن تجبر الرّوح القدس أن يحلّ فيك بواسطة تأملات أو رؤى أو غيبوبة أو أحلام، أو أي اجتهاد بشري، إلاّ بالإيمان المتواضع بابن الله. فمَن يحبّ يسوع ويتعاهد معه يختبر الفرح العملي، إن الرّوح القدس يحلّ في القلب، ويختبر قوّة الله وسط الضعف. ويسوع يؤكّد لك توضيحاً، انّ هذا المعزّي الرّوحي لا يبرحك، لا موتاً ولا دينونة، لأنّه الحياة الأبديّة.
14: 18 لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ. 19 بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ يَرَانِي الْعَالَمُ أَيْضاً, وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ. 20 فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا فِي أَبِي, وَأَنْتُمْ فِيَّ, وَأَنَا فِيكُمْ.
أخبر يسوع تلاميذه لَمّا خرج الخائن مِن حلقتهم، انّه سيتركهم قريباً، ولا يستطيعون اتباعه فيما بعد. ولكنّه بعدئذ بيّن للفزعين انه سوف لا يتركهم طويلاً، بل يرجع إليهم. فيسوع شعر برعب تلاميذه الّذي كان كبيراً كما لو مات أب لأطفال كثيرين وهم حوله مجتمعون. فأكّد الربّ للحزانى، انه سيرجع إليهم شخصيّاً. وقصد هذا القول بمعنيين. الأوّل حلول الرّوح القدس لأن الربّ هو الرّوح. والثاني مجيئه في المجد في أواخر الأيام. ولأجل الظهورين كان مِن الضروري أن يترك يسوع العالم ويذهب لأبيه. فبدون هذا الابتعاد القاطع لم يستطع الرّوح القدس أن يأتي إلينا.
وهذا الرّوح هو الّذي يفتح أعين قلوبنا فجأة. عندئذ ندرك أنّ يسوع لم يبق في القبر كسائر النّاس، بل انّه حيّ موجود كائن عند الآب. فحياة المسيح هي أساس الكون وخلاصنا. ولأنّه غلب الموت يعطينا الحياة، لكي نغلب أيضاً الموت في الإيمان، ونعيش في برّ المسيح إلى الأبد. فديننا دين الحياة ممتليء الرجاء والفرح.
والرّوح المعزّي الحيوي الصادق هو روح الله الخاص. ويأتي ليحلّ فينا نحن الصغار الفانين، ويحلّ في عقولنا العقد الغير منطقية: إنّ الابن في الآب والآب في الابن كوحدة كاملة بلا شكّ ولا ريب. ولكنّ هذه المعرفة الرّوحية عن الثالوث الأقدس ليست كعلم بالرياضيات بل تتجسّد رأساً في المؤمن، حتّى نتحد بيسوع بنفس الطريقة كما هو واحد مع أبيه. وهذه الأسرار والامكانيات في الرّوح القدس تفوق ادراكنا البشري. لهذا يؤكّد لنا المعزي الإلهي انّ اتحادنا الإيماني بيسوع هو عملي حق ممتليء الحياة.
هل أنت “في المسيح” ومتّ لكبريائك، عائشاً لتمجيد ربك؟ هل خبّأت نفسك وراءه، حتّى لا يراك النّاس، بل يرونه هو فقط، وليس إلاّ هو؟ وهل تعترف أيضاً بجرأة وضمير مرتاح أن يسوع قد حلّ بملء محبّته وتواضعه فيك؟ وهل تؤمن بحضور مخلّصك في قلبك؟ إن الرّوح القدس يوضح لك هذه العجائب وينيرك، فترى الحقائق الإلهيّة كما لو فتحت الزر الكهربائي في غرفتك الدامسة فتشاهد كلّ أشيائها فجأة.
ولكن احذر. فلم يقل ربّك أريد ان اسكن فيك وحدك، بل أحلّ فيكم معاً. فليس المسيحي بمفرده هو هيكل الرّوح القدس، بل إنّما يشبه حجراً حيّاً في هذا المسكن الإلهي، لأن حلول الرّوح القدس يشترك فيه كلّ المسيحيين. والرّبّ أعطانا هذا الوعد في صيغة الجمع:”أنتم فيّ وأنا فيكم”. فشركة القدّيسين أي الكنيسة هي المكان حيث يعلن المسيح اليوم ذاته. هل تلاحظ انّ الربّ يتمّم بهذا الوعد نفسه وصيته: أحبّوا بعضكم بعضاً كما أنا أحبّبتكم؟ هو حالّ في وسطنا ويمنحنا قوّة محبّته ويحفظ فينا الوصايا. فلست أنا بمفردي أتعلّق بالمسيح، بل كلّنا معاً نمتليء إلى ملء الله.
الصّلاة: نسجد لك يا حمل الله القدّوس، لأنّه بسبب موتك حصلنا على الحياة الأبديّة. فاغفر لنا قلّة إيماننا وجهلنا وشعورنا بذواتنا لكيلا يقوم شيء فاصل بينك وبيننا، وليمرّ تيّار روحك بواسطتنا إلى الآخرين. ونثبت في وحدتك مع الآب. ونراك في كلّ التجارب، ونعيش حسب هذا الإدراك السامي. نشكرك لاتيان معزّينا روح الحقّ، الّذي يحفظنا معاً إلى أبد الآبدين.
السؤال:
16- ما الصفات والأعمال الّتي يطلقها يسوع على الرّوح القدس؟
14: 21 اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي, وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي, وَأَنَا أُحِبُّهُ, وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي.
يفيض ينبوع النّعمة مِن شخص يسوع المسيح في الكنيسة كلّ حين، حتّى إذا امتلأ جميع المؤمنين في كلّ الأزمنة مِن فيضانه يظل بحراً فائضاً متزايداً. فأمام أعدائه كان على يسوع الدفاع عن حقيقته كمسيح وابن الله. وأمّا مع تلاميذه فقد أعلن في الساعات الأخيرة غنى وحدته مع الآب. ليت قلوبنا تكون عميقة واسعة العمق، ليحلّ فينا ملء لاهوت المسيح، ويثبت فينا.
وقد أخبرنا يسوع أنّ محبّة تلاميذه له لم تكن مجرّد عاطفة نابعة مِن الإرادة الصالحة فقط، بل انّ هذه المحبّة مبنية على حفظ الوصايا وتطبيقها العملي. فالإنسان العادي لا يعرف نصائح محبّة المسيح الحسّاسة، بل يعيش في أسوار ممانعات موسى. أمّا المسيح فيفتح لنا كنوز المحبّة السماوية، ويرسلنا إلى خدمة الضّالين وبنيان الأخوة، ويمنحنا القدرة لنحقّق أفكاره. وليست وصاياه ثقيلة ولا مستحيلة، لأن فرح الرّوح القدس هو الدافع فينا. وروح الحقّ يدفعنا للاعتراف بكلّ نجاسة وأكاذيب ارتكبناها سهواً. وهذا الرّوح يقوّينا لحفظ الوصايا نعمة لا فريضة، وهبة لا مكافأة. فلا نحفظ الوصايا لكي يحبّنا يسوع بل لأنّه قد أحبّنا وخلّصنا إلى التمام نحبّه ونسير في روح محبّته.
هل تحبّ يسوع؟ لا تجاوب بسرعة متفائلاً بقولك “نعم”، ولا بتباطؤ وتشاؤم فتقول “لا”. فإذا كنت مِن المولودين ثانية، فإنّ الرّوح القدس الّذي فيك يقوله بصوت رفيع: نعم أحبّك أيّها الربّ يسوع لأجل جلالك وتواضعك. لأجل تضحيتك وصبرك. أحبّك لأنّك خلقت في قدرة المحبّة الإلهيّة. فهذا التكلّم الّذي مِن الرّوح القدس فينا، ليس أمنية أو تخيّلات أو شعوراً، بل مبنيّاً على العزم لتنفيذ المحبّة بالعمل، ومشحوناً بالقوى للتضحية الفعّالة. فالرّبّ نفسه يخلق في أحبائه المحبّة ويثبتّهم فيها بالنّعمة.
والله يحبّ النّاس الّذين يحبّون يسوع. ولكن مَن يبغض المخلّص عمداً يمكث عليه غضب الله. فلقد وضع الآب في ابنه كلّ قواه وإرادته ورحمته، ليخلص به البشر. فمَن يقبل يسوع يقبل الله. ومَن يرفض الابن يرفض الله. هل أدركت أنّ الله يسميّك: حبّيبي. لأن روح المسيح غيرك وجعلك إنسان المحبّة. فانك ما كنت صالحاً مِن ذاتك مطلقاً، لكن محبّة الله تكوّنك تكويناً جديداً، جوهره المحبّة. ويعمل المسيح فيك شافعاً بك لدى أبيه السماوي ويحفظك إلى الأبد. ويظهر ذاته لك بتأكّدات روحية مرّة تلو مرّة. ومهما ازددت معرفة بمخلّصك، فانّ معرفتك تظل ضئيلة، لأنّ المعرفة تعني نمواً في الطاعة والمحبّة والتضحية وانكار الذّات.
14: 22 قَالَ لَهُ يَهُوذَا لَيْسَ الإِسْخَرْيُوطِيَّ, يَا سَيِّدُ, مَاذَا حَدَثَ حَتَّى إِنَّكَ مُزْمِعٌ أَنْ تُظْهِرَ ذَاتَكَ لَنَا وَلَيْسَ لِلْعَالَمِ. 23 أَجَابَ يَسُوعُ, إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي, وَيُحِبُّهُ أَبِي, وَإِلَيْهِ نَأْتِي, وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً. 24 اَلَّذِي لاَ يُحِبُّنِي لاَ يَحْفَظُ كَلاَمِي. وَالْكَلاَمُ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ لَيْسَ لِي بَلْ لِلآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي. 25 بِهَذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ.
كان للمسيح تلميذ اسمه يهوذا، ليس نفس يهوذا الاسخريوطي بل آخر. وقد لاحظ أنّ يسوع تكلّم منذ ذهاب الخائن عن موضوع جديد لم يطرقه إلاّ بين تلاميذه. فشعر انه لا بدّ قد حدث أو سيحدث شيء ما. لم يفهم ذلك بوضوح، إلاّ احساساً بأن الكنيسة قد ابتدأت تنفصل عن العالم الفاسد. ولم يجاوبه يسوع مباشرة. إنّما أعلن في جوابه جوهر الكنيسة وميزتها مِن العالم. وردّد يسوع عليه القول، مبيناً الدرجات لمعرفة الله الحقّ، أي انّ معرفة يسوع وقبوله تنتج انفتاحاً إليه وحصول الحياة الجديدة، ونيل قوّة الرّوح القدس لحفظ الوصايا وممارستها واختبار محبّة الله حماية وشكراً وهدفاً. وبعدئذ نطق يسوع بالجملة المثيرة الغير المدركة العقل البشري: وإلى المؤمن نأتي. وعنده نصنع منزلاً. فلم يتكلّم يسوع هنا عن الكنيسة جمعاء، بل عن المؤمن الفرد. فالثالوث الأقدس بكلّيته يزوره ويستقرّ فيه. وهذا القول يرنّ في صدر الإنسان العادي، كأنّه هذيان أو تجديف. ولكن في رحاب الرّوح القدس يكون هذا الوعد حقيقة تلقائية، لأنّ الرّوح القدس والابن والآب واحد. وحيث يدخل الإنسان إلى تطوّر الخلاص ويوافق على نموّ محبته في الإيمان، هناك يشمله الله بملئه، ويملأه بجوهره، ويحفظه في ذاته. هذا حقّ ويقين. كلّ مؤمن بالمسيح يختبر هذا السرّ الحقيقي.
هل استقبلت الله الآب والابن والرّوح القدس؟ وهل زينّت بيت قلبك بمزامير وتسابيح وأعمال صالحة؟ ان الله بكلّيته يأتي إليك. ليس لأنّك إنساني محترم مقبول، بل بالعكس فانّه يأتي إليك لأنّك عاطل وشرّير ورديء. ولكن بما انّك قبلت المسيح مخلّصاً، فقد طهّرك وقدّسك وغرز فيك محبته فمَن يحبّ يسوع يحبّه الله ويحلّ فيه.
أمّا الّذي لا يحبّ يسوع، فلا يبتدىء فيه النّمو التدريجي مِن الرّوح القدس. ولا يعرف هذا الإنسان الخلاص ولا الهدى. ولا ينال القوّة للعمل الخلاصي الخيري. ويبقى شرّيراً ككلّ النّاس، ويفقد ما عنده مِن بقايا الإنسانية، ويشبه الوحش بشهوات دنسة حيوانية. ويعمل ما منعه الله وحرمه. ولهذا يبقى شعور رافض المسيح مسوداً وحقيراً، ولا يقدر أن يدرك أو يحسّ بالمستوى العالي لروحانيات المحبّة في كنيسة العهد الجديد.
الصّلاة: أيّها الثالوث القدّوس الآب والابن والرّوح القدس. اسجد لك وأحمدك. اشكرك وأعظمك، لأنك زرتني، واستقرّرت فيّ أنا الخاطيء النجس الكذاب المستكبر. اغفر لي كلّ ذنوبي. وأشكرك لغفران آثامي في المسيح. واحسدك لأجل قوّة المحبّة الموهوبة لي. واثني عليك لأجل روح المحبّة الموضع في فؤادي. احفظني في اسمك. قد أتيت إليّ ووتسكن في كلّ مسيحي حق. تعال إلى ألوف مِن غير المؤمنين بالابن. ليستنيروا ويرتفعوا لمستوى محبّتك. أحي مصلين أمناء ليبتهلوا إليك بالمواظبة لكي يرسل رسل خلاصك وخدام اسمك إلى الضّالين فيحيوا جميعاً.
السؤال:
17- كيف تتعلق محبتنا بالمسيح ويحلّ الثالوث الأقدس فينا؟
- سلام المسيح الوداعي
(14: 25- 31)
14: 25 بِهَذَا كَلَّمْتُكُمْ وَأَنَا عِنْدَكُمْ. 26 وَأَمَّا الْمُعَزِّي, الرُّوحُ الْقُدُسُ, الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي, فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ, وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ.
مَن يتجاسر على القول انّه قد فهم كلّ أقوال المسيح؟ ومَن قدر على حفظ كلماته كلّها ونفذها بدّقة؟ إنّ التلاميذ المضطربين في عشية العشاء الربّاني، فكّروا بمكر الخائن وما عساه يفعل، وهدف يسوع بتركهم. فما استطاعوا أن يحفظوا كثيراً مِن كلماته الوداعية. الاّ يوحنّا الفتى الطري العود، الّذي وثق بحماية المسيح حتّى ولو تركه. تعزّى يسوع عن النسيان في تلاميذه، عالماً أن روح الحقّ سيحلّ فيهم ويدعوهم وينيرهم ويجدّدهم كما بشرّهم مشجّعاً. فالرّوح القدس يكمل عمل يسوع بنفس المعنى ونفس الهدف. وهذا الرّوح هو محامي الضعفاء. ولم يختر يسوع عباقرة أو متعلّمين بطرق الفلسفة أو البلاغة، بل دعا صيادي السمك، وأحد الجباة وخطاة آخرين، ليخزي بنعمة الله في البسطاء كلّ علوّ وعلم في العالم المتكبّر. فالآب في رحمته أرسل روح المسيح على الغير قادرين والشرسين، لكي يصبحوا أولاده موهوبين بحكمة تواضعه، منكرين أنفسهم عائشين في البِرّ.
ولم يؤلّف يسوع كتاباً مشجّعاً شعريّاً، ولم يمل إنجيله على إنسان قد يضيع الأوراق أو ينسى، إنّما وثق بروح الحقّ كلّ الثقة، انّه يعلّم تلاميذه وينيرهم ويرشدهم ويذكّرهم ويثبتهم في جميع ما قاله لهم سابقاً. وحقّاً فالإنجيل هو مِن أعمال الرّوح القدس العظمى، وما زال حتّى اليوم. وقد استودع يسوع خلاص العالم، إلى عربة اللغة الإنسانية الحقيرة، وإلى ذاكرة التلاميذ المخرقة كثيراً. ولكن الرّوح المنير ذكّرهم، وعلّمهم وثبتّهم في كلمات يسوع، حتّى يمجّد الرّوح القدس الابن بواسطة شهادات الرسل. وليس لنا كتاب آخر إلا كلمات رسل المسيح الّذين قدّموا للعالم بكلّ تواضعهم معرفتهم وإيمانهم. ولم يضيفوا أيّ شيء شخصي على كلمات يسوع. وبشارتهم لم تكن خبراً جافاً تنتهي حداثتها مع العصور، بل انّ الرّوح القدس يجدد في هذه القصص حيويتها باستمرار حتّى يومنا هذا. فان قرأنا الإنجيل فكأنّنا نقرأ أحداثه حادثة في أيامنا. وان سمعنا كلام المسيح فكأنه يلامس بصوته آذاننا. ومَن زعم أنّ التلاميذ اخترعوا أو حرّفوا الإنجيل الأصلي تحريفاً، فانّه لا يعرف روح الحقّ البتّة، لأنّه ليس في الرّوح القدس أي كذب، بل هو الحقّ والمحبّة.
14: 27 سَلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ.
قدّم يسوع لتلاميذه السلام في نهاية خطابه الوداعي الأوّل، سلاماً يفوق كلّ التسليمات البشريّة. لقد مضى يسوع، ولكنّه ترك سلامه مهيمناً على اجتماعاتهم وقوّة في قلوبهم. ولم يتكلّم يسوع عن السلام المزيف كجرائد دنيانا، لأنّه عرف انّه ينبغي أن تأتي حروب، لأنّ البشر عائشون بدون الله. وغضبه واقع على كلّ فجور النّاس واثمهم. فيسوع يتكلّم عن سلام آخر. السلام في الضمير، الناشيء مِن غفران الخطايا والنابع مِن المصالحة مع الله. والمتحقّق في التسامح المتبادل، والحاضر في سلام الكنيسة. إنّ سلام المسيح هو الرّوح القدس القوّة الأزلية اللازائلة، لأنّه صادر مِن الله وهو ثابت فيه وراجع إليه.
يعمّ في العالم الكذب والبغضة والاغتصاب والمكر والخداع والقتل والحسد والبخل والنجاسة والدعارة. وأمّا يسوع فيأمرنا بألا نسمح لكلّ هذه الأمواج الشيطانية أن تهزّنا أو تزعزعنا. ويمكن أن تتعالى الأمواج كأنها تبتلعنا. فهذه هي العادة. لأن الشرّير هو رئيس عالمنا. ولكن في المحبوب يسوع يعمّ السلام. فانه يمنعنا مِن كلّ أنواع التشاؤم واليأس. ويحرّرنا مِن اضطراب القلب وخوف الموت، لأنّ المؤمن بالمسيح يسكن في الله والله فيه. هل ينطبق هذا القول عليك أيضاً؟ إنّ يسوع كان نائماً في السفينة وسط هيجان الأمواج. وكلّ مَن بالسفينة يئس عند امتلائها ماء. فقام عندئذ يسوع وانتهر العاصفة وهدأها. وقال لتلاميذه: يا قليلي الإيمان لماذا تخافون؟
14: 28 سَمِعْتُمْ أَنِّي قُلْتُ لَكُمْ أَنَا أَذْهَبُ ثُمَّ آتِي إِلَيْكُمْ. لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ لأَنِّي قُلْتُ أَمْضِي إِلَى الآبِ, لأَنَّ أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي. 29 وَقُلْتُ لَكُمُ الآنَ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ, حَتَّى مَتَى كَانَ تُؤْمِنُونَ. 30 لاَ أَتَكَلَّمُ أَيْضاً مَعَكُمْ كَثِيراً, لأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ. 31 وَلَكِنْ لِيَفْهَمَ الْعَالَمُ أَنِّي أُحِبُّ الآبَ, وَكَمَا أَوْصَانِي الآبُ هَكَذَا أَفْعَلُ. قُومُوا نَنْطَلِقْ مِنْ هَهُنَا.
كان التلاميذ مضطربين في صميم قلوبهم، لأنّ ربّهم كرّر القول، انه سيتركهم وودّعهم رسميّاً. فالفراق اقترب. نعم لقد اثبت يسوع ذهابه مرّة أخرى. ولكن أكّد لهم بنفس الوقت رجوعه. وقال افرحوا. انّي أترككم لأنّي ذاهب إلى الآب. افرحوا لأجل رجوعي إلى وطني الأصلي. لا أضع عليكم شيئاً مِن آلام الصليب، وأحرّركم مِن خوف القبر.
إنّما كلامي إليكم هو عن وحدتكم مع الآب. لو احببتموني لفرحتم برجوعي إلى السماء. إنّما لا شكّ انّ عليّ تمجيد الآب بموتي وقيامتي. فانّي اعتبره أعظم منّي، وأحبّه مِن صميم فؤادي. ولكنّ محبّتي لكم لا تنتهي أيضاً. وأنا آتي إليكم في روح أبي حقّاً. وصور يسوع للتلاميذ الآب كبيراً، ليدركوه ويتعلّقوا بالآب مباشرة، ويستعدّوا للانفصال عن معلّمهم، الّذي صار على قاب قوسين أو أدنى. فأراد المسيح بحدوث هذه الواقعة، أن يتذكر التلاميذ انّ الله ليس ضدّه، بل انّ يسوع ذاهب إليه مباشرة. فالسلام بين المسيح وأبيه أزلي. لذلك فالآب سيجذبه بعد موته إليه.
والكفاح الجوهري كان ما يزال أمام يسوع. فأقبل الشيطان إليه، ليجرّبه في ساعات صلبه، لينتهي إيمانه ومحبّته ورجاؤه، ويسقط المصلوب إلى خطيئة الكفر والبغضة واليأس، وهكذا تبطل تضحيته والصليب معاً. لكنّ الابن كان قد مات لفخره ولحساسيته، وأكرم الآب وحده واتّضع جداً، وأحبّ مصدره بكلّ أفكاره وقواه وإرادته. إنّ يسوع وحده أكمل الوصيّة الأساسية في العهدين القديم والجديد. أمّا تلاميذه فأحبّوا ذواتهم وخافوا لأجل ضمانتهم، ولم يفهموا طرق الله.
فعلم يسوع ألاّ فائدة مِن التكلّم الزائد. فقام ليعمل ما أمره الآب أي فداء العالم على الصليب، ليحلّ في تلاميذه روح الحقّ. ولكنّ هذا الفداء لم يخصّ التلاميذ فقط، بل العالم أجمع. فأراد يسوع أن يدرك كلّ إنسان محبّته لله الغير المحدودة. لأنّ هذه المحبّة هي الدافع للخلاص وسرّ الكون. فترك يسوع مع اتباعه الأمناء غرفة قطع العهد الجديد. وخرج معهم إلى الليلة الدامسة، نازلاً وعابراً وادي قدرون. وماشيّاً إلى جبل الزيتون نحو جنينة جثسسيماني حيث تربّص الخائن.
الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ يسوع لأجل سلامك. قد طهّرت قلوبنا وأحييتنا. اغفر لنا كلّ نوع مِن اضطراب وهموم وخوف ويأس في أمواج البغضة والحروب والجوع والفساد. نشكرك لأنّك أرسلت إلينا روحك القدّوس لنثبت في سلامك. ونطلب إليك انّ هذا الرّوح المعزّي يذكّرنا في ساعات التجربة بكلماتك القوّية، لكيلا نقع في خطيئة عدم الإيمان ولا في كفر اليأس، بل ننظر إليك مصلين بالرجاء وصابرين في سرور. ونشكرك إن جعلت طريقنا عودة إلى الآب. ونسجد لك يا حمل الله القدّوس، لأنّك أعدّدت لنا منازل في بيت أبيك.
السؤال:
18- ما هو سلام يسوع؟
رابعاً- الكلمات الواعية
في الطريق إلى بستان جسثيماني
(15: 1- 16: 33)
- الثابت في المسيح آت بثمار كثيرة
(15: 1- 8)
15: 1 أَنَا الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. 2 كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ, وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ.
نزل يسوع مع تلاميذه بعد العشاء الربّاني مِن الجبل القدسي، ماراً مِن باب الأسوار الضخمة الّتي في وادي قدرون. وصاعداً بعدئذ نحو جبل الزيتون، بين البساتين وكروم العنب. وفيما هم في الطريق وضّح يسوع لتلاميذه، معنى إيمانهم وغاية محبّتهم بواسطة كرمة مروا بها أثناء سربهم. وقد سمّى يسوع الله الكرام، الّذي غرس في دنيانا كروما عديدة. أحدها شعب العهد القديم. كما نقرأ في المزمور 80: 9- 15 وأشعياء 5: 1- 7. فامتعض الله مِن هذه الكرمة، لأنّها لم تأت بثمر غزير. فغرس الله شتلة جديدة في الأرض، ابنه المولود مِن الرّوح القدس، لكي يكون هو الكرمة الحقيقية، ويأتي بجنس جديد وجيل طاهر مطهور يفيضون بثمار روحية كثيرة. فالموضوع الّذي دلّ يسوع تلاميذه عليه، كان ثمار الرّوح القدس في الإنسان ثماراً كريمة وفضائل برّاقة. فانّه علم انّ كلّ أنواع تعاليم الإنسانية خدّاع، وإنّ الإنسان يسكنه في داخله حيوان، ينتظر مَن يوقظه ويثيره، فيدوس الآخرين، ويجرحهم ويفترسهم. هكذا قال يسوع مِن أوّل مرحلة في تعليمه، انه هو لوحده الّذي يأتي بالثمار المرضية أمام الله. وقوته تعظم في الضعفاء. إنّ المسيح هو صانع السلام وباني كنيسته.
فأظهر المسيح أوّلاً الناحية السلبية، انّ الّذي لا يفتح نفسه لدوافع محبّته الرّوحية ولا يريد أن يأتي بثمار الرّوح القدس، ويمتنع عن عمل قوّة الله في ضميره ويرفض جريان العصارة اللذيذة مِن الكرمة إليه، فانّ الآب يقطعه مِن الكرمة كغصن لا خير فيه. فان لم يجد الله فيك ثمار الإنجيل البتّة، أو لم يسبب موت المسيح وقيامته فيك تأثيراً ونتيجة، فانّه ينزعك مِن ابنه نزعاً. ولكن حالما يرى أن عصير الرّوح القدس ينشيء فيك علامات النمو، كالغصن في الكرمة، فيورق وينشيء أطرافاً متمسكة وتبدأ بالاثمار، فيأتي عند ذلك الكرّام بسكينته، ويقصّ الأطراف الغير النافعة منك، لكي تأتي بثمر أكثر. علماً انّ هذه الثمار ليست ثمارك بل ثمار يسوع فيك، كما انّ الأوراق والعلّيقات والثمار مِن الكرمة وليس مِن الغصن بتاتاً. فنحن باطلون وهو الكلّ بالكلّ. وهل تعرف انّ الكرمة الطبيعية تحتاج في كلّ فصل خريف ان تقطع وتشذّب كثيراً، لتأتي في السنة القادمة بثمار وفيرة؟ وهكذا ينبغي على الله ان يقصّ فيك كلّ التطوّرات الطبيعية البشريّة، لكي تنتهي معانداتك، وتموت عن خطاياك، لتتبلور قوّة المسيح فيك إلى النضوج. وللرب طرق عديدة ليخلّصك مِن ذاتك. فالحوادث والفشل والأمراض والأمور المتعدّدة، تهاجمك لكي تنكسر. فلا تعيش مِن ذاتك بل مِن ربّك وتصبح إنسان المحبّة مِن قدرته العظيمة.
15: 3 أَنْتُمُ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. 4 اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ, كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ.
إنّ المسيح يمنحك تعزية ملكية. لا ينزعنا الله مِن الكرمة السماوية لأجل نجاساتنا الطبيعية وخطايانا المتعدّدة، لأن المسيح منح لكلّ واحد مِن اتباعه تطهيراً مبدئيّاً، اغدقه عليه في بداية إيمانه. فلا نقول: لعلّنا سنطهّر في المستقبل بطقوسنا وأنواع تعبداتنا، بل قد تطهّرنا في الماضي، عند سماع وقبول إنجيل المسيح. هو الّذي غفر خطايانا مرّة إلى الأبد، وقدّسنا على الصليب كاملاً. فالإنجيل ممتليء بقوّة التطهير. لذلك فليست مجهوداتنا ولا آلامنا ولا نضوجنا في الشيخوخة يطهّرنا، بل كلمة الله وحدها. وكما انّ الخالق خلق في البدء العالم مِن كلمته القوية، هكذا يخلق المسيح فينا طهارة جديدة إن انفتحنا لكلمته. فليس سرّ المعمودية ولا العشاء الربّاني وحده يطهّرنا، بل الإيمان بكلمة يسوع وتعمّقنا المستمرّ فيها. فنقترح أن تقرأ يوميّاً في الكتاب المقدّس ولو قليلاً. وان أمكن، فليكن ذلك في وقت معين وبنظام. وإلاّ فانّك تغذيتك الرّوحية المستمرّة تزول حتماً.
وابتدأ يسوع أن يركّز في عقولنا كلمة واحدة، فنبني عليها نضوجنا واتياننا بالثمار الرّوحية، ألا وهي الثبات. وهذه العبارة تأتي في الآيات الحادية عشرة مِن الاصحاح الخامس عشر احدى عشرة مرّة. حتّى انّ كلّ المعاني التالية، تركّزت على كلمة الثبات في المسيح. فلنا الامتياز أن نثبت في يسوع ونكون فيه. لقد طمعنا نحن النجسين في نفسه القدسية، لنتغيّر بقداسته. فقواه وعصائره تجري فينا. وهو يؤكّد لنا بكلّ وضوح، ان ليس إنسان يستطيع ان يأتي بثمر واحد مِن الرّوح القدس تلقائيّاً. الكلّ يصدر مِن يسوع. فعلينا الثبات فيه. وإلاّ فإذا انفصلنا عنه، فانّ جريان قوّة محبته تنتهي فينا. وإن قطع غصن مِن الكرمة ولو للحظة واحدة فانّه يجفّ وييبس. ما أبشع الصورة لكنيسة يابسة ميتة. فمِن أهم الطلبات في صلوات المؤمن. طلبه مِن المسيح الثبات، لكي يعمل الربّ فيه باستمرار نمواً وثماراً وتحركاً، ويحفظه باسمه ليلاً نهاراً. وهذا الثبات ليس منا، إنّما هو نعمة وثمار الرّوح، لأنّه لا يستطيع أحد أن يثبت نفسه مِن نفسه في المسيح. لكنّنا نستطيع الشكر لهذه الهبة. ونطلب إليه أن يديمنا فيه ويثبت الآخرين.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أنت كرمة الله المقدّسة في تربة أرضنا. منك تأتينا كلّ الفضائل الصالحة، لأن قلوبنا ينابيع كلّ الشرور. ونشكرك لأنك طهّرتنا بواسطة كلمات إنجيلك. احفظنا في اسمك، لكي تأتي قوّة روحك فينا بثمار محبّتك باستمرار. فانّنا بدونك لا نقدر على أن نفعل شيئاً. ولا يستطيع أحد أن ينزعنا مِن حياتك. ثبت كثيرين مِن أخوتنا، لكيلا يعيشوا في ضعف أخلاقهم بل يثبتون فيك. آمين.
السؤال:
19- كيف يكون يسوع الكرمة الحقيقية؟
15: 5 أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ, لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً.
ما اسمّى الاكرام الذي منحنا يسوع إيّاه، ان نشبه نحن الفاسدين في الطبيعة أغصاناً مقدّسة صادرة مِن قلبه. فهو الذي خلق فينا الحياة الرّوحية. وكما انّه في الكرمة يظهر أوّلاً برعم صغير ومنه تمتد نبيتة، وبعدئذ تنمو حتّى تصير غصناً صالحاً طويلاً، هكذا يخرج يسوع مِن ذاته المؤمن مع كلّ صفاته وفضائله المسيحية. فليس الفضل في إيماننا لنا، إنّما هو نعمة فوق نعمة. إلاّ انّنا مسؤولون عن الثبات في يسوع.
وبعدئذ أعلن لنا ابن الله عبارة غريبة نجدها حوالي 175 مرّة تقريباً في الإنجيل، انّنا (فيه). والعبارة التالية، انّه (فينا) تأتي أقل مِن الأولى في نصوص الإنجيل الكريم. فكلّ مؤمن حق لا يكون مصدقاً بالعقيدة الإنجيلية فقط، بل انّه ارتبط مع يسوع في العهد الجديد. وهذا الارتباط الرّوحي متماسك إلى درجة، انّنا نرى أنفسنا ملتحمين بيسوع في وحدة إلهية. وبالأحرى نحن فيه مضمونون محفوظون مختبئون. ولسنا نحن المهتمين ولا شهرة لنا البتّة، بل هو المهم الوحيد. فكما أنّ النّجمة الّتي تجتذبها الشمس تسقط فيها وتتبخر حالاً، هكذا يدعونا المسيح أن نثبت فيه، لكي ننقص نحن ونصبح لا شيء، لكي يظهر هو وحده، ويتجمّد على الدوام.
ولكن بالعبارة الثانية يؤكّد الربّ لك، انّ شخصيتك لا تنتهي بواسطة الإيمان، ولا تغرق بشعور صوفي. فهو ينشط إرادتك ويملأ حضارتك بروحه. فالمسيح يشاء قيادتك إلى النضوج، ويجبل فيك الصورة الّتي قصدها لك في مسرته مِن قبل. وليس جزء مِن المسيح فقط هو الذي يحلّ فيك وفي شركة القدّيسين، بل ابن الله بكامله. وامكانياته وصفاته يدخل قلوب المؤمنين. فأين إيماننا وأين محبتنا؟
فما هو هدف اتحاد ابن الله بالنّاس؟ لماذا مات المسيح على الصليب وانسكب الرّوح القدس على القلوب المؤمنة. ما الذي يطلبه الله منك؟ فليس إلاّ الثمار الرّوحية الموهوبة لك مِن الله أيضاً. وثمار الرّوح القدس هس المحبّة والفرح والسلام والتأنّي واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والتعفف. فهل قدر يسوع أن ينشيء فيك تواضعه وانكار النفس وازالة عنادك، لتصبح إنساناً مقدّساً عاملاً في المحبّة؟ هل تخضع للأخوة في الاجتماعات، وتكون قانعاً وسط الغلاء والرفاهية؟ وهل تصلّي لأجل الآخرين باندفاع الرّوح القدس؟ وليست الثمار الإلهيّة فضائل مقدسة في حياتنا الخاصّة فقط، بل انّها أناس متجدّدون أيضاً، الّذين ولدوا ثانية بواسطة شهادة سلوكك وصلواتك. فالله يريد أن يدخل أناساً آخرين بواسطتك إلى الحياة الأبديّة حتّى يمتلئوا بصفات الله وروحه.
لكن علينا أن نتعلّم انّنا لا نستطيع أن نعمل شيئاً مِن هذه الأمور الرّوحية مِن تلقاء أنفسنا البتّة. وأيضاً لا نستطيع حتّى الاتيان بالأعمال الاضطرارية أو الاختيارية مِن أنفسنا، كالتنفس والمشي والتكلّم وتعاطي المنافع، ولا الصّلاة والإيمان والمحبّة، إلاّ بحماية الحقّ المشعّ مِن الصليب. فلولا الصليب لاضطر الله أن يبيد كلّ إنسان. ولكن لأجل دم المسيح يمنح لكلّ إنسان فرصة أن يعيش مدّة. أمّا نحن المؤمنين فلنا امتياز الحياة الرّوحية الصادرة مِن يسوع وحده. فينبغي أن نشكره لأجل كياننا الرّوحي والقوّة الإلهيّة الموهوبة لنا، والخدمات الممنوحة للمختارين. لأنّ كلّ القوى والخدمات هي نعمة لا حقّ ولا مكافأة فبدونه لا نستطيع أن نعمل شيئاً.
15: 6 إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجاً كَالْغُصْنِ, فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ, فَيَحْتَرِقُ.
انّك مسؤول مسؤولية كاملة أن نثبت في المسيح. فمِن جهة نرى انّ الحياة الرّوحية والثبات في المسيح هبة. ولكنّنا نجد أيضاً انّ الّذي ينفصل عن يسوع عمداً، فانّه يشبه إنساناً منتحراً. فهذا المنفصل يصبح بداخله متجمداً متقسيّاً. ويجب أن يطرح إلى نار غضب الله. وملائكة الله سوف يجمعون المرتدين عن المسيح، ويلقونهم إلى أقصى بعد مِن الله، حيث لا تسمح لهم نار توبيخ الضمير أن يرتاحوا أبداً. فعلى طول الأبد يرون الله في لطفه منفصلاً عنهم، ويتذكّرون كيف كانوا سابقاً محفوظين في محبته، ولكنّهم إذ انفصلوا عنه واحتقروا مخلّصهم، فسيسقطون ويتوجّب عليهم ان يحترقوا في الهلاك الأبدي والنار الحامية.
15: 7 إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ.
مَن يثبت في المسيح، يعش معه في صلة فكرية. وكما انّ الزوجين اللذين مضى على زواجهما مدّة طويلة في انسجام واحتقروا مخلّصهم فسيسقطون. ويتوجب عليهم ان يحترقوا أو يفكّر به الآخر أو يقصده، هكذا يكون المحبّ في المسيح مربوطاً بربّه ويعرف إرادته، ويعيش في انسجام معه. وخصوصاً التعمّق اليومي في الكتاب المقدّس، فانّه يملأنا بكلّ الدوافع الصالحة، حتّى انّنا نريد ما هو، لأنّه قد امتلأ شعورنا الباطني بكلماته.
عندئذ لا نصلّي حسب أمنياتنا الأنانية، بل نصغي متشوقين إلى تطورات ملكوته، ونصبح مصلين مسؤولين في الجهاد الرّوحي. وعند ذلك تفيض قلوبنا حمداً وشكراً. فنقدّم إلى القدّوس كلّ الأمور، والاشخاص المتضايقين والمحتاجين، الّذين يذكرنا بهم الرّوح القدس. إنّ المسيح يعمل في عالمنا على أساس صلاتنا الإيمانية، ويشركنا في عمله الخلاصي. فهل تصلّي، وبماذا تصلّي؟ هل يصلّي الرّوح القدس فيك؟ إن لمشيئة الله أهدافاً مختلفة. أحدها: قداستكم. وثانيها: إنّ الله يريد خلاص كلّ النّاس واقبالهم إلى معرفة الحقّ. فإن عشنا بسلوك متواضع روحي، يتقدّس اسم الآب. فاطلب مِن ربّك انسكاب روح الصّلاة إلى القلب، لكي تأتي بثمر كثير، وتمجّد أباك السماوي والمسيح مرشدك.
15: 8 بِهَذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تَلاَمِيذِي.
لا يريد المسيح بواسطة ظهور ثماره فينا أن يتمجّد هو بنفسه، بل الآب الكرام فقط. لذلك نرى في آخر أعماق الهدف، انّه ليست خدماتنا ولا قداستنا الخاصّة هي المهمة، بل ان يتمجّد الآب والابن والرّوح القدس. فيسوع يشاء أن يأتي بكثير مِن الثمر فيك. وهو لا يرضى بقليل القداسة في حياتك ولا بكسب بعض النّاس المخلّصين ولا بشكرك البخيل. كلاّ، بل يسوع يريد تقديسك، لتصبح كاملاً كما الآب هو كامل. ويريد انّ جميع النّاس يخلصون، وانّ عاصفة الحمد للآب تفوق كلّ العصور. فلا تكتفي بنفسك ونتائج خدماتك، لأنّك لا شيء بالنسبة ليسوع. تتلمذ له وتعلّم منه شخصيّاً، ماذا يعني الاتيان بثمار، لكي يثبت هو فيك وأنت فيه.
الصّلاة: نحبّك أيّها الربّ يسوع، لأنّك لا تخجل أن تقبلنا فيك أغصاناً، فلقد وهبت روحك إلينا محبّة وإيماناً ورجاء. نعظّمك لرحمتك، ونطلب إليك أن تغلب كلّ بقايا خطايانا الّتي فينا، وتبعد عنا الأرواح الشرّيرة، لكي نثبت قدّيسين فيك. ونطلب إليك اهتداء كلّ النّاس ودعوتهم ليجيئوك، خاصة الّذين ربطتهم على قلوبنا في سبيل التبشير. نذكر أمامك اسماءهم فرداً فرداً… ونؤمن انّك خلّصتهم حقّاً على الصليب، ويتحقّق خلاصهم بواسطة حلول الرّوح القدس فيهم. ليتمجّد اسم الآب واسمك بالرّوح القدس. فبدونك لا نستطيع أن نفعل شيئاً. استجبنا منعماً. آمين.
السؤال: 20- لماذا نحن نكون في يسوع وهو فينا؟
- ثباتنا في شركة الآب والابن
تظهر في المحبّة المتبادلة
(15: 9- 17)
15: 9 كَمَا أَحَبَّنِي الآبُ كَذَلِكَ أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا.
الله الآب أحبّ الله الابن بمقدار انّه شقّ السماوات عند تعميده في نهر الأردن، فنزل الرّوح القدس بهيئة حمامة بيضاء وسمع صوت: هذا هو ابني الحبيب الّذي به سرّرت. وهذا الإعلان عن الثالوث الأقدس صار عندما تحمّل يسوع برمز المعمودية خطايا البشر في بدء سيرة خدمته، مبتدئاً طريقه كحمل الله. فالابن عمل بدقّة إرادة أبيه وأخلى نفسه لأجل فدائنا، وعاش في انسجام مع أبيه دائماً. فكلاهما كانا متناسبين. فلا انزعاج ولا زعل ولا خطيئة ولا غضب ولا حسد ولا بخل بين الآب والابن، إلاّ فرح وغبطة وشكر. وليست المحبّة محصورة بين الآب والابن فقط، بل هما في وحدة كاملة، أحبّا العالم الرديء، مستعدّين لفدائه العجيب.
إنّ المسيح يحبّنا بنفس المقدار ونفس القيمة، كما أحبّه الآب، إلاّ انّنا غير مطيعين كما هو مطيع. وليس أحد منّا قد وُلد منذ البدء مِن الله الآب قبل كلّ الدهور. إنّما الّذي حصل انّ الابن قد اختارنا نحن الخطاة الفانين وطهّرنا واحتملنا، وولدنا ثانية مِن الرّوح القدس وقدّسنا تقديساً. ولا يعتبرنا لعبة في يده، متى شاء القاها أرضاً. لكنّه تبنانا وقرّبنا إليه بعدما تألّم لأجلنا. فهو يفكّر فينا ليلاً نهاراً، ويهتم بنا بعنايته الإلهيّة، ويشفع فينا بأمانة واخلاص. ويكتب إلينا رسائل الحبّ، ألا وهي الإنجيل ورسائل الرسل، ويحرّضنا بها إلى الإيمان والمحبّة والرجاء. فلو جمعنا قدرة محبّة جميع الآباء والأمهات على الأرض ومِن كلّ العصور، ونقيّناها مِن كلّ الشوائب الإنسانية والمفاسد البشريّة، لظهرت تلك المحبّة صغيرة بالنسبة للمحبّة الّتي يحبّنا بها المسيح. فهي لا تسقط أبداً.
15: 9 اُثْبُتُوا فِي مَحَبَّتِي. 10 إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي, كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ.
يحذّرك المسيح منبهاً وقائلاً لك: لا تنفصل عن محبّتي. ماذا تنتظر مِن التكنيك والدعاية والفلسفة الاغريقية وعون النّاس والاتصال بالأروح؟ أنا أنا محبّك. ومشتاق إليك، وأرغب برؤية دلائل محبّتك لي. فأين صلواتك، كاتصال هاتفي إلى السماء؟ وأين تبرعاتك وتضحياتك بين المحتاجين جواباً على عمل المخلّص؟ أفما استطاعت محبّتي ايلاع نار الفرح للخدمة؟ أفلا تتأثرون إلاّ بالبغضة والكراهية، الّتي تنتقل بينكم فتقودكم إلى الشرّ، كما تنتقل عدوى الأمراض الفتاكة المبيدة؟ أنا أريد تحريضكم إلى الخير والجميل والحسن واللطف والقداسة. اثبتوا في محبّتي. والرّوح القدس يدفعكم إلى عمل الخير، كما الله لا يفعل إلاّ الخير باستمرار. إنّ الخطيئة هي ألاّ نحبّ كما يحبّ الله. فالمسيح يريد رفعنا إلى مستوى رحمة الله. “كونوا رحماء كما أنّ أباكم هو رحيم”. والمسيح لا يكلّ مِن جرّ قلوبنا، حتّى نعمل ما يعمل الله. ربّما تقول هذا الأمر مستحيل. فنقول لك: انّك على صواب فيما لو كان الموضوع ضمن اطار فكرك البشري. ولكنك لم تفهم بعد ماذا يريد المسيح، ويستطيع أن يعمل فيك. انّه يسكب روحه في قلبك، حتّى تحبّ كما يحبّ هو. وفي هذا الرّوح بولس:” استطيع كلّ شيء بالمسيح الّذي يقوّيني”. فانّ المحبّة هي لبّ سلطان المسيح.
وقد شهد يسوع بكلّ تواضع انّه لم يتجاوز مرّة واحدة ولم يخرج عمّا يتلاءم مع إرادة أبيه، بل ثبت في محبّته دائماً. فمِن سيرة يسوع نعلم انّ كلّ الأعمال كالحروب والاختراعات والتقدّم المدني، ليست هي مشيئة الله بالدّرجة الأولى، لأنّ أبانا لا يريد تغيير الأوضاع الاجتماعية، بل اصلاح الإنسان نفسه. فالبشر بدون تغيير جذري يزدادون شرّاً بواسطة الاختراعات التكنيكية، إلى درجة انّه قادم علينا ذلك الهول: المبيد للكرة الأرضية بضربة واحدة. أمّا المسيح فأوجد فينا السلام مع الله والصّلاة في الرّوح القدس وخدمة المحبّة وصبر الرحمة. فبنى يسوع السماء على الأرض، وثبت في محبّة أبيه. ولم يفد الجماهير بالخبز والالعاب، بل الرّوح الغفران. فبقي يسوع غريباً في عالم البغضاء ولكنّه أحبّ المبغضين كأنما تقبلهم السماء.
15: 11 كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ.
المسيح يعرف قلب الإنسان انّه يظل تعيساً ما دام بعيداً عن الله. فالمسيح الّذي ثبت في أبيه دائماً، كان ممتليء الفرح والغبطة والابتهاج. وفي داخله ترنّم وحمد بدون نهاية. وتقلبات الأحوال الخارجية لا تؤثر على باله، بل علاقته الضميرية الصالحة بالله المستمرّة معه حفظته في فرح دائم. فيسوع يشاء أن يمنحنا مع خلاصه بحراً مِن الفرح في قلوبنا. فمَن يقل انّ الله لا يحبّ الفرحين، يكذب كذباً جهولاً. فأبونا السماوي هو إله المسرّة، لأنّ المحبّة يعقبها الفرح كثمرة ثانية في سلسلة ثمار الرّوح القدس اليانعة. فحيث تنعدم الخطيئة، يعمّ الابتهاج. فالمسيح يشاء أن يقوّي فينا فرح الخلاص، حتّى يزداد، ويفيض منّا إلى الآخرين، لأنّ المحبّ لا يستطيع أن يفرح لوحده فقط، بل يريد انتشال الآخرين معه إلى غبطة الغفران وسعادة الضمان في الله. عندئذ يكمل فرحنا إذا تخلص كثيرون، كما قال بولس الرسول: انّ الله يريد انّ جميع النّاس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يقبلون. فالتبشير هو ينبوع الفرح وسط الكفاح والآلام.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ يسوع، لأنّك أحبّبتنا في زمن لم نعرفك فيه. وما قطعت محبّتك عنّا لَمّا لم نجاوب عليها. ونشكرك لأنّك سكبت روح محبّتك فينا. احفظنا في اسمك. واغلب كلّ عناد وحبّ الذات واقبلنا في صفوف خدّامك، لنتبعك في موكب انتصارك، ونشترك في الهتاف وتعظيم اسمك.
السؤال:
21- كيف تربطنا محبّة الله إلى صميم الثالوث الأقدس؟
15: 12 هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ. 13 لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ.
المسيح يحبّنا شخصيّاً، ويعرف اسماءنا وامزجتنا وماضينا، ويشعر بضيقاتنا ومشاكلّنا. وله مشورة وعون لمستقبلنا. وهو مستعدّ دائماً للتكلّم معنا في الصّلاة، ويغفر ذنوبنا ويجذبنا إلى الحياة في القداسة والحقّ والطهارة.
وكما يحبّنا يسوع، فهكذا يريدنا أن نحبّ بعضنا بعضاً. فندرك أقرباءنا وجيراننا وأصدقاءنا. ونتحسس بأحوالهم، ونشعر بضيقاتهم، ونفهمهم في دوافعهم ونفسياتهم، ونجد حلاً لمشاكلّهم بصلواتنا ونقدّم عوناً ملموساً لهم، باذلين الوقت في سبيلهم. وإذا ما ارتكبوا خطأ، سامحناهم واحتملناهم بترحيب، غير ذاكرين عيوبهم وأخطاءهم ومتناسيها. والمسيح يأمرنا بكلّ سلطانه بأن ندرس محبّته الخاصّة، ونتمثلها ونمارسها بيننا يوميّاً. هذه هي الطريقة الوحيدة لنستطيع العيش في المحبّة والفرح والسلام مع الله والنّاس.
ولقد أرانا المسيح قمّة المحبّة في حياته. فلم يتكلّم ويساعد فقط، بل ضحّى بذاته لأجل الخطاة القساة. فالمسيح لم يعش لأجلنا فحسب، إنّما مات عوضاً عنا أيضاً. فصليبه تاج محبّته، وصميم التفسير لمحبّة الله. ويريد المسيح أن ننقل رسالة خلاصه، ونضحّي بالوقت والمال والوطن، إذا دعانا لنبشر النّاس، ونمثّل أمامهم ما عمل لأجلنا. فالمسيح لا يتمنّى أن ينال منك قليلاً مِن العطايا فقط، بل يريدك كلّيّاً، أنت بشخصك وكلّ أملاكك وطاقاتك. وكما أنّه عظيم الله بذبيحة ذاته، ينتظر منك أنّ محبّته تسبّب فيك ذبيحة ذاتية. وليس للمحبّ أعداء على طول الزمان، لأنّ الّذين يسيئون إليه، هو يصلي لأجلهم ويعتبرهم أمام الله كأصدقائه. فالمسيح اعتبر أعداءه أحبّاءه، لأنّه صلّى لأجلهم قائلاً. يا أبتاه أغفر لهم لأنّهم لا يعرفون ماذا يعملون. فلم يسمّهم أخوة أو أولاد الله بل أحباء. فلأجل هؤلاء الّذين ما استحقّوا محبّته، مات عنهم لفدائهم المبدئي العام.
15: 14 أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ. 15 لاَ أَعُودُ أُسَمِّيكُمْ عَبِيداً, لأَنَّ الْعَبْدَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَعْمَلُ سَيِّدُهُ, لَكِنِّي قَدْ سَمَّيْتُكُمْ أَحِبَّاءَ لأَنِّي أَعْلَمْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي.
المسيح يسمّيك حبيبه الشخصي. ربّما أنت منعزل في حياتك، وليس لك إنسان رفيق. فانظر إلى يسوع، انه مات لأجلك. ويعيش لأجلك. هو أعزّ صديق أمين لك ومستعدّ دوماً لعونك، ويفهم أفكار صميمك. إنّما ينتظر منك تجاوباً لصداقته. وشرط الثبات في صداقته، أن نحبّ الكلّ كما يحبّهم هو. فليس ممكناً أن يظلّ خصمان في خصومتهما، ويسمّيان أنفسهما حبيبي المسيح بنفس الحين إلاّ باطلاً. فصداقة المسيح لنا تعني أعلى اكرام ورفعاً لمستواه، إلاّ انّه يطلب منا الحبّ لبعضنا كما أحبّنا هو. وقد سمّانا ابن الله أحباءه. فرب كلّ السلطات ينحني إلينا، ويكلّمنا شخصيّاً. ولا شكّ انّنا نخصمه، لأنّه خلقنا وله الحقّ أن يعاملنا كعبيد. إنّما حرّرنا مِن ربقة العبودية، ورفعنا إليه ويعتبرنا أحباءه. والسرّ في هذا التحرير، انّه يخبرنا ويطلعنا على أعماله الإلهيّة. فلا يتركنا جهّالاً بل يجعلنا متعلّمين. فماذا يعلّمنا؟ لا الكيمياء ولا الفزياء ولا الرياضيات، بل انّ يسوع أعلن لنا اسم الآب وقوّة الصليب ومحبّة الرّوح القدس. فبأسرار وحدة الثالوث الأقدس أعلن لنا كلّ الحقائق والخفّيات السرمدية، الّتي استودعها أبوه بين يديه ليعلنها للبشر. فلا يريد المسيح أن يبقى أذكى منا، بل يمنحنا كلّ معرفته، إذ نحبّ بعضنا بعضاً. فصداقته عظيمة بمقدار انّه يشركنا في عمله وفضله وكرامته وقوّته وحياته. ولا يحتفظ بحق بنوته، بل يجتذبنا إليه لنصبح نحن عبيد الخطيئة أولاد الله الأحباء.
15: 16 لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ, وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ, وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ, لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي. 17 بِهَذَا أُوصِيكُمْ حَتَّى تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً.
إنّ علاقتك بيسوع، لا تتوقّف بالدرجة الأولى على إرادتك أو رغبتك أو اختيارك، بل على محبّته واختياره ودعوته. قد كنت عبداً لذنوبك في قبضة الشيطان وسلطة الموت، وغير قادر أن تتحرّك مِن سجنك. أمّا المسيح فاختارك منذ الأزل، وحرّرك بدمه الثمين، وجعلك صديقاً له، وعيّنك وارثاً معه حقوقه البنوية. فاختيار الله نعمة مِن جهته فقط. فليس لك إلاّ القبول أو الرفض. إنّ المسيح قد اختار النّاس جميعاً، عندما غفر وكفّر عن خطاياهم على الصليب. ولكن ليسوا كلّهم يسمعون دعوته، بل يفضّلون المكوث في مستنقع خطاياهم. ما آلم مسكنتهم! فانهم لا يعرفون حرّية أولاد الله. إن يسوع قد دعاك للحرّية مِن خطاياك وللشركة الإلهيّة. فمرّن نفسك على المحبّة، لأن لحريتك معنى واحداً، خدمة ربك والنّاس طوعاً اختياراً، لا اجباريّاً كالعبيد. ولا تظنّن انّ ربّك دكتاتور عنيف، بل يسوع قد جعل مِن ذاته خادماً طوعاً في سبيل المحبّة. هو قدوتنا. وما اهتم بنفسه، بل كلّ اعتناءاته لأحبائه.
وهكذا يتمنّى عليك أن تهتمّ بأصدقائك كراع لرعيته. ولكن بما أنّ قوّتنا وقدرتنا مستضعفة، وليس إنسان يستطيع تحرير غيره مِن عبودية الخطيئة، فإنّ يسوع يشجّعنا للصلاة باسمه. لأنّنا إن صلّينا إلى يسوع لتحرير عبيد مختارين، فعندئذ تكون صلاتنا حسب مشيئة الله القدّوس. وان ابتهلنا ليسوع ليرشد المتحرّرين ويبنيهم أدبيّاً وروحيّاً ويمنحهم ما يحتاجونه للجسد والرّوح والنفس، فانّ الربّ يستجيب حسب مسرّته. فسرّ الصّلاة المستجابة هو المحبّة.
وإن صلّيت لأجل أصدقائك بهذا الرّوح، يريك يسوع أخطاءك العفوية، الّتي تقع منك أثناء عيشك معهم. ويرشدك إلى تضحية حكيمة نافعة. وهكذا الصّلاة الحقّة فهي ترشدك إلى انكسار نفسي وتواضع زائد، قبل أن يغير يسوع الآخرين إلى صورة محبّته مستجيباً لابتهالاتك. فالربّ مستمع لك بالتأكيد، ان طلبت لأصدقائك التّوبة والخلاص والقداسة والفداء. ويسوع بنفسه يريد أن يحقّق هذه المبادىء الخلاصية في كلّ النّاس، وهو منتظر مَن يستمطرها مصليّاً، ويستدرها متضرعاً. فالصّلاة تعني الاشتراك في عمل الله وتحقيق مقاصده. كما انّها تتيح للمصلّي أن يشرك الله في خدمته، ليكون الله الكلّ في الكلّ. ولهذا ندعوك لتواظب على الصّلاة، لأنّ ربّك يواظب على الانتصار. ولا يعدك يسوع بنتائج عابرة زائلة، بل بثمار باقية أبدية. فمَن يؤمن بواسطة صلواتك وشهاداتك يعش إلى الأبد منتقلاً مِن الحالة الموتية إلى الحياة الحقّة. وفوق كلّ الإيمان والصلوات والشهادات، يأمرك المسيح أن تستمر في محبّة أصدقائك، محبّة قلبية صادقة وطاهرة. احتملهم في صبر طويل، رغم صعوبات أخلاقهم الوعرة. وأرجو مِن يسوع أن يطوّرهم، ويقوّيهم وينمّيهم. وسامحهم بلا ثرثرة متواصلة. وكن لطيفاً معهم، كما يكون الله لطيفاً معك. وأنر بضياء محبّة الله العالم الفاجر الممتليء بالقباحة. وأمّا إذا انخسفت إلى مستواهم وأمرتهم ونهيتهم بصياح وغضب وتصعيبات وشروط قاسية، فلا يكون نافعاً ذلك أبداً. مرّن نفسك في الخدمة والتضحية والاصغاء والإجابة اللطيفة، لتضيء محبّة المسيح منك. إنّ يسوع يريد صبّ خلاصه على الأرض صبّاً. فهل تساعده بصلواتك ومحبّتك، أو تظلّ متخيّلاً هرباً؟
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك حرّرتنا مِن عبودية الخطيئة ودعوتنا أحراراً وجعلتنا ونحن مجرمون أحبّاءك. ووكلتنا بأسرار السماء. لكي نتعلّم محبّة كلّ النّاس كما أحبّبتنا. نسجد لك، ونضع أنفسنا تحت تصرّفك. علّمنا المسرّة، لكي نأتي بثمار محبّتك الفائضة الكثيرة.
السؤال:
22- كيف جعل يسوع عبيد الخطيئة أحبّاء؟
- العالم يبغض المسيح واتباعه
لعدم معرفة الآب
(15: 18- 16: 3)
15: 18 إِنْ كَانَ الْعَالَمُ يُبْغِضُكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ أَبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ. 19 لَوْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ لَكَانَ الْعَالَمُ يُحِبُّ خَاصَّتَهُ. وَلَكِنْ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْعَالَمِ, بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ مِنَ الْعَالَمِ, لِذَلِكَ يُبْغِضُكُمُ الْعَالَمُ. 20 اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ, لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ, وَإِنْ كَانُوا قَدْ حَفِظُوا كَلاَمِي فَسَيَحْفَظُونَ كَلاَمَكُمْ.
بعدما أظهر يسوع لتلاميذه وحدته الكاملة مع الله، وأنبأ عن مجيء الرّوح المعزّي، وطلب منهم المحبّة لبعضهم نتيجة لثباتهم فيه، أعدهم لاحتمال البغضة مِن قبل العالم. العالم هو عكس الشركة المسيحية. فذلك تمتلكه البغضة، وأمّا هذه فقولها المحبّة. والمسيح لا يأخذ تلاميذه مِن عالم المصائب، ولا ينقلهم إلى جزيرة السعداء، إنّما يرسلهم وسط العالم الشرّير، لتغلب محبّتهم البغضة القاسية. وهذا البعث ليس نزهة، بل جهاد روحي. ويختبر دعاة المحبّة الرفض والكراهية والشتائم في أثناء خدمتهم. وسبب تلك التهجمات ليست لأخطاء صادرة مِن رسل المسيح، لكنّها صادرة مِن مضادة الأرواح الشرّيرة لكلمة يسوع. فربهم المجيد الكامل في المحبّة والحكمة، اختبر في ذاته البغضة الكاملة حتّى القتل. ومع شدّة الاضطهاد الواقع عليه، لم يهرب مِن الميدان ولم يترك العالم، بل بالعكس تقدّم إليه، وسبقنا ومات في سبيل المحبّة عن المبغضين. كلّ إنسان هو عضو في المجتمع العالمي. وليس أحد منا ملاكاً. والقلب تخرج منه أفكار شريرة. ولكن بنعمة المسيح حلّ فينا روح جديد، لأن التّوبة في اللغة اليونانية تعني تغيير الفكر، وليس فقط تألماً نفسيّاً بالدموع مع بقاء المتألّم في خطاياه كالسابق. فالمولود مِن الرّوح القدس ليس مِن العالم بل مِن الله. وقد اختارنا المسيح مِن وسط العالم. فكلمة “الكنيسة” تعني في اللغة الأصلية، جماعة المدعوين والمختارين مِن العالم، لحمل المسؤولية بالاشتراك كهيئة معينة معروفة. ولهذا السبب يعتبر العالم الكنيسة شيئاً غريباً مزعجاً، كحبّة الرمل في العين الرمداء. لو كان المسيحيون يفكّرون ويعملون ككلّ النّاس، إذا لقبلوهم. ولكن بما أنهم لا يكذبون ولا يسرقون ولا يزنون، ويبتعدون عن الشرّ والدعارة والأبّهة، فقد صاروا كعلامة توبيخ للغارقين في الذنوب، الّذين يبغضوننا. لأنّ روح الله الحال فينا يدين أعمالهم الشرّيرة الطائشة. وهذا الانفصال المرير، يحدث أحياناً الانشقاق الخطير والبغضاء والمكائد في العائلة الواحدة، كما اختبر هذا يسوع بأخوته (يوحنّا 7: 2- 9). وفي هذه الحالة يحتاج الثابت في المسيح لزيادة الحكمة والتواضع في احتمال الاستهزاء والمحاربة والاضطهاد. فإن وقفت في وضع كهذا، فلا تنس أنّ يسوع اختبر نفس الشيء. فلقد أبغضوه بدون سبب، ولأنّه أحبّهم وشفاهم صلبوه كمجرم. ويمنحك المسيح وعداً عظيماً، بأنّ النّاس رغم انّهم يعذّبونك ويحاربونك مثلما عذّبوا وحاربوا المسيح، إلاّ انّ منهم مَن سوف يستمع لشهادتك، كما استمعوا لشهادته أيضاً. وكما انّ كلمته المشحونة بالرّوح سببت إيماناً ومحبّة في المستمعين، هكذا ستخلق شهادتك الضعيفة في بعض المستمعين، حياة أبدية ورجاء يقيناً. فكلّ مسيحي هو سفير المسيح في عالم البغضاء. فهلمّوا لتحقيق دعوتكم السماوية!
15: 21 لَكِنَّهُمْ إِنَّمَا يَفْعَلُونَ بِكُمْ هَذَا كُلَّهُ مِنْ أَجْلِ اسْمِي, لأَنَّهُمْ لاَ يَعْرِفُونَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. 22 لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ جِئْتُ وَكَلَّمْتُهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيَّئةٌ, وَأَمَّا الآنَ فَلَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فِي خَطِيَّتِهِمْ. 23 اَلَّذِي يُبْغِضُنِي يُبْغِضُ أَبِي أَيْضاً.
أخبر المسيح تلاميذه مسبقاً، انّه ستهاجم بعد صعوده إلى أبيه اضطهادات أليمة لأجل اسمه المسيحي، لأنّ اليهود لم ينتظروا مسيحاً كحمل وديع لله، بل بطلاً فدائيّاً يحرّرهم مِن نير الاستعمار. وهذه الضلالة للرجاء بالخلاص السياسي، نتجت مِن عدم معرفتهم بالله حقّاً. فلم يقدروا الفصل بين الدين والدولة، وإلههم كان حربيّاً. ولم يعرفوا أبا ربّنا يسوع المسيح، الّذي هو إله كلّ التعزية والسلام والمحبّة. نعم انّه يسمح بسطو الحروب على البشر عقاباً، إنّما تلك الحروب والعقوبات ليست هي البانية لملكوته وروحه الّذي يبنيه الحقّ والطهارة وتضحية الشهداء.
لقد أتى المسيح، ممثلاً مبادىء ملكوت أبيه بكلّ وضوح. ولكنّ اليهود رفضوا روح المحبّة والصلح، وقرّروا اتباع العنف والحرب. وكانت هي خطيئتهم. وكلّ الشعوب الّذين لا يقبلون المسيح صانع السلام، فانّهم يسقطون بنفس الخطيئة كاليهود. فخطيئتنا ليست لتقصيرات أدبية، بل هي عداوتنا لله وعدم قبول روح سلامه. فلو لم يأت المسيح إلى عالم الدموع، لكانت الشعوب بريئة. فقد أصبحت هذه الرسالة الخلاصية دينونة على كلّ الّذين لم يخضعوا للصليب والصلح الإلهي.
وأعمق الأسباب الّتي تجعل النّاس يرفضون المسيح وملكوت سلامه، هي عدم معرفتهم الإله الحقيقي. فيتخيّل النّاس على اهوائهم آلهتهم. أمّا المسيح، فأعلن لنا أبا كلّ الجودة. فمَن لا يقبل محبّته يتبع طريق العنف والفساد. ومَن يرفض المسيح يرفض الله الحقّ. وللأسف الأسيف فانّ الشعوب اليوم ترفض مسيحها وربّها، وتستعدّ لاستقبال المسيح الدجّال المتكبّر الماكر الخدّاع. فمَن يبغض المسيح لا يعرف الله البتّة.
15: 24 لَوْ لَمْ أَكُنْ قَدْ عَمِلْتُ بَيْنَهُمْ أَعْمَالاً لَمْ يَعْمَلْهَا أَحَدٌ غَيْرِي لَمْ تَكُنْ لَهُمْ خَطِيّئَةٌ، وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ رَأَوْا وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي. 25 لَكِنْ لِكَيْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ فِي نَامُوسِهِمْ، إِنَّهُمْ أَبْغَضُونِي بِلاَ سَبَبٍ.
صرّح المسيح بأنّه ليست فقط كلمات إعلان أبوة الله هي الّتي تصبح دينونة على كلّ الّذين يضادون روحه، بل أيضاً أعماله العجيبة المتعدّدة. فلم يقدر إنسان ما في العالم، على شفاء المرضى كما شفاهم يسوع. أو طرد الشياطين، أو اسكات العاصفة، أو اشباع الألوف، أو إقامة الأموات كما فعل ذلك. فالله كان فيه صانعاً رموز وعلامات الخليقة الجديدة. أمّا اليهود فما اعتبروا أعماله شيئاً عظيماً، لأنّهم لم يحصلوا منها كسباً ولا ربحاً سياسيّاً أو إقتصاديّاً للأمة عامة. ولكن بما انهم رأوا سلطان محبّة يسوع، فأصبحت هذه الأعمال عينها لهم سبب الخطيئة. لأنّهم لم يؤمنوا بالآب، الّذي نفذ في ابنه آيات الثالوث الأقدس. وكما انّ اليهود قفلوا أنفسهم لجذب الرّوح القدس آنذاك، هكذا يعيش اليوم ملايين في سجن الرّوح المضاد لله. فكلّ الّذين لا يعترفون بالمسيح انّه ابن الله ويبغضون اتباعه، فانّهم لا يعرفون الله المعرفة الصحيحة. ويبقون في خطاياهم، مجدّفين على الثالوث الأقدس. ومع كلّ ذلك لم يقاصصهم المسيح، بل يحقّق أعمال محبّته بواسطة خدامه. وهذه المحبّة هي العثرة لكثيرين. فيزدادون غلواً في الرفض والمضادة للمخلّص واتباعه الأمناء. وللعجب العجاب أنّ المتدينين، هم المتعصّبون والدافعون لهذه التيارات العدوة، مرتدين ابادة عبيد محبّة المسيح الفائقة. فيا أيّها الأخ استعدّ لهذا الكفاح الرّوحي، طالباً مِن ربّك زيادة القوّة لاحتمال الصعبين، والصبر الطويل استعداداً للآلام.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك عشت فكرك رغم البغضة. فعلّمنا ألاّ نتمرمر في كلّ الامتحانات، بل نحبّ أعداءنا ونباركهم، لعلّهم يخلصون. افتح قلوب كلّ المختارين، ليسمعوا صوتك، ويعملوا إرادتك، ويقبلوا روحك المعزي. امنحنا مزيد الارشاد والقوّة والصبر والمواظبة وقوّ كلّ الّذين يتعصّبون اليوم، لأجل خلاصك، ليثبتوا أمناء متهللين.
السؤال:
23- لِمَ يبغض العالم المسيح وأحبّاءه؟
15: 26 وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ, رُوحُ الْحَقِّ, الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ, فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. 27 وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الاِبْتِدَاءِ.
ما هو جواب الله الثالوث القدّوس على بغضة العالم وصلبهم الابن؟ ليس إلاّ ارسال الرّوح القدس حالاً. إنّ اتيان هذا الرّوح، هو أعجوبة حاضرنا. ومجيئه يعني مجيء الله إلى العالم. إنّه منبثق مِن قلب الآب، منسجم معه في وحدة الذات والرأي. وهو يشاء فداء العالم، الّذي اشترك في خلقه عندما رفرف على غمر الظلمات.
وهذا الرّوح أرسله يسوع إلينا، كما انّه آت أيضاً مِن الآب. فالمسيح أرسله مِن الآب. وفي هذه الاعلانات نشعر مرّة أخرى بقليل مِن الأسرار العظمى المخبئة ضمن الثالوث الأقدس وتعاونه الذاتي الانسجامي. وبينما تكون البغضة هائجة على الأرض، فان الوحدة والمحبّة والهدف المحدّد يكون هو مِن جوهر الله الأوحد، الّذي عزم على فداء العالم الحقود. فلم يبق الرّوح القدس في السماء، بل ذهب مطيعاً، وانسكب في قلوب اتباع يسوع غير الناضجين فمحبّته وتواضعه عظيم، كما محبّة يسوع والآب.
ولكنّ برّه عظيم كبرارة المسيح والله. وهو بدون جور ولا احتيال ولا عوج فيه. واسمه هو الرّوح القدس، لأنّه يدين الشرّ في العالم، ويدفعنا نحو قداسة الله دفعاً لطيفاً. فإذا هو لا يغطي بسطحية ذنوب البشر، بل يكشف كلّ نجاسة وزنى وكذب وابتزاز وكبرياء وافتراء. فلا يحتمل خطيئة صغيرة ولا كبيرة. وهكذا يكون حضوره في التلاميذ سبباً لابغاض العالم لهم، لأنّه يدفعهم للتواضع والوداعة وانكار الذّات والصدق، بينما العالم غارق في الكبرياء والعناد والخداع. فأوّل صفة للرّوح القدس هي انه الرّوح الحقّ، لأنّه يوبّخ العالم على خطاياهم. وبنفس الوقت يعزي هذا الرّوح التلاميذ ويؤكّد لهم، انّهم لا يركضون وراء سراب إذ تبعوا يسوع، بل انّه المسيح ابن الله الحقّ، المتمّم خلاصه. فالرّوح المعزّي يعطي لروحنا شهادة عن يسوع، ويوضح مبادئه لأذهاننا، لنرى في محبّة الابن الآب بالذات. فبدون الرّوح القدس لا يستطيع مسيحي الإيمان الفعلي الحقّ. فنعترف مع كلّ المؤمنين انّنا لا نقدر أن نؤمن بيسوع المسيح ربّنا مِن تلقاء عقولنا أو قدرتنا أو قوانا الشخصية ولا الاتيان إليه والاقتراب منه، إلاّ بواسطة الرّوح القدس، الّذي دعانا بالإنجيل، وأنارنا بمواهبه، وقدّسنا بالإيمان الحقّ وحفظنا فيه. كما يدعو كلّ المسيحيين، ويجمعهم وينيرهم ويقدّسهم في يسوع المسيح، ويحفظهم في الإيمان الصحيح الواحد. ويغفر لنا يوميّاً ولكلّ المؤمنين بالمسيح جميع خطايانا بغنى وافر. وسيقيمنا وكلّ الأموات في اليوم الأخير، ويهبنا الحياة الأبديّة. هذا حق ويقين. وفي قوّة دوافع الرّوح المعزي ننال المحبّة لنحبّ العالم كما أحبّه الآب والابن. ويرشدنا الرّوح القدس إلى النّاس الّذين يشتاقون إلى البِرّ والخلاص، ويعدهم للاستماع، ويتكلّم بواسطة كلماتنا الحقيرة، منشئاً في المؤمن الانارة والخلاص والقداسة. فلسنا نحن الشهود عن المسيح وأمانته، بل الرّوح القدس هو خالق الفعالية في شهادتنا. فلا تتكل على فهمك وخبرتك إن اردت تقديم المسيح للأفراد، بل ابن نفسك بالتمام على الرّوح الحكيم، مصغيّاً إلى كلماته لتتعلّم كيف تعظّم يسوع. فاستماع قلبك لصوت الرّوح القدس أثناء شهادتك ومكالماتك يجعلك رسول الله بالتأثير الفعال. وسمّى المسيح الرسل الاحد عشر إلى جانب الرّوح القدس شهوداً له، وهذا معناه امتياز، لا يناله غيرهم. فتلاميذ يسوع كانوا شهود العيان لسيرة يسوع التاريخية على الأرض. فيشهدون بما رأوا وسمعوا ولمسوا. إنّ كلماتهم تبرهن تحقّق وجود محبّة الله على الأرض. وإيماننا كلّه مبني على شهادتهم. وإنّ المسيح لم يؤلّف كتاباً، وما كتب رسالة واحدة. قد استودع خلاصه كلّه لشهادة الرّوح القدس وأقوال التلاميذ المبنية على سلوكهم، عالماً أنّ روح الحقّ لا يكذب، بل يبرهن للعالم المريض قوّة محبّة المسيح بفم تلاميذه. والمسيح نفسه قال لرسله ستنالون قوّة متى حلّ الرّوح القدس عليكم وتكونون لي شهوداً. فالرّوح القدس يدفع اليوم اتباع يسوع الامناء إلى شهادة مؤلّفة بصلوات مواظبة وكلمات جريئة لطيفة، وسلوك طاهر في المحبّة، حتّى لا يستطيع العالم أن يستريح، بل يندفع لقبول يسوع فيصطلح أو يرفضه فيهلك. فلم يترك المسيح عالم البغضاء مغيظاً بعدما صلبوه ورفضوا إنجيله بل أرسل إليهم روحه تثبيتاً لمحبّة الله اللانهائية.
الصّلاة: نسجد لك يا ابن الله القدّوس، لأنّك واحد مع الآب والرّوح القدس. لم تتركنا يتامى، بل أرسلت إلينا روح الحقّ والقوّة للشهادة، لنتقدّس بمجيئه. اغفر لنا جبننا، وعلّمنا أن نشهد بشخصيتك حتّى يدرك كثيرون، واصطفّوا معنا في صفوف المبتهجين الدّالين على مجيئك الثاني.
السؤال:
24- كيف يقابل الله العالم، الّذي صلب المسيح؟
16: 1 قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ لاَ تَعْثُرُوا. 2 سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ, بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ. 3 وَسَيَفْعَلُونَ هَذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي.
قد أوضح يسوع في خطابه الوداعي أمام التلاميذ بأكثر بيان شركة المحبّة العجيبة في الثالوث الأقدس، بواسطة وحدته الخاصّة مع الآب. وبعد هذا اإعلان أكّد لهم عدّة مرّات أنّ الرّوح القدس سيحلّ فيهم ويعزّيهم بعد ذهابه إلى الآب، بغرسه اياهم في شركة المحبّة الإلهيّة، ليحبّوا بعضهم بعضاً كما أحبّهم هو. ولا يقصد المسيح بارساله الرّوح القدس أن يكون الكنيسة وشركة محبّتها فقط، بل كذلك عملية التبشير في العالم بواسطة الشهادة عن وحدة الثالوث الأقدس، لكي يخرج المختارون مِن العالم ثابتين في محبّة الله. فالعالم في ذاته لا يستطيع إدراك الثالوث الأقدس، ويزداد كراهية ضدّ كلّ مولود إلهي. وكان يسوع قد أخبر تلاميذه، أنّ العالم سيبغضهم لثلاثة أسباب:
- لأنّهم مولودون مِن الله، وغير صادرين مِن العالم.
- لأنّ النّاس لا يدركون المسيح ابن الله ولا صورة الآب فيه.
- لأنّ هؤلاء المتدينين المتعصّبين، لا يعرفون الله الحقيقي، وسجودهم إنّما هو لإله مجهول غامض.
فإعلان الآب وثبات أولاده في حقيقة المحبّة، ينتج البغضة في الشيطان واتباعه. ذلك الشيطان الخبيث الّذي ابتدع الكذبة الكبرى المحرفة للحقّ، انّ اسم الله مجهول غير معروف، وليس المسيح ابنه، ولم يصلب، ولم يقم مِن بين الأموات. ومَن لا يؤمن بهذه الأضاليل الملتوية يعتبر كافراً جاهلاً مجدّفاً. فالهجومات على إيمان المسيحيين هائلة متراصة، حتّى انّه لا يمكن أن يتخلّص إنسان فان ويثبت في المسيح إلاّ إذا ختمه الرّوح القدس ختماً أبديّاً.
ولا بدّ ان بغضة جهنّم مستمرّة. فمَن ارتد عن الإيمان “بالله المجهول”، والتفت إلى أبي ربّنا يسوع المسيح يقتلونه كمرتد أينما وجدوه، ظانين انّهم يخدمون الله بجرائمهم. فإنّهم يخدمون إبليس في جهالتهم، لأنّهم لا يعرفون الله الحقيقي، انّه هو الآب القدّوس. ولم يختبروا قوّة دم المسيح. فهم خالون مِن محبّة الرّوح القدس. إذاً فروح آخر هو الّذي يقودهم ليبيدوا ممثلي الثالوث الأقدس باضطهادات وقتل وتجارب عديدة. هكذا كان اليهود يفعلون. وهكذا تستمر مذاهب مختلفة في العالم حتّى اليوم يفعلون ذلك. وهكذا سيكون إلى آخر الزمان إلى مجيء المسيح المقبل.
فلا تظنّن أنّ المستقبل سيكون أفضل لأنّ البشر سيزدادون علماً وتنوّراً. كلاّ بل سيظلّ الرّوحان المتصارعان في العالم إلى نهايته موجودين. روح مِن أعلى، وروح مِن أسفل. فلا جسر بين السماء وجهنّم، ولا علاقة مطلقاً. فإمّا أن تدخل تماماً إلى شركة الآب والابن والرّوح القدس، أو تسقط إلى عبودية جهنّم وسجن خطاياك. فإن تتبع يسوع تصبح إنسان المحبّة وتكرم الآب بكلّ قوّتك في شهادتك. ولكن إن لم تصر ابناً لله، وزيّنت مع أرواح وأفكار أخرى تضح كاذباً وتتطوّر إلى عدو لله كامل العداوة والشرّ.
والمسيح ينبئك عن الثمن الغالي لبنوتك لله، إذا ثبت حقّاً معه. إن مستقبلك سيكون صعباً وأليماً، عندما ستنفجر جهنّم بثورتها ضدّ المسيح والمؤمنين به. فالعالم يبغض كلّ تابع أمين ليسوع. فإمّا أن تكسب الله أباً لك وتصبح غريباً في دنيانا، أو تبقى عدواً لله ليقبلك العالم كأحدهم، فيحتضنوك إلى شهواتهم. فاختر بين الحياة الأبديّة والموت الأبدي.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع، نشكرك لأنّك اخترت الموت، وثبت أميناً لأبيك. انزعنا تماماً مِن روح العالم، وثبتنا في محبّتك، لكي نثبت أولاداً لله، ولا نفقد في كلّ التجارب البصيرة. ونشهد للعالم بالنّعمة، حتّى ولو عذبونا. فمحبّتك هي قدوتنا وقوّتنا آمين.
السؤال:
25- لِمَ يبغض العالم المؤمنين بالمسيح؟
- الرّوح القدس يعلن أهم
التطوّرات التاريخية والحقائق الكونية
(16: 4- 15)
16: 4 لَكِنِّي قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ تَذْكُرُونَ أَنِّي أَنَا قُلْتُهُ لَكُمْ. وَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ مِنَ الْبِدَايَةِ لأَنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ. 5 وَأَمَّا الآنَ فَأَنَا مَاضٍ إِلَى الَّذِي أَرْسَلَنِي, وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَسْأَلُنِي أَيْنَ تَمْضِي. 6 لَكِنْ لأَنِّي قُلْتُ لَكُمْ هَذَا قَدْ مَلأَ الْحُزْنُ قُلُوبَكُمْ. 7 لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ, إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ, لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي, وَلَكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ.
ما تكلّم يسوع إلى تلاميذه في بداية اتباعهم له عن الضيقات والعذاب والاضطهادات، بل أخبرهم عن السماوات المفتوحة والملائكة الصاعدة والنازلة على ابن الإنسان، فاختبروا بفرح وبهجة قوّة الله العاملة في الابن الصانع معجزات كثيرة. ولكن رويداً رويداً بعدئذ تقسّت جبهة المتعصّبين ضدّه، وتركته الجماهير لخوفهم مِن اليهود. فلم يبق عند يسوع إلاّ تلاميذه الّذين استعد لتركهم منطلقاً إلى أبيه السماوي. فأعلن لهم حمل الاحتقار المقبل عليهم بكامله. فهل يكون هذا القول عند وداعه تعزية لهم؟ ولم يتركهم الرّبّ فقط، بل أخبرهم عن الاضطهاد والموت أيضاً. فسقط عليهم حزن متضاعف، ولم يبصروا هدفاً ومعنى مشجّعاً للمستقبل. وما لاحظوا انّ يسوع لم يتكلّم إليهم عن عذابه الخاصّ وآلامه وموته البتّة، بل عن ذهابه إلى الآب بطريقة إيجابية. وهكذا لم يدركوا اختراقه جدران الذنوب والموت. وألحّوا بالتساؤل: إلى أين تذهب؟! ولكن سؤالهم كان دنيويّاً لا روحيّاً. فما كانت لهم رغبة بصعوده إلى السماء، بل البقاء معهم.
فجاوبهم يسوع بكلّ وضوح، انّه مِن الضروري أن يتركهم لأنّه بدون الصليب لا يحصل انسكاب الرّوح القدس. فبمصالحة الله مع النّاس ومحو الخطايا بموت حمل الله الكفاري فقط، تنفتح الطريق لقوّة الله لتحلّ في قلوب اتباع يسوع. وقد أتمّ يسوع كلّ البِرّ، لكي تنصب حياة ومحبّة الآب في تلاميذه. فموت المسيح هو أساس العهد الجديد، ويمنحك الحقّ للشركة مع الله. والرّوح القدس المعزي يحقّق هذه الشركة، ويعزّيك ويؤكّد لك أنّ الله معك وأنت فيه وهو فيك.
16: 8 وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّئةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. 9 أَمَّا عَلَى خَطِيَّئةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. 10 وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضاً. 11 وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ.
الرّوح القدس قادر على تعزية التلاميذ. لأنّه يفتح أعين المؤمنين ويدين قلوب الغير مؤمنين، على أساس مبادىء شرعيّة روحيّة ثلاثة. فالرّوح القدس هو المحامي الإلهي، الّذي ينفذ في الكفاح ضدّ الشيطان المبادىء الإلهيّة الشرعية تنفيذاً حقّاً. وخير لنا إن ادركنا وظائف محقّ الحقّ هذا.
1- الرّوح القدس يعلّمنا معنى الخطيئة ومقدارها، ويحرك القلوب بسلطته. فقبل مجيء المسيح الأوّل، كانت الخطيئة هي التجاوز على وصايا وحقوق الناموس (الشريعة)، وعدم تنفيذ إرادة الله، الأمر الّذي يعتبر في السماء كثورة وعصيان وعدم الثقة وعدم المحبّة، وحياة بدون الله وضدّه. فكلّ الخطايا الأدبية والاجتماعية والرّوحية اعتبرت تعدّياً على جلال الله. ولكن بعد موت المسيح تغيّر معنى الخطيئة جذريّاً. فمنذ الصليب لم تعد خطيئة ما في العالم موجودة، لأنّ يسوع رفع خطايا العالم كلّها وكفّر عنها. ولكن شيئاً واحداً فقط هو الّذي يعتبر الخطيئة الوحيدة، الّتي يمكن للإنسان ارتكابها، ألا وهي عدم قبول المسيح مخلّصاً شخصيّاً، وذلك معناه رفض نعمة الله المنجّية. فمَن يهمل غفران خطاياه المجاني يجدف على القدّوس. ومَن لا يؤمن انّ الله هو الآب والمسيح ابنه، فإنّما يكافح ضدّ الثالوث الأقدس.
الله محبّة، فمَن يرفض محبّته الظاهرة في المسيح يرتكب الخطيئة الأساسية الهائلة، وينفصل تلقائيّاً عن الخلاص. فعدم الإيمان بالمسيح هو اليوم الخطيئة الفريدة الّتي يمكن للإنسان أن يرتكبها كفراناً. فكافر مثل هذا تنهال عليه كلّ خطاياه المغفورة سابقاً، لأن هذا العاصي يطلب دينونة الله له شخصيّاً لعدم إيمانه بنعمة المسيح.
2- المسيح أكمل على الصليب خلاص العالم. فحقيقة الخلاص الموضوعية ثابتة بدون تزعزع. ليس على المسيح ان يموت مرّة أخرى، لأنّه غفر لكلّ النّاس في كلّ العصور كلّ خطاياهم. والجميع تبرّروا مجاناً بالنّعمة في دم يسوع المسيح. إنّما يسوع يشبه رئيس الكهنة. وخدمته مؤلفة مِن ثلاث مراحل. أوّلاً قتل وحرق الذبيحة. ثانيّاً تقديم الدم إلى قدس الأقداس الّذي يعني ممارسة الكفارة أمام الله. وأخيراً وضع البركة على جماهير المؤمنين المنتظرين للبركة. وهكذا صعد المسيح إلى الله. ويقدّم اليوم دمه، ويحقّق البِرّ الّذي كسبه على الصليب أمام عرش الله العظيم. ونتيجة لهذا التقديم يسكب علينا بركة الرّوح القدس ليؤكّد لنا هذا الرّوح انّنا أبرار صالحون. فقيامة المسيح وصعوده إلى السماء اكملا تبريرنا المتمّم على الصليب. فبدون ذهاب المسيح إلى الآب في خفاء قدس الأقداس، ما كان قد تحقّق البِرّ فينا عمليّاً.
3- لم ير المسيح معنى دينونة العالم في رمي الكفّار إلى لهيب جهنّم فقط، بل يرى عند استكمال الدينونة الحكم النهائي على الشيطان وابادته. فهو الّذي جذب النّاس مِن شركة محبّة الله، وقيدهم بقيود عبودية البغضاء. وجعل منهم أولاداً ابليسين ممتلئين بروح إبليس. فالمسيح بكيانه وسيرته على الأرض في وداعته وتواضع ادان استكبار الخبيث، ومحبّة الابن جرّدت الشرّير تجريداً. ولَمّا استودع المسيح روحه بين يدي الآب رغم بعده عنه في تحمل دينونتنا، فقد غلب بتمسكّه بالرجاء بأس الشيطان. إنّ المسيح هو المنتصر مع ضعفه الظاهر، وأمانته حتّى الموت قد أدانت الشيطان وسحقته سحقّاً. وأمّا نحن فنعيش في زمن تنفيذ هذا الانتصار والحكم القاطع، ونصلّي إلى الآب: لا تدخلنا في تجربة، لكن نجّنا مِن الشرّير، مختبرين نتائج انتصار المسيح في حمايتنا وضمانتنا.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ يسوع، لأنّك جاهدت الجهاد الصالح، وثبت أميناً في التواضع والمحبّة والرجاء. ونشكرك لأنّك تقدّمت إلى الآب وأكملت تبريرنا. ونهتف ونحمدك متهللين، لأنّك وضعت بركة ذبيحتك بواسطة الرّوح القدس فينا. ولا تعتبرنا خطاة لأنّنا نؤمن بك. احفظنا في محبّة برّك، لكيلا يجد العدو الشرّير سلطة فينا. ونجّنا مِن الشيطان، لكي يأتي ملكوتك ويتقدّس اسم الآب في كلّ انحاء العالم.
السؤال:
26- ما الّذي يعمله الرّوح القدس في العالم؟
16: 12 إِنَّ لِي أُمُوراً كَثِيرَةً أَيْضاً لأَقُولَ لَكُمْ, وَلَكِنْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. 13 وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ, رُوحُ الْحَقِّ, فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ, لأَنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ, بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ, وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ.
المسيح هو العليم. وأراد أن يخبر أحبّاءه بكلّ أسرار السماوات والمستقبل، ولكن قدرتهم البشريّة في النفس والذهن لم تقدر أن تستوعب كلّ الحقائق. وهكذا لا نستطيع نحن أن ندرك منطقيّاً أن المسيح جالس عن يمين الله في السماء، وحال بنفس الوقت في قلوبنا، إلا إذا كان منطق الرّوح القدس ينيرنا، الّذي ليس مقيّداً بمكان أو زمن. وأيضاً لا نفهم بطبيعتنا كيف أنّ الله واحد في ثلاثة أقانيم بنفس الوقت. هذا لا يمكن للعقل البشري استيعابه. ولكن الرّوح القدس يعين ضعفنا، وينير عقولنا. وهو قادر أن يوحي لنا أسرار المستقبل وخفيات القلوب. لأنّه عارف أيضاً أعماق اللاهوت ويثبتنا فيه.
وأنبأ المسيح تلاميذه، انّ روح الحقّ سيأتي ويرشدهم إلى جميع الحقّ. فما هو الحقّ؟ إنّ المسيح لم يستعمل الكلمة في صيغة الجمع لوصف الحقوق الدنيوية بل بصيغة المفرد، كما قال سابقاً: أنا هو الحقّ. فالإعلان عن مجيء الرّوح القدس يعني انّه يرشدنا إلى ملء المسيح علماً وجوهراً وأبدية. وبما أنّ يسوع ليس شخصّاً منفرداً بل الآب فيه وهو في الآب، لذلك فإنّ الارشاد إلى كلّ الحقّ يعني معرفة الآب، وثباتنا في محبّته، وبقاءنا في أبديته. والكلمة الحقّ في الإنجيل لا تعني الحقّ الشرعي والعدل المنطقي والصدق الأدبي فقط، بل معانيها أوسع وتشمل كلّ الحقائق جملة وتفصيلاً. وهكذا يرشدنا الرّوح القدس إلى حقائق الساء لنعرف الله في ثالوثه حقّاً، ونختبر قواه العجيبة.
ومع كلّ ذلك يكون الرّوح القدس شخصاً مستقلاً متكلّماً مستمعاً وله إرادة. ولكن بنفس الوقت يكون متعلقاً بالثالوث، كما انّ المسيح كان له إرادة حرّة وبنفس الوقت لم يعمل إلاّ إرادة أبيه. فالرّوح القدس لا يأتي بأفكار خاصة، كما أنّ المسيح لم يأت بأفكار خاصّة بل اخبرنا بما قاله أبوه. ففي الثالوث الأقدس لا يوجد إلاّ خضوع متبادل في حرّية المحبّة. والرّوح القدس هو أمين في نقل الشهادة، الّتي يسمعها مِن ابن الله. ولا يخبئها عنّا بل يدخل فينا كلّ الحقّ. وهكذا يريد أن يبني الكنيسة بجملتها كجسد المسيح، ويكملها بلا غضنات ولا لطخات، لتكون كاملة في المحبّة عند مجيء المسيح عريسها. فإذاً لا الماضي ولا المستقبل يكون مستتراً عليه. وهو قد أعلن ليوحنّا التلميذ رؤيا بسلسلة صور عظمى، فلا رسّام ولا منتج أفلام يستطيع أن يأتي بتخيّلات مثل هذه الرؤى، الّتي ليست أحلاماً بل وصفاً للحقائق المزمعة على المجيء، عندما ينضج العالم للخير والشرّ وتحقّ دينوناته الأخيرة.
16: 14 ذَاكَ يُمَجِّدُنِي, لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ. 15 كُلُّ مَا لِلآبِ هُوَ لِي. لِهَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ.
إنّ الشعار والدافع في عمل الرّوح القدس هو تمجيد المسيح. وكما أنّ يسوع انكر نفسه، وحوّل كلّ الكرامة إلى أبيه ومجده وحده، هكذا لا يكرم الرّوح القدس ذاته، بل يمجّد يسوع بكلّ أعماله. وهذا يعلّمنا نحن المسيحيين، ان نصمت عن اختباراتنا وانتصاراتنا وأعمالنا الفخمة ونمجّد اسم يسوع المخلّص وحده. فليس اهتداؤنا المبني على عزمنا هو المهمّ بالدّرجة الأولى، بل غسل خطايانا بدم المسيح الثمين. فلكلّ حركات وقوى ومقاصد الرّوح القدس هدف واحد، وهو تمجيد يسوع، الّذي اشترانا خاصة لله. والرّوح القدس يعمل في شهادة رسل المسيح بفعالية، إذا لم يأتوا بمعارف متخيلة وكلام رنّان وأحكام فارغة، بل قدّموا للمستمعين المسيح مصلوباً ومقاماً لتنفيذ برّنا.
والرّوح القدس لا يعمل شيئاً خصوصيّاً، إلاّ انّه ينفذ ما ابتدأه يسوع قولاً وعملاً وصلباً وقيامة. فيذكر التلاميذ بكلمات يسوع، وينشيء حياته الإلهيّة فيهم، ويدفعهم لحفظ وصيته، ويثبّتهم في مخلّصهم. وما أتى الرّوح القدس إلينا باسمه الخاص، بل مدعواً مِن الآب والابن كما انّه بنفس الوقت صميم جوهر الآب والابن. ومِن جهة أخرى فانّ يسوع لم يحقّق خلاصه فينا لَمّا كان على الأرض، بل ترك هذا العمل الجبار بثقة فائقة إلى الرّوح القدس، الّذي يبني وسط ضعف التلاميذ ملكوت الله، أي الكنيسة الّتي هي جسد المسيح الرّوحي. فنرى مِن البعد في الثالوث الأقدس علاقة متبادلة مستمرّة. فليس أقنوم يأخذ لنفسه كرامة بل يكرم ويعظّم الآخر دائماً.
وهكذا قال المسيح زمن سيرته في الدنيا بكلّ تواضع، انّ الآب هو استلم منه. ولكن في كلمته الوداعية قال، انّ أباه دفع إليه كلّ الملائكة، والنجوم والنّاس وما على الأرض وفي السماء، لأنّ المسيح خلق بالاشتراك مع أبيه الكلّ. والآب كان خاصته، كما كلّ آب يخصّ أولاده، وأولاده يخصّونه. فلم يكن المسيح ثوريّاً ولا اشتراكيّاً، بل أخلى نفسه صائراً في شبه عبد. وولد في مذود حقير، وعاش كلأجيء فقير. حتّى انّه قال: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأمّا ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه. فمالك الكلّ أصبح صغيراً حقيراً معدماً لأجل خلاصنا. فلهذا التواضع الكبير مجده الرّوح القدس، وحقّق كلّ فضائله وصفاته في كنيسته. وطبقاً لعمل حمل الله المذبوح الّذي يفتح الأختام السبعة المدموغة على كتاب تطور تاريخ البشر، يتمم الرّوح القدس الخلاص والدينونة في الكون. وما هي النتيجة النهائية لتمجيد الابن؟ انّنا سنراه والآب في كلّ مجده ومحبّته وقداسته.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح قد فديتنا على الصليب، وازلت عنّا أحمال ذنوبنا. نشكرك لمحبّتك الفائقة الغنية. املأنا بروحك القدّوس، لتصبح حياتنا كلّها تمجيداً لذبيحتك وقيامتك. حرّرنا مِن الكسل والرياء والاستكبار، لكي نعيش في حقيقة فضائلك.
السؤال:
27- ماذا يعمل الرّوح القدس في تطور العالم؟
- المسيح يتنبأ بفرح تلاميذه
في عيد القيامة
(16: 16- 24)
16:16 بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي, ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي, لأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ. 17 فَقَالَ قَوْمٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ, بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ, مَا هُوَ هَذَا الَّذِي يَقُولُهُ لَنَا, بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي، ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي, وَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى الآبِ.. 18 فَتَسَاءَلُوا, مَا هُوَ هَذَا الْقَلِيلُ الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ. لَسْنَا نَعْلَمُ بِمَاذَا يَتَكَلَّمُ. 19 فَعَلِمَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَسْأَلُوهُ, فَقَالَ لَهُمْ, أَعَنْ هَذَا تَتَسَاءَلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ, لأَنِّي قُلْتُ, بَعْدَ قَلِيلٍ لاَ تُبْصِرُونَنِي, ثُمَّ بَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضاً تَرَوْنَنِي.
تكلّم يسوع مع تلاميذه في هذه العشية ثلاث مرّات عن ذهابه عنهم. فقوله المكرّر كان صدمة لتلاميذه. فلم يفهموا مراده. وفي هذه المرّة الأخيرة أشار لقرب مفارقتهم الّتي أزفّت وشيكاً. ولكنّه وعدهم برجوع سريع أيضاً، قاصداً بهذا قيامته مِن القبر، الّتي تحقّقت في عيد الفصح بعدئذ، لَمّا ظهر لتلاميذه في المجد خارقاً الجدران. أولئك التلاميذ الّذين مِن خوف سكروا الأبواب وأغلقوا الشبابيك، تخفيّاً مِن اليهود. وكان ذلك الظهور ليس لبقائه الطويل معهم بل، وداعيّاً ولوقت وجيز، ريثما ينطلق لأبيه نهائيّاً.
وعند انباء يسوع بهذه النبوات، أثناء ذهابهم في الليل إلى جبل الزيتون، لم يفهم التلاميذ أقوال المسيح بدقّة. فسابقاً كان قد كلّمهم عن تخطيط ذهابه إلى الآب. والآن ها هوذا يكلّمهم عن الافتراق العملي الوشيك. فهل تكلّم عن الذهاب مرتين؟ فلقد اعترفوا انّهم ليسوا عارفين تخطيطه ولا مقاصد كلماته فعليّاً. كانوا في اضطراب وحيرة، خصوصاً عندما أكّد مفارقته الحالية. فحزنوا لفراقه جداً.
16: 20 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّكُمْ سَتَبْكُونَ وَتَنُوحُونَ وَالْعَالَمُ يَفْرَحُ. أَنْتُمْ سَتَحْزَنُونَ, وَلَكِنَّ حُزْنَكُمْ يَتَحَوَّلُ إِلَى فَرَحٍ. 21 اَلْمَرْأَةُ وَهِيَ تَلِدُ تَحْزَنُ لأَنَّ سَاعَتَهَا قَدْ جَاءَتْ, وَلَكِنْ مَتَى وَلَدَتِ الطِّفْلَ لاَ تَعُودُ تَذْكُرُ الشِّدَّةَ لِسَبَبِ الْفَرَحِ, لأَنَّهُ قَدْ وُلِدَ إِنْسَانٌ فِي الْعَالَمِ. 22 فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ, عِنْدَكُمُ الآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضاً فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ, وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ. 23 وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لاَ تَسْأَلُونَنِي شَيْئاً.
قرأ يسوع أفكار تلاميذه، وعرف ما تكلّموا به رغم انّه لم يسمعه. وفي جوابه لهم، لم يهدّيء مِن روعهم ويخفّف وقع حزن فراقه عنهم، بل أكّد لهم أنّ كثيراً مِن الحزن والدموع والنواح سيهزهم عن القريب، كما إذا مات ملك صالح في شعب، فانّهم يحزنزن ويتزعزعون ويفقدون الرجاء. وفي حين تألّم التلاميذ سيفرح الأعداء شامتين.
ولا يقصد المسيح بأعدائه المجلس الديني اليهودي فقط، بل العالم كلّه. فكلّ النّاس خارج كنيسة المسيح هم العالم الضّال البعيد عن الله والعاصي ضدّ الرّوح القدس. وكما أنّ الأتقياء المتزمتين والحكماء الفلاسفة تهلّلوا لاقتدارهم على ابادة يسوع بدون شغب ضدّهم في الشعب، رغم استقباله ليسوع قبل ذلك باسبوع بمنتهى الحفاوة والتكريم استقبال الملوك، هكذا ستّتحد شعوب العالم في أواخر الزمان ليبيدوا القدّوس الآتي.
وشهد يسوع لتلاميذه أيضاً، انّهم سيختبرون فرحاً عظيماً. فزمن الدموع والنوح على الميت سيكون قصيراً مشبها المخاض لولادة الأطفال. فالأمهات يعتبرون آلام ولادتهن هينة بجانب الفرح الّذي يحصلن عليه عندما يحملن مواليدهن الأطفال بين أيديهن. فيسوع قارن آلام تلاميذه بمخاضات الأمهات، كأنهم يساعدون بتوجعهم عودته السريعة إليهم ليفرحوا جميعاً، إذ يقوم إنسان جديد فريد في نوعه بجسد روحي مِن بين الأموات في مجد الحياة الأبديّة. فعيد الفصح يعني للتلاميذ فرح اللقاء، بعد النوح على الميت والبكاء. وكما انّ إقامة لعازر حوّلت الحزن إلى السجود، هكذا منحت قيامة المسيح مِن بين الأموات تعزية كبرى وجرأة لأتباعه المؤمنين. فعلموا انه حاضر وحي ولم يفسد في القبر. فليست نهضتهم خاطئة. انّ ابن الله معهم وحياته غلبت الموت. وقد أنبأ المسيح تلاميذه بهذا الفرح مسبقاً في اللحظة الّتي كان يجتاز فيها الطريق مقترباً مِن جنينة الخيانة. فلا شكّ انّ الحزن كبير ولكنّه محدود. أمّا الفرح فأعظم ولا ينتهي إلى الأبد. وبحدوث قيامة المسيح المجيدة في عيد الفصح تلاشت في التلاميذ كلّ التساؤلات منطفئة. فقضيّة الذنب قد انتهت. ومشكلة الموت غلبت. وسلطة الشيطان انكسرت. وغضب الله لم يضغط عليهم بدينونة. وانكارهم وخوفهم وعدم إيمانهم لم يمنع المسيح مِن عودته إليهم ومسامحتهم. وما استطاع اليهود كيداً ضدّهم، لأنّ الربّ حفظهم مِن البعد. فكلّ المسائل والتساؤلات الأساسية في حياتهم، تلقّت في عيد الفصح جواباً شافيّاً في كيان المقام مِن بين الأموات.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك المعزّي المستقيم. ولم تهوّن الضيق المقبل على تلاميذك، بل اعطيتهم بنفس الوقت وعداً ثابتاً انّ ضيقهم زمني ومحدود، وانّهم ينالون فرحاً أبديّاً غير محدود بقيامتك المنتصرة. وجاوبت بكيانك الجديد على كلّ أسئلة حياتنا وموتنا. فنشكرك لأنّنا نستطيع بنيان أنفسنا عليك أيّها الحي في كلّ التجارب والضّيقات والمخاوف، لأنّك لا تتركنا، بل تمنحنا قوّة حياتك الجديدة.
السؤال:
28- كيف عزّى يسوع تلاميذه؟
16: 23 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ, إِنَّ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ مِنَ الآبِ بِاسْمِي يُعْطِيكُمْ. 24 إِلَى الآنَ لَمْ تَطْلُبُوا شَيْئاً بِاسْمِي. اُطْلُبُوا تَأْخُذُوا, لِيَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً.
في بداية خطابه الوداعي فوّض يسوع تلاميذه أن يطلبوا لتممجيد الآب ما يريدون فيصير لهم (يوحنّا 14: 13). وهذه الطلبات شملت بنيان الكنيسة كما كلّ النشاطات التبشيرية، لأنّ يسوع يريد أن يدخل كثيرون إلى شركة محبّة الثالوث الأقدس. وهكذا أوصانا قائلاً: اطلبوا أوّلاً ملكوت الله وبرّه وهذه كلّها تزاد لكم. ويسوع يعدنا ان الله يستجيب طلباتنا، لأجل الأمور السماوية والدنيوية. والتدرج واضح أن السماويات مقدّمة على الأرضيات تقدّماً مطلقاً أساسيّاً.
ما هي أسئلة حياتك وطلبات قلبك يا ترى؟ اتحتاج إلى مال وصحّة ونجاح؟ اتطلب الصلة بينك وبين أناس آخرين؟ هل تعذّبك الشكوك بوجود الله ورحمته؟ ألا تستطيع الصّلاة؟ أتشعر بفراغ مِن الرّوح القدس؟ هل تحسّ بذنوبك الخبيثة، أو تتألّم مِن التجارب والكوارث والضيقات؟ أتخاف مِن الحرب النووية، وتكاثر السكان على ظهر البسيطة، ومِن الأرواح الشرّيرية الساطية علينا؟ اتنتظر مجيء المسيح وبسط مملكة سلامه؟ ما هي أسئلة نفسك وروحك وجسدك؟ أسطحي أنت أم عميق متعمّق؟ امتفائل أم متشائم؟ اتؤلمك الأوجاع وشعورك ينجرح سريعاً؟ اطالب أنت مِن ربّك الامتلاء مِن الرّوح القدس؟
فيا أيّها الأخ العزيز. اجعل مِن كلّ مشكلة مِن مشاكل حياتك صلاة، وافتح قلبك لأبيك السماوي. ولكن لا تتكلّم بثرثرة، بل فكّر في طلبتك جيداً ماذا تقول له، فتجد أوّلاً المواهب والعطايا، الّتي منحكها يسوع قبلاً. فتشكره عليها، لأنّ الشكر يليق بنا. وبعدئذ اعترف بخطاياك، لأنّ قلّة الإيمان ومحبّتك الناقصة ورجاءك الضئيل، هو ذنب عند الله. فاطلب مِن يسوع غفران خطاياك، الّتي اعترفت بها أمامه. وانكسر لكبريائك أمام خالقك. واطلب منه توضيح طلبتك حتّى يوضح لك ماذا يريد هو في أمرك، لكيلا تطلب شيئاً يضرك. وبعدما تتأكّد مِن مشيئة أبيك، التمس منه نعمته وأيقن انّه يستمع لك حقّاً. ولا تنس انّ الله محبّة ولا يريد أن يباركك لوحدك فقط، بل غيرك أيضاً. فتضرّع أيضاً لأجل زملائك وأعدائك ليباركهم الربّ بنفس النّعمة، لأنّك لست وحدك المتألّم المحتاج، إنّما النّاس بكلّ أفرادهم مشتركون في هذا جميعاً. فقدّم اسئلتك جهراً وكاملاً ورأساً إلى المسيح مباشرة، واربط حول كلّ مشكلة في حياتك اكليلاً مِن صلوات الشكر والاعتراف والطلبة والابتهال لأجل الآخرين. فتتعلّم الصّلاة الحقيقية باسم يسوع.
إنّ الصّلاة الحقّة هي تكلّم القلب مع الله في الطلبة والابتهال والشكر والسجود. فلا تتكلّم مرتبكاً، محاولاً التلفظ بكلمات معقدة رنانة، بل قل ما تفكّر به بكلّ بساطة كما تحدث والديك. فالعشّار في الهيكل تبرّر لَمّا تمتم، اللهمّ ارحمني أنا الخاطيء. والآب السماوي أقام لعازر مِن الموت، لَمّا صلى المسيح إليه ليقيمه. فالإيمان هو الّذي ينال الخلاص والعون والنجاح. ف2تجاسر وصلّ إلى الله بنعمة وجرأة وشكر. والآب السماوي يدعوك ان تكون له ولداً. فتكلّم بفرح الطفولة. ولا تخبّيء شيئاً عنه.
إن الله الآب ويسوع الابن واحد أحد فرد صمد. ولا يستطيع القدّوس أن يباركك كيفما كان، لأنّك بطبيعتك خاطيء مستحقّ الغضب لا النّعمة. ولكن بما انّ يسوع شفيعك، فانّ الآب يستمع إلى ادعيتك. وكلّما ازددت في انسجامك مع إرادة المسيح، يستجيب الله لك. اطلب منه أن يعلّمك الصّلاة باسم يسوع، فيعطيك باسم ابنه الملء. ويسوع أوصانا الأمر للصلاة باسمه بصيغة الجمع. فتزاوروا واشتركوا في الطلبة، ليكسب الله الرّوح القدس على قراكم ومدنكم، فتختبروا عاصفة محبّته تهبّ على قلوب كثيرة فتحييها. اطلبوا بالصّلاة في روح يسوع أن يأتي ملكوته. فكلّ الأمور الأخرى تترتّب تلقائيّاً. فليست مهنتك ولا عائلتك ولا شعبك مهماً بالدّرجة الأولى، بل الله بالذات وحمده، وتغيير النّاس إلى صورته، ونمو المحبّة في الكنيسة. صلّ ولا تصمت، لأنّ الله يعمل بواسطة صلواتك.
والمسيح يشاء أن يهبك فرحاً عظيماً، ليس بالدرجة الأولى لأجل استجابة صلواتك، بل لأجل الامتياز أن تتكلّم مع الله وابنه. فما هو الأهم بالنسبة لك: الموهبة أو الوهّاب؟ فالرّبّ يمنحك الملء، ولكن لا تنس انّ الملء هو الربّ. ويسوع يريد تكميل فرحنا. فالمسرة حلّت فينا عندما أكّد الرّوح القدس لنا أنّنا أولاد الله الناجون. والفرح ازداد فينا عند ادراكنا أنّ يسوع يستجيب لنا نحن الباطلين والناقصين، وقد بارك أناساً آخرين وخلّصهم بواسطة صلواتنا. وفرحنا يكبر إلى الابتهاج جهراً، لَمّا نجد يسوع آتيّاً في سحاب السماء. عندئذ سنفرح فرحاً لا ينطق به ولا يتصوّر. فهل يكون مجيء المسيح الظاهر أهمّ موضوع في صلواتك؟
الصّلاة: أيّها الآب السماوي، نشكرك مِن صميم قلوبنا، لأنّك أرسلت إلينا ابنك مخلّصاً. اغفر لنا همومنا الدنيوية، وساعدنا لندرك أهمية الصليب. احلّل عقولنا الأنانية، وحرّرنا إلى الصّلاة المستجابة. لكي نتكلّم كأولاد لوالدهم بكلّ بساطة. وافد أعداءنا أيضاً، المتعبين تحت حمل خطاياهم والمتألّمين بقلوبهم الممتلئة بالحقّ والبغضة. حرّرهم مِن قيودهم، حتّى يشتركوا معنا في فرح حضورك. ونلتمس منك أن ترسل ابنك في المجد عن قريب، لأنّ المشاكل الدولية أصبحت ارهاصاً يتضخّم ويهبط علينا. أنت وحدك البقاقي. فنعظّمك ونسجد لك باسم ربّنا يسوع المسيح.
السؤال:
29- كيف يستجيب الله الآب صلواتنا باسم يسوع؟
- سلام المسيح فينا يغلب ضيقات العالم
(16: 25- 33)
16: 25 قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا بِأَمْثَالٍ, وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ حِينَ لاَ أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِأَمْثَالٍ, بَلْ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الآبِ عَلاَنِيَةً. 26 فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَطْلُبُونَ بِاسْمِي.
قدّم يسوع إعلاناً عن حقائق السماوات بطريقة الأمثلة والألغاز، الّتي حجبت الأسرار أمام الدنيويين، ولكن كشفها للجياع إلى البِرّ. واشتاق يسوع أن يفهمه تلاميذه تماماً، وتمنّى حدوث اليوم العظيم الّذي يقوم فيه مِن بين الأموات، ويصعد إلى السماء ليجلس عن يمين الله، مرسلاً إلى تلاميذه روحه الإلهي اللطيف. فاعتبر كلّ هذه الحوادث الخلاصية كيوم واحد. فعند اتيان هذا الرّوح إلى قلوب اتباعه، تنتهي الأمثال والألغاز السابقة. لأنّ روح المسيح يخلق في داخل المؤمنين الانارة والمعرفة، انّ الله هو الآب والمسيح ابنه. فبدون الرّوح القدس لا يعرف الإنسان الله، ولكن روح الابن يجذبنا إلى عائلة الآب. فان غاية المسيح وثمرة موته، ونتيجة التعليم اللاهوتي ليس هدفها فقط معرفتنا النظرية بالله، بل ثباتنا في عائلة الآب. ألك أب دنيوي ما زال في عالمنا؟ هل تعرفه؟ هل أنت ولده؟ هل تتكلّم معه؟ هل يهتم بك؟ كلّ هذه الأسئلة بديهية، بدون أدنى شك. وهكذا بدرجة عليا، أكدت لنا كلمات يسوع وتعزية الرّوح القدس، ان الله القادر على كلّ شيء القدّوس العظيم، هو أبونا القريب الشخصي المحبّ، ونحن أولاده الأحبّاء، رغم انّنا كنّا خطاة أرزالاً. ولكن بدم المسيح قد أصبحنا قديسين أمامه. والرّوح القدس يفتح أفواهنا للصلاة الحقّة، لأن هذا الرّوح هو روح المسيح. ففي الصّلاة الرّوحية يتكلّم المسيح بواسطتنا. فصلّ ما يصلّيه الرّوح، في ثقة الآب وشركة الابن. فتصبح صلاتك مكالمة بين الرّوح القدس الحال فيك وأبيك السماوي الّذي هو واحد مع الابن.
16: 26 وَلَسْتُ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا أَسْأَلُ الآبَ مِنْ أَجْلِكُمْ, 27 لأَنَّ الآبَ نَفْسَهُ يُحِبُّكُمْ, لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي, وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَرَجْتُ. 28 خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ, وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ, وَأَيْضاً أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى الآبِ.
إنّ الآب الّذي لا يحبّ أولاده، ليس أباً. فبواسطة إعلان اسم الآب أعطانا المسيح أبسط قالب لإدراك محبّة الله العظمى. فابراز اسم الآب هو لبّ غاية المسيح. فمَن يعرف الآب يعرف الله، ويتغيّر إلى ابن له، ويثبت في محبّته. ففي اسم الآب تجد الإنجيل كلّه ورجاء الحياة الأبديّة. والمسيح يعلن لك لآخر درجة مِن إعلانه،انّه مِن الآن فصاعداً لم يعد توسّطه ضروريّاً فيما بعد، لأن الآب نفسه يحبّك، وهو ممتليء المحبّة والرحمة والرثاء. ومنذ مات المسيح على الصليب، لا مانع بيننا وبين الآب.فالإيمان بالابن وحمل الله، يمكن الآب مِن سكب محبّته على أحبّاء المسيح كلّهم. فمَن يدرك ألوهية المسيح واتيانه مِن الآب وثبوته فيه، فقد اقترب مِن الثالوث القدّوس، ويثبت في حياة الآب، ويمتليء بنعمة الابن فرحاً بالرّوح على الدّوام.
هل نحبّ المسيح أو نحبّ ذاتنا؟ فبالجواب على هذا السؤال تتوقّف شركتك مع الله. وكما أنّ العريس يحاول فهم العروس في كلّ أحوالها، ويقرأ مِن عينيها أمنياتها، ويضع كلّ آماله وأفكاره فيها، ويشعر انّه بدونها غير مكتمل ويريد أن يكون معها في كلّ حين، هكذا بدرجة أعلى روحيّاً تظهر محبّتنا للمسيح في اشتياق حار، وارتباط متين، تجذبنا إليه وتربطنا فيه. فلا نبتغي عنه انفصالاً أبديّاً وهكذا يصبح يسوع محور حياتك، والقوّة لأعمالك، والأساس لإيمانك، والدّافع لصلواتك. وبولس الرسول لخّص هذه المعاني المختصة بمحبّته ابن الله بالكلمة: لي الحياة هي المسيح. وهو سلامنا.
ورسم المسيح لتلاميذه بجملة واحدة أعجوبة فدائه أمام أعينهم. قد نزل مِن علّو ألوهيته، وتجوّل على الأرض الممتلئة بالبغضة والفجور، وتخلّى عن مجد أبيه. ولكن بعدما أكمل على الصليب برّ النّاس فارق العالم المتبرّر وأسرع إلى أبيه ينبوع كلّ الحياة. ونظيراً لخلاصة كون المسيح وخدمته يريد الرّوح القدس أن يخلق فيك الشهادة، انّه قد صدر مِن الآب والابن وحلّ فيك وفي كلّ المؤمنين، لنثبت جميعاً في الثالوث الأقدس، قولاً وعملاً وصلاة. ويريد هذا الرّوح أن يجذبنا إلى شركة محبّة الله حتّى نتقدّم إلى موتنا بفرح، لأنّه حيثما نكون أو نذهب، فدائماً نرجع إلى الآب الّذي فدانا في المسيح. هل نفرح بعودتك إلى السماء؟ هل تريد رؤية المسيح مخلّصك؟ عندئذ تنفجر مِن قلبك صلوات الحمد وترانيم الاشتياق. وتغلب كلّ الصعوبات والأمراض والاضطهادات. انّ أباك ينتظرك مترقّباً.
الصّلاة: أيّها الآب، نشكرك لأنّك أدنت ابنك عنّا وبذلته. فمحبّتك أعظم مِن إدراك عقولنا. أنت تحرّر نفوسنا مِن الذنوب، باثاً فينا روح ابنك. طهّرنا لنكون قدّيسين أمامك. علّمنا الثبات في وصايا ابنك. واملأ قلوبنا بمحبّته، فتفيض أفواهنا بالصّلاة باسمه. انّنا مشتاقون إليك، لنراك، ولنمكث عندك في كلّ حين. خلّص أخوتنا وأصدقاءنا وخصومنا كذلك. انّك حلّلت فينا وجذبتنا إليك بفرط محبّتك. اشعل فينا نار محبّتك، لنحبّ كلّ النّاس، ونضحّي لأجلهم كما أنت تحبّهم.
السؤال:
30- كيف ولِمَ يحبّنا الآب؟
16: 29 قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ, هُوَذَا الآنَ تَتَكَلَّمُ عَلاَنِيَةً وَلَسْتَ تَقُولُ مَثَلاً وَاحِداً. 30 اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ, وَلَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَكَ أَحَدٌ. لِهَذَا نُؤْمِنُ أَنَّكَ مِنَ اللَّهِ خَرَجْتَ.
ادرك التلاميذ قليلاً مِن عظمة محبّة الله وسيرة يسوع الأزلية، وتكمّشوا بشغف بالفكر انّ يسوع هو الإله الحقيقي العليم العظيم القدّوس الأزلي. ولكن لم يدركوا ولم يذكروا أن المسيح هو المحبّة المتجسّدة. فما عرفوا الله في جوهره، ولم يسمّوه أباً، رغم أنّ المسيح بشّرهم دائماً باسمه الجديد ومحبّته اللانهائية. فالرّوح القدس ما كان قد أنار اتباع يسوع بعد. لقد قبلوا فكرة سيرة يسوع بعقولهم، ولكنّهم عجزوا عن فهم لبّ جوهره.
16: 31 أَجَابَهُمْ يَسُوعُ, أَلآنَ تُؤْمِنُونَ. 32 هُوَذَا تَأْتِي سَاعَةٌ, وَقَدْ أَتَتِ الآنَ, تَتَفَرَّقُونَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَاصَّتِهِ, وَتَتْرُكُونَنِي وَحْدِي. وَأَنَا لَسْتُ وَحْدِي لأَنَّ الآبَ مَعِي.
وبابتسامة مريرة قال المسيح، اتظنّون أنّكم بعقولكم قادرون أن تدركوا نفسي؟ افتسمّون هذا العلم إيماناً. إنّ الامتحان آت وقد أوشك. فسيتبين انّ تصديقكم خال مِن المحبّة، وانّكم غير فاهمي الله، لأنّكم لا تؤمنون بالآب، كلّكم ستفرون ذاهبين في طرقكم الخاصّة وتتركونني وحيداً. ففي الكارثة سيظهر إيمانكم انّه ثابت وفارغ وصفر في المحبّة.
أمّا أنا فلست وحدي في الموت، الآب معي. أليست هذه الكلمة مضادة كلّ المضادة لصرخة يسوع على الصليب: إلهي إلهي لماذا تركتني؟ كلاّ لأنّ الإله القدّوس حجب وجهه عن الابن، لكنّ المسيح آمن بحضور أبيه باستمرار، وصرخ إلهي إلهي، أنت تثبت إلهي، لا أتركك حتّى ولو لم أرك. بين يديك استودع روحي. فإيمان المسيح بأبوة الله غلب الدينونة العادلة الساقطة عليه لأجلنا. فمحبّة الابن لأبيه اطفأت غضب الدّيان الأزلي، ورجاؤه المستمرّ فتح الباب لنا، لندرك الآب. فلأجل موته بمشورة الآب. يحقّ لنا أن نقول أعظم شهادة كأولاد مطمئنين في بهجة تامة: أنا لست وحدي لأن الآب معي.
16: 33 قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ, وَلَكِنْ ثِقُوا, أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ.
لخّص يسوع كلماته الوداعية بتعزية كبرى لكلّ المسيحيين كأنّه قال: قد عشت معكم زمناً، وعلّمتكم ليحلّ السلام الإلهي في قلوبكم. لا سلام لغير المؤمنين. أمّا أنا ابن الله فقد غفرت قلوبكم، وطهّرت صميمكم. وأنا واضع فيكم روح سلامي. اثبتوا في كلماتي، التجئوا إلى رحابي. أنا شخصيّاً حمايتكم. فليس قوّة حافظة غيري. مصالحتي مع الله لأجلكم هي أساس سلامكم. ليس لكم ضمير صالح بدون غفران خطاياكم بدمي. وقد خلّصتكم وروحي حلّ فيكم، فليس سلامي تخيّلاً بل حقّاً. أنا آتي وأعطيكم سلاماً، أقبلوه وآمنوا بكلماتي. اطمئنوا رغم سلطة الشيطان والموت في العالم. وآمنوا بجرأة: في المسيح لنا سلام تام. لا يفارقنا إلى الأبد. وسلامي ينشيء شركتكم. ففي حضوري لا يملك الحسد والخصام واشهوات والاستكبار والنميمة بينكم. لأنّ سلامي يجرّدكم مِن الأنانية، فتصبحوا متواضعين معظمين الله ومحبّي الأخوة كثيراً. فإن آمنتم بالصليب تنتهي الكراهية والشتائم وتتعلّموا أن تصغوا لقول بعضكم بعضاً، خاضعين تلقائيّاً لأنفسكم. فمحبّتي هي سلامي. اثبتوا في محبّتي.
ولا تظنّوا انّه ينتظركم سلام في العالم. كلاّ. فهناك تتربص بكم الحيل والبغضاء والاضطهاد والمرض والمكر والخوف والموت. والشيطان سيجربكم بممانعات الأتقياء المرائين، كأنّكم تتقدّسون أكثر بحفظ الأحكام الشرعية المختلفة، فتتضايقوا جداً. فالناموسيون (الشريعيون) سيرفضونكم، والسطحيون يستهزئون بكم. ألوف الأكاذيب والفلسفات ستجرّب إيمانكم، والاستكبار السفلي يقترب منكم. فلا تحبّوا المال، ولا تظنّوا أنّ الغنى يضمنكم. إنّ العالم كلّه خداع. وسيسرقون وقتكم حتّى تبددوا قوّة حياتكم باطلاً، فلا يبقى منكم إلاّ خاطيء، قد امتلأ عيوباً، وارتجف مِن الدينونة، هالكاً في غضب الله وساقطاً.
الفتوا انظاركم عن العالم، وانظرا إليّ مليّاً. انظروني، وادرسوا حياتي وافهموا كلماتي. اعرفوا محبّتي واتبعوا تواضعي، واثبتوا في تضحيتي وانكار نفسي. أنا قد غلبت العالم. في ولادتي قيّد روحي دوافع جسدي. وفي معموديتي رفعت ذنوب العالم. لم اوافق على تجربة ما مِن الوسواس، ولم أطلب شيئاً لنفسي. فثبّت حمل الله القدّوس، وغلبت غضب الله ودينونته نهائيّاً. وقمت مِن بين الأموات، لأن الموت ما وجد حقّاً فيّ. فأنا في جوهري قدّوس الله حقّاً. ففي تمّت وصيّة الله: كونوا قدّيسين، لأنّي أنا قدّوس. اني كامل المحبّة، وفيّ ترون الآب واقفاً أمامكم جهاراً.
أيّها الأخ. هل ادركت خطاب يسوع الوداعي. إنّه قد ثبتك في شركة مع الآب، لينسجم قلبك بسلام المسيح، وينبت منك إلى محيطك. إن سلام المسيح هو مِن أعظم الحقائق في حياة المؤمن. فالعالم يظلّ شرّيراً ويضايقك، كأنّك في كماشة بين فكّيها وقد حميت وسط جمرات النار. ولكن إيمانك بالمنتصر على الموت والشيطان، يحرّرك مِن لهيب غضب الله والعذاب الأبدي. فمَن يؤمن بالمسيح يرحمه الله، لأنّ الإيمان بالابن يبرّر المؤمن ويقدّسه، ويجعله ابناً لله. هل ملأتك هذه الرسالة مِن يسوع؟ وهل حلّ فيك الرّوح القدس؟ فتعترف معنا بفرح: يسوع هو سلامنا. ولا سلام لنا إلاّ به. قد غلب العالم في قلبي أيضاً. وإيماني بمحبّته ثبتني في وحدة الثالوث الأقدس. الآب هو أبي، والابن هو مخلّصي، والرّوح القدس يسكن فيّ. فالله الواحد حلّ فيّ، وأنا ثابت فيه بالنّعمة.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أنت غالب قلبي، واشتريتني خاصّة لك مِن كلّ ذنوبي. قد قبلتني تحت حمايتك مِن مكايد إبليس، وحرّرتني مِن سجن أكاذيبه. أنت منحتني الحياة الأبديّة. فلا أخاف الموت لأنّي ناظر إليك. انك قد اطفأت غضب الله، وحملت دينونتي وهلاكي. أشكرك أبداً. وفي محبّتك أدركت الآب السماوي. احفظني في إرادته واملأني بقوّته، حتّى أمجدّك مع كلّ القدّيسين، وأسبّح الآب، وأحبّ الأخوة، وأسامح كلّ النّاس وأكون مِن صانعي السلام في إرشادك. عليك اتّكالي. أنت المنتصر. تعال أيّها الرّبّ يسوع. نحن منتظروك بشوق وحمد وسرور.
السؤال: ما هي الفكار الرئيسية في خلأصة كراسة المسيح؟
لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ.
فِي الْعَالَمِ
سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ،
وَلَكِنْ ثِقُوا،
أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ.
(وعد يقين من يسوع المشيح
حسب البشير يوحنّا 16: 33)
المسابقة الرابعة لانجيل المسيح حسب البشير يوحنا
عن محبّة المسيح المعلنة في حلقة التلاميذ
الأسئلة:
1- لِمَ قبل يسوع مسحه بيد مريم؟
2- ماذا يعني دخول يسوع إلى أورشليم؟
3- لِمَ يعني موت المسيح، انّه تمجيده الحقّ؟
4- كيف مجّد الله اسمه؟
5- ماذا تعني صيرورتنا أبناء النّور؟
6- لماذا أنكر وجوه اليهود يسوع، رغم إيمانهم به؟
7- ما هي وصيّة الله في المسيح لكلّ النّاس؟
8- ماذا يعني غسل الأرجل بيد يسوع؟
9- ماذا تُعلّمنا قدوة المسيح؟
10- كيف فصل يسوع الخائن مِن دائرة المحبّة.
11- ما هي معاني التمجيد الّتي أبرزها يسوع، لَمّا تركه يهوذا؟
12- لماذا المحبّة هي العلامة الوحيدة الّتي يعرف بها المسيحيّون؟
13- كيف يكون المسيح هو الطريق الوحيد إلى الله الآب؟
14- ما هي العلاقة بين المسيح والله الآب؟
15- ما هي أعمال اتباع يسوع الّتي هي أعظم مما عمله يسوع بالذّات؟
16- ما الصفات والأعمال الّتي يطلقها يسوع على الرّوح القدس؟
17- كيف تتعلّق محبّتنا بالمسيح ويحلّ الثالوث الأقدس فينا؟
18- ما هو سلام يسوع؟
19- كيف يكون يسوع الكرمة الحقيقية؟
20- لماذا نحن نكون في يسوع وهو فينا؟
21- كيف تربطنا محبّة الله إلى صميم الثالوث الأقدس؟
22- كيف جعل يسوع عبيد الخطيئة أحبّاء؟
23- لِمَ يبغض العالم المسيح وأحبّاءه؟
24- كيف يقابل الله العالم، الّذي صلب المسيح؟
25- لِمَ يبغض العالم المؤمنين بالمسيح؟
26- ما الّذي يعمله الرّوح القدس في العالم؟
27- ماذا يعمل الرّوح القدس في تطوّر العالم؟
28- كيف عزّى يسوع تلاميذه؟
29- كيف يستجيب الله الآب صلواتنا باسم يسوع؟
30- كيف ولِمَ يحبّنا الآب؟
31- ما هي الأفكار الأربعة الرئيسية في خلاصة كرازة يسوع؟
جاوبنا على 24 سؤال مِن هذه الأسئلة على الأقلّ، فنرسل لككتاباً روحياً من كتينا المختلفة. وها نحن منتظرون رسالتك. ولا تنس ذكر اسمك وعنوانك جيداً.
الحياة الفضلى
ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان
خامساً: صلاة يسوع الشفاعيّة
لتثبيتنا في الثّالوث الأقدس
(17: 1- 26)
- التّمهيد لصلاة المسيح الشفاعية
خدم المسيح النّاس بإنجيله وأعماله، وشفى العرج، وأشبع الجياع، وفتح أعين المكفوفين، وأقام أمواتاً. فمحبّته كانت إعلان جوهر مجد الله وسط عالم البغضاء والموت. في بداية دعوته تراكضت إليه الجماهير الغفيرة. ولَمّا رأى المجلس الديني اليهودي والمتعصّبون المراؤون، أنّ أسس دينهم الناموسي (الشريعي) تتزعزع، هدّدوا يسوع واتباعه بالحرمان والموت. فتخلّت عنه الجماهير المتحمسة، وعندئذ أصبح المسيح وبعض اتباعه الأمناء مضطهدين، ولكنّه استمرّ في محبّته لجميع النّاس. وأخيراً أثرت دعاية المجلس الديني بأحد التلامذة الأثني عشر، فاستعدّ للخيانة القبيحة. أمّا الربّ فأعدّ تلاميذه في ليلة قطع العهد لوظيفتهم الرسولية المقبلة، وأعلن لهم في كلماته الوداعية حقيقة وحدته مع الآب، وكيف أنّ الرّوح المعزّي سيثبتهم في شركة المحبّة الإلهيّة، رغم الاضطهادات المقبلة عليهم.
لكنّ التلاميذ لم يفهموا كلمات ربّهم تماماً، لأنّ روح الله ما كان قد انسكب في نفوسهم بعد. فاتجه يسوع إلى أبيه مباشرة، واستودع نفسه وأحبّاءه بين يديه في صلاته الكهنوتية العظيمة، وذكر أيضاً الّذين سيؤمنون به بواسطة شهادة الرسل في المستقبل.
فصلاة المسيح الشفاعيّة المسجّلة في الاصحاح 17 تمنحنا بصيرة فريدة إلى كيفيّة تكلّم ابن الله مع أبيه ونوعية المحبّة بين أقنومي الثالوث الأقدس. ليس إنسان يستطيع أن يفهم هذه الكلمات الرّوحية تلقائيّاً ولا تفسيرها، إلاّ إذا أناره الرّوح القدس، ووضع فيه روح الصّلاة. فمَن يتعمّق في الاصحاح 17، يدخل إلى هيكل الله الممتليء سجوداً وابتهالات وشفاعة.
الصّلاة: أيّها الرّبّ المسيح، نشكرك لأنّك كنت مصليّاً أميناً ممتليء المحبّة. فساعدنا لنفهم صلواتك، ونمتليء بروح الصّلاة، لكيلا نفكّر بأفكارك فقط، بل تحولنا سجوداً شاكرين ومصلّين أيضاً.
- لتمجيد الآب بواسطة
تمجيد الابن في اكماله الصليب
(17: 1- 5)
17: 1 تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ وَقَالَ, أَيُّهَا الآبُ, قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ.
أعلن المسيح لتلاميذه انّه واحد مع الله. فهو في الآب، والآب فيه حقّاً. ومَن يره فقد رأى الآب. لكنّ التلاميذ لم يقدروا على استيعاب هذا الإعلان المثير، وزاغت عقولهم عن إدراك حضور الله في الجسد اليسوعي. فاستودع الرّبّ تلاميذه الضعفاء الجهّال لعناية أبيه، لينيرهم ويثبتهم ويحفظهم في شركة محبّتهم الإلهيّة القدّوسة.
ولعلّ رفع يسوع عينية إلى السماء سبّب في التلاميذ استغراباً، إذ كيف يصلّي إلى الآب السماوي، ويقول بنفس الوقت انّه كائن في الآب والآب فيه؟ فانصدمت عقولهم بهذه التصرّفات اللامفهومة. ولكنّ الرّوح القدس لا يفكّر بطريقة مفردة محدودة، بل بطريقة عليا جامعة لطرفي المتضادات في انسجام حق. فهكذا نعرف انّ الفكرتين حقّ: الوحدة الكاملة بين الآب والابن، واستقلال شخصيتهما، وهذا ما يوضحه رفع الابن عينه نحو الآب وطلبته ليستجيب صلاته. فالله أعظم مِن عقولنا. والرّوح القدس يعلّمنا لندرك الفكرتين المتضادين كوحدة حقّة. فاطلب مِن ربّك الاستنارة، إن صعب عليك ادراك الحقيقة الإلهيّة، لأن ليس أحد يستطيع ادراك الآب والابن، إلاّ بواسطة الرّوح القدس.
سمّى يسوع في صلاته الله أباً، لأن الله ليس ربّاً قدّوساً وقاضيّاً صارماً فقط، بل محبّته الرحيمة شملت كلّ صفاته الأخرى وتسربت فيها. فالله هو في ذاته المحبّة القدّوسة والحقّ الرحيم. لا يبيدنا بل يخلّصنا. وهذا الفكر الجديد لكون الله أباً محبّاً ظهر عندما وُلد المسيح مِن الرّوح القدس ابناً لله. فعاش منذ الأزل عند أبيه، لكن تجسّد ليفدينا أولاداً للقدّوس. فإعلان اسم الآب لله، هو جوهر الرسالة الّتي قدّمها المسيح للعوالم. وبهذا الوحي حرّرنا يسوع مِن خوف الدينونة، لأن القاضي هو أبونا. والضّامن أخونا، الّذي دفع ديوننا، فان ادركت اسم الآب في إعلانات يسوع المتعدّدة وعشت حسب معرفتك، فقد ادركت معنى الإنجيل.
واعترف المسيح أمام أبيه ان أهم ساعة في العالم قد أزفّت، وهي ساعة المصالحة بين الله والنّاس. فكلّ البشر والملائكة والأديان والفلاسفة انتظروا بدون علم ساعة كلّ الساعات هذه. وها قد حانّت. فالمسيح قد رفع كحمل ذنوب العالم كلّها، واستعدّ أن يموت منفردً في لهيب غضب الله. وفي هذه اللحظات الحاسمة كان الخائن مقبلاً على الطريق مع فرقة بوليس الهيكل، للقبض على ابن الله القوي الوديع الّذي كان مستعدّاً للموت بدون مدافع.
17: 1 مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضاً, 2 إِذْ أَعْطَيْتَهُ سُلْطَاناً عَلَى كُلِّ جَسَدٍ لِيُعْطِيَ حَيَاةً أَبَدِيَّةً لِكُلِّ مَنْ أَعْطَيْتَهُ.
يظنّ كثير مِن النّاس أنّ كلمة مجد تعني بهاء ونوراً وأشعّة نار. إنّما يسوع اعترف أنّ محبّته المضحية هي جوهر المجد ولبّ كيانه الإلهي. وطلب مِن أبيه أن يحفظه في صميم محبّته أثناء ساعات الصليب في عاصفة الأوجاع والمخاوف، لكيلا تفسد خطيئة ما ذبيحته الفريدة، ولأجل أن يظهر ضياء المحبّة الإلهيّة كاملاً في المصلوب. فقد أخلى الابن هيئته المشعّة الأصيلة في السماء، وأصبح إنساناً حقيراً، مستعدّاً أن يضحّي بذاته لأجل العصاة المجرمين، لكي يتبرّروا بموته. فهذه المحبّة الباذلة نفسها هي صميم مجد الابن. فيسوع طلب مِن أبيه القوّة، لكيلا يفشل في ذبيحة نفسه، بل ليحقّقها بكلّ قداسة، فينتصر في ضعفه.
ولم يخش أن يقول بنفس الوقت، انّه لا يموت لذاته، بل لأجل تمجيد الآب. وانّه يعمل شيئاً لا يستطيع أن يعمله أحد، بإعلانه مجد الآب على الصليب وتحقيق مصالحة البشر معه. فإذ غفرت الخطايا ظهرت محبّة الله، ودعت كلّ النّاس إلى التبني. والرّوح القدس ينسكب على المؤمنين بالمسيح، لكي يمجّد أولاد الله أباهم بواسطة سيرتهم الطاهرة فلا يوجد تمجيد لإسم الآب أعظم مِن أن يكون أباً حقّاً لأولاد كثيرين. فطلب يسوع بافتتاح صلاته مِن أبيه اكمال الفداء بولادة أولاد كثيرين بالرّوح والحقّ حمداً وتمجيداً لاسمه الأبوي.
واستمرّ الابن في اعترافه الإلهي، بأنّ الآب أعطاه كلّ السلطان على جميع المولودين مِن النساء. فالمسيح هو الإله الحقّ الخالق والفادي والمكمل وهو ربّنا ومالكنا وقاضينا فنحن له. وأمامه نحن مذنبون. إنّه رجاؤنا الحقّ. والله لم يعط ابنه السلطان على كلّ الجسديين الفانين ليدينهم ويبيدهم، بل ليخلّصهم ويهديهم. فهدف مجيء المسيح هو أنّ المؤمنين به ينالون الحياة الأبديّة، ولا يجد الموت سلطة فيهم فيما بعد. وقد غفر المسيح على الصليب ذنوب كلّ النّاس. ففريق قليل يتجاوب لهذا الخلاص المعدّ، وينالون الحياة الأبديّة. فالمؤمنون هم النّخبة المختارة، الّذين يؤمنون بالآب والابن والرّوح القدس، ويثبتون في خلاص المسيح بحمد. ففيهم حلّ الرّوح الإلهي. وكيانهم الجديد هو أعجوبة عصرنا الممجّدة لإسم الآب.
17: 3 وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ, أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.
الرّوح القدس يثبت تكراراً ما قاله المسيح عن الله، انّه أبوه وأبونا. فمَن يدرك هذا السرّ الإلهي، ويؤمن به ينل الحياة الأبوية الأبديّة. فلا يوجد مفتاح آخر لمعرفة الله، إلاّ في شخص يسوع المسيح. فمَن ير في الابن أبوة الآب ويثق به، يتغيّر إلى بنوته المقدّسة. فالمعرفة البارزة في قول المسيح ليست علماً فقط، بل كياناً وصيرورة روحية. إن الله يعيد صورته المجيدة في كلّ المؤمنين بالمسيح. فما هو المعنى لهذه الصورة الإلهيّة؟ ليست إلاّ المحبّة والحقّ والعفّة، الّتي يحقّقها الرّوح القدس في أولاد الله. وهي تمجيد الآب حيث تظهر فينا فضائله.
لقد أرسل الله المسيح إلى العالم، لكي يدرك البشر بواسطة سيرته وسلوكه وذبيحته الله في نوعيته العظيمة. فكلّ الأديان بدون المسيح المولود مِن الرّوح القدس والمصلوب والمقام مِن بين الأموات، لا تعرف الله حقّاً. إنّ الابن هو الرسول الإلهي الكامل الّذي يجمع كلّ السلطان والمحبّة والقداسة في نفسه. وقد أعلن لنا الله حقّاً. وكلّ الالهامات والايحاءات الأخرى ناقصة. فإن أردت معرفة الله الحقيقي، فادرس يسوع المسيح، لأنّه مثاله الممسوح بملء الرّوح القدس. وفي كيانه كمسيح يكون في ذاته ملك الملوك، ورئيس الكهنة العظيم، والنّبي الكامل الّذي هو في ذاته كلمة الله المتجسّدة.
17: 4 أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. 5 وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.
كان المسيح مدّة بقائه على الأرض مفكراً دائماً بالآب. وشهد له، ونفذ أعماله، وأنكر ذاته لتمجيد الآب. فالكلمات الّتي قالها، قد سمعها مِن الآب قبلاً. ولم يختلس يسوع لذاته مجداً، إنّما حياته كانت تمجيداً خالصاً للآب. وفي الإيمان باستجابة صلاته قال مسبقاً، انه قد أكمل عمل الفداء على الصليب. ولكنّه لم ينطق بهذه الشهادة متكبّراً، بل شهد أنّ أباه أعطاه عمل الفداء عطاء، كأنّما لم يعمل شيئاً مِن تلقاء نفسه، بل الآب أكمل كلّ شيء. ولأنّ يسوع أخلى نفسه هكذا بالتمام، ولم يرد أن يكون أو يملك أو يعمل شيئاً أو يقدر عليه، فانّه استحقّ الطلبة أن يعيد له أبوه كلّ المجد الأصلي، كبهاء ظاهر لجوهر محبّته. وبهذه الكلمات شهد يسوع، انّه كان مجيداً منذ الأزل، إله نور مِن إله نور إله حق مِن إله حق، مولود غير فخلوق. ففي الابن كمَن دائماً الشوق نحو أبيه. وبعد اكمال هدف مجيئه اشتاق ليعود إلى أبيه ينبوع الحياة، لأن الابن والآب واحد. وقد استجاب الآب طلبة ابنه العظيمة، لأنّه عند وصوله إلى السماء عظّمته كلّ الملائكة والكائنات قائلين بصوت عظيم: مستحقّ هو الخروف المذبوح أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوّة والكرامة والمجد والبركة.
الصّلاة: أبانا الّذي في السماوات، ليتقدّس اسمك. قد مجّده ابنك بسيرته وصلواته وذبيحته. أمّا نحن فلا نستحقّ أن نرفع أعيننا نحوك. ونشكرك لأنّك غفرت لنا ذنوبنا لأجل موت يسوع وتبنيتنا. وأشكرك لأنّك نقلتني إلى الحياة الأبديّة بانسكاب الرّوح القدس في قلبي. ساعدنا لنمجدك دائماً، ولا نختلس كرامة لأنفسنا، لكي نطيع وصيّة ابنك ونحبّ بعضنا بعضاً بلا انقطاع، فيرى النّاس في أعمالنا الحسنة أبوتك، ويمجّدونك بتسليمهم إليك.
السؤال: 1- ما هو الفكر الأساسي في أوّل جزء مِن صلاة يسوع؟
- ابتهال يسوع لأجل رسله
لحفظهم وحمايتهم وتقديسهم
(17: 6- 19)
17: 6 أَنَا أَظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي, وَقَدْ حَفِظُوا كَلاَمَكَ.
بعدما تيقّن يسوع في صلاته أنّ أباه سيقوّيه لتحقيق الفداء بدون نقص، وعرف أنّ مجده ومجد الآب سيعظم بواسطة ولادة أولاد كثيرين ممتلئين بالحياة الأبديّة، اتّجه ابن الله في أفكار صلواته نحو تلاميذه، الّذين كانوا سابقاً فاسدين كسائر النّاس. لكنّهم لأجل إيمانهم اختارهم الله مِن العالم، وصيّرهم وحدة بمحبّته الإلهيّة.
لقد أعلن المسيح لتلاميذه اسم الله الجديد، الآب. فأصبحوا بهذا الإعلان أولاده مختارين مِن العالم. فهذا الكيان الجديد هو سرّ الكنيسة. ليس المؤمنون بالمسيح فانين، بل حاملين حياة الله في ذواتهم. وهؤلاء الأولاد المولودون مِن الله، لا يخصّون أنفسهم، بل هم لله الّذي ولدهم. وهو أعطاهم لابنه، الّذي اشتراهم بدمه مِن سوق الخطيئة. فإن آمنت بالمسيح، تصبح خاصته وخاصّة الله.
وإعلان أبوية الله وصيرورة المؤمنين أولاداً، تمّت في التلاميذ بواسطة إيمانهم بالإنجيل، وحفظهم لهذه الكلمات الإلهيّة اللؤلؤية. فليست هذه الكلمات دويّاً فارغاً أو بخاراً ضائعاً كأكثرية الأحرف السوداء المطبوعة في دنيانا، إنّما كلّ حرف مِن كلمة الله يفيض بالقوّة الخالقة. فمَن يحفظ كلمات الآب في قلبه الأمين يعش في قدرته.
17: 7 وَالآنَ عَلِمُوا أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَيْتَنِي هُوَ مِنْ عِنْدِكَ, 8 لأَنَّ الْكَلاَمَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ, وَهُمْ قَبِلُوا وَعَلِمُوا يَقِيناً أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكَ, وَآمَنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.
إنّ كلمة الله مِن فم يسوع تخلق المعرفة المختلفة عن تخيّلات الشعراء الفارغة، لأنّها ممتلئة بالاجراءات القوّية لتغيير الحياة الفاسدة. والمسيح نفسه عاش كلمته ونفذ أعماله بقوّة كلمته. فكلّ قواه وبركاته تأتي إلينا في كلمة الآب. ولم يغتنم الابن الفرصة ويدّعي معرفة شيء بتاتاً، بل انّه سمّى سلطانه وقدرته وحكمته ومحبّته هبة مِن الله إليه. فأبوه استودعه كلّ الكون. النجوم والنبات والحيوانات وكلّ النّاس، إنّما هي خاصّة المسيح بلا ريب. ومنح المسيح للناس أثمن ما عنده كلماته. وهي أتت مِن أبيه، حتّى أصبح الابن كلمة الله المتجسّدة. ففي الكلمة قوتنا كلّها. وقد منحنا المسيح كلمات أبوية. فاختبرنا قوّتها واستنرنا بها. وقبلنا هذه الآيات والكلمات بفرح. فبواسطة عبارات الإنجيل ادركنا الآب والابن والرّوح القدس وثبتنا فيه. ونجد المسيح في هذه الفقرة مِن الصّلاة، يعلن معرفة التلاميذ وعلمهم بكلماته بينما كان في السابق يبيّن عدّة مرّات عدم فهمهم. فذلك لأنّه قد زرع في قلوبهم بذرة الإيمان، وقبلوا كلمته بفرح ولم يدركوا حالاً، حتّى سكب عليهم مِن بعدئذ الرّوح القدس، فنمت الكلمة وآتت ثمارها بإذن ربّها. فالمسيح قال ذلك تنبيئاً مسبقاً في إيمانه انّ هذا سيكون حتماً.
وكلمات المسيح انشأت في التلاميذ مع المعرفة الإيمان. فما هو ذلك الإيمان في التلاميذ، الّذي خلقته كلمات يسوع؟ انّه صدور الابن مِن الآب، حضور الأزلي في الزمن، مجده الالهي في هيئة الإنسان، محبّته رغم البغضة، قوّته وسط الضعف، ألوهيته في لباس إنسانيته، وحدته مع الآب رغم انفصاله عنه على الصليب، وحياته بعد الموت. فالمسيح بذاته هو مضمون إيمان التلاميذ. والرّوح القدس ثبتهم في مخلّصهم وفاديهم، فأصبحوا أعضاء في جسده الرّوحي. لم يبقوا طويلاً في مرحلة التصديق العقلي بل التصقوا به قلبيّاً، وهو ثبت فيهم روحيّاً. وهكذا أدركوا بفعل الرّوح القدس ألوهية المسيح المتجسّد.
ووجد التلاميذ في كيانه المثل لولادتهم الخاصّة. علماً انّه ليس إنسان عادي مولوداً مِن الرّوح القدس كيسوع. لكنّ حقيقة الرّوح المعزّي والحالّ فيهم، قادتهم للإيمان بكلمة يسوع القائل: المولود مِن الرّوح هو روح. فهذا الرّوح المبارك هو القوّة الإلهيّة في أجساد التلاميذ. وهو يأتينا بواسطة كلمات يسوع فقط.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك أعطيتنا كلمات أبيك وشهدت لنا باسم الآب وصدورك منه وألوهيتك المتجسّدة. نشكرك لأن كلماتك ممتلئة الحياة والقوّة والقدرة، ومسببة فينا حياتك. أنت الّذي صنعت فينا الإيمان والمعرفة. احفظنا في حياتك لأن بدون حفظك نرتدّ. أنت قوّتنا وإياك نحبّ ونعظّم مع الآب الّذي أعطانا إيّاك.
السؤال:
2- ماذا يعني إعلان اسم الآب بواسطة يسوع؟
17: 9 مِنْ أَجْلِهِمْ أَنَا أَسْأَلُ. لَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ الْعَالَمِ, بَلْ مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لأَنَّهُمْ لَكَ. 10 وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ, وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي, وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ.
صلّى المسيح لأجل كلّ مؤمن بالله الآب، قد اتحد مع الابن في العهد الأزلي. وللعجب فإنّ المسيح لم يصل في صلاته الوداعية لأجل العالم أجمع، لأنّ البشر رفضوا روح الربّ، واختاروا الدينونة تلقائيّاً. فمحبّة وعناية المسيح اهتمّت بكنيسة ومختاري أبيه. فلا نعرف مسيحيّة دوليّة عامّة جامعة كلّ البشر، لأن الكنيسة هي المختارة مِن كلّ الشعوب، مميّزة ومنقاة، باكورة ثمار موت المسيح.
إنّ يسوع يعتبر المؤمنين به أغلى ما في العالم، لأنّهم يعيشون إلى الأبد، ولا يزولون. كلّ العناصر في الدنيا تضمحلّ، أمّا المؤمنون فيبقون، لأنّهم أثمن وأمكن مِن الذهب واللآليء. إنّهم منشأون مِن روح الله العنصر الإلهي. فالآب السماوي يعتبرهم أولاد الخصوصيين، العائشين في العالم كغرباء.
لم يقصد المسيح حيازة خاصّة الله لنفسه، بل يشهد مرّة بعد المرّة، انّهم خاصّة أبيه، رغم انّ أباه أعطاهم إليه. فالابن ظلّ متواضعاً حتّى آخر حياته، وأخضع خاصّته في صلاته الوداعية للآب، ودفع إليه كلّ ما كان له. كما أنّ الآب أغدق على ابنه ملأه. فتخلّي الابن عن ذاته، جاوبه الآب بتسليم حكم العالم إليه، وخصوصاً حفظ المولودين ثانية. وهذا يفسّر لنا انّه لا حسد ولا بخل ولا روح امتلاك في الثّالوث الأقدس. الكلّ يعطي الكلّ للكلّ. فالثّالوث الأقدس هو الاشتراكية الحقّة. أو هل تعرف أحداً في العالم، يقول بفرح وتنفيذ، الكلمة الغريبة النادرة، كلّ ما هو لي فهو لك وما هو لك فهو لي؟!
واعترف المسيح انّه ممجد في المؤمنين به. ولكنّنا نحن سرعان ما نميل للنقد، ونقول انّ كنائسنا ضعيفة وعار للمسيح. أمّا هو فيرى أعمق مِن ذلك. فالآب برّرنا لأجل صليب المسيح حقّاً، وسكب روحه في المؤمنين بالابن. وهذا الانسكاب الرّوحي كان برهاناً لفعالية الصليب. فلم يمت المسيح باطلاً بل الرّوح القدس ينشيء لأجله ثماراً عديدة أبوية. وهكذا كلّ متجدد هو سبب لتجميد المسيح. ويسوع اعترف بهذا السرّ قبل موته مؤمناً بانتصاره.
17: 11 وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي الْعَالَمِ, وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي الْعَالَمِ, وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ, احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي, لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.
كان المسيح راجعاً إلى أبيه. وشهد متيقناً بتحقيق هذه العودة. مع انّ الخائن المتآمر أقبل عليه بفصيلة مِن الجند، ليوقعه في الشرك. ورأى المسيح عبر موته مجد الآب. فبصيرته كانت له حقيقية حتّى قال: لست أنا بعد في العالم، رغم انّه كان ما يزال في العالم. واعتبر يسوع العالم كنهر عريض، تتدفّق مياهه بسرعة متزايدة، ساقطة عند المنحدرات كشلاّل هائل بسقوط عظيم. أمّا المسيح فقد سبح ضدّ التيّار العام، وغلب الاتجاه البشري. وعلم انّ تلاميذه لا يجدون القوّة لمعارضة الشرّ أو غلبته. فطلب مِن أبيه السماوي أن يحفظ أحبّاءه في اسمه. واستخدم في دعائه العبارة الفريدة أيّها الآب القدّوس. فأمام شرور العالم الضخمة، شهد الابن بقداسة أبيه، الّذي هو بلا لوم ولا غش أو خطأ. إن الله الآب طاهر قدّوس بار كامل. وقداسته هي الرداء لمحبّته، بينما المجد هو بهاء أشعة المحبّة المكشوفة. فالله يغطي محبّته بواسطة قداسته المميتة، ضدّ الخطاة الغير التائبين والشيطان المتمرّد. فتظهر للمستكبرين الّذين لم يؤمنوا كدينونة وهلاك عادل.
وهكذا يكون اسم الله القدّوس ملجأ يجد التلاميذ فيه حفظاً مِن سلطة الشيطان المجرّب. فمَن يعش في المسيح يعش في الآب. والثابت في الابن ثابت في والده أيضاً. وأبوة الله تؤكّد لأولاده، انّه يحفظهم في عنايته وحمايته السامية. فلا يستطيع الشيطان أن يحفظهم مِن يد الآب. والشرط لبقائهم في حمايته هو عدم عيشهم في البغضة والخصام، بل غفران آثامهم بعضهم لبعض يوميّاً والحبّ المتبادل باستمرار. فهذه المحبّة لا تنبع مِن الإنسان تلقائيّاً. ولكن مَن يثبت في محبّة الثالوث الأقدس ينل القوّة والصبر لمحبّة الجميع. فالمسيح طلب مِن أبيه اثباتنا في شركة مع الآب، لنكون معه واحداً كما الابن واحد مع أبيه. وهذا القول ليس تحليلاً عقائديّاً ووصفاً نظريّاً لعلاقتنا بالله، بل طلبة يسوع الأخيرة، الّتي يستجيبها الآب حتماً. فليس إيماننا كبرياء وتصوفاً، إنّما هو ثمر صلاة يسوع وآلامه المريرة.
17: 12 حِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ فِي الْعَالَمِ كُنْتُ أَحْفَظُهُمْ فِي اسْمِكَ. الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي حَفِظْتُهُمْ, وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ. 13 أَمَّا الآنَ فَإِنِّي آتِي إِلَيْكَ. وَأَتَكَلَّمُ بِهَذَا فِي الْعَالَمِ لِيَكُونَ لَهُمْ فَرَحِي كَامِلاً فِيهِمْ.
حفظ يسوع بصبره وقدرته التلاميذ الاثنى عشر، المختلفي الأمزجة في اتباعه. وحفظهم بسلطانه مِن التجارب الشيطانية، كما قال لبطرس: انّ الشيطان قد طلبكم منّي. ولكنّي صليت لأجلك، لكيلا يفنى إيمانك. وهكذا يدوم إيماننا لأجل شفاعة يسوع كلّ يوم، فنخلص بالنّعمة فقط. وقدرة حفظ يسوع ترتدّ عن يهوذا لانفتاحه إلى روح الهلاك وامتناعه عمداً عن روح النّور. فأصبح ابن الهلاك عمليّاً. وعمل الله الخلاصي يتوقّف عند إرادة الإنسان الحرّ. فأبونا السماوي لا يجبر أحداً على قبول هبة التبني. وهو العليم بذات الصدور، ويعلن الحوادث الفاصلة مسبقاً، حتّى أن خيانة يهوذا كانت مسجلة كنبوة في التوراة مِن قبل ألف سنة لحدوثها. ولكن رغم هذه النبّوة يبقي يهوذا مسؤولاً لرفض حفظ المسيح له. وإلهنا العظيم ليس دكتاتوريّاً، لكنّه أب حكيم، ومِن صفات محبّته انّه يعطي لأولاده حرّية، كما الآباء الدنيويون يعطون لأولادهم البالغين الحرّية لتعلّم المسؤولية.
وعلم يسوع مسبقاً أثناء صلاته، كيف ينتهي يهوذا بالانتحار. وتألّم بآلام نفس الساقط المتدهور إلى جهنّم، لأنّه تاب بالدموع على حين جاءت توبته متأخّرة لا محلّ لها. فالارتداد ممكن، وبحصوله لا يستطيع الله في قداسته أن يخلّص المرتدّ، حتّى ولو تاب. لأنّه ذاق حلاوة قوّة الرّوح القدس في السابق، ثم رفض محبّة الله المنعمة عليه، وداس الصليب بقدميه حقداً وغيظاً، فباء بغضب كبير.
رأى يسوع طريقه إلى الآب، كسبيل مضاء منوّر وسط الظلمات. فلا شيطان ولا موت ولا خطيئة ولا غضب الله على خطايانا قدر أن يمنعه مِن دعوته إلى أبيه. لأنّ الابن كان دائماً قدّوساً. ولهذا السبب استقرّ الفرح في ذاته. ولم تنخز خطيئة ضميره بتاتاً. وما خيّم خوف على صلواته. الابن كان حراً ومحفوظاً في أبيه. واطاعه دائماً بفرح. فبقيت مسرّته عليه. إنّ إلهنا إله الفرح والسرور. وقد طلب يسوع مِن أبيه، أن تتغلغل هذه السعادة الإلهيّة مِن قلبه إلى صميم قلوب تلاميذه. ولم يرد أن يظل اتباعه حزانى، أو يفرحوا قليلاً، بل شاء أن يمتلئوا بالبغطة والتهلل، وان يحلّ فيهم فرح السماء كلّه، رغم عيشهم وسط تشاؤم العالم ويأسه. فالفرح لغفران خطايانا والشكر لثباتنا في عائلة الله، ليس إلاّ ثماراً لابتهال المسيح لأجلنا. الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك تشفّعت لأجلنا عند أبيك. ونحمدك لأنّك حفظتنا في الإيمان بواسطة ابتهالاتك لأجلنا. ونسبّحك لأنّ سرورك يحلّ فينا فرحاً، وتثبتنا في السعادة وسط الشقاء والموت. حضورك وحلول روح الآب فينا يمنحنا حياة وغنى روحيّاً وبهجة أزلية. نشكرك لصلواتك لأجلنا ونعيش مِن شفاعتك.
السؤال:
3- ماذا يعني حفظنا في اسم الآب؟
17: 14 أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كَلاَمَكَ, وَالْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ, كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ.
شهد المسيح في صلاته انّه قدّم لتلاميذه كلام الآب، معلناً لهم اسمه الأبوي ومعانيه. وبهذا الوحي أعلن لنا الثالوث الأقدس. فمَن يعرف الآب، فقد أدركه بواسطة الابن في قوّة الرّوح القدس. وهذا الإعلان العجيب المجيد لجوهر الله الحقيقي لمس التلاميذ، وحوّلهم وملأهم بالقوّة، حتّى أصبحوا أعضاء في جسد المسيح الرّوحي أبديين مقدّسين. ولأجل هذه الصفات والفضائل الرّوحية يبغضهم العالم، كما أبغض يسوع وأباده. المسيح كان طول عمره غريباً في دنيانا، رغم انّه كان إنساناً حقّاً مِن أم حقة. ولكن مع هذا الكيان البشري الأصيل، ما كان مِن العالم، لأنّ المولود مِن الرّوح هو روح. فروح الله يغلب الجسد الإنساني. ومع انّنا نحن البشر غير مولودين مِن الرّوح القدس بلا أب بشري، يعتبر المسيح ولادتنا الثانية الرّوحية الّتي أتت متأخّراً منه إلى حياتنا، انّها على نفس المستوى ككيانه، ويثق بقوّة روح أبيه، انّه يغلب إنسانيتنا الفاسدة. فروح النّعمة هذا هو الحياة الأبديّة. وكما أنّ مصدر المسيح كان مِن الله وحياته كامنة مِن الأزل إلى الحاضر وإلى الأبد، هكذا يكون كلّ مولود ثانية مِن الله أزليّاً أبديّاً سرمديّاً، لأنّ المسيح أشركنا في ملء حياته وحقوقه وقوته.
17: 15 لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ الْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ.
المسيح لم يختطف تلاميذه نحو السماء، ولم ينقلهم إلى العزلة، ليعيشوا في الخيال رغم انّ الضيقات والأخطاء تتراكم قدّامهم. والمسيح عرف الأرواح والمذاهب، الّتي في العالم متربصة على اتباعه. فطلب مِن أبيه أن يحفظ اتباعه مِن التأثيرات الشيطانية وأكاذيب البلاغة والأرواح الشرّيرة. فربنا يشفع فينا. فلا شيطان ولا موتاً مريراً يجد فينا سلطة أو حقّاً أو متمسّكاً. كلّ مؤمن يعيش في رحابه مضموناً مختوباً محفوظاً. إنّ دم المسيح يحمينا، ولأجل ذبيحة الابن يكون الله معنا. وليس أحد يستطيع الشكاية علينا أو اهلاكنا. لقد أصبحنا أبراراً أبديين محمولين بنعمة القدّوس. إلاّ إذا عصينا وتمسكنا بميولنا إلى خطايا معينة، فإنّ أبانا يتركنا لنسقط إلى التجربة، لكي يظهر ويتبلور الشرّ الساكن فينا إلى عيب مكشوف، حتّى نفزع ونتوب بالدموع، صارخين: أيّها الآب لا تدخلنا في تجربة، بل نجّنا مِن الشرّير. فمَن يحاول أن يكافح ضدّ الشيطان والموت في قوّته الخاصّة وجرأته البشريّة يغرّ نفسه غروراً كبيراً. فالتجئوا إلى دم المسيح وشفاعته فهو مخلّصنا الوحيد.
17: 16 لَيْسُوا مِنَ الْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ الْعَالَمِ. 17 قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كَلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ.
ردّد يسوع في صلاته شهادته عن تلاميذه، انّهم ليسوا صادرين مِن العالم الشرّير، رغم انّهم حسب الجسد منه. وكانوا أشراراً ككلّ النّاس. وبقوا أردياء لولا حفظهم بنعمة الله. ولكن بما انّ سلطان الرّوح القدس عامل فيهم، فقد انصبّت فيهم الآخرة، ولم يعودوا صادرين مِن العالم. وقد حرّرهم دم المسيح شرعيّاً مِن سجن الشرّير، فأصبحوا أجانب في دنيانا وأهلاً للسماء. وفي كيان هؤلاء المؤمنين المتكوّن مِن جسد وروح تنشب المصارعة بين هذين العنصرين طوال الحياة بلا رحمة ولا توقف. فالرّوح القدس يحزن إن أحبّبنا أنفسنا وأعمالنا وعائلاتنا الخاصّة أكثر مِن النّاس. فكلّ ارضاء لأنفسنا بطريقة جنسيّة نجسة تدمي ضمائرنا بشوكة جارحة. وكلّ كذب مراء خادع يحرق صميم ذاكرتنا كقضيب محمى. وروح الله لا يسمح لك أن تمتلك في بيتك مسروقات، مهما غلت أو بخست أثمانها. ولأن جرحت إنساناً بإهانة أو عمل شرس، فالرّوح الحقّ يدفعك لتذهب إليه مستغفراً، لأنّ هذا الرّوح القدّوس يكشف كلّ ظلم وخداع وأعوجاج في حياتك، ويدينك مميتاً كبرياءك. وطلب المسيح إلى أبيه أن يقدّسنا، لأن غير القدّوس لا يستطيع تقديس ذاته. وهذا التقديس الإلهي يتمّ بجذبنا إلى حقيقته الخاصّة. وبمقدار ادراكنا محبّة الآب وثباتنا في نعمة الابن وعيشنا في قوّة الرّوح نتقدس. فحضور الله في حياتنا يؤثّر بنا. والرّبّ نفسه يحقّق هدفه فينا: كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس. إنّ دم المصلوب قدّسنا مرّة واحدة إلى الأبد. كما أنّ الرّوح القدس الحال فينا ليس ناقصاً في ذاته. فإيمانك بطبيعة الثالوث الأقدس يقدسك إلى التمام.
وهذا التقديس مِن قبل الله لا يتمّ بسحر أو تخيّلات، بل بواسطة التعمّق في كلمته، فالإنجيل هو ينبوع تطهيرنا ومصدر اطاعتنا. وكلام المسيح يرشدنا للإيمان، وانكار النفس، والمحبّة الباذلة، وحبّ التسبيح لنستحق القدوم إلى الله بلا مانع. فمِن الإنجيل وحده تصدر القوى التقديسية. افتح قلبك لكلمة أبيك، فلا تصبح ناموسيّاً تحت الكابوس، بل أبويّاً ممتليء الجودة والحقّ والتسامح والبِرّ. فالله محبّة ومَن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه.
17: 18 كَمَا أَرْسَلْتَنِي إِلَى الْعَالَمِ أَرْسَلْتُهُمْ أَنَا إِلَى الْعَالَمِ.
بعدما صلّى يسوع لأجل تلاميذه طالباً تقديس حياتهم تماماً، ذلك التقديس الّذي يسبّب عداوة العالم لهم، أرسلهم مجدداً في وسط الأشرار. لقد خلّصنا باديء ذي بدء مِن العالم لتقديس حياتنا. وبعدئذ أرسلنا إلى العالم لخلاص كثيرين وتقديسهم. فليست الكنيسة جماعة مسترخية مقتعدة تروي نفسها بكلمات تقيّة وأحكام ناموسية، إنّما هي شركة الحركة، المهاجمة في الإيمان حصون الشيطان والقاصدة بصلواتها المواظبة هداية الضّالين. والمنادية بملكوت الآب وتحقيق مشيئته التبشيرية على الأرض. فهل أدركت صلاة المسيح لأجل التبشير؟
يسوع يكرمك ويرسلك إلى تبشير الضّالين، تماماً كما الآب أرسله. فالهدف واحد والتجهيز أيضاً، لأنّه لا يمنحك إلاّ الإعلانات عن حقيقة الله في المسيح. إنّ يسوع يدعوك للخدمة الفعليّة لا للجلوس والوهم. وروحه القدّوس قوتك.
17: 19 وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي, لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ.
وعرف المسيح انّه ليس أحد مِن تلاميذه مقتدر للتبشير والحرب الرّوحية. وإنّ الجميع سيسقطون بجروح مميتة في قلوبهم وضمائرهم، إلاّ أن تحيطهم قداسة الله وقدرته. ولهذا السبب جعل الابن ذاته ذبيحة وقدّس نفسه رغم انّه كان قدّوساً دائماً. وأتمّ بموته كلّ مطاليب القداسة، حتّى تطفأ شكاوى الشيطان بإيماننا في دم المسيح. فلأجل هذا الموت الكفاري استطاع التلاميذ نيل الرّوح القدس، الّذي جعلهم آنية لقوى الله، شهوداً ليسوع مبشرين باسمه. وهكذا تحرّروا مِن الحيل وتنظفت شفاههم مِن سموم الخداع. وصارت لهم الجرأة ألاّ ينكروا الحقيقة، وان يكشفوا الخطايا، ولو سبّبوا بتلك الصراحة أوجاعاً في ضمائر النّاس لخلاصهم كلّيّاً. فهذا الكفاح ضدّ الكذب والدعارة والكبرياء لا يتمّ إلاّ بحماية دم المسيح وقوّة شفاعته. فنحن متعلّقون به أكثر مما ندرك.
الصّلاة: نقبّل رجليك أيّها الرّبّ يسوع، لأنّنا غير مستحقين أن ترسلنا إلى الخدمة. اغفر لنا البغضة المؤجّجة في قلوبنا والظلم والأكاذيب والكبرياء. نحن في طبيعتنا أشرار تماماً، وأنت قدّوس حقّاً. ونؤمن إنّ محبّتك غلبت جسدنا، وقد حلّلت فينا بروجك القدسي. احفظنا مِن مكر الشيطان وسلطته. وفسّر لنا الإنجيل في كلّ النواحي والتفاصيل، لكي تقدّسنا كلماتك فعلاً، ونعيش بما نبشّر به العالم.
السؤال:
4-كيف طلب يسوع مِن أبيه حفظنا مِن الشرّ وتثبيتنا في شراكة الله؟
- ابتهال يسوع لأجل وحدة الكنيسة
الثابتة في محبّة الثالوث الأقدس
(17: 20- 26)
17: 20 وَلَسْتُ أَسْأَلُ مِنْ أَجْلِ هَؤُلاَءِ فَقَطْ, بَلْ أَيْضاً مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلاَمِهِمْ, 21 لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً, كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ, لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا, لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.
قبيل تسليمه إلى الصلب ثبَّت المسيح تلاميذه في محبّة الآب وقوّة الرّوح القدس، طالباً مِن أبيه حفظهم مِن الشرّير وتقديسهم بكلمة الإنجيل. وبعدما تيقن أنّ أباه استجاب صلاته لأجل رسله ورسّخ أساس كنيسته نظر إلى المستقبل البعيد، فرأى جماهير كثيرة مِن المؤمنين نابعين مِن كلمات رسله. لقد جذبتهم صورة المصلوب المنتصر على الموت والشّيطان والخطيئة. وبثقتهم بالمسيح الحي نزل الرّوح القدس في قلوبهم، حتّى اشتركوا بنعمة الحياة الإلهيّة ومحبّتها. فبإيمانهم اتّحدوا مع الآب والابن اتحاداً أبديّاً.
وصلّى المسيح لأجل هؤلاء المؤمنين، الّذين آمنوا على يد الرسل. وللعجب فانّه لَمّا صلّى لأجلهم لم يكونوا قد وجدوا بعد؟ وكلماته البرهان الثابت على انّه صلّى لأجلنا أيضاً، لأنّنا مِن الّذين كان إيمانهم على أساس شهادة الرسل. فما هو مضمون طلبته لأجلنا؟ هل صلّى لدوام صحّتنا، ووفرة أموالنا، ونجاح مستقبلنا، والحياة الأبديّة والإيمان؟ لا. إنّما طلب مِن أبيه لأجلنا التواضع والمحبّة، لنصبح نحن مع جميع المسيحيين المخلّصين وحدة أبديّة، ولا نفكّر انّنا أفضل مِن غيرنا أو انّنا لا نستطيع احتمال تصرفات الآخرين بعد الآن.
فإنّ هدف المسيح هو وحدة كلّ المؤمنين، لأنّ الكنيسة المنشقّة هي مضادة لذاتها. ولا يستثنى مؤمن ولا كنيسة واحدة مِن هذه الوحدة للمولودين ثانية. ولكن هذا الاتحاد الّذي طلبه يسوع، ليس مبنيّاً على تدبير كنسي، بل هو ارتباط روحي في الصّلاة والرّوح والقوّة قبل كلّ شيء، كما أن الله في ذاته واحد. وقد طلب المسيح مِن أبيه ادخال كلّ المؤمنين بدون استثناء إلى شركة الثالوث الأقدس، لنكون جميعاً فيه محفوظين. وللعجب فالمسيح لم يصلّ إلى أبيه: ليكونوا واحداً فيّ أو فيك بل “فينا”. وبهذه الكلمة يعني وحدته الكاملة الخاصّة بينه وبين أبيه في الرّوح القدس. فلا تخفض مِن هدف محبّة الله إلى أوطأ مما طلبه يسوع لأجلك! انّه يشاء أن يرفعك لمستواه، لأنّ خارج شركة محبّة الثالوث الأقدس لا يوجد إلاّ جهنّم.
وغاية تثبيتنا في وحدة الله ليست إرضاء أنفسنا بتمتّع روحي، لكن لنشهد بسلوكنا أمام النّاس، الّذين يعيشون بعيدين عن الله، ليدركوا انهم أموات في ضمائرهم وأشرار في استكبارهم وعبيد شهواتهم فيتوبوا ويرجعوا إلى مخلّصهم الّذي يخلّصهم برحمته. أمّا أنت يا أيّها المتعلق بالآب والابن والرّوح القدس، فتنال القوّة للتواضع والمحبّة في الحرّية الرّوحية حتّى تحبّ كلّ المؤمنين على سطح الأرض، وتفرح بوجودهم، وتصبح معهم شهادة غالبة عن محبّة المسيح العظمى. فكلّنا دلائل على ألوهية الإنسان يسوع. فلو كان كلّ المسيحيّين مسيحيّين مخلّصين، لَمّا بقي في العالم غير مسيحيّين، بل لجذبت محبّتهم وسلامهم كلّ النّاس وغيّرتهم. فليتنا نتمّم طلبة يسوع ونتّحد معاً! فهل تريد أن تظلّ سبباً لعدم إيمان النّاس بالمسيح، لأجل عدم اتحادك مع كلّ المؤمنين واشتراكك في تشقّق الكنيسة وظهورها منقسمة، كأنما جسد المسيح متقطع إرباً؟
17: 22 وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي, لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ. 23 أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ, وَلِيَعْلَمَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي, وَأَحْبَبْتَهُمْ كَمَا أَحْبَبْتَنِي.
ما هو مجد يسوع؟ أبهاء أشعته أو نور جلاله؟ لا. إنّ مجده مخبوء، لندرك جوهر مجد الله الحقيقي، ألا وهو تواضعه ووداعته ومحبّته وطهارته ورحمته وصبره ولطفه. كلّ فضيلة مِن فضائل الرّوح القدس هذه هي شعاع لمجده. ولأن قال يوحنّا البشير “ورأينا مجده” فلم يقصد التجلي على الجبل العالي، ولا قيامة المسيح لوحده، بل مذوده الحقير وصليبه المرير. وفي هذا الاتضاع ظهر مجد محبّة الله بكلّ بيان، إذ أخلى الابن مجده الظاهر، وتمثّل أمامنا لبّ جلاله في هيئة الإنسان. وهذا المجد الجوهري منحه المسيح لنا. فروح الآب والابن حلّ فينا. وعند مجيء المسيح سيظهر هذا الرّوح كبهاء مجيد، لأنّ هذا المنظر ليس إلاّ تابعاً لنار المحبّة في قلب المؤمن الحقّ. افرأيت مرّة شعلة ملتهبة؟ فانك قد شاهدتها بواسطة أشعتها الواصلة إلى عينيك. أمّا حقيقة النار واحتراقها الكيمائي فهو يتفاعل ضمنها. هكذا تكون المحبّة في الثالوث الأقدس سبباً لأشعّة مجده. فليس بهاء وبريق المجد هو المهم، بل المحبّة الكامنة فيه. وهكذا منحنا المسيح المحبّة الّتي هي رباط الكمال. وغاية هذا الامتياز المعطى لنا ليس الأبهة واظهار الذّات، بل لنخضع في الوحدة للخدمة، ونجتمع لخدمات مشتركة، ونقصد اكرام الآخرين. وبهذه المبادىء الرّوحية طلب يسوع مِن أبيه نفس الشركة والوحدة، الّتي تعمّ ضمن الثالوث الأقدس ليسبغها علينا. فمحبّة الله هي مقياس الكنيسة وهدفها. وهو بنفسه يجبلنا إلى صورته الأزلية. ليس إلهنا صنماً متصلباً، بل وحدة مثلثة وثالوث موحد. فالآب في الابن، والابن في الآب. ولم يرتض المسيح أن يحلّ فينا منفرداً، بل يزورنا في الشركة مع أبيه، ويثبت في المؤمنين إلى الأبد. وحقّاً الله في ملئه يسكن في كنيسته، الّتي سماها بولس “ملء الله” (أفسس 1: 23 وكولوسي 2: 9). أوليس عندك الجرأة لتنطق بما اعترف به بولس في كلمته وفي الجزء الأخير منها حيث قال “في المسيح يحلّ كلّ ملء اللاهوت جسديّاً، وأنتم مملؤون فيه”. وهذه الشهادة الرسولية هي البرهان لاستجابة صلوات يسوع قبل موته. فنسجد للرب ونشكره، لأنّه لا يزدرينا نحن المساكين المذنبين، بل طهّرنا وقدّسنا وتوحّد معنا لنعيش بحياته الإلهيّة.
لقد آمن يسوع مسبقاً باكمالنا في المحبّة والتواضع، لنحبّ ونحترم بعضنا بعضاً، ونفضل احتمال الظلم مِن عمله. وما طلب يسوع منا الكمال في الغنى والقدرة والحكمة والمجد، بل في الرحمة والمحبّة واللطف. إن الحنان والرثاء والتسامح كان هدفه الأوّل لَمّا قال: كونوا كاملين كما أنّ أباكم في السماء هو كامل. وهذا الأمر كان خلاصة تفسيره لمحبّة الأعداء. لكن في صلاته الشفاعيّة قصد يسوع درجة عليا في الكمال، الوحدة الرّوحية في الكنيسة وبينها وبين الله. فما أرشدنا الرّوح القدس للانطوائية ولا الانعزالية، بل إلى شركة القديسين، لأن الوحدة الثالوثية المقدّسة هي قدوتنا لا غيرها. ونحن لا نمثل صورة الله في العالم إلاّ إذا كنّا واحداً. ولأن كان الفرد في العهد القديم حاملاً صورة الله بمفرده، فأولى بالكنيسة في العهد الجديد أن تكون هي مع كلّ أعضائها مظهرة لصورة واحدة الثالوث الأقدس. فكلّ خلاف أو خصام أو استكبار في الكنيسة هو الخطيئة الأصلية.
وبانسجامهم ضمن الكنيسة يدرك الدنيويون انّنا آتون مِن الله. فيبتدئون عند ذلك معرفة أنّ الله محبّة. فليست الكلمات ولا التفاسير الطويلة هي الّتي تخلق الإيمان وحدها، بل صورة التضحية المستمرّة والشركة الباذلة في المحبّة. والفرح في اجتماع أولاد الله يتكلّم بصوت عال أفضل مِن عظات طويلة. فمحبّتنا هي مرآة محبّة المسيح. هل أنتم قلب ونفس واحدة في اجتماعاتكم، كما لحم الرّوح القدس الكنيسة الأصلية في اورشليم إلى وحدة روحية حقة فتلك كانت الثمرة الأصليّة لصلاة يسوع الشفاعيّة.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع نشكرك، لأنّك أرشدتنا نحن غير المستحقين إلى الإيمان بك. وجعلتنا بشهادة محبّتك عبيداً لك وأمناء. ونسجد لك لأنّك طهّرتنا وأهلتنا لنصبح أعضاء في جسدك الرّوحي، واثبتنا في محبّة الثالوث القدّوس. نعظمك ونحمدك ونسبّحك ونلتمس منك القوّة لنعيش في كنائسنا كوحدة عملية حيّة. علّمنا التواضع بلا رياء، لكيلا ندافع عن كرامتنا المتخيلّة، إنّما لنسعى معاً، حتّى لا يخفض شيء ما فرحك الموهوب لنا.
السؤال:
5- ما الّذي طلبه يسوع مِن أبيه لأجلنا؟
17: 24 أَيُّهَا الآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا, لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي, لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ.
سمّى يسوع الله أباً ستّ مرّات في صلاته الكهنوتية. ومرّة واحدة الاله الحقيقي. وبهذا الاسم الفريد عبّر عن صميم إيمانه واشتياقه إلى الآب. لأنّه كان واحداً معه في جوهر واحد، لكنّه أخلى جلاله وتواضع جداً لأجل فدائنا. ولم يرد أن يكون مهمّاً أو يملك شيئاً. فاستخدم ثلاث عشرة مرّة في صلاته العبارة الغريبة “أعطيتني”. فالابن سمّى كلّ النّاس واتباعه وكلماته وأعماله وسلطانه ومجده هبة الله إليه، كأنّه ما كان مالكها مِن الأوّل، بل كان مفرغاً نفسه، متخليّاً عن كلّ شيء، وخاضعاً لأبيه ذي الجلال والاكرام. فهذا التواضع ضمن الانسجام المستمرّ، حتّى طبّق الابن إرادة الآب وأفكاره ومقاصده بالتمام.
ولأجل هذا الخضوع المطلق كان له الحقّ أن يقول في صلاته بلا عناد: “أريد”. فما هي يا ترى إرادة ابن الله البارزة؟ انّه يشاء ويعزم أنّ كلّ اتباعه في كلّ الأزمنة والشعوب يكونون معه حيث يكون هو. وهكذا شهد بولس، انّه قد صُلب مع المسيح، ومات به، ودُفن معه، وقام في قيامته، وجلس عنده في السماوات، ليرى غنى نعمة الله الفائقة بلطف المسيح يسوع. (رومية 6: 1- 11، وأفسس 2: 4- 7).
إنّ وحدتنا مع المسيح ليست محصورة في آلامه ومحبّته بل شاملة مجده أيضاً. ويشاء بكلّ تأكيد
أن نعاين مجده بوجه مكشوف ونمكث برفقته إلى الأبد. وكلّ الرسل يعرفون هذا الهدف لرجائنا، معترفين لنا به. فسنفرح بقرح أبدي لا ينطق به إذ نراه كما هو. وسنعكس مجده متغيرين إليه، لأنّ شرط بهاء هذا المجد قد أعطي لنا في انسكاب محبّة الله إلى قلوبنا (رومية 5: 5 و8: 29). فالمسيح منحنا مجده كما كان مجيداً وهو في هيئة الإنسان الحقير. وأدرك الرسل في حضوره أنّ مجده يصدر مِن محبّته الثابتة بينه وبين الآب مِن قبل تأسيس العالم. فهذا الكيان في الثالوث الأقدس هو مصدر كوننا وفدائنا.
17: 25 أَيُّهَا الآبُ الْبَارُّ, إِنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَعْرِفْكَ, أَمَّا أَنَا فَعَرَفْتُكَ, وَهَؤُلاَءِ عَرَفُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي.
إنّ الله يثبت باراً عادلاً، حتّى ولو لم يدركه العالم. والآب يكون في كلّ جوهره قدّوساً. فلا يوجد فيه ظلم. ومَن اختبر محبّة الله في المسيح يعلم أن ليس الحقّ على الله إن لم يؤمن كلّ النّاس بالابن ولا يدركون خلاصه. وحيث يسلم الإنسان بإرادته الشرّيرة مذعناً للروح الشرّير، فإنّه لا يعود قادراً على ادراك أسرار الثالوث الأقدس.
وأمّا المسيح فعرف أباه منذ الأزل، لأنّ الابن قابل والده وجهاً لوجه. فكلّ صفاته وفضائله واسمائه ومقاصده وقواه معروفة للابن. فلا يخفى عليه شيء مِن أعماق اللاهوت. وكلّ الّذين قبلوا الابن أعطاهم السلطان أن يصيروا أولاد الله، وأعلن لهم سرّ أبوّة الله، وان محبّته جعلتهم أبناءه وبناته. وهؤلاء المتجدّدون أدركوا اتيان المسيح مِن الله، الّذي ما كان نبيّاً ولا رسولاً كالأنبياء والرسل، بل إلهاً حقّاً مِن إله حقّ. وقد حضر فيه ملء اللاهوت جسديّاً. فالرّوح القدس ينيرنا لنرى ألوهية يسوع في إنسانيته، لنصبح واحداً معه وأباه الّذي أرسله إلينا، ليكون همزة الوصل بينه وبين النّاس.
17: 26 وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ, لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ, وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ.
ولقد علّمنا المسيح أفكاراً كثيرة. وخلاصة كلّ تعليمه وقواه قدّمها لنا في إعلانه اسم الآب ظاهراً. وأوضح بيان لهذا الاسم الأبوي نراه في الصليب، حيث ضحّى الآب لأجلنا نحن المجرمين بأبنه القدّوس ذبيحاً، لكي ننال حصّته في حقوقه البنوية حقّاً صحيحاً. وفي قيامته أبرقت المحبّة الأبوية الّتي ارادت احتضان ولدها المطيع. وعندما حلّ الرّوح القدس علينا نحن الفانين، انفجر مِن قلوبنا النداء “يا أبا الآب”. فالصّلاة الربّانية هي أم كلّ الصلوات، لأنّها تمجّد الآب وملكوته وإرادته.
وإنّنا لمدركون أبا ربّنا يسوع المسيح، بمقدار ما تحلّ المحبّة الثابتة بين الآب والابن فينا. وانّنا لنكاد لا نجرؤ ان نتلفظ بما قاله يسوع، انه يجعلنا أعضاء في الثالوث القدّوس. ولكنّه طلب مِن أبيه أن ينشيء فينا ملء محبّته، الّتي أحبّ بها ابنه الوحيد. وليس ذات الآب يحلّ فينا فقط، بل يسوع شخصيّاً يريد الثبوت فينا أيضاً. وهكذا طلب في صلاته الشفاعية حلول ملء الله في الكنيسة، كما اعترف يوحنّا في رسالته: انّ الله محبّة ومَن يثبت في المحبّة يثبت في الله والله فيه.
السؤال:
- ما هي خلاصة الصّلاة الكهنوتية ليسوع؟
إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ
َطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ.
(وعد عظيم من يسوع حسب البشير يوحنّا 15: 7)
الجزء الرابع
النّور يغلب الظلمة
(18: 1- 21: 25)
أوّلاً: الحوادث مِن القبض
على يسوع حتّى دفنه
(18: 1- 19: 42)
1- القبض على يسوع في البستان
(18: 1- 12)
18: 1 قَالَ يَسُوعُ هَذَا وَخَرَجَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى عَبْرِ وَادِي قَدْرُونَ, حَيْثُ كَانَ بُسْتَانٌ دَخَلَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ. 2 وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ يَعْرِفُ الْمَوْضِعَ, لأَنَّ يَسُوعَ اجْتَمَعَ هُنَاكَ كَثِيراً مَعَ تَلاَمِيذِهِ. 3 فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّاماً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ, وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ.
تكلّم يسوع مع أبيه مصليّاً، واستودع بين يديه نفسه ورسله وجميع اتباعه عبر القرون. وبهذه الصّلاة الشفاعيّة أكمل كلّ أقواله وخدماته وصلواته. وبعدئذ دخل إلى مرحلة جديدة مِن حياته في الآلام والضيقات، ليتمّم وظيفته كحمل الله رافع خطيئة العالم. ودخل يسوع إلى بستان مسوّر بسور على جبل الزيتون عبر وادي قدرون، حيث كانت هنالك معصرة زيتون على الأغلب. وهذا البستان كان المخبأ والمأمن الّذي لجأ إليه الرّبّ مع تلاميذه، والّذي كثيراً ما أوى إليه مِن قبل ونام فيه ليس على أسرّة ونمارق، بل على التراب كالغزاة المتشرّدين والمغيرين. وكان يهوذا على علم بهذا المخبأ أيضاً. فأخبر رؤساء الكهنة بمكمن يسوع واختبائه فيه. ففرحوا جداً وجمعوا رأساً حرّاس الهيكل وممثّلي الناموسيين (الشريعيين). وما كان لهم الحقّ بالخروج مسلحين ليلاً إلاّ بموافقة القوّة الاستعمارية الرومانية. فأعلموا الوالي بقصدهم. وعند ذاك أرسل معهم فرقة مِن الجيش للحيلولة ضدّ كلّ مقاومة مِن يسوع واتباعه إذا لجأوا للعنف عند القبض عليهم. ولم يكتف رؤساء المجلس الديني بأنّ يهوذا أخبرهم عن مكان الربّ، إنّما أجبروه أن يقود بنفسه الحملة سرّاً للقبض على المسيح لكيلا يستطيع هرباً مِن الأرض. وهكذا لم يكن يهوذا خائناً فقط بل مسلّماً يسوع لأعدائه أيضاً. وحاشا لله أن يتخذ لابنه ويشبهه بصورة الخائن أو يشبه الخائن به. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
18: 4 فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ, وَقَالَ لَهُمْ, مَنْ تَطْلُبُونَ. 5 أَجَابُوهُ, يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ. قَالَ لَهُمْ, أَنَا هُوَ. وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. 6 فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ, إِنِّي أَنَا هُوَ رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ.
لا ندري بأيّ طريقة تسرّب المهاجمون إلى البستان. لعلّهم تسوّروا المكان واضاؤوا كثيراً مِن المشاعل، حتّى يروه إن فكّر في الهرب. وكان يسوع آنذاك مستغرقاً في صلاته، وتلاميذه نيام. وفي صلاته أبصر الفرقة المقبلة عليه والخائن يمرقون نحوه تقدّماً. وما هرب رغم بصيرته عمّا سيحدث له مِن محاكمة ظالمة وعذاب مرير وموت. فيسوع كان راعيّاً في الرّوح القدس ومطيعاً لأبيه. وقام وخرج مِن البستان وأسلم نفسه للقادمين بجلالة وكرامة فائقة. فليس يهوذا هو مسلّمه بالحقيقة، بل الربّ هو بنفسه سلّم ذاته.
وسأل أعداءه مَن يطلبون. فلَمّا تلفّظوا باسمه، جاوبهم بالعبارة الإلهيّة : “أنا هو”. فمَن كان له أذن روحي، أدرك رأساً أنّ في يسوع وقف الله أمام النّاس، قائلاً لهم كما لموسى في العليقة: اني أنا هو. هل تريدون حقّاً أن تقتلوا ربّكم وإلهكم، مخلّصكم وراحمكم؟ انّي أنا هو. انتبهوا واحذروا ما تعملونه. أنا الخالق والفادي الّذي يقف قدّامكم. لا تكونوا أغبياء عمياناً جهلاء. انّي أنا الله الحقيقي، ألا تعرفونني؟
وكان يهوذا واقفاً بجانب الجند ويسوع أثناء المباحثة. وسمع هذه الكلمة الدائنة كمسمار ناري في قلبه. وهذه آخر مرّة يذكر فيها إنجيل يوحنّا هذا الخائن. وما ذكر تقبيله المسيح، ولا كيف انتحر، لأنّ يوحنّا لم يهتمّ بيهوذا الخبيث، بل أراد أن يرسم أمامنا يسوع الّذي تقدّم بعزم إلى أعدائه، وأعلن ألوهيته في العبارة أنّي أنا هو. وهذا التسليم الطوعي الوديع كان كسيف طاعن في قلب يهوذا. فالربّ لم يكافح، ولم ينتزع السلطة بالقوّة إلى نفسه، بل أعلن ذاته إلهاً مستعدّاً للآلام والموت. عندئذ انصدم يهوذا بعقله ككهرباء محترق. وكذلك الخدّام كانوا مرتعبين مِن جلال يسوع. وكانوا متهيئين للمصارعة والقتال والكفاح للقبض على المتّهم. ولكن ها هوذا متقدّم إليهم بلباسه كرئيس الكهنة يوم التكفير العظيم، قائلاً أنا هو المطلوب. فتراجعوا منشدهين، ومصطدمين بالّذين خلفهم. فوقعوا معاً أرضاً. وكان ليسوع الفرصة أن يتجاوزهم بسهولة. لكنّه ظلّ واقفاً أمام المتساقطين.
18: 7 فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً, مَنْ تَطْلُبُونَ. فَقَالُوا, يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ. 8 أَجَابَ, قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعَوْا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ. 9 لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ, إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداً.
لفت المسيح أنظار مهاجميه إلى نفسه. فبعضهم كان يهمّ بدخول البستان للقبض على التلاميذ. فوقف يسوع أمام اتباعه لحمايتهم، وقدّم صدره نحو المهاجمين مسلماً ذاته. فهو كان الرّاعي الصّالح الّذي وضع نفسه عن الخراف. فالذئب المنقض افترس الراعي الّذي حامى عن الخراف. وأمر يسوع الجند، كأنه ضابط، ان يتركوا اتباعه. فجلاله زعزع المسؤولين وأثّر عليهم حتّى انّهم اطاعوه وجلين. ومرّة أخرى بشّرهم يسوع بشهادته العظيمة: اني أنا هو، كأنّه قائل أنا هو خبز الحياة، أنا هو نور العالم، أنا هو الباب المؤدّي إلى الله، أنا هو الرّاعي الصّالح، أنا هو الطريق والحقّ والحياة والقيامة، أنا هو المخلّص والمعين الوحيد. في هيئتي الإنسانية الله واقف أمامكم. فيسوع أعلن في آخر لحظة مِن حرّيته مكرّراً مجده جليّاً بهيّاً. واسم يسوع رفضه اليهود. لم يريدوا الناصري المتواضع الّذي مِن الناصرة مسيحاً لهم.
18: 10 ثُمَّ إِنَّ سِمْعَانَ بُطْرُسَ كَانَ مَعَهُ سَيْفٌ, فَاسْتَلَّهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ, فَقَطَعَ أُذُنَهُ الْيُمْنَى. وَكَانَ اسْمُ الْعَبْدِ مَلْخُسَ. 11 فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ, اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ. الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟
لم يكن بطرس فاهماً ربّه، ولا سامعاً لكلمته. كان نائماً فاستيقظ، وهو ما زال نعساً، وشاهد الجند. فتضايق وغضب واستلّ سيفه الّذي كان قد سمح له الربّ بحمله، ورفعه على المهاجمين وضرب به، بدون أن يتلقى أمراً مِن المسيح بالقتال. وهكذا تسرّع بالضّرب والمدافعة باسمه الخاص. فأصابت ضربته عبد رئيس الكهنة، الّذي لربّما كان مقبلاً لتقييد يسوع لينال بعدئذ جائزة مِن سيّده. فقطعت أذنه. وفي إنجيل يوحنّا وحده نقرأ أنّ بطرس هو الضارب. أمّا الأناجيل الأخرى فما ذكرت مَن هو الّذي ضرب طيلة حياة بطرس خيفة عليه مِن الحكومة. ولَمّا كتب يوحنّا إنجيله كان بطرس قد مات مستشهداً منذ زمن. ولم يذكر يوحنّا شفاء الأذن المقطوعة، لأنّ عمل النّعمة هذا الأخير كان معروفاً في الكنائس. وأبرز يوحنّا شاهد العيان أمر يسوع إلى مقدام تلاميذه أن يردّ سيفه بسرعة إلى غمده، لكيلا تسفك الدماء، فسيقضى على تلاميذه الخالين مِن السلاح.
وبعدئذ تكلّم الربّ إلى تلاميذه عن كأس غضب الله الّذي قبله أثناء صلاته. فنقرأ هنا بطريقة غير مباشرة الصراع الرّوحي الّذي بذله الربّ في صلواته في الجنينة قبل انقضاض الخائن وفرقته. ونرى أنّ يسوع أصبح مستعداً للتألّم في غضب الله، متحمّلاً كلّ الدينونة في شخصه والموت لأجلنا. والمرعب في الأمر أن كأس الغضب لا يأتي ليسوع مصادفة بل يتناوله مِن يد أبيه. فيأخذ مِن الأعزّ والأحبّ ما يكون الأكثر مرارة وكرها. ولا يقدر على حمل ذلك واحتماله إلاّ المحبّة، لأن الآب والابن واحد في انسجام لفداء البشر. هكذا أحبّ الله العالم حتّى بذل ابنه الوحيد.
الصّلاة: أيّها الآب نسجد لك، لأجل محبّتك الفائقة الادراك. قد بذلت ابنك لأجلنا. فنسجد لك أيّها الابن، لأجل رحمتك وجلالك واستعدادك للموت. ما هربت مِن البستان، بل حميت تلاميذك، وسلّمت نفسك للعدوّ. فنشكرك لإنكار نفسك ولطفك واستقامتك ولإعلان ألوهيتك الكاملة.
السؤال: 7- ماذا يعني إعلان يسوع ذاته لأعدائه أمام باب البستان؟
18: 12 ثُمَّ إِنَّ الْجُنْدَ وَالْقَائِدَ وَخُدَّامَ الْيَهُودِ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ, 13 وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حَنَّانَ أَوَّلاً, لأَنَّهُ كَانَ حَمَا قَيَافَا الَّذِي كَانَ رَئِيساً لِلْكَهَنَةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ. 14 وَكَانَ قَيَافَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى الْيَهُودِ أَنَّهُ خَيْرٌ أَنْ يَمُوتَ إِنْسَانٌ وَاحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ.
لم يقبض اليهود لوحدهم على يسوع، بل الضابط الروماني تقدّم بجنده إلى ابن الله، بعدما ولّى التلاميذ هرباً. والمسيح الّذي هو الرّبّ على الموت والشياطين، وهدأ العاصفة وشفى المرضى وغفر الذنوب، احتمل القيود وديعاً. فالحرّ أصبح أسيراً، والربّ صار مربوطاً مقيّداً. فنحن سبب ذلك بخطايانا القبيحة. وتقييد يسوع يعني احدى الدرجات المرة نحو اتضاعه إلى الدرجة السفلى على الصليب.
وكان حنان رئيس الكهنة مِن سنة 6 إلى 15 م، واختير لهذا المنصب طول حياته. ولكنّ السلطة الاستعمارية نحت هذا الرجل المشاكس عن كرسيه. وبعده عزلوا أيضاً أبناءه الخمسة بالتتابع، الّذين كانوا مثله مشاكسة وتحريضاً. وأخيراً وجدوا قيافا الثعلب صهر حنان المحامي الماكر، الّذي استطاع أن يساير بفتواه المتعرّجة المحتالة بين متطلبات الناموس (الشريعة) ومطاليب الرومان. فكان قيافا أمكر الماكرين وأكذب الكاذبين، ونبّي الشيطان الّذي طالب بنبوة مزيفة مِن الرّوح الشرّير بموت يسوع والخلاص منه لتبقى الأمة. فأصبحت المحاكمة أمام المجلس الديني رواية مأساوية لادانة المتهم بحكم مزيف ظاهره العدل والحقّ، وارضاء لأعضاء المجلس الديني الّذين ما زالت تؤنبهم ضمائرهم، باقناعهم ان قتله بناء على محاكمة عادلة وأدلّة ثابتة دامغة. ولم يروِ يوحنّا البشير لنا أحداث جلستي المحاكمة الرئيسيتين، اللتين كانتا معروفتين في الكنائس آنذاك مِن الأناجيل الأخرى، بل أبرز أكثر وألقى ضوءاً على التفتيش والاستجواب التمهيدي ليسوع أمام حنان رأس عشيرة رؤساء الكهنة، والّذي كان ما يزال المؤثر الفعلي على كلّ تحركات البلاد. وقد أمر قيافا إكراماً لحميه حنان ان يحول يسوع إليه أوّلاً للاستجواب التحضيري.
0-0-0-0-0-0-0-0-0-0
2- استجواب يسوع أمام حنان
وانكار بطرس ثلاث مرّات
(18: 15- 27)
18: 15 وَكَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ يَتْبَعَانِ يَسُوعَ, وَكَانَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ, فَدَخَلَ مَعَ يَسُوعَ إِلَى دَارِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. 16 وَأَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ وَاقِفاً عِنْدَ الْبَابِ خَارِجاً. فَخَرَجَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي كَانَ مَعْرُوفاً عِنْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ, وَكَلَّمَ الْبَوَّابَةَ فَأَدْخَلَ بُطْرُسَ. 17 فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ الْبَوَّابَةُ لِبُطْرُسَ, أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضاً مِنْ تَلاَمِيذِ هَذَا الإِنْسَانِ. قَالَ ذَاكَ, لَسْتُ أَنَا. 18 وَكَانَ الْعَبِيدُ وَالْخُدَّامُ وَاقِفِينَ, وَهُمْ قَدْ أَضْرَمُوا جَمْراً لأَنَّهُ كَانَ بَرْدٌ, وَكَانُوا يَصْطَلُونَ, وَكَانَ بُطْرُسُ وَاقِفاً مَعَهُمْ يَصْطَلِي.
كان يوحنّا مع بطرس يتبعان يسوع في الليل على البعد. وبما أنّ التلميذ يوحنّا هو مِن عائلة كهنوتية ولعلّه أحد أقرباء رئيس الكهنة، فقد استطاع الدخول إلى دار الكهنة بلا استئذان. أمّا بطرس فما قدر على الولوج لأنّ الباب كان محروساً بخادمة. وأمامها انتهى اتباع بطرس ولحاقه بيسوع. فلم يقدر أن يدخل الدار بالقوّة، لأنّ ربّه منعه مبدئيّاً مِن استعمال السيف. ولم يرد أن يستسلم بدون مدافعة، لأنّ إيمانه لم ينضج إلى درجة عدم استخدام العنف. فظل مضطرباً مضعضعاً في ذاته، وغير مستعدّ لإنكار النفس وذبيحة الذات.
وشعر يوحنّا بالصّراع الناشب في صميم بطرس الواقف على الباب في الظلمة، وأراد أن يعينه متوسطاً مع البوابة، وكلّفه عندها وتأبّط ذراعه وأدخله داخلاً. ولم يثق البوابة تماماً بالتلميذ يوحنّا، وتفرّست في بطرس وبادرته بالقول: ألست أنت أيضاً مِن تلاميذ ذاك؟ فهذا السؤال نخز قلب بطرس نخزاً. لقد وصل إلى محور السلطة وعلى عتبة هدفه، وما أراد تخريب مستقبله على يد جارية بسيطة. فقال متظاهراً بلا مبالاة: لست أنا. وتصرّف كأنّه غير عارف شيئاً ولا علاقة له بالقضية. وبهذه الكذبة البيضاء ارتكب كذبة رابية منكرة، وقعد على رأس الزحليطة المسقطة رأساً إلى جهنّم. وبعدئذ حاول الاصطلاء بالنار مع الجند، لأنّ الطقس كان شتاءاً بارداً. ولعلّنا بهذا نرى مثلاً مِن اقترابه إلى النار السفلى، محاولاً الاصطلاء والدفء، لكن قلبه احترق برداً.
18: 19 فَسَأَلَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ يَسُوعَ عَنْ تَلاَمِيذِهِ وَعَنْ تَعْلِيمِهِ. 20 أَجَابَهُ يَسُوعُ, أَنَا كَلَّمْتُ الْعَالَمَ عَلاَنِيَةً. أَنَا عَلَّمْتُ كُلَّ حِينٍ فِي الْمَجْمَعِ وَفِي الْهَيْكَلِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ الْيَهُودُ دَائِماً. وَفِي الْخَفَاءِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. 21 لِمَاذَا تَسْأَلُنِي أَنَا. اِسْأَلِ الَّذِينَ قَدْ سَمِعُوا مَاذَا كَلَّمْتُهُمْ. هُوَذَا هَؤُلاَءِ يَعْرِفُونَ مَاذَا قُلْتُ أَنَا. 22 وَلَمَّا قَالَ هَذَا لَطَمَ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنَ الْخُدَّامِ كَانَ وَاقِفاً, قَائِلاً, أَهَكَذَا تُجَاوِبُ رَئِيسَ الْكَهَنَةِ. 23 أَجَابَهُ يَسُوعُ, إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيّاً فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ, وَإِنْ حَسَناً فَلِمَاذَا تَضْرِبُنِي. 24 وَكَانَ حَنَّانُ قَدْ أَرْسَلَهُ مُوثَقاً إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ.
لم يكن الاستجواب التمهيدي دائراً حول ذنب يسوع وشخصيته والاعتراف بذاته، بل حول التلاميذ وطرق تعليمه. وكانت يومئذ أحزاب وفرق سرّية كثيرة موجودة، فأراد المستجوبون الاستنتاج والمعرفة بسرعة، عمّا إذا كان هناك خطر وثورة مِن قبل اتباع يسوع، حتّى يتلافوها ويبطشوا بها حالاً.
وجاوبهم يسوع بصراحة ان ليس له رابطة سرّية بل انّه دائماً كان يعلّم بوضح النهار علانية في كنائس اليهود التعليمية، وفي الهيكل حيث يتراكض النّاس كلّ حين. ولو أراد زعماء الشعب معرفته حقّاً، لجاءوا إليه وسمعوا تفاصيل أقواله ودعوته. فليس الإنجيل سريّاً بل علنيّاً عالميّاً. وليست عندنا ذنوب ومؤامرات، إنّما سلام وفرح ومحبّة. وهكذا كلّم يسوع رئيس الكهنة الشيخ بلاخوف ولا خضوع مراء، ولم يستعط منه الحياة، لكن تقدّم إليه كملك كأنّه يقول له: لماذا لم تتقدّم إليَّ في الهيكل وتستقبلني أنا ابن الله بسجود، فسمعت رسالتي وآمنت بدعوتي؟
وأحد خدّام حنان أراد مداهنته ونيل احسانه، فضرب يسوع على وجهه. إلاّ أنّ إنساناً ضرب الله! نحن عميان وجهلاء حتّى انّنا لا نرى صورة الله المتجسّدة في يسوع مِن تلقاء أنفسنا. وأمّا المسيح فلم يمت الرجل المخادع ولم يغضب. ولكن بنفس الوقت لم يقلّل مِن جريمة هذه الخطيئة. وحاسب مرتكبها. ولم يحوّل يسوع لهذا الشرس خدّه الآخر ليضربه ثانية، بل طلب منه البرهان لحق الضرب. وإذا بان أنّ يسوع بريء فعليه التأسّف والاعتذار والتّوبة. وهذه الدعوى وجّهها يسوع إلى رئيس الكهنة بطريقة غير مباشرة، لأنّه كان مسؤولاً عمّا عمله الخادم، وقد سمح بهذه الضربة. وأيضاً اليوم مَن يضرب إنساناً بلا حق أو يسمح كمسؤول أن يعتدي اتباعه على البرآء، فهذا يضرب الله في وجهه، لأنّ ربّنا يحبّ الأصاغر ويقول: بما انّكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم. يا ويلتاه مِن دينونة العالم! وبعدما لاحظ حنان أنّ يسوع لم يخضع له، ولكن وقف كقاض أزلي أمامه واستجوبه عن الحقّ والبِرّ والعدل، فإنّ حنان عندئذ أرسله إلى صهره قيافا الثعلب الماكر ليتخلّص مِن مشكلته.
18: 25 وَسِمْعَانُ بُطْرُسُ كَانَ وَاقِفاً يَصْطَلِي. فَقَالُوا لَهُ, أَلَسْتَ أَنْتَ أَيْضاً مِنْ تَلاَمِيذِهِ. فَأَنْكَرَ ذَاكَ وَقَالَ, لَسْتُ أَنَا. 26 قَالَ وَاحِدٌ مِنْ عَبِيدِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ, وَهُوَ نَسِيبُ الَّذِي قَطَعَ بُطْرُسُ أُذُنَهُ, أَمَا رَأَيْتُكَ أَنَا مَعَهُ فِي الْبُسْتَانِ. 27 فَأَنْكَرَ بُطْرُسُ أَيْضاً. وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ.
استجوب رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه. واثنان منهم كانا واقفين في ساحة المكان. وما اعترفا انّهما مِن اتباع الرّبّ. وبطرس الواقف في ضوء لهيب الجمرات بان غريباً. وما تأكّد الخدّام الّذين كانوا معه حول النار، إن كان مِن اتباع يسوع أم لا. فجاوبهم بطرس مرّة أخرى بطريقة تافهة كلاّ كلاّ. ولكنّ قلبه نخزت فيه الشوكة أعمق. فأصبح هائجاً في ذاته مضطرباً مفضلاً الهرب مِن هناك.
وإذ شكّ به أحدهم وكلّمه بهذا الاتهام تفرّس الجميع فيه، فعندئذ فار دمه. وازداد فورانه لَمّا كلّمه أحد العبيد الواقفين قائلاً: انّي أعرفك. قد رأيتك بعيني هنالك في الجنينة! فوصل الخطر إلى قمته، لأن المتكلّم كان قريب الّذي قطع بطرس أذنه. وما أخبرنا يوحنّا عن لعن بطرس لذاته. ولا صرخته بعدم معرفته يسوع. لكنّه أثبت لنا الحقيقة أنّ مقدام الرسل أنكر ربّه تماماً. وصياح الديك كان كصوت بوق الدينونة في أذن بطرس ويوحنّا. فالحقّ كان مع يسوع انه ليس أحد مِن أمنائه وجد القوّة لآتباعه حتّى الموت. الكلّ زاغوا واخطأوا وكذبوا وأنكروه. ولم يخبرنا يوحنّا شيئاً عن دموع بطرس وندامته كسائر البشيرين، بل اكتفى بابراز حقيقة الانكار، وانّ الديك صاح حالاً لَمّا أنكر بطرس ربّه ثلاث مرّات. ليت ربّنا يمنحك ديكاً صائحاً كلّما تكذب أو تقول كذبة بيضاء أو لا تعترف بربّك وحتّى المبالغة فانّها كذب. فروح الحقّ يريد الحلول فيك. اطلب مِن يسوع لساناً صادقاً وقلباً مستقيماً وذهناً أميناً لأنّ كلّ الكذبة يدخلون جهنّم.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك أنت الحقّ والصبر والجلال. اغفر لنا كلّ نوع مِن كذب والتواء ومبالغة، وساعدنا لئلا نذهب بطرق خاصّة، ولا نتّكل على أنفسنا. قيدنا في حقك. أنت احتملت قيود البشر فاربطنا بروحك القدّوس لكيلا تتكلّم ألسنتنا بكذبة واحدة بعد. ونفضل العار والعذاب على انكارنا اتباعنا لك. ثبتنا في حقّك وعلّمنا الشهادة باسمك بكلّ تواضع وعزم وحكمة.
السؤال:
8- ماذا كانت العلاقة بين يسوع وبطرس أثناء الاستجواب عند حنان؟
3- المحكمة المدنية أمام الوالي الروماني
(18: 28- 19: 16)
- الشكوى على ملوكية يسوع وجوابه عليها
(18: 28- 38)
18: 28 ثُمَّ جَاءُوا بِيَسُوعَ مِنْ عِنْدِ قَيَافَا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ, وَكَانَ صُبْحٌ. وَلَمْ يَدْخُلُوا هُمْ إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ لِكَيْ لاَ يَتَنَجَّسُوا, فَيَأْكُلُونَ الْفِصْحَ. 29 فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ إِلَيْهِمْ وَقَالَ, أَيَّةَ شِكَايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ. 30 أَجَابُوا, لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرٍّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ. 31 فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ, خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ, لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَداً. 32 لِيَتِمَّ قَوْلُ يَسُوعَ الَّذِي قَالَهُ مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَمُوتَ.
فكّر بعض اليهود بقتل يسوع لأوّل مرّة عندما شفى المفلوج في الرواق المحيط ببركة بيت حسدا (5: 18) بينما أكثرية المجلس الديني قرّروا موته سرّاً بعد اقامة لعازر مِن القبر (11: 46- 53). وفي ليلة الخميس عقدت جلستان هامتان للمجلس اليهودي، لم يتكلّم يوحنّا البشير عنهما (متى 26: 57- 67 و 27: 1) ولم يرد أن يدخل قراءه الأمميين في مسائل ناموسيّة (شريعية) يهوديّة غير مفهمومة عند اليونان، بل أبرز الحكم الظالم على يسوع، الّذي لفظه ممثل الحقّ البشري في أورشليم. فبيلاطس جلس في ثكنته الفخمة المشرفة على ساحة الهيكل. وكلّ البلاد وحياة النّاس كانت في يده، لأنّه لوحده كان له حقّ القتل والعفو. واليهود الّذين ما ادركوا ربّهم في جوهره، احترزوا خائفين مِن تجاوز الناموس (الشريعة)، لكيلا يتنجسوا بواسطة دخول بيت أممي. فأرادوا أن يحفظوا أنفسهم بالقداسة تلقائيّاً ليستطيعوا الاشتراك بحمل الفصح مع عائلاتهم. لكنّ حمل الله الحقّ ذبحوه بقلب بارد.
وفي تلك ألشهر الهامة، الّتي فيها القي القبض على يسوع حدثت في حياة بيلاطس الوالي تغييرات جذرية. فلقد اسقط القيصر زميلاً لبيلاطس في روما، جنرالاً مِن كبار الجنرالات، لأجل محاولته الانقلاب ضدّه. وكان ذلك القائد عدواً لليهود، الّذين كشفوا خطته لدى القيصر. وهذا التغيير في روما أثر على حالة بيلاطس في أورشليم، فصار موقفه وسلطته مضعضعة ومهددة. فاضطرّ لمعاجة اليهود بلطف، عكس ما فعله مِن قبل لَمّا احتقرهم بعنف واغتصاب وعاملهم ككلاب. وبعدما جلب اليهود يسوع إلى بيلاطس ليحاكم، خرج هذا الوالي إليهم بسرعة كخادم مستخبراً عن مطاليبهم، لكنّه لم يتباحث معهم طويلاً بل استفهم بغيظ مكتوم عن لبّ شكواهم. وكانت نظرة بيلاطس ليسوع بابتسام واستهزاء، لأنّ ملكاً بلا أسلحة ولا جيوش وداخلاً أورشليم على حمار، لا يشكّل بتاتاً أيّ خطر على الرومان. لكنّه وافق على شكوى اليهود مستجيباً لالحاحهم. وكان قد أعطاهم في الليلة السابقة الضابط وفرقته، لمساعدتهم في القبض على يسوع، ونجحت العملية، وها هوذا الأسير مقبوض عليه واقف بين يديه! فسألهم بيلاطس جهاراً: ما هو ذنب هذا المتّهم؟
فأجابه شيوخ اليهود بخشونة أيضاً كأنّهم يقولون أنت تعلم ماذا قلناه لك عنه آنفاً. فهذا مجرم سياسي له مقاصد ثورية. وليس ضروريّاً اخبارنا إيّاك مَن هو الناصري. فلم نأت إليك للزيارة الرسمية ممثلين للشعب اليهودي، بل جئناك طالبين قتل الثائر، لكيلا يحدث فتنة في الشعب. وكان يبلاطس يعرف أهواء اليهود، وعالماً انّهم شاؤوا قتل يسوع بسبب قضايا ناموسيّة، وانتظارهم لمسيح قوّي غيره. فكلّ ما عمله يسوع وقاله ما كان يعد جرماً في التشريع الروماني أبداً. فسلّم المتّهم إليهم ثانية ورجاهم محاكمته حسب شريعتهم الدينية.
لكنّه ما كان لليهود في تلك السنوات حق برجم المعتدي على الناموس (الشريعة). رغم انّهم حاولوه على يسوع مرّة إذ فارت دماؤهم عليه، إنّما قدروا على رجم استيفانوس بعد ذلك. أمّا في أيام يسوع فما استطاعوا تنفيذ قتله وفقاً لحكم شرعي. وكانوا يقصدون أيضاً تحقير يسوع بحكم علني على يد الرومان المعتبرين نجسين، ليوقعوا عليه أقبح العقوبات المختصة بالعبيد والمجرمين، ليرتفع على خشبة اللعنة. ويستبين جهراً أنّ يسوع ليس ابن الله القوّي البارّ، بل كان ضعيفاً ومجدّفاً متخيّلاً، والّذي كاد يضلّ الشعب، ولا يخلّصهم مِن الاستعمار الروماني. فقصد قيافا بموت يسوع على الصليب بيد الرومان أن يبرهن انّه ليس المسيح أبداً، بل مدّعياً كاذباً، وليجرّده مِن الشرف اليهودي.
18: 33 ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضاً إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ, وَقَالَ لَهُ, أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ. 34 أَجَابَهُ يَسُوعُ, أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هَذَا, أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي. 35 أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ, أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ. أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ. 36 أَجَابَ يَسُوعُ, مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا.
وضع الجند يسوع داخل الثكنة. وبعد أن سمع بيلاطس اتّهام اليهود، أراد أن يسمع مباشرة مِن فم يسوع دفاعه عن نفسه. ولم يصدق الوالي أقوال اليهود. ولكن لأجل اجراء القانون سأل المسيح أأنت ملك اليهود؟ اني رأيت مسحاء آخرين بأسلحة وذقون سوداء وعيون جاحظة وأشكال مرعبة غريبة. فأنت لست مكافحاً ولا فدائيّاً. أنت يظهر عليك انّك مسكين وديع متواضع، فكيف تبتغي أن تكون ملكاً؟ فالملك يحتاج إلى سلطة وقوّة وقساوة فائقة. وشعر يسوع بأنّ بيلاطس كان غير مصدق انه ملك، فسأله: أأخبرك جنودك، ان تلاميذي تحاربوا مع فرقتك بالليل، أو ان استخباراتك سمعتني القي خطاباً سياسيّاً، أو سؤالك مبني على كذب اليهود فقط؟ فهذا غير جائز لوال ان يسمع أكاذيب واتهامات.
فجاوبه بيلاطس بغيظ وحنق: أأنا يهودي؟ وكان محتداً بهذا التساؤل، كأنّما يقول: أنا لا أنزل إلى مستوى هؤلاء العنيدين المتعصّبين المتخاصمين حول الأمور الدينية ليلاً ونهاراً. ولست عائشاً في الوسخ والنتانة، رغم الوضوءات المستمرّة. فلقد سحبت الماء إلى أورشليم بقناة طويلة وجسور فخمة، لتدخل النظافة إلى اليهود. لكنّهم يكذبون ويراؤون ويخونون بعضهم بعضاً. لا جرأة ولا رجولة في هذه البلاد. وهكذا اعترف بيلاطس انّه ليس هو الّذي قيض على يسوع، بل شعبه اليهودي، والزعماء الوطنيون هم الّذين سلّموه إليه. وأخيراً قطع حبل أفكاره ليسأل يسوع بايجاز: ماذا فعلت؟ أريد منك الجواب لاجيب المشتكين عليك. تكلّم وإلاّ جلدتك. قل الحقّ كاملاً. عندئذ اعترف يسوع بالحقّ كلّه مثلما لم يقله لتلاميذه إلاّ نادراً. وقال: انّ ملكوت الله هو ملكوته الخاص. وهو ليس مبنيّاً على جزية تدفع، ولا أسلحة للقتل، ولا وظائف للاستغلال. وليست مملكة يسوع زائلة ككلّ الممالك. فيسوع علم تلاميذه ألاّ يضربوا بالسيف ولا يطلقوا الرصاص ولا يرموا القنابل. فمملكة يسوع مختلفة كلّ الاختلاف عن كلّ ممالك الدنيا.
18: 37 فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ, أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ. أَجَابَ يَسُوعُ, أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا, وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي. 38 قَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ, مَا هُوَ الْحَقُّ.
لم يفهم بيلاطس ما قاله يسوع، إلاّ انّه أدرك أنّ المتّهم اعترف بانّه ملك دون أن يبيّن فحوى ملكيته. فأمسك الوالي بيسوع وأكّد عليه أن يعترف بنوع ملوكيته. فجاوبه يسوع جهراً: أنت أدركت سرّي وعرفت قولي. الملك هو مالك وربّ مطلق على ممتلكاته. فكلّ النّاس تخصّني. وأنت خاصّتي أيضاً. أنا مالكك وعليك الخضوع لي. إنّما مملكتي ليست مِن هذا العالم الممتليء بالكذب والخداع والغرور والالتواء لأني ملك الحقّ. وبعدئذ شهد يسوع ان ولادته مِن مريم العذراء ليست بداية كيانه الجوهري، بل انه أتى إلى العالم مِن خارج دنيانا، لأنّه وُلد مِن الآب قبل كلّ الدهور. فيعرف الحقائق الإلهيّة الرّوحية. فيسوع هو شاهد لحيقة الله، ويدين بقوله كلّ الأديان المتخيلة. المولود مِن الأزل هو الشاهد الأمين للحقّ المبين. وحقّ السماء هو الصورة الأصلية للحق على الأرض. وكلّ إنسان طبيعي يشتاق إلى العدل، لأن في العمق الباطني توجد بقيّة الدستور السماوي، الّذي يبكتنا في ضمائرنا. والّذي يطلب الله بقلب مستقيم يسمع فجأة الصوت الأزلي في الإنجيل والكتاب المقدّس. والمستعدون للحقّ يفهمون سريعاً مصدر يسوع وغايته وروح شخصيته. وبهذه الكلمات دعا يسوع ضمير الوالي، لعلّه يخضع للحق ويفتح أذنه لجلالة يسوع وتواضعه الإلهي.
أمّا بيلاطس فضحك واستهزأ سائلاً، ما هو الحقّ؟ ألوف الفلاسفة وكثير مِن مؤسّسي الأديان يدّعون انّهم يعرفون الحقّ لوحدهم. ولكن كلّهم يكذبون وينكرون إذا شارفوا على خطر الموت، ويفضّلون المال والشّرف والنّجاح. لقد رأى الوالي كثيراً مِن الرياء والخيانة، حتّى فقد الإيمان بالحقّ. أمّا يسوع الشاهد الأمين للحقائق السماوية فثبت، وأعلن لنا اسم أبيه جاعلنا أولاده.
الصّلاة: أيّها الرّبّ المسيح، أنت ملكي، أنا أخصّك. لم تدنّي لأجل أكاذيبي وذنوبي، بل خلّصتني بنعمتك. ولم تبدني بقداسة حقّك بل هديتني بفرط محبّتك. اجعلني عبد لطفك، ثبتني في حقّك، وانزع ملايين المساكين مِن أكاذيبهم وزناهم، لكي يتوبوا ويرفضوا روح العالم، وينفتحوا لروح حقّك، ويدركوا فيك أباهم السماوي. ويتقدّسون بحقيقتك.
السؤال:
9- كيف يكون يسوع ملكاً؟
AVAVAVAVAVAVAVA
- التخيير بين يسوع وباراباس
(18: 38- 40)
18: 38 وَلَمَّا قَالَ هَذَا خَرَجَ أَيْضاً إِلَى الْيَهُودِ وَقَالَ لَهُمْ, أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. 39 وَلَكُمْ عَادَةٌ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ وَاحِداً فِي الْفِصْحِ. أَفَتُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ مَلِكَ الْيَهُودِ.. 40 فَصَرَخُوا أَيْضاً جَمِيعُهُمْ, لَيْسَ هَذَا بَلْ بَارَابَاسَ. وَكَانَ بَارَابَاسُ لِصّاً.
تيقّن بيلاطس مِن صدق يسوع وانّه ليس خطراً. فخرج إلى اليهود المنتظرين خارجاً، وشهد جهراً ببراءة المتهم. وكلّ الأناجيل تثبت هذه الحقيقة انّ يسوع كان بلا خطيئة حسب الشريعة الدينية وحسب القوانين المدنية. فلم يقدر أحد أن يثبت عليه خطأ. وأعلى ممثّل للسلطة المدنية اعترف رسميّاً ببراءة يسوع. وأراد بيلاطس أن يتخلّص مِن هذا الإنسان الغريب يسوع. وتمنّى بنفس الوقت ارضاء اليهود أيضاً. فاقترح عليهم اطلاق الأسير على أساس العادة بالعفو عن واحد مِن المحبوسين اليهود كلّ عيد فصح. وساير بيلاطس تخطيط رئيس الكهنة، إذ سمّى يسوع باستهزاء ملك اليهود. فلو تركه، وهو الوالي الروماني، لفقد يسوع شعبيته الوطنية، لأنّه لم يحرّر أمته مِن الاستعمار، فيعتبرونه عميلاً لا وطنيّاً. لكنّ رؤساء الكهنة والشّعب المترقّب جنّوا عندما سمعوا اللقب ملك اليهود، فرفضوا هذا النوع مِن الملوك رفضاً باتاً. فلقد كان قصدهم مخلّصاً بطلاً مصارعاً ورجل سلطة وعنف. فاختاروا باراباس المجرم، مفضلين رجل الخطيئة على قدّوس الله الوديع.
وما كان مجلس اليهود لوحده مبغضاً يسوع في ضعفه بل الشعب أيضاً احتقروه احتقاراً كبيراً. فلماذا تختار أنت؟ هل تقف إلى جانب الحقّ الوديع بدون أسلحة، أو تشبه النّاموسي (الشريعي) الّذي يبني دينه على العنف، ويبني حقّه على الخداع، ويترك الرحمة والصدق؟ امتحن نفسك بدقة لأن كلّ النّاس يختارون طيلة حياتهم، إمّا محبّة الله أو المال والشهرة والنّجاح الذاتي.
ج- جلد يسوع
وجلبه أمام المشتكين عليه
(19: 1- 5)
19: 1 فَحِينَئِذٍ أَخَذَ بِيلاَطُسُ يَسُوعَ وَجَلَدَهُ. 2 وَضَفَرَ الْعَسْكَرُ إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَى رَأْسِهِ, وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبَ أُرْجُوانٍ, 3 وَكَانُوا يَقُولُونَ, السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ. وَكَانُوا يَلْطِمُونَهُ.
لقد كان على بيلاطس، أن يطلق يسوع حراً، ويقبض على المشتكين عليه. ولم يعمل ذلك الواجب، بل لوى الحقّ وفتّش على حلّ وسط آخر. فأمر بجلد يسوع ظلماً. فهذه العقوبة الرومانية كانت مريعة مهلكة، لأن سيور السوط حوت في طولها قطعاً مِن عظام ورصاص محدّدة تقطع قطعاً. فلَمّا أخذ الجند بأيديهم الخشنة يسوع، وربطوه على عمود، وظهره عار وانهالوا عليه ضرباً، فتسبّب عن ذلك كشط جلدة ظهره، وتمزيق لحمه حتّى الضلوع. وهذه الأوجاع قاسية إلى درجة لا ينطق بها. وكثير مِن المعذّبين كانوا يموتون أثناء جلدهم. ويسوع البريء الوديع القدّوس تألم كثيراً في جسده ونفسه. فطريقه انحنى إلى الأسفل سريعاً. وأخذ الجند يسوع الممزّق ليسخروا منه مغيظين ومستهزئين. وكان الجنود يعيشون في خوف مِن عصابات اليهود، ولا يتجاسرون على التطواف أثناء الليالي. فإذ وقع في أيديهم الّذي يقال عنه ملك اليهود فلا بدّ أن ينتقموا منه. فهكذا انصبت عليه كلّ أحقادهم الّتي ضدّ الشعب. وهكذا ركض أحد العساكر وقطع بسيفه عثّاكلّ مِن الشوك قضباناً. وصنع منها اكليلاً، ووضعه على رأس يسوع المنجرح، وضغط الاكليل الشوكي حتّى انغرز عميقاً في رأسه. وآخرون أتوا برداء قديم مِن لباس الضباط، ولفّوه به. فامتزج دمه بلون الرداء الأرجواني حتّى بان يسوع كلّه دماً. وفوق هذا لطمه وضربه المندفعون بوحشيتهم. وبعضهم سجد له، كانّما يهيئون الملك لساعة تتويجه. وبما انّه بين هؤلاء الجنود أفراد ممثلون لسائر الشعوب الأوروبية، فقد اشترك كلّ العالم عمليّاً بالاهانة والتجذيف على حمل الله.
19: 4 فَخَرَجَ بِيلاَطُسُ أَيْضاً خَارِجاً وَقَالَ لَهُمْ, هَا أَنَا أُخْرِجُهُ إِلَيْكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً. 5 فَخَرَجَ يَسُوعُ خَارِجاً وَهُوَ حَامِلٌ إِكْلِيلَ الشَّوْكِ وَثَوْبَ الأُرْجُوَانِ. فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ, هُوَذَا الإِنْسَانُ.
طالع بيلاطس ملفّ يسوع سابقاً، وعلم انّه بريء. فخرج هذا الوالي لثالث مرّة إلى رؤساء اليهود المرائين كأنه لصيق بهم، لكيلا يغضبوا وليحفظهم في علاقة طيبة معه. وأعدّهم للمقابلة مع يسوع. وشهد لهم للمرّة الثانية انه لم يجد فيه علة. وأراد أخيراً إجراء المقابلة بين يسوع واليهود مواجهة، ليظهر الكذب ويستبين الحقّ. فأتى بيسوع بعدئذ مدفوعاً مِن الجند وآثار الضربات والتمزيق عليه ودماؤه سائلة، وعلى رأسه اكليل الشوك. وحول كتفيه رداء أرجواني أحمر مبتل بدمه الكريم. وما آلم صورة البؤس! يسوع كالمسكين وقف بين الرجال اللابسين لباساً فخماً، وبين الجدران والأعمدة المرمرية الصمّاء.
أتدرك حمل الله، رافعاً خطيئة العالم؟ هل ترى ربّ المجد ممسوكاً ومجروحاً لأجلنا؟ ادإن اتّضاعه ارتفاعه لأنّ محبّته العظيمة ظهرت في صبره الفائق. فوقف أمام ممثلي البشر الشرقيين والغربيين، مستهزءاً به ومظلوماً ومتوّجاً بالشوك. وكلّ تيجان العالم بجميع جواهرها المتلألئة لا تقاس بشيء أمام تاج يسوع الشوكي المرشوش بدمه، الّذي طهّر خطايا كلّ النّاس. وبيلاطس رغم انّه أغلظ النّاس قلباً، تأثّر مِن صورة يسوع هذه. لم ير حقداً في وجهه، ولا سمع لعنة مِن فمه. صمت يسوع. وصلّى في صميمه إلى أبيه. وبارك أعداءه. وحمل خطايا مبغضيه. فنطق الوالي مضطرباً: هوذا الإنسان! لقد شعر بجلال يسوع وكرامته ومحبّته. واعترف هذا الروماني بهذه الكلمة، كأنّه يقول: المسيح هو الإنسان الوحيد، الّذي يحمل صورة الله في جسده. فرحمته ورثاؤه أشعّت منه حتّى وهو في ساعة خطر الموت. فالقوّة للثبات في الإنسانية الإلهيّة كانت دائماً كامنة فيه، لأنّ الكلمة صار جسداً، وقداسته اضاءت حتّى وهو في ضعفه وتمزيق جسده. فلم يتألّم يسوع لأجل ذاته بل لأجل خطيئتي وخطاياك وذنوب كلّ النّاس لأنّه بريء.
د- خوف بيلاطس مِن ألوهية يسوع
(19: 6- 12)
19: 6 فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا, اصْلِبْهُ. اصْلِبْهُ. قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ, خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ, لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً. 7 أَجَابَهُ الْيَهُودُ, لَنَا نَامُوسٌ (شريعة), وَحَسَبَ نَامُوسِنَا (شريعتنا) يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ, لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ.
كانت ساعة الجلد والاستهزاء طويلة. فانقضّ كثير مِن الجماهير عن باب دار الولاية. لكن رؤساء الكهنة والشيوخ وخدّام الهيكل لم يلينوا أو يتراجعوا، بل تربّصوا حاقدين. وتعاهدوا أن يطلبوا اماتة يسوع حالاً، بصراخ وهياج وشغب عنيف. فلَمّا رأوا يسوع فار غيظهم جميعاً، لأنّه حتّى الّذين كانوا يميلون إليه، أدركوا بهذا المشهد أنّ هذا المجلود ليس رجل الله بل متروكاً منه. فالعلّي سمح للأمم النجسة أن تمزّقه! ولم يقم يسوع بأعجوبة خلاصية لينجّي نفسه. فضعفه ظهر لهم برهاناً لذنبه. واعتبروه كذاباً مضلاً مجدفاً. فطلبوا بصوت واحد مِن بيلاطس قتله أشنع قتلة، تلك المختصّة بالمجرمين والعبيد الفارين. وأخرجوه بهذا الطلب مِن شركة أمّتهم والمساهمة في البركة الإلهيّة وأسلموه إلى آخر عمق العار.
ما أحبّ بيلاطس في تلك الأيام الشغب في أورشليم. وما أراد كذلك أن يقتل قتلاً غير شرعي، لكيلا يستطيع اليهود امساكه مِن أيّ جهّة. فقال لهم متخلّصاً بكلّ سهولة: خذوه أصلبوه. أنا لا أحاججكم به، ولا أقول شيئاً. إنّما مِن جانبي، فأنا على يقين مِن براءته. وهكذا اعترف بيلاطس للمرّة الثالثة جهراً، انّ يسوع بريء وبلا لوم. وبهذا الاعتراف حكم بيلاطس على ذاته بالذنب، لأنّه ما كان له الحقّ بجلد أسير لديه بريء. وعلم اليهود آنذاك، أن الحقّ ما كان يسمح لهم بقتل إنسان، ولعلّ بيلاطس يعود فيداعيهم ويقاصصهم بسبب ذلك، رغم كلماته اللطيفة معهم. والناموس (الشريعة) اليهودي ما كان يحكم بالصلب، لأنّ البرية لا أشجار فيها، بل انّهم كانوا يقتلون المجرمين بالرجم، إذ الحجارة متوفرة كثيراً. وقد جعل الناموس (الشريعة) قلوب اليهود قاسية، حتّى لحفوا أنفسهم بوصاياه ضدّ نور الله الحقيقي. فأبغضوا يسوع، لأنّه قد أعلن لهم سابقاً بنوته لله. فلو كان هذا الممزّق الّذي أمامهم ابن الله، لأضاءت حوله هالة مجده كملاك. لكن منه نزف دم ظاهر، صورة المسكنة والعار. وكان الشيوخ يعلمون انّه في حالة صدق بنوة المسيح لله، ينبغي عليهم الخضوع والسّجود له حالاً. ولهذا طلبوا صلبه رأساً برهاناً لعدم ألوهيته الظاهرة في العذاب واللعنة الواقعة عليه. فيتبرّرون هم بواسطة موته، ليس فداء بدمه الكفاري، بل بابادته الّتي ما منعها الله.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لآلامك وعذابك واحتمال ضربات السياط. ونسبّحك لأجل صبرك ومحبّتك وجلالك. أنت ملكنا. ساعدنا لنطيعك. وعلّمنا مباركة الأعداء والرحمة للمبغضين. ونحمدك لأنّ دمك يطهّر ذنوبنا. نحن شعبك يا ابن الله. ثبتنا في قداستك لنسلك في رحمتك شكراً لآلامك.
السؤال:
10- ماذا نتعلّم مِن صورة المسيح المجلود الحامل رداء الأرجوان وتاج الشوك؟
19: 8 فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هَذَا الْقَوْلَ ازْدَادَ خَوْفاً. 9 فَدَخَلَ أَيْضاً إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَقَالَ لِيَسُوعَ, مِنْ أَيْنَ أَنْتَ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمْ يُعْطِهِ جَوَاباً. 10 فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ, أَمَا تُكَلِّمُنِي. أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَاناً أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَاناً أَنْ أُطْلِقَكَ. 11 أَجَابَ يَسُوعُ, لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ, لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذَلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّئةٌ أَعْظَمُ.
كان بيلاطس غير مستيقن مِن شخصيّة يسوع. فاستقامته ومحبّته وطهارته لم تخف على الوالي. ولَمّا سمع فجأة أنّ يسوع معتبر ليس فقط ملكاً بل ابناً لله فزع، لأنّ اليونان والرومان كانوا يظنّون أنّ السماوات ممتلئة بالأرواح والآلهة، الّتي تتجسّد أحياناً متجولة بين النّاس. فاوجس خيفة أن لعلّه قد عذّب إلهاً في هيئة إنسان. فسأله بخشونة ليغطي قلقه: مِن أين أنت؟
ولم يستغلّ يسوع هذه الفرصة لينجو. وما بنى تحريره على اخافة الموظف الروماني مِن الأرواح. وما أظهر نفسه انّه القادر على كلّ شيء، بل صمت صمتاً ناطقاً. وهذا الصمت مِن ابن الله تجاه استنطاق الوالي مثير للغاية. إنّ الله لم يجاوب على أسئلة العقل المنطقية، ولا على حبّ الاستطلاع التطفلي، بل يعلن ذاته للمؤمن الواثق به. وما كان المسيح مستعدّاً أن يسجل نفسه كإله بين الشياطين والملائكة، في جدول السحر الّذي في عقلية بيلاطس المائل إلى العرافة. أمّا الله فمختلف كلّ الاختلاف عن تصوّرات الرومان واليونان ولا مثيل له. وأمام صمت يسوع غضب بيلاطس وتنرفز وقال باستهزاء: ألا تريد الكلام معي أيّها الصعلوك؟ أنا لي سلطان أن أميتك، أو أطلقك. فأنت تحت تصرفي. أعداؤك تطلب الصليب. أنا وحدي استطيع خلاصك، أو تعليقك عليه. هؤلاء لا شيء. فأنا الكلّ بالكلّ. لماذا لا تسجد لي وتكرّمني بخوفك؟!
فابتسم عند ذلك يسوع بمرارة وجاوبه كأنّه يقول: نعم في يدك السلطة عليّ. أبي أعطاك السلطة. فانّك لست مهمّاً في ذاتك. وبطلك يظهر بعد دقائق في حكمك الظالم. وكلّ الرومان أيضاً غير مقتدرين. أبي في السماء هو القادر على كلّ شيء، وأنا مثله. فلا توجد سلطة سياسية على الأرض إلاّ بسماح مِن الله. وهذه السلطة المسموح بها تؤول أحياناً للهلاك كما عند بيلاطس، الّذي كان موهوباً بالقوّة، لكن ليست منه، بل معطاة مِن الله، فالرّبّ يدير التاريخ بطريقة ألوهية. فالمستقبل ليس مكتوباً بقضاء وقدر، إنّما الله يشرك النّاس في المسؤولية عن أعمالهم. فلا تنس انك مسؤول عن قراراتك وتصرفاتك مع النّاس الآخرين. والربّ سيجازيك عن كلّ اعثار للآخرين جزاء مؤلماً، كما لو طوّق عنقك بحجر رحى، وأغرقك في البحر بلججه العميقة. وقال يسوع لبيلاطس: خطيئتك كبيرة، ولكنّك لا ترتكبها لوحدك، لأنّ كلّ البرايا عالقون في شبكة الآثام. انّك لا تريد صلبي، ولكن بجنبك وخوفك مِن قيافا تحكمني. ورئيس الكهنة قد ارتكب ذنباً أعظم مما لبيلاطس، لأنّه أراد إبادة يسوع بغيرة وبغضة. وذنب قيافا تعاظم، لأنّه نظراً لوظيفته كرئيس الكهنة، كان عليه الرثاء والشفقة بالخطاة، ليصالحهم في روح رحيم مع الله. لكنّ قيافا الملبوس بالأرواح الشرّيرة أبغض يسوع حتّى الموت.
هـ – حكم بيلاطس الظالم على يسوع
(19: 12- 16)
19: 12 مِنْ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ بِيلاَطُسُ يَطْلُبُ أَنْ يُطْلِقَهُ, وَلَكِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصْرُخُونَ, إِنْ أَطْلَقْتَ هَذَا فَلَسْتَ مُحِبّاً لِقَيْصَرَ. كُلُّ مَنْ يَجْعَلُ نَفْسَهُ مَلِكاً يُقَاوِمُ قَيْصَرَ.
أراد بيلاطس انقاذ يسوع، لأنّ الأسير الدامي أمامه اعترف بسلطة الوالي، مع وضعه بجلاله وتقواه حدوداً لتلك السلطة. وبهذا رفض تهديد الوالي ووبّخه على خطيئته توبيخاً عادلاً وميزه عن درجة الجرم الأكبر لقيافا. فيسوع كان قاضي القاضي، وحاول جذب قلب الرجل للحق الإلهي، رغم أنّ ذلك الوالي مثّل كلّ الحقّ والسلطة على الأرض.
ولَمّا لاحظ رؤساء الكهنة التغيير في قلب بيلاطس، أداروا البحث إلى الوجهة السياسية، لأنّ اتهاماتهم بادعاء يسوع الألوهية ما نفعهم شيئاً في الحكمة. وإذ ذاك، لم يعودوا إلى الشكاية عليه بشيء مباشرة، بل هدّدوا الوالي شخصيّاً، انّه يكون ضدّ القيصر، ان لم يقتل يسوع سريعاً. ولفب “محبّ قيصر” يعني آنذاك أعزّ صديق له. وصار هذا الامتياز لسفرائه الشخصيين ولاقربائه. وكان بيلاطس مِن هؤلاء. وربّما كانت امرأته أحدى بنات القيصر الكثيرات. وبما أنّ طيباريوس ما كان يأتمن إنساناً، واتصف بالتشاؤم والقلق، لهذا لم يصدّق سفراءه باخلاصهم له وتوقع دائماً الثورات والانقلابات منهم عليه. فمَن اتّهم أحد محبّي القيصر وأثبت هذا الاتهام بأدلة ملموسة، فانه يقدر على اسقاطه باتّهامه ذلك، إذ يرسله القيصر إلى المنفى أو يعذبه حتّى الموت. ولو كتب رؤساء الكهنة إلى روما أن بيلاطس ترك ملك اليهود، رغم اتهامهم إيّاه بالثورة، لصار هذا اتهام على بيلاطس بجمعه أعداء القيصر حوله. وبما أنّ صديق بيلاطس سقط في انكشافه لَمّا همّ بالانقلاب، لذلك صار موقف بيلاطس على أرض مزعزعة. وما استعدّ أن يضحّي بكرسيه لأجل يسوع. وسواء أكان الحقّ إلى جانب يسوع أم ضدّه، فهذا لم تعد له أهميّة عند بيلاطس، لأجل المحافظة على منصبه الخاص. فبعد هذا التهديد انكسر، واتّجه حكم رسمي بادانة المسيح. مهتماً بالشكليات ليبريء نفسه مِن دم المسيح متظاهراً انّه قد قرّر حكماً عادلاً. ولكن في داخله هو عارف انّه اتّخذ حكماً ظالماً.
19: 13 فَلَمَّا سَمِعَ بِيلاَطُسُ هَذَا الْقَوْلَ أَخْرَجَ يَسُوعَ, وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْبَلاَطُ وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ جَبَّاثَا. 14 وَكَانَ اسْتِعْدَادُ الْفِصْحِ وَنَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ. فَقَالَ لِلْيَهُودِ, هُوَذَا مَلِكُكُمْ. 15 فَصَرَخُوا, خُذْهُ. خُذْهُ اصْلِبْهُ. قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ, أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ. أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ, لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرُ. 16 فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ.
علم يوحنّا مكان وساعة الحكم الظالم، الّذي حكم به النّاس على ابن الله باسم العدالة البشريّة. وجدران أبراج الثكنة الغليظة أحاطت بمكان الحكم الظالم كثيراً غاضبة. ولكنّ بيلاطس بحقده المتآمر طعن في رجاء اليهود بمسيحهم، واستهزأ على عصيانهم ضدّ الرومان. فقال لهم في ضغينته ليحرّضهم للغضب: قد اشتكيتم على يسوع هذا المسكين المدمى مِن الجلد، انه تظاهر بالملوكية. فإذا ها استلموا ملككم الضعيف. أنتم مثله باطلون لا تستحقّون الاهتمام بكم ثانية واحدة. وفهم اليهود رأساً معنى استهزاء الوالي، الّذي حوّل شكايتهم ضدّ يسوع إلى اهانة للمشتكين. فصرخوا بانفجار قلوبهم بصوت واحد، منقادين بروح جهنّم: خذه، أبدّه، إلى الصليب، إلى أقصى العار، ملعون هو، أصلبه.
أيّها الأخ العزيز، أدرك أنّ الصارخين هم أتقياء حسب ناموسهم وبتدينهم، لكنّهم أصبحوا عميّاً، حتّى انهم لم يدركوا المحبّة المتجسّدة والتواضع الإلهي وقداسة الآب المتحقّقة في يسوع، وأبغضوه وأرادوا إبادته حالاً. فليس التديّن ولا التعصّب ولا التحمّس يقرّب الإنسان بالله، إلاّ المحبّة المعلنة في يسوع الّتي تفتح أعيننا لصبره ورحمته وتضحيته. فبيلاطس تشفّى لَمّا رأى غيظ اليهود أمام استهزائه، لأنّه أصابهم باتّهامهم الخاصّ. وسمّى بشماتته يسوع مرّة أخرى ملك هؤلاء الهائجين، مستخرجاً منهم الاثبات أن الشعب كلّه أصر على القتل الظالم. فحاول الوالي إيجاد مبرّر لنفسه المبكتة لأجل عمله الظالم ومهرباً مِن امكانية محاسبته على ذلك، بأصوات الشعب الّتي أجمعت على صلب يسوع. فمِن الضروري أن نتعلّم أنّ صوت الشعب لم يكن هو صوت الله، لأنّ الشعب يضلّ كثيراً في أمنياته ودوافعه الدنيوية، حيث يستغلّه الشيطان استغلالاً كبيراً. فالديمقراطية والدكتاتورية، ليستا على مستوى ملكوت الله وإرشاد المؤمنين بهدى الرّوح. ورؤساء الكهنة الّذين لم يشتركوا برجاء الفرّيسيين باقامة الأموات في مجيء المسيح، ووجدوا الأرواح والملائكة، قد انتصبوا عندما كرّر بيلاطس قوله المستهزيء المحتال، وجاوبوه بمكر مغيظ بجملة واحدة، لم يسمعها الوالي طيلة خدمته، والّتي كان يتوق لاستخراجها مِن أفواههم بفرح. فأعداء القيصر هؤلاء كذبوا إذ قالوا جهراً، انّه ليس لهم ملك أو رئيس إلاّ ربّ القوّة الاستعمارية قيصر. وهذه الجملة كانت عبارة عن كذبة صريحة. وكان رؤساء الكهنة يتحامون ويرهبون الحركات المنتظرة للمسيح، كما كرهوا بنفس الوقت هيرودس الملك العميل ففضّلوا القيصر الضامن للحضارة اليونانية والنّظام في ربوع البلاد. وهكذا خانوا نوعيتهم ونبوّات العهد القديم وكلّ ترقّب مخلّصاً للمسيح. فلأجل إدانة يسوع لم يوفروا أي كذب. وأبو الكذّابين هو الموحي لأولاده. وأمّا المسيح فكان الوحيد في جلسة المحاكمة الثابت في الحقّ. وهو سامع صوت الله في ضميره. وثبت مستقيماً، رغم انّ ظهره كان ممزّقاً وعظامه مرضوضة.
وأخيراً قرّر بيلاطس حكمه الشرّير نتيجة لدوافع الأنانية والظلم والحقد والكذب والبغضة. عندئذ توقّف التنفس في السماء، وقهقهت جهنّم غبطة. ولكن ابن الله وقف صامتاً متكلاً على هدى أبيه، الّذي أعطى للوالي السلطة لصلبه. وقد أكمل يسوع بواسطة هذا الحكم الظالم المصالحة بين الله والنّاس. والأرواح الشرّيرة المشتركة بهذا الحكم ظنّت انّها منتصرة. إنّما مقاصد الله هي الّتي تحقّقت، رغم السلطات الشرّيرة وأعمالها الخبيثة.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نسجد لك، لأنّك حمل الله، الّذي يرفع خطيئة العالم. اغفر لنا كلّ ظلم وحقد وحيلة. وساعدنا حتّى لا ندين أحداً، لكيلا ندان نحن. امنحنا قلباً رحيماً صادقاً مستقيماً. وساعدنا لئلا نلوي الحقّ، ولا نضحّي بإنسان لنكسب مصلحتنا. فساعدنا لنفضّل الموت على الكذب، وقطع لساننا، مِن ان نوافق على الظلم. اجعلنا صخرة الحقّ في أمواج الكذب الضاربة.
السؤال:
11- لم حكم بيلاطس على يسوع؟
XYXYXYXYXYXYXYXYY
- صلب يسوع وموته
(19: 16- 37)
- عملية الصلب ووضع اللافتة
(19: 16- 22)
القراءات الصباحيّة
19: 16فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ. 17 فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ جُلْجُثَةُ 18 حَيْثُ صَلَبُوهُ, وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا, وَيَسُوعُ فِي الْوَسَطِ.
كانت ثلّة مِن الجنود على وشك الذهاب لصلب لصّين مجرمين، عندما سلّمهم بيلاطس يسوع كمجرم ثالث، ليتخلّصوا منهم قبل العيد، وترتاح البشريّة مِن الثوريّين. فوضع الجنود الرومان على كلّ مِن هؤلاء الثلاثة المحكومين، خشبة الصليب، ليحمل آلة موته بنفسه. ولم يرفض المسيح الصليب، ولم يرم خشبته طيلة الطريق، بل حملها بقدر طاقته البشريّة إلى المنتهى. فمر المجلودون المدميون في أزقّة المدينة مِن بين الدكاكين المفتوحة، حتّى وصلوا إلى الباب الشمالي الغربي لاهثين. ثم وصلوا تلّة وهي المسمّاة الجمجمة، لأنّ شكل التلّة مِن بعيد بانت كجمجمة صخرية كبرى، وكانت أعلى قليلاً مِن أسوار المدينة. فكلّ السكان قدروا أن يروا المحكومين معلّقين على صلبانهم خارج المدينة. فأوقف يسوع على الجمجمة هناك كناية على عرز صليبه في الجمجمة البشريّة. لأنّ العقل الإنساني لا يستطيع ادراك ابن الله مِن تلقائه، فيحتاج إلى الصليب لتتحقّق فيه انارة الرّوح القدس.
وإذ وصلوا إلى قمّة الجمجمة صنع النّاس المستحيل وغير الممكن للعقل، وهو تسمير يدي ابن الله على خشبة العار بمسامير صدئة. وجرّوه لاحدى الأعمدة الّتي كانت مِن قبل في الأرض الصخرية. وغاية الصلب هي انّ المصلوبين يجرّون أنفسهم للموت بثقل أجسادهم، بينما تقودهم الأوجاع الفظيعة للتصلّب المتزايد والعطش. فلا موت أفظع مِن الموت ظمأ والعضلات متقلصة متيبسة، رغم سلامة الجسد. وأحياناً يتحمّل المصلوب الصلب لمدّة ثلاثة أيام وليال معلقاً على خشبة اللعنة.
وما فسّر يوحنّا لنا تفاصيل الصلب البتّة، لأنّ قلمه امتنع عن تسجيل هذا الحادث المفزع، الّذي أرعب كلّ المؤمنين والملائكة وحتّى الآب السماوي. لقد رفض النّاس المحبّة الإلهيّة، وسيطرت بغضة جهنّم عليهم. فأماتوا بطريقة خشنة المولود مِن الرّوح القدس، وأكملوا بخطيئتهم ذبيحة المسيح الذاتية الّتي كفّرت عن خطاياهم. ولم يحمل المسيح على خشبة العار هالة مذهبة حول رأسه، لكنّ عاصفة الأوجاع هي الّتي مزّقت جسده. وفي أدنى اتضاعه أعلن أعظم مجده بواسطة صبر محبّته وانكار ذاته وقداسته. ما أبشع صورة الهوان، ان يعلّق يسوع وسط لصّين، اللّذين كانا يلتويان لاعنين على خشبة العذاب. فالطاهر الرحيم أعلن ذاته حتّى في اللحظة الأخيرة مِن حياته كشريك للخطاة. ولهذا وُلد ابن الله كابن الإنسان، ليصبح أبناء النّاس الضالون أبناء لله مبرّرين. فنزل المسيح إلى الأسفل في درجة كرامته، لكيلا يستطيع أحد القول ان يسوع لم ينزل إلى مستوى فساده ليفديه. فاينما كنت وكيفما سقطت، فالمسيح ينتظرك على درجة اوطأ مِن فسادك، ويغفر ذنوبك، ويغسلك مِن وساخاتك، ويقدّسك إلى التمام.
19: 19 وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَاناً وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوباً, يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ. 20 فَقَرَأَ هَذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ, لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيباً مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوباً بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَاللاَّتِينِيَّةِ.
علّق الجند يسوع وسط مجرمين استهزاء به وعلامة لادّعائه الملكية. واستمرّ بيلاطس في سخريته مِن المجلس الأعلى اليهودي، الذين اجبروه بتهديداتهم ليحكم على يسوع ضدّ ضميره، حكماً شرعيّاً ظالماً. فدوّن هذا الوالي الروماني كلمة الشكاية اليهودية ملخّصة فوق رأس المصلوب. ولم يرد اغاظة يسوع بهذه السخرية بل تحريض اليهود وتحذيرهم، حتّى لا يستمروا عاملين بحركات سياسية في انتصار المسيح الآتي. كما حرّض رؤساء الكهنة سابقاً باستهزائه الماكر ليرفضوا رجاء أمّتهم بالمسيح الآتي ويقبلوا القيصر زعيمهم ومخلّصهم الوحيد. إنّما الله قد استخدم هذه الكتابة المثيرة فوق رأس المصلوب لادانة اليهود، لأنّ يسوع كان حقّاً ملك شعبه. ولكنّ مختلف النوعية تماماً عمّا انتظرته أمّته. فالمسيح هو ملك الحقّ، الآتي بالبِرّ والمحبّة والتواضع والعفّة والوداعة والتّوبة. انه أسّس السماء على الأرض. واليهود قد اختاروا جهنّم. فرفضوا ملكهم الإلهي بغضة، وطردوه مِن شركة أمّتهم، فأصبح ملك الأمم، ولكن يا ترى هل تقبل الشعوب اليوم الملك المصلوب وتقبّل قدميه المسمّرتين، أو ترفض ربّ المحبّة مرّة أخرى مثبتو صلبه لعنة عليها تكراراً.
19: 21 فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ, لاَ تَكْتُبْ, مَلِكُ الْيَهُودِ, بَلْ, إِنَّ ذَاكَ قَالَ أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ. 22 أَجَابَ بِيلاَطُسُ, مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ.
وفهم رؤساء الكهنة رأساً استهزاء بيلاطس وتهديده الخفي الموجّه إلى الشعب. وجمحوا مغتاظين ضدّ تعجرفه الفخور. فهم لم يقبلوا يسوع المصلوب كملكهم، ورأوا في ضعفه وعاره الدليل لعكس ما ادّعاه بيلاطس. فكرهوا المعلّق على الخشبة كلّ الكراهية. وكان بيلاطس متأكّداً مِن ذلك الإعلان انّه متمش مع رغبات القيصر، حتّى انّه دوّنه في ثلاث لغات ليستطيع كلّ النّاس المثقّفين في القدس وزوارها أن يقرأوا بسهولة ويفهموا انّ كلّ ثائر ضدّ روما في المستقبل ما عليه إلاّ أن يموت هكذا مصلوباً. وحقّاً ففي سنة 70 للميلاد عندما ثار اليهود ضدّ الرومان عُلّقت الألوف منهم على الصلبان المنتصبة كحرج غابة حول أسوار القدس. لأنّ الّذين حاصروا العاصمة كانوا يعلّقون كلّ فار جائع على خشبة العار.
ب- اقتسام الملابس والاقتراع عليها
(19: 23- 24)
19: 23 ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ, أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ, لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ, مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. 24 فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ, لاَ نَشُقُّهُ, بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ. لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ, اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً. هَذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ.
وكان للأربعة عساكر، الّذين صلبوا المسيح واللّصين، الحقّ أن يقتسموا ثيابهم مكافأة لقيامتهم بهذا العمل القبيح. والضابط المشرف على العملية لم يتنازل للتقاسم مع الأربعة جنود. وهكذا أخذوا مِن يسوع آخر ما كان بحوزته حتّى القميص الداخلي وجرّدوه مِن كرامته، لأنّ المصلوبين كانوا يعلّقون على خشبة العار عراة تعييراً لهم أمام منظر المارين.
لكنّ اتّضاع يسوع هذا المستمرّ أعلن جلاله بأوضح بيان. وقميصه أشبه لباس رئيس الكهنة أثناء خدمته يوم التكفير، المنسوج مِن القطن الرفيع بدون خياطة. فخلعه منه أظهر كرامته في أعلى درجاتها، انه رئيس الكهنة والشفيع لكلّ العالم. ولأجل هذه الوظيفة الالوهية تألّم وتعذّب كثيراً. والرّوح القدس انبأ بألف سنة قبل هذه الحادثة عن تفاصيل صلب يسوع. وذلك في المزمور الثاني والعشرين حيث قال انّ ملابس المعذّب يقتسمونها ويوزّعونها بينهم، الأمر المتعارف عند الجنود في اقتسام الغنائم. والرّوح انبأ أكثر مِن هذا انهم بعد قسمتهم ثيابه، سيقترعون على قميصه الباقية إذ يختلفون عليها. فأبصر الرّوح الحقّ حقيقة صلب يسوع بآخر دقّة، مثبتاً انّ صلب يسوع هو مِن صميم إرادة الله. كما قال يسوع انّها لا تسقط شعرة مِن رأس المؤمن بدون معرفة أبينا السماوي. فمَن يقول انّ الصليب لم يحدث، فهو لا ينكر الحقيقة التاريخية فقط، بل يعصي روح الله القدّوس الّذي انبأ بهذه الحادثة قبل ذلك بألف سنة حسوماً. والجند قد تصرّفوا بجهلهم بدون احساس تحت الصليب منقادين بغريزة التملك. وتخاصموا لأجل حيازة ارث المعذبين، بشتائم ولعنات، لأنّهم خالون مِن الشفقة والرثاء. ولم يخطر ببالهم انّ فادي العالمين هو باذل دماءه فوقهم على الصليب.
أيّها الأخ هل صلبت مع المسيح، متحداً بموته برثاء وشكر؟ أو لا زلت راكضاً وراء المال والسلطة والشهرة؟ أتحبّ المصلوب ونلت بموته البِرّ الإلهي والقداسة الحقّة؟ أو تكون مِن السطحيين، الّذين لا يبالون بالصليب، ولا يفهمون معناة؟ انّ الرّوح القدس يوحدنا مع ابن الله في الإيمان والمحبّة والرجاء، لكي نشترك في موته وقبره وحياته ومجده ومحبّته المضحية.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك حملت صليبك ولم ترمه. ونسبّحك لأجل آلامك وصبرك ومحبّتك وبركاتك. ونحمدك لأجل غفران خطايانا وخطايا كلّ النّاس. أنت رفعت ذنوبي عندما عُلّقت على خشبة العار وسامحت الجنود وبيلاطس وقيافا وصالحت كلّ البشر بالله عندما تعذّبت في لهيب غضب الدينونة. أنت فادينا وشفيعنا ومكمّلنا. علّمنا الشهادة بخلاصك الكامل، لكي يقبلك كثيرون مخلّصاً شخصيّاً وينالوا بك الحياة الأبديّة.
السؤال:
12- ماذا يعني الإعلان المكتوب فوق الصليب؟
ج- كلمة يسوع لأمّه
(19: 25- 27)
19: 25 وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ, أُمُّهُ, وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا, وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. 26 فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ, وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً, قَالَ لأُمِّهِ, يَا امْرَأَةُ, هُوَذَا ابْنُكِ. 27 ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ, هُوَذَا أُمُّكَ. وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ.
ما ذكر يوحنّا الكلمة الأولى الّتي قالها يسوع وهو على الصليب مسامحاً العالم كلّه. ولم يذكر الاستهزاء الواقع على المصلوب وتجربته مِن قبل رؤساء الكهنة والشعب. وما أورد أيضاً عفو يسوع عن اللّص المصلوب عن يمينه، لأنّ هذه الأحداث كلّها كانت معروفة في الكنيسة تماماً، عندما كتب يوحنّا إنجيله تكملة لتلك الأخبار.
وعندما ترك رؤساء الكهنة موضع الصلب دون أن يستمعوا مِن المصلوب تضرّعاً ولا استرحاماً، ترك الشعب المتفرج أيضاً معهم ذلك المكان، مسرعين جميعاً إلى أورشليم ليذبحوا لعائلاتهم حملان الفصح، لأنّ وقت الاستعداد للعيد صار ضيقاً. والرؤساء كانوا مسرورين ظنّاً انّهم قد وفقوا لقتل المسيح الكذاب في هلة العيد حيث الشعب مشغول باعداد الحملان للتضحية. فحضر الرؤساء أنفسهم لاجراء الطقوس المقدّسة لأجل العيد الكبير في الأمّة. وبوّقت الأبواق مِن أسوار المدن. وذُبحت الحملان في الهيكل. وسُفكت الدماء انهراً. وامتلأ الهيكل بتسابيح. وأمّا خارج فقد عُلّق حمل الله القدّوس على خشبة اللعنة منعزلاً متروكاً مهيناً. وكان العسكر الروماني الوثني يحرس المصلوبين الثلاثة.
في ذلك الوقت اقتربت بعض النسوة بهدوء، ومعهنّ فتى، ووقفوا صامتين تحت الصليب. انّ الأحداث الواقعة آنذاك فاقت تحمّل عقولهم، لأنّ القادر على كلّ شيء كان معلقاً فوق رؤوسهم بعذاب أليم مقابلاً وجه الموت. فلم يقدر أحد أن يتلفّظ بتعزية. وكادت القلوب تعجز عن الصّلاة. ولعلّهم تمتموا بمزامير نابعة مِن شعورهم الباطني. وسمع يسوع الصراخ مِن قلب أمه وفهم دموع تلميذه المحبوب يوحنّا. ولم يفكّر الناصري بنفسه رغم اقبال الغيبوبة عليه، بل انسجم شاعراً بآلام أحبّائه. فسمعوا فجأة صوته المحبوب فوق رؤوسهم: يا امرأة، هوذا ابنك. ولم يقل لها يا أمّي بل بلفظ امرأة، لأنّ يسوع لا يخصّ إنساناً ما، إنّما اختصاصه لله وحده. وليس لأمّه عليه أيّ حقّ خاص. وقد كان حمل الله. وتمّ فيه ما قاله لها بخشونة في عرس قانا عن دنو أجله، لَمّا حول الماء الكثير إلى خمر رمزاً لدمه الكافي لخلاص كلّ البشر (2: 4). ومحبّة المسيح لم تنته حتّى المنتهى. واعتنى بالمصالح الدنيوية لأحبائه وسط آلامه في العمل الجبّار افداء العالم. وقد اعتبرت أمّه كوالدة مضلّ محكوم عليه وملعون. ومرفوضة مِن الأمة أيضاً. وتمّ فيها ما تنبأ لها به سمعان الشيخ مِن أنّ السيف سيدخل في قلبها (لوقا 2: 35) ومعنى اسمها “المرارة” قد تحقّق في هذه الساعة الفوّارة.
وما استطاع يسوع أن يوصي لها بعقار للسكن، وما ترك لها فلساً، لأنّ الجند جرّدوه حتّى مِن الملابس الداخلية. فهو إذ ذاك وهبها محبّته الحالّة في تلاميذه وكنيسته المسكونية. وجاء يوحنّا التلميذ مع أمّه أيضاً إلى الصليب. (متّى 27: 56) فلم يذكر رغم ذلك اسمه ولا اسم أمّه بتاتاً لكيلا يسلب شيئاً مِن كرامة يسوع في ساعة تمجيده العظيم. فلَمّا خاطبه يسوع، وسلّمه أمّه كأمّ ثانية له، فعند ذاك فقط أدخل التلميذ الأصغر نفسه إلى نور الصليب، واحتضن مريم المتضعضعة باحسانه، وقبلها في بيته. وفي هذه المناسبة علّمنا أن يوحنّا كان يمتلك بيتاً في أورشليم. وما كان فقيراً بل قدر على الاهتمام بأمّ يسوع واعالتها. وربّما انّ الجند قد سمحوا باقترابه مِن الصليب، لأنّه كان صغيراً ضامراً، ولا خوف منه لتحرير المصلوب. والنساء ألخريات كنّ شاهدات لعناية يسوع صامتات. والربّ كان قد حرّر احداهن مِن سبعة شياطين سابقاً. وتلك هي مريم المجدلية. فاختبرت قوّة يسوع الظافرة في نفسها، وأحبّت مخلّصها بدون أيّ ريبة، وتبعته حتّى الصليب. ولعلّها قد انتهى رجاؤها هناك، وبلغ اليأس والخوف مِن الأبالسة في نفسها كلّ مبلغ. إنّما محبّة يسوع وعنايته لأجل امنائه شملتها أيضاً وحفظتها مِن الشرّير. فلا يجد الشيطان ما فيك أيّ قوّة أو حقّ ما زلت واقفاً في قرب الصليب.
د- اكتمال يسوع
(19: 28- 30)
19: 28 بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ, فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ, أَنَا عَطْشَانُ. 29 وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعاً مَمْلُوّاً خَلاًّ, فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ, وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ.
كانت للبشير يوحنّا موهبة أن يقول بالكلمات القليلة معاني كثيرة. فلم يخبرنا عن الظلمة الساطية على المصلوب، ولا اسمعنا عن صرخة المسيح المتروك في لهيب غضب الله على خطايانا. ولكنّنا حصلنا على الخبر انّ يسوع في نهاية كفاح نزعه الرّوح خلال ثلاث ساعات أو أكثر، علم أنّ الموت مقبل عليه لا محالة ليبتلعه. ولكن يوحنّا لم يقل بأنّ الموت هو مقتنصه، لأنّ يسوع لم يمت بإرادة الموت وفعله القاسر، بل بإرادته الخاصّة سلّم نفسه إليه. لقد اجتهدت نفس يسوع على الصليب وتعبت جداً. فأكملت عمل الفداء للعالم كلّه. ورأى يسوع الخلاص التام لكلّ البشر. وأبصر كيف أنّ موته قد حرّر ملايين الخطاة مِن ذنوبهم ووهبهم حقّ القدوم لله. وهكذا فان المسيح قد رأى حصاد ثمار موته مسبقاً. عندئذ خرجت مِن جسده النازف الدم آهة: أنا عطشان. فالّذي خلق العوالم كلّها وركب المياه مِن أوكسجين وهيدروجين قد عطش. والّذي كان هو القداسة بالذات جاع إلى البِرّ لأجلنا. والمحبّة المتجسّدة اشتاقت لمحبّة الآب الّذي حجب وجهه عن ابنه. فهذا هو منظر جهنّم انّ الإنسان يعطش جسداً وروحاً ولا يجد ارواء. وكما قال المسيح في السابق عن الغني في جهنّم انّه كان له عطش شديد في لهيب النار وطلب إلى إبراهيم أن يرسل لعازر ليضع اصبعه في الماء البارد ويبلّ حلقه المتورّم اليابس، وهكذا ابن الله عُلّق في لهيب غضب الدينونة عوضاً عنّا وتألّم بهلاكنا كأنّه مرمي في بحر النّار اللظى. وكان يسوع إنساناً حقّاً وعطش عطشاً طبيعيّاً. ولكنّه ما اعترف بعطشه إلاّ عندما علم انّ عمله الخلاصي على الصليب قد تمّ. فعندئذ أوحى الرّوح القدس إليه انّ خدمته الفدائية إنّما كانت معلنة مِن قبل ألف سنة في المزمور 22: 13- 18، وانّ شرب الخلّ كان مذكوراً أنّه سيتم استهزاء بالمتألّم حسب المزمور 69: 22. ولا نعلم إذا كان الجند قد قدّموا ليسوع الشراب خلاً صافيّاً أو ممزوجاً بماء اهانة أو رثاء لحاله. إنّما نعلم انّهم ما قدّموا إليه الماء صافيّاً في الاسفنجة، وما اطفأوا غليل نفسه إلى محبّة الله. فالإنسان يسوع وهو ابن الله بقي بدون عون حقّاً.
19: 30 فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ, قَدْ أُكْمِلَ. وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ.
بعدما مصّ يسوع خلّ الغضب، نطق بكلمة المنتصر. قد أكمل. وقبل هذه الصرخة الظافرة بأربع وعشرين ساعة كان الابن يطلب مِن أبيه ان يمجّده أثناء صراعه على الصليب للفداء ليتمجّد اسم الآب تمجيداً كلّيّاً. واعترف الابن مؤمناً باستجابة هذه الصلوات مسبقاً، انّه أكمل العمل الّذي أعطاه أبوه نهائيّاً (17: 1 و 4).
فلقد غلب يسوع نفسه على الصليب، لأنّه لم تطف مِن شفتيه كلمة بغضة ولا انّة شفقة على ذاته ولا صرخة يأس. بل غفر وسامح أعداءه متمسّكاً بمحبّة الله الّذي ظهر له عدّواً مبيناً مِن أجل خطايانا. فعلم يسوع انه قد انهى فداء العالم، لأنّ الله قد أكمل رئيس خلاصنا بآلام شديدة. وليس أحد يستطيع استقصاء عظمة محبّة الثالوث الأقدس، لأنّ الابن قدّم نفسه لله بروح أزلي بلا عيب ذبيحة حيّة (عبرانيين 9: 14). فمنذ صرخة المسيح الأخيرة على الصليب قد تمّ الخلاص، ولا يحتاج إلى اكمال بعد. فليست تبرّعاتنا ولا أعمالنا الصالحة ولا صلواتنا ولا تقديس أنفسنا ينشيء برّنا أو زيادة القداسة في حياتنا، لأنّ ابن الله اكملنا مرّة واحدة بفدائه الكامل. وبموته بدأ عصر جديد، لأنّه في السابق كانت الحرب قائمة بين الله والخليفة. أمّا بعد الصليب فقد عمّ السلام، لأنّ حمل الله المذبوح صالحنا مع الآب السماوي. فمَن يؤمن به يتبرّر. ورسائل الرسل جميعها هي التفسير الكامل لكلمة يسوع النهائية الإلهيّة: قد أكمل. فمِن الصليب وحده كنيسة المسيح هي صادرة. وتمجيد اسم الآب يتحقّق بولادة أولاد مِن الرّوح القدس ثماراً لموت الابن البريء. فنكس المسيح رأسه أخيراً بعد أن كان منصبّاً على الصليب بجلال ووقار. ولم يسقط الابن بين ذراعي الموت بل سلّم نفسه ليدي الآب، الّذي أحبّه بلا انقطاع. واستمرّ بمحبّته وسط دينوتنا وحتّى في القبر. فهذه المحبّة جذبته إلى عرش النّعمة حيث يجلس اليوم عن يمين الآب واحداً معه وثابتاً فيه.
الصّلاة: أيّها الحمل القدّوس الّذي رفعت خطيئة العالم، أنت مستحق ان تأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوّة والكرامة والمجد والبركة وحياتي أيضاً. انّي أخجل لأجل آثامي المتعدّدة. ولكن لأجل موتك في المحبّة عن كلّ النّاس ارفع رأسي وانظر إليك أيّها المصلوب، ملتمساً منك غفران كلّ ذنوبي ومؤمناً بتقديس نفسي بنعمتك بدمك. فاسجد لك مع كلّ المقدّسين طالباً منك فتح أعين النّاس الّذين اعرفهم في مدرستي وبيتي ومهنتي ومحيطي، لكي يروك ويدركوا ذبيحتك ويسلّموا أنفسهم لك. اجعلني آله لسلامك لكي أبشر بموتك حتّى تجيء.
السؤال:
13- ما هي كلمات يسوع الثلاث الّتي نطقها على الصليب وشهد لنا بها يوحنّا؟ وما هي معانيها؟
هـ- الطعنة في جنب يسوع
(19: 31- 37)
19: 31 ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ, فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ, لأَنَّ يَوْمَ ذَلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيماً, سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا. 32 فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. 33 وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ, لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. 34 لَكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ, وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. 35 وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ, وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ, وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ. 36 لأَنَّ هَذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ, عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ. 37 وَأَيْضاً يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ, سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ.
تعصّب اليهود لناموسهم (لشريعتهم) وكانوا خالين مِن الإنسانية، لأنانيتهم في حفظ الوصايا. فلم يسمح في زمن موسى ببقاء المقتولين بالغرز في خوازيق الأوتاد إلى الليل، فطبّق اليهود هذه الوصيّة على المصلوبين الثلاثة أيضاً، لأنّهم ما ارادوا منظراً قبيحاً وسط أفراح العيد الكبير. فطلبوا إلى الوالي بيلاطس انهاء حياة المعذّبين سريعاً بكسر افخادهم وأحواضهم بواسطة قطعة مِن الحطب الغليظ، حتّى ينسحقوا انسحاقاً. إنّ عقل الإنسان ليشبه روح الشيطان في اختراعه أنواع العذاب، ان لم يستنر بغفران الله. كثيراً ما يموت المصلوبون في اليوم الثالث لصلبهم، لأن تسمير اليدين والرجلين بين العروق لا يسبب نزف دماء كثيرة. فالجند الروماني ابتدأوا بعملهم القبيح في المجرمين فرضضوا أطرافهما بضربات قاصمة شديدة رافقتها صرخات المتألمين المريرة. إلاّ أنّ أحد اللصين علم انّه لأجل إيمانه بالمسيح ليدخلن مباشرة الفردوس. وأمّا الآخر فإلى جهنّم وساءت مصيراً. وتجمد بعدئذ أمام يسوع إذ رأوه فارق الحياة. فجسده الناعم كان قد ضعف مِن الجلد، ونفسه الصالحة تألّمت تحت وطأة ذنوبنا ودينونة غضب الله على العالم. فانسحقت تماماً. إنّ يسوع مات بإرادته لأنّه صالحنا صلحاً أبديّاً. ولم يفكّر الجند بهذه الأفكار الدينية البعيدة عن مخيلتهم، بل أرادوا الاستيقان مِن موت المصلوب أو بقائه حيّاً. فأخذ أحدهم رمحه وطعن جنب المسيح في خاصرته قرب قلبه. وهوذا لم ينفجر منه دم أحمر إنّما سال مِن خاصرته دم مزّرق وماء منفصل عنه، دلالة واضحة على انّه قد مات حقّاً قبل الساعة السادسة ظهراً مِن يوم الجمعة الحزينة.
وهذه الحادثة تعلن للمؤمن انتصار الله مِن ثلاث جهات. الأولى انّ اليهود قد اندفعوا مِن الأرواح الشيطانية لمحاولتهم تكسير عظام المسيح، لكيلا يستطيع إنسان ما القول انّ المصلوب هو الذبيحة الإلهيّة، لأنّ قانون حمل الفصح قائل منذ البدء ألاّ يسمح بكسر أيّ عظم مِن عظامه أثناء شيه على النار (سفر الخروج 12: 40). فهكذا حفظ الله ابنه حتّى في الموت فلا يستطيع أحد نقص تعيينه حملاً لله. فمكر جهنّم تحطّم أمام الملتصق بالله. وإيمانك خلّصك حتّى في وادي ظلّ الموت.
وثانيها. طعنة العسكري لجسد يسوع الّتي وجدت الكنيسة الأصلية مصدّقاً لها في نبوة زكريا (12: 16- و11: 13). فهناك رأى النّبي كيف أنّ شعب العهد اعتبر قيمة راعيه الأمين لا تساوي أكثر مِن ثلاثين مِن فضّة. ورغم هذا الاحتقار يسكب الله روح النّعمة والصّلاة على بيت داود وأهل أورشليم حتّى تنفتح أعينهم فيدركوا مَن هو المصلوب ومَن هو أبوه. وبدون هذه الانارة لا يعرفون الله ولا خلاصه. فالمصلوب هو الوسيلة الوحيدة للحصول على روح الله كما نقرأ سينظرون إلى الّذي طعنوه.
والثالثة ظهرت في أمانة التلميذ الّذي بقي تحت الصليب كشاهد عيان لكلّ هذه الحوادث والأقوال. ولم يهرب عندما أقبل الجند عليه وما ترك ربّه بعد الموت. وأبصر بطعنة الرمح الّتي اخترقت يسوع قلب الله جليّاً. وشهد لنا بمحبّة الآب والابن والرّوح القدس لكي ننال بالإيمان في وحدة الثالوث الحياة الأبديّة.
فكيف أدرك يوحنّا محبّة الله وشهد بها لنا؟ انه أخبرنا بحفظ جسد يسوع مِن كسر العظام حتّى يبقى موته الذبيحي غير معيوب. فيمرّ غضب الله عنا إذا اتّحدنا مع حمل الفصح ويتحقّق فينا معنى عيد الفصح الأصلي. وبطعنة الرمح أدرك البشير كذلك أنّ يسوع سيرجع في مجد ويخلّص شعبه الشرّير الّذي سيدركه في مجيئه الثاني، مبصرين آثار الجرح على صدره. فالرّوح القدس لم يترك يوحنّا يائساً وسط الظلمات بل فتح أعين قلبه لانتصار المسيح، كيف أكمل خلاص العالم على الصليب، واتيانه في المجد محقّقاً خلاصه للعالم ظاهراً عميقاً.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أنت العالب على الخطايا والشيطان والدينونة. أنت الحيّ والمالك مع الآب في وحدة الرّوح القدس. نسجد لك ونشكرك، لأنّنا حصلنا على روحك القدّوس لأجل الطعنة الّتي في جنبك. أنت حمل الله المذبوح الّذي حرّرنا مِن الغضب الآتي والدينونة الأخيرة. ونلتجيء إلى شركتك الرحيمة. أعدّنا لاستقبالك وأيقظ كلّ النائمين الكفار ليتقدّموا إليك مبتهلين ومؤمنين بموت صلحك وصلح موتك.
السؤال:
14- ماذا نتعلّم مِن عدم كسر عظام يسوع؟ ومِن طعنة الرّمح المخترقة جثّته؟
و: دفن يسوع في القبر الصخري
19: 38 ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ الرَّامَةِ, وَهُوَ تِلْمِيذُ يَسُوعَ, وَلَكِنْ خُفْيَةً لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ, سَأَلَ بِيلاَطُسَ أَنْ يَأْخُذَ جَسَدَ يَسُوعَ, فَأَذِنَ بِيلاَطُسُ. فَجَاءَ وَأَخَذَ جَسَدَ يَسُوعَ.
ليس كلّ أعضاء المجلس اليهودي السبعون وافقوا على الحكم ضدّ يسوع بلا قيد أو شرط. فقد ظهر مِن أحدى الحفريات الجديدة انّه كان ينبغي لايقاع حكم الأعدام على المتّهم أن يعارض الحكم اثنان بأقلّ درجة، دلالة على رحمة الله الّذي لا يرفض الخاطيء كليّة، فلأجل ذاك يعدمونه. أمّا ان وافق الكلّ على الموت، فيدلّ ذلك على اندفاع بشري ضدّ المتّهم وخطأ غامض لا بدّ وقع فيه المجلس، وبناء عليه تعاد المحاكمة وتتحرى الحقائق بدقّة أكثر. فلو كان هذا القانون معمولاً به ومطبقاً في زمن يسوع، إذاً لكان مِن البديهي انّ أثنين على الأقل مِن أعضاء المجلس قد عارضا الحكم، أحدهما لا بدّ أن يكون يوسف الّذي مِن الرامة. والّذي كان يكتم إيمانه بيسوع لغناه الوافر (متى 27: 57 ومرقس 15: 53). ولم يرد ان يفقد مكانته في المجلس ولا تأثيره على مسير الشعب بتقديم آرائه الناضجة، ومعارضته لكلّ خطأ يمكن أن يتورط به المجلس الأعلى. وقد اغتاظ يوسف الرامي هذا مِن قيافا كثيراً لظلمه واجرائه جلسات المحاكمة بمكر. فترك حياده واعترف جهراً بانضمامه إلى يسوع. ولكنّ الاعتراف جاء متأخّراً وشهادته كانت معارضة رسمية ضدّ المجلس كلّه، إنّما ساهمت حسب القانون الآنف الذكر في تنفيذ حكم الصلب على يسوع نهائيّاً.
وذهب يوسف إلى الوالي بيلاطس بعد موت يسوع. وكان له الحقّ بمقابلته، لأنّه عضو في المجلس الأعلى. وحيث أنّ الوالي كان ما يزال زعلاناً لأجل ارغامه مِن اليهود على ان يحكم حكمه غير العادل على يسوع، وخيفته مِن ابن الله الّذي اسلمه للصلب، سارع باستجابة طلب يوسف. فأعطاه الحقّ بانزال جسد يسوع عن عمود الصليب ويدفنه حيث يشاء. وبهذا القرار انتقم بيلاطس مرّة أخرى مِن اليهود الّذين كانوا يجرّون المرجومين والمقتولين دينيّاً إلى وادي هنوم لتأكلهم الضباع وحيت النفايات وبعض النيران الموقدة. وبقايا ادخنتها المتصاعدة. إنّما الله حفظ ابنه مِن هذا العار، لأنّه قد أتمّ وظيفته كذبيحة إلهية على الصليب. وأبوه السماوي أرشد يوسف الرجل الوجيه ليدفن يسوع بقبر محترم.
19: 39 وَجَاءَ أَيْضاً نِيقُودِيمُوسُ, الَّذِي أَتَى أَوَّلاً إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً, وَهُوَ حَامِلٌ مَزِيجَ مُرٍّ وَعُودٍ نَحْوَ مِئَةِ مَناً. 40 فَأَخَذَا جَسَدَ يَسُوعَ, وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الأَطْيَابِ, كَمَا لِلْيَهُودِ عَادَةٌ أَنْ يُكَفِّنُوا. 41 وَكَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ بُسْتَانٌ, وَفِي الْبُسْتَانِ قَبْرٌ جَدِيدٌ لَمْ يُوضَعْ فِيهِ أَحَدٌ قَطُّ. 42 فَهُنَاكَ وَضَعَا يَسُوعَ لِسَبَبِ اسْتِعْدَادِ الْيَهُودِ, لأَنَّ الْقَبْرَ كَانَ قَرِيباً.
وفجأة وقف نيقوديموس بجانب الصليب أيضاً. وهو كان المعارض الثاني في المجلس اليهودي. وقد حاول سابقاً أبطال الحكم السرّي مِن المجلس على يسوع، طالباً مِن الأعضاء جلسة عادلة لبيان كلّ الحقائق (يوحنّا 11: 44) فهذا الشاهد ليسوع أتى بأثنين وثلاثين كيلو مِن الطيب الغالي الثمن، وجاء بأكفان وأربطة ليلفّوا جسد يسوع الممزق، وليساعد يوسف في إنزال جثمانه عن الصليب ودهنه كما كانوا يصنعون في الأمراء آنذاك إذا ماتوا. وتوجب عليهما الاسراع في عملية الدفن، لأنّه كان عليهما انجاز ذلك قبل الساعة السادسة مِن مساء الجمعة، حيث يبدأ السبت الّذي يحرّم فيه كلّ عمل. فلم يبق لهما إلاّ وقت وجيز لذلك. وبنفس الوقت فانّ الدفن قد سبّب لهم التنجّس لمدة أسبوع حسب عقيدة اليهود. فلم يستطيعا الاشتراك بأفراح العيد الكبير وما أرادا فرحاً ولا حبوراً، لأنّهما تأكّدا أنّ رجل الله قتل ظلماً مِن أمتهم وغضب الله مقبل على شعبهم ومدينتهم حقّاً.
وقد أرشد أبو ربّنا يسوع المسيح هذين الرجلين ليمجّدا ابنه الميت، لكيلا يفنى في النّار رمزاً لجهنّم أو يفترسه أبناء آوى عاراً بل يتمّ الوعد الكبير الّذي في سفر أشعياء 53: 9 انّه يدفن عند الأغنياء والنبلاء في قبر محترم. إذ كانت تكاليف نحت القبور في الصخر باهظة. وما وجد يوسف عند سرعة انزال جسد يسوع عن الصلب، وضيق الوقت أمامه، طريقة أفضل لاكرامه مِن أن يقدّم له قبره الخاص القريب مِن موضع الصليب خارج أسوار المدينة. وهناك وضعوا جسد يسوع على مصطبة بدون تابوت ملفوفاً بأقمطة وأكفان قد بلّلوها بالعطور والطّيب الّذي استحضره نيقوديمس معه.
لقد مات يسوع حقّاً وحياته انتهت على الأرض وهو شاب فيما بين سن الثلاثين والثالث والثلاثين ربيعاً. وإنسان أعظم المحبّة قد تحطّم بحسد الناموسيين (الشريعيين) وببغضة الرؤساء الماكرين. ولكن ابن الله لم يفلس ولم يخسر خطّته، بل تقدّم عزماً إلى الموت متخذاً مِن وفاته وسيلة لخلاص العالم. لقد وُلد ليموت وقال ليس لأحد محبّة أعظم مِن أن يضع نفسه لأجل أحبّائه. الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، أشكرك لأنّك متّ لأجلنا. واحبّك مع كلّ المؤمنين لأن محبّتك خلّصتنا مِن غضب الله وثبتنا في وحدة الثالوث الأقدس. لا استحقّ القدوم إلى الله القدّوس، ولكنّ دمك الثمين، طهّرني لأكون قدّيساً إلى الأبد. اقبل حياتي شكراً لك لكي أعظّم موتك بارشاد الرّوح القدس، واخبر كلّ النّاس انّهم مفديون لأجل صليبك.
السؤال: 15- ماذا نتعلّم مِن دفن يسوع؟
هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ
حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ،
لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ
بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.
(كلمات الوحي حسب البشبر يوحنّا 3: 16)
ثانيّاً: قيامة المسيح مِن بين الأموات
وظهوراته المختلفة
(20: 1- 21: 25)
1- الحوادث صبيحة أحد الفصح
(20: 1- 10)
أ- مريم المجدلية في القبر الفارغ
(20: 1- 2)
20: 1 وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِراً, وَالظَّلاَمُ بَاقٍ. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعاً عَنِ الْقَبْرِ. 2 فَرَكَضَتْ وَجَاءَتْ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَإِلَى التِّلْمِيذِ الآخَرِ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ, وَقَالَتْ لَهُمَا, أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ.
كان التلاميذ والنسوة اللواتي تبعن يسوع، مسحوقين جميعاً مِن أحداث يوم الجمعة الحزينة. وقد نظرت النسوة على البعد كيف وُضع يسوع في القبر الفخم. ولقد اضطر التلاميذ ومعهم النسوة للعودة سراعاً إلى دورهم، لكيلا يلاموا بكسر السبت الّذي ابتدأ عشيّة الجمعة عند الساعة السادسة مساء.
وفي ذلك السبت العظيم الّذي وافق فيه يوم عيد الفصح، لم يستطع أحد الذهاب إلى قبر يسوع. وبينما كانت الجماهير مبتهجة بمصالحة الله مع الأمّة في رمز الحملان المذبوحة، قعد المسيحيون مجتمعين بخوف وبكاء واضطراب، لأنّ رجاءهم قد دُفن بدفن ربّهم. وعشيّة هذا السبت العظيم ما لاق بالنسوة الخروج مِن أبواب المدينة، ولا شراء الطّيب واللوازم لدهن يسوع. فانتظرن مترقبات فجر يوم الأحد. ولم يكتب لنا البشير يوحنّا عن النسوة الأخريات اللواتي رافقن مريم المجدلية، بل أبرزها لوحدها. إنّما نجد ذكر النساء الأخريات في قول مريم المجدلية إذ تكلّمت بصيغة “نحن”. فسالومي أم يوحنّا البشير وبعض اللواتي كنّ معها واقفات عند الصليب مساء الجمعة الحزينة، انطلقن معاً في صبيحة الأحد، ليدهنّ جثّة يسوع، ويبكين عليه تذارفاً. وكان الوقت فجراً باكراً لَمّا اقتربن هلعات مِن الحزن وفجيعة المحبّة إلى القبر، الّذي ظنّنه مختوماً. وكان رجاؤهن كالليل مظلماً واليأس خيّم عليهنّ. لأنّ نور القيامة لم يضيء عليهن، والحياة الأبديّة لم تشرق في أذهانهنّ.
فعندما وصلن إلى القبر فزعن إذ شاهدن الحجر الكبير، الّذي كنّ مِن وقت وجيز وهن قادمات يتحيّرن كيف سيستطعن زحزحته، فرأينه متدحرجاً عن فم القبر جانباً.
وهكذا فالقبر المفتوح إذا، كان أوّل معجزة في فجر القيامة العظيمة. وهو الشهادة لهمومنا وعدم إيماننا، لأنّ المسيح هو القدير المستطيع أن يدحرج كلّ الحجارة الضاغطة على قلوبنا. فمَن يؤمن ير عون الربّ. وبازالة الحجر انفتح الطريق إلى يسوع. فسقطت خطايانا، وأصبح طريقنا إلى الله معبّداً، حتّى ولو أهملناه سابقاً بعدم إيمان ويأس مرير. إنّ الإيمان يرى مستقبلاً عظيماً.
ولم يخبرنا يوحنّا عن ظهور الملائكة لأنّ هذه الأحداث كانت معروفة في الكنيسة. وربّما سبقت مريم المجلية زميلاتها ومدّت رأسها إلى داخل فجوة القبر، فرأت ان الجسد ليس موجوداً. ففزعت وانطلقت رأساً إلى التلاميذ، لأنّها تأكّدت انّ هذه المعجزة الثانية لفجر القيامة، ينبغي ان يعرفها مقدام الرسل وبقيّة الحواريين. أمّا النساء الأخريات فبقين هنالك حول القبر مشدوهات ورائيات ملائكة حضوراً. والمجدلية ما ان وصلت إلى بطرس والتلاميذ معه، وهي عارفة أين هم مختبؤن، حتّى انفجرت قائلة فُقد جسد يسوع. لا بدّ ان أحداً أخذه لسبب ما، هذه جريمة مضاعفة. ونجاسة مقشعرة. فبهذا يبيّن انّها والتلاميذ كانوا جميعاً عميان بالرّوح، لأنّهم ظنّوا أنّ أحداً سلب جسد الرّبّ. وما طرأ على بالهم أنّ الرّبّ قام مِن بين الأموات، لأنّه الرّبّ. وكفى بذلك دليلاً حاسماً.
ب: تسابق بطرس ويوحنّا
للقبر الفارغ
(20: 3- 10)
20: 3 فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ وَأَتَيَا إِلَى الْقَبْرِ. 4 وَكَانَ الاِثْنَانِ يَرْكُضَانِ مَعاً. فَسَبَقَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ بُطْرُسَ وَجَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ, 5 وَانْحَنَى فَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً, وَلَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ.
ابتدأ سباق التلميذان إلى القبر، فصارت مسابقة المحبّة. فكلّ منهما أراد أن يكون الأوّل عند يسوع. وأخذ بطرس الكبير في السن يلهث وراء الفتى السريع يوحنّا. ولم يقدر به لحاقاً. وكلاهما نسيا خوفهما مِن الجواسيس والحرّاس ومرّا مِن باب المدينة سعيّاً إلى سيّدهما. ولَمّا وصل يوحنّا إلى القبر فما دخله لأنّ رهبة مقدّسة أوقفته لكنّه نظر إلى القبر المنحوت بالصخر، وأدرك فجأة في وسط طيّات الظلمات الأكفان البيضاء ملفوفات ومتروكات كما الشرنقة المتخلية عنها دودة القز. فلم تسقط وتتلخبط الأكفان المبتلة طيباً عندما فارقها يسوع، بل ظلّت مستديرة كما كان فيها ولم يتغيّر وضعها. فهذه هي المعجزة الثالثة لحادثة القيامة. فلم يمزّق المسيح الأكفان الملتفة عليه بل انسرب منها بهدوء. والملائكة ما دحرجت الحجر عوناً للرب ليستطيع الخروج. كلاّ بل لمساعدة النسوة والتلاميذ للرؤية، لأنّ الرّبّ مرّ مِن وسط الصخور خارجاً مِن قبره.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك لأنّك قمت مِن بين الأموات. فأنت الغالب على كلّ الظلمات. فلقد فتحت لنا الطريق إلى الله، وترافقنا في وادي ظلّ الموت، ولا تتركنا، لأنّ حياتك هي حياتنا، وقوّتك تكمل في ضعفنا. فنسجد لك ونحبّك، لأنّك منحت لكلّ المؤمنين بك رجاء ظافراً.
السؤال:
16- ما هي الأدلّة الثلاثة البارزة لقيامة المسيح؟
20: 6 ثُمَّ جَاءَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَتْبَعُهُ, وَدَخَلَ الْقَبْرَ وَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً, 7 وَالْمِنْدِيلَ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِهِ لَيْسَ مَوْضُوعاً مَعَ الأَكْفَانِ, بَلْ مَلْفُوفاً فِي مَوْضِعٍ وَحْدَهُ. 8 فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضاً التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي جَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ, وَرَأَى فَآمَنَ.
وقف يوحنّا خارجاً منتظراً وصول بطرس مقدام الرسل ليكون له الشّرف انّه الشّاهد الأوّل لمعاينة حالة القبر وخلّوه مِن المسيح. فقد كان الفتى يوحنّا مضطرباً بما شاهده للوهلة الأولى مِن دحرجة الحجر، وانفتاح القبر، وفقدان الجسد، ووضع الأكفان بحالتها المنظّمة مع خلّوها مِن الجسد. فدارت الأفكار مضطربة في رأس وقلب هذا الفتى اليافع، فصلّى وطلب انارة مِن الرّبّ عمّا عساه يكون هذا.
وأخيراً وصل بطرس للمكان متراخيّاً، فدخل رأساً إلى القبر المفتوح ودقّق النظر، فأدرك أنّ المنديل الّذي كان على وجه يسوع لم يبق مكانه مع الأكفان، بل ألقاه جانباً في زاوية مرتّباً بنظام. ممّا دلّه على أنّ يسوع لم يكن مسروقاً، لأنّ خروجه كان منتظماً وبهدوء وحكمة. فانّها لتعزية كبرى مِن القبر الفارغ، الاّ ضرورة للرّبّ أن يستعجل بعمله المتعلّق بالموت، بل انّه يتمم انتصاره وتحريرنا مِن قبضة الهلاك بهدوء وانتظام تامّ. ودخل بطرس القبر كمفتّش خبير. ولكنّه لم يفهم معاني الدلائل الواضحة. وأمّا يوحنّا الصوفي، فقد فكّر وصلّى وأشرق في قلبه الرجاء. ولَمّا لبّى دعوة بطرس، ودخل إلى القبر استنارت روحه، وابتدأ ان يؤمن بقيامة المسيح. فليس التقاؤه بالمقام مِن بين الأموات خلق فيه الإيمان، بل القبر الفارغ والأكفان الموضوعة دلّته على الحقيقة، فأوجدت فيه الإيمان.
20: 9 لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ, أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ مِنَ الأَمْوَاتِ. 10 فَمَضَى التِّلْمِيذَانِ أَيْضاً إِلَى مَوْضِعِهِمَا.
ما بقي المسيح في القبر كسائر الفلاسفة والأنبياء وكلّ الخطاة الآخرين. بل قد قام مخليّاً الموت كثوب متلّوث. وبقي القدّوس بلا خطيئة، ولم يجد الموت فيه ولا عليه سلطة. ومحبّة الله لا تفنى، ولا تسقط إلى الأبد. فلا يستطيع أعداء المسيح الادّعاء انّ جسد يسوع تفتّت في القبر، لأنّه كان فارغاً، ولم يهرب المسيح، ولم يسلب بتاتاً، لأنّ غرفة موته قد عمّ فيها النظام. والأكفان شهدت ليوحنّا أن يسوع خلع أدواته الدنيوية، ثمّ لم يحتج إليها بعد. فبأقمطة المذود ابتدأ سيرته البشريّة، وبالأكفان الفارغة انتهت. وهكذا بقيامته ابتدأت مرحلة جديدة في كيانه على درجة سماويّة أعلى، رغم انّ يسوع بقي بعد موته إنساناً حقّاً.
ولقد دارت هذه الأفكار في قلب يوحنّا، وهو راجع مِن القبر المفتوح. لكنّه لم يبرز بافتخار انّه كان التلميذ الأوّل الّذي أدرك انتصار ابن الله في قيامته بل اعترف بخجل انّه آمن متأخراً بهذه الأعجوبة، رغم اتّضاحها في التوراة مكرّراً. فكثيراً ما قرأ في اسفار العهد القديم ولم يفهمها. فعيناه كانتا مغمضتين، لَمّا قرأ عن نيابة ونصرة عبدالله في سفر أشعياء 53. وكذلك شهادات داود لم يفهمها، الاّ ما كان منها قد وضّحه يسوع (لوقا 24: 44- 48 وأعمال الرسل 2: 25- 32 ومزمور 16: 8- 11).
وشاهدت صبيحة عيد الكبير الأوّل تلميذين راجعين إلى بيتهما باضطراب ورجاء وإيمان وتساؤل وصلوات واشتياق إلى يسوع، الّذي فارق القبر. وما عرفا أين هو؟
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نشكرك مِن صميم قلوبنا انّك الغلب في قلوب تلاميذك، منشئاً فيهم الإيمان بقيامتك، ومانحاً لهم الرّجاء العظيم بالحياة الأبديّة. نسجد لك، لأنّك إله أزلي. وتجعلنا أبديّين بنعمتك. خلّص كلّ أصدقائنا مِن الموت في خطاياهم. وامنحهم الحياة الأبديّة بإيمانهم بتضحيتك.
السؤال:
17- بماذا آمن يوحنّا وهو في القبر الفارغ؟
MMMMMMMMMMMMMMMMM
ج- ظهور يسوع أمام ماريا المجدلية
(20: 11- 18)
20: 11 أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجاً تَبْكِي. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ, 12 فَنَظَرَتْ مَلاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ وَاحِداً عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ, حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعاً. 13 فَقَالاَ لَهَا, يَا امْرَأَةُ, لِمَاذَا تَبْكِينَ. قَالَتْ لَهُمَا, إِنَّهُمْ أَخَذُوا سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ.
عاد التلميذان بعد ادراكهما فراغ القبر. فلا فائدة مِن البقاء هنالك. وما عرفا كيف يصنعا. ولم يذكر يوحنّا ايقانه الجديد. ولكنّ مريم المجدلية، فبعد أن أخبرت التلاميذ بفراغ القبر عادت فلحقت بالتلميذين راجعة إلى القبر. ومكثت هنالك رغم عودتهما إلى المنزل. وذلك لأنّها لم تكتف بحقيقة فقدان الجسد، لأنّها كانت متمسّكة به بقلبها والميت كان رجاء قوتها. وبفقدان الجسد اضمحلّ آخر رجائها. فبكيت بكاء مرّاً في أعماق يأسها. وإذ هي في أعماق حزنها، أرسل إليها يسوع ملاكين قد ظهرا أيضاً للنسوة الأخريات عندما فارقتهن قليلاً لتخبر التلاميذ. فها هي ذي تراهما جالسين في القبر الفارغ بلباس أبيض مضيء ظلمة المكان. وما بانا مخيفين كالشياطين السبعة الّذين حلّوا فيها سابقاً، وقد أخرجهم منها المسيح. ومع ذلك فما استطاعا لها تعزية، لأنّها لا تقبل رئاء ولا تعزية ولا رؤيا ملائكة ولا أيّ شيء آخر، سوى معاينة يسوع وحده. فقلبها كان صرخة واحدة: أين أنت يا ربّي.
والاشتياق هذا الكامن في مريم المجدلية إنّما هو سؤال موجّه إلينا. ما الّذي نطلبه؟ ولماذا نتمنّى أمنياتنا؟ وما هي أهداف أفكارنا؟ ولأجل أي شيء نجد قلوبنا مشغولة. أنقصد نجاحاً في الامتحانات؟ أنحتاج إلى المال؟ أنصلّي لأجل شفاء مِن مرض أو حلول صحّة؟ أنطلب غفران خطايانا؟ أنريد الحياة الأبديّة أو نشتاق إلى رؤية ملائكة وأرواح؟ أو ننسجم مع مريم المجدلية، ولا نريد إلاّ رؤية يسوع؟ أيصرخ قلبك إلى مجيئه الثاني أو أنت محبّ لنفسك مكتف بحالتك المسكينة؟
20: 14 وَلَمَّا قَالَتْ هَذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ, فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفاً, وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. 15 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, يَا امْرَأَةُ, لِمَاذَا تَبْكِينَ. مَنْ تَطْلُبِينَ. فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ, فَقَالَتْ لَهُ, يَا سَيِّدُ, إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ, وَأَنَا آخُذُهُ. 16 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, يَا مَرْيَمُ. فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ, رَبُّونِي الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا مُعَلِّمُ.
ثم ها هوذا يسوع قد استجاب لصرخة طالبة المسيح. الآخرون جميعاً اكتفوا برؤية القبر الفارغ وسماع إعلانات الملائكة. أمّا المجدلية فاعتبرت كلّ ذلك سقطاً وأرادت رؤيته، وليس إلاّ هو. فظهر إذ ذاك يسوع لها، واقفاً أمامها، ليس كملاك بلباس بارق، ولا كإله بهي منتصر قدّوس. كلاّ فانّ يسوع ظهر بعد قيامته كإنسان بسيط، بدون هالة حول رأسه. وغالب الموت لم يفقد شخصيته البشريّة، بل قام جسديّاً. وما فسد جسمه في القبر الصخري، بل تغيّر جسداً وروحيّاً، وبان دنيويّاً، رغم روحانيته الأزليّة.
وكانت مريم حائرة ومضطربة إلى درجة، انها لم تفقه صوت يسوع. ولم تسمع ما قاله لها الله، ولا ملائكته، لأنّها أرادت رؤية يسوع لا سماع كلماته فقط. وهي لم تدركه حتّى عندما وقف أمامها شخصيّاً. فقد عميت عن الرؤية رغم اشتياقها إليها. وهكذا يكون ممكناً ان القلب الممتليء بالحزن لا يدرك المسيح الحاضر معنا، ولا يسمع كلماته اللطيفة الحنون. وهكذا طلب كثير مِن طلاب الله ربّهم الخالق ولم يجدوه. لأنّهم أحبّوا عملية الطلب أكثر مِن المطلوب بالذات. والبحث عن الحقّ طلمس على قلوبهم، حتّى لم يريدوا ادراكاً للحقّ فيما بعد ولم يروه أبداً.
لكنّ يسوع عرف محبّة مريم المقدّسة، واخترق جدران آلامه النفسانية بكلمته الحنونة. ودعاها باسمها، معلناً لها، انه ليس أي إنسان ما، ولا البستاني، بل هو العليم الحكيم الرّبّ بالذّات. ودعا يسوع مريم مثلما الرّاعي الصّالح داع خرافه إليه، الّتي يعرفها باسمائها معطيّاً لها الحياة الأبديّة. فالّذي يحبّ المسيح يختبر محبّته وينال بمناداة الربّ باسمه غفران الخطايا وتعزية الرّوح القدس، في قلبه الصميم. وقد فهمت مريم رأساً نداء ربّها، كما لعازر لَمّا كان في القبر أطاع رأساً أمر المسيح وطار إليه. ويسوع يدعوك باسمك. فهل تسمع صوته، وتأتي إليه تاركاً وراءك كلّ الشكوك والطّموح والدوافع؟
وجاوبت مريم على نداء يسوع بكلمة واحدة: معلّمي والكلمة الّتي استخدمتها (ربوني) معناها مبالغة مِن ربّاني، كأنّه يعرف كلّ شيء ويقدر على كلّ شيء، ولها الامتياز ان تخصّ مدرسته، وهو منحها علمه وقوّته وحمايته والحياة الأبديّة. فجواب مريم اشبه نداء البهجة في الكنيسة المنتظرة، الّتي بعد ترقّب طويل ستدرك ربّها الآتي على السحاب وتسجد وتخضع له متهلّلة معظّمة. ولم تكن مريم قدّيسة في ذاتها، إنّما ذكر اسمها على لسان يسوع قدّسها ولم يرفضها المسيح ولم يدنها. وما انتهزها لأجل عميها بل أعلن لها جلاله وأرشدها إلى الإيمان الزائد والتسليم الحقّ.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، نسجد لك لأنّك جاوبت على اشتياق مريم بظهورك أمامها وعزّيت نفسها بصورة حضورك. نحن منتظروك يا ابن الله القدّوس، ونلتمس منك نعمة ان تدعونا بأسمائنا ولا تتركنا في طموحنا الأعمى. كلمتك حياتنا. افتح آذاننا وقلوبنا لالفاظ كلماتك وأمنحنا الاطاعة لنؤمن بك بفرح.
السؤال:
18- لِمَ لم تتوقف مريم في بحثها عن جثّة يسوع حتّى أعلن ذاته لها وسمّاها باسمها؟
20: 17 قَالَ لَهَا يَسُوعُ, لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلَكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ, إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ. 18 فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التَّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الربّ, وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هَذَا.
خرّت مريم ليسوع ساجدة. وحاولت تقبيل دجليه ولمسه لتتمسّك به ولا تتركه أبداً. فمنعها يسوع مِن أيّ لمس، لأنّ محبّته ليست نفسانيّة بل روحية. لقد منح لطالبته صوته وحضوره. وأراد نمو إيمانها بغايته العليا وهي اتحادها الرّوحي بالثالوث الأقدس. كما وضح هذا المبدأ في خطاباته الوداعية لتلاميذه قبل ذلك بأيام قليلة. فليس لمس جسده الدنيوي ولا مسكه ينشيء الاتحاد به، بل الإيمان بكيانه الرّوحي يلحمنا معه. وقال يسوع للساجدة انّه لن يظلّ هنا على الأرض بعد موته، ولكن ظهوراته هي مرحلية فقط في مسيرته إلى السماء. فهدفه هو الصعود والرجوع إلى أبيه. وطريق الابن إلى أبيه كان مفتوحاً بعد أن بذل نفسه على الصليب. ورئيس الكهنة عزم أن يقدّم للقدّوس ذبيحته الدموية، لكي تسقط بركة الذبيحة بواسطة حلول الرّوح القدس على كلّ المصلّين إليه. وكأنه يقول لمريم: لا تمسكيني لأني أريد أن أكمل كلّ البِرّ، واحفظك بشفاعتي، وأملأك بقوّة الرّوح القدس ملئاً حقّاً.
وقوله يعني أيضاً: لا تمسكيني كخاصّة لك بطريقة أنانية، لأنّي لست أخصّك لوحدك، بل لجميع النّاس. فأخبريهم عن كياني ومقاصدي وصعودي. ويا للعجب فانّ يسوع استخدم طالبة الله رأساً لخدمة الشهادة، لكيلا تتباطأ بالتمتّع الرّوحي والمعارف الفلسفيّة والرّاحة في حمايته، بل لتندفع في محبّته نحو النّاس الآخرين لتجد في تبشيرهم ملء النّعمة والفرح. فارسال الملبوسة سابقاً إلى الرسل، كان تربية وتوبيخاً لهم. لأنّهم ما أحبّوا يسوع إلى المنتهى حتّى يجدوه، إنّما المرأة المحتقرة هي الّتي وجدت بهاء المقام أوّلاً.
وعزّى يسوع نفس المسكينة والتلاميذ معها برسالته إليهم بواسطتها، مسميّاً كلّ اتباعه:”أخوتي”. فقد أصبحنا بإيماننا أخوة ليسوع ليس فقط بالآلام والصليب، بل كذلك بقيامته وحياته وروحه. وابن الله يسمّينا بعد موته أخوته وليس أحبّاءه فحسب، لأنّه قد تمّ الخلاص. وهو ثبتنا في حقوقه البنوّية. وأمضى بدمه الكريم صكّ تبنينا لله. فما هو مضمون الرسالة الّتي كلّف بها مريم لتلقيها إلى الرسل شفاهيّة؟ أوّلاً انّه حيّ لا ميت. فالتقاؤها به كان حقيقة تاريخية صادقة. ثانيّاً انّه لن يمكث طويلاً على الأرض، بل يرتفع إلى الله لاكمال المجد. ثالثاً انّ أباه هو أبونا جميعاً. وبهذا الوعد الأخير جذب يسوع تلاميذه إلى شركة الله الكاملة. ولم يسم الله إلهاً غريباً عظيماً دياناً. بل أباً محبّاً قريباً. ولم يسمّه أباه الخاصّ فقط، بل أبونا كلّنا أيضاً. وهذه هي المرّة الأولى في إنجيل يوحنّا الّتي يسمّي فيها يسوع الآب السماوي أبانا الحقّ. هذه التسمية كانت بعد الصلب ممكنة ومتحقّقة. والقرابة القريبة مع الله، لا تعني تخيلات متصوفة وانشداها خارقاً. لأنّ أبانا هو الإله الحقيقي المتعالي المخيف. ومع علوه وارتفاعه فقد سمّاه المسيح: إلهي بمعنى انّه إلهه الخاصّ. وكان له الحقّ بهذا القول، لأنّه ثبت أميناً مع أبيه في حين أن الخليقة كلّها قد انفصلت بخطاياها عنه. ولكنّه بصليبه وحدنا مرّة أخرى مع أبيه. فصار لنا الحقّ أن نسمي الله أيضاً: إلهنا. لأنّه لم يعد عدوّنا بسبب خطايانا السابقة بل محبّنا لغفرانه وفداء الصليب. وكما ثبت المسيح واحداً مع أبيه هكذا يريد بواسطة انسكاب الرّوح القدس في قلوبنا تثبيتنا في وحدة الثالوث الأقدس لتفيض محبّة الله منا.
هكذا وضع المقام مِن بين الأموات وعد الشركة الكاملة مع الله على شفتي المرأة، الّتي كانت أوّل مَن أبصرته بعد تغلّبه على الموت. وكانت مريم المجلية مطيعة، ولم تبق ساجدة بفيضان فرحها أمام قدمي يسوع، بل قامت وأسرعت إلى الرسل شاهدة بحقيقته، ومعلنة أخوته لهم وأبوة الله ووحدته معنا في النّعمة. وهذه الرسالة الفصيحة تخترق اليوم كبوق يفرح يومنا الحزين. فهل وصلك فرح قبولك لدى الله وانعاشك بحياته. وهل تؤمن بكلماته المبشّرة الأولى المرسلة مِن قبل المسيح المقام؟
الصّلاة: نشكرك أيّها الرّبّ يسوع المقام مِن بين الأموات الحيّ الحاضر معنا، لأنّك تسمّينا أخوتك. لسنا مستحقّين أن نعيش في شركة قريبة معك. ونشكرك لأنّك تغفر جميع ذنوبنا وتبنيتنا للآب. ونسجد لك لأنّك أعلنت الله العظيم أباً لنا وقربّتنا إليه. اجعلنا رسل فرح الفصح، لكي نشهد بكيانك وحضورك معنا وحياتك الأبديّة لكلّ مَن يطلبك.
السؤال:
19- ما هي رسالة المسيح على لسان مريم المجدلية إلينا؟
2- ظهور المسيح بين التلاميذ
عشيّة الأحد
(20: 19- 23)
20: 19 وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ, وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ, وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ, جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ, وَقَالَ لَهُمْ, سَلاَمٌ لَكُمْ.
كان التلاميذ جلوساً في غرفة مغلقة الأبواب والنوافذ وطفقوا يبحثون في الوقائع المذهلة، الّتي مرّت عليهم طيلة يوم الأحد هذا. وقد استدلّوا مِن أقوال بطرس ويوحنّا بعد عودتهما مِن القبر، انّه فارغ وليس جسد يسوع فيه. وشهدت النساء بما سمعته مِن كلام الملائكة، انه قد قام. واخبرت مريم المجدلية برؤيتها إياه. وهذا الخبر كان صدمة لبطرس ولكلّ اتباع يسوع. فقد ظهر انّ الميت حيّ، لكنّه لم يأت إليهم بعد، وهم الأمناء الصادقون. إلاّ انّهم أخطأوا بنعسهم لَمّا اسلم الربّ إلى الصلب. وكذلك انكره بطرس ثلاث مرّات جهراً. ولم يساند أحد الربّ في المحاكمات الأربع، ولم يقف منهم أحد تحت الصليب عدا يوحنّا والنساء. ولم ينزلوه عن الخشبة، ويدهنوه كما يليق. فخيّم عليهم خوف مِن اليهود شديد، ظانّين أنّهم يبتدئون باضطهادهم بعد العيد الكبير مباشرة، لأنّهم مِن حاشية المحكوم عليه. لهذه الأسباب اقفلوا الأبواب جيداً، واجتمعوا وهم متشائمون في غرفة داخلية. وظنّوا انّ خبر النساء والعمواسيين إنّما هي اضغاث أحلام. وقالوا في الشعب، ويجعلنا وزراء، وها نحن فاشلون، وهم يلحقوننا للابادة. وفي وسط هذا اليأس والخوف، ورغم عدم إيمان ومرارة النفوس، ظهر يسوع في وسطهم. لم يأت إليهم لأجل رجائهم أو محبّتهم أو ثقتهم البهيّة. بل لضعفهم وافلاسهم في سبيل النّعمة، ورحم الضّالين وأنعم على الغير الأمناء.
وكان ظهور يسوع بينهم بلا صوت في الغرفة المغلقة معجزة. فالميت وقف بين الأحياء. والمرفوض كان حرّاً، وليس قبر صخري ولا باب فولاذي قدر أن يمنع انطلاقه وحضوره بين خاصّته. وها هوذا بين تلاميذه في الغرفة بجسده كسائر النّاس ظاهراً مسموعاً ملموساً. وبنفس الوقت كان روحاً لا ماديّاً قادرا على المرور مِن الجدران والأبواب. فكيان يسوع الجديد يوضح لنا ماذا نكون ان ثبتنا فيه. فجسد قيامته هو رجاؤنا. فهو كان الرّوح والجسد بنفس الوقت في جسد روحي. هذا ليس منطقيّاً إنّما حقيقة إلهيّة.
وما ألطف التعزية! فانّ المقام مِن الأموات لم يدن تلاميذه لأجل تقصيراتهم. ولم يقاصصهم لأجل فشلهم. وما شتم أخلاقهم الملتوية المستكبرة، بل باشرهم بتحيّة الفصح ناطقاً بأولى كلماته إليهم جميعاً بعد القيامة في أوّل لقاء: سلام لكم. وهذه التحية الإلهيّة تعني انه قبل الصليب كان يعمّ الحرب بين الله والبشر. وكان القدّوس مضطراً لأجل قداسته أن يبيد كلّ الأنام لذنوبهم وتقصيراتهم، لأنّ أجرة الخطيئة هي موت. لكنّه ببصيرته المسبقة إلى الصليب انّه سيتحقّق، تغاضى الله عن دينونتنا وارجأ إبادتنا. فبالصليب الّذي تمّ على الجلجثة صالح المسيح العالم مع الله. فمنذ ذاك ابتدأ السلام يتغلغل مِن السماء إلى الأرض. وقد ابتدأ عصر جديد. إنّما السلام الإلهي الحقيقي لم يسقط جبريّاً على النّاس، بل المسيح قدّمه لنا لقبوله أو رفضه. فالإنسان مسؤول عن خلاصه. وكلّ مَن تاب وآمن بيسوع فانه يشترك ببركاته. ومَن ينضمّ إلى صفوف رئيس السلام يتبرّر لأجل ذبيحته الفريدة كما قال بولس: إذ قد تبرّرنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربّنا يسوع المسيح.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح المقام مِن بين الأموات ورئيس السلام، نسجد لك بفرح وشكر، لأنّك لم تأت إلينا لدينونتنا وعقوبتنا. بل تنعم علينا وتخلّصنا مِن اليأس وعدم الإيمان، وتمنحنا سلامك وتثبّتنا في صلح مع الله. ليس خلاصك هو أجرة اجتهاداتنا، بل هبة ونعمة ورحمة. علّم أصدقاءنا وأعداءنا أن يدركوا نعمتك الصحيحة ويقبلوها لكيلا تبقى عداوة مع الله القدّوس.
السؤال:
- ماذا تعني الكلمة الأولى الّتي قالها المقام مِن بين الأموات لتلاميذه؟
20:20 وَلَمَّا قَالَ هَذَا أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ, فَفَرِحَ التَّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّ.
إنّ قيامة يسوع هي البرهان على اتمام المصالحة مع الله. لم يترك الله ابنه في القبر، ولم يطرده لأجل خطايانا إلى الهاوية، بل قبل ذبيحته الطاهرة. لأنّ ابن الله ظلّ قدّوساً رغم انّه صار خطيئة لأجلنا. ولكن بما انّها لم توجد أي خطيئة في ابن الله، فقد انتزعته حياته مِن بين الأموات. فصعد مِن القبر ظافراً، وعاش في انسجام كامل مع أبيه. كما انّه قبل صلبه لم يعمل إلاّ ما شاء أبوه. فالصّليب كان غاية ومعنى مجيء المسيح. والصليب هو الوسيلة الوحيدة لفداء العالم. فكيف يقول بعض النّاس، انّ يسوع لم يصلب ولم يقتل؟ انهم يكافحون ضدّ الله مباشرة. وقد أثبت الله الحقّ على صليب التضحية.
وبرهن المسيح لتلاميذه انّه ليس شبحاً ولا روحاً مخيفاً. وأراهم آثار المسامير باسطاً كفّيه إليهم ليروهما وكاشفاً عن جنبه ليشاهدوا أثر الحربة الّتي ثقبته. ولقد عاينوا آثار المسامير والسنكة جليّاً، وأدركوا أن القائم بينهم ليس إلهاً غريباً، بل المصلوب بالذات. فحمل الله هو المنتصر. فالذبيح غلب الموت. ورؤساء الكهنة وولادة الرومان والفرّيسيون وأعداء المسيح جميعاً لم يقدروا أن يمنعوا فوزه، وكانوا ما يزالون ظانّين انّهم قد خنقوا نهضته بقتله. فبرهن يسوع باظهاره آثار الجراح على جسده انّ حركته وملكوته ليس مبنيّاً على أحوال دنيويّة، بل مستمرّ بعد الموت أيضاً، لأنّ مملكته ليست مِن هذا العالم. فيسوع هو الملك والربّ، وكيانه الجديد هو استهزاء على كلّ السلطات المستكبرة. فلا يستطيع العالم أن يؤخّر اتيان ملكوته ولا أن يقدّم، لأنّ حياته روحية لا يؤثّر عليها الموت.
وابتدأ التلاميذ يدركون رويداً رويداً انّ يسوع ليس بشبح ولا خيال، بل شخص حقّ حاضر بينهم حقّاً. فكيانه الجديد كان أساس فرحهم. وانّه لخير لنا أن نؤمن وندرك أنّ يسوع ما هو ببعيد عنا، إنّما يكون معنا حيّاً حاضراً حقّاً. فالرّبّ حيّ وقام مِن الأموات. فلسنا يتامى متروكين، إذ أنّ أخانا يسوع في وحدته مع الآب والرّوح القدس يملك العالمين إلى الأبد. ونما فرح التلاميذ أيضاً لأجل غلبة المسيح على الموت، لأنّه صار لنا نحن الفانين رجاء حيّ منذ قيامة المسيح. فليس القبر المفتوح هو نهايتنا، بل حياة المسيح هي محييتنا اليوم. ومَن يؤمن بيسوع فانه عائش منذ الآن حقّاً، كما قال له المجد: أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا. وكلّ مَن كان حيّاً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. أتؤمنون بهذا؟
وتفاقم فرح التلاميذ لَمّا أدركوا أنّ يسوع قد غفر خطايانا. وإنّ الحيّ هو الضامن للتكفير عنا. وكلمة سلامه ما كانت تمنيّاً فقط، بل حقّاً لنا جديداً مختوماً بدم حمل الله. فلنا سلام مع الله في جروح يسوع. أتشترك بفرح التلاميذ في عيد القيامة؟ هل تسجد للمقام مِن بين الأموات لأنّه موجود، ومانح لك رجاء، وكافل لك غفران خطاياك؟ إنّ المسيح حيّ. فصار الفرح واجب لنا حالاً. حتّى انّ الرسول بولس خاطب الكنيسة بقوله: افرحوا في الرّبّ كلّ حين. وأقول أيضاً افرحوا ليكن حلمكم معروفاً عند جميع النّاس. الرّبّ قريب.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، نسجد لك. ونتهلل ونشكرك لأنّك أنت وحدك رجاؤنا، ومنحت لحياتنا معنى. جروحك تبرّرنا وكيانك يسبب حياتنا . نحن أباطيل أموات ومذنبون، أمّا دمك فقدّسنا، وروحك اقامنا مِن الفناء. ونحن عائشون لأنّك أنت عائش. ونطلب إليك أن تملأ أخوتنا في كلّ الشعوب، ليأتي ملكوتك ويتحقّق انتصارك ويقوم اليوم كثيرون مِن الأموات في الخطايا ويعيشون لتمجيد قيامتك.
السؤال: 21- لِمَ فرح التلاميذ؟
20: 21 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً, سَلاَمٌ لَكُمْ. كَمَا أَرْسَلَنِي الآبُ أُرْسِلُكُمْ أَنَا.
لم يترك يسوع تلاميذه يغرقون بفرح أناني، لكنّه أرسلهم مباشرة إلى العالم الحقود. وكما انّه أرسل مريم المجدلية إلى التلاميذ رأساً بعد ظهوره لها، هكذا انتزع الربّ تلاميذه الّذين استيقظوا مِن جمودهم، ليهبّوا إلى تبشير العالم. ولَمّا نطق للمرّة الثانية بالتحية: سلام لكم، فما قصد التكفير عن خطاياهم ومصالحتهم مع الله، بل جعلهم صانعي السلام ليقدّموا الخلاص الكامل إلى العالم الخبيث. وعلى الصليب غفر الله للجميع كلّ خطاياهم. فالحقّ الإلهي الجديد يتضمّن العفو للمجرمين، والوعد بالغاء الدينونة عن المؤمنين، والرجاء بتحريرهم مِن الهلاك المبين. فالمسيح أرسل اتباعه إلى العالم ليبشّروا الخطاة بسلام الله الحقّ العظيم.
إنّ كلّ مَن تخلص بمحبّة الله يتغيّر في ذهن قلبه ويسامح خصومه كما الله سامحه. وهذا المتجدّد يفضل احتمال الظلم مِن أن يصنع هو الظلم. وهكذا يوزّع رائحة السماء في محيطه كما قال يسوع: طوبى لصانعي السلام لأنّهم أبناء الله يدعون. فلا نقصد بتبشيرنا تغيّير الأحوال والسّلام السطحي بين الشعوب، بل انّنا نصلّي لأجل تغيير الرؤوس العنيدة في النّاس وتحويل القلوب المتحجّرة إلى قلوب ليّنة. فبواسطة هذا الانقلاب في القلوب تتبدّل الأحوال السياسية والاقتصادية أيضاً.
ورفع يسوع خدمة تلاميذه إلى مستواه وقال: كما أرسلني أرسلكم أنا. فكيف أرسل الله ابنه؟ أوّلاً كابن وثانيّاً ليعلن أبوّة الله وقداسته قولاً وعملاً وصلاة. وثالثاً كان المسيح فقير الأسلحة الفتاكة، ورابعاً موهوباً بكلمة الله وفائضاً محبّة أزلية. ففي هذه المبادىء الأربعة تجد معنى وغاية التبشير. فلقد جعلنا يسوع بواسطة موته أولاداً لله، لكي نعيش قدّيسين وبلا لوم قدّامه في المحبّة، كما مثله يسوع في كلّ حين. فالمسيحيون ليسوا خطاة فانين، بل سفراء ابن الله مبرّرين ومقدّسين ليمثّلوا جوهر ومحبّة أبيهم السماوي. وهذه هي مضامين رسالتهم، انّ الله أبوهم بواسطة موت المسيح أخيهم. فالصليب هو الشرط لكيانهم الجديد. وإيمانهم هو الطريق لتحقيق التبني. وكما انّ المسيح وُلد ليموت ذبيحة، هكذا يعيش اتباعه في معنى التضحية. فلا يستكبرون، بل اعتبروا أنفسهم خدّاماً للعلّي وجميع النّاس. وقد حرّرهم ربّهم مِن أنفسهم، لكي يحبّوا كما هو المحبّ. وليس سفراء المسيح متروكين ومعزولين، بل انّهم يعيشون في حماية ربّهم، كما عاش يسوع دائماً في اتصال وانسجام مع أبيه. وليسوا هم أغنياء ولا يحتاجون إلى وسائل بلاغية ولا إلى قنابل للغلبة على المعارضات الرّوحية. كلاّ، لأنّ الأسلحة الموهوبة لهم هي الإنجيل فقط. فيقولون للشعوب انّ سلام الله قد ابتدأ. ومَن يؤمن يتبرّر نائلاً حياة الله وداخلاً البنوة الّتي للأبوّة الإلهيّة.
وكما انّ الابن منذ كان في المذود حتّى الصليب، ما قصد إلاّ تمجيد أبيه، هكذا يصلّي المؤمنون ان يحقّق الآب فيهم كلّ الطلبات الموجودة في الصّلاة الربّانية، لتصبح حياتهم بالتمام حمداً وتسبيحاً للآب والابن والرّوح القدس. هكذا أصبحوا غرباء ونزلاء في العالم. وموطنهم في السماء. لكن لأجل ارسالهم إلى البشر، يحبّون الخدمة بين النّاس. ويدعون الجميع للخروج مِن الفساد والموت، داخلين إلى مملكة محبّة المسيح وثابتين في حياته الأبديّة.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، نشكرك لأنّك دعوتنا ونحن غير مستحقين أن نمجّد الآب واسمك بواسطة أقوالنا وأفكارنا وأعمالنا. نشكرك، لأنّك غفرت ذنوبنا كلّها. وتقدّسنا لنستطيع بثّ سلامك إلى قلوب الآخرين، ليستنيروا ويعيشوا حقّاً. نشكرك أيّها المسيح، لأنّك جعلتنا أبناء محبّتك لكي نحبّ ونغفر كما انّك أنت رحيم.
السؤال:
22- ما هو الشيء الغريب في ارسال التلاميذ؟
20: 22 وَلَمَّا قَالَ هَذَا نَفَخَ وَقَالَ لَهُمُ, اقْبَلُوا الرُّوحَ الْقُدُسَ. 23 مَنْ غَفَرْتُمْ خَطَايَاهُ تُغْفَرُ لَهُ, وَمَنْ أَمْسَكْتُمْ خَطَايَاهُ أُمْسِكَتْ.
لربّما فزع التلاميذ، حين قال لهم الرّبّ: كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. لأنّهم لا يزالون جالسين في غرفة مغلقة خوفاً مِن اليهود. فلم يجدوا نشاطاً ولا قوّة في أنفسهم، بل اختبروا في الأيام الأخيرة فشلاً مطلقاً. فمثل هؤلاء المنكسرين كالآلات المحطّمة يرسل المسيح المبشّرين سفراءه. فلا يختار أبطالاً ولا فلاسفة ولا أتقياء، بل الخطاة الضعفاء الجهّال، لكي تعظم قوته في ضعفهم. ولذلك فانّ يسوع نفخ في وجوه تلاميذه، كما نفخ الله نسمته إلى أنف آدم في بدء خلقه، ليصبح نفساً حيّة ويجد القوّة للعيش. فبواسطة هذا النفخ أعلن يسوع المسيح نفسه خالقاً، الّذي ابتدأ في تلاميذه الخليقة الجديدة الثانية. فلم ينفخ فيهم نسمته فقط، بل أكّد لهم انّ روحه وقوته وسلطانه يحلّ فيهم ليستطيعوا تمثيل صورة الآب في حياتهم. ولم ينفخ يسوع في هيئة طيور جبلها مِن الطين فخلقها لتطير في الجوّ كحيوانات فانية بل انّه أشرك المؤمنين به بصميمه وجوهر الله وأصلا إلى قمّة مجيئه. وفسّر المسيح نفخته تلك بجملة واضحة. ولم يقل: لعلّي لسوف أعطيكم الرّوح القدس يوماً ما. ولم يأمرهم بالصّلاة كثيراً حتّى يحصلوا على قوّة الله، إنّما أمرهم ووصّاهم بأنّ يقبلوا قوّة روح الله حالاً وتماماً وبقلب مفتوح. وهذه الهبة الفريدة تأتيهم مجاناً، لأنّه منذ الصليب لا تمنع خطيئة ما حلول الله في الإنسان، إذ انّ المسيح قد أكمل مرّة واحدة كلّ المقدّسين. فالرّوح القدس حاضر في عالمنا الآن ويشاء أن يدخل في الإنسان. فهدف وغاية الرّوح القدس واضحة. فمَن يقبله؟ وهذا الرّوح هو الله بالذات بكلّ قواه وصفاته ومقاصده. فالمسيح أمر تلاميذه بهذه الكلمة الهامة، ان يعطوه مجالاً لتثبيتهم في الثالوث القدّوس، ولا يعترضون على غاية موته.
أيّها الأخ العزيز. هل تؤمن بالمسيح ابن الله الحي؟ وهل قبلت غفران خطاياك بموته على الصليب؟ هل سمعت وصيّة المقام مِن بين الأموات؟ وهل أنت مستعدّ ليرسلك إلى أناس آخرين، لكي يحلّ سلام الله في قلوبهم وفي بيوتهم؟ وهل انفتحت تماماً لمحبّة الله، عالماً انّك غير مستحقّ وغير قادر لخدمة الرّبّ. فعندئذ ينفخ ابن الله في وجهك، قائلاً لك: اقبل الآن الرّوح القدس. الله بالذات يأخذ مسكناً فيك ويحلّ في شخصك بملئه، لأنّ دم المسيح طهّرك مِن كلّ اثم واعدّ قلبك هيكلاً للقدّوس. هل امتلأت مِن روح الله؟ اعترف بجميع خطاياك أمام المخلّص، وافتح نفسك وذهنك وجسدك تماماً لروح المعزّي المستعدّ ان يملأك. آمن بوعد المسيح، حتّى ولو ما شعرت بأمواج الفرح والغبطة، لأنّ وعده أكثر يقيناً مِن عواطفك. فاشكره لحلول الرّوح القدس في حياتك حتّى ولو لم تشعر به، إذ هو قد وهبك هذه الهبة الإلهيّة عمليّاً. فهل قبلتها؟ وما ولدك المسيح ثانية لتعيش منعزلاً غارقاً في أمواج الغبطة، إنّما منحك روحه تجهيزاً للخدمة الإلهيّة. وكما انّه وهو المولود مِن الرّوح القدس، لم يملك إلاّ هذه القوّة لغلبة العالم، هكذا يجهزك بقوّة محبّته لكي تحبّ كما أحبّ هو. وإن درست حياة المسيح فانك تلاحظ شيئاً عجباً. لم يقدر على تخليص كلّ النّاس! حيث انّ القليلين قد قبلوا غفران خطاياهم. والأكثرية تقسّوا ضدّ إنجيله، حتّى انّ كلمته لم تحلّ عقد خطاياهم، بل قد ربطت العصاة. وهكذا سيصنع الرّوح القدس بك أيضاً. فالبعض سيسمعون شهادتك عن نعمة الله في المسيح، وسيخلصون بواسطة إيمانهم بالمصلوب. ولكن كثيرين سيغضبون مِن رسالتك ويلتفتون ضدّك. وشهادتك الّتي لم يستجيبوا لها، تعمل مفعولاً عكسيّاً في نفوسهم، فتربطهم في ذنوبهم يعمون. فلا يستطيعون قبول الغفران فيما بعد ويهلكون إلى الأبد. ولكن لست أنت الّذي يحلّ الخطايا، أو يربطها، بل الرّوح القدس هو العامل في كلماتك وصلواتك وسيرتك المقدّسة، ان انكسرت تماماً لاستكبارك، وسمحت للمسيح أن يحلّ خطاياك ويطهّرك إلى التمام. اركع وصلّ في الخفاء ليقدسك مخلّصك، لكي يستطيع فداء أفراد كثيرين بواسطتك، لأنّه يرسلك كما أرسله الآب. ولا تقولنّ لجليسك: مغفورة لك خطاياك، إلاّ إذا اعترف بخطاياه بندامة وانكسار الكبرياء، وآمن بالمصلوب، وسلّم نفسه لقيادته تسليماً أبديّاً. عندئذ يحقّ لك أن يؤكّد له ملء النّعمة بواسطة كلمتك البسيطة. ولكن الّذي يظنّ انّه يكون صالحاً وذكيّاً في ذاته، ولا يحتاج إلى الغفران باستمرار، فهذا يقسّي نفسه ضدّ النّعمة. فبشّره بالدينونة، لعلّه يرتدع أو يتوب. فالله لا يستطيع خلاص المتكبّرين المتفاخرين. أمّا المتواضعون فيعطيهم نعمة. فهل أنت متكبّر أو مِن الّذين يسمّيهم المسيح “مساكين بالرّوح”.
ويسوع يدعوك أن تكون سفيره في العالم الشرّير، ويشاء تنفيذ خلاصه بواسطتك. فلا تنطلق متحمّساً وتتكلّم في قدرتك المحدودة، بل اثبتن في علاقة مع ربّك كما كلّ سفير سياسي يتصل دائماً برئيس جمهوريته ليتلقّى منه الأوامر والارشاد والقرارات يوميّاً فينفذها. لست أنت إلهاً صغيراً مستقلاً، بل عبد ربك، الّذي يشاء فداء النّاس بواسطتك. اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم بل افتحوا اذهانكم وضمائركم، ليجعلكم الرّوح القدس شهوداً للمسيح بجرأة وتواضع وحكمة.
الصّلاة: أيّها الربّ يسوع المسيح، لست مستحقّاً أن تدخل تحت سقفي. إنّما أنت الّذي كلّمتني ومنحتني روحك القدّوس وانرتني واحييتني، وأرسلتني شاهداً لك إلى العالم. أنا جاهل وغير قادر لغفران خطايا النّاس. لكن شهادتي عن موتك وحياتك تخلق الإيمان في مستمعي. وأشكرك، لأن قوتك تكمل في ضعفي. احفظني في تواضع بلا رياء، وطهّرني مِن كلّ أفكار خاصّة، لكي انسجم دائماً مع إرادتك. فيصل سلامك إلى كثيرين.
السؤال:
23- مَن هو الرّوح القدس. وما الّذي يعمله بواسطة شهادتك للمسيح؟
3- ظهور المسيح بحضور توما
(20: 24- 29)
20: 24 أَمَّا تُومَا, أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ, الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ, فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. 25 فَقَالَ لَهُ التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ, قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ. فَقَالَ لَهُمْ, إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ, وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ, وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ, لاَ أُومِنْ.
لا تفكّر انّ كلّ منتقد إنّما هو متقسّ ضدّ الرّوح القدس. ولا تظنّن أنّ كلّ رافض شهادتك هو ضال هالك. ويرينا يوحنّا البشير مِن الأحداث الكثيرة مدّة الأربعين يوماً، الّتي قضاها يسوع مع تلاميذه قبل عروجه إلى السماء “حادثة بارزة ترينا كيف تخلق نعمة يسوع الإيمان في الصدور. ذلك الإيمان الّذي لا يأتي مِن العمل العقلي أو التعمّق المنطقي، إنّما يأتي بالنّعمة والرحمة فقط. حتّى في المتعصّب الغيور. ولقد كان توما متشائماً، لا يدرك إلاّ الجهّة المظلمة مِن الأحداث، ويحبّ أن يكتشف أعماق الأشياء، ليصل إلى الحقيقة الناصعة (يوحنّا 11: 6 و 14: 5). وكان مفكّراً أيضاً، ويحلّل الأمور بذكائه. وقد رأى في موت يسوع اقبال موتهم أيضاً أو فقدان معنى حياتهم بسبب موت زعيمهم الأوحد. فانفصل عن حلقة التلاميذ. ولم يشاهد يسوع عشيّة الأحد عندما ظهر وسط اتباعه. وتغيّبه عن الحلقة عند ظهور المسيح سبّب له زعلاً كضربة قاصمة، لأنّه لم يدر أيظهر يسوع مرّة أخرى أم لا، علماً انّه لم يثق بقدرة ادراك التلاميذ الآخرين. فما أراد تصديق ما قالوه، لأنّ اخبارهم فاق استيعاب عقله. وحقّاً انّ قيامة يسوع، تفجّر كلّ نظام وتخطيط طبيعي عقلي. ولعلّ توما حدّث نفسه، مفترضاً ان تلك الرؤية عساها تجربة شيطانية، وان روحاً شريراً هو الّذي ظهر للتلاميذ بشكل المسيح فأضلّهم ضلالاً كبيراً. لذلك لا عجب أن يطلب توما براهين سافرة لحقيقة شخصية يسوع، انه هو الّذي ظهر لهم حقّاً. وانّه لن يجد دليلاً ملموساً إلاّ بلمسه آثار المسامير ليصدّق به انّه هو. وهكذا شارط الله ليؤمن، وأراد أن يرى قبل الإيمان. وقد فكّر توما كثيراً بموت يسوع ومعانيه خلال الأسبوع الأوّل لصلبه. هل كان الله ضدّ الناصري، حتّى سمح بصلبه خاسراً؟ هل كان البريء ملاماً وخاطئاً، حتّى تركه الله؟ فلو كان قدّوساً لَمّا مات، ولَمّا وجد الموت سلطة فيه. ولكن ها هو الآن قد مات، فكيف يقول التلاميذ عن قيامته انّها تامة؟ ولو صحّت قصّة قيامته، فما ذاك إلاّ برهان أكيد لالوهية يسوع وقداسته وأبديته. وعند ذلك يكون الغالب الوحيد للموت والخطيئة والشيطان وغضب الله ودينونته. فهذه الأفكار تماوجت في رأس توما وما عرف أخيراً بماذا يفكّر. لقد اضطرب كلّ الاضطراب. فصلّى وتضايق مِن غموض المشكلة ومحدودية عقله. ولم يرد إيماناً أعمى. فرجع إلى حلقة التلاميذ الممتلئين بالفرح بسبب ظهور المسيح لهم. وأمّا هو فكان حزيناً قائلاً في نفسه لقد زارهم، ولكنّه لم يزرني. فانّي هالك وغير مقبول. وهكذا رأى ذنوبه وخطأ انفصاله عن الكنيسة، وتاب في مدرسة انتظاره عون الله، مرتبكاً في أعماق قلبه.
20: 26 وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تَلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ, وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ, سَلاَمٌ لَكُمْ. 27 ثُمَّ قَالَ لِتُومَا, هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ, وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي, وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِناً. 28 أَجَابَ تُومَا, رَبِّي وَإِلَهِي.
ظهر يسوع بعد أسبوع طويل لتلاميذه مكرّراً. وكان الخوف ما يزال محيطاً بهم والأبواب مغلقة والنوافذ مقفلة. ولكن جسد المقام مِن بين الأموات نفذ إلى الداخل، متسرّباً مِن الحائط بلا ضجيج. وألقى سلامه عليهم واضعاً الغفران والعفو على تلاميذه الضعفاء. فما كان يسوع خيالاً. والكلّ شعروا بمحبّة الله المتجسّدة. ولقد شاهد توما ربّه بعينين مفتحتين ذهولاً. وسمع صوته في آذانه يطنّ طنيناً. فنظر الرّبّ إليه مخترقاً شكوكه بنظرته الإلهيّة، وأدان رغبته للبراهين قبل تسليم الإيمان. وقد أمر يسوع توما المتراجع بعكس ما أمر به مريم المجدلية، أن يلمسه ويجسّه ليتأكّد، انّه شخص حقيقي مادي حاضر بينهم. وأمره الاّ يكتفي بالنظر إلى آثار المسامير على جسده فقط، بل ان يقترب، ويضع اصبعه على تلك الآثار والندوب ويؤمن. وطلب مِن التلميذ المتردّد أن يتغلّب على كلّ شكوكه. وسمّى كلّ شكّ به انّه عدم إيمان. وهذا لا يعني وجوب استسلامنا لكلّ ظهور أرواح ولا تصديقنا السحر والعرافة والعجائب. إنّما يطلب يسوع منا ثقة كاملة، لأنّه أعلن لنا صليبه وقيامته وجلوسه عند الله ومجيئه الثاني إعلاناً سامقاً. ومَن ينكر هذه الحقائق الخلاصية فقد سمّى يسوع كاذباً. فانكسر توما مِن محبّة ربّه، وتمتم كخلاصة لصلواته وتأمّلاته، بأكبر شهادة شهدها إنسان بيسوع:”ربي وإلهي”. ليس ابن الله المستقل المنفرد عن أبيه، إنّما هو الرّبّ بالذّات، وانّ الله حلّ بملء لاهوته فيه جسديّاً. الله واحد وما كان اثنين. فسمّى توما يسوع باسم الله. وعرف بنفس الوقت انّ هذا القدّوس لا يدينه لأجل عدم الإيمان، بل أنعم عليه بمنحه نعمة مشاهدته. فسمّى توما الرّبّ: ربّي. ولفظ الاسم الفريد الله قائلاً: إلهي. وسلّم نفسه وماضيه ومستقبله بالتمام بين يدي يسوعه. وعرف نفسه ملتحماً به. وآمن تماماً باكتمال كلمات يسوع الوداعية قبل موته.
أيّها الأخ ماذا تقول أنت؟ أتشترك باعتراف توما الشكّ؟ وهل اقترب المقام مِن بين الأموات نحوك، حتّى انكسرت مِن جلاله وغلبت شكوكك وعدم إيمانك وعنادك. إنّ يسوع حيّ واقف أمامك ويناديك: لا تكن غير مؤمن بل مؤمناً. فألق نفسك بالتمام على النّعمة. واعترف أمام يسوع شاكراً: ربي وإلهي.
الصّلاة: نشكرك أيّها الربّ يسوع المسيح، لأنّك لم ترفض توما الشاك، بل أعلنت نفسك له بعد انكساره في انتظار ظهورك. علّمنا الإيمان المتين والحذر مِن ظهورات الأرواح، لكيلا نستسلم للمجرّب، بل ندرك أنك أنت الله في الذات والرّبّ الحيّ في كلّ حين. اقبل حياتنا خاصّة لك ونقّ ألسنتنا مِن كلّ كذب.
السؤال:
24- ماذا يعني اعتراف توما؟
20: 29 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ. طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا.
لسنا نعلم ان كان توما قد مدّ أصبعه إلى جروح يسوع، أو اكتفى بالنظر إليه. لعلّه قد خجل لعدم إيمانه وفزع مِن جرأته المتشككة. وسمّى يسوع إيمان توما تصديقاً على أساس المشاهدة الرائية اللامة. لكنّ الرّبّ يريد أن يخلق فينا إيماناً على درجة أعلى، أي ثقة فيه وايقاناً بكلمته بدون أن ننظره شخصيّاً بالرؤية. فالّذي ما زال طالباً أحلاماً ورؤيا وظهورات اثباتاً لإيمانه وتقوية له يعتبر مبدأ في الإيمان وغير ناضج وقليل الثبات. إلاّ أنّ يسوع ظهر لرسله الكرام بعد المرّات لتقوية إيمانهم في حالات حرجة.
ويسوع يطوّب كلّ الّذين يؤمنون به بدون مشاهدته ويباركهم بالسّعادة. الواثق يتّكل على موثوقه أكثر مِن الّذي يراه بأمّ عينيه. فالإيمان الحي يجنّد في أنفاسنا قوى أكبر مما تفعله الرؤية العابرة لمجد الله في غيبوبة. وثقة الإنسان بكلمة الرّبّ تكرّم المتكلّم الغائب بأعلى درجة مِن الاكرام والتبجيل. لكنّ الناس يريدون أدلّة وبراهين ملموسة لإيمانهم. فهم يحبّون ذواتهم ويريدون ضماناً لأنفسهم، قبل استسلامهم للمسيح. أمّا الواثق بكلمة المحبّة المتجسّدة، فانّه يتغيّر بهذه الكلمة إلى صورة المحبّة. فالله يأتينا بكلمته وليس ضمن أيقونات وتماثيل. وهو يبني بالإنجيل فينا الإيمان الحيّ، إن وثقنا به ثقة قلبية. وتطويب يسوع للّذين يؤمنون بالغيب لا يعني أنّ ظهوره للتلاميذ ما كان نعمة، كلاّ، بالعكس، فقد كان نعمةً وامتيازاً عظيماً، لأنّه جعلهم شهود العيان لقيامه وكيانه الجديد. وساعد ضعف إيمانهم ، لأن الرّوح القدس لم يكن منسكباً آنذاك على البشر. وما عنيت ظهورات المسيح اثبات الدليل لإنشاء إيمان التلاميذ، ولكن رحمة للمضطربين، الّذين رأوا في موت يسوع نهاية لنهضة حركتهم. ومنذ ظهورات المسيح أخذ البشيرون والرسل يكرزون لنا في أناجيلهم ورسائلهم ، انّ قيامة يسوع إعلان لعصر جديد، تتفوّق فيه حياة الله في قلوب المؤمنين. فليس إيماننا تصديقاً وفكراً فقط،إنّما هو حياة وارتباط بالمسيح المقام مِن بين الأموات. وهذه هي أعجوبة عصرنا، انّ ملايين النّاس يؤمنون بيسوع دون أن يروه، لأنّهم اختبروا بالإيمان به قوّة حياته الأبديّة. ولم يكن عدد المؤمنين الّذين فقدوا أملاكهم وأقرباءهم وحياتهم قليلاً. وما ذلك لرؤيتهم يسوع بأعينهم، ولكن لأنّه صار لهم حقيقة بواسطة الإيمان بكلمته، هذا الإيمان الفائق كلّ العقل. ويسوع يكافيء هذه الثقة بكلمته بهبته البِرّ وحلول حياته في المؤمن. فإيماننا شامل كياننا جميعه، ويربطنا بيسوع مخلّصنا تماماً.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع، أنت رئيس إيماننا ومكمله، لأنّك تحبّنا. وحقّك يأتينا بكلمتك. أنا غبي وأعمى، وغير قادر للمعرفة الرّوحية. إنّما كلمتك تزكيني، فأكرّمك بإيمان كإيمان الأطفال الواثقين بكلمة أبيهم. وأنا أؤمن الآن، أنّك تخلّصني وكثيرين مِن أصدقائي وتحييهم وتثبّتهم في إيمان حي باسمك، لكي ينالوا الحياة الأبديّة وفرح عظيم.
السؤال:
25- لِمَ يطوّب يسوع المؤمنين الّذين لم يروه؟
4- ختام إنجيل يوحنّا
(20: 30- 31)
20: 30 وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ, وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.
في نهاية هذا الاصحاح العشرين نصل إلى آخر ما كتبه يوحنّا بنفسه مِن إنجيله. فقد أعلن لنا البشير المتصوّف اشراق نور الله فوق ظلمتنا، وكيف انّ الظلمة لم تدركه. ولكن كلّ الّذين قبلوه، أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. وجذبنا البشير الكبير إلى عمق شركة الله في شخص يسوع، ورسم أمام أعيننا موته وقيامته، لنؤمن به ونراه كأنّه عاش معنا. وخلاصة لكتابه يشهد لنا الرسول بمبادىء أربعة، توضح لنا خلاصة الإنجيل وغاية كتابته:
1- ما كتب يوحنّا إنجيلاً شاملاً لكلّ أقوال وأعمال يسوع. ولو فعل هذا لتوجب عليه كتابة مجلّدات ضخمة كثيرة. فاختار مِن عجائب وعظات يسوع تلك الّتي تدلّنا على شخصية يسوع الفريدة. وما كان إنجيله املاء مِن قبل روح الله على سمعه كأنّه وحي يوحي بغيبوبة دون وعي، بل انّه كان مسؤولاً في الهام الرّوح القدس ليختار الأخبار البارزة، ورسم في محبّته ليسوع صورة حمل الله الّذي رفع خطيئة العالم حملاً ذبيحاً.
2- كتب يوحنّا إنجيله لندرك أنّ الإنسان يسوع الناصري البسيط المحتقر، هو المسيح الموعود وابن الله الوحيد بنفس الوقت. وبهذين اللقبين شمل كلّ اشتياقات اليهود مِن جميع أزمنة العهد القديم. وأدان بنفس الوقت أمته الّتي صلبت ابن داود الموعود. إنّما الإنسان يسوع ثبت المسيح الحقّ وابن الله بالحقيقة، لأنّ محبّته العظمى وقداسته غير الملامة لا يستطيع أحد أن يهملها إن كانت له إرادة صالحة للادراك. وقد مجّد يوحنّا في إنجيله يسوع تمجيداً فريداً. نشهد أنّ البشير رسم لأعيننا صورة يسوعية فريدة، لندرك محبّة ابن الله الأزلي الّذي أصبح جسداً لنصبح نحن روحاً.
3- ولا يريد يوحنّا أن يخلق فينا إيماناً عقائديّاً منتظماً فقط، بل أيضاً قصد ارتباطنا بابن الآب. وحيث انّ المسيح هو الابن، فقد صار الله أبانا. ولأن كان العلّي أباً، فانّه يستطيع أن يأتي بابناء كثيرين ممتلئين بحياته الأزلية. فالولادة الثانية بدم المسيح والرّوح القدس فينا هي هدف إنجيل يوحنّا. فهل وُلدت روحيّاً أو لا تزال ميتاً في الذنوب والخطايا؟ أتسكن حياة الله فيك أو أنت خال مِن روحه القدّوس؟
- والولادة الثانية تتم بواسطة الإيمان بابن الله. فمَن يقترب منه ويثق به، ينل حياته الإلهيّة. وليس لنا هذه الحياة كملك مستقل، بل بارتباطنا الإيماني به على الدوام. فمَن يثبت في يسوع، يثبت هو فيه أيضاً. وهذا المؤمن الثابت ينمو بالرّوح والحقّ، وتنمو فيه ثمار حياة الله بالغنى. فالإيمان ليس تجاسراً مبتدئاً لتسليم النفس إلى يسوع فقط، بل هو مؤلّف مِن امتحانات الجرأة للجرأة ان نتّكل تماماً على ابن الله ورحمته. وفي تجاسر هذا الإيمان الشاكر ننال قوّة الرّوح القدس، ونصبح ينابيع قوّة لكثيرين. والحياة الأبديّة هي محبّة الله الّتي تدفعنا لنرشد كثيرين إلى الإيمان بيسوع، لكي يحبّوه ويثبتوا فيه وهو فيهم إلى الأبد.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت المسيح الحقّ وابن الله في المجد. ونشكرك لانجيلك كما دوّنه يوحنّا بشيرك، وندرك بواسطة هذا الكتاب الفريد جلالك وحقّك. ونسجد لك بفرح، لأنّك أرشدتنا إلى الإيمان بك وولدتنا ثانية بالنّعمة. ثبتنا في شركتك، لنحبّك بحفظ وصاياك. ونشهد باسمك جهراً، لكي يؤمن أصدقاؤنا بك وينالوا بالإيمان ملء حياتك.
السؤال:
26- عمّ يعبّر يوحنّا في ختام إنجيله؟
5- ظهور المسيح عند بحيرة طبريا
(12: 1- 25)
أ- صيد السمك العجيب
(21: 1- 14)
21: 1 بَعْدَ هَذَا أَظْهَرَ أَيْضاً يَسُوعُ نَفْسَهُ لِلتَّلاَمِيذِ عَلَى بَحْرِ طَبَرِيَّةَ. ظَهَرَ هَكَذَا, 2 كَانَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ, وَتُومَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ, وَنَثَنَائِيلُ الَّذِي مِنْ قَانَا الْجَلِيلِ, وَابْنَا زَبْدِي, وَاثْنَانِ آخَرَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ مَعَ بَعْضِهِمْ. 3 قَالَ لَهُمْ سِمْعَانُ بُطْرُسُ, أَنَا أَذْهَبُ لأَتَصَيَّدَ. قَالُوا لَهُ, نَذْهَبُ نَحْنُ أَيْضاً مَعَكَ. فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا السَّفِينَةَ لِلْوَقْتِ. وَفِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يُمْسِكُوا شَيْئاً.
أوعز المسيح لتلاميذه أن يذهبوا بعد صلبه وقيامته إلى الجليل وطنهم المتاخم لبحيرة طبرية. وهو بنفسه أراد أن يسبقهم كالرّاعي الصّالح ويلتقي بهم هناك. لكنّ محبّته دفعته أن يظهر لتلاميذه لَمّا كانوا ما يزالون في أورشليم ليهدّيء مِن خوفهم ويطمئنهم. فوقف عشية الأحد بعد عيد الفصح بينهم، وألقى عليهم سلامه الإلهي، وأرسلهم لتبشير العالمين (مرقس 15: 7 ومتّى 28: 10).
فهل ابتدأ التلاميذ بعد هذا التفويض باصطياد النّاس وتلبية أمر يسوع الّذي أرسلهم كما أرسله الآب؟ هل غيّرت أعجوبة قيامة يسوع مِن بين الأموات تفكيرهم حتّى لا يستطيعوا إلاّ أن يبشّروا العالم بالحياة الأبديّة الظاهرة فيه؟ وللاسف كلاّ. فهم قد رجعوا إلى مهنتهم الأولى صيادي أسماك. وانقسموا فرقاء منهم مَن انفرد لوحده، ومنهم مَن تشارك بمهنة الصيد مع بعض زملائه. وكان بطرس هو المقدام بين هؤلاء الّذين بقوا في المشاركة. ولكنّه ما أرشدهم للطريق إلى كرازة الإنجيل، بل لكسب المعيشة. وما سقط الخبز السماوي تلقائيّاً إلى حضنهم. لهذا كان عليهم العمل، إذا ارادوا أن يأكلوا. وفي عشيّة أحد الأيام قرّر بطرس الانطلاق إلى الصيد. وما شاور رفقاءه بالذهاب معه، بل قام وقال: هأنذا ذاهب إلى البحيرة للصيد. وترك للآخرين التقرير إن أرادوا اللحاق به أو لا. فلم يتركوه وحيداً، بل ساروا معه إلى الشاطىء، وركبوا الزورق، وجدّفوا معاً إلى وسط البحيرة. والقوا مراراً الشبكة إلى الأمواج، وتعبوا كلّ الليل وما حصلوا على سمكة واحدة. كأن يداً عظيمة مانعة السمك مِن دخول شباكهم. فتمرمر الصيادون وهنا، وانحنت ظهورهم مِن التعب. لقد ارهقوا أنفسهم باطلاً. وذلك نتيجة اندفاعهم في العمل بارادتهم الخاصّة دون ارشاد الرّبّ. فنسوا قوله لهم: بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً.
21: 4 وَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ, وَقَفَ يَسُوعُ عَلَى الشَّاطِئِ. وَلَكِنَّ التَّلاَمِيذَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَسُوعُ. 5 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, يَا غِلْمَانُ أَلَعَلَّ عِنْدَكُمْ إِدَاماً.. أَجَابُوهُ, لاَ. 6 فَقَالَ لَهُمْ, أَلْقُوا الشَّبَكَةَ إِلَى جَانِبِ السَّفِينَةِ الأَيْمَنِ فَتَجِدُوا. فَأَلْقَوْا, وَلَمْ يَعُودُوا يَقْدِرُونَ أَنْ يَجْذِبُوهَا مِنْ كَثْرَةِ السَّمَكِ.
لا يترك يسوع تلاميذه حتّى ولو انحرفوا إلى طرق شتى. فوقف على الشاطىء، وانتظر عودتهم مفتكراً في عنادهم وجبنهم وجهلهم وضعفهم. وكان مِن السهولة عليه أن يقذف بالسمك إلى شباكهم. لكنّه قصد تعليمهم، ليقرع ضمائرهم، وليدركوا انّهم لا يستطيعون أن يفعلوا ما يهوونه في أنفسهم بعد اتمام التضحية على الصليب، ولا أن يمارسوا مهنتهم الاعتيادية. لقد وافقوا على قطع العهد بينه وبينهم. فصار شريكهم. وهم شركاؤه. لكنّهم نسوه في هموم ومشاكل اليوم، وتصرّفوا كانّما هو غير موجود ولا رقيب. ولم يكلّم يسوع اتباعه كرسل أو تلاميذ، بل كأطفال وغلمان. لقد نسوا أكثر ما قاله لهم، ولم يطبقوا ما أوصاهم به. ورغم هذا التصرف الخاطيء تواضع يسوع، ولم ينتهرهم، بل طلب منهم قليلاً مِن الغذاء. فكان عليهم الاعتراف المرّ بانّهم لم يصطادوا شيئاً، ولم يفهموا مهنتهم، وليس الله معهم. وبالاجمال ان يعترفوا بخطيئتهم.
فلقد جاءهم يسوع في الصباح المشرق والليل يتلاشى في الأفق. وكأن رجاء جديداً تفجّر عليهم. فلم يقل لهم يسوع: لا بأس إذا لم يصطادوا، أو حاولوا مرّة ثانية، لعلّكم تصطادون. لا بل أمرهم كملك بقوله: القوا الشبكة إلى جانب السفينة الأيمن فتجدوا. ورغم انّهم لم يكونوا وسط البحيرة آنئذ، بل كانوا قد قاربوا الشاطىء حيث ينعدم السمك الكبير عادة، فانّهم استمعوا للاقتراح الغريب وألقوا الشبكة في الجهة اليمنى. ورأى يسوع كلّ السمك السالك في الماء وعلم أين هي. كما يعلم اليوم أين يوجد النّاس الّذين يشتاقون إليه ويريدون سماع كلمته. فإليهم يرسلك. وهو لا يقول لك اصطد جميع النّاس في شبكتك. كلا. إنّما يقول الق شبكة الإنجيل في المكان الّذي أريده أنا. فترى أعجوبة عمل كلمتي. وقد أطاع التلاميذ هذا الأمر المستغرب، ولم يدركوا يسوع الّذي بدأ لهم في الدغشة كرجل عادي. ولعلّه أشار إليهم بالتحية المتعارفة بين الصيادين، ولكن القاها بوعد أكيد، حتّى تشجعوا ورموا شبكتهم رغم تعبهم الكثير. وهوذا قد امتلأت الشباك حتّى كادت تفلت مِن أيديهم لاكتظاظها بالغنية وتغرق إلى القاع. وما قدروا على سحبها بعدئذ. وانّنا لنجد كنائس وارساليات تصطاد بعناد بمكان ومحيط واحد روتيني لا يتغيّر. فلا يجدون سميكة. لكن يوجد مرشدون مِن قبل الرّبّ يصطادون حيث هو يبعثهم، فتمتليء شباك رسالتهم بالصيد الوفير، حتّى انّهم لا يستطيعون حمل الغلّة لوحدهم، فيحتاجون إلى زملاء مخلّصين يعينونهم بالمحبّة.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، اغفر لنا إذا اهتممنا بمعيشتنا أكثر مِن ان نربح أنفسنا لك. ونشكرك لمجيئك إلينا، حتّى ولو ضللنا السبل، فتقودنا إلى الاعتراف بفشلنا. علّمنا اطاعة كلمتك وقدنا إلى النّاس الّذين يشتاقون إليك، وقدهم إلى شبكة إنجيلك، لكي يصبحوا خاصتك إلى الأبد.
السؤال:
27- لِمَ كان الصيد الوفير مدعاة لخجل التلاميذ؟
21: 7 فَقَالَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ لِبُطْرُسَ, هُوَ الرَّبُّ. فَلَمَّا سَمِعَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ أَنَّهُ الرَّبُّ, اتَّزَرَ بِثَوْبِهِ, لأَنَّهُ كَانَ عُرْيَاناً, وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ. 8 وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ الآخَرُونَ فَجَاءُوا بِالسَّفِينَةِ, لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعِيدِينَ عَنِ الأَرْضِ إِلاَّ نَحْوَ مِئَتَيْ ذِرَاعٍ, وَهُمْ يَجُرُّونَ شَبَكَةَ السَّمَكِ.
أدرك يوحنّا البشير الّذي كان بين الصيادين في السفينة فجأة، انّ هذا الصيد الضخم لم يكن مصادفة، وما كان الرجل الواقف على الشاطىء عرّافاً، بل انّه يسوع بالذّات. ولم يتلفظ يوحنّا باسم يسوع كالعادة بل نطق بوقار بقوله: هوذا الرّبّ! وانه لَمِن الخير لنا أن ندرك أنّ الرّبّ يسوع بعد قيامته قام بنفس العجائب وآيات قدرته الّتي كان يصنعها قبل صلبه. فما أعظم خجلنا بسبب عدم إيماننا الّذي يمنع الربّ مِن انقاذ معجزاته! وهو مستعدّ ليستمرّ بآياته الخلاصية، فيصنعها اليوم كما صنعها في الكنيسة الأولى. وفزع بطرس مضطرباً لادراكه أنّ يسوع علّمه للمرّة الثانية تعليمه القاطع بواسطة صيد السمك. فمدّ يده بطريقة طبيعية، وأخذ ثوبه ولبسه، لأنّه ما أراد التقدّم إلى ربّه عرياناً. وخجل لعلمه انّ ربّه رأى كلّ ذنوبه، وعرف اندفاعه وتشاؤمه المرير. واشتياق بطرس إلى الرّبّ كان أهم مِن تحسّره على خطأه. فقذف بنفسه في أليم، رغم لباسه الثقيل، وسبح ناحية الرّبّ. وهكذا ترك السفينة وزملاءه والسمك الطازج لوحدهم. لقد نسي الكلّ، لأنّ قلبه خصّ يسوع فقط. وبقي يوحنّا في السفينة رغم محبّته ربّه كبطرس. فاجتهد الفتى بقوّة مع زملائه مجدّفين بالسفينة نحو الشاطىء المبتعد قرابة المائة متر. وأخيراً وصلوا إلى البِرّ بعد عناء طويل ليحافظوا على الغنيمة الضخمة.
21: 9 فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى الأَرْضِ نَظَرُوا جَمْراً مَوْضُوعاً وَسَمَكاً مَوْضُوعاً عَلَيْهِ وَخُبْزاً. 10 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, قَدِّمُوا مِنَ السَّمَكِ الَّذِي أَمْسَكْتُمُ الآنَ. 11 فَصَعِدَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَجَذَبَ الشَّبَكَةَ إِلَى الأَرْضِ, مُمْتَلِئَةً سَمَكاً كَبِيراً, مِئَةً وَثَلاَثاً وَخَمْسِينَ. وَمَعْ هَذِهِ الْكَثْرَةِ لَمْ تَتَخَرَّقِ الشَّبَكَةُ.
فلَمّا وصل التلاميذ إلى الشاطىء رأوا يسوع مقرفصاً أمام جمرات نار عليها سمك ينضجه. فمِن أين جاء بالفحم ومِن أين السمك والخبز؟! فهو كان يناديهم على بعد مئة متر إذ لم يكن لديهم شيء للغذاء. ولكنّهم لَمّا وصلوا وجدوا عنده السمك مشويّاً. وقد دعاهم لتناول الطعام. إنّه الرّبّ والمضيف بنفس الوقت. وفي لطفه أشركهم بتحضير الغذاء وسمح بوضع اسماكهم على جمرات ناره ليشتركوا معاً في اعداد الأكل. فما كان ربّنا دكتاتوراً، بل انه يشركنا بالعمل والغنيمة. ولو لم يطع تلاميذه مشورته لَمّا اصطادوا شيئاً. ولكن ها هوذا قد دعاهم لتناول الطعام شركاء. ويا للعجب! فانّ الرّبّ الّذي لم يحتج إلى طعام دنيوي ها هو قد تنازل مِن سمّوه إلى مستواهم، واشترك معهم في الطعام ليشعروا بقرابته معهم.
ولكنّ شخصاً واحداً كان ناقصاً. وذاك هو بطرس. انه رمى بنفسه في اليم، إنّما أخّره لباسه الكامل عن السباحة السريعة، فوصل زملاؤه قبله بالسفينة إلى الشاطىء. إذا كلّ غيرته الجسدية لم تنفع شيئاً. فأصبح الأوّل المقدام أخيراً. فهذا كسّر كبرياءه مرّة أخرى أكثر مِن الأوّل. وما كان أمامه ليبرهن بطولته ويخفي فشله إلاّ ان جذب شبكة السمك بيد قوّية والقاها إلى البِرّ. وبعدئذ اقترب مِن الحلقة حول النار ووقف صامتاً. والعدد 153 سمكة يشير حسب تفسير قديم إلى عدد أنواع السمك المعروف آنذاك. وبهذه المعجزة كأنّما الرّبّ يقول لهم: لا تصطادوا نوعاً واحداً معيناً مِن النّاس، بل ايتوني بنخبة مِن كلّ الشعوب والأنواع. الكلّ مدعوون ليدخلوا إلى حياة الله. وكما أنّ الشبكة لم يتمزّق رغم تعتعتها وشدّها مِن السمك الهائج داخلها، هكذا نؤمن انّ الكنيسة الحقّة لا تنكسر ولا تفقد وحدة الرّوح القدس، حتّى ولو رغب بعض أعضائها التمسّك بأنانيتهم وعدم محبّتهم أماتت كبرياءهم، ليصبحوا خاصّة يسوع فيحيوا.
21: 12 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ, هَلُمُّوا تَغَدَّوْا. وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ مِنَ التَّلاَمِيذِ أَنْ يَسْأَلَهُ, مَنْ أَنْتَ. إِذْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ الرَّبُّ. 13 ثُمَّ جَاءَ يَسُوعُ وَأَخَذَ الْخُبْزَ وَأَعْطَاهُمْ وَكَذَلِكَ السَّمَكَ. 14 هَذِهِ مَرَّةٌ ثَالِثَةٌ ظَهَرَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ بَعْدَمَا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ.
جمع يسوع تلاميذه حول نار محبّته. وما ابتدأوا بالاكل إلاّ بعد أن اصطفوا جميعاً. ولقد كان الهدوء ضاغطاً على هذه الجماعة. فلم يتجاسر أحد أن يتلفّظ بكلمة واحدة. لأنّ الكلّ عرفوا أنّ الرجل الغريب كان هو الرّبّ بالذات. وتمنّوا أن يسارعوا لمعانقته وتقبيله، ولكنّ الخوف والرهبة منه أوقفتهم جموداً. فكسر يسوع الصمت المطبق وباركهم عندما ابتدأ بتوزيع الطعام عليهم. فغفر بعطائه هذا ذنوبهم وثبت أخوته معهم مجدّداً. إنّ كلّ التلاميذ يعيشون مِن غفران ربّهم المستمرّ، وبدون امانته للعهد يهلكون، لأنّهم بطيئون في الإيمان والرجاء. ولم يوبّخهم الربّ بكلمة واحدة، بل قوّاهم بغذائه العجيب. وهكذا يطالبك الله أيضاً رغم أخطائك وبطئك في التبشير ويقوّيك بمحبّته وبركاته. هذا هو نمط يسوع في صنع عجائبه في العالم بعد أن قام مِن الأموات منتصراً.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح ابن الله ارحمنا. انّنا بطيئون كسالى جهلاء. ولا نستطيع أن نقدّم لك ملء السمك. اغفر لنا ذنوبنا وعدم اطاعتنا، وعلّمنا الاصغاء لكلمتك، لكيلا ننطلق بطرق خاصّة. نؤمن بلطف هداك وبركات حضورك. أنت تثبتنا في عهدك، وتغفر لنا يوميّاً بغنى وافر كلّ آثامنا. نسجد لك ونكرس أنفسنا لشكر دائم.
السؤال:
28- لِمَ لم يتكلّم التلاميذ كلمة واحدة؟
ب- تثبيت بطرس في خدمته الرعوية
(19: 15- 19)
21: 15 فَبَعْدَ مَا تَغَدَّوْا قَالَ يَسُوعُ لِسِمْعَانَ بُطْرُسَ, يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا, أَتُحِبُّنِي أَكْثَرَ مِنْ هَؤُلاَءِ. قَالَ لَهُ, نَعَمْ يَا رَبُّ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ. قَالَ لَهُ, ارْعَ خِرَافِي.
خيّم الهدوء على التلاميذ أثناء اكلهم. ولم يخبرنا يوحنّا عن كلمات ترحيبية بين يسوع والتلاميذ، كتلك الكلمات الوداعية الّتي سجّلها للرب في أثناء العشاء الربّاني. فنلاحظ أنّ يسوع كان يصمت بعض المرّات عن الكلام أمام النّاس وحتّى أمام تلاميذه، ليتذكّروا ما قاله لهم سابقاً. لقد غفر المسيح لتلاميذه عند ظهوره الأوّل عشيّة الفصح كلّ خطاياهم وهربهم وانكار بطرس، بقوله سلام لكم. ولكنّ انكار مقدام التلاميذ احتاج إلى توضيح خاص ليتقاصص الشرّ ويتبرّر الشرّير. وكيف مارس يسوع هذه الخدمة لبنيان تلميذه الأكبر؟ فهل وبّخه أو فضحه أمام الآخرين؟ لا، فانّ الطف محبّة والاهتمام الشديد يظهر مِن كلمات الربّ فاحص القلوب. وما نطق يسوع كلمة واحدة عن انكار بطرس، ليترك له المجال بامتحان ذاته وادراك حالته وادانة نفسه بنفسه. ولم يخاطب يسوع تلميذه المختار بلقبه الفخري بطرس، بل باسمه الأصلي سمعان بن يونا. فما تصرّف هذا الرجل كابن الله لتمجيد الآب السماوي بل عاش كإنسان بين النّاس وخاطيء بين الخطاة، ورجع إلى مهنته السابقة وارتّد إلى صفاته الأولى. وهكذا يسألك يسوع اليوم: أتحبّني؟! هل حفظت كلماتي وآمنت بوعودي؟ هل أدركت جوهري واقتربت منّي؟ هل انتسبت إليّ وضحيّت بمالك ووقتك وقوّتك لأجلي؟ هل أفكارك دائماً حولي وأصبحت واحداً معي؟
وسأل يسوع بطرس قائلاً له: أتحبني أكثر مِن هؤلاء. فلم يفهم التلميذ هدى ربّه الّذي أرشده للاعتراف والتواضع، ليقول: لا يا رب لست أفضل مِن الآخرين، لأني انكرتك وارتددت إلى أخلاقي. وللأسف فقد كان بطرس لا يزال متكلاً على ذاته فابتدأ جوابه باعتداد وافتخار، قائلاً: نعم! لقد وثق بعواطفه إلاّ انّه حدد محبّته حسب النص اليوناني، بمحبّة ومودّة بشرية فقط، وليس كمحبّة إلهية صادرة مِن الرّوح القدس والإيمان اليقيني الّتي سأله الربّ إياها. مع العلم أن بطرس عرف قدرة الربّ على قراءة أفكاره. فرأى أنّ مودّته للرّبّ وحقّه واحترامه أميناً. فهل تستطيع أيّها الأخ أن تجاوب ربّك أيضاً بمثل جواب بطرس: نعم أيّها الرّبّ، أنت تعلم أنّي أحبّك.
ولم يؤنب يسوع شهادة بطرس عن محبّته، بل أمره أن يحقّق محبّته لله بعنايته باتباعه. فقد فوض الربّ هذا الفاشل مرّة أخرى لرعاية مبتدئي الإيمان. وقد اشترى يسوع حمل الله حملاناً خاصّة له. فهل أنت مستعدّ أيضاً لتخدمهم وتحتملهم وترشدهم بصبر وتنتظر نضجهم، أو تطلب منهم أكثر مما يستطيعون احتماله، أو تتركهم ينفصلون عن الرعية ليتشتتوا مزقاً؟ لقد طلب يسوع مِن بطرس قبل كلّ شيء الاهتمام بمبتدئي الإيمان. وهذا يعلّمنا تفسير مقاصد محبّة الله العملية الحقّة في الكنيسة.
21: 16 قَالَ لَهُ أَيْضاً ثَانِيَةً, يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا, أَتُحِبُّنِي. قَالَ لَهُ, نَعَمْ يَا رَبُّ, أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ. قَالَ لَهُ, ارْعَ غَنَمِي.
لم يترك يسوع مقدام تلاميذه يمضي بسهولة قبل اثباته في المحبّة والخدمة، فشدّد عليه ليظهر مقاصده الداخلية، واخترق بعينيه قلبه، وسمّاه مرّة ثانية باسمه القديم مبيناً مِن جديد طبيعته القديمة بغرورها وتسرّعها في الخير والشرّ. كأنّه يقول له: ألم تجاوبني متسرّعاً عندما قلت بسهولة أحبّك؟ أليست محبّتك بشرية ناقصة؟ وهل تحبّني حقّاً أم محبّتك لذاتك؟ وهل ميلك إليّ طاهراً مخلّصاً كمحبّة الله وعندك استعداد أن تنفتح لروح الله ومسيرته؟ وهل محبّتك عاطفية ودخان مبدّد أم إرادة صادقة وعمل مخلّص.
لقد جال سؤال يسوع في رأس وقلب بطرس، الّذي بعد فحص صميمه لم يستطع إلا أن يقول بكلّ تواضع ويقين أمام وجه الله: أيّها الرّبّ أنت العليم أنت تعرفني وتعرف حدودي وامكانياتي. ومحبّتي ليست مخفية عليك. انّي أحبّك حقّاً وأفضّل بذل حياتي لأجلك مطواعاً. قد فشلت وسأفشل أيضاً. لكنّ محبّتك أوقدت فيّ المحبّة الّتي لا تزول. فأنا أحبّك حبّاً أبديّاً. ولم ينكر يسوع هذه المحبّة. ولم يمتدح قائلها، بل أعلن له: كما تحبّني هكذا أحبّب أعضاء كنيستي البالغين، ورعايتهم ليست هينة. فكثير منهم عنيدون ومترددون ويذهبون بطرق خاصّة لا تنفع. فهل تريد حمل خرافي الثقيلة على كتفيك فتتعب منها. فانّك مسؤول عن رعيّتي. فهل أنت ظانّ أنّه بمقدورك أن تكون راعيّاً مفوضاً على رعيتي الإلهيّة؟ فهأنذا فوّضتك راعيّاً على كنيستي.
21: 17 قَالَ لَهُ ثَالِثَةً, يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا, أَتُحِبُّنِي. فَحَزِنَ بُطْرُسُ لأَنَّهُ قَالَ لَهُ ثَالِثَةً, أَتُحِبُّنِي. فَقَالَ لَهُ, يَا رَبُّ, أَنْتَ تَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ أَنِّي أُحِبُّكَ. قَالَ لَهُ يَسُوعُ, ارْعَ غَنَمِي.
ولقد انكر بطرس مِن قبل ربّه ثلاث مرّات، فقرع يسوع على قلبه ثلاث مرّات مقابلها، وأمتحن حقيقة محبّته، والربّ لم يتكلّم عن المحبّة البشريّة الصادرة مِن قلب الإنسان، بل أكّد لبطرس على ضرورة المحبّة الإلهيّة الصادرة مِن الرّوح القدس فقط. فما وجد بطرس هذا النوع مِن المحبّة في نفسه، لأنّه لم يستلمها إلاّ بحلول الرّوح القدس في عيد العنصرة المجيد. والرّبّ استمرّ يدقّق عليه بالسؤال والتفحص: هل أنت عمليّاً مرتبط بي، أكثر مِن كلّ الارتباطات البشريّة، حتّى انك تقدّم حياتك في سبيل خلاص العالم؟ ونظر بطرس إلى عيني ربّه الفاحصتين ولم يغض الطرف أمامها، بل بقي متطلّعاً إلى الربّ، لأنّه لم يكن في قلبه كذب نحوه. فلقد أحبّ يسوع حقّاً واعترف بمحبّته له. إنّما جاوبه هذه المرّة الثالثة على سؤاله بحزن وخجل، ولم يقل هذه المرّة الأخيرة: انّي متيقّن بمحبّتي لك، بل قال أنت أيّها الرّبّ تعلم أنّ قلبي يخصّك، وتعرف فؤادي والمصارعة في صميمي بين المجرب والمعزي. فأتكل عليك أن تقدّس محبّتي وتحفظني. طهّرني لكي أحبّك كما تحبّني إلى الأبد بحمد وشكر. واعترف بطرس انّ الحقّ كان مع الربّ لَمّا تنبأ له بانكاره ثلاث مرّات قبيل الصلب، وانّه عالم بكلّ شيء، فسمّاه باعترافه، انه الإله الحقيقي، العليم بذات الصدور، فثبت يسوع إذ ذاك وظيفته الرعوية وسلّمه جميع خرافه للاعتناء بها.
ما أعظم المحبّة الّتي مِن الآب نحونا لأنّه دعانا رعاة في رعويته ونحن فاشلون. وما سألنا عن مواهبنا وشهاداتنا وبلاغتنا وخبرتنا وأموالنا، بل عن شيء واحد فقط: أتحبّ المسيح؟ فالتصاقنا بيسوع وحده يؤهّلنا لخدمة الرعوية في رعويته الخاصّة. وما قال يسوع لبطرس أبداً، أرع الحملان أو الخراف بل أرع غنمي وخرافي. فليس إنسان متملّك، فأنت خاصّة يسوع فقط. ولست أنت أباً روحيّاً لإنسان آخر، فالله هو أبونا، بل انّك أخ بين الأخوة. فلك ما لهم وعليك ما عليهم. وهكذا تشترك في الامتياز أن يولد حملان روحيّون كثيرون لله وتساهم برعاية خراف الله في مراع خضر وحماية أمينة.
أأنت راع ساهر على رعيّة الله؟ أترى الذئاب والأرواح المضلّة مقبلة، تلك المتكلّمة عن صلاح البشر وإنسانية يسوع فقط. لا تنس انّنا كلّنا خطاة وليس لنا حقّ أن نعيش ونشترك في رعاية الله إلاّ بالصليب. ومما لا ريب فيه أن الرعاة يحتاجون إلى غفران يومي أكثر مِن الخراف، لأنّهم كثيراً ما يهملون مسؤوليتهم الكبرى.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح، أنت الراعي العظيم. أقبلني خروفاً مطيعاً في رعيتك. وقد دعوتني راعيّاً، ولست استحق هذه الدعوة، لأنّني غير كامل في اتباعك. وأنت تستودعني خراف محبّتك. فانا أعود إليك بها ملتمساً منك أن ترعى بنفسك غنمك مانحاً إيّاهم حياتك الأبديّة وحافظاً لهم في يدك اليمنى، لكيلا يخطفهم أحد. قدّس خرافك وامنحنا الصبر والتواضع والإيمان والرجاء لنثبت في محبّتك. فانّك لا تتركني وتحبّني إلى المنتهى.
السؤال:
29- ما الّذي أثر فيك مِن المحادثة بين يسوع وبطرس؟
21: 18 اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ, لَمَّا كُنْتَ أَكْثَرَ حَدَاثَةً كُنْتَ تُمَنْطِقُ ذَاتَكَ وَتَمْشِي حَيْثُ تَشَاءُ. وَلَكِنْ مَتَى شِخْتَ فَإِنَّكَ تَمُدُّ يَدَيْكَ وَآخَرُ يُمَنْطِقُكَ, وَيَحْمِلُكَ حَيْثُ لاَ تَشَاءُ. 19 قَالَ هَذَا مُشِيراً إِلَى أَيَّةِ مِيتَةٍ كَانَ مُزْمِعاً أَنْ يُمَجِّدَ اللَّهَ بِهَا. وَلَمَّا قَالَ هَذَا قَالَ لَهُ, اتْبَعْنِي.
عرف يسوع تلميذه بطرس بقلبه الحماسي المنفعل، وشبه ماضيه بتهوّر غير حكيم ورجولة منتفخة الّتي لم تنتج إلاّ الفشل تلو الفشل. وكثيراً ما نجد هذه المرحلة الاندفاعية في حياة الشباب عند بداءة إيمانهم بالمسيح. فما ان يختبروا الرّوح القدس حتّى يهبّوا وينطلقوا ليخلّصوا الآخرين، ولكنّهم على الغالب يخدمون بتحمّس بشري، وليس بارشاد يسوع اللطيف المبني على الصّلوات وتعاون الأخوة. وتنبأ يسوع لبطرس بانّه سوف لا يبقى واثقاً بنفسه في تقدّم عمره ونضوجه الرّوحي. فلسوف يتطلّع إلى ارشاد الرّبّ، ويستسلم له كأسير محبّته. ولا يريد إلاّ ما يريده هو. وانكار النفس إلى هذه الدّرجة يتطلب معرفة الضعف الشخصي واكتشاف عدم القدرة في الذات والجهالة المغشية على البصر. فمَن يتيقّن انّه لا يعرف شيئاً ولا يقدر على شيء ولا يملك شيئاً، فانه يشتاق إلى مخلّص ويختبر هدى يسوع وقوى قيامته أكثر مما كان يختبر وهو في عز افتخاره بنفسه وحماسه الشبابي.
ولقد ثبت بطرس حقّاً في هدى ربّه، وبقي في أورشليم، ولم ينطلق للعالم كلّه ليبشّر الأمم. وقبل المثول أمام المجلس اليهودي للمحاكمة محتملاً ضربات السياط والقي في قمر السجن عدّة مرّات حتّى حرّره ملاك الرّبّ. وكذلك فانّه توجّه بأمر يسوع وارشاده المؤكّد إلى بيت كرنيليوس الضابط الروماني حيث اختبر عكس اعتقاده السابق أنّ الرّوح القدس حلّ مجّاناً على هذا المعتبر نجساً. فظلّ بطرس أميناً لهدى الرّبّ الّذي اتّضح له. وشهد أمام أخوته في أورشليم بالحقّ الجديد للأمم، وفتح بشهادته الباب لتبشير الوثنيين في الكفاح وسط أورشليم. وبعد أن تحرّر بطرس مِن سجن هيرودس تجوّل بين الكنائس المؤسسة حديثاً، خصوصاً بعد أن قبض على بولس وطرح في السجن. فزار مقدام الرسل المسيحيين مِن أصلهم الأممي، وشجّعهم بكلمته الأبوية. ويخبرنا التقليد انّه مات في روما أثناء الاضطهاد النيروني. واعتبر نفسه غير مستحقّ أن يصلبوه مقلوباً رأسه إلى أسفل ورجلاه إلى أعلى. ولعلّ يسوع قد دلّ على هذه الوفاة عندما أخبر أنّ بطرس سيمجّد الله بوفاته.
قال بطرس ليسوع سابقاً انّه يريد أن يضحّي بحياته مِن أجله. فجاوبه الرّبّ إذ ذاك قائلاً له: لا تستطيع أن تتبعني الآن لكن بعدئذ ستتبعني (يوحنّا 13: 36). إنّ يسوع قد اشرك تلاميذه بحضوره وقوّاه ومجّده ليكونوا معه ومع الآب والرّوح القدس واحداً. فاشركهم أيضاً في آلامه وموته الّذي هو التمهيد للمجد المبين. فمِن هنا ندرك مرّة أخرى ان المجد المذكور في إنجيل يوحنّا لا يعني بهاء وكرامة وأبّهة بل آلاماً وصليباً في سبيل المحبّة. ولا شكّ أنّ بطرس لم يقدر على تمجيد الله مِن تلقاء نفسه. لكنّ دم المسيح طهّره وقوّة الرّوح القدس قدّسته حتّى انكر نفسه وعاش للرّبّ ومات لتمجيده.
وربّما انّ بطرس لَمّا سمع بهذه النبوة شعر بمرارة واستياء وتزعزع في ذاته. فعندئذ اخترق ربّه خواطره وأمره كضابط لجنديه بأمر موجز اتبعني. فحياة الرسول والعبد للمسيح لا تتم باستقلاله بل اتباعه الطوعي بهدى ربّه المستمرّ. وبمقدار اتباعنا ليسوع في الحياة والموت سنأتي بثمار محبّته ونمجّده ونقدّس اسم الآب الحنون.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع المسيح نشكرك انّك لم ترفض بطرس رغم انكاره، بل دعوته ليمجد الثالوث الأقدس بحياته وموته. اقبل حياتنا أيضاً، وطهّرنا لكي نضع إرادتنا بالتّمام تحت هداك، ونحفظ وصاياك، ونحبّ أعداءنا، ونكرمك باطاعة إيماننا للمنتهى. فتصبح حياتنا حمداً لنعمتك العجيبة.
السؤال:
30- كيف مجّد بطرس الله؟
ج- نبوات يسوع عن المستقبل
(21: 20- 23)
21: 20 فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التِّلْمِيذَ الّذي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ, وَهُوَ أَيْضاً الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ, وَقَالَ, يَا سَيِّدُ, مَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُكَ. 21 فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ هَذَا, قَالَ لِيَسُوعَ, يَا رَبُّ, وَهَذَا مَا لَهُ. 22 قَالَ لَهُ يَسُوعُ, إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ, فَمَاذَا لَكَ. اتْبَعْنِي أَنْتَ.
سمع بطرس أمر ربّه، الّذي دعاه لرعاية حملانه وغنمه. وبما أنّ يوحنّا كان أصغر التلاميذ، فقد أراد مقدام الرسل أن يعرف بالتمام مِن يسوع ما عسى أن يكون موقفه مِن حالة يوحنّا الفتى. هل يرسلونه إلى بيته لصغره أو يبقونه ملازماً لهم في الجهاد والقراع المميت. ولعلّه كان في كلمات بطرس بعض الحسد الخفي للفتى، لأنّ يسوع كان يفضّل يوحنّا على الآخرين وأحبّه أكثر منهم وحماه مِن الرجال الغليظين. وقد استغلّ بطرس في عشية قطع العهد هذا الامتياز فأومأ إلى يوحنّا، ليتوسّط لهم مع الرّبّ، ليجلو الجو المتوتّر فيسمّي الخائن. وسمح يسوع ليوحنّا أن يتّكيء كولد على صدره وجاوبه على سؤاله بالحقّ والحكمة. وكان الفتى يوحنّا متعلّقاً بيسوع إلى درجة انّه وقف تحت الصليب مخاطراً بحياته أمام أعداء المسيح والجند الروماني. وكان هو أوّل مَن آمن بقيامة الرّبّ وأدركه قبل الآخرين عند اجتناء السمك في البحيرة. ولقد اتّبع يسوع حقّاً في الوقت الّذي كان فيه يسوع يدعو بطرس لأتباعه، لأن قلب يوحنّا اتّحد مع ربه. فكان أقرب له مِن كلّ التلاميذ الآخر.
ولعلّ بطرس سأل يسوع أيضاً ان كان على يوحنّا ان يقابل نفس المستقبل العسير كما تنبأ له شخصيّاً. أو كان هذا التمجيد لله يبقى امتياز مفرداً له. فجاوب يسوع مقدام الرسل انّه ما فوّضه ليكون باباويّاً متسلّطاً على الرسل الآخرين، بل ليكون الأخ الأكبر لأخوته المتساوين. فليس مِن مسؤولياته الاهتمام بمصير يوحنّا، لأنّه متبع ربّه وليس متبعاً بطرس. فكلّ مؤمن يكون متعلّقاً بربّه مباشرة. وهكذا نرى مِن بعدئذ أنّ التلميذين يقفان معاً عمودين في الكنيسة. وبينما كان بطرس هو المتكلّم عن الرسل، بقي يوحنّا صامتاً لطيفاً محبّاً، الّذي ساند بقوّة صلواته وصبره الطويل الكفاحات العقائدية في الكنيسة، وأثر على التطورات الرّوحية بقوّة صلوات نفسه (أعمال الرسل 3: 1 و8: 14 وغلاطية 2: 9).
وإنّنا لنرى مِن تعيين يسوع المسبق لسيرة حياة يوحنّا، انّه ليس مهماً ان عشنا مدّة طويلة في خدمة يسوع أو متنا لأجله سريعاً. فالأهم مِن ذلك هو أمانتنا واطاعتنا الإيمانية المستمرّة له. والمسيح لا يقود اتباعه كالقالب متجمّد، بل يهيّء لكلّ منهم طريقاً خاصّاً لتمجيد ربّه. فلا نسمع شيئاً عن موت يوحنّا على الصليب. فلعلّه قد توفيّ ميتة طبيعية بكلّ هدوء، لأنّه ما اعتبر نفسه مهمّاً حتّى انّه ما ذكر اسمه في الإنجيل كلّه. بل شاء أن يمجّد اسم ربه وحده. وأمر يسوع بطرس أن ينظر إليه وحده، ولا يتطلّع إلى التلاميذ الآخر. فهذا معناه ألاّ نغضب مِن سيرة المسيحيين الآخرين، بل نسعى لمعرفة إرادة الله في حياتنا بدقّة ونتبعه حالاً بلا قيد ولا شرط. فالاتباع الأمين هو الشعار الحقّ لحياة كلّ مسيحي.
وتكلّم يسوع إلى تلاميذه بكلّ بساطة عن مجيئه الثاني. فما حدث بينهم شقاق: هل يأتي أم لا؟ فاتيانه كان مكفولاً. كما انّه مما لا شكّ فيه انّ المسيح لا يكذب. فمجيء المسيح الثاني هو هدف تاريخ العالم. وكلّ أفكار التلاميذ اتّجهت نحو هذه النقطة المستقبلية. وبحضور الله مع النّاس سيتمّ شوق الأجيال. وسيأتي المسيح في المجد. هل تنتظره وتعد طريقه بصلواتك وخدماتك وترانيمك وشهاداتك وسيرتك المقدّسة؟ كلّنا نتقدّم نحو مجيء المسيح ونتمنّى لقاءه قريباً. ولسوف نجد في حضرته جماهير المؤمنين الّذين تبعوه بإيمان مباشر، ولم يتبعوا ما عداه.
21: 23 فَذَاعَ هَذَا الْقَوْلُ بَيْنَ الإِخْوَةِ, إِنَّ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ لاَ يَمُوتُ. وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ يَسُوعُ إِنَّهُ لاَ يَمُوتُ, بَلْ, إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ, فَمَاذَا لَكَ.
يغلب على الظنّ انّ يوحنّا عاش طويلاً حتّى بلغ الشيخوخة، وصار رمزاً في الكنائس لمجيء المسيح الثاني. وحام حوله الاعتقاد انه لا يموت حتّى مجيء الربّ. وهكذا تمنّى بولس أيضاً في ترقّب مجيئه القريب، انّه لا يموت بل يتغيّر في الحال ويختطفه الرّبّ عند لوحانه في السحاب. بل كان يوحنّا واقعيّاً، ودل كنائسه بكلّ وضوح على معنى قول الرّبّ الّذي لا يقصد ان يوحنّا لا يموت حتّى تنفتح السماوات ويظهر المجيد. إنّما قصده انّ قراراته لا تخضع لأماني بطرس. وإنّ الرّبّ باق الرّاعي الصّالح. الّذي يقود كلّ تلميذ له في طريق خاصّ. ولَمّا مات يوحنّا عند شيخوخته في البل الغربية بآسيا الصغرى، كان قد أعدّ كنائسه لموته بواسطة تسليمه كلمة يسوع إليها، لكيلا تتزعزع في رجائها المصون، لأنّه ليس حياة المسيحيين مهمّا أو موتهم ولا حتّى الرسل. الاّ الوعد اليقين بمجيء المسيح القادم في المجد العظيم. انّه رجاؤنا وإيّاه نحبّ.
الصّلاة: أيّها الرّبّ يسوع أنت المخلّص المجيد والرّاعي الأمين. نشكرك لأنّك قدت بطرس ويوحنّا طريقاً خاصاً لكلّ منهما، ليمجداك بحياتهما وموتهما. امنحنا الامتياز لكيلا نتبع أحداً إلاّك. ونكرمك بخدماتنا وتضحياتنا. ارشد أقرباءنا وأصدقاءنا لهدف مجيئك لكي يستعدّوا بفرح لحضورك القريب المؤكّد.
السؤال:
31- ماذا تعني كلمات يسوع الأخيرة في إنجيل يوحنّا؟
د- الشهادة ليوحنّا وإنجيله
(21: 24- 25)
21: 24 هَذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهَذَا وَكَتَبَ هَذَا. وَنَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَتَهُ حَقٌّ.
لسنا ندري إن كان كاتب الاصحاح الحادي والعشرين هو يوحنّا بالذّات أم قد ألّفه جماعة مِن التلاميذ وأضافوه للإنجيل الّذي تذيل باختتام واضح آخر الاصحاح العشرين عدد 30- 31. ونستنتج مِن أقوال الرّجال المكلّفين باصدار إنجيل يوحنّا، انّهم شهدوا بأربع حقائق مهمة رسمية.
1- عاش البشير يوحنّا زمن اصدار إنجيله، وكان معروفاً في الكنائس المتكلّمة باللّغة اليونانيّة. وكان تلميذاً ليسوع الّذي تبعه منذ أيام يوحنّا المعمدان إلى ابان صعوده إلى السماء.
2- كان يوحنّا الشاهد العيان ليسوع المسيح. وقد سمع كلّ كلماته الّتي ذكرها في إنجيله، ورأى أعماله بأمّ عينيه. فليس أحد الأعضاء في الكنائس مِن مؤمني الجيل الثاني هو الّذي ألفّ الإنجيل، بل يوحنّا بذاته ألفه بنفسه بصفته التلميذ المقرب الّذي كان الرّبّ يحبّه.
3- ولربّما لم يكن يوحنّا قديراً باللّغة اليونانية الّتي كتب بها الإنجيل لأوّل مرّة، بل أملى أفكاره السامية لأحد تلاميذه الموهوبين بلاغة. ورغم هذا، فقد جاء المعنى صحيحاً، ولم تتغيّر الحقائق فيه مطلقاً. والمسؤولون عن اصدار الإنجيل قد اعترفوا بصوت واحد انّ شهادة يوحنّا حقّة. وهذه الشهادة عن صدق شاهد المسيح كانت ضرورية، لأنّ إنجيله اختلف شكلاً ومضموناً بنقط ملموسة عن الأناجيل الثلاثة الأخرى. تلك الّتي كانت موجودة ومنشرة في الكنائس آنذاك في طول البلاد وعرضها. فيسرّنا وجود هذا الإنجيل الفريد لتلميذ المسيح المحبوب.
4- والمصدّرون للإنجيل أعلنوا أنفسهم كجماعة مِن أشخاص متعدّدين قد اختبروا حقّ المسيح في حياتهم، وإذ قبلوه فقد نالوا السلطان ليكونوا أولاد الله أي المؤمنين باسمه. فحلّ فيهم روح تمييز الأرواح وعرفوا ما هو الحقّ وما هي المبالغة والكذب. ولقد اختبروا روح الحقّ المعزّي الّذي أرشدهم إلى كلّ الحقّ.
21: 25 وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ, إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً, فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ.
يعثر فريق مِن النّاس بتعدّد الأناجيل أربعة، وانّها ليست واحدة. وإذا اعتبرنا رسائل بولس حسب تعبيره إنجيلاً فتكون خمسة. كما أنّ حياة كلّ مسيحي صادق انّه سمع مِن الرسل عن كثير مِن أقوال وأعمال يسوع حتّى انّه لا يستطيع أن يجمع الكلّ لأنّ ملء الله قد حلّ في المسيح. وهو حيّ اليوم ساكن في كنيسته ويرشدها وهي تابعة لخطواته. فلو حاولنا كتابة كلّ أعمال المسيح المقام مِن بين الأموات حتّى يومنا هذا، ولوقسنا تاريخ العالم بالرّوح القدس ومقاصده الرّوحية، إذا لحقّ أنّ كلّ مكتبات العالم لا تستطيع وسع الكتب المعظّمة لاسمه. فكلّ المسيحيين سيحتاجون إلى الأبديّة ليستفهموا عن طول وعرض وعمق وعلو قوّة محبّة المسيح العاملة في تاريخ الشعوب.
وربّنا الحيّ لا يعمل بواسطة الضباب والدخان بل بواسطة كلمته وحدها، كما هي مسجّلة في العهد الجديد فنعتبر أنفسنا سعداء، لأنّنا نسمع صوته وندرك أفكاره ونتبع دعوته. وقد رسم يوحنّا البشير لنا محبّة وشلاّل رأفة يسوع المسيح. حتّى يعترف كلّ مَن يتعمّق في إنجيله بروح الصّلاة بهذا الاعتراف: ورأينا مجده مجداً كما لوحيد مِن الآب مملوءاً نعمة وحقّاً. ومِن ملئه نحن جميعاً أخذنا ونعمة فوق نعمة.
الصّلاة: نشكرك أيّها يسوع المسيح، لأنّك الهمت عبدك يوحنّا ليكتب إنجيل محبّتك. وأنت المتكلّم إلينا بواسطة هذه الكلمات. فنشكرك لحنانك وأقوالك وأعمالك وحياتك وموتك وقيامتك. ونشكرك لأنّك أنت راعينا الصّالح، وليس أحد يخطفنا مِن يدك. لقد أعلنت لنا الآب. وغفرت ذنوبنا. وأحييتنا بروحك. نحن منتظروك بفرح، وملتمسون منك خلاص أصدقائنا وأعدائنا، لكي يترقبوك معنا، ويروا مجدك الباهر، وينكسروا في حضورك معترفين بشهادة رسولك: ورأينا مجدك العظيم.
السؤال:
32- بماذا يشهد الّذين أصدروا إنجيل يوحنّا؟
اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ،
إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي
وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي
فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ،
وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ،
بَلْ قَدِ انْتَقَلَ
مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ.
(اعلان يسوع المسيح
حسب البشير يوحنّا 5: 24)
المسابقة الخامسة لإنجيل المسيح حسب البشير يوحنّا عن:
النّور يغلب الظلمة
جاوبنا أيضاً على 26 سؤال مِن هذه الأسئلة ال32 على الأقلّ، فتحصل على جائزة مِن دراسك لانجيل المسيح حسب البشبر يوحنا.
الأسئلة:
1- ما هو الفكر الأساسي في أوّل جزء مِن صلاة يسوع؟
2- ماذا يعني إعلان اسم الآب بواسطة يسوع؟
3- ماذا يعني حفظنا في اسم الآب؟
4- كيف طلب يسوع مِن أبيه حفظنا مِن الشرّ وتثبيتنا في شراكة الله؟
5- ما الّذي طلبه يسوع مِن أبيه لأجلنا؟
6- ما هي خلاصة الصّلاة الكهنوتية ليسوع؟
7- ماذا يعني إعلان يسوع ذاته لأعدائه أمام باب البستان؟
8- ماذا كانت العلاقة بين يسوع وبطرس أثناء الاستجواب عند حنان؟
9- كيف يكون يسوع ملكاً؟
10- ماذا نتعلّم مِن صورة المسيح المجلود الحامل رداء الأرجوان وتاج الشوك؟
11- لِم حكم بيلاطس على يسوع؟
12- ماذا يعني الإعلان المكتوب فوق الصليب؟
13- ما هي كلمات يسوع الثلاث الّتي نطقها على الصليب وشهد لنا بها يوحنّا؟ وما هي معانيها؟
14- ماذا نتعلّم مِن عدم كسر عظام يسوع؟ ومِن طعنة الرمح المخترقة جثّته؟
15- ماذا نتعلّم مِن دفن يسوع؟
16- ما هي الأدلّة الثلاثة البارزة لقيامة المسيح؟
17- بماذا آمن يوحنّا وهو في القبر الفارغ؟
18- لِمَ لم تتوقّف مريم في بحثها عن جثّة يسوع حتّى أعلن ذاته لها وسمّاها باسمها؟
19- ما هي رسالة المسيح على لسان مريم المجدلية إلينا؟
20- ماذا تعني الكلمة الأولى الّتي قالها المقام مِن بين الأموات لتلاميذه؟
21- لِمَ فرح التلاميذ؟
22- ما هو الشيء الغريب في ارسال التلاميذ؟
23- مَن هو الرّوح القدس. وما الّذي يعمله بواسطة شهادتك للمسيح؟
24- ماذا يعني اعتراف توما؟
25- لِمَ يطوّب يسوع المؤمنين الّذين لم يروه؟
26- عمّ يعبر يوحنّا في ختام إنجيله؟
27- لِمَ كان الصيد الوفير مدعاة لخجل التلاميذ؟
28- لِمَ لم يتكلّم التلاميذ كلمة واحدة؟
29- ما الّذي أثر فيك مِن المحادثة بين يسوع وبطرس؟
30- كيف مجّد بطرس الله؟
31- ماذا تعني كلمات يسوع الأخيرة في إنجيل يوحنّا؟
32- بماذا يشهد الّذين أصدروا إنجيل يوحنّا؟
الحياة الفضلى – ص. ب. 226- مزرعة يشوع – المتن – لبنان